{"page_id":2534212,"book_id":2827,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":1,"sequence_num":1,"body":"أثر التوحيد\rالتوحيد هو ذلك العقد المتين الذي إذا وقر في قلب المسلم انبعث نوره في جميع الجوارح، فصار العبد متحرراً من عبودية النفس والهوى والشيطان والدنيا، وكان عبداً خالصاً لله ﵎، فتسلم أعماله فما ينقصها أو ينقصها، وينشرح صدره بما قدر له وعليه في هذه الدنيا، وتعلوه السكينة والوقار.\rوقد جعل الله التوحيد أصل الدين، فلا قيام للدين بدون توحيد، ولا فلاح ولا نجاح في الدنيا والآخرة مع غياب التوحيد، وبه ينجو الفرد والمجتمع من عذاب الله وأليم عقابه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534213,"book_id":2827,"shamela_page_id":2,"part":"1","page_num":2,"sequence_num":2,"body":"بيان معنى التوحيد المطلوب من العبد\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فلا شك أن الدروس التي تنظم عدداً من الجمل في قضية مهمة مثل قضية التوحيد؛ لا شك أنها دروس لها أهميتها بالنسبة لنا وبالنسبة للمسلمين جميعاً، ومن هنا فإن الدرس التالي سنعرض فيه إن شاء الله تعالى لأثر التوحيد.\rوأحب في مقدمة هذا الدرس أن أبين عدة أمور: أولها: أن التوحيد الذي نتحدث عن أثره هو ذلك التوحيد الذي جاء به رسول الله ﷺ، وجاءت به الرسل من قبله، وسلك أتباعهم رضوان الله عليهم منهاجهم، وعلى رأس أتباع الرسل صحابة محمد ﷺ، فإنهم فهموا حقيقة التوحيد، وطبقوها في حياتهم كلها، ومن ثم كان لذلك التوحيد أثر عظيم في نفوسهم وفي حياتهم، بل وفي البشرية كلها، لهذا فإن التوحيد الذي نقصده هو التوحيد على منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.\rفهو -أولاً- يقوم على أسس التوحيد الكبرى، توحيد الربوبية المقتضي للإيمان والإقرار بأنه لا خالق ولا موجد ولا رازق ولا مدبر لهذا الكون إلا هو ﵎، فله الخلق، وهو ﷾ بيده الرزق، وإليه يرجع الأمر كله، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود:١٢٣]، أما البشر فلا يملكون من أمورهم شيئاً، فضلاً عن أن يملكوا من أمور غيرهم شيئاً، إذاً: هو توحيد يقوم أولاً على الربوبية.\rويقوم ثانياً على توحيد الأسماء والصفات بإثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ، وهذه الأسماء والصفات فيها تعريف وإخبار ووصف للواحد القهار، نتعرف من خلالها على ربنا ﷾؛ لأننا في هذه الدنيا إنما نؤمن بالله وهو غيب، بل هو أعظم الغيب؛ لأننا لم نره ولن نراه في الدنيا، وإنما تكون رؤيته يوم القيامة لأهل الجنة، فأسأل الله لي ولكم ولجميع المسلمين الفضل والرؤية لله ﷾.\rلكن نعرف ربنا بأسمائه وصفاته، فنعلم أنه على العرش استوى، وأنه في العلو فوقنا، وأنه مطلع علينا عليم بنا، وأنه قريب منا، وأنه ﷾ هو العزيز الحكيم، وهو الغفور الرحيم، وهو شديد العقاب، وهو المتكبر الجبار، وهو السلام المؤمن المهيمن، فهو ﷾ له الأسماء الحسنى والصفات العليا، نثبت كل ما ثبت في كتاب الله وما صح في سنة رسوله ﷺ من ذلك.\rثم -أيضاً- هو توحيد يقوم على النوع الثالث الأساسي من التوحيد، وهو توحيد الإلهية الذي بعث الله به رسله جميعاً عليهم الصلاة والسلام، أنه لا إله إلا الله، هذه هي كلمة التوحيد، وهي رأس الأمر، وهي التي قامت عليها السماوات والأرض، بها دعا كل نبي، فكان يأتي إلى قومه المشركين يقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، يا قوم قولوا لا إله إلا الله.\rوهذه الكلمة العظيمة هي الكلمة التي ثقلت في السماوات والأرض، وهي الكلمة التي رجحت بالسماوات والأرض حين وضعت في كفة ولا إله إلا الله في كفة، فرجحت بهن لا إله إلا الله.\rإذاً: هي كلمة التوحيد التي تجعل العبد يتوجه بقلبه في جميع أموره للواحد القهار، يعبده ويدعوه، ويتوجه إليه بجميع أنواع العبادة مخلصاً له ﷾، فهو سبحانه هو الذي يحب، وهو الذي يُرجى، وهو الذي يُدعى، وهو الذي يتوكل عليه وحده، وهو الذي يذبح له وينذر له وحده، وهو الذي يستغاث به في الشدائد ولا يستغاث بغيره.\rهذا هو التوحيد، توحيد ينظم العبد في جميع أموره ويربطه بالواحد القهار، فيؤمن به تصديقاً، ويتوجه بقلبه وأعمال جوارحه إليه عبادة وعملاً وطاعة.\rثم أيضاً هو توحيد تنبثق منه طاعة لله ﷾؛ لأن العبادة هي ذل وخضوع للواحد القهار، والذل والخضوع لله ﵎ لا يمكن أن يتم إلا بالطاعة التامة لله وحده لا شريك له، وتكون طاعته ﵎ بامتثال شرعه، بأن لا يعبد العبد ربه ولا يطبق في شأن من شئون حياته إلا على مقتضى ما شرعه ربه ﵎ في كتابه العزيز وفي سنة رسوله ﷺ.\rوبذلك تكون حياة الموحد من أولها إلى آخرها، في عباداته، وفي معاملاته، وفي أخلاقه، وفي تعامله مع أعدائه، وفي أوضاعه الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والدولية، وكل شأن من شئون الحياة؛ تكون كلها منبثقة من هذا التوحيد العظيم القائم على كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).\rولهذا فإن هذا التوحيد ينبثق أول ما ينبثق من إيمان قلبي يستقر في النفس المؤمنة استقراراً مكيناً، فيتحول هذا الإيمان وتلك الأعمال القلبية إلى أعمال الجوارح، ولهذا فإن هذه العبادة تقوم على ثلاثة أسس: الحب لله وحده، والخوف من الله وحده، والرجاء لله وحده.\rحب وخوف ورجاء، شبهت بالطائر، فالحب هو الرأس، والخوف هو الجناح الأيمن، والرجاء هو الجناح الأيسر، ويطير الطائر محلقاً في السماء، وكذلك يسير القلب محلقاً إلى ربه ﷾ عابداً له خاضعاً له خائفاً منه راجياً، فيتعوذ به منهم ويتعوذ بمعافاته من عقوبته، ويتعوذ برضاه من سخطه، فلا ملجأ منه إلا إليه، يفر من الله ومن العقوبات ويلجأ إلى الله معلناً التوبة منيباً بالطاعات، هذا هو العبد بينه وبين ربه ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534214,"book_id":2827,"shamela_page_id":3,"part":"1","page_num":3,"sequence_num":3,"body":"أهمية التوحيد ومثاله في قلب المؤمن\rبعد أن بينا ما هو التوحيد الذي نقصده نقول ثانياً: إن حديثنا عن أثر التوحيد لا ينبغي أن يفهم منه أن التوحيد قضية من القضايا الصغيرة أو مسألة من المسائل، فنحن نتحدث عن أثرها كما نتحدث عن أثر أمر من الأمور ونبحثه، لا والله، فإن التوحيد الذي نتحدث عنه وعن أثره هو الحياة من أولها إلى آخرها، بل هو الحياة التي تشمل الدنيا والآخرة.\rونقول ثالثاً: إن التوحيد هو أساس الإيمان، ولذلك فإن الناس يتفاوتون في هذا التوحيد، فإيمانهم وتصديقهم وعملهم وغير ذلك يتفاوتون فيه، وعلى قدر إيمانهم وتصديقهم يتفاوت أثر هذا التوحيد.\rثم نقول أيضاً: إن أثر هذا التوحيد شامل للفرد والجماعة، بل هو شامل للعالم أجمع، شامل لجميع حاجات النفس وأوضاعها الداخلية والخارجية، وهو أيضاً لا يقتصر أثره على الدنيا وإنما يمتد طويلاً ليشمل الحياة الآخرة ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤].\rثم أقول أيضاً: أيها الأخ! إن الله ﷾ شبه غرس حقيقة التوحيد في القلوب بشجرة طيبة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]، فالإيمان والتوحيد هو القائم على كلمة (لا إله إلا الله)، فقد قيل في تفسير قوله: (كشجرة طيبها أصلها ثابت وفرعها في السماء): إن هذه الكلمة الطيبة هي (لا إله إلا الله)، فهي أولاً تثمر هذه الكلمة الطيبة، وأعظم ثمراتها العمل الصالح، كما تثمر الشجرة الطيبة.\rثم بعد ذلك هذه الكلمة الطيبة أصيلة (أصلها ثابت)، بمعنى أنها ليست كلمة تقال باللسان، بحيث ينطقها الإنسان ولا يوقن بها ولا يقوم بأركانها وشرائطها، ولكنها كلمة مؤصلة مغروسة في تخوم الأرض، وكذلك أيضاً هذه الكلمة مغروسة في تخوم قلب العبد المؤمن، ثم بعد ذلك هي سامقة مرتفعة في السماء، يعتز صاحبها بالانتساب إليها، لا يهون ولا يلين، ولا يحس بأي ضعة أو نقص أو غير ذلك، وهو يقول صارخاً أمام العالم أجمع: لا إله إلا الله محمد رسول الله.\rولهذا فإن تشبيهها بتلك الشجرة يبين لنا أمرين مهمين لا بد أن يتدبرهما المؤمن: أولهما: أن الشجرة المغروسة لا بد من تعهدها بالسقي، وكذلك أيضاً هذه الكلمة الطيبة لا بد من تعهدها بالسقي، وسقيها إنما يكون بالإيمان والعمل الصالح والقرب من الله تعالى، فهي كلمة تحتاج من المؤمن إلى سقي دائم وإلى مراعاة.\rثانيهما: أن هذه الشجرة يخالطها أنواع من النبات الغريب فيفسدها، فلا بد من تنقية الشجرة، وكذلك (لا إله إلا الله) تخالطها أنواع من الشركيات، يخالطها الرياء، ويخالطها التعلق بغير الله في بعض الأمور، ويخالطها نقص التوكل، ويخالطها التطير أحياناً، فلا بد من أن يتعهدها المؤمن تعهداً عظيماً حتى يكون ممن سلمت كلمة التوحيد عنده وصار ممن يعتقدها ويؤمن بها، فلم يخالطها شرك أكبر ولا أصغر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534215,"book_id":2827,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":4,"sequence_num":4,"body":"آثار التوحيد في حياة الفرد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534216,"book_id":2827,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":5,"body":"طمأنينة قلب العبد وراحته\rوبعد هذه المقدمات ننتقل إلى أثر التوحيد، ونقسم هذا الأثر إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول منها: أثره على الفرد: وأعظم أثر للتوحيد على الإنسان هو طمأنينة القلب، فهو طمأنينة القلب وغذاء الروح في هذه الحياة، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى: وحقيقة المرء قلبه وروحه، ولا صلاح له إلا بتوحيد ربه وعبادته وخوفه ورجائه، وفي ذلك أعظم لذة المرء وسعادته ونعيمه؛ إذ ليس في الكائنات شيء غير الله ﷿ يسكن القلب إليه، ويطمئن به، ويأنس به، ويتنعم بالتوجه إليه، فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه، كما دلت عليه السنة والقرآن وشهدت به الفطرة.\rنعم والله، إن كل ما يتعلق براحة النفس وطمأنينة القلب وسعادة المرء وقوته وثباته وصلاح حاله، لا يمكن أن يتم إلا بأن ترتبط هذه الأمور كلها بـ (لا إله إلا الله)، وبالعبودية الحقة لله الواحد القهار، ولهذا ورد عن النبي ﷺ في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر بن العاص ﵄: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) رواه الحاكم، وحسنه الهيثمي في مجمع الزائد، وذكره الألباني في الصحيحة برقم خمسة وثمانين وخمسمائةٍ وألف.\rأيها الأخ المسلم! لا ملجأ من الله إلا إليه، فطمأنينة القلب لا تكون إلا بالله، وضعف الإيمان يولد عند الإنسان ضيق الصدر، وكيف ينجو من ضيق الصدر؟ لا ينجو من ضيق الصدر إلا بالتعلق بالله ﷾، ولهذا قال ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عن العباس بن عبد المطلب ﵁: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً) نعم -والله- ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً، وهل يمكن أن يذاق طعم الإيمان بغير ذلك من الدنيا بشهواتها وبملذاتها؟ لا والله، لا يمكن أن يذوق الإنسان ذلك الطعم الحقيقي إلا بهذا، ولهذا قال ﷺ في حديث أنس: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه.\rوانظر كيف ارتبطت هذه الأمور كلها بالحب، فيكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ويحب المرء لا لأي شيء إلا لله، ويكره الكفر والكافرين، ويخاف من أن يقع في الكفر كما يخاف من أن يقذف في النار، وذاك لا ينشأ إلا من تحقيق كلمة التوحيد، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل ذلك.\rولهذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يرون الدنيا تموج بأهلها وشهواتهم، فذاك متعلق بسلطانه، وهذا منقبض على شهواته، وذاك يبحث عن تجارته وأمواله، وهذا يبحث عن الشرف والشهرة، لكن أهل الإيمان قد سكنت وركنت نفوسهم إلى الواحد الديان فتعلقوا به ﵎، فعبروا عبارات تدل على الطمأنينة النفسية في قلوبهم، يقول فضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي، وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي.\rيفرح بالخلوة ويحزن بدخول الناس عليه، لأنه يجد لذته في الخلوة أعظم من لذته وهو عند الناس.\rويقول أحدهم: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.\rوقال بعضهم: ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة.\rولهذا قال ﷺ: (وركعتان في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها).\rتعالوا إلى الميزان، إذ الركعتان تؤديهما لله وحده لا شريك له، تغرسان في قلبك إيماناً ولذة وسعادة لا يمكن أن تحصل عليها بالملايين، ولا يمكن أن يحصلها الملك، ولا يمكن أن يحصلها الشرف، ولا يمكن أن تحصلها السيارات الفارهة، ولا القصور الضخمة ولا تحصلها إلا ركعتان عبادة لله الواحد القهار.\rولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: لولا ثلاث ما أحببت الحياة، ولأحببت أن أنتقل إلى لقاء ربي.\rما هي هذه الثلاث؟ قال: (لولا أنني أحمل في سبيل الله)، يعني الجهاد في سبيل الله، فهذه الأولى.\rقال: (وأضع جبهتي على الأرض).\rأي: الصلاة.\rفهو يفرح بكل صلاة تحضر، يرتاح ويلتذ بها، وقد كان ﷺ يقول: (أرحنا بالصلاة يا بلال).\rوأما الثالثة فقال: (ومجالسة أقوام يلتقطون أطايب الكلام كما يلتقط أطايب الثمر)، أي مجالسة أهل العلم الذين يقربون العبد من الله ﷾.\rفهذا هو الأثر الأول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534217,"book_id":2827,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":6,"body":"التحرر من العبودية لغير الله تعالى\rالأثر الثاني بالنسبة للفرد: تخلص العبد من العبودية لغير الله تعالى، وهذه هي الحرية الحقيقية، فالحرية الحقيقية أن تكون عبداً لله، وبضدها تتميز الأشياء.\rفبعض الناس تعلق قلبه بغير الله، فصار عبداً لذلك الغير، بعضهم تعلق بالقبر أو بالولي فلان، وتعلق بعضهم ببرجه برج الثور أو العقرب أو غير ذلك، تعلق قلبه بغير الله ﷾ فصار عبداً له يرجوه في جميع حاجاته ويخافه، أما الذي يتحرر من ذلك كله فهو من رضي بالله ربا وعبد الله وحده لا شريك له.\rبعض الناس تعلق قلبه بالدنيا وشهواتها، يطاردها ليلاً ونهاراً، يحزن لأجلها ويفرح لأجلها، أحياناً لا ينام الليل، إما فرحاً بحصول شيء من الدنيا أو حزناً على فوات شيء من الدنيا، قال ﷺ: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، تعبد لغير الله ﷾ فوكله الله إلى ذلك، لكن من هو الحر الحقيقي؟ إنَّه الذي جعل الدنيا في يديه لكن ملأ قلبه بالإيمان بالله، فهو ما ترك الدنيا، لكن جعلها في يديه يستخدمها في طاعة الله تعالى، قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: أيكون الإنسان عنده ألف دينار وهو زاهد؟ قال: نعم، قالوا: كيف ذلك يا إمام؟ قال: إذا زادت لا يفرح وإذا نقصت لا يحزن.\rفالعبد المتعبد لله وحده لا شريك له يكون غنياً، ويكون ملكاً، ويكون ذا شرف، ويكون ذا مكانة، لكن هذه الأمور كلها يضعها في يديه، أما ما في قلبه فهو حب الله وطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.\rوبعضهم يتعلق قلبه بكل شيء؛ لأنه لا قلب له، في كل يوم له إله يعبده من دون الله تعالى، تتقلب به الدنيا هائمة، ونسأل الله ﷾ أن يعافينا من حال أهل الحيرة والشكوك.\rأيها الأخ في الله! ما هي الحرية الحقيقية؟ هي أن تكون عبداً للواحد القهار، ولهذا ذكر الله محمداً ﷺ وهو رسوله المصطفى، وهو سيد الأولين والآخرين؛ ذكره ربه ﷾ باسم العبد في أعظم المنازل، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، فانظر إلى منزلة الإسراء حين بلغ سدرة المنتهى ﷺ، فمن الذي أسرى به ربه؟ ولما أنزل عليه هذا القرآن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١].\rولما تحدث عن مقام الدعوة إلى الله وهو أعظم المقامات قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩].\rفالعبودية لله وحده لا شريك له هي الحرية الحقيقية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534218,"book_id":2827,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":7,"body":"توكل العبد على الله تعالى\rومن آثاره بالنسبة للفرد توكله على ربه واعتصامه به ليريحه من مشاكل الحياة، فلا يخاف إلا الله ﷾، لكن إذا تعلق القلب بغير الله تعالى ولم يحقق التوحيد صار عنده خوف ورهبة من الخلق.\rوانظر إلى أحوال كثير من الناس لما ضعف إيمانهم -خاصة في الأزمنة المتأخرة- خافوا من غير الله، فبعض الناس صار يخاف من الجن من دون الله ويرعب منهم، حتى إن بعضهم إذا أراد أن يسكن بيتاً جديداً يذبح لهم ذبيحة وينثر دمها، فإذا قيل له: لماذا تنثر دمها؟ قال: يقال إنها تطرد الجن، وبعض الناس خاف من السحرة، وصار الواحد لو هدده بشيء من ذلك لأرعب وصار له هم يملؤه ليلاً ونهاراً.\rفهل هؤلاء يملكون شيئاً؟ من هو الذي بيده النفع والضر؟ من هو الذي بيده الموت والحياة؟ من هو الذي بيده الأمراض والشفاء؟ إنه الله ﷾، لكن هؤلاء لما ضعف الإيمان ولم يحققوا التوحيد وتعلقوا بغير الله ﷾ خافوا منهم.\rبل إن بعض الناس يخاف من العين، والعين حق كما قال ﷺ، لكن أن يتولد هذا إلى شكوك في الناس وطعن فيهم، وأحياناً ترك للأعمال الخيرة خوفاً منهم؛ فهذا لا شك أنه نقص في تحقيق التوحيد، والرسول ﷺ قال: (ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين) يعني: لا تسبق العين القدر، والساحر والكاهن والمشعوذ والجن كلهم لا يملكون من الأمر شيئاً.\rفإذا أراد الله لك خيراً فوالله لا يستطيع أحد أن يمنعه، وإذا أراد الله بك ضراً فوالله لا يستطيع أحد أن يمنعه، فتعلق القلب بالله تعالى يعطي الإنسان طمأنينة وحياة حقيقية تريح الإنسان في كثير من الأمور، ولهذا تجد أولئك الذين يتعلقون بغير الله أو يتطيرون أو غير ذلك أمورهم وأحوالهم كلها مضطربة، نسأل الله السلامة والعافية.\rثم بعد ذلك أيضاً في حال الشدائد يتعلق القلب بالواحد القهار، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، ففي حال الشدة لا ملجأ لك من الله إلا إليه، فيتعلق القلب بالله ﷾، ثم بعد ذلك لا يخاف مما يخافه الناس مما يتعلق بالآجال والأرزاق والصحة والمرض وغير ذلك، فالمؤمن بالله يتعلق قلبه بالله وحده لا شريك له، لكن ضعيف الإيمان يظن أنه إذا قطع الراتب مات هو وأولاده، يظن أنه إذا خسر التجارة الفلانية تحطم مستقبله ومستقبل أولاده، يظن أنه إذا صدع بكلمة الحق أوذي وجرى له ما جرى، ولا والله، فالمؤمن بالله ﷾ هو الذي يعلم أن الحياة بيد الله، والرزق بيد الله، والأجل بيد الله، وكل شيء بيد الله وحده لا شريك له، فيطمئن قلبه ويرتاح، أسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534219,"book_id":2827,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":8,"body":"اعتزاز الموحد بربه تعالى\rثم الأثر الرابع من آثار كلمة التوحيد على الفرد هو عزة المؤمن بربه تعالى؛ لأنه موحد لله تعالى، فهو واثق من نفسه وعقيدته المتينة؛ لأنها قائمة على أساس مكين.\rولهذا تجد المؤمن معتزاً بدينه، تجد المؤمن ينظر إلى الكافرين المغرورين على رغم ما عندهم من سلطان مادي، وعلى رغم ما عندهم من تقدم علمي، وعلى الرغم ما عندهم مما خدعوا به الأمم جميعاً، ينظر إليهم المؤمن من علو على أنهم كافرون، وأنهم حطب جهنم.\rهكذا يقول المؤمن، إنهم -والله- كالأنعام بل هم أضل، هكذا يستقر في قلب المؤمن عزة بدين الله تعالى، وطمأنينة تجعل العبد المؤمن الصادق يعتز بالله ويعتز بهذه العقيدة، وينظر إلى الآخرين بعين الرحمة، وإن كانوا مغرورين نظر إليهم من علو، وإن نظر إلى أحوالهم تمنى لهم الهداية؛ لأنه يعلم أنهم على ضلال مبين، ولهذا قال تعالى للمؤمنين: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534220,"book_id":2827,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":9,"body":"الشجاعة في الحق والثبات عليه\rومن آثاره أيضاً على الفرد الشجاعة في الحق والثبات عليه: فالشجاعة في الحق والثبات عليه لا تقوم إلا حينما يعتصم المؤمن بتوحيده وعقيدته.\rإن أصحاب النبي ﷺ كانوا أعظم الناس شجاعة، وإن أعظم دليل على شجاعتهم أنهم ﵃ وأرضاهم امتدت فتوحاتهم إلى مشارق الأرض ومغاربها وليس معهم إلا الزاد القليل، وليس معهم مركوب إلا الإبل.\rإن الواحد منا لو أراد أن يسافر سفرهم بوسائل النقل الحديثة لتضايق أشد التضايق، فبالله عليك كيف رحلت تلك النفوس على الجمال الشهور الطوال في مدلهمات الظلم وفي الفيافي المقفرة في مشارق ومغاربها فاتحة؟! إنها والله شجاعة الموحد، إنها شجاعة المؤمن الذي وقف أمام زعيم الفرس وهي أكبر دولة في وقته معتزاً بدينه يقول: جاء الله بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.\rأترى أولئك العرب الصعاليك في جاهليتهم كانوا سيصنعون شيئاً وهم يرفعون راية القومية وراية القرشية وراية التراب والوطن؟ لا والله ما صنعوا في جاهليتهم ولن يصنعوا، لكن كيف تغيرت أحوالهم؟ كيف تحول أولئك الفقراء المساكين إلى قادة؟ ما حولهم -والله- إلى قادة راية قومية ولا راية جاهلية، وإنما حولتهم راية عظمى تقوم على أنه لا إله إلا الله، محمد رسول الله.\rلهذا -أيها الأخ المؤمن- فإننا نشاهد اليوم لضعف تحقيقنا لكلمة التوحيد أننا أصبحنا ضعافاً غير شجعان، صرنا نخاف من غير الله تعالى، صار الناس يخوفوننا بالذين من دونه، كما قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] يخوفوننا بالشرق والغرب، كيف تحولت أحوالنا إلى هذه الحال؟ إنه ضعف الإيمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534221,"book_id":2827,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":10,"body":"آثار التوحيد في حياة الأمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534222,"book_id":2827,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":11,"body":"استقلال الأمة\rأيها الأخ المسلم! أقول في القسم الثاني: إن أثر هذه العقيدة لا يقتصر على الفرد، وإنما يتعداه إلى الجماعة والأمة، ولن نعرض لجميع القضايا المتعلقة بذلك ولكن نشير إلى لمحات، فنقول: أولاً: استقلال الأمة لا يتم إلا باستقلالها في توحيدها وعقيدتها، فالأمة التي لا تستقل بعقيدتها وما ينبثق من عقيدتها من شريعة لا يمكن أن تستقل أبداً.\rإن الأمة التي لا تعتصم بتوحيدها وعقيدتها تعيش حياة التبعية لغيرها، وهذه تجارب التاريخ أمام أعيننا مثل الشمس، كان العرب تابعين إما للفرس وإما للروم، وكانت التبعية حقيقية، وكانوا يرفعون كثيراً من خلافاتهم القبلية إلى أولئك ليحكموا بينهم ويصلحوا بينهم، فلما جاء الله بعقيدة التوحيد وأرسل بها رسوله ﷺ، وآمن بها أولئك الصحب الكرام، ونشأت دولة الإسلام في المدينة، فحررت واستقلت عن جميع أمم الأرض.\rنعم والله، استقلت حتى من أهل الكتاب وهم في قلب جزيرة العرب، من اليهود أصحاب التراث الضخم الكبير في ذلك الوقت، وتحرروا من النصارى في نجران وفي بلاد الروم، وتحرروا من الجاهلية والوثنية، وتحرروا من أمم الأرض واستقلوا، والاستقلال للأمة لا يتم إلا بأن تغرس هذه العقيدة في هذه الأمة بشتى الوسائل التي تجعل الناس صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم على مختلف مسئولياتهم عبيداً لله الواحد القهار لا عبيداً لغيره، وهذا هو الاستقلال الحقيقي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534223,"book_id":2827,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":12,"body":"الأمن العام للأمة\rالأثر الثاني: الأمن: يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، ولما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، وقالوا: يا رسول الله! وأينا لم يظلم نفسه؟ فأخبرهم ﷺ بإن الظلم هنا هو الشرك، مذكراً إياهم بقول العبد الصالح لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].\rإذاً فالآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]؛ هذا الأمن يبدأ من أمن الفرد وينتقل إلى أمن الأمة.\rوهنا أقف وقفة مع هذه القضية؛ فإنها قضية مهمة جداً: كانت قريش تعيش حياة الرعب، فلما جاء أبرهة لهدم الكعبة فرت قريش إلى الجبال، وفتحت الطريق أمام عدوها، بغير عقيدة يفتحون الطريق لأعدائهم أن يغزوا بلدانهم! هربت قريش إلى الجبال وتركت الأمر، فمن الذي أنقذ البيت الحرام؟ أنقذه الله ﷾، وذلك بأن أرسل عليهم طيراً أبابيل ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل:٤]، فكانت تلك الحادثة العظمى إرهاصاً لبعثة محمد ﷺ، حيث تحولت مكة إلى بلد آمن؛ لأن جميع القبائل لما سمعوا بقصة ذلك الجيش العرمرم وكيف أن الله أهلكه وقتله شر قتلةٍ صار الواحد منهم يقول: هذا البيت له قدسيته، وهذه الطائفة وهذه القبيلة لأنها تحمي البيت لها مكانتها، فصارت القبائل لا تفكر أبداً بأن تغزو قريشاً ولا أن تنالهم بأذى، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥].\rفبعد هذه السورة قوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:١ - ٤]، فتحولت قريش إلى أمان، نعمة من الله ﷾.\rفانظر أيها الأخ المسلم! إلى الانتكاسة الفكرية كيف تكون، فحين كانت قريش في أمنها سعيدة وهي على شركها وعلى طغيانها، إذا بمحمد ﷺ يبعثه الله ويرسله صادعاً بالحق يقول لقريش: قولوا لا إله إلا الله.\rفماذا صنعت قريش؟ هل استجابت أو أبت؟ رفضت أن تستجيب لرسول الله ﷺ، وليس غريباً هذا، وإنما الغريب أنها عللت عدم استجابتها بتعليل عجيب، فماذا قالوا؟ يقول الله تعالى عن قريش: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧] يعني: يا محمد! إن نؤمن بك تهجم علينا القبائل، ويعادوننا ويحاربوننا ويغزون بلادنا ونحن نعيش في أمان، فإن اتبعناك فإن الأمم الكافرة وغيرها تغزونا.\r﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧]، فماذا كان الجواب؟ ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧]، أي: كيف تقولون: (نتخطف من أرضنا) والله هو الذي أعطاكم الأمان؟! فمن أين جاءكم الأمان؟ من الله، وهذا رسول الله، فما جاء به لن يزيد أمانكم إلا أماناً.\rوفي زمننا هذا يقول كثيرٌ من الناس: إذا تمسكنا بديننا، وإذا أعلنا الولاء والبراء، وإذا طبقنا شريعتنا؛ حاربتنا الأمم وغزونا وتسلط علينا الكفار وصاروا يحاربوننا ويقاتلوننا ويريدون أن يغزوا بلادنا إلخ.\rوهي كلمة قريش ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧].\rأيها الأخ المسلم! إن هذه دعوة غير صحيحة، فعقيدة التوحيد هي التي تغرس الأمان من الداخل للأمة كلها، وهي التي تغرس الأمان بإظهار وإبراز الرعب بالنسبة للعدو الخارج، فرسول الله ﷺ يقول: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر)، والله تعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، عدو بعيد يرعب ما كان يفكر، وإنما خطر بباله أن يغزوكم فيرهب ويصاب بالرعب، وذلك حينما نؤمن بالله ﷾ الإيمان الحق.\rإذاً فهذه العقيدة تولد الأمان في المجتمع؛ لأنها تولد الأمان الداخلي وتنزل الرعب بالعدو الخارجي مهما كانت قوته، ومهما اختلف ما بيننا وبينه من ناحية الاستعداد والقوى المادية، إن الله لم يطلب منا أن نكون مثل أعدائنا في القوى المادية، لكن طلب منا أن نستعد وأن نأخذ ما استطعنا، لكن ما لم نستطعه (فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، وهل كانت انتصارات المسلمين لأن قواتهم مع أعدائهم كانت متكافئة؟ لا والله، فغالباً ما يكون المشركون أضعافاً مضاعفة بالنسبة للمؤمنين، وبالنسبة لعددهم ولخيلهم وسلاحهم وكل شيء عندهم.\rإذاً فالتوحيد يغرس الأمان، وإذا أردنا الأمان فعلينا أن نرجع، وإذا أردنا أن يتبدل أمننا خوفاً فنحن بالخيار، فنغير فقط ونعدل، نغير ما نحن عليه، ونتوكل على غير الله، ونحارب العقيدة، ونحارب الدعاة ونضيق عليهم، إذا أردنا هذا فالطريق سهل، لكن إذا أردنا الأمان الحقيقي فعلينا أن نعتصم بالله الاعتصام الحق، وأن لا نحابي أحداً مهما كان، ومهما تكلم الغرب من شرقه وغربه واصماً عقيدتنا وإيماننا بالأصولية وبالتطرف وبالإرهاب، لا والله لا نلتفت إلى هذا، لا نلتفت إلى أي شيء من ذلك، وإنما نلتفت إلى ربنا ﷾ فنراقبه في جميع أمورنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534224,"book_id":2827,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":13,"body":"التحلي بفاضل الأخلاق والتخلي عن رذائلها\rومن آثاره بالنسبة للمجتمع غرس الأخلاق الفاضلة والبعد عن الأخلاق الرذيلة: وقد يقول قائل: وما علاقتها بالتوحيد؟ نقول: هي قائمة على أساس التوحيد؛ لأن التوحيد لله مقتضاه الطاعة، ومبناه على المحبة، ولهذا فإن غرس الأخلاق الفاضلة في المجتمع لا يمكن أن يتم إلا من خلال المراقبة الإيمانية، أما إذا جعلت المراقبة مادية فسرعان ما يحتال الإنسان على المراقبة المادية.\rفانظر إلى أخلاق الغرب فهي أخلاق تجارية، لكن المؤمن ليس كذلك، فسواء رآه الناس أم لم يروه، أخفاه أو لم يخفه، لأنه يعلم أن الله هو الرقيب، لهذا فإن الميزة الكبرى للأخلاقية الإسلامية أنها تبني في النفس تلك الأخلاق بناء على حب الطاعة وكره المعصية، فذلك الإنسان لا يترك الزنا أو يترك شرب الخمر أو غير ذلك بناءً على قانون رادع، وإنما لأنها معصية لله فيبغضها، ولا يلتزم الصدق وحسن الخلق والرحمة بالآخرين لأن هذه صفات تجلب له شهرة، وإنما يلتزمها لأنها ترضي رب العالمين، وبهذا تتحول هذه العقيدة في قلب المؤمن حباً وبغضاً إلى أن يكون ذلك المؤمن الصادق ممتثلاً للأخلاق حتى ولو ألزم نظاماً أو قانوناً بضدها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534225,"book_id":2827,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":14,"body":"تأليف قلوب المؤمنين وجمع كلمتهم وموقفهم\rكذلك أيضاً من آثاره الكبرى: أنها تجمع المؤمنين من كل مكان: وهذا هو الأثر الرابع، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]، فكلمة التوحيد هي التي جمعت، وإذا أردنا أن نجمع القلوب على أساس القومية أو الوطنية، أو المصالح المشتركة، أو العدو المشترك، أو الأرض، أو التراب أو الطين أو غير ذلك؛ فوالله لا تجتمع، لوا يجمعها إلا عقيدة التوحيد التي تجعل الأمة كلها من أولها إلى آخرها يداً واحدة وجسداً واحداً وقوة واحدة، مهما غزاها عدوها ليفرق بينها لا يستطيع؛ لأنها لحمة واحدة.\rفهل يستطيع عدوٌ أن يغزو جزءاً من جسدك بدون أن يتأثر بقية الجسد؟ لا يمكن، فلو أتى إلى إصبعك أو إبهامك أو طرف رجلك أو أي جزء من جسدك يؤذيه لا يمكن أن تقبل بقية الجسد، بل تتحول بقية الجسد إلى أسد هصور ينطلق للإنقاذ، ولو كانت وخزة إبرة لهب الجسد كالحصان الراكض يقول: ما هذه الوخزة؟ فكيف إذا أراد الإنسان أن يؤتى بشيء أكبر من ذلك، إنه المجتمع، فالمجتمع هو الذي يتحول بعقيدته إلى لحمة واحدة وجسد واحد كما وصفه رسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534226,"book_id":2827,"shamela_page_id":15,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":15,"body":"حلول الخيرات والبركات\rالأثر الخامس: نزول البركات من السماء والأرض: قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة:٦٦].\rإن البركات والخيرات إنما تتنزل على المؤمنين حينما يحققون عبوديتهم لله وحده لا شريك له، فيكون شعارهم الصدع بهذه الكلمة، والإيمان بها، والاعتصام بها، والثبات عليها، والتزام أحكامها وشريعتها.\rإننا حينما نلتزم الشريعة ونطبقها ونحكم بين الناس بالكتاب والسنة، تتنزل علينا خيرات وبركات وعدالة وأمن واطمئنان، وتظهر الأرض خيراتها، إنها آثار كبيرة جداً بالنسبة للمجتمع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534227,"book_id":2827,"shamela_page_id":16,"part":"1","page_num":16,"sequence_num":16,"body":"أثر التوحيد في الآخرة\rأما القسم الثالث فهو أثر التوحيد في الآخرة: وأظنه معلوماً لدى الجميع؛ لهذا فإنني لا أطيل فيه، وإنما أقول: إن غاية الغايات حينما يحقق الإنسان التوحيد في هذه الدنيا أن يعلم الإنسان أنه حينما يقف بين يدي الله تعالى لن ينجو إلا بهذه الكلمة (لا إله إلا الله)، فبهذه الكلمة له الأمان في الآخرة حين يخاف الناس، وله الفوز بالجنة حينما تسعر نار جهنم وتقاد بسبعين ألف زمام.\rفيوم القيامة يوم لا شك فيه، والجميع سيقف بين يدي الله ﷾، ولما كان الأمر كذلك والدنيا فانية والأيام قصيرة والأجل غير معروف والموت لا يفرق بين الصغير والكبير؛ جاء النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، هي حقيقة كبرى، لهذا فالمؤمن يحقق التوحيد لأجل أن ينال الأمان والفوز يوم القيامة، يحقق التوحيد لأجل أن يكون يوم القيامة ممن يقال لهم على رءوس الأشهاد: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]، إنه الأمان الأكبر يوم الفزع الأكبر، إنه الفوز الأعظم يوم الخسارة الكبرى ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥]، ذلك هو الخسران الكبير أيها الأخ في الله.\rإذاً تحقيق التوحيد وتحقيق الإيمان وتحقيق العقيدة يحول الحياة في هذه الدنيا إلى طمأنينة، وكذلك يوم يقوم الناس لرب العالمين.\rأسأل الله ﷾ أن يجعلني وإياكم يوم القيامة من الآمنين، وأن يجعلني وإياكم ممن ختم له بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534228,"book_id":2827,"shamela_page_id":17,"part":"1","page_num":17,"sequence_num":17,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534229,"book_id":2827,"shamela_page_id":18,"part":"1","page_num":18,"sequence_num":18,"body":"الكبائر وما يكفرها\r\rالسؤال\r هل الأعمال الصالحة تكفر الكبائر أم لا بد لها من توبة؟\r\rالجواب\r الذي يظهر -والله أعلم- أن الكبائر لا بد لها من توبة، وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فمعلوم أن مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فقد يشفع له النبي ﷺ فإنه قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534230,"book_id":2827,"shamela_page_id":19,"part":"1","page_num":19,"sequence_num":19,"body":"ذكر الله تعالى مع عدم مواطأة القلب للسان\r\rالسؤال\r ما الحكم فيمن يذكر الله ولا يتوافق لسانه مع قلبه، وكيف يكون ذلك؟\r\rالجواب\r كلنا نشعر بهذا، لكن عليك بعلاج قلبك، وأن تكون ممن يراقب قلبه، فإذا ذكرت الله تذكر عظمة الله، وتذكر ربك ﷾، وتتدبر الآيات، وتدبر سورة الفاتحة، وتدبر هذه الأمور كلها، والله ﷾ يعينك ويوفقك، واسأل ربك وادعه؛ فإن الله ﷾ قد يجيب دعاءك ويلين قلبك ويبصره ويجعلك تتدبر وتتأثر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534231,"book_id":2827,"shamela_page_id":20,"part":"1","page_num":20,"sequence_num":20,"body":"قراءة سورة (يس) في المنزل لدفع العين\r\rالسؤال\r هل قراءة سورة (يس) في المنزل الجديد مع أفراد الأسرة تدفع العين بإذن الله تعالى، وهل لهذا أصل في الشرع؟\r\rالجواب\r ليس لهذا أصل في الشرع؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ شيء من ذلك، بل الذكر الليلي والنهاري، وذكر الدخول وذكر الخروج، وعند النوم وعند الاستيقاظ ونحو ذلك من الأذكار، هو الذي يُنجي بإذن الله تعالى، وهي أسباب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534232,"book_id":2827,"shamela_page_id":21,"part":"1","page_num":21,"sequence_num":21,"body":"أثر التوحيد على دارسيه\r\rالسؤال\r إننا نرى كثيراً ممن يدرس التوحيد والعقيدة لا يركز على أثر التوحيد، فلماذا؟ ومن درس التوحيد ولم يزدد إيمانه هل في تعلمه خلل؟\r\rالجواب\r لا يمكن أن يتعلم الإنسان التوحيد إلا ويزيد إيمانه، لكن يختلف وتختلف تلك الزيادة بحسب طريقة دراسة التوحيد، فإذا كانت طريقة علمية جافة فقد لا يتأثر الإنسان كثيراً، لكن إذا كانت طريقة تربط الإنسان بالله في عباداته وأعمال قلبه فإنها تزيد إيمانه بإذن الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534233,"book_id":2827,"shamela_page_id":22,"part":"1","page_num":22,"sequence_num":22,"body":"الاكتفاء بكلمة التوحيد للنجاة من العذاب\r\rالسؤال\r هل تكفي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لدخول الجنة، وكيف نرد على من استدل على ذلك بنحو قوله ﵊: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)؟\r\rالجواب\r من مات على كلمة التوحيد فهو من أهل الجنة، لكن كما قال الحسن البصري وغيره: (لا إله إلا الله) لا تكفي لوحدها، وإلا لنطقها كل إنسان وانتهى الأمر.\rبل لما سئل بعضهم: ألست تقول إن (لا إله إلا الله) مفتاح الجنة؟ قال: نعم.\rوهل هناك مفتاح بغير أسنان؟ قيل: لا.\rقال: إن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.\rفكذلك أيضاً كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لا يمكن أن تقال إلا بالقيام بأركانها وبشروطها، فلها ركنان ولها سبعة أو ثمانية شروط، ولهذا المنافقون يقولون (لا إله إلا الله)، لكن لتخلف شرط الصدق فهم في الدرك الأسفل من النار.\rكذلك أيضاً أولئك الذين يرفضون شريعة الله تعالى، هؤلاء يتخلف عندهم شرط القبول، فهو يقول -مثلاً-: أنا يكفيني كون (لا إله إلا الله) عقيدة قلب.\rفإن قلت له: وامتثال شرع الله؟ يقول لك: لا.\rأي: جائز أن نأخذ بأي قانون وبأي نظام، وهذا كفر بالله ﷾، إذاً لا يكفي التلفظ بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534234,"book_id":2827,"shamela_page_id":23,"part":"1","page_num":23,"sequence_num":23,"body":"متى يجوز الخوف من غير الله ومتى يحرم\r\rالسؤال\r الخوف من الجن والسحر والعين وهي كلها فيها ضرر على الفرد، ألا يكون ذلك من الخوف الطبيعي، وكيف يكون التوقي من السحر والعين والجن؟\r\rالجواب\r إذا كان السحر أمامك فهذا من الخوف الطبيعي، لكن أن تخاف من إنسان بعيد عنك فهذا هو خوف السر الذي هو شرك أكبر، فهو خوف السر، إنسان بعيد عنك لا يملك من الأمر شيئاً ثم تخافه من دون الله تعالى؟! أما كيف يتقي الإنسان السحر والعين وغير ذلك فسبيل ذلك تقوية الإيمان، وكثرة الأوراد من أولها إلى آخرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534235,"book_id":2827,"shamela_page_id":24,"part":"1","page_num":24,"sequence_num":24,"body":"القيام بحق الوالدين مع ارتكابهما بعض المعاصي\r\rالسؤال\r قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] فكيف الربط بين رضا الله ورضا الوالدين، خاصة إذا كان الوالدان يفعلان المعاصي وأفعالاً لا يطيقها الشاب المسلم خاصة في دينه ودين زوجته، مثل إيقاع الفتنة بينهما وإحداث القطيعة والخلاف؟\r\rالجواب\r أما بالنسبة لبر الوالدين فإن الله أمر بالبر بهما حتى وهما يدعوانك إلى الشرك ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فما قال: عقهما.\rبل قال: (وصاحبهما في الدنيا معروفاً)، فأنا أنصحك يا أخي بأنه ما دام والداك من المؤمنين لكن عندهما هذه المعاصي أن تتقرب إليهما وأن تحسن إليهما، وأن تكره ما فيهما من معصية، وأن تبعد بنفسك وزوجتك عن تلك المؤثرات بالأسلوب الطيب الحسن، لكن لا يجوز لك أن تتنكر لهما ولا أن تعقهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534236,"book_id":2827,"shamela_page_id":25,"part":"1","page_num":25,"sequence_num":25,"body":"الصدقة على اليهودي والنصراني\r\rالسؤال\r هل يجوز التصدق على اليهود والنصارى مثل السائق والخادمة وغير ذلك؟\r\rالجواب\r إذا كان رجاء إسلامهم فإن الله تعالى قال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، لكن المودة القلبية لا تجوز، إنما يجوز الإحسان خاصة إذا رجا الإنسان إسلامهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534237,"book_id":2827,"shamela_page_id":26,"part":"1","page_num":26,"sequence_num":26,"body":"توجيه للمكتفي بدراسة العقيدة الواسطية\r\rالسؤال\r أنا أدرس العقيدة الواسطية وما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، فهل أترك ذلك وأبدأ بدراسة توحيد العبادة من كتاب (الأصول الثلاثة) أو كتاب التوحيد، أم لا بأس بالواسطية؟\r\rالجواب\r لا بأس بأن تستمر في دراسة العقيدة الواسطية، لكن أنصحك بأن تضم إليها درساً آخر في التوحيد والأصول الثلاثة، وبهذا تجمع بين الخيرين إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534238,"book_id":2827,"shamela_page_id":27,"part":"1","page_num":27,"sequence_num":27,"body":"الموقف من الفساق وأهل البدع\r\rالسؤال\r ما هو موقف العلماء -حفظهم الله- من الصوفية؟\r\rالجواب\r أهل البدع لا يجوز أن يتركوا يمارسون بدعهم، هكذا كان منهج السلف الصالح، الأطر على صاحب الفسق وصاحب البدعة أولاً؛ لأن صاحب الفسق الذي ينشر الخمور وينشر الفسق هل يترك؟ فلو جاء واحد وقال: أنا سأفتح مكان زنا، ولن ألزم الناس، فمن أراد فليأت ومن لم يرد فلا يأت، وأنتم انصحوا الناس.\rفإننا نقول: هذا يؤخذ على يديه، هذا مثل خارق السفينة كما أخبرنا الرسول ﷺ، كذلك صاحب البدعة يجب أن يؤخذ على يديه أولاً، ويجب أن يبين ويكشف أمره ثانياً؛ لأن هذه البدع متعلقة بالعقيدة، بدعة تقوم أحياناً على شركيات، وقد تتضمن شركاً أكبر، نسأل الله السلامة والعافية، كتوسل واستغاثة بالرسول ﷺ، وهذا كله خطير جداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534239,"book_id":2827,"shamela_page_id":28,"part":"1","page_num":28,"sequence_num":28,"body":"عبارة (يا رضا الله ورضا الوالدين)\r\rالسؤال\r توجد لوحات على الجدران كتب عليها: (يا رضا الله ورضا الوالدين).\rفهل فيها شيء؟\r\rالجواب\r كأن العبارة فيها شيء من الركاكة، لكن لو أنها عدلت العبارة فلا بأس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534240,"book_id":2827,"shamela_page_id":29,"part":"1","page_num":29,"sequence_num":29,"body":"حكم أعمال الشعوذة\r\rالسؤال\r هناك بعض أعمال الشعوذة مثل الزار والذبح والسحر، فهل هذا كفر؟\r\rالجواب\r نعم.\rهذا كفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534241,"book_id":2827,"shamela_page_id":30,"part":"1","page_num":30,"sequence_num":30,"body":"الخوف من الجن ونحوهم وحكمه\r\rالسؤال\r ألا يعتبر الخوف من الجن أو من السحرة وأمثال ذلك من الأشياء الجبلية؟\r\rالجواب\r أن تخاف من عدو يضربك بسلاح أمامك هذا من الشيء الجبلي، فلا يقال: هذا يخاف من غير الله.\rوتخاف من النار إذا اشتعلت، وتخاف من شخص معه مسدس أو سلاح، هذا خوف طبيعي، فإنسان علم أنه ساحر ومعه السحر يريد أن يسحرك أمامك يجب أن تتوكل على الله، لكن إذا خفت فهو خوف طبيعي، فالخوف الذي يخشى على الإنسان منه هو أن الإنسان يقال له: إن هناك جناً، فيخافهم من دون الله، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] يعني: لما علمت شياطين الجن أن الإنس يخافون منهم تسلطوا عليهم؛ كذلك أنت أيها الإنسان إذا خفت منهم تسلطوا عليك، فاعتصم بالله وتوكل عليه ينجيك الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534242,"book_id":2827,"shamela_page_id":31,"part":"1","page_num":31,"sequence_num":31,"body":"الموازنة بين أسس العبادة الثلاثة\r\rالسؤال\r أرجو التفضل بإيضاح الأسس الثلاثة التي تقوم عليها عبادة الله وحده، أعني الخوف والرجاء والمحبة، وكيف تتم الموازنة بينها، وكيف يتم البعد عن الانحراف في أي منها؟\r\rالجواب\r لا بد أن تكون جميعاً متوازنة، فالمحبة هي الأساس فهي رأس الطائر، وطائر بغير رأس لا قيمة له، فخوف ورجاء بغير محبة لا قيمة له، لكن لا بد أن تكون هناك المحبة تدفع الإنسان، والخوف والرجاء متوازنان كجناح الطائر في سير الإنسان إلى ربه ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534243,"book_id":2827,"shamela_page_id":32,"part":"1","page_num":32,"sequence_num":32,"body":"التسخط من أقدار المصائب\r\rالسؤال\r يوجد في زماننا أناس يتسخطون مما يحدث لهم في حياتهم من كوارث، وينسبون ذلك إلى حظهم التعيس، وهذا يقودهم إلى عدم العمل والطاعة لله، ويقول أحدهم: هذا حظي، وسوف يكون حظي تعيساً، فما حكم هؤلاء؟\r\rالجواب\r هذا كله سوء ظن بالله ﷾، وإلا فلو أن الإنسان اعتصم بالله ﷾ وتوكل عليه واعتمد عليه لتغيرت حاله ولرضي، أنا أقول لهذا الإنسان الذي وصفت حاله: لا تظن أنك أنت الوحيد المبتلى، حتى الكفار يبتلون بالأمراض والمصائب والكوارث، الجميع مبتلى، بل والله إنك لو فتشت عن بعض البيوت التي تظن أنها سعيدة بقصور وسيارات قادمة ورائحة وشيكات ذاهبة واستقبالات وكل شيء؛ والله لو فتشت عنها في داخل البيت لرأيت فيها مصيبة، ولو قيل لك: نرسل لك المصيبة وهذه الأمور كلها لقلت: لا والله ما أريدها.\rلكن ارض بما قسم الله لك، فإذا رضيت بما قسم الله لك تحولت حياتك إلى رضا، وتحولت المصائب التي هي قضاء وقدر من الله ﷾، إلى لطف وإلى أجر وإلى رضا بالله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534244,"book_id":2827,"shamela_page_id":33,"part":"1","page_num":33,"sequence_num":33,"body":"الاعتزاز بالقومية\r\rالسؤال\r هل من يعتز بالقومية العربية يعتبر علمانياً؟\r\rالجواب\r نعم.\rمن يعتز بالقومية العربية يعتبر علمانياً، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، لنتعارف، فأنا من بني فلان وأنت من بني فلان، وابن عمي ما دام على الإيمان لا مانع من أن أحبه، ولا مانع من أن أحب بلدي الذي عشت فيه، وهذه كلها أمور جبلية وطبيعية، لكن أن أجعل راية التجمع ورابطة التجمع هي القومية العربية، لا شك أنه أحد أبواب العلمانية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534245,"book_id":2827,"shamela_page_id":34,"part":"1","page_num":34,"sequence_num":34,"body":"العقيدة بين تأسيس الإيمان والرد على المخالفين\r\rالسؤال\r هل العقيدة هي الرد على المشركين والفلاسفة والجهمية والأشاعرة والمعتزلة وغيرهم من أهل البدع، أم أن العقيدة هي الإيمان بالله؟\r\rالجواب\r العقيدة تقوم أولاً على تأسيس الإيمان بالله وتوضيحه وتحقيقه، هذا الذي فعله الرسول ﷺ، أما الرد على أولئك فهذا من باب دفع العدو، فإن جاءك عدو رددته، أما إذا لم يأتك العدو فأنت في أمان ولست محتاجاً إلى هذا، وهكذا كان حال الصحابة ﵃ وأرضاهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534246,"book_id":2827,"shamela_page_id":35,"part":"1","page_num":35,"sequence_num":35,"body":"حكم الذهاب إلى القراء\r\rالسؤال\r هل الذهاب إلى القراء منقص للتوكل والتعلق بالله؟\r\rالجواب\r إن ظاهرة القراء اليوم الذين يتجمع الناس حولهم أعداداً كثيرة جداً هي ظاهرة تدل على ضعف الإيمان؛ لأنك تجد الناس يتجهون إليهم ويتزاحمون عليهم وخاصة النساء، وقد نبهت على ذلك في إحدى المحاضرات فليرجع إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534247,"book_id":2827,"shamela_page_id":36,"part":"1","page_num":36,"sequence_num":36,"body":"تكييف الدعاء بلفظ (برحمتك)\r\rالسؤال\r هل قول (برحمتك) من دعاء الصفة؟\r\rالجواب\r لا.\rفالتعوذ بالصفة يجوز، فنقول: أعوذ بالله، أعوذ برضاك.\rأما دعاء الصفة بقولك: يا رحمة الله ارحميني، فهذا لا يجوز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534248,"book_id":2827,"shamela_page_id":37,"part":"1","page_num":37,"sequence_num":37,"body":"العلاقة بين التوحيد والعقيدة\r\rالسؤال\r ما هي العلاقة الشرعية بين التوحيد والعقيدة؟\r\rالجواب\r أساس العقيدة هو التوحيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534249,"book_id":2827,"shamela_page_id":38,"part":"1","page_num":38,"sequence_num":38,"body":"آثار الإيمان بأسماء الله وصفاته\r\rالسؤال\r لا شك أن الأسماء والصفات لها من الآثار الحميدة والمعاني الجليلة ما يزيد في الإيمان ويبعث في النفس حب الله ورسوله والمؤمنين، أرجو توضيح أهمية هذا الأمر؟\r\rالجواب\r نعم.\rله أثر عظيم جداً، والحقيقة أن الإيمان بأسماء الله وصفاته يجب أن يتحول من الإيمان النظري إلى إيمان عملي، ولهذا قال ﷺ: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) قالوا: وإحصاؤها هو حفظها والقيام بمعانيها.\rوالأمر في هذا يطول جداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534250,"book_id":2827,"shamela_page_id":39,"part":"1","page_num":39,"sequence_num":39,"body":"تحقيق التوحيد والخوف الطبيعي\r\rالسؤال\r الخوف شيء فطري في الإنسان، فالإنسان يخاف من الطواغيت والظلمة، ويخاف من جميع ما يضر به، فكيف يحقق الإنسان المسلم التوحيد في ذلك؟\r\rالجواب\r الخوف الطبيعي لا يدخل، كذلك أيضاً الحب الطبيعي، بأن يحب الإنسان والديه، ويحب ولده، ويحب الطعام إذا كان جائعاً، فهذا كله من الحب الطبيعي الذي لا يضر، كذلك أيضاً الخوف الطبيعي كما سبق بيانه، لكن الخوف المقصود هو خوف السر، أن تخاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534251,"book_id":2827,"shamela_page_id":40,"part":"1","page_num":40,"sequence_num":40,"body":"دعوى كون الكافرين أصدق في التعامل من المسلمين\r\rالسؤال\r ما هو الرد على القائلين بأن الكافرين أصدق في تعاملهم من المسلمين، والعياذ بالله؟\r\rالجواب\r هذه دعوى إفك، والله ﷾ يقول موصياً المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة:٥]، فكيف نكون فتنة للذين كفروا؟ حينما نذل بإسلامنا ويكون الكفار أعزة بكفرهم، فنكون نحن فتنة؛ لأنهم يقولون: لو كان الإسلام حقاً لكانوا أعزة.\rفنحن بذلنا وتخلينا عن ديننا نتحول إلى فتنة للكفار.\rالآن يأتي الواحد من الكفار إلى بلاد المسلمين معتزاً بجنسيته الكافرة، ويرفض جنسية المسلمين لأنه يجد الذلة عند المسلمين والعزة عند الكافرين، فنحن بذلنا فتنا الذين كفروا، لكن لما كنا نعتز بديننا كان الواحد يرى قمة العزة في الإسلام فيبحث عن الإسلام، بل كان كثير من أهل الذمة في البلاد المفتوحة يدخلون في الإسلام لأنهم يرون العزة في الإسلام، والكلام في هذه الجزئية طويل، وهو كلام مهم جداً لعله يرد تفصيله في موضع آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534252,"book_id":2827,"shamela_page_id":41,"part":"1","page_num":41,"sequence_num":41,"body":"دور المسلم في تحقيق التوحيد في نفسه وأمته\r\rالسؤال\r ما هو دور المسلم في تحقيق التوحيد في نفسه وأمته؟\r\rالجواب\r هو دور خطير وعظيم جداً، أن يقوم بالنسبة لنفسه وبالنسبة لأسرته وبالنسبة لأمته، فيتحول إلى داعية إلى هذا التوحيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534253,"book_id":2827,"shamela_page_id":42,"part":"1","page_num":42,"sequence_num":42,"body":"معنى قوله ﷺ: (تعس عبد الدرهم)\r\rالسؤال\r ما معنى قول النبي ﷺ: (تعس عبد الدرهم)؟\r\rالجواب\r هذه العبودية ليس معناها أن يعبده ويسجد له ويركع، وإنما أن يتعلق قلبه به، فيتحول الحب والبغض على أساس هذا الدرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534254,"book_id":2827,"shamela_page_id":43,"part":"1","page_num":43,"sequence_num":43,"body":"كمال التوحيد مع الخوف من الظلمة وأعوانهم\r\rالسؤال\r هل الخوف من الطغاة وأعوانهم ينافي كمال التوحيد؟\r\rالجواب\r إذا كان في أمر يقدرون عليه فلا، وإذا كان في أمر لا يقدر عليه إلا الله فنعم ينافي كمال التوحيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534255,"book_id":2827,"shamela_page_id":44,"part":"1","page_num":44,"sequence_num":44,"body":"كيفية تنمية المحبة لله تعالى في القلب\r\rالسؤال\r كيف ننمي المحبة في قلوبنا والتي هي أساس بالنسبة للعقيدة؟\r\rالجواب\r ننمي محبة الله ﷾ في قلوبنا بأمور كثيرة: أولها: ذكر الله ليلاً ونهاراً.\rثانيها: الصلاة، فإنها تغرس في القلب محبة الله.\rثالثاً: تذكر نعم الله عليك، فإذا تذكرت أن الله هو الذي أنعم عليك بالصحة والعافية والأمان والمال وغير ذلك؛ فإنك تتعلق بهذا الذي أنعم عليك، إلى غير ذلك من الأمور، فنعم الله لا تعد ولا تحصى.\rأسأل لي ولكم التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534256,"book_id":2827,"shamela_page_id":45,"part":"2","page_num":1,"sequence_num":45,"body":"خصائص أهل السنة والجماعة في السلوك والأخلاق\rللأخلاق في ديننا الإسلامي منزلة رفيعة، ومكانة كريمة، فقد بعث رسولنا الكريم ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، فكان ﷺ في ذلك هو القدوة العظمى والأسوة الحسنة، ويكفيه في ذلك شهادة ربه ﷾.\rثم جاء صحابته من بعده فضربوا في ذلك بسهم وافر، ونهلوا من ذلك حتى ضربوا بعطن، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.\rوالأخلاق أصل معاملة المؤمن مع ربه، وهي الرابطة المتينة بينه وبين إخوانه، وهي خير أسلوب يدعى به غير المسلمين من الملل الأخرى، فكم من أمة أسلمت بسبب حسن الخلق، والتاريخ خير شاهد على ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534257,"book_id":2827,"shamela_page_id":46,"part":"2","page_num":2,"sequence_num":46,"body":"أهمية السلوك والأخلاق في الإنسان المسلم\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rاللهم! إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى وحسن الأخلاق.\rبعون الله تعالى وتوفيقه سنعرض لبعض الخصائص التي يتميز بها المسلم في باب الأخلاق وفي باب السلوك.\rوتعلم -أخي الكريم- أهمية موضوع الأخلاق والسلوك في الحياة، وأهميته بالنسبة للمسلم خاصة، وبالنسبة للداعية إلى الله بشكل أخص؛ لأن الأخلاق والسلوك في حياة الإنسان المسلم أصل علاقته بربه، وأصل علاقته بأهل بيته، وأصل علاقته بالمؤمنين من حوله، وأصل علاقته بغير المؤمنين من الأمم الأخرى، وكم من خلق تمسك به صاحبه رفعه الله ﷾ به درجات، والنبي ﷺ يقول: (إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم).\rكم من خلق يرتفع بصاحبه ليكون في منازل عليا عند الله ﷾! وكم من صفة تميز بها المؤمن كانت سبباً في هداية شخص أو أمة، وهكذا.\rفالأخلاق لها أهميتها، ومن ثم جاءت هذه الكلمات التوجيهية -أسأل الله أن يثيب الجميع عليها- جاءت لتبين أصول الأخلاق، ولتبين أيضاً ما يضاد الأخلاق الإسلامية من الصفات التي يجب أن يتنزه عنها المؤمن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534258,"book_id":2827,"shamela_page_id":47,"part":"2","page_num":3,"sequence_num":47,"body":"خصائص أهل السنة في السلوك والأخلاق\rهناك بعض الملحوظات حول هذا العنوان: الأولى: أننا حينما نقول: (خصائص) فإن المقصود بها الصفات الجامعة التي يتميز بها المؤمن، ولا نقصد بذلك استيعاب مسائل الأخلاق المتعددة التي تكلم عنها العلماء وألفوا فيها تآليف متعددة.\rالثانية: أننا حينما نقول (أهل السنة) لا نقصد بذلك أن هذه الخصائص إنما يختص بها فئة معينة، وإنما المقصود أن هذه الخصائص تميز بها أعلام أهل السنة وأئمتها، وإلا فكل مؤمن ومؤمنة وكل مسلم ومسلمة سار على الدرب الصحيح اعتقاداً على مذهب أهل السنة والجماعة أخلاقاً وسلوكاً وكان متبعاً في ذلك رسول الله ﷺ فلا شك أنه من أهل السنة، ومن ثم فحينما نطلق أهل السنة أو حينما نطلق صفات المؤمن فالغاية منهما واحدة، ولكننا نشير إلى خصائص أهل السنة، أي: الصفات التي تميز بها أئمة أهل السنة ودعاتها والمنافحون عنها رحمهم الله تعالى، وجعلنا ممن يسلك سبيلهم ويقتفي أثرهم.\rالثالثة: العنوان فيه: (في السلوك والأخلاق)، وهذا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن السلوك والأخلاق بينهما تداخل، فإذا أطلق السلوك لوحده، فقيل: فلان سلوكه حسن دخلت فيه الأخلاق، كذلك أيضاً الأخلاق أو الخلق لوحده إذا أطلق وقيل: فلان خلقه حسن دخل فيه السلوك، وإذا جمع أحدهما مع الآخر فإن السلوك يكون أعم من الخلق؛ لأن الأخلاق صفات يتخلق بها الإنسان فهي خلق له، ولكن السلوك يشمل جوانب الأخلاق ويشمل الأمور الأخرى في طبيعة حياة الإنسان قد يقال: إنها لا تدخل في باب الأخلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534259,"book_id":2827,"shamela_page_id":48,"part":"2","page_num":4,"sequence_num":48,"body":"مناهج المنحرفين في تحديد السلوك والأخلاق\rكثيراً ما نقرأ في الساحة كتباً تتحدث عن الأخلاق، وهذه الكتب التي تتحدث عن الأخلاق كتب متنوعة مختلفة المشارب، فأيها يوافق منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب؟ هذا الذي أردنا بيانه هنا؛ لأن هناك عدة مسالك ومناهج في باب الأخلاق تخالف منهج أهل السنة والجماعة، ومنها المنهج الفلسفي.\rوالمنهج الفلسفي هو الذي يربط الخلق برابطة عقلية أو مادية بحتة، فتجدهم أحياناً يجعلون مناط الأخلاق حسنها وسيئها هو العقل، وهذا تحكم، بينما منهج أهل السنة والجماعة في الأخلاق أن يجعلوا مناطها هو الشرع، وصحيح أن الشرع لا يمكن أن يخالف العقل الصحيح السليم.\rتجد بعض المناهج يجعل غاية الخلق هو اللذة، وهذه مناهج عقلية موجودة، وهناك دعاة لها من أصحاب الإباحية وغيرهم.\rوهناك من يرى أن عماد الخلق هو المنفعة، وهذه هي أخلاق الغربيين الآن.\rهذه الأخلاق لا تقوم على مبدأ الدين وإنما تقوم على المنفعة، ومن العجيب أن كثيراً منا يعجب بما يتصفون به من صفة الصدق في بيعهم وشرائهم، ولكنهم يجهلون أن هذه الصفة إنما هي صفة مادية بحتة، يريد أصحابها منها منفعة عاجلة، فهو يريد أن يكون صادقاً حتى يربح أكثر؛ لأنه يعلم أنه لو كذب لفضح ولبارت تجارته.\rوهناك منهج آخر منحرف وهو المنهج الصوفي الذي يريد أن يربي الإنسان على الانقطاع عن هذه الحياة، وذلك من خلال ما يريد أن يصل إليه من جلب أو كسب صوفي أو غير ذلك، ويظن أصحاب هذا الخلق أن عماد الأخلاق أن تنقطع عن هذه الحياة فلا تختلط بالناس ولا تدعو إلى الله، ولا تكون ممن يعمر هذا الكون كما أمر الله ﷾ عمراناً فيه نصرة للمؤمنين وقوة ودافع لهم للجهاد في سبيل الله ولدعوة الناس إلى دين الله، بل يريد أن يحصرهم في هذا النطاق الضيق.\rإذاً هذا منهج منحرف، ومن أجل ذلك كان لا بد أن نبين المنهج الإسلامي ومنهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى في هذا الباب الذي هو باب الأخلاق والسلوك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534260,"book_id":2827,"shamela_page_id":49,"part":"2","page_num":5,"sequence_num":49,"body":"اهتمام أهل السنة والجماعة ببيان الأخلاق وأهميتها\rالقضية الثالثة: هي مسألة مدى اهتمام أهل السنة والجماعة في بيان هذه الأخلاق وأهميتها، وهذا جزء أصيل من منهجهم.\rفأهل السنة والجماعة -وعلى رأسهم القائد القدوة رسولنا محمد بن عبد الله ﷺ ثم أصحابه من بعده، ثم التابعون لهم- بينوا لنا هذه الأخلاق وشرحوها.\rومن هنا فإن عائشة ﵂ وأرضاها لما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ أتت بكلمة جامعة، ما قالت: كان خلقه الصدق، وخلقه الحياء، وخلقه الشجاعة.\rلا، بل أرجعتهم إلى مصدر أصيل في الأخلاق، فقالت: (كان خلقه القرآن) ﵊.\rإذاً -معنى ذلك أن من أراد أن يبحث عن خلق رسول الله ﷺ فليتمسك بالقرآن فسيجد فيه تفصيلاً لأخلاقه ﷺ، ومن ثم ليقتد بها، ثم إنه ﷺ كان مثال الخلق الرفيع ﵊.\rلقد دون أهل العلم وأهل الحديث رحمهم الله تعالى سنة النبي ﷺ، وكان مما دونوه واهتموا به بيان الأخلاق والسلوك.\rلقد دونوا العقائد، ودونوا الأحكام الشرعية، ودونوا أيضاً الأخلاق والسلوك وبوبوها وفصلوها، وذكروا فيها الأحاديث والروايات الواردة، وانظر إلى أي كتاب من كتب السنة، فإنك ستجد تلك الأبواب مخصصةً لبيان الفضائل والأخلاق.\rفـ البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه كتاب اسمه (كتاب الأدب)، وكتاب اسمه (كتاب الرقائق)، وكتاب اسمه: (الزهد)، بل إنه رحمه الله تعالى ألف كتاباً منفرداً لم يحصره في الصحيح سماه (كتاب الأدب المفرد).\rوسمي (المفرد) لأنه أفرد عن صحيح البخاري، وهذا اهتمام منه رحمه الله تعالى بهذه القضية المهمة؛ لأنها أساسية في حياة المؤمن، وفي حياة الداعية، وفي حياة واعي حديث رسول الله ﷺ، وكذلك أيضاً الإمام مسلم وأصحاب السنن رحمهم الله تعالى، ومن جمع في هذا الباب سواء على طريقة تبويب الأبواب كـ البخاري ومسلم وأصحاب الكتب الستة، أو على طريقة المسانيد والمعاجم كالإمام أحمد والطبراني وغيرهما فإنهم يذكرون في ثنايا معاجمهم ومسانيدهم الأحاديث الدالة على الفضائل.\rوهكذا اهتم العلماء في بيان هذا وألفوا كتباً مفردة في الآداب والزهد والرقائق وغير ذلك، بينوا ما يجب على المؤمن من خلق، ونحن يجب أن نعلم أننا لا نتحدث عن تفاصيل الأخلاق حديثاً مفصلاً، وإنما نذكر كيف كان أهل السنة والجماعة يؤصلون هذه الأخلاق ويبينونها، بل إن ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى -وهو من علماء الحديث المشهورين- جمع أجزاءً حديثيةً تزيد على مائتي جزء، وهذه الأجزاء تجدها في الغالب أحاديث في باب الأخلاق، جزء في باب التواضع، وجزء في باب الصمت، وجزء في باب الصحبة، وجزء في باب الصدق، وجزء في باب التزكية، وهكذا، وجمع فيها بين الأحاديث المرفوعة وبين الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإن كان فيما يرويه من الروايات المسندة المرفوعة إلى النبي ﷺ ما هو مظنة الضعف ويحتاج إلى تحقيق وتمحيص حديثي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534261,"book_id":2827,"shamela_page_id":50,"part":"2","page_num":6,"sequence_num":50,"body":"أصول الأخلاق التي يتميز بها المؤمنون\rنحن نعلم جميعاً أن الإنسان إذا نظر في تاريخ السلف رحمهم الله تعالى وفي أحوالهم وتعاملهم وآثارهم يجدهم قد تخلقوا بأخلاق وتأدبوا بآداب كانت تلك الأخلاق والآداب سبباً في محبة الناس لهم وتأثيرهم في الناس وشيوع ذكرهم في الخير، وكانت سبباً في نشر دين الله، وفي مجاهدة المبطلين والمنحرفين؛ لأن أخلاقهم كانت أخلاقاً إسلامية مبنية على كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ، وهذه الأخلاق التي بنيت على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ جعلتهم على هذه الحالة وعلى هذه الصفة من التأثير والاشتهار بالذكر بالخير عند الناس، ولم يقتصر الأمر على هذا بل صاروا يؤثرون على غيرهم وهم في قبورهم.\rيقرأ الإنسان قصة وموقف إمام من الأئمة، فإذا ما قرأها وتبينها تأثر بها، وربما دمعت عيناه، هذا التأثر وهم في قبورهم إنما منبعه ما كان عندهم من خلق، كانوا صادقين فيه فيما بينهم وبين الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534262,"book_id":2827,"shamela_page_id":51,"part":"2","page_num":7,"sequence_num":51,"body":"الأسس التي تقوم عليها الأخلاق في الإسلام\rإن أخلاق السلف رحمهم الله تعالى وأخلاق كل مؤمن يحب أن يسير على منهاجهم تقوم على أسس:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534263,"book_id":2827,"shamela_page_id":52,"part":"2","page_num":8,"sequence_num":52,"body":"ارتباط الخلق بدليل الوحي\rالأساس الثالث: أن الخلق مربوط بالدليل من الكتاب والسنة، وهذه ميزة مهمة جداً.\rتجد المؤمنين الصادقين المتبعين دائماً يسأل عن الدليل، هل فعل هذا رسول الله ﷺ؟ هل أمر بهذا رسول الله ﷺ؟ هل ورد هذا في القرآن العظيم؟ المؤمن يتبع، ويجتنب كل ما نهي عنه، ولا يأتي ويجعل الأخلاق مبنية على عادات الناس وما يهواه الناس وما تهواه القبيلة والمجتمع.\rوإنما يجعل مناط أخلاقه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهذا هو الاقتداء بالنبي ﵊، ولقد كان أصحابه ﵃ وأرضاهم والأئمة من بعدهم في أخلاقهم وسلوكهم يبحثون دائماً عن الدليل في تفاصيل الخلق من كل جوانبه، سواء منها ما يتعلق بأمور عظمى كمهمة الوالي والإمام وقائد الجهاد في سبيل الله، أو ما يتعلق بأقل القليل كمعاملة الإنسان لخادمه أو أولاده أو غير ذلك.\rهذه هي الأسس الثلاثة التي تقوم عليها الأخلاق في الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534264,"book_id":2827,"shamela_page_id":53,"part":"2","page_num":9,"sequence_num":53,"body":"النية من الأسس التي تقوم عليها الأخلاق\rالأساس الثاني: النية.\rبمعنى أن الإنسان وهو يتخلق بالخلق ويعامل الآخرين أو يقول أو يفعل أو يتصرف أو ينفق أو يجاهد أو يسافر أو يفعل أي شيء تجد عمله هذا مربوطاً بالنية، والنبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ولهذا تجد السلف رحمهم الله تعالى كان الواحد منهم إذا فجأه الأمر لا يفعله بسرعة، وإنما يقول: دعني قليلاً لأنوي.\rهذا هو الفارق بين أخلاق المؤمنين الذين يقصدون بأعمالهم وجه الله تعالى وبين غيرهم، الفارق هو تلك النية.\rتجد الكافر ينفق على أولاده، وينفق على من تجب نفقته عليه من أقاربه، تجده قد يحسن إلى الناس، وقد يفعل الخير، لكنك تجد هذه الأعمال التي يفعلها بغير نية لا يكتب له شيء من أجرها.\rوكذلك أيضاً من عمل من المؤمنين عملاً بغير نية، أو قصد به غير وجه الله تعالى فإنه لا يُقبل منه، ويُرد على صاحبه، لكن المؤمن هو الذي إذا أعطى وإذا منع وإذا قال وإذا تصدق يقصد بذلك وجه الله ﷾، ولذلك نجد أن المؤمن إن سار أو مشى أو فعل يستشعر أن أفعاله كلها يؤجر عليها؛ لأنه يقصد بها وجه الله.\rومن هنا فإن النبي ﷺ جعل من الصدقة ما تضعه في في امرأتك، ومعنى هذا أن هذه النفقة الواجبة عليك إذا نويت بها تؤجر عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534265,"book_id":2827,"shamela_page_id":54,"part":"2","page_num":10,"sequence_num":54,"body":"الإيمان بالله تعالى من الأسس التي تقوم عليها الأخلاق\rالأساس الأول: الإيمان بالله.\rوهذا أساس مهم جداً؛ لأن أي خلق يتمسك به الإنسان ويتخلق به لا يكون مبنياً على الإيمان فإن هذا الخلق لن ينفع صاحبه، وإن نفعه فسيكون نفعه عاجلاً لا آجلاً، كأخلاق الكفار، فإن الله تعالى يقول عنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].\rوالنبي ﷺ لما قيل له: (الرجل يقاتل حميةً، ويقاتل لأن يرى مكانه، ويقاتل للمغنم، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) انظر إلى الفرق! ذاك شجاع خاض المعركة وتحدثت عنه وسائل الإعلام وسطرت الكتب تاريخ قيادته وشجاعته، ولكنه خلق جاء من كافر، وأي عمل وأي خلق لا يكون مبنياً على الإيمان بالله والإخلاص له فإنما هو خلق لا ثمرة له في الدار الآخرة، ولا تأثير فيه إلا ذلك التأثير النفعي العاجل، وهكذا في بقية الأخلاق التي قد يتخلق بها غير المؤمنين، لكن المؤمنون يتخلقون بأخلاق بنيت على أساس الإيمان بالله، ولهذا فإن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالقلب المربوط بالله إيماناً به وإخلاصاً وتصديقاً له لا بد أن يؤدي بالإنسان إلى أن يمتثل في جوارحه ولسانه ورجله ويده، وكل ما يمكن أن يتصرف به يمتثل به على منهاج واضح؛ لأنه يقصد بذلك وجه الله تعالى، وهذا هو الفارق الأصيل بين أخلاق الكفار وأخلاق المؤمنين، وهذا هو الفارق الأصيل بين خلق المؤمن المتمسك بدينه وبين ذلك المنحرف الذي قد يتخلق بخلق لكن لا يقصد به وجه الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534266,"book_id":2827,"shamela_page_id":55,"part":"2","page_num":11,"sequence_num":55,"body":"أبرز الصفات الأخلاقية التي يتميز بها المسلم والأئمة من أهل السنة\rنأتي بعد ذلك إلى أبرز الصفات الأخلاقية التي يتميز بها المسلم، وتميز بها الأئمة من أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى، وأحب أن أنبه إلى أن هذه الصفات البارزة إنما اخترناها لأهميتها أولاً، ولكونها أخلاقاً جامعة ثانياً، ولحاجة المؤمنين والمسلمين الذين يحبون أن يتبعوا أولئك الأئمة في أخلاقهم ثالثاً، مع العلم أن هذه الأخلاق قد يدخل بعضها في بعض، وسأشير إليها باختصار.\rوالنصوص الدالة على الصدق كثيرة جداً في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ، ولما ذكر الله ﵎ قصة الثلاثة الذين خلفوا وصدقوا رسول الله ﷺ عند مرجعه من غزوة تبوك، أولئك الثلاثة الذين لم يفعلوا فعل المنافقين ويحلفوا بالكذب، وإنما صدقوا رسول الله ﷺ، فأخبرنا ﵎ عنهم بقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]، فنزلت هذه التوبة لهم، وبشروا ﵃ وأرضاهم بذلك، يقول كعب بن مالك ﵁ وأرضاه فرحاً مستبشراً لأن الله تاب عليه وأنزل توبته من فوق سبع سماوات، يقول: (فما حدثت نفسي بعد ذلك في أي كذب فيما بقيت من عمري، وأسأل الله أن يرزقني الثبات على ذلك إلى أن ألقاه).\rفماذا قال الله تعالى بعد ذكر قصة هؤلاء الذين تاب الله عليهم؟ قال بعدها مباشرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩].\rوالصدق من أبرز صفات المؤمنين، ولقد برزت في أئمة أهل السنة رحمهم الله تعالى بروزاً عظيماً.\rفلماذا هي من أهم الصفات؟ لأنه ورد عن النبي ﷺ أنه سئل: (هل يكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم.\rهل يكون بخيلاً؟ قال: نعم.\rهل يكون كذاباً؟ قال: لا)، وهذا يعطيك أهمية الصدق في حياة المسلم، بحيث يصدق الإنسان مع ربه ﵎ ولا يخادع نفسه، فإذا خلا بنفسه بينه وبين ربه تخلى عن نظر الخلق وإعجاب الخلق ومدح الخلق وقول الخلق، إذا وقف بين يدي ربه ﷾ ليصدق مع ربه في إيمانه وفي إخلاصه وفي أعماله وفي أقواله وفي تصرفاته كلها؛ لأنه قد يخدع الخلق، لكنه لا يمكن أن يخدع ربه ﷾، يصدق مع نفسه ويصدق مع الآخرين.\rيقول النبي ﷺ في الحديث المعروف: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، وكيف برزت عند أئمة أهل السنة والجماعة صفة الصدق؟ برزت حينما أخذوا يبلغون وحي الله ﵎ إلى من بعدهم، القرآن محفوظ، لكن السنة النبوية دخل فيها الكذب، فقام أئمة أهل السنة والجماعة ليتحروا في هذا الجانب تحرياً شديداً، ويكون المقياس الأساسي والشرط الأكبر لقبول الرواية مع الشروط الأخرى هو أن يكون الرجل صادقاً.\rلقد بلغ من تحريهم رحمهم الله تعالى أن الإمام البخاري صاحب الصحيح رحمه الله تعالى ذهب مسافراً إلى شيخ من الشيوخ ليروي عنه حديثاً عن رسول الله ﷺ، فدخل المدينة لا يعرف أين الشيخ، فلما دخل في أحد شوارعها وجد رجلاً مع فرس وهو يريد أن تلحق به الفرس، ووجد أنه قد رفع ثوبه كأنه يحمل في حجره شيئاً، فرأى الفرس تلحق به، فلما وصل إلى بيته أمسك بالفرس وفتح حجره وإذا به خالياً ليس فيه شيء، فلما نظر البخاري إلى هذه الفعلة قال له: أريد فلان بن فلان.\rفقال له الرجل: وماذا تريد منه؟ قال: لا أريد منه شيئاً سوى أني حدثت أنه يروي عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ كذا وكذا.\rوذكر الحديث، فقال هذا الرجل: أنا فلان، وحدثني فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا.\rفماذا صنع البخاري؟ البخاري أبى أن يروي عنه، وقال: إذا كان الرجل يكذب على بهيمته فأخشى أن يكذب على رسول الله ﷺ.\rإذاً أئمة أهل السنة ﵏ دونوا السنة وتحروا فيها، وكان الصدق صفتهم وكان الصدق ديدنهم في جميع أمورهم رحمهم الله تعالى.\rولذلك -كما يقال-: لا تجد كذاباً إلا وقد فضحه الله ﷾، نسأل الله ﷾ أن يوفقنا للصدق في جميع أقوالنا وأفعالنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534267,"book_id":2827,"shamela_page_id":56,"part":"2","page_num":12,"sequence_num":56,"body":"الشجاعة\rالصفة السادسة: الشجاعة: والشجاعة معناها أن الإنسان يواجه الأخطار لتحقيق الخير للأمة، وتتمثل الشجاعة في أمور، على رأسها الجهاد في سبيل الله، فالذي يقدم نفسه في سبيل الله رخيصةً هو الشجاع؛ لأنه بذل روحه خالصة لربه ﵎، ولذلك كان من صفات الشجعان أنهم يثبتون ولا يفرون من الزحف.\rومن الشجاعة أن يقول قولة الحق، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولو أدى ذلك إلى لومه أو إيذائه، ومن هنا فإن النبي ﷺ قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وذكر خير الشهداء (رجل تكلم بكلمة الحق عند إمام جائر فقتله).\rومن الشجاعة أيضاً أن يرجع الإنسان إلى أخطائه، هذه شجاعة؛ لأن الذي يقع في الخطأ ولا يحب أن يعترف بخطئه هذا عنده جبن، ولو كان شجاعاً لكان جريئاً ولقال: نعم أنا أخطأت في هذه المسألة، والحق مع فلان أو مع غيري.\rويبينها، ولقد كان الأئمة رحمهم الله تعالى على مثال عظيم من هذا، وانظر إلى أقوالهم وفتاويهم رحمهم الله تعالى، فإنهم كانوا رجاعين إلى الحق.\rأيها الأخ المسلم! هذه صفات بارزة متى تكاملت تكوّن لدينا الخلق الإسلامي والسلوك الإسلامي الفاضل، الذي يحمل صاحبه على أن يكون منارة يقتدى به إن تكلم وإن قال وإن فعل وإن كتب؛ لأن أخلاقه وسلوكه كلها متمثل فيها بما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534268,"book_id":2827,"shamela_page_id":57,"part":"2","page_num":13,"sequence_num":57,"body":"الحياء\rالصفة الخامسة: الحياء.\rوالحياء أيضاً يشبه التواضع في كونه يفهم على غير وجهه الصحيح؛ لأن بعض الناس يظن أن الحياء أن تشاهد المنكر وتخجل من أن تنكره، أو أن تكون في موقف ينبغي أن تقول فيه كلمة الحق فلا تقولها، وهذا ليس حياءً وإنما هو خور.\rالحياء: هو الخلق الذي يبعث على ترك المستقبح من الأمور المحرمة ونحوها.\rولذا فإن النبي ﷺ -كما نعلم جميعاً- قال في الحديث المشهور: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، ويقول أيضاً في حديث شعب الإيمان: (والحياء شعبة من شعب الإيمان)، وقد ورد عن النبي ﷺ حديث رواه الترمذي والإمام أحمد والحاكم وهو حديث حسن، يقول النبي ﷺ: (استحيوا من الله حق الحياء.\rقال: فقلنا: يا رسول الله! إنا نستحيي والحمد لله.\rقال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)، بل إن النبي ﷺ ميز الحياء بمثل قوله: (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء).\rوهذا الحديث إسناده حسن رواه ابن ماجة والطبراني وغيرهما.\rوأيضاً ورد في البخاري قول النبي ﷺ: (إن الحياء لا يأتي إلا بخير).\rإذاً الحياء خلق وصفة في النفس تمنع صاحبها من أن يقع في المعاصي والمحرمات، ولهذا نجد الشاعر يقول: ورب قبيحة ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياء فكان هو الدواء لها ولكن إذا ذهب الحياء فلا دواء وينبغي أن يعلم أن الحياء الذي يحمل الإنسان على أن يتخلق بالأخلاق الحسنة ويبتعد عن الرذائل أن لا يكون مانعاً للإنسان عن قول كلمة الحق والجهر بها.\rكما أن الحياء لا ينبغي أن يمنع الإنسان عن طلب العلم، ولهذا روى البخاري في صحيحه تعليقاً عن مجاهد ﵀ أنه قال: (لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر).\rفالمستحي تأتيه المشكلة والمسألة وغيرها ويخجل أن يسأل عنها، فيمنعه حياؤه عن تفهم مسائل العلم فلا يتعلم، والمستكبر هو الذي يأنف بنفسه أن يسأل هذا السؤال، فيمنعه كبره عن تعلم العلم.\rوهذه الصفة -صفة الحياء- قد تتمثل في بعض الناس بشكل واضح، كـ عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فإنه قد عرف من حيائه ما عرف، حتى أن النبي ﷺ لما غطى فخذه حين دخل عليه عثمان وسئل: دخل أبو بكر ثم دخل عمر ولم تغط فخذك، فلما دخل عثمان غطيته! قال النبي ﷺ: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) ﵁ وأرضاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534269,"book_id":2827,"shamela_page_id":58,"part":"2","page_num":14,"sequence_num":58,"body":"العدل\rالصفة الرابعة: العدل.\rوالعدل ورد به القرآن، فجاء مرة بالأمر بالعدل، وجاء مرة باسم الميزان، ومرة باسم القسط، وهذا كله لبيان أن العدل مهم جداً، وهذه صفة برزت وظهرت في عامة أهل الإسلام رحمهم الله تعالى، فتجد عدل الأمراء، ومن منا يجهل عدل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي كان يعدل في كل أمر من أموره، وعدل بقية الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز وغيره، وعدل أئمة أهل السنة، تجد الواحد منهم يتمثل بهذه الصفة في جميع أحواله حتى مع أقرب الناس إليه.\rففي باب الولاء والبراء -مثلاً- تجده عادلاً، نحن الآن نظراً لأن أخلاقنا مهلهلة نجدنا في باب الولاء والبراء لا نعدل مع الآخرين، فنوالي هذا في الله ونعادي هذا في الله، فنحن مع أقربائنا وأبناء عمومتنا وأولادنا تقودنا العواطف والعلاقات وغيرها، فقد نوالي من لا يستحق الولاء، وقد نعادي من يستحق الموالاة، وكم من شخص تجده بين أقربائه يرحب به ويوسع له في المجالس، ويستقبل إذا جاء، ويودع إذا سافر، وتذبح له الولائم ويحترم ويقدر، ومع ذلك هو من الذين لا يصلون لله ركعة، هل يعقل هذا؟! أين الولاء والبراء؟ تجد هذا الشخص نظراً لأمور وأمور يختلف عندهم المقياس في التعامل معه.\rوإنما ضربت بهذا المثل لأن العدل في أمور كثيرة، سواء أكان مع الرعية أم في الإنفاق أم في غير ذلك، ولذلك تجد أن كثيراً من الأئمة من خوفهم أن لا يوفوا العدل حقه يستعيذون ويفرون من القضاء، وإلا فالقاضي العادل والإمام العادل إذا اتقيا الله ما استطاعا فإن الله ﷾ لا يحرمهما الأجر المضاعف.\rينبغي أن نعلم أن العدل ليس معناه المساواة في كل شيء، وإنما العدل أن تعطي كل ذي حق حقه، والله ﷾ فضل المجاهدين على القاعدين بقوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى الآية﴾ [النساء:٩٥].\rوكذلك كل من كان في باب الولاء والبراء أقرب إلى الله وأتقى لله فإنك تزيده أنت ولاءً ومحبةً في الله، ومن كان أقل فقد يقل عندك الولاء والمحبة له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534270,"book_id":2827,"shamela_page_id":59,"part":"2","page_num":15,"sequence_num":59,"body":"ربط القول بالعمل\rالصفة الثالثة: ربط القول بالعمل.\rوهو أن يوافق قوله فعله، وأن لا يكون من الذين قال الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢]، فتش عن السلف المؤمنين في تاريخهم رحمهم الله تعالى تجدهم يربطون القول بالعمل، إذا قالوا عملوا، ولا تخالف أقوالهم أعمالهم، وهذه سمة مهمة جداً في باب الأخلاق، لا تختص بخلق معين، ولا بصفة معينة، وإنما هي سمة عامة في خلق المؤمن أنه لا يخالف قوله فعله.\rولهذا فإن النبي ﷺ -كما في الحديث الصحيح عند مسلم - قال: (لم يكن نبي قط إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يتبعون أمره ويهتدون بسنته، ثم يأتي من بعد ذلك أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون)، وفي بعض الألفاظ: (ثم يخلف بعد ذلك خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون).\rإذاً هذه سمة من سمات المؤمنين، أن كل قولهم يوافق أفعالهم، ونعلم جميعاً أهمية ذلك التأثير على الآخرين، إذا وجد الإنسان يخالف قوله فعله ترك ولم يتأثر به في هذا الخلق أو في هذه الصفة أو نحو ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534271,"book_id":2827,"shamela_page_id":60,"part":"2","page_num":16,"sequence_num":60,"body":"التواضع وشروطه وجوانبه\rالصفة الثانية: التواضع.\rوالتواضع قد يفهم أحياناً على غير وجهه الصحيح، فيظن أن التواضع خمود وخضوع وفقط، وليس الأمر كذلك، التواضع: هو الخضوع للحق والانقياد له، ولو كان على نفسك.\rوهو أيضاً: قبول الحق من كل من جاء به ولو كان أقل منك.\rوهو أيضاً -بعد ذلك- لين الجانب وخفض الجناح.\rوينبغي أن نعلم! أن التواضع مثل غيره من الأخلاق له شروط، لكن أبرزها شرطان: الأول: الإخلاص.\rأي: الإخلاص لله في تعاملك، فلا تتخلق بهذا الخلق ليقال كذا، وإنما تتخلق به إخلاصاً لله.\rالثاني: القدرة.\rلأن الإنسان قد يتواضع قهراً، لكن يبرز التواضع ويظهر من القادر.\rثم بعد ذلك ينبغي أن نعلم أن هذا التواضع يظهر في سلوك وأخلاق المؤمنين من خلال عدة جوانب أشير إليها باختصار: الجانب الأول: التواضع الأعظم والأكبر، وهو الانقياد لما جاء به النبي ﷺ، سواءٌ أكان في كتاب الله أم في سنة رسوله ﷺ، وهذا سمة بارزة من سمات المؤمنين برزت على يد أعلام أهل السنة والجماعة.\rإذا نظرنا إلى بعض أخلاق المستكبرين ممن يقال له: ما أعدله.\rما أحسنه.\rما أفضله.\rوليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان تجد أمثال هؤلاء إذا أتى أحدهم حديث من رسول الله ﷺ يستكبر، فيقول: الرسول قال هذا في عهود قديمة، وقد تغيرت العصور.\rأو غير ذلك.\rنقول: لا.\rإن من سمات التواضع عند المؤمن أنه يسلم وينقاد لما جاء به الكتاب والسنة، وهذا تواضع.\rيقول الرسول ﷺ: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)، وكم من إنسان لا يستسلم للرسول ﷺ حين يسمع مثل هذا الحديث وأشباهه، لكن المؤمن الصادق هو الذي يسلم، فقط يقول: هل صح؟ هل ثبت؟ هل جاء الدليل؟ أما ما عدا ذلك فيسلم بما جاء به الرسول ﷺ في كل أمر من الأمور ولا يعترض.\rثم إن المؤمن بعد تسليمه ينتقل إلى العمل بما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولا يعترض على الحديث النبوي بعقله ولا بذوقه ولا بقول شيخه ولا بغير ذلك، وهذا هو التواضع الذي يتسم به المؤمن، لكن تجد المستكبر يأتي ويلوك بعقله وذهنه ليرد حديثاً عن رسول الله ﷺ، فأين هذا من التواضع؟! بينهما فرق كبير.\rالجانب الثاني في باب التواضع: تواضع المسلم مع أخيه المسلم.\rفيقول ﵊: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله)، إلى آخر النصوص الواردة في هذا الباب.\rإذاً تواضع المؤمن لأخيه المؤمن.\rالجانب الثالث في باب التواضع: قبول الحق ممن جاء به، وهذه قضية مهمة جداً، لو فتشنا في منهج علماء الإسلام رحمهم الله تعالى لوجدنا أنهم كانوا يقبلون الحق ممن جاء به أياً كان، لكن تفتش عن حالنا اليوم فتجد -ولا حول ولا قوة إلا بالله- تغيراً، لا يقبل الحق أبداً إلا إذا جاء من طائفته، أو إلا إذا جاء من أهله، أو إلا إذا جاء من ابن جلدته أو ابن عمه، وهذا كله خلاف التواضع، المؤمن هو الذي يقبل الحق ممن جاء به، جاءك أخوك المسلم بالحق بدليله فاخضع له، وهذه من سمات أئمة أهل السنة والجماعة وأخلاقهم التي تميزوا بها في تطبيقهم العملي وسلوكهم الأخلاقي في حياتهم.\rالجانب الرابع من جوانب التواضع: قبول العذر من أخيك إذا أخطأ عليك فإذا خالف لك أمراً تقبل عذره، ولا شك أن المؤمن الصادق الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه هو الذي يبحث لأخيه عن العذر، وذلك فيما أخطأ به عليه، لكن ما كان خطؤه للأمة فإن الإنسان يبين الحق بدليله ولا ضير في ذلك، وقد كان العلماء رحمهم الله تعالى يناقش بعضهم بعضاً، ويرد بعضهم على بعض في مسائل من العلم، ولم يكن يهجر بعضهم بعضاً، إلا إذا كان هناك سبب من بدعة أو غير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534272,"book_id":2827,"shamela_page_id":61,"part":"2","page_num":17,"sequence_num":61,"body":"السمات الإيجابية في سلوك المؤمن وأخلاقه\rهناك بعض السمات التي تميز بها المؤمن في الأخلاق، ومن هذه السمات: الإيجابية والإيجابية في سلوك المؤمن هي التي تجعله يحب المتعة للآخرين، ولا يكون أنانياً لا يريد الخير إلا لنفسه، وإنما تنظر إليه فتجده دائماً يحب الخير للناس، هذه العلامة الأولى من علامات إيجابيته.\rأيضاً من علامات الإيجابية البارزة فيه أنك تجده يحرص على التيسير على الناس، وهذه ناحية إيجابيه في خلق المسلم، ولا يعني ذلك أنه يتعدى الحق والدليل من أجل أن ييسر على الناس، لا، هذا عبث في دين الله لا يرضى به الإسلام.\rوالنبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما، ويقول ﵊: (يسروا ولا تعسروا)، ولذلك تجد أن من منهج الإسلام في باب أصول الفقه أنه لا يقصد إلى المشقة، وبعض الناس يخطئ في هذا، ويخلط بين هذا وبين القول بأن الأجر على قدر المشقة.\rهناك أمور وعبادات لا تأتي إلا بمشقة يؤجر عليها، لكن الإسلام لا يقصد أولاً المشقة، فمثلاً: حينما تريد أن تزور أخاك، وهو -مثلاً- في العلية فالإسلام لا يقول لك: اذهب واتجه إلى جهة الجنوب، ودر في الرياض دورتين ثم اذهب إلى أخيك بعد ساعة من أجل أن تكون وصلت إليه بعد مشقة، لا، وإنما تأخذ أيسر السبل في الوصول إلى أخيك، إلا ما كان من أمر فيه عبادة دعا الإسلام أو الشرع إليه، ولذلك تجد من خلق المؤمن أنه يؤثر على الناس حتى بطريقة تعامله، فالرسول ﷺ ما كان فاحشاً ولا متفحشاً، فنظافة اللسان وحسن الأدب والتعامل الطيب مع إخوانك المؤمنين لا شك أنها ناحية مؤثرة، تجعل الإنسان يتأثر بسهولة وبسرعة.\rأيضاً منها: أن الأخلاق الإسلامية تقوى وتتناسق عند المؤمن، حتى تكاد أن تكون من طبعه، فيصبح خلقاً ثابتاً مستقراً، ولذلك تجد أن الإنسان الذي يتربى على الصدق يصبح صدوقاً، حتى إذا حكي عنه شيء مما يتعلق بما يقول يقال: فلان لا يمكن أن يقول هذا؛ لأنه رجل صادق.\rفتصير سمة بارزة معروفة عنه.\rوأبو بكر ﵁ وأرضاه سمي بـ الصديق، فلو جاء إليه شخص ليقول: إن الرسول ﷺ فعل كذا فما تتوقع رد فعل أبي بكر؟ رد الفعل البدهي أنه سيصدق، وهكذا في بقية الأخلاق الإسلامية تتحول إلى سلوك مستمر ثابت يتميز به هذا الشخص، وهذه واضحة جداً.\rثم إن سلوك المؤمن سلوك متكامل لا يطغى فيه جانب على جانب، وهذه سمة مهمة جداً، تجد عند المؤمن الشجاعة، وتجد عنده التواضع، وتجد عنده الحياء، وتجد عنده القوة في الحق، وتجد عنده الذلة لأخيه المؤمن، فهو خلق متكامل، هذا التكامل في الخلق هو الذي يجعل الإنسان داعية إلى الله ﷾ بأخلاقه، والرسول ﷺ لما لقيه أحد الصحابة قبل أن يسلم قال: (فلما رأيت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب).\rإذاً هذه السمة تبرز في خلق المؤمن إذا تخلق بها.\rثم إن الحب في الله والبغض في الله يتمثل في أخلاق عديدة، في تعامل المسلمين مع إخوانهم، في إيثارهم، وإفشاء السلام لهم، والتبسم في وجوههم، والقصد في الحب والبغض.\rوأحب أن أقف عند عدم المبالغة في الحب والبغض قليلاً، أقول: قد ورد في ذلك حديث عن النبي ﷺ جاء في صحيح الجامع الصغير، يقول فيه النبي ﷺ: (أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك يوماً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما)، وهذا توسط، لكن بعضهم إذا أحب غالى، وإذا كره وأبغض غالى، وقد يكون هذا في إخوانه المؤمنين، لا، كن معتدلاً، ولا يكون الاعتدال إلا من التوازن في نظرتك لأخيك المؤمن، انظر إلى أخيك المؤمن بكامله، قد تجد عنده من الأخلاق الفاضلة كذا وكذا وكذا، فأحبه لأجلها، وقد تجد عنده خلقاً غير فاضل، فأبغضه من أجله، لكن بعض الناس يجعل هذا الخلق السيئ وكأن أخلاقه كلها صارت سيئة، فيبغضه بغضاً تاماً، وبالعكس قد تجد من أهل الفسق وغيرهم عنده خلق فاضل فتحبه لأجل هذا الخلق وتنسى فسقه وفجوره وأموره الأخرى.\rالتوازن الشرعي في هذا مطلوب؛ لأن هذا هو قاعدة الولاء والبراء، أن تحب المؤمن على قدر إيمانه، وأن تبغضه إذا كان مرتكباً لمعصية على قدر معصيته.\rوحتى لا نطيل نقف عند هذا في بيان بعض هذه الجوانب.\rولا شك أن من أراد أن يكون خلقه إسلامياً أن عليه أن يجاهد نفسه بأمور: أولاً: بالعلم.\rباب العلم قبل القول والعمل، فيعلم ما هي أخلاق الرسول ﷺ وما هي الأمور التي أمر بها فيتعلمها ويمتثلها، ثم بعد ذلك يعمل فيجاهد نفسه في الاتباع والعمل وتمثل الأخلاق، ليعلم الإنسان المؤمن أنه حينما يمتثل الأخلاق الإسلامية فإن الله ﷾ يوفقه ويكتب له القبول.\rأسأل الله ﷾ أن يجعلنا ممن تمثل الأخلاق الفاضلة وتمسك بها قاصداً بها وجهه الكريم، كما أسأله ﷾ أن يعيذنا من سيئ الأخلاق.\rاللهم! وفقنا لما تحبه وترضاه في أقولنا وأفعالنا وأمورنا كلها.\rاللهم! إنا نعوذ بك من فتنة القول وفتنة العمل.\rوالله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534273,"book_id":2827,"shamela_page_id":62,"part":"2","page_num":18,"sequence_num":62,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534274,"book_id":2827,"shamela_page_id":63,"part":"2","page_num":19,"sequence_num":63,"body":"أهمية التربية بالقدوة والتأثير بها\r\rالسؤال\r ما مدى أهمية التربية بالقدوة كمصدر من مصادر اكتساب الأخلاق الحميدة، أرجو بيان ذلك نظراً لإغفال الكثير لهذا الجانب في وقتنا الحاضر؟\r\rالجواب\r لا شك أن القدوة أساس في التأثير، والإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها بالقدوة، فقد كان المسلمون من الصحابة ومن غيرهم في تعاملهم مع الآخرين في شتى أمور الحياة كان الواحد منهم قدوة، وكم من إنسان دخل في هذا الدين بسبب تأثره بخلق واحد من أخلاق المؤمنين، ولذلك تجد أن الإنسان قد يتأثر بموقف عملي أكثر بكثير مما لو ألقيت عليه عدة خطب أو قرأ عدة كتب، فالقدوة لها أساس، والإنسان الذي يقتدي بغيره إنما يقتدي به لأنه رأى الخلق متمثلاً به عملياً، وهذا التمثل العملي هو أن يوافق قوله فعله، أي: أن يكون قدوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534275,"book_id":2827,"shamela_page_id":64,"part":"2","page_num":20,"sequence_num":64,"body":"إرشادات إلى كتاب في الأخلاق\r\rالسؤال\r ما هو أحسن كتاب في الأخلاق؟\r\rالجواب\r لا أذكر كتاباً؛ لأن الكتب التي ألفت في باب الأخلاق كتب قد يكون عليها ملاحظات، فمثلاً: (أدب الدنيا والدين) للماوردي جيد يستفاد منه، لكن ليس منهجه متكاملاً من جهة الثبات على الكتاب والسنة في صفائها.\rكذلك الغزالي في (إحياء علوم الدين)، يتحدث عن بعض جوانب الأخلاق، لكن تجد عنده نقصاً كبيراً في أخلاق مهمة، كما تجد فيه أيضاً أحاديث ضعيفة ونحو ذلك.\rوحاول بعض طلبة العلم أن يجمع رسائل في باب الأخلاق، كرسالة (التواضع)، ورسالة (الحب في الله والبغض في الله) ونحو ذلك.\rأقول: إن هذه الرسائل التي تجمع على الدليل وتمحيص الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ وبيان صحيحها من ضعيفها هي مصدر جيد.\rعلماً بأن الأساس للأخلاق هو ما جاء في كتاب الله وفيما صح من سنة رسوله ﷺ، خاصةً في الصحيحين ونحوهما.\rوصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534276,"book_id":2827,"shamela_page_id":65,"part":"2","page_num":21,"sequence_num":65,"body":"طرق معالجة الحدة وسرعة الغضب\r\rالسؤال\r كيف يتغلب المسلم على حدة الطبع وسرعة الغضب والغلظة في القول أو العمل، وكيف يجعلها تنقلب إلى خلق حسن؟\r\rالجواب\r بعض الناس يروي حديثاً ضعيفاً عن النبي ﷺ معناه أن الرسول ﷺ قال: (الحدة تعتري كبار علماء أمتي) أو نحو ذلك؛ لأن بعض الناس إذا شاهد أحداً عنده حدة جاء يستشهد بهذا الحديث الضعيف.\rفالحدة ليست خلقاً فاضلاً، فإذا كان الإنسان في خلقه حدة فعليه أن يبحث عن أنواع العلاجات التي يعالج بها هذا الخلق، والنبي ﷺ أوصى الرجل المغضب بأن يتوضأ وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فتحاول في مواقف أن تجعل لنفسك وقفة تراجع فيها نفسك عند الغضب بحيث تنتقل من حالة إلى حالة، وهذا الانتقال يعطي الإنسان فرصة للتراجع، واسأل ربك ﵎ وادع أن يخفف عنك هذه الحدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534277,"book_id":2827,"shamela_page_id":66,"part":"2","page_num":22,"sequence_num":66,"body":"حكم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مع مخالفة قوله فعله\r\rالسؤال\r هل يمنع من يخالف قوله فعله أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟\r\rالجواب\r هذه المسألة تكلم فيها العلماء رحمهم الله تعالى، وقالوا عند كلامهم عن صفة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: إنه يجب أن يكون ممن يوافق قوله فعله.\rوذكروا أيضاً رحمهم الله تعالى أن كونه لم يعمل لا يعذر به؛ لأن أمره بذلك هو أمر واجب؛ لأنه قد أوجب الله عليه أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، أما فعله هو لذلك فهو أمر آخر منفصل عنه، هكذا قال العلماء، وينبغي أن نعلم جميعاً أن من تمام التأثير في الآخرين، ومن الأمور التي هي سبب لامتثالهم لما تأمرهم به وانتهائهم عما تنهاهم عنه أن تكون ممن يعمل بما يقول، لكن لا يمنعك عدم عملك به من أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534278,"book_id":2827,"shamela_page_id":67,"part":"3","page_num":1,"sequence_num":67,"body":"تسلط الملاحدة\rمن أسباب تسلط الفلاسفة والباطنية على المسلمين: دخول أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة في تأويل آيات الصفات وتحريفها، مما جعل الفلاسفة يؤولون آيات المعاد من بعث وجنة ونار ونعيم وعذاب، فهم ينكرون وقوع هذه الأشياء من أساسها، فكان لزاماً علينا أهل السنة أن نبين بطلان منهج المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة، ومنهج الفلاسفة والباطنية، وأن ننشر المنهج الحق الذي هو منهج السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم في العالمين، فلا ندع بيت مدر ولا وبر إلا ونشرناه فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534279,"book_id":2827,"shamela_page_id":68,"part":"3","page_num":2,"sequence_num":68,"body":"المتكلمون هم سبب تسلط الملاحدة والفلاسفة والباطنية على المسلمين\rالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.\rأما بعد: فدرسنا في هذه الليلة هو بعنوان: لماذا تسلط الملاحدة والفلاسفة والباطنية على المسلمين؟ أقول: يا أيها الإخوة! إن المتأمل لقضية تاريخ عقيدة هذه الأمة وتاريخ الفرق والطوائف يجد أن هناك سؤالاً محيراً خلاصته: أن هناك حركات باطنية إسماعيلية أو قرمطية ملحدة، وهناك أيضاً فلاسفة أنكروا النبوات وقالوا بقدم العالم، وأنكروا البعث بعد الموت، إلى غير ذلك من الأمور التي هي مصادمة للإسلام وللعقيدة الإسلامية مصادمة ظاهرة.\rالمتأمل فيها يجد أن هذه الحركات الفلسفية والباطنية كانت تقوم على صريح الكفر والإلحاد وتعطيل الشرائع، فكيف وجدت لها موطئ قدم بل أتباعاً بين المسلمين؟! وكيف لا تمضي فترة على شهرة الفيلسوف إلا وقد صار له أتباع وتلاميذ؟! وكيف قامت الدولة الباطنية المسماة بالفاطمية وأرسلت دعاتها في مختلف أقطار العالم الإسلامي ليدعوا إلى نحلتهم، ثم بعد ذلك يجد هؤلاء الدعاة إلى ذلك المذهب الباطني من يستجيبون لهم؟ صحيح أن كثيراً من هؤلاء يستخدمون أساليب ملتوية، ويتظاهرون بالتشيع ومحبة آل البيت والرفض، ويقصدون أنواعاً من المناطق لا تخلو من وجود من يتستر بالزندقة.\rأيها الإخوة! هذا السؤال الذي طرحته قبل قليل يجب أن نقف عنده وقفة، وخلاصة الأمر كيف وجد في عالمنا الإسلامي مكان لتلك الدعوات الإلحادية؟ وكيف صار لها دعاة وأتباع؟ إن الجواب على ذلك يقتضي منا وقفة مع قضية من القضايا الكبار في تاريخ العقيدة الإسلامية، ألا وهي أن نماذج المتكلمين الذين دخلوا في قضايا كلامية ومنطقية وفلسفية، ثم دخلوا في باب التأويل من أوسع أبوابه ونسبوا ذلك إلى الإسلام، إن هؤلاء كانوا من أهم الأسباب التي أدت إلى تسلط أولئك الفلاسفة والباطنية على الأمة الإسلامية.\rفالفيلسوف أو القرمطي لن يجد المشقة في إقناع أتباعه بما عنده من سفسطة أو قرمطة، إذا أطلعهم على أقوال وتأويلات هؤلاء المتكلمين، وقد يكون فيهم من هو من فقهاء الأمة وأعلامها وسيجد عنده مقالات عجيبة، وتلك المقالات التي نهجها أولئك المتكلمون فتحت الطريق لأولئك الفلاسفة والقرامطة، ودخلوا من ذلك الباب وانتهى بهم الأمر إلى ما سبق ذكره قبل قليل من أقوال إلحادية كفرية لا يقبلها أحد أبداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534280,"book_id":2827,"shamela_page_id":69,"part":"3","page_num":3,"sequence_num":69,"body":"أسباب ابتداع أهل الكلام للمناهج العقلية الكلامية المنحرفة\rأيها الإخوة: أريد أن أبين هذه القضية بعد أن قدمت هذه المقدمة من خلال شرح هذه المسألة من أساسها.\rنحن نعلم أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كان لهم منهج واضح محدد في التعامل مع النصوص، ومع قواطع العقيدة وضوابطها، ولهذا تجد منهجهم واحداً لم يتغير، فمنهج السلف في القرن الثاني أو الخامس أو العاشر أو الخامس عشر هو واحد؛ لأن الأصول والمنطلقات واحدة.\rلكن الذي وقع بالنسبة لهؤلاء المتكلمين هو أنهم ابتدعوا مناهج عقلية وطرقاً كلامية لتأييد العقيدة أو لإيضاحها أو نحو ذلك، وهذا لا يكاد يخلو منه أحد من أهل الكلام، ومن ثم فإنهم استعاروا بعض أصول الفلاسفة، ثم جاءوا ليدرسوا نصوص العقيدة وقضاياها من خلال تلك الأصول.\rودعوني أضرب لكم مثالاً واحداً يبين كيف دخلوا من خلال تلك الأصول: أرادوا أن يثبتوا أن هذا العالم حادث، ونحن نعلم أن منهاج القرآن في ذلك منهج واضح جلي، ألا وهو الاستدلال بنفس المخلوقات على الخالق، أي: أن هذا الكون لابد له من خالق، وهذه قضية بدهية يعرفها الجميع، يقول الأعرابي: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ثم يقول: سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على العليم الخبير؟! هذه بدهية.\rومن ثم تجد أن القول بالأسباب حتى عند الأطفال، فلو أنك كنت عند طفل عمره ثلاث سنوات ثم ضربته على حين غفلة منه، ثم جاء يبحث عن الضارب، فلو قلت لهذا الطفل الصغير: لم يضربك أحد هل سيصدق؟ لا يمكن أن يصدق، سيقول لك: لابد أن يكون هناك أحد ضربني.\rإذاً: الاستدلال بنفس المخلوقات، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، الاحتمالات ثلاثة: إما أن يكونوا خلقوا من غير شيء، أو يكونوا هم الخالقين لأنفسهم، وهذان الاحتمالان باطلان، فبقي الاحتمال الثالث الصحيح ألا وهو: أن لهم خالقاً خلقهم، هذا المنهج الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534281,"book_id":2827,"shamela_page_id":70,"part":"3","page_num":4,"sequence_num":70,"body":"خطأ المتكلمين في الاستدلال بصفات الأجسام على حدوث العالم\rفجاء أولئك المتكلمون ليأخذوا بمنهج آخر في إثبات حدوث العالم وليقولوا: إن حدوث العالم إنما دلت عليه صفات الأجسام، أي: كون هذه الأجسام فيها صفات من تغير وتنقل واستحالة ونحوها، ومن ثم فهي حادثة، ومعنى ذلك: أننا نستدل على أن القمر مخلوق بأن هذا القمر يتحرك، ونستدل على هذه الأرض بأنها مخلوقة أنها تسبح في هذا الكون وكذا الشمس وكذا غيرها.\rفاستدلوا بصفات الأجسام على أنها مخلوقة، وقالوا: كل جسم تحدث فيه صفات ومتغيرات فهو حادث.\rقد يقول الإنسان وهو ينظر إلى هذا الدليل: إن هذا فيه شيء من الصحة، لكن في الحقيقة هو باطل، وفتح عليهم باباً عظيماً جداً من أبواب الضلالة؛ لأن هؤلاء قيل لهم: هل هذا هو الدليل الوحيد على حدوث العالم، وأن الأعراض إذا حلت في الأجسام دلت على أن الأجسام حادثة؟ قالوا: نعم، فجاءهم بعض المنحرفين من المتفلسفة وغيرهم وقالوا لهم: إذاً ماذا تقولون في صفات الله وصفات الله أعراض؟ إن قلتم إن هذه الصفات تقوم بالله، فيقوم به صفة العلم وصفة الإرادة وصفة الخلق وصفة الاستواء وصفة المجيء وصفة الضحك وصفة المحبة وغير ذلك من الصفات الواردة؛ فيلزمكم على هذه القاعدة أن يكون الله جسماً، وأن يكون حادثاً فينتقض عليكم أصلها، أنتم أردتم أن تثبتوا أن الله ﷾ أزلي، وتثبتوا أن ما سواه مخلوق، وأن هذا الكون حادث، فعلى أصلكم هذا انتقض عليكم الدليل، وصار مجالكم مجال المدافعة، لتنفوا عن الله ﷾ أنه جسم لئلا يكون حادثاً.\rوفعلاً صدقوا بهذه المناقشة، فقالت المعتزلة: إذاً لا يتم الدليل إلا بنفي الصفات عن الله؛ لأننا لو أثبتنا الصفات لله لكان مثل الأجسام فيكون حادثاً، فنفوا عن الله جميع الصفات.\rوجاءت طائفة أخرى وهم الأشاعرة والكلابية فقالوا: نفرق بين الصفات الذاتية وبين الصفات الفعلية.\rفالصفات الذاتية لا نسميها أعراضاً ونثبتها لله، كالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر ونحوها، أما الصفات الفعلية التي يفعلها ربنا متى شاء إذا شاء، مثل خلقه للسماوات والأرض، ومثل كونه يتكلم إذا شاء متى شاء، ومثل كونه ﷾ استوى على العرش، ومثل كونه يجيء يوم القيامة، ومثل كونه ﷾ يحب عبده هذا اليوم إذا أطاع ويغضب عليه غداً إذا عصى؛ قالوا: هذه صفات أفعال تدل على تغيرات فننفيها عن الله ﷾.\rوبذلك نفوا الصفات من خلال دليل عقلي استمدوه من غيرهم، ولو أنهم أخذوا بالدليل الصحيح لما احتاجوا إلى مثل هذا، ولما وقعوا في هذه الورطة التي أوقعوا بها أنفسهم من خلال أخذهم بمناهج غريبة، ولهذا السبب نفسه أيضاً نجد أن هؤلاء المتكلمين ردوا نصوصاً كثيرة صريحة من أجل تلك الأصول العقلية.\rأيها الإخوة! بما أن الأدلة تدل على علو الله ﷾ وأنه فوق خلقه، وأنه على العرش استوى، وهذه الأدلة كثيرة جداً تبلغ المئات، بل تزيد عليها في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ، وتدل دلالة صريحة على أن الله ﷾ في السماء، وأنه بائن من خلقه، ومع هذا كله جاء هؤلاء بأدلة عقلية وشبه وهمية فقالوا: إن القول بأن الله فوق العالم باطل، وتأولوا هذه النصوص الصريحة كلها وردوها، ثم إذا قيل لهم: إذا كنتم تنكرون أن يكون الله فوق العالم، فأين الله؟ فقال بعضهم: إن الله في كل مكان، وهذا شبيه بقول الحلولية إن الله في كل مكان، إذاً: ربنا لا يتميز لا بذات ولا بصفات.\rوقال بعضهم قولاً لا يقبله عقل، قال: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فقيل لهم: هذا مستحيل، إن الله إذا لم يكن داخل العالم فهو خارج العالم، وإذا لم يكن خارج العالم فهو داخل العالم، فكيف يكون لا داخل العالم ولا خارجه؟! هذا لا يقبله عقل.\rوهكذا تأولوا نصوص الصفات كالاستواء والوجه واليدين والمحبة والرضا وغير ذلك، وتألوا نصوص العلو، وتأول بعضهم نصوص الرؤية وقال: إن الله لا يرى كما هو مذهب المعتزلة، فلما أعملوا في النصوص تأويلاً تسلط عليهم الفلاسفة والقرامطة وقالوا لهم: أيضاً نحن نعمل في النصوص تأويلاً، فقال الفلاسفة: أنتم تأولتم نصوص الصفات وهي كثيرة، فنحن أيضاً نتأول نصوص المعاد الواردة في القرآن، فنقول: إن المعاد غير حقيقي وإنما هو وهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534282,"book_id":2827,"shamela_page_id":71,"part":"3","page_num":5,"sequence_num":71,"body":"احتجاج الفلاسفة على المتكلمين في التأويل\rتأول الفلاسفة نصوص المعاد على أحد وجهين: إما أن المعاد من الأساس كذب، كما يقول الله سبحانه عن الدهرية: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، كيف ذلك؟! قالوا: إنما كذب الأنبياء لأجل إصلاح الناس، فهم يقولون لهم: إن فعلتم كذا فلكم جنان وكذا، حتى تتحسن أخلاقهم، وإلا فلا جنة ولا نار ولا عتاب ولا حساب ولا عقاب، كما يفعل الإنسان مع الطفل أحياناً حينما يعده بمواعيد يعلم أنها لن تتحقق، يريد أن يصلح من حاله الآن.\rوقسم آخر من الفلاسفة قالوا: المعاد يكون للروح، أما المعاد الجسماني، والجنان والنعيم، والنساء، والأكل والفواكه والطير وغير ذلك مما هو مذكور تفصيله في كتاب الله، وكذلك أيضاً بالنسبة لعذاب النار؛ هذه كلها لا حقيقة لها، والنعيم ما هو إلا نعيماً نفسياً روحياً فقط، أما المعاد الجسماني فلا، هذا هو قول الفلاسفة.\rفرد عليهم أهل السنة والمتكلمون وغيرهم وقالوا لهم: إن تأويل نصوص المعاد كفر وإلحاد بالله ﷾؛ لأن الإيمان باليوم الآخر من أصول الأيمان، فمن أنكر حشر الأجسام وأنكر أن الله يبعث الناس يوم القيامة فهو كافر خارج عن دائرة الإسلام، فقال لهم الفلاسفة: ولماذا تكفروننا؟ قالوا: لأنكم تأولتم النصوص الصريحة في كتاب الله، فقالوا لهم: وأنتم أيضاً أيها المتكلمون في باب الصفات تأولتم النصوص الصريحة في كتاب الله.\rفلماذا تبيحون لأنفسكم التأويل ولا تبيحون لنا التأويل؟ كما يقول ابن القيم: ألكم على تأويلكم أجران ولنا على تأويلنا وزران تقول الفلاسفة للمتكلمين: إذا كانت نصوص الصفات على غير ظاهرها، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وأنتم تؤولونها وتقولون: استوى بمعنى استولى.\rوقول الله ﷾: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، وأنتم تقولون: الذي يأتي هو ملك، وهكذا بقية النصوص تتأولونها على غير ظاهرها، وتأتون لها بتأويلات بعيدة جداً، فنحن أيضاً نأتي إلى نصوص الجنة والنار فنتأولها تأويلات بعيدة جداً.\rانتبهتم إلى المأزق الذي أوقع فيه الفلاسفة أهل الكلام؛ لأنهم قالوا لهم: إذا كنتم قد أعملتم في بعض النصوص تأويلاً وأبحتم لأنفسكم ذلك، فلماذا لا تبيحون لنا نحن ذلك؟ ما الفرق بيننا وبينكم؟ إن قلتم: نصوص المعاد صريحة، قلنا لكم: ونصوص الصفات أيضاً صريحة، إن قلتم: يمكن تأويل نصوص الصفات دون المعاد، قلنا لكم: ويمكن تأويل نصوص المعاد أيضاً كما يمكن تأويل نصوص الصفات.\rأيها الإخوة! لقد فتح هؤلاء المتكلمون لأولئك الفلاسفة ذلك المدخل والباب المنحرف فتأولوا تلك النصوص، وجاء بعدهم إخوانهم الباطنية والقرامطة فلم يكتفوا بتأويل الصفات، وإنما أولوا نصوص الشريعة كلها، فقال هؤلاء: إن المقصود بالحج هو زيارة الأئمة، وإن المقصود بالصيام هو كتمان أسرار الدعوة، وإن المقصود بقوله: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] عائشة ﵂، وأعملوا في نصوص الشريعة تأويلاً منحرفاً باطلاً، فقيل لهم: هذا إلحاد وزندقة وباطل، بل النصوص قاطعة في أن الصلاة والزكاة والحج والصيام ونحوها أمور معروفة في الشريعة الإسلامية، فقال أولئك الباطنية: نحن تأولنا كما تأولتم أيها المتكلمون.\rإذا قلتم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استوى بمعنى استولى، فنحن أيضاً نتأول الصيام، فنقول: إن المقصود بالصيام هو الإمساك عن كشف أسرار الدعوة، وبهذا فتح المتكلمون أيضاً للباطنية والقرامطة باباً دخلوا منه وهو باب التأويل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534283,"book_id":2827,"shamela_page_id":72,"part":"3","page_num":6,"sequence_num":72,"body":"الآثار المترتبة على تأويلات أهل الكلام لآيات الصفات\rيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإن غلط هؤلاء المتكلمين مما سلط أولئك الفلاسفة، وظنوا أن ما يقوله هؤلاء وأمثالهم هو دين المسلمين، أو قول الرسول وأصحابه.\rلو أن الفلاسفة والباطنية ظنوا أن هؤلاء المتكلمين منحرفون عن الجادة لكان الأمر يسيراً، لكن المشكلة أنهم ظنوا أن هذا الذي يقوله أهل الكلام هو الدين الحق، وهو الذي يقوله عامة المسلمين وأئمة المسلمين، بل هو قول النبي ﷺ وأصحابه.\rيعني: كأن هؤلاء المتكلمين ينسبون عقائدهم وتأويلاتهم إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، كأن الرسول هو الذي يتأول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهو الذي يتأول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وهو الذي يتأول بقية الصفات تلك التأويلات العجيبة.\rإذاً: أولئك الفلاسفة ظنوا أن ما يقوله هؤلاء فعلاً هو الذي جاء به الرسول صلى الله وسلم، فإذا كان فعلاً هو الذي جاء به الرسول ﷺ، إذاً هذا التأويل الذي تأوله وحكاه من بعده يجيز لنا نحن أن نتأول تلك النصوص بتأويلات أخرى، ولو كانت هذه التأويلات بعيدة؛ لأنها ليست بأبعد من تأويلات المتكلمين.\rولذا يقول شيخ الإسلام بعد ذلك: ولهذا كانت مناظرة ابن سيناء هي للمعتزلة، ومناظرة ابن رشد الفيلسوف للكلابية الذين هم شيوخ الأشعرية، وكانوا إذا بينوا فساد بعض ما يقوله متبعة أهل الكلام يظنون أنه لم يبق حق إلا ما يقولونه هم، مع أن ما يقوله مبتدعة أهل الكلام فيه خطأ مخالف للشرع والعقل، لكن ما تقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين.\rهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ((نقض المنطق)) مطبوع الجزء الأول صفحة (٢٢٣).\rومعنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أننا حينما نقول: إن المتكلمين كانوا سبباً في تسلط الفلاسفة، إنما نبين قضية التأويل الباطل وإلا فهؤلاء المتكلمون أفضل من الفلاسفة، وكلام أولئك الفلاسفة باطل من جميع الوجوه، فلا مقارنة بين الفلاسفة والمتكلمين.\rوشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض ذكره لقصة تسلط الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، على إثر مقالات أهل الكلام وهو يتحدث عن الدليل الذي جاء به المعتزلة والأشعرية وغيرهم وهو حدوث الأجسام يقول: فطريقتهم -أي: طريقة المعتزلة والأشاعرة التي أثبتوا بها أنه خالق للخلق مرسل للرسل- إذا حققت عليهم وجد لازمها أنه ليس بخالق ولا مرسل، فيبقى المسلم العاقل إذا تبين له حقيقة الأمر متعجباً كيف انقلب العقل والسمع على هؤلاء! ولهذا تسلط عليهم بها أعداء الإسلام من الفلاسفة والملاحدة وغيرهم لما بينوا أنه لا يثبت بها خلق ولا إرسال، فادعى الفلاسفة قدم العالم، وأثبتوا موجداً بذاته، وقالوا: إن الرسالة فيض يفيض على النبي من جهة العقل الفعال، لا أن هناك كلاماً تكلم به الله تعالى وأنه قائم به، وكان في الوقت الذي أظهرت الجهمية مقالتهم الأولى وامتحنوا أئمة الإسلام كـ أحمد بن حنبل وغيره، قد ظهر أصل كلمة هؤلاء الملاحدة الباطنية باطناً؛ وذلك في خلافة المأمون ثم المعتصم، وتجدد بعد ذلك من الحوادث العظيمة التي كانت في الإسلام في أثناء المائة الرابعة ما يطول شرحه، مما تتزلزل به أقطار البلاد الإسلامية.\rوما يشير إليه بالمائة الرابعة يقصد به نشوء الدولة العبيدية الباطنية، وأيضاً أحداث القرامطة الخطيرة التي وقعت في العالم الإسلامي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534284,"book_id":2827,"shamela_page_id":73,"part":"3","page_num":7,"sequence_num":73,"body":"ردود أهل الكلام على الفلاسفة والباطنية وبطلانها\rسأضرب لكم مثالاً على كيفية معالجة المتكلمين لهذه القضية، فإن أشهر المتكلمين أبو حامد الغزالي وهو من الأشاعرة والصوفية، وأبو حامد الغزالي أيضاً من أشهر العلماء في الرد على الفلاسفة والرد على الباطنية؛ فإن له كتابين من أشهر الكتب: أحدهما اسمه: ((تهافت الفلاسفة)) والثاني اسمه ((فضائح الباطنية)).\rأبو حامد الغزالي ﵀ في أحد كتابيه ينقض على الفلاسفة مذهبهم، وفي الثاني ينقض على الباطنية مذهبهم، والكتابان موجودان مطبوعان، فماذا قال في ((تهافت الفلاسفة)) عن قضية البعث وحشر الأجساد، وهو يرد على هؤلاء الفلاسفة ويبين كفرهم بذلك؟ يقول أبو حامد الغزالي: فإن قيل ما ورد في الشرع -أي: من نصوص المعاد- أمثال ضربت على حد أفهام الخلق، كما أن الوارد من آيات التشريف وأخباره أمثال على حد أفهام الخلق، والصفات الإلهية مقدسة عما يتخيله عوام الناس.\rالمقصود بآيات التشريف آيات الصفات.\rيقول الغزالي: والجواب أن التسوية بينهما تحكم، بل هما يفترقان من وجهين: أحدهما: أن الألفاظ الواردة في التشبيه تحتمل التأويل على عادة العرب في الاستعارة، وما ورد في وصف الجنة والنار وتفصيل تلك الأحوال بلغ مبلغاً لا يحتمل التأويل، فلا يبقى إلا حمل الكلام على التلبيس بتخييل نقيض الحق لمصلحة الخلق؛ وذلك ما يتقدس عنه منصب النبوة.\rالثاني: أن أدلة العقول دلت على استحالة المكانة والجهة والصورة ويد جارحة وعين جارحة وإمكان الانتقال والاستقرار على الله ﷾.\rما هذه التي أشار إليها الغزالي؟ إنها صفات الله، يقول: العقول دلت على أن هذه الصفات مستحيلة، فيستحيل أن يكون الله ﷾ على العرش استوى، أو أن يكون في العلو، أو أن يكون ﷾ له يدان أو أن له عيناً كما ورد بذلك النصوص، أو أنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، إلى غير هذا، فوجب التأويل بأدلة العقول، وأما ما ورد من أمور الآخرة فليس محالاً في قدرة الله تعالى، فيجب إجراؤه على ظاهر الكلام، بل على فحواه الذي هو صريح فيه، هذا جواب أبي حامد الغزالي.\rويقول في كتابه ((فضائح الباطنية)) وهو يرد على الباطنيين الذين يتأولون النصوص: فإن قيل: فهلا سلكتم هذا المسلك في التنزيلات الواردة في صفات الله تعالى من آية الاستواء وحديث النزول ولفظ القدم إلى غير ذلك من أخبار لعلها تزيد على ألف، وأنتم تعلمون أن السلف الصالحين ما كانوا يؤولون هذه الظواهر، بل كانوا يجرونها على الظاهر، ثم إنكم لم تكفروا منكر هذه الظواهر بل اعتقدتم التأويل وصرحتم به؟! انظر إنها عبارات قوية، فماذا يقول أبو حامد الغزالي جواباً على هذا الكلام؟ يقول: قلنا: كيف تستتب هذه الموازنة والقرآن مصرح بأنه ليس كمثله شيء، والأخبار الدالة عليه أكثر من أن تحصى، ونحن نعلم أنه لو صرح مصرح فيما بين الصحابة بأن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يحده زمان، ولا يماس جسماً، ولا ينفصل عنه بمسافة مقدرة وغير مقدرة، ولا يعرض له انتقال وجيئة وذهاب وحضور وأفول، وأنه يستحيل أن يكون من الآفلين والمتنقلين والمتنكرين إلى غير ذلك من نفس صفات التشبيه لرأوا ذلك عين التوحيد والتنزيه.\rولو أنكر الفلاسفة الحور والقصور والأنهار والأشجار والزبانية والنار لعد ذلك من أنواع الكذب والإنكار، ولا مساواة بين الدرجتين.\rخلاصة رد الغزالي: أن نصوص الصفات محتملة، أما نصوص المعاد فهي كثيرة بحيث بلغت مبلغاً لا يحتمل التأويل، ثم إن أدلة العقول عنده أوجبت تأويل نصوص الكتاب، أما نصوص المعاد فلا تؤول؛ لأنها لا تخالف أدلة العقول.\rلكن الفلاسفة يقولون: لا فرق بين هذه وهذه، أنت أيها الغزالي قلت: إن النصوص الواردة في الصفات تزيد على ألف نص، فكيف سمحت نفسك بتأويلها ثم كفرتنا لما تأولنا نصوص المعاد؟! ولهذا تجد أن أبا حامد الغزالي عندما رد عليهم رد عليهم بكلام غير ذكي؛ لأن الفيلسوف سيقول له: تلك النصوص أيضاً كان السلف الصالح قبلكم يثبتونها ولا يتأولونها، وكانوا أيضاً لا يتأولون نصوص المعاد فمنهجهم واحد، فأنت أيها المتكلم كيف تأولت هذه النصوص التي تعد بالمئات، ثم منعتنا من تأويل نصوص المعاد؟ ثم سيقول له الفلاسفة: إذا قلت: إنه يستحيل أنه يكون لله صفة كذا وكذا من الصفات الواردة، كذلك أيضاً نحن نقول: يستحيل أن يكون هناك جنة ونار وبعث وغير ذلك، بل نقول: يستحيل أن الله يرى يوم القيامة، وقد قال به إخوانكم المعتزلة.\rإذاً: ما هو الغرض من هذا أيها الإخوة؟ الغرض من هذا بيان أن منهاج المتكلمين حماقة في باب التأويل؛ لأنهم تأولوا النصوص تأويلات باطلة بلا شك، فتسلط عليهم الفلاسفة والقرامطة والباطنية وقالوا لهم: لماذا لا نتأول بقية النصوص؟ ولاشك أن صنيع أهل الكلام كان سبباً ظاهراً جلياً في تسلط الفلاسفة على المسلمين.\rأما منهاج الحق منهاج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى فهو يأخذ منهجاً واحداً، سواء تعلقت النصوص بالصفات أو تعلقت بالمعاد أو تعلقت بالأحكام الشرعية، وسواء كانت النصوص من القرآن، أو بما ثبت من سنة رسول الله ﷺ فهي نصوص قطعية، ومن ثم فإن رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح أثبتوها على منهاج واحد دون تفريق.\rإن قضية سلامة المنهج وكونه على وتيرة واحدة بدون تناقض، هي التي تؤدي إلى أن يكون الإنسان فعلاً منصفاً، ويكون كلامه أيضاً مستقيماً لا لبس فيه ولا غلو، فالنصوص واحدة، والله ﷾ خاطبنا بما نفهم وبما نستطيع أن نعي، ومن ثم نجد أن أصحاب النبي ﷺ تلقوا القرآن وتلقوا أحاديث الرسول ﷺ وكانوا يسألون عما يشكل عليهم ﵃، ولما كانت هذه حالهم علمنا وأيقنا أنهم أثبتوا تلك النصوص ومدلولها دون أن يخوضوا في تأويل النصوص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534285,"book_id":2827,"shamela_page_id":74,"part":"3","page_num":8,"sequence_num":74,"body":"أسباب ظهور الحداثيين وأصول مذهبهم\rأيها الإخوة في الله! إن هذه القضية التي أشرت إلى جزء منها أردت منها مدخلاً لقضية قديمة لكنها تتجدد في كل وقت، فنحن ضربنا أمثلة بمنهاج المتكلمين والفلاسفة وكيف تسلط هؤلاء على هؤلاء، وكيف أن المتكلمين صارت أجوبتهم ضعيفة بالنسبة لأدلة وأسئلة أولئك الملاحدة من الفلاسفة وغيرهم؛ لأنهم ورطوا أنفسهم أولاً حيث وقعوا في التأويل ومنعوا غيرهم من التأويل، فقال لهم أولئك: كيف تفرقون بين هذا وهذا والنصوص واحدة وصريحة؟! أقول: إن هذا الذي جرى لم يتوقف على تلك المرحلة التاريخية ونحوها، وإنما امتد إلى عصرنا الحاضر، وذلك بوجود دعوات ومناهج فكرية تنهج نهج هذا التأويل الباطل، وعلى رأس هؤلاء أصحاب الفلسفات الإسلامية الحديثة، ومفكرو الحداثة.\rعندما نقول: مفكرو الحداثة، فإننا نتحدث عن الحداثة كفكر، ولا ينفصل الفكر والمضمون عن الأداة والأسلوب وهو الأدب؛ لأن كثيراً من مفكري الحداثة يخدع الناس بالفصل بينهما، يقول لك: الحداثة ما هي إلا شيء جديد يرفض القافية أو يرفض التفعيلة التي وضعها الخليل، وهذا ما فيه شيء؛ لأنها أشكال جديدة في الأدب، ونحن نقول: لو اقتصر الأمر على أن تكون أشكالاً جديدة في الأدب فليس هناك إشكال ولا مشاحة في الاصطلاحات، لكنهم استخدموا هذه المناهج الأدبية بفلسفاتها الأوروبية من دنيوية وفوضوية وعبثية ومادية وغير ذلك؛ استخدموها ليخلطوا بين المضمون وبين الشكل والأداة؛ ليقدموا لنا أدباً حداثياً يحمل فكراً إلحادياً.\rولهذا تجد أن أصحاب هذه الأفكار سواء من يسمون أنفسهم بأصحاب الفكر المستنير أو مفكرو الحداثة أو غيرهم من الذين يتبنون اتجاهات فكرية وعلمانية حديثة، أقول: إن هؤلاء استخدموا ذلك المنهاج الذي استخدمه سلفهم الفلاسفة مع المتكلمين، فقالوا: نحن لا نرفض الدين كدين، وأيضاً لا نأخذ النصوص كنصوص، لكن يجوز لنا أن نتعامل معها كما تتعاملون معها أنتم أيها المسلمون، والنتيجة التي يريدها هؤلاء هي أن الواحد منهم يبحث في التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي وتفسير القرآن وشروح الأحاديث، بل ويبحث في نفس النصوص ويدرسها بأي منهج شرقي أو غربي ويتعامل معها ويتأولها، ومن ثم فلا حرج عليه في ذلك؛ لأن هذه النصوص مقدسة وهو يستخدمها بأي منهج يريد.\rوحينما تناقشه فإنه يحتج بالفرق الكلامية ويقول: انظر إلى مناهج المعتزلة لم يجمدوا عند نصوص معينة، وإنما استخدموا عقولهم في دراسة النصوص والأخذ منها، انظر إلى غيرهم من مفكري الإسلام وفلاسفة الإسلام الذين نظروا إلى النصوص باحترام، لكنهم أيضاً عملوا في فهمها ومعانيها، وأبدعوا حتى وصلوا إلى أفكار عجيبة.\rوكثير من هؤلاء تعجبه الحركات الباطنية من قرمطية وإسماعيلية وغيرها على أساس أنها ثارت على أصول التراث التقليدي عند أهل السنة والجماعة، ولذا تجد مثلاً ابن سيناء يعتبر عندهم من العظماء، فهو فيلسوف إسلامي تعامل مع النصوص من خلال الفلسفة، كذلك ابن رشد يعتبر عندهم من العظماء وفيلسوف إسلامي تعامل مع النصوص من خلال فلسفته، وكذلك الإسماعيلية عندهم هي فرقة مبدعة، وكذلك القرامطة فرقة ثورية مبدعة فعلاً في المجتمعات الإسلامية.\rوكما تلحظون مثلاً مهيار الديلمي شاعر من شعراء الدولة الباطنية الإسماعيلية، وديوانه مطبوع في مجلدين كبيرين.\rمهيار الديلمي هذا أستاذ أدباء الحداثة القدماء، وكذلك أستاذ كل خارج عن عقيدة الإسلام وآداب الإسلام وغيره.\rإذاً: عندنا هنا فكر حديث ينطلق من خلال مناهج قديمة ويعتمد عليها ويتكئ عليها، والسبب في ذلك أيها الإخوة هو عدم انضباط المنهج، عندما أخذ كثير من المسلمين بمناهج متعددة وتأثروا بالمناهج الغربية والمناهج الكلامية وغيرها نشأت عندهم هذه الانحرافات والتأويلات وغيرها، فصارت مجالاً رحباً ينطلق منه أولئك الملاحدة قديماً وحديثاً.\rولهذا تجد بعضهم يكتب كتاباً في مجلدات تحت عنوان: دراسات عن التراث الإسلامي، ويركز على تلك الفرق المنحرفة ويظهرها على أنها هي الفرق المبدعة في تاريخ الإسلام، ويسخر من السلفية والسلف ومن أهل السنة والجماعة سخرية عجيبة كما كان يسخر من سبق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534286,"book_id":2827,"shamela_page_id":75,"part":"3","page_num":9,"sequence_num":75,"body":"الهدف من عرض المناهج الكلامية والفلسفية\rنحن هنا حينما نعرض لهذا في مثل هذا الوقت القصير، أريد أن أفتح آفاقكم حول هذه القضية التي هي قضية المناهج الكلامية والفلسفية قديماً وحديثاً، وأثرها في حياة المسلمين المعاصرين.\rوالخطأ في المنهاج يؤدي في الغالب إلى أخطاء متراكبة، كما هو معلوم بالنسبة للانحراف، فإنه يبدأ صغيراً ثم لا يزال يكبر كالزاوية، فإن الزاوية الحادة مثلاً تبدأ من التقاء العمودين، لكن كلما امتد الخطان إلى الأمام زاد الانحراف.\rوإذا كان الأمر كذلك فهل عودتنا واعتمادنا على منهاج السلف في هذه الأزمنة التي تتلاطم أمواجها محل خيار بالنسبة لنا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534287,"book_id":2827,"shamela_page_id":76,"part":"3","page_num":10,"sequence_num":76,"body":"حقيقة منهاج السلف في التعامل مع النصوص الشرعية\rأقول: أيها الإخوة! إن بعض الناس يظن أن منهاج السلف هو منهاج الكسالى الذين يتلقون ثم يقولون ما تلقوه بدون تفكير، أي: خذ النص وقل النص واسترح.\rولاشك أن هذا الذي يقوله هؤلاء خطأ محض؛ لأن منهاج السلف مبني على أسس علمية صحيحة، ومنهاج المتكلمين والفلاسفة مبني على أسس باطلة، ولهذا فإننا نقول عن قناعة: إن المنهاج الحق هو أن تعطي الدليل حقه، وتأخذ بالدليل على منهاج صحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534288,"book_id":2827,"shamela_page_id":77,"part":"3","page_num":11,"sequence_num":77,"body":"ضرورة خضوع العقل في الغيبيات للكتاب والسنة\rودعوني أضرب لكم مثالاً: الأمر الغيبي الذي لا يمكن أن نعلمه كيف نستطيع أن نعلمه؟! لو جاءنا واحد الآن ووقف أمامنا وقال: يا جماعة في شيء اسمه سكنجبين ما هو؟ وبدأنا نشغل عقولنا فجاء واحد وقال: السكنجبين عصارة، وقال الثاني: السكنجبين شتلة تباع في جنوب أفريقيا، وقال الثالث: السكنجبين هذا نوع من القماش يصنع في اليابان، وقال الرابع: السكنجبين هو نوع من السيارات، وقال الخامس: السكنجبين: لعبة أطفال بلاستيكية، وهكذا.\rهل سننتهي إلى نتيجة؟ لن ننتهي إلى نتيجة؛ لأن هذا أمر غيبي، ما هو الحل السليم؟ الحل السليم أن نأتي للخبير الذي عنده علم ونقول له: ما هو السكنجبين؟ سيقول: هو مركب دوائي من مجموعة من الأشياء كان معروفاً عند القدماء اسمه السكنجبين.\rانتهى الإشكال.\rالآن لو جئت إلى المناهج الفلسفية والكلامية مثلاً لوجدت أنه يريد أن يفسر ظواهر غيبية ما شاهدها بتفسيرات عقلية ومناهج كلامية، والله يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١].\rلهذا تجد الفيلسوف مثلاً يمضي عشرات السنين وهو يبحث عن علم ما بعد الطبيعة وما وراء الطبيعة، هل هناك إله أو ليس هناك إله؟ وكيف تم الخلق؟ ومتى وجد الخلق؟ إلى آخره، ثم ينتهي به الأمر بعد ستين أو خمسين عاماً إلى نتيجة واحدة، ألا وهي: أن هذا الكون معلول لابد له من علة، ولابد له من صانع.\rنقول: بعد خمسين سنة تنتهي إلى هذه النتيجة؟ هذه النتيجة يعرفها الصغار منا، فهم يعرفون أن هذا الكون لابد له من خالق، ولذا فنحن نقول: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يبدءون من حيث ينتهي الفلاسفة، الفلاسفة ينتهون إلى إثبات أن هذا الكون لابد له من خالق يسمونه صانعاً، الأنبياء يقولون: أنتم مفطورون على أنه لابد له من صانع فاعبدوا هذا الصانع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534289,"book_id":2827,"shamela_page_id":78,"part":"3","page_num":12,"sequence_num":78,"body":"عجز العقول عن إدراك حقائق الغيب\rإن من أعظم نعم الله علينا أن الله تعالى أرسل لنا الرسل بالوحي المبين؛ ليشرحوا لنا كيف تم هذا الخلق وكيف وجد، وما هي صفات الله وما هي أسماء الله؛ حتى لا نشغل أنفسنا بما لا نستطيع عمله، فإذا ما تم لنا ذلك يأتي المنهاج العملي عند الأنبياء ليقول لك: إن هذا الخالق لابد أن تعبده وحده لا شريك له.\rإنه خالق يعلم أعمالك ويعلم أفعالك، وهو محسن إليك، ومن ثم فالواجب عليك أن تعبده وحده لا شريك له، وأن هناك جنة وناراً وحساباً وجزاءً إلى آخره.\rإن منهاج الأنبياء منهاج عمل، ولذا فإنهم عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالأخبار والمعلومات الصحيحة من عند الله ﷾، لم يأتوا بشيء لا يستطيع العقل البشري إدراكه، دعوني أضرب لكم مثالاً: الفكر الغربي ظل أكثر من ثلاثة قرون يتخبط في نشأة الإنسان على هذه الأرض، وجاءت قضية نشأة الحياة في الأرض، والجرثومة وتقسمها، ونشأة الحياة وتطور الإنسان، ثم انتهاؤه قبل المرحلة الأخيرة إلى القرد، وهذه القضية ألف فيها مئات المجلدات، ودرست في جميع الجامعات في أنحاء العالم حتى في العالم الإسلامي.\rإذاً: هل نحن بحاجة إلى هذه القضية بالذات في الفكر الإسلامي؟ أبداً؛ لأنها محسومة عندنا في آية من كتاب الله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، إذاً: نشأة الإنسان خلقه الله ثم أنزله إلى هذه الأرض وخلق منه زوجة ثم تكاثر الإنسان في هذه الحياة، هذه قضية معلومة يقينية مائة في المائة لا تحتاج إلى تلك المجلدات وإلى تلك المناقشات.\rإذاً: استراحت البشرية من قضية كبرى، أليس كذلك؟ بلى، وكذلك أيضاً بقية القضايا، ومنها السماوات وكيف خلقت، وماذا وراءها؟ هذه قضايا لا نستطيع نحن والعلم الحديث بقدراته إلا على أشياء يسيرة جداً، الأرض وهي الأرض لا ندركها إلى الآن تماماً، أما بالنسبة للنجوم والكواكب وغيرها فهناك كواكب يئس من أن يصل إليها، وهناك نجوم وكواكب تبعد عنا مئات الملايين من السنين الضوئية، واحتاروا في الشمس هل يستطيع مركب أن يصل إليها؟ ومن أين لها هذا الوقود الذي يتوهج؟ سؤال ليس عندهم له جواب.\rإذاً: لو تأملت هذه الأشياء لوجدت أن العقل إذا أدخل أنفسه فيها لم ينته إلى نتيجة إلا بخبر صادق، لهذا فإن الله ﷾ أنعم على البشرية بأن بين لهم هذه القضايا بياناً واضحاً ثم أمرهم بالعمل.\rانتبهوا معي! توحيد الألوهية هو توحيد العبادة وتوحيد العمل، وتوحيد الربوبية هو التوحيد النظري الذي يقر الإنسان فيه بالله وصفاته، وانتهى الإشكال، لكن القضية الأساس التي بعث بها جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي عبادة الله وحده لا شريك له، فكيف تعبده؟ إنك لن تستطيع أن تعبده على منهج يرضاه إلا بشريعته التي أتى بها الأنبياء، ثم إن الله ﷾ كتب على البشرية بأنه لابد من بعث وجزاء ووقوف بين يدي الله، وأنه سيحاسب الجميع، ولهذا تجد الصحابة ﵃ وأرضاهم أهل عمل، إن جئت إليه في العبادة فهو صاحب عبادة، وإن جئت إليه في الخلق فهو صاحب خلق، وإن جئت إليه في الإحسان إلى الناس فهو صاحب إحسان، وإن جئت إليه في عمران الأرض فهو صاحب فتوحات وإبداع؛ لأنه يعمر الكون على منهاج ربه ﷾، لكن لما نشأت الفرق الكلامية والمباحثات والمناقشات وغيرها شغلوا بهذه الأشياء النظرية عن العمل، حتى عن أعظم عمل وهو عبادة الله وحده لا شريك له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534290,"book_id":2827,"shamela_page_id":79,"part":"3","page_num":13,"sequence_num":79,"body":"ضرورة الرجوع إلى منهاج السلف في التعامل مع النصوص الشرعية\rإذاً: أيها الإخوة! ندعو إلى منهاج السلف؛ لأنه لا خيار لنا في الأمر، ولأن منهاج السلف هو المنهج العلمي الصحيح؛ لأنه أخذ الأمور من مصادرها الصحيحة وانطلق إلى العمل، أما التجريد الكلامي والفلسفي وغير ذلك فهذا لا يفيد، لأنه مستمد من مناهج إلحادية عقلانية بشرية، وبالتالي لا توصل صاحبها إلى المنهج الحق ولا إلى فهم الحق.\rوأكبر دليل على ذلك أن كثيراً ممن عاش التجربة الكلامية والفلسفية تأسف على ما مضى في آخر حياته.\rإن الحديث عن نماذج من حيرة المتكلمين والفلاسفة في آخر الأمر يحتاج إلى محاضرة مستقلة، واحد منهم عاش ستين سنة وهو في علم الكلام والمناقشات والردود، وألف عدداً من الكتب، ثم يأتي ويقول في آخر حياته: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ثم رجعت إلى القرآن فوجدت فيه الخير، اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] هذه تجربة لأكبر فيلسوف كلامي، ومؤلفاته في عشرات المجلدات مطبوعة.\rإذاً: ألا نستفيد نحن من تجارب هؤلاء؟ أو نظل على حالنا في هذه الأيام نقلد الغرب بكل ما فيه، ثم إذا وقع الفأس على الرأس قلنا: تعالوا نراجع! يا أخي هذه دول تعيش معنا، ألا نستفيد نحن منها؟ أو لابد أن نصل نحن معهم إلى نهاية الطريق بالانحرافات، ثم نبدأ نستيقظ ونراجع أنفسنا، هذه كتلك أيها الإخوة.\rإن منهاج السلف منهاج مقنع من الناحية العلمية، منهاج الصفاء بالإيمان وبالفهم السليم، منهاج ينقل الإنسان من العلم إلى العمل مباشرة، منهاج يحول الإنسان إلى أداة خير في هذه الحياة، منهاج يجعل الإنسان مستريح النفس منشرح الصدر، وكيف لا يكون كذلك ومصدره كتاب الله وسنة رسوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] لما أعرض الفلاسفة عن ذكره ومنهجه تحولت معيشتهم إلى ضنك، لما أعرض المتكلمون في كثير من الأمور تحولت معيشتهم إلى ضنك، إذا أعرضنا عن ذكر الله وعن الشغل بالقرآن تتحول معيشتنا إلى ضنك: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، هذا في الدنيا، أما في الآخرة: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] نسأل الله العافية.\rويقول ﵎: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، ويقول تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨].\rإذاً: النظر إلى منهاج السلف ومن يتمسك به على أنه منهج تقليدي؛ هذا كله ما هو إلا هراء لا حقيقة له من الواقع، وإنما يقصد به التنفير فقط، وإلا فيكفي أن هذا المنهج هو الذي سار عليه محمد بن عبد الله ﷺ وسار عليه أصحاب الفتوحات الإسلامية الذين نشروا النور في مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي سار عليه عمر بن عبد العزيز الذي أعاد الحق إلى نصابه في خلافته القصيرة، وهو المنهج الحق الذي يخافه اليوم أعداء الإسلام، ولهذا فالأفكار المستنيرة والحداثية والغربية والفلسفية والباطنية وغيرها يرحب بها أعداء الإسلام، ويركز عليها المبشرون والمستشرقون في دراساتهم عن الإسلام، فهذا يتخصص في ابن رشد، وهذا يتخصص في ابن سيناء، وذلك يتخصص في الحلاج، وهذا يتخصص في التصوف الإسلامي عموماً، وذلك يتخصص في القرامطة؛ لأنها هي الاتجاهات المنحرفة التي يريدون بعثها في عالمنا الإسلامي، أما المنهاج السلفي الذي هو منهج أهل السنة والجماعة على استقامة، فهذا مرفوض عندهم ويجب أن يوصم بالأصولية والإرهاب والتطرف وغير ذلك.\rإنني أدعوكم وأدعو نفسي وأدعو إخواني جميعاً إلى أن نجعل عودتنا إلى منهاج السلف، ليست فقط عودة تقليدية، وإنما هي عودة إلى ناحية تأصيلية، نرى أن الحق فيها وأن الصواب فيها، والله المستعان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534291,"book_id":2827,"shamela_page_id":80,"part":"3","page_num":14,"sequence_num":80,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534292,"book_id":2827,"shamela_page_id":81,"part":"3","page_num":15,"sequence_num":81,"body":"الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين من حيث قربهم من الحق\r\rالسؤال\r ما الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين من حيث قربهم إلى العقيدة؟\r\rالجواب\r لاشك أن المتكلمين أقرب إلى الحق من الفلاسفة وقد أشرنا إلى ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534293,"book_id":2827,"shamela_page_id":82,"part":"3","page_num":16,"sequence_num":82,"body":"أهمية توحيد الألوهية على غيره\r\rالسؤال\r ما رأيك فيمن يقول: إننا في هذا الزمان نحتاج إلى إثبات وجود الله ﷿، حيث إنه يوجد في زماننا هذا من ينكر وجود الله تعالى؟\r\rالجواب\r نحن نقول: قد يوجد، لكن إنكار وجود الله قليل؛ لأن قضية الإيمان بوجود الله قضية فطرية، حتى الملحد الذي يؤلف الكتب ويقرر ويؤصل للإلحاد، هو في قرارة نفسه مؤمن بالله، وهو في قرارة نفسه إذا نزلت به مصيبة من مرض أو من غيره توجه إلى الله، فإذا كان هذا أستاذ الملاحدة فكيف بغيره؟ ولذا فإنني أقول: إن بيان عظمة الله وقدرته في الأنفس والآفاق مما يقوي الإيمان، لكن الخطر اليوم بالنسبة للأمة الإسلامية هو في انحرافها عن توحيد الألوهية ولوازمه، أما الإقرار بوجود الله فهذا يقر به حتى اليهود والنصارى وغيرهم، ولذا نقول: إن الله سبحانه لما بعث الرسل إنما بعثهم ليعبدوا الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].\rلماذا لم يذكر الربوبية؟ لأنها مستقرة، فهاهم مشركو مكة الذين بعث فيهم رسول الله ودعاهم وقاتلهم كانوا مقرين بالربوبية بنص القرآن، يقول الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] وقال ﷿: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١]، إذاً: الأصل هو توحيد الألوهية ولوازمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534294,"book_id":2827,"shamela_page_id":83,"part":"3","page_num":17,"sequence_num":83,"body":"أهم الكتب التي ينصح بقراءتها في الردود على أهل البدع\r\rالسؤال\r ما هي الكتب التي تنصحون بقراءتها؟\r\rالجواب\r كتب شيخ الإسلام فهو الذي أشار إلى هذه القضية وخاصة في المجلد الأول من كتاب (درء تعارض العقل والنقل) فهو مفيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534295,"book_id":2827,"shamela_page_id":84,"part":"3","page_num":18,"sequence_num":84,"body":"تقويم كتاب: الفكر الفلسفي الإسلامي\r\rالسؤال\r ما رأيكم في كتاب: الفكر الفلسفي الإسلامي؟\r\rالجواب\r الكتاب هذا يستفيد منه المتخصص فقط، لكنه لا ينطلق في هذه القضية من منهاج السلف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534296,"book_id":2827,"shamela_page_id":85,"part":"3","page_num":19,"sequence_num":85,"body":"وجه دخول أصحاب النظرة العقلية تحت منهج المتكلمين\r\rالسؤال\r ألا يدخل تحت منهج المتكلمين في تأويل الصفات أصحاب النظرة العقلية؟\r\rالجواب\r نعم يدخلونه بل يتبنونه، حتى إن محمد عمارة دعا إلى أن يكون للمعتزلة تجمع كما أن للسلفية ولغيرها تجمع، ولاشك أن مثل محمد عمارة يعتبر من ناشري المذهب الاعتزالي حديثاً، وله كتب كثيرة في نفس منهج المعتزلة، لكن ليس هو وحده من نشر فكر المعتزلة، وإنما المذهب العقلاني عموماً، فإن هذا المذهب لاشك أنه مذهب اعتزالي بعيد عن المنهج الحق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534297,"book_id":2827,"shamela_page_id":86,"part":"3","page_num":20,"sequence_num":86,"body":"حكم تكفير أهل الكلام من أشاعرة وفلاسفة وباطنيين\r\rالسؤال\r أولئك المتكلمون مثل الأشاعرة والباطنية والفلاسفة، فهل هم كفار أو بعضهم؟\r\rالجواب\r لا، إنهم يختلفون، الفلاسفة الذين قالوا بما ذكرنا هم كفار وكذلك أيضاً الباطنية، أما بالنسبة للأشاعرة فليسوا بكفار، بل فيهم علماء وفضلاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534298,"book_id":2827,"shamela_page_id":87,"part":"3","page_num":21,"sequence_num":87,"body":"الحكم على أبي حامد الغزالي وكتبه\r\rالسؤال\r ذكرتم أبا حامد الغزالي وتأويله لنصوص الصفات، فهل هذا يدل على أنه مخالف للسنة ولمنهج السلف الصالح، وأن قراءة كتبه يجب أن تكون بحذر؟\r\rالجواب\r نعم، هذا الذي يقوله مخالف لأهل السنة والجماعة، صحيح أنه قبيل وفاته رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، لكن لم يؤلف في ذلك كتباً، ونحن نقول: لعله مات على مذهب أهل السنة، ويكون إن شاء الله من أهل الجنة، لكن نحن نتكلم عن كتبه التي تركها، فكتبه أشعرية صوفية؛ لذلك فيجب أن يقرأها القارئ بحذر، أما هو فكما قلت لكم ما نستطيع أن نجزم عنه بشيء، وإنما نرجو له أن يكون ما قيل عنه قبيل وفاته أنه صحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534299,"book_id":2827,"shamela_page_id":88,"part":"3","page_num":22,"sequence_num":88,"body":"حقيقة تراجع كثير من المتكلمين عن مذهبهم\r\rالسؤال\r هل هناك من المتكلمين من تراجع عن تأويل الصفات؟\r\rالجواب\r أنا ذكرت لكم أن بعض المتكلمين عند وفاته تراجع عن مذهبه الكلامي والفلسفي وقال: وجدت الصواب في منهج القرآن، وكثير من المتكلمين أيضاً تراجعوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534300,"book_id":2827,"shamela_page_id":89,"part":"3","page_num":23,"sequence_num":89,"body":"حكم القراءة في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي\r\rالسؤال\r كتاب إحياء علوم الدين للغزالي هل هو جدير بالقراءة؟\r\rالجواب\r كتاب إحياء علوم الدين في الحقيقة فيه قضايا خطيرة وفلسفات وكشوفات صوفية خطيرة جداً، لهذا فنحن نقول: يجب أن يقرأ منه الإنسان بحذر، لكن فيه مواطن تتعلق بأعمال القلوب كمعالجة الكبر والعجب والمراقبة وغير ذلك يستفيد منها الإنسان مع الحذر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534301,"book_id":2827,"shamela_page_id":90,"part":"3","page_num":24,"sequence_num":90,"body":"حكم الأخذ بكلام أهل الكلام في الرد على الفلاسفة\r\rالسؤال\r كيف نأخذ بكلام المتكلمين كـ أبي حامد الغزالي في الرد على الفلاسفة، وهو في منهجه نظر حيث إنه كلامي كما ذكرت؟\r\rالجواب\r نحن ما أخذنا بكلام الغزالي وإنما بينا أن منهج الغزالي وإخوانه المتكلمين كان سبباً في تسلط الفلاسفة، فنحن نقول: المنهاج الحق هو منهاج السلف الذين لا يتأولون النصوص جميعاً، فيسلم لهم المنهج، أما الغزالي وغيره لما تأول جزءاً وترك جزءاً تسلط عليه أولئك المتكلمون من الفلاسفة وغيرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534302,"book_id":2827,"shamela_page_id":91,"part":"3","page_num":25,"sequence_num":91,"body":"ذكر مراجع هذا الدرس\r\rالسؤال\r هذا يطلب مرجع لنفس الدرس؟\r\rالجواب\r هذه الدروس دروس عامة، وهي مأخوذة من مجموعة كتب وليس من كتاب واحد، ودرسنا لهذه الليلة أيضاً مأخوذ من مجموعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقلنا من كلام الغزالي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534303,"book_id":2827,"shamela_page_id":92,"part":"4","page_num":1,"sequence_num":92,"body":"وجوب تحقيق التوحيد وأثره\rأعظم ما أمر الله به عباده هو توحيده ﷾ وإخلاص العبادة له سبحانه، ولذلك فالواجب على العباد تحقيق هذا الأمر على أكمل وجه، ومن تمام ذلك: البعد عن جميع الطرق والسبل التي تؤثر على التوحيد، سواء كان ذلك بنقصه أو بنقضه من أساسه، ومن ذلك: الوقوع في الشرك الأكبر والأصغر بجميع أنواعه وصوره، وكذلك تعليق التمائم، وتعاطي السحر، أو الذهاب إلى السحرة لأجل العلاج ونحوه، وكذلك تعظيم التماثيل والنصب التذكارية؛ فإن جميع ذلك إما شرك أكبر أو أصغر، وهو ينقض التوحيد من أساسه، أو يذهب بكثير منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534304,"book_id":2827,"shamela_page_id":93,"part":"4","page_num":2,"sequence_num":93,"body":"الأسباب الداعية إلى طرق موضوع التوحيد\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rهذا الموضوع المتعلق بتحقيق التوحيد هو موضع خطير ومهم جداً في حياة المسلم، وفي حياة الأمة كلها.\rومن ثم فإننا حينما نطرق هذا الموضوع المتعلق بتحقيق التوحيد لله ﷾ فإنما نطرقه لأسباب، منها: أولاً: أن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الحياة، وتبنى عليه أعمال الإنسان، ولهذا فإن الله ﷾ لا يقبل من العبد حين يقدم عليه -ولابد من أن يقدم- أي عمل وأي ثواب وأي أمر قدمه في هذه الدنيا يبتغي به وجه الله لا يقبل منه ذلك إلا إذا كان مبنياً على هذا الأساس المتين توحيد الله ﷾.\rولما كان الأمر كذلك كان الحرص من جانب المؤمن ومن جانب الدعاة إلى الله ﷾ في كل زمان ومكان على هذا الأمر لابد منه، ولابد من أن يراقب الإنسان نفسه دائماً لخطورة هذا الموضوع.\rثانياً: لأن مجتمعاتنا بدأت تظهر فيها ظواهر خطيرة، يجب على الدعاة أن يقفوا عندها ليعالجوها، ومن ذلك: تعلق النفوس بغير الله ﷾ توكلاً ومحبة، وغير ذلك، وهذا أمر خطير جداً، ولقد شاهدنا أمثالاً لذلك من خلال ما يمر بمجتمعات المسلمين من أزمات.\rومنها أيضاً كثرة السحرة والكهنة، وتعلق النفوس بهم، وكون بعض الناس يظن أن هؤلاء لهم سيطرة ولهم قدرات، وأن هؤلاء بيدهم الشفاء، ولا شفاء إلا بأيديهم، وهذا أمر خطير يجب أن ينتبه له.\rومن ذلك أيضاً التوسع في أبواب الرقى لتشمل رقىً غير مشروعة، وتلك الرقى غير المشروعة حينما تكثر ربما تؤدي إلى أنواع من السحر والكهانة والشعوذة، وذلك كله مما يصادم أصل العقيدة أو كمالها.\rلهذه الأسباب كان لابد من طرق هذا الموضوع (تحقيق التوحيد وأهميته ووجوبه)، ومن هنا فإننا نعرض أولاً لقضية مهمة جداً، ألا وهي: ما معنى تحقيق التوحيد؟ وتحقيق التوحيد الذي يعلمه الجميع -والحمد لله- مقتضاه أن يحقق الإنسان شهادة أن (لا إله إلا الله)، بأركانها وشروطها، فكون الإنسان ينطق بهذه الكلمة ويقول: لا إله إلا الله، وكون هذا الإنسان يعود من كفر ومن شرك ومن انحراف وإلحاد ومن جاهلية بمجرد أن يعلن إسلامه وينطق بكلمة التوحيد نقول: إن هذه النقلة لها مقتضى عظيم جدا، وليست مجرد كلمة تقال باللسان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534305,"book_id":2827,"shamela_page_id":94,"part":"4","page_num":3,"sequence_num":94,"body":"وجوب تحقيق أركان كلمة التوحيد وشروطها\rو (لا إله إلا الله) تقتضي أول ما تقتضي أمرين متلازمين لابد منهما: أما أحدهما فهو أن ينفي الإنسان أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، فلا يصرف أي نوع من أنواع العبادة، سواء أكانت صلاة أم نذراً أم حباً أم خوفاً، أم توكلاً أم دعاءً أم استغاثة أم استعاذة أم توسلاً أم غير ذلك، لا يصرف أي نوع من هذه الأنواع لأي مخلوق من المخلوقات، سواء كان ذلك المخلوق ملكاً، أم نبياً، أم ولياً، أم رجلاً صالحاً، أم نجماً، أم حجراً، أم شجراً، أم غير ذلك.\rوهذا الأمر لا يتم إلا بالأمر الثاني، ألا وهو أن يصرف أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له، فهما ركنان دلت عليهما هذه الكلمة (لا إله إلا الله) (لا إله) نفي.\r(إلا الله) إثبات، فهي تنفي صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، ثم تثبت تلك الأنواع كلها لله وحده لا شريك له.\rومن هنا فإن الله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٤ - ١٠٧].\r(أقم وجهك للدين حنيفا) بعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة والبعد من الشرك وأهله.\rومن هنا فإن هذه الكلمة تقتضي ما ذكرناه سابقاً، وذلك بهذين الركنين العظيمين مع لوازم وشروط (لا إله إلا الله) المعروفة.\rعلم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها هذه الشروط السبعة إذا تكاملت عند المؤمن علماً وعملا فإنه -والحالة هذه- يكون قد حقق هذا التوحيد العظيم.\rولكن ينبغي أن نعلم أن مقتضى شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) الذي ذكرناه سابقاً يلزم منه أمر مهم جداً، ألا وهو البعد عن الشرك بجميع أنواعه، ولهذا يقول الله ﷾ في كتابه العزيز: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦] أي: وحده لا شريك له ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] أي: بجميع أشكاله وصوره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534306,"book_id":2827,"shamela_page_id":95,"part":"4","page_num":4,"sequence_num":95,"body":"الشرك أعظم الذنوب\rوهذا يشمل أن يجتنب الإنسان الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ومن هنا فإننا نفرد للكلام عن الشرك فقرة خاصة، فنقول: إن هذا الشرك ينبغي أن يُعلم أنه أعظم الذنوب، كما ذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ.\rوإنما كان الشرك أعظم الذنوب لأسباب، منها: أن الله ﷾ لا يغفره إذا مات عليه الإنسان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، فمن كان عاصياً وتاب إلى الله فإن الله يتوب عليه، ومن كان مشركاً ثم تاب من شركه فالله ﷾ يتوب عليه.\rلكن إذا مات الإنسان على هذا الشرك انقطع الأمل، فمغفرته ﵎ للشرك إنما تكون إذا وقعت التوبة منه في الدنيا، أما في الآخرة فلا يغفر لصاحبه أبداً.\rثانياً: أن صاحبه مخلد في نار جهنم -نسأل الله السلامة والعافية-، ونحن نعلم أن من الأمور القاطعة في عقيدتنا، والتي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والتي لا يشك فيها مؤمن أبداً أن الناس في يوم القيامة لابد أن يفترقوا إلى فريقين لا ثالث لهما أبداً، فريق في الجنة وفريق في السعير، فمن كان من أهل التوحيد فهو في الجنة، ومن كان من أهل الكفر فهو في النار خالداً مخلداً فيها أبداً، ولهذا فإن من أعظم عقوبات الشرك بالله أن صاحبه مخلد في نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.\rالأمر الثالث: أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال الصالحة، فالكافر إذا عمل أعمالاً صالحة في الدنيا يجازى عليها في الدنيا، لكن إذا جاء يوم القيامة بتلك الأعمال الصالحة لا تقبل منه، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].\rلكن المؤمن الموحد يأتي يوم القيامة بالأعمال الصالحة التي أخلص فيها لربه ﷾، والله ﷾ يثيبه عليها.\rمن هنا فإن الرسول ﷺ تحقيقاً لهذا التوحيد وحماية له حذر من أنواع الشرك الأكبر والأصغر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534307,"book_id":2827,"shamela_page_id":96,"part":"4","page_num":5,"sequence_num":96,"body":"أنواع الشرك الأكبر\rالشرك الأكبر أنواعه كثيرة، وأهمها أربعة أنواع: النوع الأول من الشرك الأكبر: شرك الدعوة، وذلك بأن يدعو الإنسان غير الله ﷾، وهذا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- منتشر كثيراً في كثير من بلاد المسلمين، تتعلق القلوب بولي، أو تتعلق بالنبي محمد ﷺ، أو تتعلق بقبر من القبور، فيؤدي هذا التعلق إلى دعائها من دون الله ﷾، فإذا دعاها من دون الله ﵎ وقع هذا الداعي في الشرك الأكبر.\rالنوع الثاني من أنواع الشرك الأكبر: شرك الإرادة والقصد، وذلك بأن يقصد غير الله ﷾ بنوع من أنواع العبادة، كالمحبة، أو التوكل، أو الاستغاثة أو غير ذلك، فإذا وجه هذا النوع من العبادة لغير الله ﷾ فقد أشرك مع الله غيره.\rالنوع الثالث: شرك الطاعة، وذلك بأن يطيع غير الله ﷾ في معصية الله ﷾، وهذا باب خطير جداً، فشرك الطاعة أن يأتي المشرعون من دون الله وواضعوا القوانين المخالفة لشرع الله ﷾، فيشرعون هذه الشرائع، ويضعون هذه النظم والقوانين، ثم يأتي هؤلاء الأتباع فيطيعونهم فيها من دون الله تعالى، ويتبعونهم عليها مع علمهم أنهم مغيرون للشريعة.\rفهذا سماه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى شركاً أكبر حين علق على حديث عدي بن حاتم حين دخل على رسول الله ﷺ وهو يتلو قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].\rفقال عدي -وكان يعرف أحوال النصارى-: يا رسول الله! إنهم لا يعبدونهم -يعني: لا يعبدون الأحبار والرهبان؛ فلا يسجدون لهم ولا يركعون- فقال الرسول ﷺ: (أليسوا يحلون الحرام فيحلونه، ويحرمون الحلال فيحرمونه؟ قال: بلى.\rقال: فتلك عبادتهم)، وهذا حديث حسن.\rومن ثم فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: وهذا الاتباع نوعان: النوع الأول: قوم اتبعوهم على تبديلهم، يعني: علموا أنهم مغيرون لشرع الله واتبعوهم على ذلك، فهؤلاء مثلهم.\rوالنوع الثاني: أناس علموا شرع الله الحق، ولكنهم اتبعوا أولئك معصية، أي أنهم فعلوا ما يخالف الشرع من باب المعصية، فهؤلاء فساق عصاة، وليسوا بكفار.\rأما بالنسبة للأحبار والرهبان أنفسهم المغيرين لشرع الله تعالى فهؤلاء لاشك في أنهم واقعون في الشرك الأكبر الذي هو شرك الطاعة.\rالنوع الرابع من أنواع الشرك الأكبر: شرك المحبة، وذلك بأن يحب غير الله كمحبة الله ﷾، وهذا يقع فيه بعض الناس حينما تتعلق قلوبهم بغير الله، فيجعلون محبة أولئك مقدمة على محبة الله أو مساوية لمحبة الله، وهذا يختلف عن المحبة الطبيعية، والمحبة في الله هي جزء من الإيمان بالله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534308,"book_id":2827,"shamela_page_id":97,"part":"4","page_num":6,"sequence_num":97,"body":"أقسام الشرك الأصغر\rالقسم الثاني من أنواع الشرك: الشرك الأصغر، والشرك الأصغر قسمان: القسم الأول منه: شرك في الأعمال، وهذا الشرك في الأعمال هو الشرك الخفي، وهو الرياء الذي حذر منه رسولنا ﷺ حين قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) وهو الرياء، وهذا الرياء شرك أصغر لا يخرج صاحبه من الملة، لكنه -ولا حول ولا قوة إلا بالله- قد يمتد خطره فيؤدي إما إلى أن يرقى بصاحبه إلى الشرك الأكبر، وإما -وهذا على أقل تقدير- أن يحبط عمله.\rفليحذر المسلم وهو في عباداته، وهو في أعماله الخيرية، وهو في صلاته، وهو في صيامه، وهو في أمره بالمعروف وفي نهيه عن المنكر، وفي دعوته إلى الله ﷾ يحذر من هذا المدخل الشيطاني الخفي.\rالنوع الثاني من الشرك الأصغر: هو شرك الأقوال، كالحلف بغير الله، وقول: (ما شاء الله وشئت) وقول (لولا فلان ما حدث كذا) وغير ذلك من الألفاظ التي يتساهل فيها بعض الناس، وهي من الأمور التي حذرنا منها رسول الله ﷺ حماية للتوحيد وتحقيقاً له.\rولما جاءه رجل فقال: يا رسول الله! ما شاء الله وشئت غضب رسول الله ﷺ وقال له: (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)، ونهى عن الحلف بغير الله، وغير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534309,"book_id":2827,"shamela_page_id":98,"part":"4","page_num":7,"sequence_num":98,"body":"أمور تنافي حقيقة التوحيد أو كماله\rبعد تلك الفقرات المتعلقة بمعنى تحقيق التوحيد، ومعنى (لا إله إلا الله)، ومعنى الشرك وأنواعه باختصار، ننتقل إلى الموضوع الثالث المتعلق بموضوعنا، ألا وهو (أمور تنافي حقيقة التوحيد أو كماله) ابتلي فيها كثير من الناس، ومن ذلك: التمائم فإن مما اشتهر عند بعض الناس -خاصة في بعض البلاد الإسلامية- تعليق التمائم التي يضن أن تعليقها يحمي هذا الإنسان، أو هذا الطفل من العين أو من الجن أو من المرض أو غير ذلك، ولهذا ورد عن عقبة بن عامر الجهمي (أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط، فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت التسعة وتركت هذا؟ قال ﵊: إن عليه تميمة) فهجره ﷺ ولم يبايعه.\rقال الراوي: (فأدخل يده فقطعها فبايعه، فقال ﵊: من علق تميمة فقد أشرك) رواه الإمام أحمد، والحديث صحيح.\rوالتمائم خرزات أو نحوها تعلق على صدور الأولاد أو في أكتافهم أو في أيديهم يتقون بها العين، ويدخل في هذه التمائم بعض الخرزات التي يضعها بعض السائقين على المرآة في السيارة ونحوها، ويظنون أنها تقيهم الصدام أو الحوادث أو غير ذلك.\rوبعضهم قد يضع نعلاً في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها لهذا السبب، وبعضهم -كما أخبرني بعض الإخوة- يعلق شيئاً من ذلك في دكانه يطلب به الرزق، أو يتقي به عين الذي يمر عليه.\rومن ذلك أيضاً اعتقاد بعض الناس أنه إذا أمسك عنده ذئباً أو قطعة من جلده أو نحو ذلك أن هذا يمنع الجن عنه، فهذه من الأمور التي اشتهرت عند كثير من الناس، وبعضهم يتساهل فيها، وهي إما أن تكون من الشرك الأكبر إن اعتقد فيها أنها هي التي تنفع وتضر من دون الله ﵎، أو أنها تكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أنها سبب.\rولهذا انتشر هذا الأمر حتى عند كثير من الصوفية، وما أكثر الشركيات عند كثير من الصوفية، حتى يقول صاحب (دلائل الخيرات) وهو يصلي على النبي ﷺ، يقول في سجعه: اللهم! صل على محمد وعلى آله محمد ما سجعت الحمائم، وحامت الحوائم، وسرحت البهائم، ونفعت التمائم! فكأن قضية نفع التمائم تنفع كل يوم وكل دقيقة مثلما تسرح البهائم أو مثلما تسجع الحمائم وغير ذلك، وكأن هذا الأمر مسلم عنده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534310,"book_id":2827,"shamela_page_id":99,"part":"4","page_num":8,"sequence_num":99,"body":"حكم تعليق التمائم من القرآن\rوهنا قد يقول قائل: وإذا علقت تميمة من القرآن كما يفعل بعض الناس حينما يكتبون آيات من القرآن ويخيطونها بقطعة قماش أو نحو ذلك ويعلقونها على صدر الطفل أو في كتفه أو في غير ذلك فما الحكم؟ والذي يظهر -وإن كان في المسألة خلاف- أن مثل هذا الأمر لا يجوز، لعدة أمور: الأمر الأول: أنه بدعة فلم يفعله السلف رحمهم الله تعالى.\rالأمر الثاني: أنه ذريعة إلى الوقوع في المحرم؛ لأن تعلق النفس بهذا الأمر فقط يبعد التوكل على الله ﷾، وربما لو حدث لهذا الطفل مرض لقيل: ما نفعته، ائتونا بتميمة أخرى.\rوهكذا، وما أضعف نفسي الوالدين أمام مرض ابنهم -خاصة الأم-، فلربما أدى بهم إلى أن يقعوا فيما هو محرم صراحة.\rالأمر الثالث: أن وجود الآيات القرآنية على كتف الصبي أو في صدره أو نحو ذلك يؤدي إلى امتهان القرآن، فإنه يدخل دورات المياه، وإذا تعلقت النفوس بهذه التميمة فإن الأم لا تستطيع أن تفكها ولو للحظات؛ لأنها ظنت أنها لو أزالت هذه التميمة التي هي من القرآن عن ابنها وهو داخل الحمام فلربما أدى به إلى أن يصاب بأذى، فتضطر إلى أن تدخل التميمة التي فيها كلام الله ﷾ إلى الأماكن التي يجب أن ينزه القرآن منها، ولهذه الأسباب فإن مثل هذا الأمر لا يجوز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534311,"book_id":2827,"shamela_page_id":100,"part":"4","page_num":9,"sequence_num":100,"body":"الرقية الشرعية وشروطها\rوينبغي أن نعلم أن هذه المسألة كثر في هذه الأيام الحديث عنها، ما هي الرقية الشرعية؟ وما الرأي في هؤلاء القراء الذين صاروا ينتشرون في كل مكان؟ وهذا الأمر يحتاج منا إلى وقفة.\rفأقول: يجب أن يعلم أولاً أن الرقية الشرعية لا تصح إلا بشروط: منها: أن تكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته.\rوأن تكون -وهذا الشرط الثاني- باللسان العربي.\rوالثالث: أن يعتقد أن الرقى لا تؤثر بذاتها، بل هي سبب من الأسباب، والنافع الضار الشافي هو الله ﷾.\rومن هنا فإن من المهم جداً أن أُذكر بعدة أمور: أولها: كثير من الناس يغفل عن الرقية الشرعية التي يقوم بها الإنسان نفسه حين يرقي نفسه أو أحداً من أهل بيته، وهذا يجب أن يتنبه له الجميع، فإذا كان عند الإنسان مريض فعليه أن يرقيه بنفسه، وأن يخلص في رقيته وفي دعائه، فإن الله ﷾ قد يجعل مثل هذه الرقى سبباً في الشفاء.\rفإذا مرض الإنسان فعليه أن يرقي نفسه، أو يرقيه من حوله، أما ما يفعله كثير من الناس، وهو أنه إذا وجد عندهم المريض رأساً يتجهون إلى غير الله ﷾، سواء أكانوا قراء أم أطباء، فيجب على الأسرة أن تكون صابرة محتسبة، ويجب عليها أن تبذل الوسائل الشرعية، ولا مانع من فعل الأسباب.\rالأمر الثاني: ليس كل من قيل عنه: إنه يقرأ يُذهب إليه مباشرة، بل يجب عليك أن تبحث عن القارئ الذي تعرف عنه الصلاح والتقوى، فإذا عرفت من حال القارئ أنه من أهل الصلاة وأنه من أهل الصلاح فحينئذ لا مانع من أن تذهب إليه.\rلكن ما نجده اليوم من انتشار كثير من القراء، وبعضهم لا يعرف حاله، وبعضهم يستراب في أمره، ومع ذلك فإن الناس يقبلون إليهم زرافات ووحدانا، بل جماعات، نقول: إن مثل هذا الأمر مما يجب أن يحتاط له وأن ينتبه له.\rلقد تعلقت النفوس بغير الله ﷾، وأصاب الناس كثير من الوهن والضعف، فلنحذر من هذا الأمر، وإذا ما احتجنا وأردنا أن نطلب من أحد أن يقرأ فعلينا أن نبحث عن القارئ الذي نعرف صلاحه وتقواه، ويجب أن نتقي الله ﷾ في هذا الأمر العظيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534312,"book_id":2827,"shamela_page_id":101,"part":"4","page_num":10,"sequence_num":101,"body":"خطورة السحر وانتشاره\rالأمر الآخر انتشار السحر والكهانة في كثير من بلاد المسلمين، وهؤلاء السحرة والكهنة والعرافون الذين يدعون علم الغيب ويقولون: إنهم يعالجون الناس بأنواع من العلاجات هؤلاء كثروا لا كثرهم الله تعالى.\rوينبغي أن نعلم أن الله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] هذه الآية جاءت خبراً عن الناس في الجاهلية، فإن العرب كانوا في الجاهلية يخافون من الجن خوفاً شديداً، حتى إن الواحد منهم إذا نزل وادياً وهو في سفر خاف من الجن في هذا الوادي، فإنه يتعوذ من سفهاء هذا الوادي بسيد هذا الوادي من الجن، فإذا نزل قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فلما رأت الشياطين أن هؤلاء يخافون منهم هذا الخوف تسلطوا عليهم فزادوهم رهقاً وتعباً وطغياناً.\rوانظر إلى الحالة اليوم، فالناس لما ضعف إيمانهم تعلقت نفوسهم بغير الله ﷾، وصاروا يخافون من غير الله ﵎، فتسلطت الشياطين، وتسلط السحرة وكثروا، وصاروا يفتنون الناس، وزادوهم تعباً ومشقة ورهقاً، وهذا أمر خطير جداً يجب أن ينتبه له الجميع.\rوالواجب في مثل هؤلاء السحرة أن يقام فيهم حكم الله ﷾، وهو تكفيرهم على القول الراجح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].\rوإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نعلم أن هؤلاء يجب أن يحذر منهم الحذر الشديد، فهؤلاء السحرة يدعون علم الغيب، وادعاؤهم لعلم الغيب ادعاء كاذب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، فلا يعلم الغيب إلا الله وحده لا شريك له.\rوما يخبرون به إنما هو عن طريق الشياطين، حينما يأتي ضعيف من ضعفاء النفوس وعنده مريض فيقال له: هناك رجل يعالج في المكان الفلاني اذهب إليه.\rوهذا الرجل ساحر، فتأتي الشياطين إلى ذلك الساحر وتخبره، وتقول له: سيأتيك رجل اسمه فلان بن فلان، وأمه اسمها فلانة، وخالته اسمها فلانة، وجرى له قبل عشرة أيام كذا، وقبل سنة كذا، وهذه من الأمور المعلومة.\rفيدخل هذا المسكين على هذا الساحر، فإذا دخل عليه وجلس بين يديه قال: أنت اسمك فلان بن فلان، وجرى لك كذا، وجدك اسمه كذا، وجرى لكم كذا، فإذا بهذا الإنسان يدهش ويسقط بين يديه، ويظن أن هذا الساحر قد امتلك قدرة عظيمة منها علم هذه المغيبات؛ لأنه قد يخبره بأشياء لا يعلمها أقرب الناس إليه، بل حتى جيرانه وبعض أقاربه لا يعلمها، فكيف علمها هذا الرجل الذي يعيش في تلك البلدة؟! ولقد حدثني أحدهم -وكان عنده مرض- يقول: ذهبت للعلاج في إيطاليا، فدخلت على طبيب فأخبرني من أسرار أسرتنا ما لا يعلمه أحد، أخبرني عن أمور خاصة جداً فمن الذي أخبر هذا الساحر الكاهن في روما؟ أخبرته الشياطين.\rفهؤلاء السحرة يدعون علم الغيب، ثم إن هؤلاء السحرة يستعينون بالشياطين، ولا يعينونهم إلا حينما يقعون في الشرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\rومن ثم فإنك تجدهم أحياناً يطلبون من الشخص أن يذبح ذبيحة، ولا يذكر اسم الله عليها لتكون ذبيحة لغير الله، وهذا هو الشرك.\rفينبغي أن ننتبه لهذه القضية، وأن هؤلاء السحرة الذين انتشروا وبلي الناس بهم يجب أن يقام فيهم حكم الله ﷾، يجب أولاً أن يحذر منهم، وأن يحذر كل إنسان من يلتقي به من هؤلاء، ثم يجب ثانياً أن يردعوا عملياً وأن يقام فيهم حكم الله ﷾، فإذا أقيم فيهم حكم الله وهو القتل فإنهم يرتدعون ويسلم الناس من شرهم.\rأما إذا تركوا يعبثون بعقائد الناس وبأمورهم وتتعلق النفوس بهم فهذا لا يجوز السكوت عنه أبداً، ومن المحزن حقاً أن من هؤلاء السحرة من لهم نفوذ، حتى يقال: إن كثيراً من زعماء العالم لهم كهان وسحرة يخبرونهم عما يجري، وعما يمكن أن يجري ويقع، وتتعلق نفوس هؤلاء الكبار بهؤلاء السحرة، ويؤدي هذا إلى حمايتهم.\rوالواجب أن نحذر من ذلك حذراً شديداً، وكثير من الناس يقع في شيء من هذا، ومن ذلك أن بعض الناس يذبح للجن خوفاً منهم، أو تقرباً إليهم، حتى إنني سمعت من ذلك نماذج غريبة جداً، فبعضهم يذبح للمزارات، وقد أخبرني أحد الإخوة أنه سمع إحدى الإذاعات العربية تقول: ذهب أمير المنطقة الفلانية إلى مزار سيدي فلان، وكانت معه الأبقار، وذبحوها عند قبر السيد.\rوكأنه خبر إسلامي، وكأن هذا الخبر من الأمور المسلمة عندهم! وهذا أمر خطير.\rومن ذلك أيضاً أنني أخبرت أن بعض الناس إذا أراد أن ينزل منزلاً جديداً يذبح ذبيحة وينثر دمها على أسوار البيت، وأحياناً ينثر دمها على أسوار البيت من الداخل، ويظن أنه إذا سكن البيت دون أن يذبح هذه الذبيحة ربما أصيب هو أو أولاده، وذلك لأنه يخاف من الجن، وهذه ظواهر وأمور خطيرة جداً ينبغي أن ننتبه لها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534313,"book_id":2827,"shamela_page_id":102,"part":"4","page_num":11,"sequence_num":102,"body":"خطورة الغلو في رسول الله ﷺ\rومن الأمور التي تتعلق بهذا الموضوع -أقصد موضوع تحقيق التوحيد ووجوبه- الغلو في رسول الله ﷺ.\rفإن الغلو في رسول الله ﷺ كثر في هذه الأيام، وتعلقت به النفوس؛ لأن الرسول ﷺ واجبة محبته، بل يجب على الإنسان أن يحب الرسول ﷺ أشد من محبته لنفسه وولده ووالده والناس أجمعين.\rفجاء بعض الناس وزعم أن هذه المحبة لا تتحقق إلا بأن يُتوسل برسول الله ﷺ، فوقع كثير من هؤلاء في الشرك، وهذا أمر خطير يحتاج إلى تفصيل مستقل، لكنني أذكر به في معرض هذه الفتنة التي وجدت عند بعض المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534314,"book_id":2827,"shamela_page_id":103,"part":"4","page_num":12,"sequence_num":103,"body":"خطورة تعظيم التماثيل والنصب التذكارية\rومن ذلك أيضاً تعظيم التماثيل والنصب التذكارية وغيرها، والرسول ﷺ نهى عن التصوير؛ لأنه من وسائل الشرك؛ فإن التصوير الذي يؤدي إلى وجود تماثيل أو غيرها يُعد وسيلة من وسائل الشرك، كما ذكر الله ﷾ عن قوم نوح وكيف وقع فيهم الشرك كما ذكر ذلك ابن عباس ﵄.\rوتعظيم التماثيل من الأمور التي يجب أن ينتبه لها؛ لأن كثيراً من الناس يدخلها في باب الآثار، وباب الآثار باب عريض، فقد تدخل فيه الآثار التي يعد الاهتمام بها أمراً مباحاً، لكن كثيراً ما تدخل فيها بعض الآثار التي تعظم وتقدس، ويؤدي تعظيمها إلى أنواع من التعلق بها.\rوتعلم ما يجري، فترى لوحة عبث فيها ملحد أو نصراني أو غيرهما فخطها قبل ثلاثين سنة أو مائة سنة أو مائة وخمسين سنة تجدها تباع بملايين الدولارات، ولو عثر على صنم هبل الآن وقد كسر وقيل: هذا جزء من حجر هبل والله لبيع بالملايين! فتعظيم الآثار -خاصة آثار الرسول ﷺ يؤدي أحياناً إلى أنواع من التعلق بها والشرك بالله تعالى، وهذا مدخل خطير يجب أن نحذر منه جميعاً.\rأيها الأخ المسلم! ينبغي أن نعلم أن تحقيق التوحيد ضروري لبناء الإيمان، وإن من أعظم الأمور التي لابد منها في تحقيق هذا التوحيد هو الحذر من الشرك الأكبر والأصغر بجميع أشكاله وصوره، ولنعلم أن الأمر خطير، وأنه مدخل من المداخل الخطيرة.\rأسأل الله ﷾ أن يقيني وإياكم شرها، وأن يرزقني وإياكم تحقيق التوحيد، وأن يجعلنا ممن يموت على كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) غير واقع في شرك ولا في غيره مما يضاد هذا التوحيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534315,"book_id":2827,"shamela_page_id":104,"part":"4","page_num":13,"sequence_num":104,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534316,"book_id":2827,"shamela_page_id":105,"part":"4","page_num":14,"sequence_num":105,"body":"أهمية التركيز على التوحيد ولا يلزم من ذلك إهمال غيره\r\rالسؤال\r يوجد أناس يقولون: التوحيد قبل كل شيء، فلا تطلب العلم إلا بعد التوحيد، وبعد ذلك تعلم ما بدا لك.\rفتجده جاهلاً في كثير من أمور دينه؛ لأنه أهملها وركز على التوحيد، فما الحكم في هذه الحالة؟\r\rالجواب\r هذه الحالة وغيرها ينبغي أن ينظر فيها من خلال ما فعله الرسول ﷺ، ما هي سنة الرسول ﷺ؟ وما هي سيرته في هذا الأمر؟ فنقول: لاشك أن تحقيق التوحيد وبناءه والتركيز عليه لابد منه، لكن لا يلزم من التركيز على التوحيد إهمال غيره، ونحن نعلم أن رسول الله ﷺ مات والدين كامل، فبعد فرض الصلاة هل كان الرسول ﷺ إذا جاء رجل وأسلم قال: علموه التوحيد والبعد عن الشرك ثم إذا جاء بعد شهرين أو ثلاثة ائتوا به نعلمه الصلاة؟ لا.\rوإنما كان ﷺ إذا شهد عنده الرجل شهادة الحق علمه الوضوء والصلاة؛ لأن الوضوء والصلاة توحيد.\rفالانفكاك بين هذه الأمور خطأ، وأبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه لما ارتدت الجزيرة العربية وانتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى وتولى الخلافة من بعده أبو بكر ماذا فعل المرتدون؟ قسم من المرتدين اتبعوا المتنبئين الكذابين، فهؤلاء منكرون لنبوة محمد ﷺ، أو مقرون معها بنبوة غيره فهم مرتدون.\rوقسم منهم قال: نحن على الإسلام، ونؤدي الصلاة، لكن هذه الزكاة لا نؤديها.\rفماذا صنع أبو بكر؟ هل قال أبو بكر: أهم شيء عندنا التوحيد أهم شيء عندنا أن يقروا، فما دام أنهم يقرون بنبوة محمد فهذا الذي نركز عليه؟! ولما احتج عمر على أبي بكر -كما هو معروف- بحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، ورأى بعض الصحابة أن يترك هؤلاء الذين منعوا الزكاة ولا يقاتلون على منع الزكاة قام أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه وقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.\rوقاتلهم على ذلك.\rففعل أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه قد أجمع عليه الصحابة فيما بعد، فصار إجماعاً منهم، فيعد سنة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، ويقول: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر).\rلهذا فإنني أقول: إن مثل هذه القضية -وهي قضية التركيز أو عدم التركيز- يخطئ بعض الناس في فهمها وفي تطبيقها أحياناً، وإلا فلا أظن أن هناك إنساناً يفقه دين الله ينازع في أن الأمر لابد أن يبنى على العقيدة، وأنك حينما تجد مجتمعاً ضعفت فيه العقيدة أو كثرت فيه الشركيات أنه يجب عليك أن تركز على هذه الشركيات، لكن مع ذلك تدعوهم إلى الله ﷿.\rفشعيب دعا قومه إلى (لا إله إلا الله) ودعاهم فقال: ﴿وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود:٨٤]، والأمر -إن شاء الله- واضح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534317,"book_id":2827,"shamela_page_id":106,"part":"4","page_num":15,"sequence_num":106,"body":"حكم الذهاب إلى الكهنة\r\rالسؤال\r لو ذهب شخص إلى أحد الكهنة لكي يخبره عن المولود القادم له هل هو ذكر أو أنثى، وما ذهب إلا حباً للاستطلاع، لكنه لا يصدق ما يخبر به، فما حكم ذلك؟\r\rالجواب\r ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد)، وفي بعض الروايات: (من أتى كاهناً) بدون (فصدقه)، فإتيانه حرام لا يجوز لأمور.\rأولاً: لأن فيه تكثيراً لسواده وتعظيماً له.\rثانياً -وهو الأخطر-: اعتقاد أنه يعلم الغيب، وإلا لما ذهبت إليه، فلماذا لم تذهب إلى غيره لتقول: هل مولودي ذكر أو أنثى؟ إذاً ما ذهب إلى هذا الكاهن إلا وهو يظن أنه ربما يصدق في قوله، ونحن نعلم أن الكهنة في الجاهلية كانوا يسترقون السمع، يركب الجن فوق بعض حتى يصلون إلى السماء فيسمعون الوحي، فإذا سمعوا به ربما قيل: يؤمر السحاب بأن يمطر بلد بني فلان في يوم الثلاثاء.\rفأحياناً يدركه الشهاب فيحرقه، وأحياناً يبلغه قبل أن يدركه، فتصل إلى الكاهن فيقول الكاهن: يوم الثلاثاء سيأتي مطر لبني فلان.\rقال ﷺ: (فيضيف إليها تسعاً وتسعين كذبة)، وكل الكذبات يتبين كذبه فيها، لكن لأنه صدق في تلك المرة تتعلق النفوس به، فيقال: ألا ترون أنه صدقنا في يوم كذا.\rلكن بعد ذلك حرست السماء، فلا مجال لاستراق السمع أبداً، أي أنه لا مجال لأي إنسان مهما بلغت قدرته أن يطلع على الغيب، لكن أن يطلع على ما يمكن أن يطلع عليه بالأسباب هذا أمر لا شيء فيه، لكن أن يطلع على الغيب لا يمكن أبداً، مهما كان: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، فمن أتى كاهناً فهو ضعيف الإيمان في هذا الجانب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534318,"book_id":2827,"shamela_page_id":107,"part":"4","page_num":16,"sequence_num":107,"body":"اتباع الهوى ودرجاته\r\rالسؤال\r هل كل من اتبع هواه يعد مشركاً؟\r\rالجواب\r اتباع الهوى درجات، اتباع الهوى إذا أدى بالإنسان إلى الكفر بالله أو الوقوع في أنواع من الشرك فهذا يقال فيه: اتبع هواه وأدى به إلى الكفر.\rوما نزل عن ذلك فهو بحسبه، فمن اتبع هواه مثلاً وقصر في العبادة نقول: هذا متبع لهواه، أي أنه مقصر في هذه العبادة.\rوهكذا.\rفالأمر في هذه المسألة على درجات، وينبغي أن ينتبه لذلك؛ لأن بعض الناس يعمم ويقول: من اتبع هواه فقد اتخذه إلهاً من دون الله فهو كافر.\rفيدخل فيه من اتبع هواه في مسألة أو في أمر دنيوي، أمر دنيوي أدى به إلى كسل عن صلاة أو كسل عن واجب، فهذا الاتباع لا يقال عنه: إنه شرك.\rفهذا أمر فيه تفصيل كما تقدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534319,"book_id":2827,"shamela_page_id":108,"part":"4","page_num":17,"sequence_num":108,"body":"حكم الاستغاثة بالغائب\r\rالسؤال\r لو استغاث شخص برجل قادر ولكنه لا يسمعه حالة استغاثته، فما حكم ذلك؟\r\rالجواب\r إذا كان نطقه بهذا الكلام عند من سيبلغ ذلك الرجل القادر، فهذا مثلما لو كان حاضراً، فهذه من الأسباب المعروفة في حياة الناس ولا شيء فيها.\rأما إذا استغاث به وهو يعلم أنه لا يسمعه وليس هناك أحد يبلغه فهو في هذه الحالة بحسب اعتقاده في هذه المقالة، وأقل أحوالها أن تكون من الشرك الأصغر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534320,"book_id":2827,"shamela_page_id":109,"part":"4","page_num":18,"sequence_num":109,"body":"خطورة الاسترسال مع الوهم\r\rالسؤال\r كثير من الناس يصاب بالسحر أو يتوهم أنه مصاب بالسحر، فتضيق عليه الأرض، وكذا على أهله، فيضطر هو وأهله إلى الذهاب إلى السحرة والكهنة ليحلوا ذلك السحر، وإذا قيل لهم: إن هذا كفر أو شرك قالوا: إذا رجعنا تبنا إلى الله ﷿.\rوما الطريقة المثلى، أو الطريقة الشرعية لحل السحر؟\r\rالجواب\r هذا السؤال مهم، وينبغي أن يعلم أنه كما أخبر الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦].\rفالسبب هو ضعف الإيمان، وضعف الإيمان يؤدي بالإنسان -أحياناً- إلى الوهم، فلو أن إنساناً أصيب -مثلاً- في ليلة أو ليلتين بالأرق وقيل له: أصابتك عين أو أصابك سحر فصدق وتوهم فلا يمكن أن يبيت، ولا يمكن أن ينام، بل يصبح هاجسه ليلاً ونهاراً هذا المرض، بينما الرجل ليس فيه مرض، لكن لما قيل له: إنه مريض وصدق بهذا أدى به إلى هذا.\rولهذا تجد كثيراً من الأمراض هي أمراض في بداياتها سهلة عادية، لكن تتعقد بالوهم، وهذا معروف حتى في المرض العضوي، فالإنسان إذا أصيب بألم في بطنه أو بجرح معين أو بشيء من ذلك فإذا أعطاه قدره المناسب وتشجع وصار يأكل ويأخذ الأسباب ونفسيته طيبة فإن ذلك يعجل الشفاء، لكن إذا قيل له: هذا مرض خطير بدأ الوهم عنده.\rوتعلم أن الوهم يهد الإنسان خلال ساعات، بل خلال وقت قصير، فإذا هد هذا المريض، وصار لا يأكل، وصار مهموماً، وصار مغموماً مرض واشتد مرضه، وضاق صدره، بل إنك تجد أحياناً بعض الناس وهو في أشد حالات المرض في المستشفى؛ لأنه واهم وخائف، فإذا جاءه الطبيب وقال: الحمد لله، طلعت التقارير سليمة وليس فيك شيء فكأنما نشط من عقال، وصار يحدث من حوله، وصار يبتسم ويشتهي ويأكل وتتحسن حالته، والعكس بالعكس.\rفهذا أمر.\rالأمر الثاني: أن من وقع عليه ابتلاء في مثل هذه الأمور مما ذكره السائل فيجب عليه أن يتقي الله ﷾، فإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، (ما من داء إلا وله دواء)، وليس هناك مرض إلا وله دواء إلا الموت، أما ما عدا ذلك فله دواء، وهذا الدواء شرعي.\rوحينئذ فإنني أقول: إن من ابتلي بمثل هذا المرض فعليه أن يتقي الله ﷾، وعليه أن يدرك أموراً: أولاً: لا يجوز له أن يذهب إلى هؤلاء السحرة، وخداعه لنفسه أنه يقول: إذا رجعنا نتوب هذا كلام خطير يخشى على صاحبه، وهو مثل ذلك الشخص الذي يقول: أقع في المعصية ثم أتوب، وإذا لم تتب؟! وإذا جاءك الأجل وأنت على المعصية ماذا ستقول لربك ﷾؟! وكذلك -أيضاً- نقول لهؤلاء: وأنتم راجعون لو وقع حادث سيارة ومتم قبل أن تتوبوا! فاتقوا الله ﷾.\rالأمر الثاني: أنه يجب على هؤلاء أن يبحثوا عن الرقية الشرعية، ومثل السحر وغيره توجد له رقى شرعية، هذه الرقى تنفع بإذن الله مع الإخلاص والتعلق بالله ﷾، فإن الله ﷾ يشفي صاحبها، وقد تكون إرادة الله أن يبتلى هذا الرجل وأن يستمر عليه البلاء زمناً، فلا ييأس الإنسان.\rفينبغي أن ننتبه لهذه القضية، فلا يجوز الذهاب إلى هؤلاء، ولا يجوز علاج السحر بسحر مثله على القول الراجح، خاصة في هذه الأيام التي انتشر فيها هؤلاء السحرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534321,"book_id":2827,"shamela_page_id":110,"part":"4","page_num":19,"sequence_num":110,"body":"وجوب التحذير من السحرة والمشعوذين\r\rالسؤال\r ما حكم من يعلم عن حال كاهن يفد الناس إليه جماعات، لكنه لا يستطيع أن يعمل شيئاً، فما الواجب عليه؟\r\rالجواب\r قوله: لا يستطيع ليس بصحيح، فعليه أن يأتي إلى أهل الخير والعلم من أبناء هذه المدينة التي هو فيها أو قريباً منها ويشرح حاله ويحذر منه، ومن المهم أن يقام فيهم حكم الله ﷾ حتى لا يستفحل شرهم، وقد استفحل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534322,"book_id":2827,"shamela_page_id":111,"part":"4","page_num":20,"sequence_num":111,"body":"حكم الرقية بغير اللغة العربية\r\rالسؤال\r إذا كان من يرقي لا يجيد اللغة العربية فهل يرقي بغيرها؟\r\rالجواب\r لا يجوز، فمن شرطها أن تكون باللغة العربية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534323,"book_id":2827,"shamela_page_id":112,"part":"4","page_num":21,"sequence_num":112,"body":"التنويم المغناطيسي\r\rالسؤال\r نسمع عن التنويم المغناطيسي أنه من أعمال الشياطين، فهل هذا صحيح؟\r\rالجواب\r ربما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534324,"book_id":2827,"shamela_page_id":113,"part":"4","page_num":22,"sequence_num":113,"body":"خطورة الرياء\r\rالسؤال\r نود أن تُبَيّن صورٌ للرياء تقود فاعلها إلى الشرك الأكبر؟\r\rالجواب\r كل المعاصي قد تقود إلى الشرك الأكبر، كم من شاب قادته الشهوة إلى الكفر، بمعنى أنه أتاه صديقه وقال: تعال.\rفوقع في الزنا، والزنا معصية من المعاصي وكبيرة من الكبائر، وإذا تاب منها الإنسان فالله يتوب عليه، ولا يكفر صاحبها.\rلكن هذه المعصية تقود صاحبها حين يبدأ بها من خلال أصدقائه، فيؤدي به الأمر أحياناً إلى ترك الصلاة، وهذا يقع، ومن وقع في شرب الخمر ونحو ذلك فغالباً ما يؤدي به ذلك -نعوذ بالله- إلى ترك الصلاة، وهذا بحد ذاته كفر.\rبل قد يكون ما هو أشد من ذلك، فقد يؤدي به إلى الاستهتار بالدين والاستهزاء بالدين، وهذا أيضاً ردة، وقد يؤدي به أحياناً إلى أنه لا يستطيع أن يتحلل هذا التحلل إلا من خلال الإلحاد وإنكار وجود الله ﷾، وهذا واقع، وإن دعاة الإلحاد والكفر بالله ﷾ يدخلون إلى الشباب عن طريق الشهوات، فالبداية معصية، وانتهى الأمر إلى الكفر بالله ﷾.\rوالسائل سأل عن الرياء، فنقول: نعم.\rقد يبدأ الرياء خفيفاً مع الإنسان فيبطل صلاته أو عبادته أو جزءاً منها، لكن قد يستحكم فيعمل الإنسان لغير الله، وربما كثر الأتباع ونظر الناس إليه، فصار في الخفاء يعاند ربه بالمعاصي، وأمام الناس يتظاهر بأنه من الأتقياء، فتأتيه النفس وتقول: إنك تضحك على الناس فاضحك على ربك أيضاً، فيبدأ -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يتظاهر بهذا الرياء، وهو في الحقيقة إذا كان بينه وبين ربه ﷾ ربما لا يؤدي الصلاة أو لا يؤدي بعض العبادات الواجبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534325,"book_id":2827,"shamela_page_id":114,"part":"4","page_num":23,"sequence_num":114,"body":"كيفية علاج الرياء\r\rالسؤال\r شخص ابتلي بالرياء، فما العلاج لذلك؟\r\rالجواب\r العلاج لذلك الرقابة الشديدة على القلب وأنت تعمل هذه الأعمال التي تخشى من الرياء فيها، ومقتضى ذلك أن توقن يقيناً تاماً أن هؤلاء الناس لا يستطيعون أن ينفعوك بأي شيء، ومن ثم فإنك إذا راءيتهم خسرت الدنيا والآخرة، خسرت الآخرة فلا ثواب لك، وخسرت الدنيا لأنك عملت هذا العمل لغير الله، فلم ينفعك عملك في زيادة إيمانك وفي تقوية قلبك.\rومن هنا فإنني أقول: إذا خشيت من هذا فعليك أن تعالج نفسك بنفسك من خلال أمور: منها: أن تحرص كثيراً على أن تكون عباداتك الخاصة في انفرادك، فالعبادات التي فيها نوافل احرص دائماً على أن لا يراك فيها أحد.\rالأمر الثاني: أن تجاهد نفسك عند عمل الطاعة إذا كان لابد من عملها أمام الناس، تجاهد نفسك، ولا تستسلم للشيطان، فإن الشيطان قد يأتيك ويقول لك: إنك ترائي.\rفعليك أن تراغمه وأن تستمر في عبادتك.\rالأمر الثالث: أن تدعو ربك ﷾ أن يعصمك من مثل هذا الأمر.\rوأنا أخشى أن يكون مثل هذا وهماً منك، فالشيطان يريد أن يفسد عليك عباداتك فيقول لك: أنت ترائي.\rويريد أن يفسد عليك العبادة حتى تتركها، أو حتى تتخلى عن الصالحين ولا تجالسهم، فالأولى مراغمة الشيطان، وأن تحرص كل الحرص على أن تحضر قلبك ليكون مخلصاً لله تعالى في هذه العبادة، والله ﵎ يتولاك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534326,"book_id":2827,"shamela_page_id":115,"part":"4","page_num":24,"sequence_num":115,"body":"حكم تعليق الآيات والأحاديث\r\rالسؤال\r انتشر في هذه الأيام عند بعض الناس وضع المصحف في السيارة، أو تعليق بعض الآيات أو الأحاديث، أو وضع بعض الملصقات التي فيها آيات قرآنية، فهل هذه من التمائم؟ وهل ما يوضع من الأدلة الواردة في السنة كدعاء الركوب من ذلك؟\r\rالجواب\r أظن أن بعض هذه الأمور يدخل في هذا، مثل الذي يضع المصحف في مقدمة السيارة أظنه يقصد أنه تميمة، فإذا كان قصده ذلك فيدخل في الحكم الذي رجحنا أنه لا يجوز، أما ما عدا ذلك من الأشياء المعلقة فهي بحسب مقصدها، فإن كان قصده أن يتذكرها، بمعنى أنه إذا ركب السيارة تذكر الدعاء فمثل هذا -إن شاء الله- لا بأس به، خاصة إذا لم تكن آيات قرآنية.\rأما إذا كانت آيات قرآنية، مثل آية الكرسي وغيرها فحكمها حكم اللوحات التي تعلق أحياناً في البيوت وغيرها، وهذه الأمور مما اختلفت فيها الفتوى بالنسبة للمشايخ حفظهم الله تعالى، والذي يظهر والعلم عند الله تعالى، أن مثل هذه اللوحات قد تكون ممتهنة، وهذا الامتهان إما أن يكون من خلال أن توضع أحياناً في أواني، وقد أخبرني بعضهم أنها أحياناً تكون فيها الآيات، وأحياناً يمتهنها الأطفال، وأقل أحوالها أنها تكون زينة فقط، فلا تقرأ، ولا يلتفت إليها، وإنما تحولت إلى مجرد زينة، وهذا مما ينبغي أن ينزه عنه كلام الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534327,"book_id":2827,"shamela_page_id":116,"part":"4","page_num":25,"sequence_num":116,"body":"حكم تعليق الأدوية الشعبية\r\rالسؤال\r هل ما يعلق على الطفل من أدوية شعبية خشية من الأمراض يعتبر من التمائم المحرمة؟\r\rالجواب\r نعم.\rبل هو من أشدها، وهذا لاشك في أنه لا يجوز؛ لأن مثل هذه الأمور يظنون أنها تحمي، فالاعتقاد بأنها تحمي هو مثل اعتقاد من علق خرزات أو سلسلة مغناطيسية أو غير ذلك يظن أنه تحمي، فهذا كله مما لا يجوز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534328,"book_id":2827,"shamela_page_id":117,"part":"4","page_num":26,"sequence_num":117,"body":"حكم الحلف بآيات الله\r\rالسؤال\r هل الحلف بآيات الله ﷿ يعتبر من الشرك، خاصة إذا كان يقصد الآيات الكونية؟\r\rالجواب\r إذا كان قصده مثلاً أن يحلف بالسماء، أو يحلف بالشمس فهذا لاشك أنه حلف بغير الله، أما إذا كان يحلف بآيات الله أي: القرآن فهذا جائز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534329,"book_id":2827,"shamela_page_id":118,"part":"4","page_num":27,"sequence_num":118,"body":"حكم تعليق الذهب المصوغ على صورة كتاب\r\rالسؤال\r انتشر في الآونة الأخيرة في بعض حلي النساء التي تعلق على رقابهن شكل كتيب صغير، فهل هذا من الرقى والتمائم؟\r\rالجواب\r حسب مقصدها، فإذا كان هذا الكتيب الصغير لا يقصد به أنه مصحف، أو لا يقصد به أنه يحمي فهذا من الأمور التي هي زينة، وهو جائز لها ولا بأس به، أما إذا قصد به فالأمور بحسب مقاصدها؛ لأنه حتى الحلي الذي ليس فيها شكل كتاب ولا غيره لو قصدت به صاحبتها أنه يحميها تحول إلى تميمة، ومن ثم فلا يجوز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534330,"book_id":2827,"shamela_page_id":119,"part":"4","page_num":28,"sequence_num":119,"body":"حكم رمي الطعام عند مرور الغير\r\rالسؤال\r بعض الناس إذا مر عليه شخص وهو يأكل رمى بعض الطعام، ويقول: عن العين.\rفما حكم ذلك؟\r\rالجواب\r لا دليل عليه، وهذا من ضعف الإيمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534331,"book_id":2827,"shamela_page_id":120,"part":"4","page_num":29,"sequence_num":120,"body":"درجات المحبة\r\rالسؤال\r بعض الناس يفرط في الحب في الله ﷿ بحيث يتعدى الحدود الشرعية، كأن يقدم محبة شخص على الوالدين، أو أن تكون نتيجة لترك بعض السنن أو عمل بعض المكروهات، فما الحكم في ذلك؟\r\rالجواب\r ينبغي أن يفرق بين أنواع ثلاثة من المحبة: النوع الأول: محبة العبادة، فهذه يجب أن تكون خالصة لله، فالله تعالى هو وحده الذي يحب لذاته، ومن ثم فالطاعة له وحده لا شريك له، وكذلك مقتضيات المحبة الأخرى.\rالنوع الثاني: المحبة في الله، وهذا المحبة على درجات، أعلاها محبة الرسول ﷺ الذي يجب أن يقدم على محبة النفس والولد والوالد، ثم تأتي على إثرها كل محبة في الله، محبة الطاعات، محبة أخيك المؤمن، محبة الصحابة، محبة كل من عمل صالحاً من المؤمنين، هذا كله مما يقوي الإيمان، فهي -أي: هذه الأنواع من المحبة- إيمان؛ لأنها في الله.\rالنوع الثالث من المحبة: المحبة الطبيعية، مثل محبة الولد، ومحبة الوالد، ومحبة الوالدة، فهذه المحبة ركبها الله ﷾ في طبيعة البشر، بل هي موجودة في البهائم والطير غير ذلك، فهذه المحبة لا تخالف تلك المحبة، وإنما ننظر إليها من خلال درجاتها، فمن قدم -مثلاً- محبة الولد على محبة الله يشبه من قدم محبة المال أو محبة الزوجة على محبة الله تعالى؛ بحيث يؤدي به إلى ترك عبادة الله وحده لا شريك له.\rفنقول -والحالة هذه-: إن هذا التقديم لهذه المحبة خطر على صاحبه قد يؤدي به إلى الكفر، وقد يؤدي به إلى أنواع من الفسق أو المعاصي، فهي على درجات كما سبق أن بينا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534332,"book_id":2827,"shamela_page_id":121,"part":"4","page_num":30,"sequence_num":121,"body":"الفرق بين أنواع الشرك راجع إلى الأدلة وإلى قصد الشخص\r\rالسؤال\r هل هناك بعض القواعد والضوابط في تمييز الشرك عن غيره، وفي تمييز الشرك الأكبر عن الأصغر؟\r\rالجواب\r ليس هناك قواعد وضوابط بحيث توضع هذه القاعدة وتأتي عليها الأنواع كلها، وإنما الأمر يحتاج إلى شيء من الاستقصاء؛ لأننا مربوطون بالدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ، ونحن نعلم أن بعض هذه الأمور قد يكون شركاً في شريعة ولا يكون شركاً في شريعة أخرى، فالسجود للاحترام والتقدير كان جائزاً كما في قصة يوسف مع إخوته، لكنه في شريعة محمد ﷺ شرك أكبر.\rولهذا -كما في الصحيح- لما قدم معاذ من الشام وأقبل على الرسول ﷺ فمن شدة فرحه برؤية النبي ﷺ سجد له، فقال له رسول الله ﷺ: (ما هذا يا معاذ؟! قال: يا رسول الله! إنني كنت في الشام فرأيتهم يسجدون لرهبانهم وقساوستهم، فأنت -يا رسول الله- أحق بذلك.\rفماذا قال النبي؟ قال ﷺ: (لا تفعل؛ فلو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها).\rفصار السجود لغير الله من العالم به شركاً وكفراً أكبر، فالمقياس لمثل هذه الأمور صحيح أنه يدخل في المعاني وتمييز الأمور وضبطها، لكن -أيضاً- لابد من النظر فيه إلى الأدلة، فإذا قلنا: عبادة غير الله شرك فهذا عام ويشمل أي نوع من أنواع العبادة، فما يأتينا أحد ليقول: لابد أن تستقصوا كل هذه الأمور بحيث يكون هذا الأمر شاملاً شمولاً كلياً.\rلا، وإنما تذكر من ذلك الأمثلة، ويميز بين ما كان أكبر وما كان أصغر بالدليل.\rولهذا تجد إرادة الإنسان بعمله الدنيا واتباع الهوى أو المحبة درجات، وكذلك الخوف من غير الله، فإن الإنسان يخاف من السبع ويخاف من النار، فهل نقول: هذا وقع في الشرك الأكبر؟ لا.\rوإنما نقول: الخوف من غير الله تعالى ﷾ على درجات، فإن كان هذا الخوف من غير الله ﷾ في أمر لا يقدر عليه ولا يملكه إلا الله ﷾ فهذا قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر.\rوإن كان في أمر يخاف منه الإنسان عادة فهذا من الأمور العادية، وإن كان في أمر مما بين ذلك فهذا دال على ضعف إيمان، وقد لا يوصل صاحبه إلى الشرك الأكبر، وهكذا بقية الأمور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534333,"book_id":2827,"shamela_page_id":122,"part":"4","page_num":31,"sequence_num":122,"body":"لابد من تحقيق التوحيد علمياً وعملياً\r\rالسؤال\r كثير من الناس يعرف التوحيد علمياً، ولكن قل من يعرفه عملياً، فكيف العلاج لذلك؟\r\rالجواب\r هذا مرض عضال، فإن بعض الناس التنظيم الذهني عنده جيد، لكن إذا جاء إلى الأمور العملية اختلطت عليه الأمور، فكثير من الناس تربوا على التوحيد وعلى عقيدة التوحيد، وعندهم هذه النظرة جيدة، بل يحفظون كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويستطيع الواحد منهم أن يشرح لك لمدة نصف ساعة أو أكثر.\rلكن إذا جاء إلى أمر عملي وقع -نعوذ بالله- في أنواع من المخالفات، كتعلق النفوس بغير الله، ظن أن هذا الشخص أو هذه الجهة أو هذه الدولة ربما يحميه من أمر الله، ظن أنه حينما يهرب من هذا المكان أنه ينجو من الموت، وهذا كله دليل على ضعف الإيمان، فهو عند التنفيذ العملي ضعيف الإيمان.\rولهذا نقول: نسأل الله ﷾ أن يرزقنا التوحيد وأن يعيذنا من الفتن؛ لأن الإنسان قد يبتلى، وهذا الابتلاء إذا ابتلي به الإنسان فقد يقوى على المواجهة وقد لا يقوى، وهو امتحان وابتلاء من الله ﷾ يبتلي به عباده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534334,"book_id":2827,"shamela_page_id":123,"part":"4","page_num":32,"sequence_num":123,"body":"حكم استخدام الذئاب وأخذ المال على إخراج المس\r\rالسؤال\r بعض الذين يقرؤون يستخدمون الذئاب في علاج بعض الأشخاص لإخراج مس الجن، وما حكم أخذ الأموال على ذلك؟\r\rالجواب\r أما الرقى الشرعية فالصحيح جواز أخذ المال عليها للحديث الصحيح الوارد في ذلك، وفيه أن الصحابة الذين رقوا الرجل الذي لدغ أخذوا على ذلك أجرة، والآن يتكلمون في الاشتراط المسبق، أما إذا أعطي فلا شيء فيه إن شاء الله تعالى، ولكن ينبغي للقارئ المخلص أن يتجنب هذا الأمر، وأن يجعل قراءته خالصة لوجهه تعالى؛ لأنه مدخل لهوى النفس والتعلق بالدنيا والتعلق بالمال، كما يحدث لبعض القراء نسأل الله لنا ولهم العافية.\rأما ذلك الذي يقرأ ويستخدم بعض هذه الأشياء فنحن نقول: إن هذا الأمر يترك للتجربة، فإذا كان يظن أن مثل هذا يطرد الجن وتنفر من هذا الشيء فهذا متروك للتجربة، لكن بشرط أن لا يعتقد فيه؛ لأن بعض الناس لما سمع ما ذكره السائل اقتنى ذئباً، وبعضهم اشترى ذئباً وقطع رأسه وحنطه وألقاه في بيته، وبعضهم بحث عن جلد الذئب ليجعله في بيته، وهذا كله من الأمور التي هي مضعفة لتحقيق التوحيد، وقد تودي به، نسأل الله السلامة والعافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534335,"book_id":2827,"shamela_page_id":124,"part":"4","page_num":33,"sequence_num":124,"body":"حكم قول: (في ذمتي) أو (أمانتي)\r\rالسؤال\r ما حكم قول القائل: في ذمتك.\rأو: أمانتك.\rأو قول بعضهم: في ذمته ليفعلن كذا؟\r\rالجواب\r هذا حلف بغير الله، بل هو أخطر من الحلف بغير الله، فينبغي أن يتجنب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534336,"book_id":2827,"shamela_page_id":125,"part":"4","page_num":34,"sequence_num":125,"body":"حكم قول (ما صدق على الله)\r\rالسؤال\r ما حكم قول القائل: (إنه ما صدق على الله) من الناحية الشرعية؟\r\rالجواب\r الذي يظهر أن مثل هذه العبارة وإن كان التعبير عنها عاماً فيه شيء من الغموض، لكن الذي يظهر أنه لا شيء فيها؛ لأن قصد صاحبها: إنني ما كنت أتوقع هذا، ثم تبين لي أن الله قد كتب هذا وقدره ما كنت أتوقع أن فلاناً يأتي فإذا به يراه في هذا المكان إلى آخره.\rفأقول: لو تجنبت العبارة لكان أولى، لكن من قالها فالذي يظهر أن قصده فيها لا شيء فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534337,"book_id":2827,"shamela_page_id":126,"part":"4","page_num":35,"sequence_num":126,"body":"حكم النظر إلى التلفاز\r\rالسؤال\r ما حكم النظر إلى المسلسلات التي تظهر في التلفاز، خاصة أن في بعضها بعض الأمور التي تخالف الشريعة، أو فيها الإشراك بالله ﷿؟\r\rالجواب\r هذا لا يجوز، فإذا كان فيها محرمات فلا تجوز، وإذا كان فيها شرك فلا تجوز، وإذا كان فيها نساء فلا يجوز النظر إليهن، هذه كلها واضحة الدلائل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534338,"book_id":2827,"shamela_page_id":127,"part":"4","page_num":36,"sequence_num":127,"body":"حكم أخذ الأجرة على الرقية والتعليم\r\rالسؤال\r ما حكم أخذ الأجرة على الرقية استناداً إلى حديث: (إن خير ما أخذتم عليه أجراً هذا القرآن)، وأن ذلك يكون في الرقية فقط كما يراه المحدث العلامة الشيخ ناصر الألباني؟\r\rالجواب\r الخلاف هو في: هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم كلام الله أم لا؟ أما أخذ الأجرة لأجل أن يقرأ، كما لو جاء إنسان وقال: يا فلان! أنت تقرأ القرآن فأرجوك أن تقرأ لي سورة البقرة بمائة ريال.\rفيقرأ له سورة البقرة لأجل المال، فهذا الذي يظهر أنه لا يجوز.\rلكن أخذ الأجرة على التعليم مثل تعليم الأولاد، نقول: إن المسألة خلافية بين العلماء، والذي يظهر -والله أعلم- جوازه، لكن ينبغي أن يكون معلوماً لدى المؤمنين الأخيار أنه لا ينبغي أن يُلجأ معلم القرآن إلى مثل هذا، فإذا كان هناك معلم للقرآن فالأولى له ألا يُلجأ إلى أن يطلب هذا الأمر، وإنما يعطى ما يكفيه من رزقه، هذا ما ذكره العلماء، وهو الأمر الطيب الذي يجب أن يسلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534339,"book_id":2827,"shamela_page_id":128,"part":"4","page_num":37,"sequence_num":128,"body":"أفضل شروح الطحاوية\r\rالسؤال\r ما أفضل الشروح للعقيدة الطحاوية، خاصة من ناحية التصحيح والتعليق والتخريج؟\r\rالجواب\r أفضل الشروح هو شرح ابن أبي العز الحنفي، أما عن التعليق فأقول: هما طبعتان هما من أفضل الطبعات: الطبعة الأولى الطبعة المشهورة طبعة المكتبة الإسلامية، وعليها تعليقات المحدث الشيخ الألباني، والطبعة الثانية هي الطبعة الأخيرة التي بتحقيق الشيخ عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط، وهذه الطبعة ظهرت منها الآن طبعة جديدة في مجلد واحد، فلعله استدرك فيها ما كانت عليها من ملحوظات.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\rوالحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534340,"book_id":2827,"shamela_page_id":129,"part":"5","page_num":1,"sequence_num":129,"body":"المؤتمر المشبوه\rأعداء الفطرة والقيم والأخلاق يخططون الليل والنهار لإفساد المجتمعات والشعوب، وقد وجدوا أن المرأة خير وسيلة لذلك إن هم أفسدوها، ولذلك نراهم دائماً ينادون بتحرير المرأة، ويريدون بذلك تحريرها من الفطرة والقيم والأخلاق، فتكون معول هدم لمجتمعها وشعبها، ونراهم يكثرون من المؤتمرات العالمية للمرأة، وذلك من أجل تعميم ثقافتهم الهدامة، ونشرها بين الأمم والشعوب لاسيما الإسلامية، فعلى المسلمين الانتباه لهذا الخطر العظيم، والتصدي له على كافة المستويات، وبكل السبل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534341,"book_id":2827,"shamela_page_id":130,"part":"5","page_num":2,"sequence_num":130,"body":"بنود المؤتمر المشبوه مخالفة للفطر والأديان\rالحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فقد عقد في زمن مضى مؤتمر عالمي للمرأة، عقد في بلاد الشيوعية (بكين)، وقد حضره ما يقارب خمسين ألف امرأة من شتى أنحاء العالم، مختلفات المشارب والديانات، وطرحت آراء وجرت مناقشات، ولكن وثيقة المؤتمر التي أعدتها هيئة الأمم المتحدة بقيت هي الأساس الذي يدور حوله المؤتمر، وعلى بنودها يجري التوقيع، وفي الوثيقة بنود وقضايا كثيرة تتعلق بالمرأة، ولكن الذي يهم والذي أشغل بال المتابعين لهذا المؤتمر هو ما اشتملت عليه بنوده من عهود تعارض الأديان والأخلاق والآداب والفطر السليمة التي أجمع عليها كل من لم تصب فطرته بانتكاس.\rومن هذه القضايا: إعطاء المرأة الحرية الكاملة.\rالمطالبة بمساواتها للرجل في جميع الأمور.\rإباحة العلاقات غير الشرعية قبل الزواج، وتعليمها للجنسين منذ الصغر.\rإباحة الشذوذ.\rإباحة الإجهاض، ووأد وقتل الأولاد.\rكون الطلاق بيد المرأة لا بيد الرجل وغيرها من البنود التي اشتملت عليها وثيقة المؤتمر وجرى حولها النقاش.\rونحن هنا لسنا بصدد بيان منزلة المرأة في الإسلام وما أعطاها من حقوق؛ فإن هذه بالنسبة لنا نحن -المسلمين- قضية عقدية كبرى، ولسنا أيضاً بصدد بيان حكم الإسلام الصارم في هذه القضايا المطروحة، ولا بصدد الحديث عن المرأة في الغرب، وهل فعلاً نالت ما تطمح إليه وقد أعطيت الحرية والمساواة على مدى عشرات السنين الماضية؟ لسنا بصدد الحديث عن هذا ولا هذا، إنما هي وقفات مع المؤتمر وخلفياته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534342,"book_id":2827,"shamela_page_id":131,"part":"5","page_num":3,"sequence_num":131,"body":"أسباب التركيز على قضية المرأة\rأولاً: لماذا التركيز على قضية المرأة وأوضاعها وأحوالها وحريتها؟ والجواب واضح، وهو أن المرأة مستهدفة بشكل خاص؛ لأمور: أولها: أن غزوها عقلياً وأخلاقياً له أثره البالغ في المجتمعات؛ لأنها- أي: المرأة- من أقوى الوسائل وأشدها أثراً في التدمير، وقد عرف هذا دعاة الفساد والانحلال، فاستخدموا المرأة في شتى الوسائل لتدمير الأمم وإنهائها، فكانت هي العمدة في المجلات، وفي الأفلام، وفي الدعاية، وركز عليها مخططوا التدمير للعالم في أبواب الأزياء وغيرها.\rثانياً: أن الأسرة نواة المجتمع، ودور المرأة في الأسرة أماً وزوجةً وأختاً وبنتاً له أثر كبير فيها، ويكفي أن الجانب الأكبر في تنشئة الأجيال إنما تقوم به المرأة، فحين يتحقق الغزو والتدمير للمرأة ينتقل أثرها سريعاً إلى الأجيال.\rثالثاً: أن المرأة بطبيعتها العاطفية وسرعة تأثرها تكون أسهل في الاستجابة للمطالب والانحراف، خاصة حين تخلو المرأة من العقيدة، أو يضعف إيمانها وما ينبثق منه تربية وخلق، فإن المرأة -والحالة هذه- سريعة جداً في تأثرها، كما أنها قوية في تأثيرها، إضافة إلى ما ركبه الله في المرأة من جمال ومن تعلق الرجال بهذا الجمال.\rلهذه الأسباب ولغيرها كان التركيز على قضية المرأة في مثل هذه المؤتمرات الكبرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534343,"book_id":2827,"shamela_page_id":132,"part":"5","page_num":4,"sequence_num":132,"body":"القوى التي تقف وراء هذا المؤتمر وغايتها\rمؤتمر المرأة العالمي عقد تحت ظل الأمم المتحدة، وهذه المنظمة كما عرفناها من خلال أنظمتها ومواقفها -وآخرها موقفها في قضية المسلمين في البوسنة والهرسك- هذه المنظمة تقف وراءها قوى معروفة، على رأسها قوى الغرب الصليبي، والغرب ينظر من علو إلى بقية أمم الأرض، ومن ثم فهو يزعم التالي: أولاً: أنه صاحب رسالة موجهة إلى العالم، وينبغي للعالم كله أن يستمع إليه وأن يصغي إليه، هكذا يزعم الغرب.\rثانياً: أنهم هم الأمة التي تفكر، وهم الذين يملكون أدوات البحث والتفكير، أما من عداهم من الأمم فلا شيء، ولا يستحق إلا أن يتكرم عليه الغرب بجعله تبعاً له ويدور في فلكه.\rثالثاً: إنكار أي ثقافة أخرى غير ثقافة الغرب والتهوين منها، وبالأخص المنهج الإسلامي عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً وآدابا، فإن الغرب ينظر إليه نظرة خاصة، ويري المرء الصليبي أنه مسيطر عسكرياً واقتصادياً وإعلامياً، وهو يسعى الآن إلى السيطرة والاختراق الثقافي والعقدي والأخلاقي لغيره من الأمم، وهذه المؤتمرات مع ما يصحبها من وسائل أخرى كالبث المباشر وغيره هي جزء من هذا البرنامج.\rوالملاحظ أن الغرب أخيراً لم يعد يركز كثيراً على المؤتمرات التنصيرية التي كانت تعقد فيما مضى ويديرها ويقوم عليها منصرون من الساسة ومن القسس والرهبان، ولكنهم أصبحوا الآن يركزون على مؤتمرات الأمم المتحدة في ميادين متعددة، ومنها ميادين المرأة التي نتحدث عنها الآن.\rإذاً مؤتمر المرأة هو في جملته حرب عقدية أخلاقية، يشنها الغرب على العالم الثالث، وأبرز ما في العالم الثالث المسلمون، وهي محاولة لزرع وسائل الهيمنة على هذه الأمم، وأقوى وسائل الهيمنة حين تدمر أخلاقها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534344,"book_id":2827,"shamela_page_id":133,"part":"5","page_num":5,"sequence_num":133,"body":"أهداف مؤتمر المرأة العالمي\rما هي أهم أهداف المؤتمر الذي عقد باسم المرأة؟ ينبغي أن نعلم أن وثيقة المؤتمر أعدت قبل عشرين سنة في مؤتمر سابق للأمم المتحدة عقد في المكسيك سنة خمس وسبعين وتسعمائة وألف ميلادية، لذا فما تحويه طيات المؤتمر بوثيقته ولجانه المتعددة وما يدعو إليه باسم حقوق المرأة من إباحية وانحلال وشذوذ، وفرض حقوق للمرأة في قتل الأولاد ووأدهم، وفي الطلاق وفي غير ذلك كل هذا قد أعد بعناية، وأشرفت عليه لجان وقوى، ونحن نقول: إن من الواضح أن هذا المؤتمر يهدف إلى أمور كثيرة، ونحن هنا إنما نقف مع بعضها فنقول: إن أهم أهداف المؤتمر: أولاً: أن الغرب لم ينجح في معالجة قضايا الإباحية والمخدرات ونحوها وما ينتج عنها، ومن ثم فهو يريد تصديرها إلى المجتمعات الأخرى، ومنها المجتمعات الإسلامية، فالمؤتمر محاولة لفرض الواقع الغربي الإباحي على دول العالم الثالث، سواء أكانت محافظة أم غير محافظة، ولكن التركيز أكثر وأكثر على الدول المحافظة، وخاصة مع بروز الصحوات الدينية، وعلى رأسها الصحوة الإسلامية.\rإذاً هي محاولة لهيمنة غربية لتفرض أخلاقها وآدابها وانحلالها وشذوذها على بقية أمم الأرض.\rثانياً: إضفاء صفة الشرعية، وهنا آتي بلفظ (الشرعية) لأنهم يستخدمونها، وإلا فنحن لا نستخدمها إلا فيما يتعلق بالشرعية الحقيقية شرعية الإسلام.\rإذاً من أهداف المؤتمر إضفاء صفة الشرعية والقانون على الإباحية والرذيلة والانحلال، بحيث يصبح الانحراف هو الأصل في هذه المجتمعات، وقد يقول قائل: هناك معارضون، والدول غير ملزمة! فيقال: العبرة بالأكثرية، والأكثرية ستوقع عليها، ثم إن الغرب بهيمنته يعول على الضغط السياسي والاقتصادي على الدول التي لا تنفذ أنظمة الأمم المتحدة، كما أنه يعول على عامل الزمن، فتكرار هذه المؤتمرات قد يحولها إلى حقائق عند بعض الشعوب المغلوبة على أمرها.\rثالثاً: الحط من الأديان، وعلى رأسها دين الإسلام.\rوإذا علمنا أن التحدي الحقيقي الذي يواجهه الغرب اليوم إنما هو الإسلام خاصة تبين لنا أن مثل هذه المؤتمرات تهدف أول ما تهدف إلى مقارعة الإسلام بتدمير شعوبه أخلاقياً، وقد يقول قائل: إن كلامكم هذا ناشئ من عقدة طالما سمعناها، ألا وهي عقدة المؤامرة على الإسلام في كل حادثة أو قضية! ونحن نقول: لا.\rليست مؤامرة على الإسلام تحاك في الخفاء، وإنما هي حرب حقيقية مكشوفة ضد الإسلام، وما أحداث البوسنة والشيشان التي انكشفت فيها الحقائق لا للمسلمين خاصة وإنما للعالم كافة إلا مثالاً جلياً لهذه الحرب ولذلك الحقد الصليبي.\rأيها الأخ في الله! دعني أنقل لك ما يقوله أحد المنصرين -واسمه لورنس بروفن -، قال هذا الكلام قبل عشرات السنين، يقول: لقد كنا نخاف، أو نخوف بشعوب كثيرة، ولكننا بعد الاختبار لم نجد مبرراً لمثل هذا الخوف، لقد كنا نخوف من قبْلُ بالخطر اليهودي والخطر الأصفر والخطر الشيوعي -وهذا قبل سقوط الشيوعية بزمن- إلا أن هذا التخويف كله لم يكن له أساس كما تخيلنا، فقد وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الأول، عدونا الألد، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفراء فإن هنالك دولاً ديمقراطية كبرى تتكفل بمقاومتها، ولكن الخطر الحقيقي كان في نظام الإسلام وفي قدرته على التوسع والإخضاع، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي.\rأهـ إن هذه المؤتمرات تهدف إلى تدمير شعوب وأمم، لكنها أيضاً تركز على الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534345,"book_id":2827,"shamela_page_id":134,"part":"5","page_num":6,"sequence_num":134,"body":"من المستفيد من طرح قضايا الإباحية والشذوذ؟!\rإن المؤتمر يطرح قضايا تتعلق بالإباحية والشذوذ، وهذه لا يقرها العقلاء، حتى في بلاد الغرب، فهم يرفضونها، ولذا فإننا نقول: إذا كان الأمر كذلك فمن المستفيد من الانحلال والإباحية والشذوذ وانتشارهما في جميع أنحاء العالم؟ ومن المستفيد من انحلال الأسرة؟ ومن المستفيد من تدمير الأمم؟\rو \rالجواب\r فتش عن اليهود وعن الماسونية العالمية، وحتى تتضح الأمور فتأمل في مقولات بروتوكولات اليهود، يقولون في البروتوكول الأول: فشعوب القي وين -ويقصدون بهم غير اليهود- قد رنحتها الخمرة، وشبابهم قد استولت عليهم البلادة من نتيجة ذلك، وقد ازدادوا إغراءً بأوضاعهم هذه على يد المهيئين من جهتنا خاصة للدفع بهم في هذا الاتجاه، ففي الزمن الماضي كنا نحن أول من نادى في جماهير الشعب بكلمات الحرية والعدالة والمساواة، وهي كلمات لم تزل تردد إلى اليوم، ويرددها من هم بالببغاوات أشبه، ينقضون على طعم الشرك من كل جو وسماء، فأفسدوا على العالم رفاهيته، كما أفسدوا على الفرد حريته الحقيقية.\rثم يقول: وفي جميع جنبات الدنيا كان من شأن كلمات (حرية، عدالة، مساواة) أن اجتذبت إلى صفوفنا على يد دعاتنا وعملائنا المسخرين من لا يحصيهم عد من الذين رفعوا راياتنا بالهتاف، وكانت هذه الكلمات دائماً هي السوس الذي ينخر في رفاهية القي وين، ويبتلع الأمن والراحة من ربوعهم، ويذهب بالهدوء ويسلبهم روح التضامن.\rويقولون في البروتوكول العاشر: وإننا بإشرابنا الجمهور كله نزعة الاعتداد بالنفس، وتلقيحهم بهذا اللقاح نكون قد فككنا رابطة الأسرة وأذبنا ما لها من قيم ثقافية.\rويقولون في البروتوكول السابع عشر: وقد سبق لنا فيما مضى من الوقت أن بذلنا جهوداً لإسقاط هيبة رجال الدين عند القي وين، وقصدنا بذلك أن نفسد عليهم رسالتهم في الأرض، وهي الرسالة التي يحتمل أنها لا تزال بنفوذها عقبة كئوداً في طريقنا، ولا نرى هذا النفوذ في الوقت الحاضر إلا في تناقص يوماً بعد يوم.\rويعنون به نفوذ رجال الدين المسيحيين، وهو ينطبق أيضاً على أهل الشريعة من المسلمين.\rأيها الأخ في الله! أما وسائل اليهود العملية التي طبقوا فيها ما سبق في قضايا الإباحة والانحلال فارجع إلى نماذج منها، في كتاب (جذور البلاء) لـ عبد الله التل فصل (طرق التدمير في المجتمعات غير اليهودية).\rوما نظريات ماركس وفرويد ودارون وغيرهم من اليهود إلا جزء من المسيرة اليهودية لتدمير الأمم والشعوب من غير اليهود.\rأيها الأخ في الله! هذه ملامح ووقفات حول مؤتمر المرأة العالمي، فكيف سيكون موقفنا وموقف المسلمين جميعا، إنها مسألة كبرى في حياة الأمم جميعاً ومنها حياة المسلمين، فما هو الطريق الذي يسلكونه للوقوف أمام هذا الغزو، أمام هذا الغزو اليهودي والصليبي المكشوف على أمة الإسلام بعقيدتها وأخلاقها وآدابها؟ الجواب معروف لدينا.\rاللهم! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك الموحدين في كل مكان، اللهم! انصر عبادك الموحدين المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم! انصر من نصر الدين، اللهم! انصر من نصر الدين، اللهم! أذل الشرك والمشركين والكفر والكافرين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، اللهم!! أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره يا رب العالمين.\rاللهم! إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم! إنا نسألك أن تصلح شباب المسلمين، اللهم! وفق أمة الإسلام إلى الوقوف في وجه مؤامرات أعدائها، اللهم! رد المسلمين إليك رداً جميلا، اللهم! إنا نسألك أن تصلح أولادنا ونساءنا وجميع المسلمين، ربنا! اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.\rاللهم! صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534346,"book_id":2827,"shamela_page_id":135,"part":"6","page_num":1,"sequence_num":135,"body":"المحبة في الله\rموضوع الحب في الله والبغض في الله من المواضيع المهمة جداً، فهما أوثق عرى الإيمان، وهذان الأصلان مرتبطان ببعضهما، بحيث لا يتحقق واحد منهما إلا بالآخر، والمحبة في الله لها لوازم وأسس وعلامات لابد من توافرها فيها، وإلا كانت هذه المحبة مجرد دعوى لا حقيقة لها، فكان لزاماً على المسلم أن يعلم حقيقة هذه المحبة، وأن يترجمها إلى واقع عملي؛ حتى يكون من أهلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534347,"book_id":2827,"shamela_page_id":136,"part":"6","page_num":2,"sequence_num":136,"body":"مقدمة عن أهمية المحبة في الله ﷿\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فحديثنا هذه الليلة إن شاء الله تعالى عن المحبة في الله أو الحب في الله، وهذا الموضوع أيها الإخوة! مهم جداً، وتكمن أهميته من خلال الأمرين التاليين: الأول: حاجة المؤمنين جميعاً إليه في كل وقت وفي كل آن، فكل مؤمن محتاج إلى إخوانه المؤمنين، فإذا تحققت المحبة بينهم والألفة تحولت حياتهم بعون الله وتوفيقه إلى حياة إخاء ومودة، ومن ثم إلى حياة إنتاج وعمل بما يرضي الله ﵎، وكل إنسان يشعر بهذه الحاجة الماسة في نفسه، ومن تأمل حياة كل واحد منا وجد أنه لا يستطيع أن يعيش إلا بحب وبغض، ولن تستقيم حياته إلا بأن يكون حبه في الله وبغضه في الله، أعني الاستقامة الصحيحة التي تثمر في الدنيا وفي الآخرة يوم الوقوف بين يدي الله ﵎.\rالثاني من أسباب أهمية هذا الموضوع: الخلل الواقع في هذا الباب في زمننا هذا، فإن مما يلاحظ أن كثيراً من الناس في هذه الأيام اختلط عليهم ميزان الحب في الله والبغض فيه، وهذا الاختلاط نشأ بالنسبة لهم لأسباب عديدة، لكنه أدى إلى ثمرتين غير حميدتين: إحداهما: اختلال هذا الميزان بين المؤمنين، فأصبحت محبة الناس وموالاتهم ليست في الله وإنما في الدنيا ولأسباب الدنيا.\rالثانية: اختلال الموازين فيما بينهم وبين أعداء الله ﵎، فأصبح بعض الناس ربما يعادي المؤمنين ويوالي أعداء الله ﵎، وهذا الخلل في هذه الموازين الواقع في زمننا المتأخر مما يحتاج إلى معالجة قوية تربوية يقوم بها الجميع، بدءاً من الإنسان نفسه فيما بينه وبين ربه، إلى أسرته، إلى جماعات المساجد أو العمل أو غير ذالك، إلى المؤمنين جميعاً؛ ليقوم كل بدوره في رأب هذا الخلل الذي وقع فيه كثير من الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534348,"book_id":2827,"shamela_page_id":137,"part":"6","page_num":3,"sequence_num":137,"body":"حقيقة المحبة في الله والفرق بينها وبين الحب مع الله\rهذا الموضوع كما سبق سيكون طرحنا له إن شاء الله تعالى من خلال قسمين اثنين كبيرين، وذلك لأهميته: أحدهما: مقدمات وقواعد لبيان علاقة هذا الموضوع بالمحبة في الله، والفرق بين الحب في الله والحب مع الله، فإن هذه المسائل مما تختلط فيها الفهوم أحياناً.\rالقسم الثاني: الكلام عن المحبة في الله وأهميتها وآثارها وأسبابها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534349,"book_id":2827,"shamela_page_id":138,"part":"6","page_num":4,"sequence_num":138,"body":"تعريف المحبة\rإن تعريف المحبة لمن أراد أن يعرفها ليس له أدق من تعريف المحبة ذاته، قال العلماء: إن هناك بعض الأمور التي صارت واضحة عند الناس، بحيث إنك لو عرفتها بأي تعريف لا يدل عليها كما تدل عليها نفس اللفظة، مثل تعريف العلم، فلو قيل لك: عرف العلم، فسيقول قائل: العلم ضد الجهل، العلم معرفة الشيء على ما هو عليه، إلى غير ذلك من التعريفات، ولكن في النهاية ينتهي الإنسان إلى أن أحسن تعريف للعلم: هو العلم، وكذلك أيضاً بالنسبة للمحبة، فمهما عرفناها بميل القلب طبعاً أو إرادة، أو بغير ذلك من التعريفات، فليس هناك أدق من تعريفها بالمحبة؛ لأن هذا المعنى قد سرى في الناس وعلموه وعرفوه لغة وطبعاً في نفوسهم وقلوبهم، فأصبح مما لا يحتاج إلى تعريف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534350,"book_id":2827,"shamela_page_id":139,"part":"6","page_num":5,"sequence_num":139,"body":"الفرق بين محبة الله ومحبة غيره\rنقول بعد الكلام عن تعريف المحبة: إن هذا الموضوع كثيراً ما يختلط الأمر فيه على بعض الناس، فالمحبة من أسس العبادة التي يجب صرفها لله تعالى، والرسول ﷺ يجب تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، وحب المؤمنين في الله وبغض الكافرين في الله من أوثق عرى الإيمان, والواجب أيضاً على الجميع أن يحبوا الطاعات التي أمر الله بها، وأن يبغضوا المعاصي الذي نهى الله ﵎ عنها.\rفما الفرق بين هذه الأنواع؟ وكيف تكون العلاقة فيما بينها؟ إن ذلك يتبين من خلال الحديث عن القضايا التالية: أولاً: ينبغي أن يعلم الجميع أن محبة الله تعالى هي الأساس التي تقوم عليها العبادة، وذلك مع الخوف والرجاء وبقية أنواع العبادة، وتحقيق لا إله إلا الله لا يتم إلا مع كمال الحب لله وكمال الذل له تعالى، ثم ينتج عن ذلك كمال الطاعة له ﵎.\rوحقيقة الحنيفية التي هي ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن تخلص حبك لله تعالى بكل قلبك وقصدك، وأن توحد محبوبك في هذا الحب، بحيث لا يبقى في قلبك بقية حب إلا وتبذلها فيه، وإذا تم هذا الأمر تم الأمر الثاني من مقتضيات تحقيق التوحيد والملة الحنيفية، ألا وهو الكفر بالطاغوت والبراءة منه.\rولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان: وإذا لم يكن الله وحده غاية مراد العبد ونهاية مقصوده، وهو المحبوب المراد له بالذات والقصد الأول، وكل ما سواه فإنما يحبه ويريده ويطلبه تبعاً لأجله، لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله، وكان فيه من النقص والعيب والشرك بقدره.\rوهذا أمر واضح وهي علاقة المحبة بكمال الذل والطاعة، وستأتي الإشارة إليها إن شاء الله تعالى، لكن كلما عظمت محبتك لربك وإخلاصك لتلك المحبة له تعالى؛ تبين هذا بعظيم ذُلّك لربك ﵎ وطاعتك له وامتثالك لأوامره واجتنابك لنواهيه.\rثم ينبغي أن يعلم أيضاً أن محبة الرب تختص وتتميز عن غيرها في قدرها وصفتها وإفراده تعالى بها، وليس هناك شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، الذي لا تصلح الألوهية والعبودية والذل والخضوع والمحبة التامة إلا له ﷾، قال الله ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، والإله هو المألوه المحبوب المعبود.\rثم ينبغي أن يعلم أيضاً أن الإنسان له قلب واحد، كما قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]، فإذا امتلأ هذا القلب بحب الله تعالى وإرادته وحده، لم يبق فيه مكان لحب من سواه، قال الله ﵎: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وكلما تمكن هذا الحب في قلب المؤمن لربه تعالى خرج منه الحب والتأله لما سواه، وهذا أيضاً أمر مشاهد، فإن من تعلق قلبه بغير الله وصار محباً له عابداً له مطيعاً له؛ لا يمكن أن يكون في قلبه حب لله ﵎ ولا طاعة، وكلما نقص هذا نقص من ذاك، والأمر واضح والحمد لله تعالى، لكن ينبغي أن يعلم الجميع أن مسألة كون القلب واحداً، فإنه لا يمكن أن يكون فيه ما يملأ اثنين، وإنما يكون بالنسبة لعبادة الله وحده لا شريك له، وما تقتضيه هذه العبادة من المحبة الخالصة له وكمال الطاعة، فكل من يحب أو يطيع غير الله ﵎ فإنما تكون محبته وطاعته لأمر آخر كما سيأتي بعد قليل، ومن ثم فإن أكبر ما يميز الفرق بين حب الله وحب غيره، وبين منزلة إفراد المحبة لله تعالى وكونها من أكبر وأعظم قواعد الدين: هو التفريق بين الحب في الله والحب مع الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534351,"book_id":2827,"shamela_page_id":140,"part":"6","page_num":6,"sequence_num":140,"body":"الفرق بين الحب في الله والحب مع الله\rننتقل إلى الفقرة الثانية: وهي الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وهذه قاعدة مهمة لابد من إدراكها وفهمها؛ حتى نميز هذه القضايا التي نتحدث عنها.\rفالحب في الله هو كمال الإيمان، والحب مع الله هو عين الشرك، والفرق بينهما كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب (الروح): إن الحب في الله تابع لمحبة الله، فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة أن يحب ما يحبه الله، فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه، كما يحب رسله وأنبياءه وملائكته وأولياءه لكونه تعالى يحبهم، ويبغض من يبغضهم لكونه تعالى يبغضهم، وعلامة هذا الحب والبغض في الله ألا ينقلب بغضه لبغيض الله حباً؛ لإحسانه إليه وخدمته له وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضاً إذا وصل إليه من جهته ما يكرهه ويؤلمه، إما خطأ وإما عمداً، مطيعاً لله فيه، أو متأولاً، أو مجتهداً، أو باغياً نازعاً تائباً.\rوهذا الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى مهم جداً، فإن بعض الناس قد يكون عنده حب في الله، لكن سرعان ما ينتكس هذا الحب في الله إذا وجد ممن يحبه ما يكرهه، وأحياناً يكون ذلك لأمر شرعي، مثل أن يأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر أو نحو ذلك، وكذلك أيضاًً العكس؛ فإن بعض الناس قد يبغض في الله لكن سرعان ما ينتهي هذا البغض إذا أحسن إليه ذلك المبغض، وهذا هو أساس مشكلة الحب في الله والبغض فيه في زماننا الحاضر، فإن انتكاس الموازين في هذه المسألة إنما ينشأ من الإحسان أو أنواع من العداوة الدنيوية.\rفالكافر إذا أحسن إلى بعض الناس ربما انتقل بغضه له وكرهه له إلى محبة، وكذلك أيضاً المؤمن الصادق إذا بدرت منه لأخيه بادرة يكرهها فلربما انتقل في حبه إلى بغض، وهكذا تنتكس الموازين في هذه المسألة العقدية العظيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله.\rثم ينبغي أن نعلم جميعاً ونحن نفرق بين الحب في الله والحب مع الله، أن الحب في الله تابع لحب الله، فالإنسان يحب الرسول ﷺ، ويحب المؤمنين، ويحب الطاعات؛ لأن الله ﵎ يحب هذه الأشياء جميعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534352,"book_id":2827,"shamela_page_id":141,"part":"6","page_num":7,"sequence_num":141,"body":"أنواع الحب مع الله\rأما الحب مع الله فينبغي أن يعلم أنه نوعان كما يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534353,"book_id":2827,"shamela_page_id":142,"part":"6","page_num":8,"sequence_num":142,"body":"النوع الأول: محبة الأنداد مع الله\rالنوع الأول: محبة الأنداد مع الله، وهذا نوع يقدح في أصل التوحيد، وهو شرك، وهذا كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم مع الله كما يحبون الله، فهذه محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء، وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم، وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه، كما نعلم ذلك جميعاً: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فكل رسول إنما بعث بالإيمان بالله، وبالكفر بالطواغيت وبغضها ومعاداتها ومحاربتها ومحاربة أهلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534354,"book_id":2827,"shamela_page_id":143,"part":"6","page_num":9,"sequence_num":143,"body":"النوع الثاني: محبة النساء والبنيين والذهب وغير ذلك\rالنوع الثاني: محبة النساء والنبيين وغير ذلك، وهذا نوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله، ولا يخرج من الإسلام، وذلك مثل محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل والمسومة والأنعام والحرث، فيحبها الإنسان محبة شهوة، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء ونحو ذلك.\rأيها الإخوة! حتى نفرق بين الحب في الله وبين المحبة مع الله في هذا النوع الثاني فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يحبها لله، أي: أن يحب المال والنساء ونحو ذلك لله، توصلاً بها إليه، واستعانة على مرضاته وطاعته، فهذه يثاب عليها، وهي من قسم الحب لله، ولذا يثاب عليها ويلتذ بالتمتع بها، وهذه حال أكمل الخلق الذي حبب الله إليه من الدنيا النساء والطيب وهو رسول الله ﷺ، كما ذكر ذلك في الحديث الصحيح، وكانت محبته لها عوناً له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره، وهذا يدخل فيه ما يشبهه، مثل: محبة النكاح لمن أراد العفاف، ومثل أن يأكل الإنسان الأكلة يتقوى بها على طاعة الله، ومثل أن ينام النومة ليستعين بها على الصلاة وعلى عبادة الله في الليل، وغير ذلك من الأمور، فتتحول هذه الأمور المحببة إلى النفس إلى نوع عبادة وطاعة؛ لأنها تؤدي إلى ما يحبه الله ﵎ ويرضاه.\rالقسم الثاني: أن يحب هذه الأمور لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولكنه لم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم النيل الطبيعي، فهذه تكون من قسم المباحات ولا يعاقب عليها، ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه بمقدار ما يغلو في هذه الأمور، أي: أنه إذا زاد فيها عن الأمر المعتاد فلربما ينقص حبه لله أو محبته في الله بقدر غلوه وزيادته في تلك الأمور، وهذا أمر مشاهد، فإن من تعلق بالدنيا أو تعلق بالنساء فلابد أن ينقص من محبته لله والمحبة في الله بمقدار ما زاد من ذلك التعلق.\rالقسم الثالث: أن تكون هذه الأمور التي ذكرناها آنفاً هي مقصوده ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها، وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه، ففي هذه الحالة تكون له حالتان: الحالة الأولى: أن يقدمها على ما يحبه الله في أصول الدين وأصول العبادة، مثل أن يقدم المال على عبادة الله، أو يقدم محبته للنساء على عبادته لله ﵎ مثل الصلاة ونحوها، فهذه قد تذهب بأصل دينه.\rالثانية: أن يقدمها بحيث تؤثر على عباداته لله، لكن لا يقدمها بالكلية، مثل أن تشغله دنياه عن المحافظة على الصلاة في أوقاتها أو نحو ذلك من العبادات، ففي هذه الحالة يتحول صاحبها إلى أن يكون ظالماً لنفسه مقصراً عاصياً، ولكنها لا تخرجه عن دائرة الإيمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534355,"book_id":2827,"shamela_page_id":144,"part":"6","page_num":10,"sequence_num":144,"body":"مستلزمات المحبة في الله\rإن المحبة في الله تستلزم ثلاثة أمور: أولها: محبة الله ﵎، وهذه قضية قد لا ينتبه لها البعض، فإن بين المحبة في الله والمحبة لله تلازماً، فمن أحب في الله فلابد أن يكون قبل ذلك محباً لله ﵎ وإلا كانت محبته في الله كاذبة.\rالثاني: المحبة في الله ولله ﵎.\rالثالث: محبة ما يعين على طاعة الله تعالى، ومحبة الله ومحبة ما يحبه الله من الطاعات والأولياء من المرسلين والمؤمنين.\rهذه الأمور كلها متلازمة، فإن من أحب الله تعالى أحب أحباءه ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم، وقد اجتمعت هذه الأمور في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره يقول الرسول الله ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)، وتأملوا التلازم بين هذه الأمور: محبة الله ورسوله، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ثم أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار، ولما كان الأمر كذلك كان أعظم ما تجب محبته في الله هم الأنبياء والرسل، وأعظم الرسل بالنسبة لنا ممن تجب محبته نبينا محمد ﷺ، ثم يأتي بعد ذلك بقية الأنبياء والرسل والمؤمنين جميعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534356,"book_id":2827,"shamela_page_id":145,"part":"6","page_num":11,"sequence_num":145,"body":"أسس الحب في الله وما يتعلق بها\rننتقل بعد هذه المقدمات والقواعد إلى بيان ما يتعلق بالحب في الله أو المحبة في الله، فنقول: أولاً: ينبغي أن نعلم أن المحبة في الله تشمل أساسين كبيرين: أحدهما: محبته ﷺ.\rوالثاني: محبة المؤمنين جميعاً، ويتعلق ويرتبط بذلك محبة ما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ، وهذه القضية أيها الإخوة! لابد من بيانها وذلك من خلال ما يلي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534357,"book_id":2827,"shamela_page_id":146,"part":"6","page_num":12,"sequence_num":146,"body":"الأساس الأول: محبة الرسول ﷺ ولوازمها\rمحبة الرسول ﷺ هي من أعظم أنواع المحبة في الله، وقد فرض الله على العباد جميعاً محبته ﷺ وطاعته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال رسول الله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، فمحبة الرسول ﷺ تابعة لمحبة الله؛ لأن النبي ﷺ هو رسول الله، وله من الحقوق والواجبات ما هي معلومة لدينا جميعاً، ولأن محبته ﷺ متميزة عن محبة بقية المؤمنين؛ ومن ثم وجب تقديم هذه المحبة على النفس وعلى الولد والوالد وعلى الناس أجمعين.\rومحبة الرسول ﷺ لها علامات ولها لوازم أشير هنا إشارات مجملة إلى بعضها فأقول: أولها: أعظم علاماتها ولوازمها طاعة الرسول ﷺ، وتقديم طاعته على طاعة غيره.\rثانيها: وجوب توقيره واحترامه ﵌.\rثالثها: محبته ﷺ محبة تقتضي حبه، وحب سنته، وحب سيرته، وحب أن يكون المؤمن ممن يحشر معه يوم القيامة، وأن يكون ممن يشرب من حوضه، وأن يكون معه ﷺ في الجنة.\rولمحبة الرسول الله ﷺ مقتضيات ولوازم كثيرة أعرضت عنها؛ لأن حديثنا هو عن الحب في الله وهو أشمل من ذلك، وقد أُلفت في ذلك كتب تبين مقتضيات محبة الرسول ﵌.\rوكذلك أشير هنا إشارة إلى أن محبة الرسول ﷺ لها آثار قلبية وعملية في حياة الإنسان، ونقص هذه المحبة تظهر آثاره وعلاماته من خلال أعمال قلب العبد، ومن خلال أعمال جوارحه في الحياة، وتأملوا جميعاً حياة الناس اليوم: هل محبة الرسول ﵌ هي في قلوب الناس كما ينبغي وكما أوجب الله ﵎ وبين الرسول ﵌؟ أقول: إن المتأمل في حال كثير من الناس اليوم يجد نقصاً شديداً في هذه المحبة للرسول ﷺ، فكم من الناس من يقدم طاعة غيره على طاعته؟! وكم من الناس من يهتم بغيره من الناس، وقد يكون هذا الذي يهتم به من الكفار أو المشركين أو أهل البدع أو أهل الفجور أو غيرهم، ومع ذلك يهتم بهم أكثر مما يهتم برسول الله ﷺ وسيرته وآدابه ونحو ذلك؟! وكم من الناس من إذا عرض عليه الأمر أو الخبر أو النهي من رسول الله ﷺ حاكمه إلى عقله كما يحاكم كلام البشر، ولا يسلم الأمر لله ولا لرسوله ﷺ! والله ﵎ يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ومن لم يستكمل محبة رسول الله ﷺ كما ينبغي فلابد أن يؤثر ذلك على محبته للمؤمنين جميعاً، وهذه أيها الإخوة! قاعدة مهمة تأملوها في حياتكم وفي حياة الناس جميعاً، كلما كملت المحبة لله وكملت المحبة للرسول ﷺ بلوازمها وعلاماتها؛ فلابد أن يظهر أثر ذلك على محبة المؤمنين في الله ﵎، وكلما نقصت تلك نقصت محبة المؤمنين في الله منها بقدر ذلك النقص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534358,"book_id":2827,"shamela_page_id":147,"part":"6","page_num":13,"sequence_num":147,"body":"الأساس الثاني: محبة المؤمنين في الله وآثارها ومميزاتها\rإن محبة المؤمنين في الله تعالى من أصول الإيمان؛ بل هي من أوثق عرى الإيمان، ومن ثم فإننا سنعرض لها من خلال ما يميزها وآثارها، فأعظم ما يميز هذا الحب في الله وأعظم آثاره ما يلي: أولاً: أن الحب في الله باق إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، أيها الإخوة! تأملوا هذه الآية كيف تبين الحال يوم القيامة، حيث تبقى محبة المؤمنين فيما بينهم، وتنقلب المحبة في غير الله إلى عداوة في تلك المواقف العظيمة، والله لو تأملناها حق التأمل لراجعنا أنفسنا في هذا الباب، لراجع كل واحد منا علاقاته بالناس وحبه وبغضه؛ لينقل ذلك إلى الميزان الشرعي، حتى تكون محبته ومخاللته وصداقته وأُخوته في الله ﵎، حتى تبقى تلك الخلة والمحبة يوم يقف الجميع بين يدي الله تعالى؛ ولهذا فإن النبي ﷺ لما تحدث عن يوم القيامة، وذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر منهم: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه).\rوتأملوا كيف يكون حال رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه يوم القيامة؟! يجتمعان هنالك في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، في ذلك اليوم العصيب الذي تدنو فيه الشمس من العباد ويشتد الكرب والهول، هناك يجتمع المتحابون في الله تعالى ليظلهم الله في ظله الظليل.\rوروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) رواه مسلم، تأملوا هذا الحديث -أيها الإخوة! - حين ينادي الله ﷾ عباده المؤمنين بهذه الصفة: (أين المتحابون بجلالي؟)، أين المتحابون في الله الذين جمعت بينهم أخوة الإيمان وطاعة الرحمن؟ فهؤلاء يوم القيامة تكون لهم هذه المنزلة العظيمة.\rولذا قال ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وقال عنه: حديث حسن صحيح: (قال الله تعالى: المتحابون بجلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء)، فكفى بهذه المحبة في الله عظمة أن تكون محبة باقية إلى يوم القيامة، وأن يكون للمتحابين في الله تلك المنابر الكبرى يوم القيامة.\rأسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من المتحابين في الله.\rثانياً: بهذه المحبة توجد حلاوة الإيمان، وحلاوة الإيمان مسألة قلبية إيمانية، يجد لذتها المتحابون في الله، لا لشيء آخر من دنيا ولا غيرها، ويجدون فيها من الراحة وطمأنينة النفس والقلب ما لا يجده الإنسان لا بدنيا ولا بمتعة ولا بغيرهما.\rعن أنس ﵁ أن النبي ﵌ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار)، إذاً: محبة المرء لله لا يحبه إلا لله يجد فيها الإنسان حلاوة الإيمان.\rثالثاً: الحب في الله من مكملات الإيمان، وتكملة الإيمان وزيادته مما ينبغي أن يحرص عليه العبد المؤمن دائماً، فعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان)، والحديث رواه أبو داود.\rواستكمال الإيمان يكون بأمور كثيرة، لكن من أعظم ما يستكمل به الإيمان: الحب في الله والبغض في الله.\rرابعاً: الحب في الله يرفع العبد إلى أن يكون مع من أحبه، وإن كانوا أعلى منه درجة يوم القيامة، وهذه فائدة فرح بها أصحاب رسول الله ﵌؛ لأنهم كانوا يحبون رسول الله ﷺ، لكنهم كانوا يخافون من تفاوت المنازل في الجنة، بأن تكون منزلة الرسول ﷺ أعلى من منازلهم -وهي أعلى بلا شك- فلا يكونون مع رسول الله ﷺ ولا يلتقون به، ولذا روى ابن مسعود ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحب قوماً ولما يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ: المرء مع من أحب)، ففرح الصحابة ﵃ بذلك فرحاً شديداً؛ لأنهم كانوا يحبون رسول الله ﷺ، ويحبون أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، فرح الصحابة شديداً؛ لأنهم سيكونون مع رسول الله ومع صحبه الكرام.\rونحن نسأل الله ﵎ أن يرزقنا حب رسول الله ﷺ، وحب صحبه الكرام، وأن يجعلنا معهم في الجنة، كما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ حين قال: (المرء مع من أحب)، في هذا الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534359,"book_id":2827,"shamela_page_id":148,"part":"6","page_num":14,"sequence_num":148,"body":"علامات المحبة في الله ومظاهرها\rإن تتبع معالم الأخوة في الله بين المؤمنين وشروطها وموافقاتها مما تكاثرت فيه الأدلة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله ﵌، وأنا هنا إنما أشير إلى بعض هذه العلامات والمظاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534360,"book_id":2827,"shamela_page_id":149,"part":"6","page_num":15,"sequence_num":149,"body":"العلامة الأولى: التواد والتراحم والتعاطف بين المؤمنين\rإن أبرز مظهر وعلامة لذلك ما قاله الرسول ﷺ واصفاً المؤمنين: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وهذه علامة دائمة عظيمة تدل كيف يكون المؤمنون جميعاً في محبتهم، يكونون كما مثل لنا رسول الله ﷺ كالجسد الواحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534361,"book_id":2827,"shamela_page_id":150,"part":"6","page_num":16,"sequence_num":150,"body":"العلامة الثانية: البعد عن ظلم المؤمنين وخذلانهم وحسدهم\rإن البعد عن ظلمهم وخذلانهم وحسدهم من علامات الحب في الله، وقد يقول قائل: إن هذه أمور عكسية، فنقول: نعم، إذا وجدت المحبة في الله أدت إلى أن الإنسان لا يحسد أخاه ولا يظلمه ولا يخذله، ومن ثم نهى رسول الله ﵌ عن هذه الصفات الذميمة في الأحاديث الصحيحة، كقوله: (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا)، وقال ﷺ في الحديث: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، ولهذا فمن وقع في شيء من هذه الأمور بالنسبة لإخوانه المؤمنين كيف يقال: إنه محب لهم؟! لو كان محباً لهم لتمنى لهم ما يتمناه لنفسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534362,"book_id":2827,"shamela_page_id":151,"part":"6","page_num":17,"sequence_num":151,"body":"العلامة الثالثة: العفو عن زلات الأخ المؤمن\rإن العفو عن الأخ المؤمن وسد خلله ونقصه من علامات المحبة في الله، ولذا قال علي ﵁: (لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ صديقه في غيبته وبعد وفاته).\rوقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: من صدق في أخوة أخيه قبل علله، وسد خلله، وعفا عن زلله.\rوهذه يا أيها الإخوة! علامة مهمة جداً من علامات الحب في الله؛ لأن الإنسان إذا أحب أخاه في الله أحب له كل خير، ومن الخير أن تعفو عنه وتصفح عنه، ومن الخير أن تكمل النقص إذا وقع في خلل ونحوه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534363,"book_id":2827,"shamela_page_id":152,"part":"6","page_num":18,"sequence_num":152,"body":"العلامة الرابعة: الرفق بالمؤمنين\rإن الرفق بالمؤمنين وخاصة من ولاك الله أمرهم في أمر من الأمور من علامات المحبة في الله؛ لأن بعض الناس ربما يختل عنده الميزان، فإذا كان في غير موقع المسئولية فإنه قد يحقق الأخوة ويكون طيباً خلوقاً محباً للخير، لكن إذا كان في موقع المسئولية نسي هذا الأصل العظيم، وتحول إلى إنسان شديد يتعامل معهم أحياناً بنوع من القسوة والشدة والبغض، وهذا مما ينبغي أن ينتبه له الإنسان الذي يتولى أية مسئولية مهما كبرت أو صغرت، فليتأمل هذا الباب، فإن رسولنا ﷺ وهو واجب الطاعة كان من أرفق الناس بالمؤمنين، وسنته وسيرته ﷺ شاهدة بذلك، وكذلك كان أصحابه من بعده، انظروا إلى تاريخ أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وكيف كان رفقه ورحمته بالمؤمنين جميعاً في أيام خلافته ﵁.\rوانظروا إلى سيرة عمر بن الخطاب، وانظروا إلى سير الصحابة ﵃ وأرضاهم جميعاً كيف كان الواحد منهم يرفق بالمؤمنين ويرحمهم.\rوهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، لما سأل في يوم من الأيام عن أحوال أحد الجيوش وقد رجع من الجهاد، فأخبروه أنه والحمد لله لم يقع في المؤمنين قتل، قال: هل مات أحد منهم؟ قالوا: لا، سوى رجل عثرت به دابته في الثلج فمات، فأمر عمر ﵁ وأرضاه قواد جيوشه ألا يذهبوا بالجيوش في أماكن الثلج وقت الشتاء رحمة بالمؤمنين.\rمع أن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، لكن انظر كيف تكون المحبة والرأفة بالمؤمنين! وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رأى صديقه هارون بن عبد الله الحمال في يوم من الأيام يحدث الناس وهو في الظل وهم في الشمس، فلما رآه أتى عليه في الليل وقرع عليه بابه، فلما خرج عليه قال له: ما الذي جاء بك يا أبا عبد الله؟ قال له: لقد مررت عليك وأنت تحدث الناس في الفيء وهم في الشمس، فلا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد معهم.\rفإذا كان هذا في حال من يعلم الناس ويربيهم ويروي لهم أحاديث رسول الله ﷺ، فكيف بحال غيره أيها الإخوة في الله؟! إن الإنسان ينبغي له أن يتذكر دائماً هذا الأمر العظيم، وهو أن يكون رفيقاً بالمؤمنين، وخاصة حينما يتولى مسئولية صغرت أو كبرت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534364,"book_id":2827,"shamela_page_id":153,"part":"6","page_num":19,"sequence_num":153,"body":"العلامة الخامسة: التزاور في الله\rإن التزاور في الله لا لشيء من عرض الدنيا من علامات المحبة في الله، ومعلومة قصة الذي زار أخاً له في الله فأرصد الله في طريقه ملكاً وسأله، فأخبره أن الله ﷾ قد غفر له؛ لأنه ما ذهب وسافر إلا ليزور أخاه في الله لا لغيرها.\rوالنبي ﷺ نهى عن التقاطع وعن التهاجر بغير سبب، وينبغي أن نعلم أن التزاور في الله له علامات، من أهمها: أن يكون هذا التزاور مؤدياً إلى التعاون على البر والتقوى، وأسباب النجاة، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وعمل الصالحات.\rأما إذا كان التزاور لمؤانسة الطباع وشغل الأوقات ونحو ذلك، فقد لا يكون هذا التزاور تزاوراً في الله، فينبغي أن يلاحظ ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534365,"book_id":2827,"shamela_page_id":154,"part":"6","page_num":20,"sequence_num":154,"body":"العلامة السادسة: التنفيس عن كربات المسلمين\rإن من علامات المحبة في الله التنفيس عن كربات المسلمين، وقد قال ﵌ في الحديث المشهور: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، واسمعوا لهذا الحديث الصحيح الذي يقول فيه رسول الله ﵌: (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله ﷿ سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً -يعني: مسجده ﷺ ومن كف غضبه ستره الله، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل).\rوقصص السلف رحمهم الله تعالى في إيثارهم لإخوانهم وكشف كرباتهم معروفة مشهورة، فكم تقاسموا الأموال! وكم جرى بينهم ما جرى من الإيثار! وكل ذلك من تحقيق المحبة في الله رجاء لما عند الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534366,"book_id":2827,"shamela_page_id":155,"part":"6","page_num":21,"sequence_num":155,"body":"العلامة السابعة: الحرص على نصح المسلمين\rإن الحرص على نصح المسلمين من علامات المحبة في الله، ولذا يقول جرير بن عبد الله ﵁: (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)، والحديث في الصحيحين، وحديث تميم الداري الذي رواه مسلم: (الدين النصيحة.\rقلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)، فالنصح لعامة المؤمنين هو من هذا الباب.\rومن أعظم آفات الأخوة في الله وأعظم دليل على ضعف الحب في الله: ألا ينصح الأخ أخاه في معصية أو تقصير ونحوه، إما خجلاً منه، أو حذراً من أن يكدر عليه، أو خوفاً من أن يغضب عليه ويبغضه إذا نصح، وكان السلف رحمهم الله تعالى يقولون: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا.\rإذاً: من العلامات الكبرى للحب في الله أن تحرص على أن تنصح أخاك، وألا تتساهل في هذا الأمر؛ لأن نصحك له في الدنيا بأسلوب طيب جداً له أثره العظيم فيما بينك وبينه، لا في العمل الصالح وإقلاعه عن خطئه ونحو ذلك فحسب، وإنما في المحبة بينكم، فكم من أخوين في الله ازدادت محبتهما في الله؛ لأن كل واحد منهما إذا رأى من أخيه خللاً أو تقصيراً أو عيباً نصحه، وبين له بأسلوب يدل على مدى الحب بينهما، فلنحرص أيها الإخوة في الله! على هذه الصفة، فإنها علامة من علامات الأخوة في الله والمحبة بين المؤمنين، أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم منهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534367,"book_id":2827,"shamela_page_id":156,"part":"6","page_num":22,"sequence_num":156,"body":"العلامة الثامنة: محبة من أسدى المعروف والنصح\rإن هذه العلامة يا أيها الإخوة! مما ينبغي أن ننتبه لها جميعاً وخاصة طلبة العلم، فإن الإنسان ينبغي له أن يخص من أسدى إليه نصحاً أو أفاده علماً أو توجيهاً أو غير ذلك بنوع محبة صادقة، والذي يحدث أحياناً أن يكون هناك نوع من التدابر أو التباغض؛ بسبب الحسد الذي يوقعه الشيطان بين طلبة العلم، بل أحياناً بين التلميذ والأستاذ، وهذا مما ينبغي أن يراعيه الجميع، فالأستاذ والمعلم ينبغي أن يحب تلاميذه، وإذا ما تفوق تلميذ من تلاميذه فعليه أن يفرح بذلك وألا يغضب؛ لأن له من الأجر مثل ذلك؛ لأن النبي ﵌ قال: (من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه)، فإذا ما علم الأستاذ أن التلميذ هو حسنة من حسناته، وأن له بكل عمل يعمله هذا الإنسان أجراً عند الله ﷾، فإنه والحالة هذه لا يغضب، ولا يأتيه الشيطان ليكدر حاله، وإذا ما تفوق تلميذه فرح له كما يفرح الأب بتفوق ابنه عليه، وكذلك أيضاً بالنسبة للتلميذ مع أستاذه، فالواجب عليه أن يعلم أن أستاذه له فضل عليه، حتى لو لم يفده إلا بكلمة واحدة أو بفائدة واحدة فينبغي أن يحبه من أجل ذلك، وينبغي أن تجمع بين العالم وبين تلاميذه أخوة الإيمان والمحبة في الله رجاء ما عند الله ﷾.\rوسوف أضرب مثالاً مما يقع بين الأستاذ والتلميذ من الاحترام والتقدير من سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى: يقول أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة قال: وصلت الفسطاط -والفسطاط مدينة بمصر- فجئت مجلس أبي الفضل الجوزي، فكان مما قاله هذا العالم في درسه: إن النبي ﷺ طلق وظاهر وآلى -أي: من نسائه-.\rقال: فلما خرج اتبعته حتى بلغ منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز وعرفهم غيري؛ فإنه رأى شارة الغربة، فلما انفض عنه أكثرهم قال لي: أراك غريباً هل لك من كلام؟ قلت: نعم، قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه، فقاموا، فقلت له: حضرت المجلس وسمعتك تقول: آلى رسول الله ﷺ، وصدقت، وتقول: وطلق، وصدقت، وتقول: وظاهر من نسائه، ولم يكن ذلك ممكناً، ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكر من القول وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النبي ﷺ.\rيعني: أن الرسول ﷺ ما ظاهر من نسائه، ولا قال لواحدة منهن: أنت علي كظهر أمي.\rفما الذي فعله هذا الأستاذ مع تلميذه؟ يقول محمد بن القاسم: فضمني إلى صدره وقبل رأسي وقال: أنا تائب من ذلك، جزاك الله من معلم خيراً، قال محمد بن القاسم: ثم انقلبت إليه في درس اليوم التالي، وبكرت إليه، فألفيته قد جلس على المنبر، فلما دخلت الجامع ورآني ناداني بأعلى صوت: مرحباً بمعلمي، افسحوا لمعلمي، قال: فتطاولت الأعناق إلي، وتحدقت الأبصار نحوي، وتعرقني جسمي -أي: أصابني عرق شديد من شدة الحياء- قال: وتبادر الناس إلي يرفعونني على الأيدي ويتدافعونني حتى بلغت المنبر، وأنا لعظيم الحياء لا أعلم في أي بقعة أنا، والجامع غاص بأهله، وأسال الحياء بدني عرقاً، وأقبل الشيخ على الحاضرين، وقال لهم: أنا معلمكم وهذا معلمي، لما كان بالأمس قلت لكم كذا وكذا، فما كان أحد منكم فقه عني ولا رد علي، فأتبعني هذا إلى منزلي وقال لي كذا وكذا.\rيقول محمد بن القاسم: وأعاد ما جرى بيني وبينه في مسألة الطلاق والظهار، وقال أمام الحضور: أنا تائب من قولي بالأمس، راجع عنه إلى الحق، فمن سمعه ممن حضر فلا يعود إليه، ومن غاب فليبلغه من حضر، فجزاه الله خيراً، وجعل يحتفل لي في الدعاء والخلق يؤمنون.\rتأملوا أيها الإخوة في الله! هذه العلاقة بين التلميذ والمفتي، علاقة تقوي الآصرة بينهما، علاقة عمادها الحب في الله، وعمادها محبة الحق والرجوع إليه، ولو جاء من أي شخص كان، فلا علو ولا ترفع ولا إنكار للحق لأنه جاء من فلان أو فلان، وإنما هو تواضع من الشيخ، وحسن أدب من التلميذ.\rوهذا مما ينبغي أن ينتبه له طلبة العلم؛ لأن طلبة العلم والدعاة إلى الله ﵎ هم القدوة لغيرهم، فعليهم أن يكونوا فيما بينهم وبين الناس متحابين متآخين، إذا ذكر الواحد منهم أخاه ذكره بالخير، وإذا سمع طعناً في عرضه دافع عنه، وبهذا يتأثر بهم الناس؛ لأنهم قدوة لهم، والعكس بالعكس، فإذا رؤي منهم الحسد والكلام في بعضهم ونحو ذلك قال الآخرون من عامة الناس: إذا كان هذا العالم الفلاني، أو طالب العلم الفلاني يقدح ويشتم ويسب في أناس علماء أو فضلاء أو نحو ذلك، فنحن إذا صنعنا ذلك مع أمثالنا فلسنا بأقل منهم.\rومن ثم فإن تحقيق الأخوة في الله مما ينبغي أن ينتبه له الجميع وخاصة طلبة العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534368,"book_id":2827,"shamela_page_id":157,"part":"6","page_num":23,"sequence_num":157,"body":"الأمور الجالبة للمحبة في الله تعالى\rبعد ذكر هذه العلامات، أحب أن أشير بإيجاز إلى أعظم ما يجلب المحبة في الله؛ لأن لقائل أن يقول: ما الذي يجلب المحبة في الله؟ وأقول: إن الذي يجلب المحبة في الله أمور أذكرها باختصار:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534369,"book_id":2827,"shamela_page_id":158,"part":"6","page_num":24,"sequence_num":158,"body":"حب الله وحب كلامه ودينه\rإن على العبد أن يورث قلبه حب الله تعالى وحب كلامه وحب دين الإسلام، فإذا ما امتلأ القلب بهذا الحب أثر هذا على ما يتبعه من الحب لله والحب في الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534370,"book_id":2827,"shamela_page_id":159,"part":"6","page_num":25,"sequence_num":159,"body":"حب الرسول ﷺ وتوقيره وتعظيمه\rإن حب رسول الله ﵌ وتوقيره وتعظيمه له أثر عظيم في حياة المؤمن، فالمؤمن الحريص على السنة، الحريص على مدارسة سيرة الرسول ﵌، المحب له المتبع له، هذا الحب ينتقل أثره إلى صاحبه؛ لأنه إذا ما علم أخلاق رسول الله ﷺ ومعاملته لأصحابه ولإخوانه وحبه الخير لأمته انتقل إليه ذلك، وهذا أثره ظاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534371,"book_id":2827,"shamela_page_id":160,"part":"6","page_num":26,"sequence_num":160,"body":"معرفة فضل الحب في الله وأجره\rأن من عرف فضل الحب في الله حرص عليه، ومن عرف أجر المتحابين في الله فلابد أن يصابر نفسه على ذلك، وأن يربي نفسه وقلبه على أن يكون قلبه محباً للمؤمنين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534372,"book_id":2827,"shamela_page_id":161,"part":"6","page_num":27,"sequence_num":161,"body":"سلامة الصدر\rيقول الله ﷿: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، وسليم الصدر هو الذي يجعل القلب محباً لله؛ لأنه لا يحمل ضغناً لأحد.\rوتعلمون قصة الرجل الذي شهد له الرسول ﷺ بأنه من أهل الجنة ثلاث مرات، ثم لحق به عبد الله بن عمرو بن العاص لينظر في حاله، وبات عنده ثلاثة أيام، يقول: فلم أجد عنده مزيد صلاة ولا مزيد نوافل وعبادات، وإنما وجدت حاله مثل غيره، فسألته وقلت له: أنا بت عندك ثلاثة أيام لأجل أن أعرف السبب الذي من أجله قال فيك رسول الله عليه وآله وسلم: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة) فقال له هذا الرجل: ليس إلا ما رأيت، إلا أنني آوي إلى فراشي وأبيت وليس في قلبي غل أو حقد على أحد، فسليم القلب يحب المؤمنين ويحب الخير لهم، فاحرصوا أيها الإخوة على سلامة الصدور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534373,"book_id":2827,"shamela_page_id":162,"part":"6","page_num":28,"sequence_num":162,"body":"التواضع وعدم التكبر\rإن الكبر داء عضال يؤدي إلى الترفع على الناس، ومن ثم يؤدي لا محالة إلى بغضهم، ولذا قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: (إن الله ﷿ أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد).\rإن التواضع وعدم الكبر على الناس يجعل الإنسان في نظرته لإخوانه ولعيوبهم ومقارنتها بعيوب نفسه يجعله محباً للخير صادقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534374,"book_id":2827,"shamela_page_id":163,"part":"6","page_num":29,"sequence_num":163,"body":"أهمية البغض في الله ومدى ارتباطه بالحب في الله\rهناك قضية ترتبط بالحب في الله لابد منها ألا وهي: البغض في الله.\rوأهمية هذا الموضوع تكمن فيما إذا كان الحب في الله مرتبطاً بتوحيد العبادة، فإن البغض في الله مرتبط بالكفر بالطاغوت.\rوهنا تتبين أهمية هذين الأمرين: الحب في الله، والبغض في الله، وكل منهما مكمل للآخر، ولذا فكثيراً ما يقرن بينهما في الأدلة، مثل بعض الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ: (من أحب في الله وأبغض في الله)، وكذلك أيضاً باب الموالاة والمعاداة، فإن المؤمن يوالي المؤمنين وبالمقابل يعادي الكافرين، ولأجل هذا فإن الحب في الله ما يكمل إلا بالبغض في الله، والخلل في هذا يؤدي إلى الخلل في ذاك، فمثلاً: من اختل عنده ميزان البغض في الله، وصار يحب الكفار أحياناً، أو يحب الفجرة والفسقة ولا يبغضهم لفسقهم وفجورهم، أو يحب أهل البدع ولا يبغضهم لبدعهم، فلابد أن يؤثر هذا على حبه في الله، ولا يستقيم ميزان الحب في الله إلا باستقامة ميزان البغض في الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534375,"book_id":2827,"shamela_page_id":164,"part":"6","page_num":30,"sequence_num":164,"body":"أقسام من يجب بغضهم في الله\rينبغي أن نعلم جميعاً أن الذين يجب أن يبغضوا في الله قسمان: أحدهما: من يجب على العبد أن يبغضهم بغضاً تاماً، حتى ولو أحسنوا إليه أو أحسن إليهم لسبب من الأسباب، وهؤلاء يجمعهم الكفار من المشركين والملحدين، ومن اليهود والنصارى ومن المرتدين ومن المنافقين وغيرهم، فهؤلاء جميعاً يجب بغضهم بغضاً تاماً، ولا تجوز موادتهم ولا محبتهم؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة:٢٢]، وهذا نفي عام يدل على أن المؤمن الصادق لا يكون في قلبه مودة لهؤلاء الكفار أبداً، ولو كان الكافر أباً أو أماً أو أخاً لك أو جاراً أو قريباً أو غير ذلك.\rوهذا الأمر مما وقع الخلط فيه في أزمنتنا المتأخرة ولا حول ولا قوة إلا بالله، واختلت فيه بعض الموازين، حتى رأينا بعض الناس يحب الكفار لأسباب تافهة، فقد يحبهم لأجل الكرم، وقد يحبهم لأنهم نصروه في يوم من الأيام لأجل أهدافهم ومصالحهم، وهذا مما ينبغي أن ينتبه له الجميع، فإن الكفار تجب معاداتهم مهما كان بيننا وبينهم من مصالح، ومن حوار بين الأديان الذي يدعو إليه أعداء الله، وربما يخدع فيه من يخدع من المسلمين المغترين في هذا العصر الحديث، فإن اليهود والنصارى هم كفار، فكيف يأتي الإنسان ليجلس في حوار معهم؟! والحوار معناه أن نجعل الإسلام واليهودية المحرفة والنصرانية المحرفة على طبق واحد ننظر في فضائلهم جميعاً ونجتمع عليها! وأنى يكون لعباد عزير والصليب ولإخوان القردة والخنازير وللكفار بالله ﵎ محبة، ومن الجرأة أن يجعل المسلم هؤلاء الكفار مع أهل الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه.\rالقسم الثاني مما يبغض في الله: من يبغضون بغضاً ليس كاملاً، وهؤلاء هم المؤمنون الذين يقعون في فسق أو في بدعة غير مكفرة، فهؤلاء لهم محبة عامة؛ لأنهم مسلمون، ولكن يجب بغض ما عندهم من فسق أو بدع، وهذا أيضاً مما وقع فيه الخلل عند بعض الناس، فإنهم قد يحبون الفساق أو أهل البدع؛ نظراً لأنهم غير كفار، ونحن نقول: لابد من ميزان الحق في هذا.\rفالواجب عليك أن تحبهم محبة عامة؛ لأنهم مسلمون مؤمنون بالله، لكن لا يجوز لك أن تحبهم محبة كاملة بحيث تجعلهم سواسية مع المؤمنين المتقين؛ بل يجب أن تبغض ما فيهم من فسق أو بدعة أو فجور، أن تبغض هذا في الله ﵎.\rوبتحقيق هذا الأصل -البغض في الله- يكتمل الأصل الأول الذي تحدثنا عنه سابقاً، وهو الحب في الله.\rأسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من المتحابين في الله، وأن يعيذني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534376,"book_id":2827,"shamela_page_id":165,"part":"7","page_num":1,"sequence_num":165,"body":"دروس من الحج\rالحج مدرسة ربانية عظيمة، فيها يتذكر المسلم العرض الأكبر على الله تعالى، يوم يتجرد العبد من كل شيء، ويقدم على الله بعمله، وفيها تسكب العبرات، وتقال العثرات، وتراق المهج، وتخشع النفوس، وتنكس الرءوس.\rوفيها يتربى المسلم على إنفاق المال، وبذل الغالي والنفيس للهجرة إلى الله وترك حطام الدنيا وراءه ظهرياً.\rوفيها من العبر والدروس ما لا يحصره إلا العليم العلام، فله الحمد على ما شرع وسن من الأحكام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534377,"book_id":2827,"shamela_page_id":166,"part":"7","page_num":2,"sequence_num":166,"body":"الحج رحلة إلى الله وذكرى بيوم القيامة\rالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:١ - ٧].\rهذه الآيات هي مفتتح سورة الحج، والحج رحلة إلى الله تعالى يرحلها العباد مستجيبين لنداء العبودية لله الواحد القهار، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وإذا كانت الصلاة والزكاة والصيام عبادة فإن الحج يتميز عنها بأنه عبادة يترك من أجلها العبد البلاد والأولاد والأحباب والضيعات والأموال، ويقطع المسافات الشاسعة التي قد تمتد الآف الأميال.\rإن الحج رحلة وهجرة إلى الله ﵎، وتجرد الحاج من المخيط، ووقوف الألوف في عرفات محرمين بأرديتهم البيض من أعظم ما يذكر العباد بيوم القيامة والخروج من هذه الدنيا، ليكون هناك الحساب والجزاء بين يدي حكم عدل لا يظلم عنده أحد ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].\rوهذا هو المعنى الذي يربط بين افتتاح سورة الحج بالأمر بتقوى الله تعالى وتذكر زلزلة الساعة العظيمة وبين معنىً من معاني الحج الكبار كان يدركه سلفنا الصالح، أما نحن اليوم فقد صار حج كثير منا نزهة قصيرة، نطارد من خلالها الزمن لنعود إلى ما كنا عليه من لهو وعبث وغفلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534378,"book_id":2827,"shamela_page_id":167,"part":"7","page_num":3,"sequence_num":167,"body":"قصة أويس القرني مع عمر وعلي\rكيف كان يدرك سلفنا الصالح رحلة الحياة القصيرة؟ حج بالناس عمر بن الخطاب ﵁ سنة ثلاث وعشرين قبيل استشهاده ﵁ بأيام، وكان شغله الشاغل في حجه البحث عن رجل من رعيته من التابعين يريد مقابلته، وصعد عمر بنفسه على جبل أبي قبيس، وأطل على الحجيج وهم حول بيت الله الحرام، ونادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن! أفيكم أويس من مراد؟ فقام شيخ طويل اللحية من قرن فقال: يا أمير المؤمنين! إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، وما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لي يقال له أويس، فأنا عمه، وهو حقير بين أظهرنا، خامل الذكر، وأقل مالاً، وأوهن أمراً من أن يرفع إليك ذكره يا أمير المؤمنين.\rفسكت عمر كأنه لا يريده، ثم قال له: يا شيخ! وأين ابن أخيك هذا الذي تزعم؟ أهو معنا بالحرم؟ قال الشيخ: نعم -يا أمير المؤمنين- هو معنا في الحرم، غير أنه في أراك عرفة يرعى إبلاً لنا.\rوسرعان ما ركب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ على حمارين لهما وخرجا من مكة، وأسرعا إلى أراك عرفة، ثم جعلا يتخللان الشجر ويطلبانه، فإذا هما به في طمرين من صوف أبيض قد صف قدميه يصلي إلى الشجرة، وقد رمى ببصره إلى موضع سجوده وألقى يديه على صدره، والإبل حوله ترعى، قال عمر لـ علي ﵄: يا أبا الحسن إن كان في الدنيا أويس القرني فهذا هو وهذه صفته.\rثم نزلا عن حماريهما وشدا بهما إلى أراكة، ثم أقبلا يريدانه، فلما سمع أويس حسهما أوجز في صلاته، ثم تشهد وسلم، وتقدما إليه فقالا له: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.\rفقال أويس: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.\rفقال عمر: من الرجل؟ قال: راعي إبل وأجير للقوم.\rفقال عمر: ليس عن الرعاية أسألك ولا عن الإجارة، إنما أسألك عن اسمك، فمن أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا عبد الله وابن أمته.\rفقال: قد علمنا أن كل من في السموات والأرض عبيد لله، وإنا لنقسم عليك إلا أخبرتنا باسمك الذي سمتك به أمك.\rقال: يا هذان ما تريدان إليه؟ أنا أويس بن عبد الله.\rفقال عمر ﵁: الله أكبر! يجب أن توضح عن شقك الأيسر.\rقال: وما حاجتكما إلى ذلك؟ فقال له علي ﵁: إن رسول الله ﷺ وصفك لنا، وقد وجدنا الصفة كما أخبرنا، غير أنه أعلمنا أن بشقك الأيسر لمعة بيضاء كمقدار الدينار أو الدرهم، ونحن نحب أن ننظر إلى ذلك، فأوضح لهما ذلك عن شقه الأيسر، فلما نظر علي وعمر إلى اللمعة البيضاء ابتدرا أيهما يقبل قبل صاحبه، وقالا: نشهد أنك أويس القرني، ثم بكيا طويلاً، وقالا: يا أويس! إن رسول الله صلى عليه وسلم أمرنا أن نقرئك منه السلام، وأمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا، فإن رأيت أن تستغفر لنا يرحمك الله؛ فقد خبرنا بأنك سيد التابعين، وأنك تشفع يوم القيامة في عدد ربيعة ومضر، فبكى أويس بكاءً طويلا، ثم قال: عسى أن يكون ذلك غيري.\rفقال علي: إنا قد تيقنا أنك هو لا شك في ذلك، فادع الله لنا يرحمك الله بدعوة وأنت محسن.\rفقال أويس ﵀: ما أخص باستغفارٍ نفسي ولا أحداً من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات في ظلم الليل وضياء النهار، ولكن من أنتما يرحمكما الله؟ فإني قد أخبرتكما وشهرت لكما أمري ولم أحب أن يعلم بمكاني أحد من الناس.\rفقال علي: أما هذا فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأما أنا فـ علي بن أبي طالب.\rفوثب أويس فرحاً مستبشراً، فعانقهما وسلم عليهما، ورحب بهما وقال: جزاكما الله عن هذه الأمة خيراً.\rقالا: وأنت جزاك الله عن نفسك خيراً.\rثم قال أويس: ومثلي يستغفر لأمثالكما؟! فقالا: نعم إنا قد احتجنا إلى ذلك منك، فخصنا رحمك الله بدعوة منك حتى نؤمن على دعائك، فرفع أويس رأسه وقال: اللهم! إن هذين يذكران أنهما يحباني فيك، وقد رأوني فاغفر لهما وأدخلهما في شفاعة نبيهما محمد ﷺ.\rفقال له عمر ﵁: يا أويس! مكانك رحمك الله حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي؛ فإني أراك رث الحال، هذا المكان الميعاد بيني وبينك غداً.\rفقال أويس: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك ولا أعرفك بعد اليوم ولا تعرفني، ما أصنع بالنفقة؟! وما أصنع بالكسوة؟! أما ترى علي إزاراً من صوف ورداءً من صوف؟! متى أراني أخلقهما؟! أما ترى نعلي مخصوفتين؟! متى تراني أبليهما؟! ومعي أربعة دراهم أخذتها من رعايتي متى تراني آكلها؟! وتأملوا في قول أويس لأمير المؤمنين يا من تعلقتم بالدنيا وظننتم أن السعادة كل السعادة في أن تكون بين أيديكم الأموال والقصور، انظروا إلى موازين أهل الخير وأهل الحق وأهل الله وأهل الدار الآخرة.\rقال أويس ينصح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الزاهد العابد ﵁: يا أمير المؤمنين! إن بين يديك عقبة لا يقطعها إلا كل مخف مهزول، فأخف يرحمك الله، يا أبا حفص! إن الدنيا غرارة غدارة زائلة فانية، فمن أمسى وهمته فيها اليوم مد عنقه إلى غد، ومن مد عنقه إلى غد أعلق قلبه بالجمعة، ومن أعلق قلبه بالجمعة لم ييأس من الشهر، ويوشك أن يطلب السنة، وأجله أقرب إليه من أمله، ومن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غداً من مجاورة الجبار، وجرت من تحت منازله الثمار.\rفلما سمع عمر ﵁ كلامه ضرب بدرته الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، ليتها عاقراً لم تعالج حملها، ألا من يأخذها بما فيها ولها؟! فقال أويس: يا أمير المؤمنين! خذ أنت هاهنا حتى آخذ أنا هاهنا ومضى أويس يسوق الإبل بين يديه وعمر وعلي ﵄ ينظران إليه حتى غاب فلم يرياه، وولى عمر وعلي نحو مكة ﵃ جميعاً.\rأيها الأخ في الله! حديث فضل أويس القرني، وأنه لو أقسم على الله لأبره، وقول النبي ﷺ لـ عمر: (إن استطعت أن يستغفر لك فافعل) حديث ثابت في صحيح مسلم.\rأما العبرة من هذه القصة فهي: كيف كانت مواقف الحج عند الأوائل؟ كانت ذكرى ليوم القيامة، كانت ذكرى للرحيل إلى الله ﷾؛ لأن الحج رحلة بما فيه من إحرام وتجمع، رحلة تختصر رحلة عمر الإنسان في هذه الحياة.\rفهل يعي هذه الدروس أولئك الذين أسرفوا على أنفسهم في معصية الله؟ هل يعيه أولئك الذين يظلمون الناس في أبدانهم وأموالهم وأعراضهم؟ هل يعي ذلك أولئك الذين بغوا على عباد الله ﵎ مشرقاً ومغرباً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534379,"book_id":2827,"shamela_page_id":168,"part":"7","page_num":4,"sequence_num":168,"body":"الحج تذكار بالجهاد في سبيل الله\rبعد آيات الحج في سورة الحج، وبيان مناسكه وفضله، وتعظيم شعائر الله تعالى، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٨ - ٤٠].\rوهنا يلتقي الحج مرة أخرى بالجهاد في سبيل الله تعالى، فهو مدرسة من مدارس الجهاد، والجهاد ذروة سنام الإسلام، (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا) كما قال المصطفى ﷺ، إن الحج يذكر هذه الأمة بالجهاد ويعلمها إياه من خلال عدد من الأمور: أولها: مشقة السفر إلى مكة، فهو شبيه بسفر المجاهدين في سبيل الله تعالى، وإن الرجل ليودع أهله وهو لا يدري هل يرجع إليهم أم لا، خاصة إذا كان من بلاد نائية.\rثانيها: السكن في المشاعر، إذا نظرت إليه وجدته شبيهاً بمعسكرات المجاهدين.\rثالثها: تنقل وتحرك الحجاج من مكة ومن كل صوب إلى منى، ثم من منى إلى عرفات، ثم من عرفات إلى المزدلفة، ثم إلى منى مرة أخرى، في أوقات محددة منضبطة، وكأنها تنقلات جيوش مجاهدة في سبيل الله تعالى.\rرابعها: في زمن النبي ﷺ لما نهى عن سفر المرأة بدون محرم، قام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإنني اكتتبت في غزوة كذا.\rفقال ﷺ: (اذهب وحج مع امرأتك)، فنقله ﷺ من جهاد إلى جهاد.\rخامسها: سمى رسول الله ﷺ الحج والعمرة جهاداً بالنسبة للنساء، فقال لما سألنه عن الجهاد ولماذا كتب على الرجال فقط؟ قال ﵊: (عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة).\rسادسها: الرجل الذي وقصته دابته فسقط منها فمات وهو محرم، فقد نهى رسول الله ﷺ عن تغطية رأسه عند تكفينه ودفنه وقال: (إنه يبعث يوم القيامة محرماً ملبياً).\rوكذا المجاهد في سبيل الله إذا مات في المعركة فإنه يكفن بأثوابه التي قتل فيها.\rإن الحج مدرسة جهادية تعلم المؤمنين وتعلم الأمة كلها كيف تنقل نفسها من عاداتها المألوفة، ومن ترفها، ومن دنياها، ومن مناصبها، ومن جاهها، وتنخلع من ذلك كله لتلحق بركب المجاهدين في سبيل الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534380,"book_id":2827,"shamela_page_id":169,"part":"7","page_num":5,"sequence_num":169,"body":"الحج مدرسة لتوحيد الله وطاعته\rأيها الأخ الحبيب! مضى درسان من دروس الحج الكبار، أحدهما: نقلة إلى الدار الآخرة، وذكرى بيوم القيامة.\rوالثاني: استعداد ورحيل، استعداد ورحيل إلى الله ﷾ بالجهاد في سبيل الله؛ لأن المجاهد باع نفسه لله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]، فالمجاهدون باعوا أنفسهم لربهم ﵎.\rونقف الآن مع درس ثالث، درس يعلم المؤمنين أن هذا الحج مدرسة لأمة محمد ﷺ في صفاء العقيدة وسلامتها وخلوصها من الشرك بالله ﵎.\rإن إبراهيم ﵇ الذي بنى هذا البيت هو الذي دعا إلى الملة الحنيفية القائمة على إخلاص التوحيد لله والبراءة من الشرك وأهله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، فالحج مدرسة ترجع كل مسلم إلى الأصل العقدي الواجب الذي لا يجوز أن نفرط فيه، وهو التوحيد الخالص لله والبراءة من الشرك.\rوينبثق من هذا التوحيد الطاعة لله ﵎ فيما أحب الإنسان أو كره، وسواء رضي عنه الآخرون أو لم يرضوا.\rفهذا إبراهيم يترك ولده الرضيع إسماعيل وأمه هاجر -وقد أنزلهما مكة قبل عمارتها وقبل بناء البيت- يتركهما بلا ماء ولا زاد، ويذهب لأمر الله ﵎، وتلحق به هاجر وتصيح به: كيف تتركنا هاهنا؟ وهو لا يلتفت إليها، ولكنها المرأة المؤمنة عرفت السر فقالت: آلله أمرك بهذا يا إبراهيم؟ فأشار إليها أن: نعم.\rقالت: إذاً لا يضيعنا الله.\rإنه الامتثال لأمر الله من إبراهيم وزوجه، ولم يضيعهم الله، تفجرت مياه زمزم تحت أقدام الرضيع بعد سعي أمه بين جبلي الصفا والمروة لتكون سنةً وشريعةً إلى يوم القيامة.\rولما بلغ إسماعيل السعي مع أبيه وصار بحيث تتعلق نفس الوالد به أشد التعلق أمره الله بأمر عظيم: أن يذبح ولده، فاستجاب الوالد دون تردد، واستجاب الولد وقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، وأسلما لربهما ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، ووقع الامتثال الكامل، ولكن رحمة الله كانت قريبة، ففداه الله بذبح عظيم، فصارت الأضحية سنة إلى يوم القيامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534381,"book_id":2827,"shamela_page_id":170,"part":"7","page_num":6,"sequence_num":170,"body":"الحج انسلاخ من عادات الجاهلية\rوالحج انسلاخ من عادات الجاهلية وما أحدثوه في الحج خاصة، وقد كان رسول الله ﷺ يحب مخالفة المشركين مع أنهم أهله وقومه وعشيرته وبلاده، ولكنه لم يكن متلوثاً بما تلوث به بعضنا في هذه الأيام من القوميات الجاهلية.\rأحرم ﷺ بالعمرة في أشهر الحج مخالفة للمشركين، ووقف مع الناس في عرفات مخالفة لقريش التي كانت تتكبر على الناس وتزعم أنها أهل الحرم، فكانوا لا يتجاوزون الحرم، ويقفون بالمزدلفة يوم عرفة، وأفاض من عرفات بعد الغروب خلافاً للمشركين، ليبين تميز أهل هذه الملة الحنيفية عن اليهود وعن النصارى وعن المشركين أيضاً.\rأيها الأخ في الله! إن الحج مدرسة عقيدة، الأصل فيه الدين والتوحيد والصفاء لهذه العقيدة والسلامة والبعد عن الشرك بالله، ثم يأتي بعد ذلك ما هو من أعمال الخير كعمارة المسجد الحرام، ولقد عكس المشركون في مكة هذا الأمر، فكانوا ينشرون في بيت الله الحرام الشرك بالله والظلم لعباد الله المؤمنين، ثم يفتخرون بعمارة المسجد الحرام وبالسقاية والرفادة للحجاج، فقال الله ﵎ عن المشركين: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٩].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534382,"book_id":2827,"shamela_page_id":171,"part":"7","page_num":7,"sequence_num":171,"body":"دورنا تجاه تعليم الحجاج العقيدة السلفية\rما دورنا مع الحجاج تجاه هذه العقيدة؟ إنني أقول: لو أن الحج كان بيد الرافضة فكيف سيتحول الحج أيها الأخ في الله؟ سيحولونه -كما نعلم من حرصهم على عقيدتهم وبدعهم وكفرياتهم- سيحولون الحج من أوله إلى آخره مدارس رافضية يعلمون فيها الحجاج الرفض والكفر بالله ﵎.\rفلماذا نحن -أهل العقيدة السلفية- نقصر في هذا الباب تقصيراً عظيماً؟ أنا أعلم أن هناك جهود طيبةً مخلصةً تبذل، ولكنني أقول: بما معنا من إمكانيات مادية، ومن علماء، ومن جهود، ومن إمكانيات متعددة في الإعلام والطباعة وغير ذلك هل نحن الآن نقوم بالمسئولية كما هي وبالواجب كما هو؟ هل يرجع الحجاج وقد تعلموا منا دروساً في الحج؟ خاصة أنهم قد تعلقوا بنا لأننا أهل الحرم وأهل الله ﷾ في بيته، فهل قمنا بدورنا أيها الأخ في الله؟ إنني أرى تقصيراً كبيراً.\rولذلك فإنني أقول: إن كل حاج منا يتحمل أمام الله مسئولية الدعوة إلى الله ﵎ هناك بالشريط، وبالكتيب، وبالكلمة، وبالموعظة، وبالتوجيه، وبكل أسلوب يرفع فيه علم هذه العقيدة، ويرفع فيه علم هذا الدين؛ حتى يرجع الحجاج إلى ديارهم وقد أدوا نسكهم، وتعلموا من حجهم العقيدة السليمة الصافية.\rاللهم! إنا نسألك أن تعيننا وتعين المؤمنين جميعاً على أن يقوموا بدورهم المطلوب تجاه دينهم وتجاه عقيدتهم، اللهم! وفق الحجاج جميعاً لحج مبرور وسعي مشكور، اللهم! اجعل اجتماعهم فاتحة نصر وعز لهذه الأمة تجاه أعدائها مشرقاً ومغرباً.\rاللهم! انصر أمة محمد ﷺ، وردها إليك رداً جميلاً يا أكرم الأكرمين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين في كل مكان، وانصر عبادك الموحدين والمجاهدين في كل مكان يا قوي يا عزيز.\rاللهم! أذل الشرك والمشركين، اللهم! أذل الشرك والمشركين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء، وأراد الحجاج بسوء، فأشغله بنفسه يا أرحم الراحمين، اللهم! أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين.\rاللهم! صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم يا رب العالمين، اللهم! اجعلنا منهم بفضلك وكرمك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534383,"book_id":2827,"shamela_page_id":172,"part":"8","page_num":1,"sequence_num":172,"body":"التطبيق العملي للعقيدة\rالإسلام دين عقيدة وعمل، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وحين ترك كثير من المسلمين تطبيق العقيدة عملياً، واكتفوا بالجانب النظري حصل الانفصام والخلل، وحصلت الفرقة، وحلت المصائب، ونزلت البلايا والرزايا، ولهذا كان لزاماً على كل مسلم أن يجمع بين التطبيق النظري والتطبيق العملي، فإن هذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534384,"book_id":2827,"shamela_page_id":173,"part":"8","page_num":2,"sequence_num":173,"body":"معنى التطبيق العملي للعقيدة\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: أيها الإخوة! أشكر للإخوة المشرفين على هذا المركز أولاً الدعوة للقاء معكم في هذه الليلة.\rوثانياً: للاختيار الجيد الذي اختاروه ليكون عنواناً لهذا الدرس أو هذه المحاضرة، والذي هو: (التطبيق العملي للعقيدة).\rأيها الإخوة! التطبيق العملي للعقيدة هو الثمرة الحقيقية لتلك الأمور التي يؤمن بها الإنسان بدأً بالإيمان بالله ﵎ وانتهاءً بالتصديق بكل ما أخبرنا به ربنا وأخبرنا به رسولنا ﷺ، ومن ثمَّ فلو سأل سائل قائلاً: ما هو الهدف من هذه العقيدة؛ والتي تشمل كل ما يعتقده الإنسان، ويؤمن به مما جاءت دلائله واضحة صريحة؟ لجاء\r\rالجواب\r إنه التطبيق العملي.\rوهذا التطبيق العملي -أيها الإخوة- يبدأ مع الإنسان في هذه الحياة الدنيا في تطبيق مقتضيات تلك العقيدة، ثم ينتهي إلى تلك النتيجة العظيمة حقاً حين يُهدى إلى طريق الجنات؛ فلأن الله هداه في الدنيا فإنه يُهدى يوم القيامة إلى طريق الجنات؛ جنات النعيم عند رب العالمين، ينعم فيها ولا يبأس أبداً، ويخلد فيها فلا يموت أبداً، ويلقى فيها من ألوان النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\rإذاً: هي نتيجة عملية في الدنيا ذات تطبيق عملي وذات أثر واقعي على حياة الإنسان في راحته النفسية وطمأنينته القلبية وفي معاشرته ومعاملته لجميع الناس، ثم هي أيضاً نتيجة واقعية عملية حين يلقى الإنسان ربه يوم القيامة بقلب سليم، أي: قلب مؤمن بالله ﷾ عامل بمقتضى ذلك الإيمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534385,"book_id":2827,"shamela_page_id":174,"part":"8","page_num":3,"sequence_num":174,"body":"ظاهرة الانفصام بين النظرية والتطبيق العملي\rإن من مصائبنا نحن المسلمين -وما أكثر مصائب المسلمين اليوم- هي ذلك الانفصام بين النظرية والتطبيق العملي في باب العقيدة، هذا الانفصام تجده مشاهداً على مستويات متفاوتة بين كثير من المسلمين، وهذا مما يؤُسف له؛ حيث تجد النظرية أحياناً جميلة، ممتازة، رقيقة، محبوبة إلى آخره، لكنك تلتفت إلى الواقع العملي فتجد الأمر مختلفاً.\rوهذه تعتبر من المصائب الكبرى التي إذا أصيبت بها الأمم والشعوب تحولت عقيدتها وإيمانها ودينها إلى نظريات فقط، وانقلبت حياتها العملية إلى حياة أخرى بعيدة جداً عن ذلك التطبيق العملي، ولهذا فإن الله ﷾ وهو يعلم تلك العصبة المؤمنة التي نزل عليها القرآن أول مرة، ناداها ﵎ بذلك النداء الذي يحمل معاني ومعاني، فقال الله ﵎ للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].\rوإذا كان هذا في باب القول فهو في باب الإيمان والاعتقاد من باب أولى، فإذا كنت تقول في نفسك: إنني أحب الله، وأخلص هذه المحبة لله، فلماذا عند التطبيق العملي تقدم محبة غير الله على محبة الله، وتقدم الهوى والنفس والشيطان والكسل، وتقدم أموراً تافهةً من أمور الدنيا فتحبها وتقدسها، وينشغل لها بالك ليل نهار، ولربما أخرت أو تركت طاعة لله ﷾ من أجل ذلك الهوى وذاك الشيطان، وأنت تزعم وتقول: أنا عقيدتي صافية؛ وأنا أخلص المحبة لله ﷾؟! فلماذا اختلف الأمران؟! ولماذا اختلف اعتقادك النظري عن تطبيقك العملي؟! ولماذا تجاوزت التطبيق العملي في هذه المسألة؟! وهي مسألة واحدة من مسائل كثيرة من أمور الاعتقاد.\rوهكذا يقول الإنسان: إنني أخاف الله، وأفرده بالخوف؛ لأنه وحده هو الذي بيده الأمر كله؛ بيده الحياة والموت، وبيده الرزق، وبيده ﷾ كل شيء، فلا أخاف إلا الله؛ لأن البشر لا يملكون من الأمر شيئاً، ثم تأتي إلى هذا الإنسان في واقعه العملي فتجده يخاف من غير الله، فيخاف من سلطان، أو يخاف من جن، أو يخاف من ساحر، أو يخاف من عدو في أمر لا يقدر عليه إلا الله ﷾، فنأتي ونقول له: لماذا انفصل الأمران عندك؟ فإذا كنت معتقداً تلك العقيدة على وجه صافٍ صحيح مؤصل، فلماذا تخاف من غير الله ﵎ فيما لا يقدر عليه إلا الله ﵎؟! وهكذا أيها الإخوة! إذا جئت إلى أي جانب من جوانب العقيدة فستجد أن مصيبة الأمة الإسلامية هي: أنها انفصلت عندها النظريات عن التطبيق العملي، أو بالأصح انفصل التطبيق العملي عن تلك النظريات التي يؤمنون بها ويصدقونها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534386,"book_id":2827,"shamela_page_id":175,"part":"8","page_num":4,"sequence_num":175,"body":"منهج الرسل ﵈ في الدعوة إلى الله ﷿\rومن هنا أيها الإخوة في الله! فإنني سأتحدث معكم عن جوانب من هذا الموضوع، وأقول لكم: إن ما سأتحدث عنه ما هو إلا الحلقة الأولى في هذا الموضوع الكبير؛ لأنني وجدت أنني لن أستطيع أن أوفيه حقه في جلسة واحدة؛ فسأبدأ معكم في الحلقة الأولى، ولعل الله أن يهيئ مناسبة أخرى لنكمل هذا الموضوع المهم، فأقول: أولاً: ما هو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله ﷾؟ إن الله ﵎ رحمة بالبشر أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وهؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام كانت منطلقاتهم في الدعوة إلى الله ﷾ وفي تربية أممهم قائمة على توازن النظرية والتطبيق، حيث يأمرونهم بالحقيقة العلمية المثبتة لوجود الله ولأحقيته بالعبادة وحده لا شريك له، ثم ينقلونهم إلى واقع عملي؛ لتخلص تلك العبادة لله ﷾، ولهذا قال الله ﵎ في كتابه العزيز: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، ولهذا فإن دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام تضمنت أصولاً كبرى على رأسها الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادة الله وحده لا شريك له هي أمر عملي، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى؛ لأن الإيمان بالله ﷾ له جانبان: الجانب الأول: جانب نظري، والجانب النظري هو ما يقتضي الإيمان بالله وبوجوده وأسمائه وصفاته الذي يُسمى عند كثير من العلماء بتوحيد المعرفة والإثبات الذي هو التوحيد القولي، بمعنى: أن يؤمن الإنسان ويصدق بأن الله موجود، وأنه واحد، وأنه متصف بصفات الكمال، لكن القسم الثاني من التوحيد هو توحيد العبادة، توحيد الألوهية، وهذا الجانب الثاني، وهو التطبيق العملي للجانب الأول، ولهذا نرى أن الله ﷾ قال في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١]، فأمرهم بالعبادة، والعبادة أمر عملي، لكن عبادة لمن؟ ﴿رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] إلى آخر الآية.\rإذاً: الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا أول ما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتلك هي القضية الكبرى التي دعا إليها جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكل رسول كان يدعو قومه يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وكان الرسول ﷺ يقول: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، هذه العبادة هي التطبيق العملي الواقعي الأولي لكل إنسان ينتقل من الكفر إلى الإيمان، ولهذا صار أساساً ومنطلقاً لدعوة كل رسول من الرسل عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.\rالأساس الثاني المرتبط بالجانب العملي في منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام هو: الامتثال لشرع الله ﷾، والامتثال لشرع الله ﵎ إنما هو التطبيق العملي في حياة الإنسان، وانتبهوا إلى قضية ارتباط التطبيق العملي في جانب العقيدة، فلا يأتي الإنسان ويقول: أنا أؤمن وأصدق، وفكري نظيف إلى آخره، نقول له: لا يكفي إيمانك وتصديقك القلبي وفكرك النظيف وفهمك، ما لم يتحول إلى واقع عملي، وهذه من القضايا الكبار في باب الدعوة إلى الله ﷾.\rفالأمر الثاني هو الامتثال لشرع الله ﷾، والامتثال لشرع الله في منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُني على أمور: الأمر الأول: طاعة كل رسول أرسل إلى قومه، ولهذا كان كل نبي يدعو قومه قائلاً لهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣]، فقوله: (اعبدوا الله واتقوه) هذه عقيدة عملية، ثم يأتي ويقول: (وأطيعون)، أي: في كل ما أمر به هذا النبي الكريم ﵊.\rومن هنا -أيها الإخوة- كانت طاعة الرسول قرينة لطاعة الله ﵎.\rالأمر الثاني مما يأمر به الرسول مما يتعلق بالامتثال لشرعه هو: ترك المنكرات الظاهرة والتخلي عنها، فالرسول إذا أرسله الله إلى قوم يأمرهم بعبادة الله، ويأمرهم بطاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، ثم يركز على أمر اشتهر وانتشر عند هؤلاء القوم، فيطلب منهم التخلي عنه فوراً، كما أمر شعيب ﵊ قومه بألا يبخسوا المكاييل والموازين، كما حكى الله عنه أنه قال: ﴿وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود:٨٤]، لأن بخس المكاييل والموازين ونقصها عند قوم شعيب كان ظاهرة عامة، يمكن أن نسميه في مصطلحنا الحديث: قانوناً معترفاً به عندهم، أو قانوناً ملزماً يعمل به الجميع، ولا ينكره أحد، فالرسول شعيب ﵊ دعا قومه إلى أن يتخلوا عن هذا المنكر الظاهر، وقال لهم: يجب أن يتحول هذا إلى أن يكون بالنسبة لكم معصية، ولا يقع فيه الإنسان إلا كان مرتكباً لمعصية من المعاصي.\rوكذلك أيضاً لما أرسل الله ﵎ نبي الله لوطاً ﵊ إلى قومه كانت تلك الفاحشة القذرة المنتنة منتشرة في أولئك القوم، فدعاهم إلى ترك هذه الفاحشة، وأمرهم بأن يعبدوا الله، وأن يطيعوه، وأمرهم بأن يتركوا هذه الفاحشة، فصارت أصلاً من أصول العقيدة؛ لأنها بالنسبة لقوم لوط تحولت إلى منهج ونظام معترف به لدى الجميع، فلوط ﵊ يقول: استجيبوا واتركوها؛ بحيث تصبح بالنسبة لكم جريمة، وإذا وقعت من واحد منكم يكون مرتكباً لكبيرة من الكبائر، لكن أن تتحول عندكم إلى نظام وقانون عام فلا، فهذه الجريمة البشعة المنتشرة لا يجوز أن تبقى عندكم هكذا.\rومن هنا كان منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام مبنياً على هذا.\rثم -أيضاً- قام منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام بالدعوة إلى الكفر بالطاغوت، وكل نبي - كما في الآية السابقة- دعا قومه إلى عبادة الله ﵎، وأن يجتنبوا الطاغوت.\rوهذا الطاغوت ليس نوعاً واحداً؛ وإنما هو أنواع متعددة، ولقد أجملها بعض الأئمة رحمهم الله تعالى بأنه: كل ما عبد من دون الله من معبود أو متبوع أو مطاع.\rمن معبود: كالأصنام والسحرة والكهنة والجن وغيرهم، أو متبوع: أن يتبعها على غير منهج الله، أو مطاع: في معصية الله ﵎ تحليلاً وتحريماً وهم يعلمون، فكل من كان على مثل ذلك فهو طاغوت، فكان كل نبي يدعو قومه إلى الكفر بهذا الطاغوت، والكفر بالطاغوت يتحول إلى واقع عملي.\rهذه إلمامة سريعة مختصرة بمنهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، ومنها يتبين أن كل نبي لما أرسله الله إلى قومه لم يدعهم إلى نظريات فقط، وإنما دعاهم إلى إيمان ومعرفة يتبعها تطبيق عملي، ونقلة عملية ينتقل بها الفرد، وتنتقل بها الأمة بكاملها من عبادة الطاغوت إلى عبادة الله وحده لا شريك له، من عبادة الهوى والنفس والشيطان إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ومن طاعة الكهان وطاعة الفساق وطاعة المشرعين بغير ما أنزل الله، إلى طاعة هذا النبي الكريم الذي أرسله الله ﷾ إلى هؤلاء القوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534387,"book_id":2827,"shamela_page_id":176,"part":"8","page_num":5,"sequence_num":176,"body":"مظاهر التطبيق العملي للعقيدة في المرحلة المكية\rثانياً: منهج الرسول ﷺ في ذلك.\rأقول: منهج النبي ﷺ هو خلاصة عملية تطبيقية عجيبة فريدة لتلك العقيدة، ولقد تمثل ذلك في عدد من القضايا، ومن ثمَّ فإنني أشير إلى بعض منها، فأقول: أولاً: فيما يتعلق بمنهج الرسول ﷺ: كانت دعوته ﵊ امتداداً لدعوة الأنبياء من قبله عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، فمنهج الأنبياء جميعاً واحد، ورسول الله ﷺ لم يختلف منهجه عن منهج من سبقه، ولقد كان ﵊ يضرب دائماً الأمثال لأصحابه مما وقع للأنبياء من قبله؛ بل ومما وقع لأتباع الأنبياء من قبله، وكل ذلك لبيان ارتباط تلك السلسلة العظيمة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي ابتدأت بآدم ﵇ إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليهم أجمعين، وهذه السلسلة العظيمة هي سلسلة ذات منهج واحد واضح، ورسول الله ﷺ صدق هذا.\rثانياً: لدينا جوانب تفصيلية من حياة هذا النبي الكريم يمكن أن نقف عندها وقفات قد تكون أكثر تفصيلاً من وقفاتنا مع الأنبياء الآخرين الذين وردت قصصهم في كتاب الله ﵎، أو أشارت إليها سنة رسول الله ﷺ، ولهذا أقول: مكث رسول الله ﷺ ثلاثة عشر عاماً في مكة في تأسيس العقيدة، ولم يكن ذلك التأسيس نظرياً، وإنما كان عملياً قام على عدد من الأسس، وانتبهوا لهذه القضية! فكثير ممن يتدارسون منهج الدعوة إلى الله ﷾ يقولون: الرسول مكث ثلاثة عشر عاماً يؤسس العقيدة، ثم انتقل إلى المدينة ليطبق الجوانب العملية والتشريعية للأمة الإسلامية، فقد يظن الظان أن الرسول ﵊ كان في مكة ثلاثة عشر عاماً يربي ويعلمهم نظرياً، فنقول: لا، بل تلك الفترة المكية كانت فترة تأسيس العقيدة، وكان تأسيساً نظرياً وعملياً في آنٍ واحد لتلك العصبة المؤمنة، وتعالوا نحدد بعض الملامح من منهج الرسول ﷺ في دعوته في مكة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534388,"book_id":2827,"shamela_page_id":177,"part":"8","page_num":6,"sequence_num":177,"body":"صراحة دعوة النبي ﷺ إلى التوحيد في مكة\rأولاً: دعوة الرسول في مكة قامت أول ما قامت ناصعة واضحة صريحة أمام الطواغيت: فكفار قريش عباد الأصنام والكهنة كانوا هم المسيطرين، ومع أن الرسول ﷺ بدأ دعوته ﵊ لوحده إلا أنه بدأ هذه الدعوة صريحة؛ فبدأها قائلاً لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا).\rومعنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، فهي بداية عملية للعقيدة، ولم يبدأ معهم ليقول: أيها الناس! لابد أن تعلموا أن الله هو الحي الضار النافع المحيي المميت، وإن جاءت هذه الأشياء ضمن منهج القرآن، لكن الرسول كان يصدع ويقول: أنا رسول من رب العالمين، وكان يدعو قومه أول ما يدعوهم إليه أن يقول لهم: جئتكم بأمر واحد جلل عظيم، ألا وهو أن تقولوا: لا إله إلا الله، فكان المشركون- وانتبهوا معي لهذه القضية! - يفهمون من تلك البداية وذلك المنطلق من الرسول ﷺ؛ كانوا يفهمون منه الجانب العملي، ولو كانوا يفهمون الجانب النظري فقط لانتهت المشكلة بينهم في لحظة، ولقالوا جميعاً: كلنا نقول لا إله إلا الله، وكل منهم يسير على ما سار عليه سابقاً.\rولهذا لما أمن الرسول ﷺ اجتمع في أحد الأيام مع قريش في مكة، وكانوا يتدارسون أمر الرسول ﷺ، وعرضوا عليه الأمور التي تعرفونها: تريد مالاً تريد ملكاً تريد كذا تريد كذا، والقصة مشهورة، لكن الشاهد منها هو أن النبي ﷺ قال للمشركين لما انتهوا من كلامهم: ما جئت أريد كذا ولا كذا ولا كذا، إنما جئتكم بكلمة واحدة، إن قلتموها دانت لكم بها العرب، وخضعت لكم بها العجم، فظن بعض المشركين أن الرسول يطلب منهم كلمة نظرية يقولونها وتنتهي المشكلة، فقال أبو جهل: يا محمد! نعطيك عشر كلمات.\rفقال لهم النبي ﷺ: (قولوا: لا إله إلا الله)، فهل استجابت قريش؟\r\rالجواب\r لا.\rإذا: ً كان المشركون -وهم مشركون- فاهمين لمقتضى العقيدة، فرفضوها عن علم، بينما كثير من المسلمين اليوم ينطق هذه الكلمة (لا إله إلا الله)، ثم يأتي ويعبد الأصنام، ويستغيث بالقبور وهو يقول: (لا إله إلا الله)، لكن المشركين كان الواحد منهم يفهم أنه إذا قال (لا إله إلا الله)، فهي نقلة عملية في حياته، وأول ما يترك عبادة الأصنام، وطاعة الكهان والطواغيت، ويلتزم طاعة الله ﷾، لهذا لما قال لهم الرسول ﷺ أدعوكم إلى أن تقولوا: لا إله إلا الله، قالوا جميعاً: لا.\rإذاً: هو بالنسبة لهم رفض عن علم، كما أنها دعوة صريحة بالنسبة للرسول ﷺ يبين فيها أن منطلق العقيدة هو منطلق عملي في حياة الإنسان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534389,"book_id":2827,"shamela_page_id":178,"part":"8","page_num":7,"sequence_num":178,"body":"تأسيس توحيد المتابعة\rثانياً: فيما يتعلق بالدعوة في مكة، فإن الرسول ﷺ وجه كل من آمن به إلى توحيد المتابعة بطاعة الرسول ﷺ: فكل من آمن بالرسول ﷺ واستجاب له فإنه والحالة هذه يتحول إلى عبد لله مطيع للرسول ﷺ في كل ما يأمر به.\rوهذا واقع عملي، حيث كان الواحد من هؤلاء يدخل في دين الإسلام لا يدخل فيه نظرياً، وإنما يدخل فيه نظرياً ويتبعه واقعاً عملياً؛ فيأتي إلى الرسول ﷺ ويقول: مرني ماذا أقول.\rوالرسول ﷺ كان مستضعفاً، وكان المسلمون معه مستضعفين في مكة، فجاء واحد من أهل القبائل إلى الرسول ﷺ، وشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، ثم قال له: ماذا تأمرني؟ فقال له الرسول ﷺ: إننا الآن مستضعفون، فاذهب إلى قومك، فإذا رأيتني قد خرجت فائتني، وفعلاً ذهب الرجل إلى قومه مطيعاً لرسول الله ﷺ، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة النبوية أتى إليه، فلما سلم عليه قال له: يا رسول الله! هل تعرفني؟ قال: نعم؛ أنت الذي أتيتني يوم كذا وكذا.\rإذاً: هذه طاعة للرسول ﷺ تمثلت في توحيد المتابعة لهذا النبي الكريم، وهذا جانب عملي، بمعنى: أن الذي آمن بالله وبرسوله صارت طاعته لله ولرسوله ﷺ، وتخلى عن طاعة غير الله.\rولكن تعالوا إلى واقع المسلمين اليوم؛ فأحدهم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم تجده في باب الطاعة والمتابعة يتابع غير رسول الله! وهذا خلل في التطبيق العملي، فإذا كنت تشهد أن محمداً رسول الله، وتقر لهذا النبي الكريم بأنه هو المطاع، وبأن أي عمل من الأعمال لا يُقبل إلا إذا كان خالصاً لله متابعاً فيه للرسول ﷺ، فلماذا تطيع غيره؟! ولماذا تتبع غيره؟! ولماذا حياة المسلمين تحولت إلى خلل في التطبيق العملي للإسلام؟! فالخلل جاء من خلال هذا الواقع المؤسف للأمة الإسلامية، فصارت عندها نظرية قولية فقط (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فالرسول هو الذي يجب أن يطاع ويصدق، وإذا انتقلت إلى الواقع العملي تجده يقول لك: لا، بل إنك تأتي الإنسان في أمر من الأمور وتقول له: إن الرسول نهى عن ذلك، ثم تجده -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يلوي عنقه أحياناً أو يتردد أحياناً، والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله أو من الرسول بالحجاب وبالستر وبالعفاف، ثم تجد في صدرها حرجاً من أن تستجيب لله ولرسوله، فأين التطبيق العملي؟ وأين زعمي وزعمك بأننا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فرسول الله ﷺ ربى تلك العصبة المؤمنة على طاعته ﵊.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534390,"book_id":2827,"shamela_page_id":179,"part":"8","page_num":8,"sequence_num":179,"body":"موالاة المؤمنين\rثالثاً: مما يتعلق بمنهج الدعوة في مكة موالاة المؤمنين: كل من استجاب للرسول ﷺ وآمن به صارت له حقوق الولاء والمحبة والنصرة العملية في حياته، ولهذا فإنني أقول: إن من أعظم جوانب التطبيق العملي في حياة الإنسان العملية في باب العقيدة هي قضية عقيدة الولاء والبراء، والرسول ﷺ ربى في نفوس أصحابه أن كل من آمن فقد صار مع إخوانه لحمة واحدة، وكل من استجابوا للرسول ﷺ صاروا لحمة واحدة؛ يعين بعضهم بعضاً، ويساعد بعضهم بعضاً، ويحزن بعضهم لحزن بعض، وهكذا حياة الإنسان العملية في الموالاة التي تربط المؤمن بأخيه المؤمن مهما كانت الأحوال.\rوتعالوا إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم، فستجدون الولاء أحياناً للقبيلة، وأحياناً للوطن، وأحياناً للمصالح المشتركة، وأحياناً لكذا وأحياناً لكذا، فأين الولاء والموالاة بين المؤمنين التي لا تجمعها إلا رابطة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، فتحب أخاك المؤمن وتعينه، وتنصره، وتؤيده؛ أين هذا أيها الإخوة؟! لقد كان هناك بون شاسع جداً بين حالنا اليوم وبين حال أصحاب النبي ﷺ حين رباهم الرسول في مكة.\rوتعالوا إلى مثال عملي لا يقدر عليه إلا الرجال: فقد كان ممن آمن في مكة بعض المستضعفين، فصار المشركون يعذبونهم، كآل ياسر، وبلال بن رباح، وغيرهم وغيرهم من المستضعفين، فانهال عليهم الطواغيت تعذيباً، بل بأشد أنواع التعذيب، لكن هل سكت المؤمنون؟ وهل تركوا الموالاة بين المؤمنين؟\r\rالجواب\r لا؛ فهذا رسول الله ﷺ -وهو لا يملك من الأمر شيئاً- كان يبحث عنهم في مواطن تعذيبهم، ويأتي إليهم في الطرقات، أو في الأماكن التي يعذبون فيها، ويعلن الولاء لهم، ويقول (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة).\rفأخوك المؤمن الممتحن المبتلى في مشارق الأرض ومغاربها هو بحاجة إلى أن تعينه، وأن تدعو له، والله إنك إذا دعوت له وأعلنت الولاء له، يكون ذلك بلسماً شافياً على قلبه وجراحه، فالرسول ﷺ كان يأتي إليهم ويقول: (صبراً آل ياسر!)، وأبو بكر ﵁ وأرضاه استخدم ماله في سبيل الله وفي سبيل الموالاة بين المسلمين؛ فأتى إلى أولئك المستضعفين ليغري بهم أولئك المشركين مادياً، ويعطيهم أضعاف أثمانهم؛ ليشتري هؤلاء ويعتقهم في سبيل الله وينجيهم! أرأيتم كيف يكون الولاء بين المؤمنين؟ فـ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان همه في مكة الدعوة إلى الله، وكان همه في مكة مراقبة المستضعفين من المؤمنين.\rإذاً: تحول إلى داعية همه ليلاً ونهاراً أن يبذل وقته وماله في سبيل الله ﵎، وهذا هو التطبيق العملي، فما قال أبو بكر لا إله إلا الله، وجلس يصلي في بيته مع أنه كان زاهداً عابداً ﵁ وأرضاه، إنما تحول إلى موالاة بين المؤمنين؛ يبحث عن أي مؤمن آمن بالله وهو مستضعف، ثم يأتي إلى أولئك القوم الذين لهم سلطة عليه؛ ليشتريه بأغلى الأثمان، ويعتقه مباشرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534391,"book_id":2827,"shamela_page_id":180,"part":"8","page_num":9,"sequence_num":180,"body":"معاداة الكافرين والبراءة منهم\rالجانب الرابع من منهج دعوة الرسول ﷺ في مكة: معاداة الكافرين والبراءة منهم ولو كانوا أقرب الناس: وهذا أيضاً منهج عملي؛ فلما آمن المسلمون واستجابوا كانوا في مكة يتعاملون مع الكفار المعاملة الضرورية، لكنهم كانوا يبغضونهم، ويعادونهم أشد العداء، ولو كانوا أقرب الناس إليهم؛ لأنهم كفار، ولهذا نجد أن أصحاب النبي ﷺ وهم في مكة كانوا يتعاملون مع أقوامهم المشركين على مقتضى هذا المنهج العملي، فهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه قصته مع أمه معروفة، فهل كانت محبته لأمه وبره بها حاجزاً له عن أن يثبت على عقيدته ويستمر عليها؟\r\rالجواب\r لا والله! بل إنه ﵁ وأرضاه صبر وصابر مع أن أمه اتخذت معه شتى الوسائل؛ فلا طاعة لمخلوق -ولو كان الوالدين- في معصية الخالق، ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ وهم في مكة يعلنون البراءة من المشركين؛ وذلك حينما كانوا يصرخون بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534392,"book_id":2827,"shamela_page_id":181,"part":"8","page_num":10,"sequence_num":181,"body":"نقل الدعوة خارج نطاق مكة\rثم بعد ذلك من التطبيق العملي في منهج الرسول ﷺ في مكة: نقل الدعوة إلى الله ﷾ خارج نطاق مكة: وهذا منهج عملي واضح جداً، فالرسول ﷺ أخذ ينشر دعوته بين القبائل، ثم إن الرسول ﷺ تحرك هو نفسه عملياً لنقل الدعوة؛ فذهب إلى الطائف، وتعرفون ما جرى له ﵊ في الطائف، ثم إنه أيضاً نقل الدعوة إلى المدينة النبوية؛ وذلك حينما استجاب بعض الأنصار، فكانت بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، ثم إرسال مصعب بن عمير وغيره من الصحابة للدعوة إلى الله ﵎ في المدينة النبوية؛ حتى انتشر الإسلام هناك، وصارت مقر هجرة رسول الله ﷺ وأصحابه.\rإذاً: الخلاصة أيها الإخوة! أن الرسول ﷺ في تطبيقه العملي لما كان في مكة يؤسس العقيدة لم يكن يؤسسها نظرياً، إنما كان يؤسسها عملياً، فكان يقوم بتربية النفوس بالقرآن، وبالصلاة، وبالعبادة، وبالطاعة لله ولرسوله، وبالولاء بين المؤمنين، وبالبراءة والمعاداة للكافرين، وبالدعوة إلى الله ﷾؛ بحيث تنقل هذه الدعوة إلى أي مكان وفي أية فرصة، هكذا كان واقع الدعوة العملي، حيث كان الرسول ﷺ يؤسس هذه العقيدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534393,"book_id":2827,"shamela_page_id":182,"part":"8","page_num":11,"sequence_num":182,"body":"مظاهر التطبيق العملي للعقيدة بعد الهجرة إلى المدينة\rمما يتعلق بمنهج الرسول ﷺ: الناحية العملية بعد هجرته ﵊ إلى المدينة: فالرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة النبوية وأمر الصحابة بالهجرة، تحولت الحياة هناك إلى تطبيق عملي واقعي للعقيدة الإسلامية.\rأيها الإخوة في الله! إن من المهم جداً أن تعرفوا أن العقيدة والإيمان والتصديق القلبي بحاجة ماسة إلى أن تتمثل في حياة الإنسان العملية، وأن تعرفوا كيف أن الرسول ﵊ طبق تلك العقيدة الصافية بين المؤمنين في تلك الأماكن وفي تلك البقاع حين هاجر ﵊ إلى المدينة النبوية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534394,"book_id":2827,"shamela_page_id":183,"part":"8","page_num":12,"sequence_num":183,"body":"مؤاخاة النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار\rأولاً: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: والمؤاخاة تطبيق عملي؛ فلا تظنوا أن المؤاخاة هي جوانب مناصرتك ومحبتك، بل هي جوانب رباط تربط بين المؤمنين؛ لأنهم تجمعهم العقيدة؛ ولهذا كانت الأخوة في الله من أهم الأمثلة العملية على صدقنا، فإن الرسول ﵊ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وهذا يأتي من خلال الإيمان، فالمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومن أحب لله وأبغض لله، وعادى لله، ووالى لله؛ فقد استكمل الإيمان.\rوهذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هي مؤاخاة إيمان، وهي تطبيق عملي لذلك الإيمان، فعليك أنت وأخوك أن تكونوا لحمة واحدة، ويداً واحدة، وعصاً واحدة على أعداء الله ﷾؛ ولهذا لما آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار تحول المؤمنون هناك إلى كونهم يداً واحدة فيما بينهم وضد أعداءهم، وانظروا إلى الأمة الإسلامية اليوم كيف أن هذه الأخوة الإيمانية تخلخلت إلا ما عصم ربي، بل أصبح بعض المؤمنين يلاقي من الإيذاء والسخرية والعداء أحياناً من إخوانه المؤمنين أكثر مما يلاقيه من غيرهم: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند فالرسول ﷺ وهو يؤاخي بين المهاجرين والأنصار كان يطبق تلك العقيدة عملياً في حياة المسلمين، ونحن اليوم وفي كل وقت بحاجة إلى مثل هذه التطبيقات العملية في حياتنا؛ حتى يكون إيماننا حقاً وصدقاً، وذلك حينما نتآخى فيما بيننا، فأخوك المؤمن في الهند، في مصر، في الجزائر، في المغرب، في أوروبا، في أفريقيا، في أي مكان من الدنيا؛ تربطك به رابطة الأخوة الإيمانية، هذه الرابطة التي تجمع المسلمين جميعاً إذا تحولت إلى رابطة إيمانية حقة صار المسلمون كلهم كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.\rلكن -ويا للأسف- انظروا إلى أحوال المسلمين تجدوا بينهم من التباغض ومن العداء أحياناً، ومن التدابر ومن التحاسد الشيء العجيب! مع أننا تجمعنا عقيدة واحدة، فكيف يكون هذا أيها الإخوة؟! وأين الإيمان الذي يجعل الإنسان يراقب الواحد الديان في أقواله وأعماله وتصرفاته؟! وأين الإيمان الذي يجعل الإنسان يحب أخاه ويحب له ما يحب لنفسه، ولا يرجو ثواباً من أحد، إنما يرجو وجه الله ﷾؟! هذا الإيمان هو الذي علمه رسول الله ﷺ وصدقه عملياً لما هاجر إلى المدينة؛ فكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534395,"book_id":2827,"shamela_page_id":184,"part":"8","page_num":13,"sequence_num":184,"body":"تطبيق النبي ﷺ العملي للجهاد في سبيل الله\rثانياً: من الجوانب العملية بعد الهجرة النبوية الجهاد في سبيل الله: وهذا الجهاد في سبيل الله على درجات، لكن أعلاه وأعظمه أن يقدم الإنسان نفسه وروحه في سبيل الله، وهذا ما كان علماً بارزاً من الأعلام التي تدل على حياة الصحابة ﵃ وأرضاهم، فهؤلاء الصحابة ﵃ وأرضاهم لما فرض الجهاد في سبيل الله ﷾ كان الواحد منهم يعيش حياته جهاداً من أولها إلى آخرها، وهذا الجهاد هو التطبيق العملي، ولهذا فإن النبي ﷺ حذرنا من شيء إذا تخلينا عنه -وهو من الآثار العملية التطبيقية للعقيدة- فإننا سنتصف بالذل، فقال ﵊: (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا أذلهم الله).\rوالجهاد في سبيل الله مثال عملي عظيم، حيث يقدم الإنسان نفسه في سبيل الله ﵎، والدنيا لا تساوي شيئاً، والحياة كلها قصيرة ذات كدر، فمن قدم نفسه في سبيل الله ﵎ في الجهاد فقد أفلح، ولهذا فإن النبي ﷺ بين فضل المجاهدين في سبيل الله؛ لأنه فعلاً تطبيق عملي، والواحد منا ما عنده مانع أن يبذل ساعة من وقته، وما عنده مانع أن يبذل جزءاً من ماله، وما عنده مانع أن يبذل شيئاً من جهده وقدرته، لكن أن يبذل نفسه في سبيل الله فلا! ولهذا لما جاء الصحابي الذي اعترف بالزنا والصحابية التي اعترفت بالزنا أقام عليهما رسول الله ﷺ الحد، ولما رجمت الصحابية ﵂ وأرضاها سبها أحد الصحابة، فنهاه النبي ﷺ وأخبره أن هذه قد قدمت نفسها في سبيل الله، يعني: رضيت أن تقدمها ليقام عليها حكم الله ﷾، فكيف إذا قدم الإنسان نفسه وجاد بها في سبيل الله ﵎؟! إن ذلك أعظم دليل على صدق الإيمان بالله ﵎، ولذلك كان حديث القرآن عن المنافقين والمترددين والمشككين وغيرهم أعظم ما يتمثل في تركهم وتقاعسهم عن الجهاد في سبيل الله ﵎، أما ذلك المقبل على الجهاد في سبيل الله مقدماً نفسه، فهذا دليل الإيمان.\rإذاً: الجهاد في سبيل الله تطبيق عملي عظيم جداً يدل على صدق الإيمان، ويدل على قوة الإيمان، ويدل على أن هذا الإنسان فعلاً يؤمن بالله، ويحب الله، ويحب لقاء الله، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ فقال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)، لهذا كان الجهاد في سبيل الله ﵎ علامة بارزة عملية في حياة المسلمين.\rوالصحابي الذي كان في وسط المعركة، وليس بينه وبين الجنة إلا لحظات، هذا الصحابي الجليل يقول: (والله! إني لأجد ريح الجنة من وراء أحد)، وآخر كان معه تمرات يأكلها ليتقوى بها على المعركة، فلما بدأ يأكلها استبطأ الجنة، واستبطأ الشهادة في سبيل الله.\rوقال: إنها لحياة طويلة أن أعيش إلى أن أكمل أكل هذه التمرات! ثم رمى بها، واتجه إلى المعركة، فقاتل حتى قتل في سبيل الله، هذا جانب عملي في حياة المؤمنين، أما الدعاوى فقد يدعي الإنسان ويدعي ويدعي، ثم إذا طُلب منه القليل في الدعوة إلى الله ﷾ تكاسل! وهذا يدل على أن تلك الدعاوى غير صحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534396,"book_id":2827,"shamela_page_id":185,"part":"8","page_num":14,"sequence_num":185,"body":"إيجاد النموذج العملي للعقيدة\rأيضاً من الجانب العملي لمنهج الرسول ﷺ في المدينة: إيجاد النموذج العملي للعقيدة: فقد كان الواحد من الصحابة ﵃ وأرضاهم تطبيقاً عملياً لكل ما يؤمن به، حيث كان ذا طاعة تامة وامتثال مباشر، وهذه هي الحقيقة الإيمانية.\rفأصحاب النبي ﷺ قبل تحريم الخمر كان بعضهم جالساً يشرب الخمر، فيأتيه الأمر من الله ﷾ بتحريم الخمر؛ فيقلع عنه خلال لحظات.\rوالمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله ﵎ بالحجاب فتبادر بامتثال هذا الأمر الرباني، فتحتجب، وتصلي مع النبي ﷺ أول صلاة وهي محتجبة، ولقد كانت الصحابيات كأنهن الغربان حين صلين مع رسول الله ﷺ بعد الأمر بالحجاب.\rفالرسول كان يأمر فينفذ أمره، والرسول يقول فيُسمع ويُطاع قوله، أما نحن اليوم فمن مصيبتنا أننا نؤمن نظرياً؛ ثم إذا جئنا إلى الجوانب العملية نجد التنفيذ قليلاً أو ضعيفاً أو أحياناً لا يوجد تنفيذ، فالرسول ﷺ كان يربي؛ ولهذا كان كل صحابي من أصحاب النبي ﷺ تجده في معاملته وخلقه وسلوكه وأموره كلها تطبيقاً عملياً لهذه العقيدة، حتى إن الواحد منهم كان لا يكذب ولا يغدر، حتى على الكفار.\rفهذا خبيب بن عدي ﵁ وأرضاه لما أسر وذُهب به إلى مكة سجن، ولما حدد موعد القتل ليشهده الطغاة والكفار في مكة لتنفيذ الإعدام والقتل لهذا الصحابي الجليل سجنوه في أحد البيوت، ومع هذا فإنه ﵁ وأرضاه لم يغدر، حيث إن المرأة أرسلت لـ خبيب الموسى حتى ينظف نفسه؛ ليستعد للقاء الله ﷾ والشهادة في سبيله؛ كما يستعد المحرم عندما يحرم بالحج أو العمرة؛ فإنه يتنظف ويزيل عنه شعثه وغبره وشعره الزائد استعداداً للإحرام، كذلك أيضاً فعل خبيب؛ لأنه يعلم أن المشركين حددوا ذلك الوقت ليقتلوه، فأخذ يستعد للقاء الله ﷾، فطلب الموسى حتى يستحد، وحتى يهيئ نفسه؛ ليكون نظيفاً طاهراً في ثيابه وفي جسده الظاهر، كما أنه نظيف طاهر في قلبه وإيمانه ﵁.\rفأرسلت المرأة التي كان خبيب يسكن عندها الموسى مع طفلها، فذهب هذا الطفل ليعطيه إياه، فلما مرت عليها لحظات تذكرت أنها وقعت في ورطة، وقالت: أرسلت طفلي بالموسى لرجل ينتظر القتل بعد سويعات، فما يؤمنني لعله أن ينتقم من المشركين بأن يقتل هذا الطفل في آخر لحظة، حتى يؤدب أبا هذا الطفل وغيره ممن تعاونوا على قتله! وفعلاً ذهب الطفل وأعطى خبيباً الموسى، وبعد أن يعطيه الموسى إذا بالأم تأتي هلعة مذعورة، خوفاً على ابنها، فقال لها خبيب: (هل تخافين عليه مني؟! ما كنت لأفعل).\rإنه خلق الإيمان منه ﵁ وأرضاه! وهكذا يتحول المؤمن في كل مكان إلى واقع وتطبيق عملي لهذه العقيدة، فلا يكذب على إخوانه المؤمنين، ولا على غيرهم، ولا يغدر حتى ولو على الكفار، إلا إذا كان وقت المعركة والحرب مع من لا ذمة له، فالحرب خدعة، كما قال الرسول ﷺ، لكن من خلق المؤمن أنه لا يستبيح أموال ولا دماء ولا أعراض الكفار إلا إذا كانوا محاربين.\rإذاً: كان أصحاب النبي ﷺ قد رُبوا على أن تكون حياتهم تطبيقاً عملياً لتلك العقيدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534397,"book_id":2827,"shamela_page_id":186,"part":"8","page_num":15,"sequence_num":186,"body":"تحذير النبي ﷺ من أمور متعلقة بالعقيدة\rوننتقل إلى الأمر الرابع المتعلق بمنهج الرسول ﷺ في هذا الباب، ألا وهو: جوانب من التحذير حذر منها رسول الله ﷺ؛ لأنها تؤدي إلى واقع عملي فيما يتعلق بالعقيدة وأثرها، ومن ذلك ما يلي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534398,"book_id":2827,"shamela_page_id":187,"part":"8","page_num":16,"sequence_num":187,"body":"تحذير النبي ﷺ من الفتن\rأولاً: حذر الرسول ﷺ من الفتن والوقوع فيها: لأن الفتن إذا وجدت ووقعت قد تؤدي إلى الضلال والإلحاد، وهذا التحذير تحذير نظري وعملي، وهذا واضح جداً، فإن النبي ﷺ نهى عن الخوض في وقت الفتن، ونهى عن القتال في وقت الفتن؛ لأن هذه الفتن تكون نظرية وعملية في حياة الناس إذا وقعت، والإنسان المؤمن هو الذي يحذرها نظرياً، ثم أيضاً يحذرها عملياً، فلا يخوض فيها، ولا يشارك فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534399,"book_id":2827,"shamela_page_id":188,"part":"8","page_num":17,"sequence_num":188,"body":"تحذير النبي ﷺ من مشابهة الكفار\rثانياً: التحذير من مشابهة اليهود والنصارى: وهذه مفارقة عملية لحياة المسلمين، وانتبهوا لها أيها الإخوة في الله! فقد جاء أكثر من حديث للنبي ﵊ حذر فيه من مشابهة اليهود والنصارى والسير في طرقهم، بل صارت المشابهة أصلاً في التحريف، أي أنها جانب عرف عن الكفار واختصوا به، فلا يجوز للمسلمين أن يعملوا ذلك؛ لأنه والحالة هذه يؤدي إلى المشابهة، والرسول ﷺ قد حذر من ذلك لأن اليهود والنصارى كانوا على ضلال، ولا يزالون على ضلال إلا من هداه الله.\rفالرسول ﷺ من أجل أن يحذر المؤمنين في حياتهم العملية والواقعية نهى عن التشبه بالكفار، وهذا التشبه لو تأملتم اليوم حياة المسلمين ستجدون عجباً! ولو طبقنا هذا لوجدنا جوانب عجيبة في حياتنا يتمثل فيها ذلك، لكن الأمر وللأسف صار بالعكس؛ حيث صارت مشابهة الكفار واليهود والنصارى مسخرة لبعض المسلمين، وانظروا كيف انقلبت الموازين وانعكست في حياتنا؛ ولهذا فإن الرسول ﷺ لما حذر من مشابهة اليهود والنصارى إنما هو تحذير عملي واقعي يؤدي إلى تطبيق التميز لعقيدة المسلمين، فالمؤمن يتميز في أي مكان عن أي يهودي أو نصراني أو وثني أو كافر أو مشرك، لكن إذا رضي المسلمون تلك المشابهة، ورضوا بأن يكونوا مثلهم في أخلاقهم وسلوكهم، لم يحصل تميز المؤمن من غيره، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم) أن المشابهة الشكلية تؤدي إلى المشابهة العقلية، فالإنسان إذا شارك قوماً في عاداتهم وأكلهم ولباسهم وغير ذلك، فإنه لا محالة تنتهي به الحالة إلى أنواع من المشابهات في أخلاقهم وسلوكهم وربما عقلهم، ولذلك حذر النبي ﷺ من ذلك تحذيراً تاماً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534400,"book_id":2827,"shamela_page_id":189,"part":"8","page_num":18,"sequence_num":189,"body":"تحذير النبي ﷺ من عبادة القبور والبناء عليها\rأيضاً من الأمور التي حذر منها رسول الله ﷺ ولها تطبيق عملي: التحذير من عبادة القبور والبناء عليها وتقديسها ونحو ذلك: ولهذا قال النبي ﷺ في مرض موته: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد)؛ لأن البناء على القبور وتجصيصها ونحو ذلك طريق عملي للشرك بالله ﷾، وينقل الإنسان نقلة خطيرة في حياته؛ فالنبي ﷺ حذر من ذلك؛ لأجل أن تكون العقيدة صافية؛ ولأجل ألا يكون هناك بديل عن العقيدة القائمة على الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، فإذا ما عملت الأمة الإسلامية بهذا، وحذرت من ذلك، ومنعت من عبادة القبور والبناء عليها وغير ذلك؛ فإنها -والحالة هذه- تؤسس التأسيس الصحيح لبناء عقيدة سليمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534401,"book_id":2827,"shamela_page_id":190,"part":"8","page_num":19,"sequence_num":190,"body":"وجوب محبة النبي ﷺ\rأيضاً من الأمور التي ركز عليها رسول الله ﷺ وهي جانب عملي: محبة الرسول ﷺ: ومن أعظم مقتضياتها طاعته ﵊؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فاتباع الرسول ﷺ دليل محبة الله ودليل محبة الرسول ﷺ، فالواجب أن يقدم الإنسان محبة الرسول على النفس والولد والناس أجمعين.\rومن هنا أيها الإخوة! فإن محبة الرسول لا تبقى نظرية، وإنما لها أدلتها وواقعها العملي، والرسول ﷺ حينما يأمر بتقديم محبته على محبة النفس وغيرها، إنما يبني عند الإنسان وفي قلب الإنسان أن تتحول حياته وأموره كلها إلى طاعة هذا النبي الكريم ﵊، والحرص على سنته، والحرص على أن يكون الإنسان ممن يُوفق للشرب من حوضه يوم العرصات، وممن يُوفق إلى أن يكون معه في الجنة، وهذه كلها لا تنال بالأماني والنظريات، وإنما تُنال بالمتابعة العملية لهذا النبي الكريم ﷺ.\rوهكذا أيها الإخوة! هناك جوانب كثيرة جداً في منهج الرسول ﵊ تدل على ذلك، أكتفي بهذا فيما يتعلق بهذا الموضوع، وبقي علينا موضوعات أخرى تتعلق بالتطبيق العملي للعقيدة، ومنها منهج القرآن الكريم في ذلك، ومنهج أهل السنة والجماعة في ذلك، وقضايا أخرى أتركها لمناسبة أخرى.\rأسأل الله ﷾ أن ييسر لنا أن نوضحها بإذن الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534402,"book_id":2827,"shamela_page_id":191,"part":"8","page_num":20,"sequence_num":191,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534403,"book_id":2827,"shamela_page_id":192,"part":"8","page_num":21,"sequence_num":192,"body":"كيفية موالاة العصاة من المسلمين\r\rالسؤال\r كيف يكون الولاء لمن كان مسلماً، ولكن عليه كثير من الذنوب والمعاصي؟\r\rالجواب\r يكون الولاء له بقدر إيمانه، والعداوة والبغضاء بقدر فسقه ومعصيته، فجميع المؤمنين المسلمين لهم الولاء، لكن الولاء والبراء أقسام: القسم الأول: ما كان منه بالنسبة للمؤمنين المتقين الأخيار؛ فهؤلاء لهم الولاء التام.\rالقسم الثاني: الكفار على مختلف أشكالهم، هؤلاء لهم البغض التام والعداوة التامة.\rالقسم الثالث: من كان من المؤمنين عنده معصية أو نحوها لا توصله إلى الكفر، أو بدعة لا توصله إلى الكفر؛ فنحن نحبه ونواليه بقدر إيمانه، لكن نعاديه بقدر معصيته، وتلك المعاداة لها دلائلها، منها الهجر إذا كان ينفع فيه الهجر، ومنها المناصحة المستمرة، ومناصحتك له معناها أنك تظهر له أنك تكره ما عنده من معصية، وهكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534404,"book_id":2827,"shamela_page_id":193,"part":"8","page_num":22,"sequence_num":193,"body":"الفرق بين خوف العبادة والخوف الطبيعي\r\rالسؤال\r إذا كان هناك رجل يخاف من آخر، ولكنه يخاف من الله أكثر، فهل هذا طبق التطبيق العملي للعقيدة؟\r\rالجواب\r الخوف قسمان: خوف طبيعي، وهذا لا يدخل في موضوع الخوف المحرم؛ فكونك تخاف من أسد أو من عدو أو من نار؛ هذا خوف طبيعي لا يحاسب عليه الإنسان، والناس يتفاوتون فيه، فمنهم الشجاع ومنهم الأقل.\rلكن الخوف الذي هو خوف عبادة، هو الخوف من العباد فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷾، فإذا كان الله هو الذي بيده الحياة والموت والرزق وغير ذلك والعباد لا يملكون من هذا شيئاً، فيجب أن تخاف من الله، وأن توحد الله ﷾ في هذا الخوف، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فهذا هو الخوف الذي هو خوف عبادة.\rوقد يقول قائل: اضرب لي مثالاً، فأقول: لو أن إنساناً خاف من ساحر أو من أحد الأولياء في القبور؛ لأن بعض عبدة القبور يقول لك: إذا أنت سببت عباد القبور فسوف ينالك الولي أو الساحر بكذا وكذا، فهل تتخلى عن عقيدتك من أجله؟! وهل تخاف على نفسك منه؟! إنهم لا يملكون من الأمر شيئاً، فإذا أراد الله أمراً كان، كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح في وصيته لـ ابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فهذا الساحر أو الكاهن أو صاحب القبر لا يملك شيئاً، فكيف تخاف منه؟ ولهذا تجد عباد القبور يرجونه ويخافونه من دون الله، كما قال تعالى عن الذين كانوا يخافون من الجن ويتعوذون بهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦]، أي: تسلط الجن عليهم لأنهم خافوهم من دون الله، لكن كون الإنسان يخاف من فلان أن يضربه أو شيء من ذلك، هذا فيه جزء من الخوف الطبيعي، ولا شيء فيه إن شاء الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534405,"book_id":2827,"shamela_page_id":194,"part":"8","page_num":23,"sequence_num":194,"body":"كتب مهمة في التوحيد\r\rالسؤال\r في هذه الأيام يكثر وقت الفراغ، ويُستغل هذا الفراغ بالقراءة، ونود منك أن تنصح بكتاب في العقيدة نقرؤه في هذه العطلة؟\r\rالجواب\r الكتب تتفاوت بالنسبة لطلبة العلم، لكن أنا أنصحكم في هذه العطلة بمدارسة كتاب (التوحيد) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، و (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأنصحكم أيضاً بقراءة كتاب (التوحيد) للشيخ صالح الفوزان، الذي هو مقرر الثانوية العامة، وطُبع مستقلاً بعنوان (كتاب التوحيد)، وكتاب التوحيد هذا كان مقرراً في الثانوية، وأظنه إلى الآن مقرراً في الثانوية العامة، وهو كتاب لطيف مختصر ممتاز فيه قضايا كثيرة مهمة، فأنصحكم بقراءة هذا الكتاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534406,"book_id":2827,"shamela_page_id":195,"part":"8","page_num":24,"sequence_num":195,"body":"جهل كثير من طلاب المدارس بالعقيدة\r\rالسؤال\r في إحدى المدارس الثانوية سأل أحد الأساتذة سؤالاً وهو: ما هو تعريف توحيد الألوهية؟ فلم يعرف أحد منهم، فسأل عن توحيد الربوبية؟ فإذا أحدهم يجيب بقوله: هي أقوال وأفعال مخصوصة تُفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم، فما تعليقكم على ذلك؟\r\rالجواب\r أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! أن يعرف توحيد الربوبية بالصلاة، فهذا التعريف هو تعريف الصلاة، فهي: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فإذا كان الفصل لم يعرف ما هو توحيد الألوهية فهذه مصيبة، وإذا كان الفصل لم يعرف أحد منهم تعريف توحيد الربوبية فهذه مصيبة، وإذا كان بعضهم عرف الربوبية بتعريف الصلاة فالمصيبة أعظم، وهذا من الجهل المركب، وهو بخلاف الجهل العادي.\rيعني: قد يجهل أحدنا مدينة معينة أو يجهل كتاباً، ويقول: أنا لا أدري؛ فهذا ليس فيه شيء، لكن الجهل المركب هو: أن يتراكب عليك الجهل فتظن أن هذا الشيء هو كذا وتفهمه على غير حقيقته، هذا هو الجهل المركب، يعني: قد تسأل واحداً وتقول له: ما هو هذا؟ فيقول لك: لا أدري، فهذا جهل بسيط، لكن يأتي واحد ثانٍ ويقول لعلبة المناديل: هذا ميكروفون، فهذا جهل مركب؛ لأنه لم يعرف الشيء، لكن أضاف إليه أنه عرفه على غير حقيقتة، فكون هذا الإنسان يعرف توحيد الربوبية بالصلاة هذا جهل مركب.\rوهذا يدل على أن واجبنا كبير بالنسبة لتربية الناس وتفهيمهم بأصول العقيدة، فهذه والله مصيبة، وقد أخبرني أحد الأساتذة وقال: دخلت في فصل الثانوية وطلبت منهم قراءة الفاتحة، فلم يحسن قراءة الفاتحة إلا واحد، فقلت: أعوذ بالله! طالب في الثانوية العامة درس الابتدائي والمتوسط قرابة العشر سنوات ولا يحفظ الفاتحة! هذه مصيبة، فالعامي كبير السن من البادية إذا التقينا به في البادية وصار يغلط في الفاتحة عذرناه، لكن الطالب الدارس ليس كذلك.\rإذاً: أيها الإخوة! واجب علينا جميعاً أن نعلم الناس هذه العقيدة، وأن نفهمهم إياها، وأن نبسطها لهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534407,"book_id":2827,"shamela_page_id":196,"part":"8","page_num":25,"sequence_num":196,"body":"دعوة النبي ﷺ في مكة نظرية عملية\r\rالسؤال\r هل كانت الدعوة في مكة عملية ونظرية أم عملية فقط؟\r\rالجواب\r نحن قلنا إنها كانت نظرية عملية، ولم يكن الجانب العملي ينفك عن النظري، فقد كان العملي مضمناً للنظرية، ولهذا قال العلماء: توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية مستلزم لتوحيد الربوبية، فالتوحيدان -توحيد المعرفة وتوحيد العمل- متلازمان، وهكذا كان أيضاً منهج الرسول ﷺ في دعوته في مكة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534408,"book_id":2827,"shamela_page_id":197,"part":"8","page_num":26,"sequence_num":197,"body":"أهمية الإخلاص لله في جانب التطبيق العملي للعقيدة\r\rالسؤال\r ما هي الوسائل التي تعين الشباب على تطبيق العقيدة تطبيقاً عملياً؟\r\rالجواب\r الوسائل كثيرة، لكن من أهمها: صدق التعامل مع الله ﷾، هذا هو الأساس الوحيد، يعني: أن الآخرين قد يعرفون عنك أو لا يعرفون؛ وقد تخطئ وقد تصيب، وقد ينتقدونك وقد يمدحونك، لكن أهم شيء أن تصدق مع الله ﷾، وأن تعلم أن الخلق من أولهم إلى آخرهم -وأولهم أبوك وأمك وأقرب الناس إليك- لا يستطيعون أن ينفعوك بشيء، ولا أن يضروك؛ ولا يملكون لك من الأمر شيئاً؛ بل لا يملكون لأنفسهم شيئاً.\rفإذا علمت ذلك وأيقنت فوجه قلبك الله إلى الحي القيوم، ولا توجهه لمخلوق، بل وجهه إلى الحي الذي لا يموت ﷾، كما قال جل شأنه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]، فإذا وجهت قلبك إلى الله ﷾ أعطاك الله ﵎ من اليقين والعمل ما يتحول بعونه وتوفيقه إيمانك إلى واقع عملي، وهذا هو باب الإخلاص الكبير الذي يجب أن نتذكره دائماً.\rفعليك بالإخلاص لله وأنت تعمل، وأنت تدعو إلى الله، وأنت تزور أخاك، وأنت تقدم قليلاً من المال في سبيل الله، وأنت تبتسم في وجه أخيك، وأنت تعمل الأمور الكبيرة جداً، وتذكر أنك تعمل هذا لا لتمدح وإنما لتنال الأجر عند الله ﷾، ولتجده مكتوباً مسطراً في كتاب ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]؛ ولهذا كان هذا الإخلاص هو الذي قطع قلوب العارفين؛ لأن تهيئة النفس والقلب لهذا الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة، فجاهد قلبك، وإذا ما أخلصت لله ﷾ يوفقك الله، ويرضى عنك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534409,"book_id":2827,"shamela_page_id":198,"part":"8","page_num":27,"sequence_num":198,"body":"معنى حديث: (إن الله يخرج من النار من قال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله)\r\rالسؤال\r ورد في الحديث: (إن الله يخرج من النار من قال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله)، فما هو معنى الحديث؟\r\rالجواب\r ليس المقصود من قال يوماً: لا إله إلا الله وفقط، وإنما المقصود من قالها ومات عليها، وأما من قالها ثم نقضها فلا تنفعه، ولهذا ورد عن النبي ﷺ في أحاديث أخرى ما يبين هذا، منها قوله ﵊: (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقوله: (من قال لا إله إلا الله صدقاً من قلبه دخل الجنة)، أي: ومات على ذلك، لكن من مات على الشرك فهذا مقطوع بأنه ليس له في الجنة نصيب، بل هو من المخلدين في النار، نسأل الله السلامة والعافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534410,"book_id":2827,"shamela_page_id":199,"part":"8","page_num":28,"sequence_num":199,"body":"حكم الأكل مع الكفار\r\rالسؤال\r لدي عمال وبينهم نصراني ومجوسي، فيأكلون معنا، فهل نخصص لهم أواني مخصصة أو نأكل معهم؟\r\rالجواب\r أولاً: واجبكم دعوة هؤلاء إلى الله ﷾، فما دام الغالبية مسلمين فالواجب دعوة هذا النصراني وهذا المجوسي، والواجب قبل ذلك على صاحب العمل ألا يستقدمهم إلى جزيرة العرب، بل الواجب على كل صاحب شركة ألا يستقدم إلا مسلمين، وعليه أن يتقي الله ﷾ في ذلك.\rأما بالنسبة للأكل معهم فلا بأس به، لكن على أن تظهروا لهم عزتكم بدينكم.\rأما هجرهم أو نحو ذلك فإنما يكون إذا كان سبباً في دعوتهم إلى الله ﷾، فالواجب التعاون على البر والتقوى في أن يكون المؤمنون إخوة، وفي أن يكونوا من أهل البراءة من الكفار.\rأما بالنسبة للأواني ونحو ذلك فلا يُشترط للأكل فيها هذا، كما ذكر العلماء في باب الآنية أنه يجوز استعمالها، وبعض العلماء رأى غسلها خوفاً من أن تكون قد طُبخت فيها لحوم الخنزير أو الميتة أو غيرها، لكن إذا أُمن ذلك فلا بأس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534411,"book_id":2827,"shamela_page_id":200,"part":"8","page_num":29,"sequence_num":200,"body":"استقدام عمال نصارى أسلم أكثرهم\r\rالسؤال\r عندي ثمان فيز للفلبين، فحاولت اختيار مسلم من الفلبين بنفسي ولم أستطع، فأحضرت نصارى، وبعد عدة أشهر أسلم ستة منهم وبقي اثنان ولا زلنا نحاول معهم، فما تعليقكم؟\r\rالجواب\r جزاك الله خيراً، وكان الأولى أن تكون أتيت بالمسلمين، لكن أنت -إن شاء الله- مادمت قد أتيت بكفار وعملت معهم، فنرجو -إن شاء الله- أن يكون قد كفر عن ذنبك بإسلام هؤلاء، ونسأل الله أن يهدي بقيتهم للدخول في الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534412,"book_id":2827,"shamela_page_id":201,"part":"8","page_num":30,"sequence_num":201,"body":"خطأ من يقول: إن الرافضة إخواننا في الإسلام\r\rالسؤال\r لقد بلغ بعض المسلمين من ضعف العقيدة أن يعتقد أن الرافضة هم إخواننا في الإسلام، فما رأيكم؟\r\rالجواب\r هذا أمر فعلاً يدل على تخلخل الفهم الصحيح لهذه العقيدة، وإلا فمن فهم عقيدة الإسلام الصافية وفهم شيئاً من عقائد هؤلاء عرف الحقيقة، وعرف أن هؤلاء الرافضة الإثني عشرية ليسوا من الإسلام في شيء؛ بسبب عقائدهم وأصولهم الكفرية المعروفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534413,"book_id":2827,"shamela_page_id":202,"part":"8","page_num":31,"sequence_num":202,"body":"تحقيق العقيدة لا يتم إلا بالعمل\r\rالسؤال\r كيف نرد على من ادعى أن تحقيق العقيدة يكون بالقلب، ولا دخل للأعمال بذلك؟\r\rالجواب\r نقول له: أنت مخطئ؛ بل بداهة لابد من دلالة، يعني: لو جاءنا إنسان وقال: أنا مهندس، وأخذ يلقي علينا محاضرة ليثبت لنا أنه مهندس، ثم لما قلنا له: صمم هذه العمارة فقال: لا أستطيع، فسنقول له: إذاً كلامك نظري لا نقتنع به، ولا يفيدك شيئاً، وكذلك أيضاً إذا قال إنسان: أنا مؤمن بالله وأطيع الله وأطيع الرسول، فلا يقبل إلا بدليل العمل، وهذا سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في القسم الثاني فيما يتعلق بالتطبيق العملي في منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534414,"book_id":2827,"shamela_page_id":203,"part":"8","page_num":32,"sequence_num":203,"body":"الفرق بين المداهنة والمداراة\r\rالسؤال\r ما الفرق بين المداهنة والمداراة في مجال الدعوة؟\r\rالجواب\r المداهنة: أن تداهن في دينك، والمداراة: أن تداري فيما تستطيع من مالك ونحوه، فالمداهنة أن تتخلى شيئاً فشيئاً عن الدين من أجل فلان أو علان، فهذه مداهنة لا تجوز، وإذا سكت عن معصية ظاهرة فهذه مداهنة.\rلكن المداراة أن تداريه وتبتسم له كفاً لشره، وتبذل شيئاً من مالك لجارك أو لغيره بالإحسان أو نحو ذلك، هذا كله من باب المداراة، لكن المداهنة تكون على حساب الدين، وهذا لا يجوز.\rهذا باختصار شديد؛ والمسألة فيها تفصيل.\rوفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وجزاكم الله خيراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534415,"book_id":2827,"shamela_page_id":204,"part":"9","page_num":1,"sequence_num":204,"body":"منهج تلقي العقيدة عند السلف ومنهجهم في الاستدلال\rليس من شك أن منهج السلف الصالح وفهمهم للدين أصلح وأحكم، وأعمق وأسلم، فقد عاشوا الوحي والتنزيل، فكانوا لذلك أعرف الأمة بالتفسير والتأويل، وهم المشهود لهم بالخيرية في القرآن، وعلى لسان رسولنا ﷺ، فلا يجوز لأحد أن يعيب فهمهم، ولا أن يتنقص علمهم، فما المتأخر بالنسبة لهم إلا كزرع صغير في أصول نخل طوال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534416,"book_id":2827,"shamela_page_id":205,"part":"9","page_num":2,"sequence_num":205,"body":"مقدمات لابد منها في منهج العقيدة\rإن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأيها الإخوة! موضوعنا لهذه الليلة هو كالمقدمة للدروس القادمة إن شاء الله تعالى، ومن ثم فسيكون الحديث بعون الله ﵎ في هذه الليلة عن منهج السلف رحمهم الله تعالى في الاستدلال، ومنهجهم في تلقي هذه العقيدة، وقد سبق أن طرحت هذا الموضوع أو قريباً منه، ومن ثم فسيكون حديثي إن شاء الله تعالى مستكملاً لما سبق.\rتعلمون جميعاً أن مسألة الإيمان والحكم به على الناس ودخول الناس في الإسلام مسألة أصيلة في حياة البشر، وكيف لا تكون كذلك والله ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].\rفالله ﷾ خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، ولأجل هذا، ولأجل أن تقوم الحجة عليهم أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأوضح للناس المحجة، حتى ترك رسل الله عليهم الصلاة والسلام -وعلى رأسهم هذا الخاتم محمد بن عبد الله ﷺ أممهم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.\rأيها الإخوة! لما كان الأمر كذلك كانت مسألة العقيدة والاعتصام بها، وسلوك منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى ليست مسألة اجتهادية يأخذ بها من شاء، ويتركها من شاء، وإنما هي مسألة عقيدة تمس حياة الإنسان في هذه الدنيا، وتمس موقفه يوم القيامة حينما يقدم على ربه ﵎.\rوالرسول ﷺ أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ثم بين ﵊ أن هذه الواحدة هي الجماعة، وهي من كان على مثل ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه.\rولما كانت هذه القضية -قضية الاعتقاد على منهج السلف رحمهم الله تعالى- قضية مهمة يجب أن يبحث عنها كل مسلم، ويجب أن يعتمدها، كان حديثنا هذه الليلة لبيان بعض معالم هذا المنهج.\rوقبل الدخول في شرح بعض قضاياه أود أن أقدم بعدة مقدمات مهمة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534417,"book_id":2827,"shamela_page_id":206,"part":"9","page_num":3,"sequence_num":206,"body":"تقسيم الدين إلى أصول وفروع\rأول هذه المقدمات: أنه اشتهر عند كثير من أهل الكلام وممن ينتسب إلى الإسلام من أهل الفلسفة وغيرهم تقسيم الدين إلى أصول وفروع، فيقولون: إن هذا أصل من أصول الدين، وهذا فرع من فروع الدين، فيجعلون مسائل الاعتقاد من أصول الدين، ومسائل الأحكام الشرعية الفرعية من فروع الدين، ثم يرتبون على هذا عدة ترتيبات، فمثلاً يقولون: إن الخطأ في مسائل الأصول قد يوصل صاحبه إلى الكفر، لكن الخطأ في مسائل الفروع، لا يوصله إلى الكفر وإنما يبقى خطأ اجتهادياً.\rأيضاً من ناحية الإثبات: فإنهم قد يثبتون الفروع بأخبار الآحاد، ولكن الأصول يرفضون أن يثبتوها بأحاديث الرسول ﷺ، ويقتصرون في إثباتها على المتواتر، وعلى أدلة العقول كما هو منهجهم.\rوهؤلاء الذين قسموا الدين إلى أصول وفروع خلطوا خلطاً عجيباً في هذا الباب، ولاشك أن تقسيمهم حادث لم يكن موجوداً على عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا على عهد القرون المفضلة من السلف رحمهم الله تعالى، فمثلاً: يجعلون كل قضية خبرية تتعلق بالإيمان بالله أو بالرسول ﷺ أو باليوم الآخر أو نحو ذلك من أصول الدين، وكل قضية تتعلق بأحكام الفروع ولو كانت الصلاة أو الزكاة أو الحج أو الصيام يجعلونها من فروع الدين، وجعلوا الأمور الأولى أموراً مهمة، والأمور الأخرى أموراً فرعية ليست ذات أهمية، والحق أن هذا التقسيم خطأ كبير جداً؛ لأن الدين الذي أخبر عنه الرسول ﷺ لما جاءه جبريل وقال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) شامل للإسلام بأركانه الخمسة، وشامل للإيمان بأركانه الستة، كما أنه أيضاً شامل للإحسان، وهو المرتبة العليا من الدين: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).\rومن ثم: فإن مسألة الصلاة يقولون: إنها من فروع الدين، ولكنها بلا شك من أصول الدين، بمعنى أن الإقرار بهذه الصلاة واعتراف المؤمن بها أصل من أصول الدين، ومن جحدها فهو كافر بإجماع العلماء.\rوكذلك الزكاة، وأيضاً تحريم الربا، وتحريم شرب الخمر، وتحريم الزنا وغير ذلك، فهذه كلها أمور معلومة من الدين بالضرورة، فهي من أصوله، فمن جاء ليجحدها ويقول: إن الله لم يحرم الربا، أو إن الله لم يحرم الخمر، أو إن الله لم يوجب الصلاة أو الزكاة فهو خارج عن دائرة الإسلام، فكيف يأتي قائل بعد ذلك ليقول: إن هذه من فروع الدين وليست من أصوله؟! فحينما نأتي ونقول: منهج السلف رحمهم الله تعالى في الاعتقاد لا يعني قضايا الاعتقاد التي يتحدث عنها بعض الناس، وإنما يشمل هذا أصول الدين التي هي أصول، ومن ثم: فإن التقسيم الصحيح لهذه المسائل إنما هو بتقسيمها إلى قسمين: خبر وطلب.\rالقسم الأول: خبر إما عن الله أو عن الرسول ﷺ، أو خبر عن اليوم الآخر أو غيره من الأخبار، فهذه كلها تسمى أخباراً.\rالقسم الثاني: طلب، وهذا الطلب هو الذي فيه الأوامر والنواهي، ما أمرنا الله ﷾ به من الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، وما نهانا الله ﷾ عنه من أكل الربا والخمر وغير ذلك، وهذا هو التقسيم المناسب والصحيح لهذا الدين، وكل من الخبر والطلب فيه ما هو أصول، وفيه ما هو فروع، وهذه هي القضية الأولى التي وددنا أن نشير إليها هنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534418,"book_id":2827,"shamela_page_id":207,"part":"9","page_num":4,"sequence_num":207,"body":"أقسام الناس في اتباع الكتاب والسنة\rالمسألة الثانية: هي أن المتتبع لأحوال الناس جميعاً يجدهم ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما: القسم الأول: المتبعون للرسول ﷺ على منهج الحق ظاهراً وباطناً.\rالقسم الثاني: المخالفون في ذلك، المعترضون على حكم الله وأمره، وعلى حكم رسوله ﷺ وأمره، ومن ثم: فإننا نشير هنا في هذه المقدمة إلى أنواع الذين اعترضوا على أمر الله ﷾ وحكمه وشرعه، وهؤلاء ثلاثة أنواع: النوع الأول: الذين يعترضون بالشبه الباطلة، والتي يسمونها قواطع عقلية، وليست قواطع عقلية، وإنما هي خيالات، كالذين ينكرون أسماء الله وصفاته، أو عموم قدرته ﵎، أو غير ذلك بأدلة العموم، هذه هي الطائفة الأولى من المتفلسفة وأهل الكلام وغيرهم.\rالطائفة الثانية: الذين يعترضون على شرعه وأمره، وهؤلاء ثلاثة أقسام: القسم الأول منهم: الذين يعترضون بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أباحه الله ﷾، أو إسقاط ما أوجبه أو إيجاب ما أسقطه إلى آخره، وهؤلاء هم أصحاب الأقيسة العقلية الفاسدة التي أرادوا أن يفسدوا بها دين الله ﷾.\rالقسم الثاني: الذين يعترضون على حقائق الإيمان وعلى حقائق الشرع بما عندهم، أو ما يسمونه بالأذواق والمواجيد والخيالات وغيرها، وهذا مشهور عند المتصوفة، فإن هؤلاء يعتقدون أن هذه الكشوفات -وهي كشوفات باطلة- تقدم على حقائق الإيمان والشرع، وقد يصل ببعضهم الأمر إلى أن يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله ﷾، ويجعل هذا مرتبة من مراتب الولاية.\rالقسم الثالث: الذين يعترضون على شرع الله وأمره بالسياسات الجائرة التي يقدمونها على حكم الله ﷾ وعلى حكم رسوله ﷺ.\rفهذه الأقسام الماضية كل واحد منهم يقدم أمراً على أمر الله ورسوله، فالأولون إذا تعارض عندهم العقل والنقل قالوا: نقدم العقل.\rالطائفة الثانية: إذا تعارض الأثر مع القياس قدموا القياس على الأثر.\rالطائفة الثالثة: إذا تعارض الذوق والوجد والكشوفات مع ظواهر الشرع قدموا أذواقهم وكشوفاتهم.\rالنوع الرابع: أصحاب السياسات يقولون: إذا تعارضت السياسة والشرع نقدم السياسة وهي السياسة الجائرة.\rالنوع الثالث: الذين يعترضون على أفعال الله ﷾ وقدره، وهؤلاء هم أعظم الناس ضلالاً وجهالة.\rوهذه الاعتراضات التي أشرنا إليها قبل قليل هي اعتراضات أولئك الذين يريدون أن يحرفوا الناس عن دينهم، وأن يبدلوا شرع الله ﷾ ودينه بعقائد وفلسفات، ويريدون أن يصرفوا الناس عن تحقيق وتحكيم شرع الله ﷾، وهذا مبني على النقطة الأولى، وهو: أننا لا نقسم الدين إلى أصول وفروع، بل الدين كله دين، والتزام أمر الله وشرعه، والتزام العقيدة الصحيحة، كل ذلك شيء واحد يجب على الجميع أن يلتزمه، ولا يجوز لإنسان أن يعتقد أنه يجوز أن يتخلى عن شيء من ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534419,"book_id":2827,"shamela_page_id":208,"part":"9","page_num":5,"sequence_num":208,"body":"المنهج العقلي الذي يصحح كل المفاهيم والمناهج\rالمسألة الثالثة في هذه المقدمة: أنه قد نبغت نابغة من قديم الزمان وهي موجودة إلى الآن جعلوا لهم منهجاً عقلياً، وهذا المنهج العقلي يسمى قديماً بالسوفسطائية، ويلتزمه كثير من أرباب الفلسفات المعاصرة، وقد ينتحله كثير من أرباب الحداثة وغيرهم، وهؤلاء هم الذين يقولون: ليس هناك حق ثابت في نفس الأمر، بل كل من اعتقد عقيدة، وكل من قال قولاً، فإن قوله يحتمل أن يكون حقاً، بل يجب أن يكون حقاً، وهؤلاء هم الذين يتنكرون لكل ثابت، ويقولون: إنه ليس هناك شيء ثابت في دين الله ﷾، فيناقشون في البدهيات، ويدعي الواحد منهم علم كل شيء، والحق عند هؤلاء مسألة نسبية وإضافية، وهو ما يراه كل شخص بعينه، وهذه القضية تجد كثيراً ممن يطرحها ويقول: لماذا نأتي ونقول: نرجع إلى مذهب السلف الصالح؟ ولماذا تريدون أن تعودوا بنا إلى ذلك العهد؟ الظروف تختلف، والأحوال تختلف، ومن ثم فإن الحقائق أيضاً تختلف، ولما كان الأمر كذلك فإنك تجد الواحد من هؤلاء يظن أن كل من انتحل نحلة أو اعتقد عقيدة فإنه يجوز أن تكون هذه النحلة وهذه العقيدة صحيحة، وهذا ما نشاهده لدى كثير من العلمانيين والحداثيين وغيرهم، يقول الواحد من هؤلاء: إن كل شيء تنتجه الأرض الإسلامية فهو إسلامي وهو حق، ويجب أن نصدقه، ويجب أن يكون منهجاً لنا في مستقبل حياتنا، ولو كان هذا الشيء كفراً وشركاً وإلحاداً وغير ذلك، وهذه قضية من القضايا التي يطرحونها دائماً وباستمرار، وينبغي أن يتنبه لها أهل العلم، وطلبة العلم، والدعاة إلى الله ﷾، فقضية الرجوع إلى منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هي مسألة دين وعقيدة، وليست مسألة اجتهاد، وكل مجتهد مصيب كما يزعم كثير من هؤلاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534420,"book_id":2827,"shamela_page_id":209,"part":"9","page_num":6,"sequence_num":209,"body":"مصدر التلقي عند السلف الصالح\rبعد هذه المقدمات الثلاث ننتقل إلى منهج السلف رحمهم الله تعالى ومصدرهم في التلقي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534421,"book_id":2827,"shamela_page_id":210,"part":"9","page_num":7,"sequence_num":210,"body":"الكتاب والسنة مصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة\rأول قضية بدهية تقف معنا في هذا الباب هي أن مصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة هو الكتاب والسنة، فكتاب الله ﵎، وسنة رسوله ﷺ هما المصدران الأساسيان لهذه العقيدة، ولا يجوز لأي إنسان يدعي الإسلام ويدعي أنه مؤمن بهذا الدين أن يتخلى أو أن يتنقص هذين المصدرين بأي حال من الأحوال، وهذه قضية دلت عليها الأدلة الكثيرة، والله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ويقول ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، وهذا دليل على أن من اعتمد على الكتاب والسنة ولم يخرج عنهما فهو الذي سلك المنهج الحق، ولا خيار لأي إنسان أن يسلك أي منهج شاء، يقول ﷾: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥]، وهذا في الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويتركون بعضه.\rأما من السنة فقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في هذا الباب تبين وجوب اتباع شرعه، وأنه ﵊ آتاه الله القرآن ومثله معه، والرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.\rفمسألة الاعتصام بالكتاب والسنة مسألة أساسية، وهي المصدر الأساسي لتلقي هذه العقيدة بأصولها وفروعها، والسلف رحمهم الله تعالى كانوا مسلمين بهذا تسليماً تاماً، ولما سئل الزهري رحمه الله تعالى عن قول النبي ﷺ: (ليس منا من شق الجيوب) ما معناه؟ فقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى كلمته المشهورة: من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.\rفما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلا خيار لأحد أن يسلكه أو لا يسلكه، بل يجب عليه أن يسلكه، والله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] فالخيرة ليست لأحد، وإنما هي لما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومن ثم فإن هذين المصدرين -الكتاب والسنة- هما اللذان سلكهما السلف الصالح رحمهما الله تعالى، وهما اللذان يجب أن نسلكهما إذا أردنا أن تعود لهذه الأمة الإسلامية حقيقة مجدها وعزها الذي عاشت فيه، والله ﷾ تكفل بنصر دينه إذا نحن نصرناه، يقول ﵎ في كتابه العزيز: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ونصر الله ﷾ إنما يتحقق إذا نصرنا دينه، ونصر دينه إنما يكون بالاعتصام بهذا الدين بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534422,"book_id":2827,"shamela_page_id":211,"part":"9","page_num":8,"sequence_num":211,"body":"أقسام الناس تجاه الكتاب والسنة\rالناس تجاه هذين المصدرين -الكتاب والسنة- على أنواع: النوع الأول: الذين يقبلونه ظاهراً وباطناً، يقبلون ما جاء به الكتاب ظاهراً وباطناً، وهؤلاء قسمان: أهل فقه وفهم، وأهل حفظ ورواية.\rالنوع الثاني: الذين يردون الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهؤلاء أيضاً قسمان: قسم عرف الحق ولكنه حسداً من عند نفسه رفض الإيمان، ورفض اتباع الكتاب والسنة، والقسم الثاني هم أتباع لهؤلاء.\rالنوع الثالث: هم الذين قبلوه ظاهراً وردوه باطناً، وهؤلاء هم المنافقون الذين يعلنون أنهم مؤمنون، وأنهم لا يرضون عن الكتاب والسنة بديلاً، ثم هم في الباطن يحاربون الكتاب والسنة، ويحاربون الدعاة إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].\rالنوع الرابع: من قبله باطناً وجحده ظاهراً، وهذه قد تحدث للمستضعفين في بعض الأزمان وفي بعض الأماكن، فلا يستطيع أن يظهر الإسلام، بل قد يضطر إلى أن يعلن أنه ليس من أهل الإسلام وإنما هو في حقيقة أمره في الباطن من المؤمنين الصادقين، وهذا حدث في فترات من تاريخنا الإسلامي، ففي الأندلس لما هجم النصارى على المسلمين هناك أرغموهم على إعلان النصرانية، فكان المسلمون هناك يظهرون النصرانية ويذهبون بأولادهم إلى الكنائس، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم يجلسون في الخلوات يعلمون أولادهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وتلك محنة جرت للأمة الإسلامية يطول وصفها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534423,"book_id":2827,"shamela_page_id":212,"part":"9","page_num":9,"sequence_num":212,"body":"المعالم الأساسية في الاعتماد على الكتاب والسنة\rينبغي أن يعلم أن الاعتماد على الكتاب والسنة له معالم أساسية، وأول هذه المعالم: أن الإيمان لا يتحقق إلا بذلك.\rالأمر الثاني: أن العقول البشرية لا يمكن أن تستقل بتحصيل المعارف بنفسها، فلا بد من الالتزام والاعتماد على خبر الصادق.\rالأمر الثالث: ينبغي أن يعلم أن النبي ﷺ معصوم تمام العصمة فيما يبلغه عن ربه ﵎.\rالأمر الرابع: ينبغي أن نعلم أنه لا يمكن أن تكون بين نصوص الكتاب والسنة تعارض وتنازع، فلا يمكن أن يأتي نص يناقض نصاً ولا يخالفه؛ لأن نصوص الكتاب والسنة كما سلف قسمان: إما أخبار وإما أوامر ونواهي، فأما الأخبار فإن هذه لا يمكن أن يأتي نص يخالف نصاً أبداً، وأما الأوامر والنواهي فهي الأحكام الشرعية التي قد يدخلها النسخ، وقد تختلف فيها اجتهادات العلماء كما اختلف فيها الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهذه من حكمة الله ﵎، لكن لا يمكن أن يصدر عن النبي ﷺ في وقت واحد نصان متعارضان أبداً، وإنما قد يرد نص في الدلالة على أمر معين والأمر به، ثم بعد ذلك ينسخه الله أو ينسخه الرسول ﷺ بأمر من الله ﵎، لكن أن يكون هناك نصان يتعارضان فهذا لا يمكن أن يحدث أبداً.\rوفي ختام الكلام على هذين المصدرين أود أن أشير إلى فكرة ربما يطرحها بعض الذين في قلوبهم مرض من العلمانيين وغيرهم، وهذه الفكرة قد تكون بدأت بوادرها الآن وهي: أن هؤلاء يرفعون الآن لواء الرجوع إلى الكتاب والسنة دون الرجوع إلى فهم السلف للكتاب والسنة، وهذه قد تكون كلمة حق ولكن أرادوا بها باطلاً، وهم يعلمون أنه لا يمكن الهجوم على الكتاب والسنة، ولا يمكن أن يكون هناك رفض تام للعقيدة، ولا للكتاب ولا للسنة؛ لأن هذه ردة مفضوحة لا يستطيعون أن يطرحوها، فلجئوا إلى أسلوب آخر يريدون أن يبدءوا من خلاله تحطيم شريعتنا وتحطيم عقيدتنا، فجاءت هذه الفكرة تقول: ينبغي أن نرجع إلى الكتاب والسنة، وأن نفهمهما من خلال واقعنا المعاصر، ولا نلتفت إلى فهم السلف، ولا إلى فهم العلماء السابقين، ولا إلى ما أصلوه من أصول، ولا إلى ما قعدوه من قواعد، ومن ثم فنحن نرجع إلى الكتاب والسنة ونتدارس مفاهيمهما وما نخلص إليه هو الذي نتفق عليه، وهو الذي نعمل به، وهذه معناها أن نتخلى عن كل ما سبق من تاريخنا وتراثنا في فهم الكتاب والسنة وشروحهما، ثم نبدأ فهماً جديداً، ومن هو الذي يفهم هذا الفهم الجديد؟ كل من أراد أن يفهم الكتاب والسنة فليفهمهما، العالم والجاهل والعامي وهذا الملحد الزنديق الذي لم يعلم كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ، ولم يتشبع بهما، كل هؤلاء يمكن أن يفسروا كتاب الله، وأن يفسروا سنة الرسول ﷺ، وهذه قضية خطيرة جداً لعل فيما يأتي إن شاء الله تعالى إشارة إلى بعض جوانبها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534424,"book_id":2827,"shamela_page_id":213,"part":"9","page_num":10,"sequence_num":213,"body":"فهم الصحابة للنصوص مقدم على فهم غيرهم\rالقضية الثانية المتعلقة بمصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة هي: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم المبلغون عن الرسول ﷺ، ومن ثم فإن فهمهم للنصوص مقدم على فهوم غيرهم، وهذه قضية تابعة للأولى لكنها مرتبطة بها ارتباطاً تاماً، وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا أحرص الناس ﵃ وأرضاهم على فهم الكتاب والسنة وعلى تطبيقهما، ومن ثم فإن التطبيق العملي عقيدة وشريعة لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ نجده أفضل ما يكون عند أولئك الصحب الكرام ﵃ أجمعين، ولقد تميز هؤلاء الصحابة بعدة ميزات، ولعل من أهمها حرصهم الشديد على الفهم عن رسول الله ﷺ، حتى كان الواحد منهم إذا حدث عن الرسول ﷺ يقول: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به ﵊.\rكذلك أيضاً كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن المسائل وعما يشكل عليهم، والنبي ﵊ لما سأله أبو هريرة ﵁ وأرضاه وقال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال النبي ﷺ له: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسأل عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث).\rوكانوا أيضاً يراجعون السنة، بل كانت عائشة ﵂ وأرضاها زوج النبي ﷺ لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وهذا في صحيح البخاري.\rوأنس بن مالك ﵁ وأرضاه يقول: (كنا نكون عند النبي ﷺ فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه).\rفالصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا حريصين كل الحرص على التلقي عن رسول الله، وعلى حسن الفهم عنه، وعلى تطبيق ما يرد إليهم وما يسمعونه، سواء كان من كتاب الله أو من حديث رسوله ﷺ، وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم قد آتاهم الله حفظاً، ودعا الرسول لبعضهم، بل كانوا ﵃ وأرضاهم يحتاطون في الحديث عن رسول الله ﷺ احتياطاً شديداً، وهذه القضية معروفة لدى علماء الحديث، والنتيجة التي ينبغي أن نخلص منها هنا هي: أن الكتاب والسنة يرتبط فهمهما وتفسيرهما في الاعتقاد والفروع أول ما يرتبط بفهم السلف رحمهم الله تعالى، وأي انفكاك عن هذا الفهم فهو ضلال مبين، وانفتاح لباب القرامطة والرافضة، والعقلانيين والفلاسفة، والمعتزلة والمتأولة وغيرهم.\rوهذه القضية -وهي قضية أن السلف رحمهم الله تعالى هم الذين يجب أن يتلقى عنهم فهم النصوص- هي التي قررها علماء السلف المتقدمون منهم والمتأخرون، حتى أن الإمام أبا حامد الغزالي وهو الذي عرف عنه تصوف ودخول في علم الكلام ثم بعد ذلك رجوعه في آخر أمره إلى الحديث.\rهذا الرجل الذي اشتهرت كتبه وفيها كثير من البدع، لما كان في آخر عمره رجع إلى علم الحديث، ورجع إلى مذهب السلف رحمهم الله تعالى، وقرر أن الحق هو مذهب السلف، وأن هذا إنما يجب لأننا لا بد أن نسلم بعدة أصول: أولها: أن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بصلاح أحوال العباد في معاشهم ومعادهم، الثاني: أنه ﷺ بلغ كل ما أوحي إليه من صلاح العباد في معاشهم ومعادهم، ولم يكتم شيئاً، وأنه كان أحرص الخلق على صلاح الخلق وإرشادهم إلى صلاح المعاش والمعاد.\rالثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلام النبي ﷺ وأحراهم بالوقوف على كنهه، وإدراك أسراره، الذين لازموه وعاينوا التنزيل، وعرفوا التأويل وهم أصحابه.\rالرابع: -وهذا كله للغزالي في آخر أمره- أن الصحابة في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى التأويل، ولو كان من الدين لأقبلوا عليه ليلاً ونهاراً، ودعوا أولادهم وأهلهم إليه.\rيقول الغزالي: فنعلم بالقطع من هذه الأصول أن الحق ما قالوه، والصواب ما رأوا.\rوهذه نتيجة تجربة لأكبر علم من علماء أهل الكلام والتصوف، يقرر بعد تجربة امتدت عشرات السنين أن مذهب السلف رحمهم الله تعالى هو الحق ولا حق غيره، فهل يعي ذلك أولئك العقلانيون وغيرهم الذين يريدون أن يدخلوا في ديننا وشرعنا تلك المعقولات الباهتة، والآراء والأقيسة العقلية، هل يعقلون تجارب هؤلاء نرجو ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534425,"book_id":2827,"shamela_page_id":214,"part":"9","page_num":11,"sequence_num":214,"body":"من مصادر تلقي العقيدة: الإجماع\rالأمر الثالث: من أمور مصادر تلقي العقيدة الإجماع، ومسألة الإجماع معناها: أن ما أجمع عليه المسلمون في عصر من العصور فلا يجوز لأحد خلافه أبداً، وقد يقول قائل: وهل المسائل التي أجمع عليها المسلمون كثيرة؟ نقول: نعم، المسائل التي أجمع عليها المسلمون مسائل واضحة ومحددة، وقد ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، فما أجمع عليه العلماء فلا يجوز لأحد خلافه مهما كان؛ لأن إجماع هؤلاء العلماء إنما هو إجماع مبني على الكتاب والسنة، أي: إجماع مبني على دليل فلا يجوز لأحد أن يخالفه بعد حدوث ذلك الإجماع، وبعض أهل الكلام حصروا الإجماع في مسائل الفروع، أما مسائل الأصول فيقولون: إن الإجماع لا يدخلها، وسبب ذلك أنهم يرون أن أدلة العقول يمكن أن تدخل في باب العقائد، ومادام يمكن أن تدخل فالإجماع غير وارد هنا، وهذه قضية من الخطأ بمكان؛ لأن الإجماع على أي أمر كان صواباً سواء من الأمور العقدية أو من أمور الشرع هو إجماع، ولا يجوز لأحد خلافه أبداً، وهذه المسألة -وهي مسألة الإجماع- من المسائل التي تحسم تلك النظرية التي تقول: إننا يجب أن نرجع إلى الكتاب والسنة دون أن نرجع إلى ما قاله العلماء، فماذا سيفعل هؤلاء بالإجماع؟ ما أجمع عليه السلف رحمهم الله تعالى هل سيقولون: نتخلى عنه، وننقض ذلك الإجماع، ونأتي بأفهام وآراء جديدة؟! تلك قضية واحدة فقط من القضايا الخطيرة التي تترتب على ذلك الرأي الخطير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534426,"book_id":2827,"shamela_page_id":215,"part":"9","page_num":12,"sequence_num":215,"body":"من مصادر التلقي: العقل الموافق للنقل\rالمصدر الرابع: هو دلائل العقول، وينبغي أن نعلم أن كثيراً من الناس ربما يفهم أن مذهب السلف رحمهم الله تعالى إنما هو الرجوع إلى الكتاب والسنة عن طريق الخبر فقط، وأما العقول فإنه لا مدخل لها في هذا الباب، وهذا فهم خاطئ تماماً، فإن السلف رحمهم الله تعالى يعتمدون على الكتاب والسنة في فهم ما يدل عليه الكتاب والسنة، ولكن لا يعني ذلك أن العقل لا مدخل له في هذا الباب، وإنما يقولون: إذا تعارض العقل والنقل ظاهراً -وهما في الحقيقة لا يمكن أن يتعارضا- فالواجب تقديم النقل على العقل؛ لأنه أسلم، والعقل الذي يدعي أولئك المتكلمون والفلاسفة وغيرهم أنه مصدر مستقل في باب العقائد، وفي باب الإيمان والدين، هذا العقل لم يجتمعوا عليه ما هو: هل العقل هو الغريزة التي تميز الإنسان عن الحيوان؟ أم أن العقل هو العلوم الضرورية التي يصدق بها الجميع كالقول بأن الواحد نصف الاثنين وأن الكل أكبر من الجزء؟ أم أن العقل هو العلوم النظرية التي تحصل بالنظر والاستدلال ونحوها؟ ما هو العقل عند هؤلاء؟ لقد اختلفوا اختلافاً كبيراً في تحديد ذلك العقل، واختلافهم هذا أدى إلى تباين آرائهم وأقوالهم في هذا الباب، ومن ثم كان السلف رحمهم الله تعالى يجعلون للعقل دوره المناسب له، ولا يرفعونه فوق منزلته، ويجعلونه مستقلاً كما فعله أولئك المنحرفون، وليسوا من الذين يلغون العقل إلغاءً تاماً، وإنما يضعونه في منزلته الصحيحة له.\rوهذا ابن قتيبة رحمه الله تعالى في كتابه: تأويل مختلف الحديث يقول مبيناً ضلال أولئك: وقد كان يجب على ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر ألا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح والمهندسون؛ لأن آلاتهم لا تدل إلا على عدد واحد، وإلا على شكل واحد، فما بالهم -أي: أهل الكلام والفلسفة- أكثر الناس اختلافاً، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد من الدين؟! وهذا يعطيك أن القول باستقلال العقل في باب الدين هو قول يؤدي إلى الضلال والانحراف.\rالسلف رحمهم الله تعالى كما في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ يعتمدون على النقل الذي جاء بالدلائل العقلية، والله ﷾ ضرب الأمثال وأمرنا أن نعتبر بالأمم من قبلنا؛ لأن أولئك الأمم لما خالفوا أمر الله وأمر رسوله ﷺ جرى لهم ما جرى، ونحن أيضاً إذا فعلنا مثل فعلهم وخالفنا أمر الله وأمر رسوله ﷺ فسيجري علينا مثل ما جرى عليهم.\rكذلك أيضاً بين الله ﷾ أدلة البعث بعد الموت بأدلة عقلية، وأمثلة مضروبة توضح للإنسان أن الله ﷾ قادر على البعث، وأنه يبعث من في القبور، وأن الناس لا بد أن تكون لهم رجعة يقفون فيها بين يدي ربهم ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534427,"book_id":2827,"shamela_page_id":216,"part":"9","page_num":13,"sequence_num":216,"body":"من مصادر التلقي الفطرة السليمة\rثم يأتي المصدر الأخير وهو الفطرة التي فطر الله ﷾ الناس عليها، فكل العباد مفطورون على الإيمان الصحيح، كما قال النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، ومعنى الفطرة هنا هي فطرة الإسلام، فلو ترك الصغير وفطرته لكان من المؤمنين المسلمين، أما إذا وجد من يؤثر فيه فالنبي ﷺ أخبر أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما هو معروف، وهذه قضية مهمة جداً؛ لأن الله ﷾ فطر عباده على فهم الأمور بأبسط الدلائل، الأعرابي يستدل على وجود الله ﷾، وعلى أن الله موجود بدلائل الفطرة؛ لأن الفطرة تدل على أن هذا الكون لا بد له من خالق، فالبعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، أرض وأمواج، وسماء ذات أبراج، ألا تدل على الحكيم الخبير؟! الفطرة تدل على أن الإنسان يطلب ربه ﷾ في العلو، فما احتاج الإنسان إلى ربه في أمر من أموره إلا ورفع بصره إلى السماء، وتلك الفطرة هي التي فطر الله ﷾ عباده عليها، بل إن الفطرة تدل على توحيد الألوهية؛ لأن الإنسان إذا آمن بأن الله ﷾ هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو الذي يحيي، وهو الذي يميت، وهو الذي إليه يرجع الأمر كله، وبيده الأمر كله ﷾، إذا اعتقد ذلك فلا بد أن ينتهي به الأمر إلى أن هذا الإله الخالق الرازق المحيي المميت هو الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له، فلا تخضع القلوب إلا له محبة وإنابة وذلاً وخوفاً وخشية وتوكلاً وغير ذلك من أنواع العبادة لا تهفو القلوب بهذه العبادات إلا لله وحده لا شريك له، فكيف يخاف الإنسان أو يحب الإنسان محبة عبادة أو يتوكل الإنسان على مخلوق لا يملك هو لنفسه نفعاً ولا ضراً، تلك قضايا الفطرة تدل على ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فالفطرة والعقول السليمة مؤيدة لما جاء به كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، ولا يمكن أن يأتي في الكتاب ولا في السنة شيء يخالف أو يناقض تلك العقول الصريحة ولا تلك الفطر السليمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534428,"book_id":2827,"shamela_page_id":217,"part":"9","page_num":14,"sequence_num":217,"body":"منهج أهل السنة والجماعة في العقائد مستمد من الكتاب والسنة\rأيها الإخوة! بعد هذا العرض السريع لمصادر تلقي العقيدة ننتقل إلى قضية عقدية أخرى مرتبطة بها، ألا وهي: أن منهج أهل السنة والجماعة في العقائد لا بد أن يستمد من الكتاب والسنة التي هي الأمور الخبرية، والتي يجب الإيمان بها والعمل على ضوئها، وكذلك أيضاً الاستدلال الشرعي على الأحكام الشرعية يجب أن يكون مبنياً على منهج واضح، ولا يقول قائل: تلك فروع، نقول: وإن كانت فروعاً إلا أن الاستدلال عليها يجب أن يكون المسلك فيه على وفق منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، والاستدلال الشرعي في باب الأحكام ليس فرعياً وإنما هو أصولي، فحينما تأتي قضايا تتعلق بعباداتنا، أو تتعلق بأمور معاملاتنا، أو تتعلق بحياتنا فكيف نستنبط حكمها الذي أوجبه الله ﷾ علينا؟ لا بد من منهج شرعي سار عليه السلف رحمهم الله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يحيد عنه، وهذه هي مسألة وجوب التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ، فالتحاكم إلى الشريعة الإسلامية ليس أمراً فرعياً، وإنما هو أمر أصولي، ومن ثم فحينما نقول: منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في العقائد لا يعني فقط ذلك الجانب الذي يفهمه البعض فقط، وهو ما يتعلق بالإيمان بالله أو بأسمائه وصفاته أو بالإيمان بالرسول ﷺ، وإنما يرتبط بذلك ارتباطاً أصيلاً منهج الاستدلال الشرعي، لأن الناس جميعاً يجب أن يكون حكمهم ورجوعهم عند التنازع والاختلاف إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ، وهذا الذي ذكره الله ﷾ في آيات عديدة، يقول ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وفي الآية الثانية: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، وفي الآية الثالثة: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] إلى آخره.\rوهنا تظهر في البلاد الإسلامية أحياناً دعوات صريحة، وأحياناً مبطنة إلى رفض التحاكم إلى شريعة الله ﷾، في بعض البلاد الإسلامية تطرح القضية علناً: هل تكون الشريعة هي المصدر الأساسي أو تكون مصدراً من المصادر؟ وفي بعض البلاد قد لا يجرؤ هؤلاء العلمانيون وغيرهم على مثل هذا الطرح الصريح؛ فيبحثون عن طروح أخرى مبطنة، ولهم في ذلك وسائل، وقد سبق أن ذكرنا وسيلة منها، وهي تلك التي يزعم فيها هؤلاء أنه ينبغي الرجوع إلى الكتاب والسنة فقط دون الرجوع إلى فهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى لها، وهذا معناها: عود جديد، على وضع جديد، وتصدير جديد، وربما يؤدي إلى دين جديد.\rومن ذلك أيضاً ما يدعيه هؤلاء أن استنباط الأحكام الشرعية ليس مختصاً بالعلماء المجتهدين، وإنما هو أمر متروك لجميع الناس أو لكل من أراد أن يفكر ويستنبط من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ، فيدخل في ذلك العلماء المجتهدون، ويدخل في ذلك الجهلة، ويدخل في ذلك من ليس عنده علم لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، وهذا مدخل خطير جداً؛ لأن معنى ذلك أن الحكم الشرعي وتطبيقه والإفتاء به لا يكون مختصاً كما كان في التاريخ الإسلامي وفي الأمة الإسلامية بفئة العلماء المجتهدين، وإنما ينتقل من هؤلاء إلى غيرهم، وسيتحول الأمر حينذاك إلى فوضى لا نهاية لها.\rوهناك أيضاً طريقة أخرى لبعض هؤلاء تشبه طريقة الذين يتتبعون الرخص، فإن هؤلاء يقولون: كل مسألة للعلماء فيها أكثر من قول فيجوز أن نأخذ بأي قول من أقوالهم، فإذا طرحت قضية من القضايا قال لك: هذه القضية قال فيها فلان كذا وقال فيها فلان كذا وقال فيها فلان كذا وانتهى، أي رأي نأخذه من هذه الآراء هو رأي صحيح؛ لأنه قد قال به بعض العلماء، ومعنى هذا أن يتتبع الإنسان شواذ المسائل وشواذ أقوال العلماء والأقوال المرجوحة المخالفة للدليل الصحيح، وتتحول هذه القضايا وهذه المسائل إلى أصول، وهذا منهج أيضاً خطير جداً؛ لأن الواجب على الإنسان أن يعتمد على الدليل، وإذا وجد عنده قولان أو عرض له قولان فإنه لا بد أن يسأل عن الدليل ويبحث عنه، وإذا كان الإنسان عامياً لا يعرف فإنه يقلد من العلماء من كان أوثق وأعرف عنده بالكتاب والسنة، أما دعوى أن يترك الأمر لكل من أراد أن يفتي وأن يقول، ولكل مسألة توجد في الكتب لتكون معتمدة ومطبقة نقول: لا، المنهج الصحيح هو البحث عن الدليل، والترجيح بين الأقوال على ضوء الأصول التي ضبطها علماء السلف رحمهم الله تعالى.\rالمهم أن هؤلاء العلمانيين وأذنابهم يريدون أن يحطموا شريعة الله ﷾ من الداخل، ويريدون أن ينتهي الأمر إلى طرح القضايا أمام الناس طرحاً يسمونه أحياناً طرحاً ديمقراطياً، فنقول: ما رأيكم في القضية الفلانية صوتوا؟! ثم نجمع الناس ويصوتون، فإذا صوت خمسة وخمسون بالمائة أو ستون بالمائة على الرأي الآخر أخذنا به ولو كان مخالفاً للدليل، ولو كان مخالفاً للشرع إلى آخره، بينما المنهج الصحيح في هذا الباب هو أن ترد الأمور عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وترد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بردها إلى العلماء المجتهدين العاملين، فلا ترد إلى آراء الرعاع وعامة الناس.\rيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معقباً على قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]: وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق.\rوشيخ الإسلام هنا يشير إلى قول المنافقين: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢] وهذا الذي يقوله أصحاب السياسات الجائرة التي تخالف الكتاب والسنة، إذا جئتهم قالوا: السياسة والأمور لا تصلح إلا بهذا، ولو كانت مخالفة لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ.\rشيخ الإسلام يقول: وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة من بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب.\rومن ثم فإن علماء الإسلام رحمهم الله تعالى بينوا أن من يتصدى للقضاء والإفتاء لا بد أن يتصف بعدة صفات ذكروا من ذلك: الإسلام، والتكليف، والعدالة، ثم ذكروا أن يكون من أهل الاجتهاد، وهذا الاجتهاد يشمل عدة أمور: أولها: العلم بالكتاب والسنة وما يتعلق بهما من أحكام، وتمييز ناسخ الآيات ومنسوخها، وناسخ الحديث ومنسوخه، وتمييز صحيحه من ضعيفه إلى آخره.\rالأمر الثاني: العلم بلسان العرب.\rالأمر الثالث: العلم بأصول الفقه التي هي أصول الاستدلال، حتى يكون المفتي بانياً فتواه على أصل مقرر لا على دعاوى، أو آراء عقلية مجردة.\rوذكروا أيضاً صفات لمن يتصدى للإفتاء وللقضاء، ومنها: أن تكون له نية صالحة يريد فيها أن يبين أحكام الله للناس، وليس من الذين يريدون أن يبدلوا شرع الله ﷾، كذلك أيضاً أن يكون متضلعاً في العلم الشرعي، دارساً له، متقناً له.\rوكذلك أن تكون له معرفة بأخلاق الناس، وعاداتهم وانحرافاتهم ومقاصدهم؛ حتى تكون فتواه على بينة ومعرفة بأمرهم، ثم أن يكون حليماً متأنياً غير متسرع في إصدار الأحكام، وهذه قضايا مهمة جداً.\rوينبغي أيضا أن يعلم أن الإفتاء أنواع: النوع الأول: إفتاء مجرد عن الاجتهاد، وهذا ما يكون من باب الأخبار الخالصة، كأن يسأل العالم سؤالاً فيجيب بما يعلمه من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ، فيسأله السائل ويقول له: ما أعظم آية في كتاب الله؟ فيأتي هذا العالم ويقول: آية الكرسي؛ لأن النبي ﷺ أخبر بذلك.\rالنوع الثاني: ما يكون معه اجتهاد، بأن يجتهد العالم لاستنباط الحكم الشرعي، وهذا أيضاً على ضربين: أحدهما: ما يسمى بعلم أصول الفقه بتحقيق المناط، بمعنى: أن تكون الأحكام الشرعية معلومة بالكتاب والسنة والإجماع، ثم يأتي هذا المجتهد فينزل تلك الأحكام على هذه الواقعة، وفي هذه الحالة يجب على المفتي أن يعرف هذه الحالة فينزل عليها هذا الحكم، وهذا في الأمور التي قد وضحت دلالتها من الكتاب والسنة، وتكون مهمة المجتهد المفتي هنا هي فهم الواقعة فهماً صحيحاً لتنزيل ذلك الحكم عليها.\rالنوع الثاني من أنواع الاجتهاد: أن يكون الحكم الشرعي الذي يريده المجتهد لهذه الواقعة غير معلوم له، فيحتاج منه إلى أن يبحث في الأدلة ويجتهد فيها؛ ليستخرج الحكم، ثم بعد ذلك يطبق ذلك الحكم على تلك الواقعة، وكما تعلمون جميعاً فإن العلماء اشترطوا للمفتي شرطين أساسيين: أحدهما: معرفة الأحكام الشرعية، وهذه هي قضية الاجتهاد التي أشرنا إليها.\rالثاني: فهم الواقع، ومعرفة صورة الواقعة التي حدثت معرفة تامة؛ حتى يكون إفتاؤه وحكمه فيها حكماً مبنياً على تصور واضح، فلا بد أولاً من تصور الحكم الشرعي، ولا بد ثانياً من فهم الواقعة.\rثم يأتي التطبيق العملي وهو الأمر الثالث، بتنزيل ذلك الحكم على تلك الواقعة، فأين هذا من منهج أولئك الذين يريدون أن يحرفوا الناس عن عقيدتهم وعن شريعتهم بتلك الوسائل، ويريدون ألا ترد الأمور إلى أهلها، وإنما ترد إلى عامة الرعاع من غير المجتهدين ومن غير العلماء؟! ذلك منهج خاطئ يجب أن ننتبه له، والعلمانيون وغيرهم قد بدءوا يسلكون هذا المسلك؛ ليجعلوا قضية فهم نصوص الكتاب والسنة عقيدة وشريعة متاحة للجميع، وكل يقول فيها بما يشاء، ويفتي فيها بما يشاء، وحينئذ تتحول الأحوال والأمور إلى آراء وأفكار بعيدة عن الشرع، والله ﷾ يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534429,"book_id":2827,"shamela_page_id":218,"part":"9","page_num":15,"sequence_num":218,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534430,"book_id":2827,"shamela_page_id":219,"part":"9","page_num":16,"sequence_num":219,"body":"ضوابط الحوار في مسائل العقيدة\r\rالسؤال\r نحن نعتقد أن المسائل الأصولية لا حوار ولا نقاش فيها، لكن بعض العلمانيين يقولون: لا بد من هذا الحوار، ويستدلون بالمناظرات والحوار الذي كان يجريه علماء السلف كـ ابن تيمية وغيره رحمهم الله تعالى، أفيدونا أفادكم الله؟\r\rالجواب\r هناك أنواع من الحوار: النوع الأول: الحوار الذي يقع بين العلماء، وهذه قضية أظنها واضحة، وهي أن العلماء المجتهدين يجتمعون ويتحاورون، وينظرون في الأدلة، ثم إن اتفقوا على رأي فبها، وإلا صار لكل منهم رأيه المبني على الدليل، وقد وقع في التاريخ الإسلامي محاضرات ومساجلات علمية بين علماء الإسلام.\rالنوع الثاني من الحوار: الحوار لأهل الباطل للرد عليهم، بمعنى: أن يأتي هذا العالم والداعية ليحاور أولئك ليبين ضلالهم، وهذا هو الذي فعله شيخ الإسلام ابن تيمية، وفعله عبد العزيز المكي الكناني لما حاور المعتزلة، وهو الحوار الذي ينطلق فيه الداعية من منطلق أحقية ما يدعو إليه وبيان انحراف الطرف المخالف.\rلكن هناك نوع من الحوار يدعو إليه أهل الباطل، وهذا الحوار يقصدون منه أن تتحول أمورنا ومسلماتنا إلى حوار، فمثلاً يأتي ليقول القائل من هؤلاء: لماذا لا نتحاور هل نعتمد الشريعة الإسلامية أو لا نعتمدها، وننظر؟! فهل الاعتماد على الشريعة الإسلامية وتطبيقها أمر يدخل في الحوار؟! هل الاعتماد على الكتاب والسنة في مسائل العقيدة يدخل في الحوار؟! هل الإقرار للملاحدة بأن يعلنوا إلحادهم ونلغي باب الردة في الفقه الإسلامي كله ونقول: من أراد أن يكون شيوعياً فليكن لأجل الحوار؟! لا، هذا لا يمكن، ومن ثم فإن هؤلاء الذين يدعون إلى الحوار ليس هو الحوار الشرعي الذي ذكرنا أنواعه، وإنما هو حوار يريدون منه أن يتحول الحوار إلى غاية، ما معنى أن يتحول الحوار إلى غاية؟ معناه: أن يكون هدفي وهدفك هو الحوار، إذاً لا تلزمني برأيك، ولا ألزمك برأيي، نطرح القضية، ونتحاور فيها، وكل يخرج مقتنعاً بما يريد، وهذا أمر خطير، معناه: أن كل إنسان يريد أن يطرح قضية فليطرحها ويقول: أنا أريد الحوار، ففرق بين هذا وذاك؛ لأن الحوار على مفهوم هؤلاء: أن تترك الحرية لجميع الآراء وللأفكار تناقش، بينما منهج السلف رحمهم الله تعالى أن الأمور المؤصلة المقطوع بها لا يمكن أن يدخل فيها حوار، بل يعاقب مخالفها، وهؤلاء يريدون أن ينقضوا هذه المسائل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534431,"book_id":2827,"shamela_page_id":220,"part":"9","page_num":17,"sequence_num":220,"body":"فهم العلمانيين لنصوص الكتاب والسنة\r\rالسؤال\r فضيلة الشيخ! أشرت إلى أن العلمانيين يريدون الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولكن بفهمهم لا بفهم غيرهم من السلف، فهل يصدقون في ذلك؟ ثم هل يمكن ذكر مثال لتأويلهم لبعض النصوص؟\r\rالجواب\r إما أن يصدقوا أو لا يصدقوا، فهذه قضية علمها عند الله ﷾، وإنما نحن نحاكم الفكرة نفسها، ونقول: إن هؤلاء يريدون من هذه القضية إلغاء الشريعة الإسلامية، وكما تعلمون جميعاً لو جئنا إلى نصوص الكتاب والسنة لنأخذها مجردة دون ما أجمع عليه السلف وفهموه؛ لأدى الأمر إلى فوضى متناهية، وكما تعلمون جميعاً أن النصوص أحياناً يسمعها الإنسان فربما يفهمها، وباب التأويل الذي دخل منه الصوفية والباطنية وغيرهم هو هذا الفهم الذي يقول: أنا إذا فهمت من الكتاب والسنة شيئاً ففهمي صحيح، وأنت إذا فهمت شيئاً ففهمك صحيح، إذا جاء الرافضي ليقول: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] البقرة هي عائشة ﵂ وأرضاها، فهل هذا فهم صحيح؟! أو حينما يأتي الصوفي إلى قول الله ﵎ لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:١٧ - ١٨]، فيقول هذا الصوفي: فرعون هو قلبك.\rمعنى ذلك: أن الله ما أمر موسى أن يقول لفرعون الطاغية حاكم مصر هذا الكلام، فالقول بأن أي فهم يدخل فيه هو فهم صحيح هو المنطلق الذي يريده هؤلاء العلمانيون، بينما نصوص الشرع مضبوطة بفهم السلف، والسلف هم خير القرون زمناً، والذين ساروا على ما كان عليه الرسول ﷺ في منهجه.\rإذاً: عندنا قضيتان عندما نتكلم عن السلف، القضية الأولى: المنهج، بمعنى: من سار على مثل ما سار عليه الرسول ﷺ وأصحابه صار من السلف.\rالقضية الثانية: وهي القضية الزمنية، وهي أن القرون المفضلة يسمون سلفاً؛ لأن النبي ﷺ شهد لهم بالخيرية، لكن من سار بعدهم على منهجهم فهو أيضاً من السلف، وهذا هو الذي يرجع إليه العلماء، ما كان مرتبطاً بمنهج السلف، وما كان واقعاً في تلك الفترة الخيرية التي أخبر عنها الرسول ﷺ بمثل قوله: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534432,"book_id":2827,"shamela_page_id":221,"part":"9","page_num":18,"sequence_num":221,"body":"علاقة القياس بمصادر التشريع\r\rالسؤال\r أرجو إيضاح كل من: القياس وعلاقته بمصادر التشريع.\rالثاني: هل لولي الأمر الحكم في مسألة ما وهو ليس من العلماء؟\r\rالجواب\r أما القياس فقد عرفه العلماء: بأنه إلحاق فرع بأصل لوجود العلة التي يشتركان فيها بحكم معين، والقياس كما سبق نوعان: قياس جلي: وهو ما يسمى بتحقيق المناط، وهذا التحقيق هو عين تطبيق الشريعة الإسلامية، بمعنى: أن الله ﷾ يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] هذه الرقبة كونها ذلك الشخص الذي تريد أن تعتقه يكون تطبيقه على هذا، هذا يسمونه قياساً جلياً ولا أحد ينكره أبداً؛ لأن أي إنسان لا بد أن يطبق الأحكام على مواضعها.\rالنوع الثاني: تخريج المناط، وهو الذي تلحق به مسألة بمسألة أخرى، فمثلاً: تقول: الخمر مسكر وحرام، ثم تأتي إلى النبيذ فتراه مسكراً فتلحق النبيذ بالخمر بجامع الإسكار، وتنتهي بهما إلى حكم واحد وهو التحريم، فتلحق الفرع الذي هو النبيذ بالأصل الذي هو الخمر، بعلة الإسكار في كل منهما بحكم واحد وهو التحريم، فالنبيذ ما ورد نصاً في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ، فيأتي العالم ليلحق هذا الأمر بالخمر، وتكون النتيجة هي التحريم، هذا مثال مبسط للقياس.\rأما الفقرة الثانية من السؤال وهي: هل للحاكم أن يحكم بما يراه؟ نقول: ليس لأي حاكم أن يحكم بما يراه أبداً إذا كانت المسألة مما ورد فيها دليل من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ، وحتى نميز المسائل التي هي مرتبطة بشرعنا، والمسائل التي هي مستجدة وقد تكون من القضايا الإدارية، وتلك ملحقة بتلك الأصول الشرعية.\rفالخلاصة: أن الحكم إنما هو لله ولرسوله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534433,"book_id":2827,"shamela_page_id":222,"part":"9","page_num":19,"sequence_num":222,"body":"حكم من توفي ولم تبلغه العقيدة الصحيحة\r\rالسؤال\r ما حكم من توفي ولم تبلغه العقيدة الصحيحة أو لم يبلغه الإسلام، أو بلغه محرفاً، أفيدونا أفادكم الله؟\r\rالجواب\r هؤلاء الذين لم تبلغهم العقيدة وأيضاً كانوا في وقت جاهلية ما يسمون فيه بأهل الفترات بين الرسل، فهؤلاء حكمهم معروف، وهو أن أهل الفترة والذين لم تبلغهم الشريعة اختلف العلماء في حكمهم في الآخرة، مع قطعهم بأن حكمهم في الدنيا على ما هم عليه، إن كانوا يعبدون الأصنام فهم مشركون، وإن كانوا ليسوا على دين فهم كفار، لكن هل يعذرون في الآخرة؟ اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال، منهم من جعلهم في الجنة، ومنهم من جعلهم في النار، ومنهم من فسق، وأرجح الأقوال أنهم يمتحنون يوم القيامة كما ورد بذلك الحديث، فتوقد لهم نار فيؤمرون بالدخول فيها، فمن أطاع الله ودخل فيها كان من أهل الجنة والنعيم، ومن عصى مع وضوح الأمور له فهو من أهل النار.\rأما ما ذكره في آخر السؤال، وهو من بلغه الدين محرفاً فهذه مسألة تحتاج إلى تفصيل؛ لأن من بلغه الدين قد يكون بلغه الدين على حقيقته لكن لا ينفك عن التحريف، بمعنى أن رؤساء الضلالة مثلاً من اليهود أو من النصارى أو من الملاحدة أو من المشركين، وإن كان يبلغهم دين الله ﷾ إلا أنهم يحرفونه فيقولون مثلاً: إن هذا دين غير صحيح، هذا دين يأمر بكذا هذا دين يأمر بكذا إلى آخره وينفرون أتباعهم منه، فهؤلاء إذا كانت قد بلغتهم الرسالة فحينئذ حكمهم إذا أعرضوا عنها أنهم كفار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534434,"book_id":2827,"shamela_page_id":223,"part":"10","page_num":1,"sequence_num":223,"body":"عزة المسلم بإيمانه\rلا عزة للمسلمين إلا بإيمانهم بالله ﷿، فيوم أن يؤمنوا بالله ويتمسكوا بكتابه وسنة رسوله ﷺ فإنهم يكونون أعز أهل الأرض، وما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا عند أن تخلوا عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وصدر هذه الأمة خير شاهد على هذا؛ فإنهم عند أن تمسكوا بالوحيين دانت لهم الدنيا من شرقها إلى غربها، وخضعت لهم الأمم عن بكرة أبيها، ولما تركنا نحن مصدر عزتنا وقوتنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من ذل وضعف وهوان وهزيمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534435,"book_id":2827,"shamela_page_id":224,"part":"10","page_num":2,"sequence_num":224,"body":"سبب الحديث عن هذا الموضوع\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله العزيز الحكيم، عز في ملكه وسلطانه، وخضعت له الرقاب، فلا يكون إلا ما يريد ﷾، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، أعز عباده المؤمنين فنصرهم ورفع شأنهم، وأذل الكافرين فكبتهم وأصلاهم جهنم وساءت مصيراً.\rوأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب المقام المحمود والحوض المورود، أزال الله به ظلمة الجاهلية، فرفع به العرب من ذل إلى عز، ومن جهل إلى علم، ومن صغارٍ بين الأمم إلى قادة للأمم، فعليه الصلاة والسلام، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.\rأيها الحبيب! حديثنا هو عن عزة المسلم بإيمانه وهل للمسلم، وهل لأي إنسان عزة بغير الإيمان؟\r\rالجواب\r لا والله، لا عزة ولا كرامة ولا رفعة ولا شأن لنا إلا بالإيمان، فالإيمان هو الذي به يفصل بين الناس يوم القيامة إلى فريق في الجنة وفريق في السعير، ولا ثالث لهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534436,"book_id":2827,"shamela_page_id":225,"part":"10","page_num":3,"sequence_num":225,"body":"لا عزة بغير الإيمان\rالذي دعا إلى الحديث عن هذا الموضوع عدة أمور: الأمر الأول: أن هناك بين المسلمين من يريد أن يجعل للمسلمين عزة بغير الإيمان، فيظن أن عزة المسلمين قد تكون بالمال، أو بالتقدم العلمي والتكنولوجي كما يقولون، أو أن تكون العزة بغير الله ﷾، وقد تختبر في النفوس مثل هذه الأمور فيظن الظان أن الجاه أو المال أو غير ذلك من أمور الدنيا يمكن أن يستعز بها الإنسان، ويرفع بها جبهته أمام الأمم، وتلك -والله- خدعة نفس وخدعة شيطان؛ لأنه لا المال، ولا الجاه ولا المناصب ولا التقدم العلمي وحده يمكن أن يرفع المسلمين من هذا الذل الذي يحيط بهم من كل جانب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534437,"book_id":2827,"shamela_page_id":226,"part":"10","page_num":4,"sequence_num":226,"body":"وجوب الحذر من الحرب النفسية التي تحاك ضد المسلمين\rالأمر الثاني: أن هناك حرباً نفسيةً تحاك ضد الأمة الإسلامية، وضد الصحوة الإسلامية في كل مكان، فأعداء الإسلام يريدون أن يهزموا المسلمين من الداخل، وأن يحبطوا هذه العزة وهذه الثقة الذي يجدها المسلم داخل إيمانه.\rإنها حرب نفسية تريد من المسلمين أن يظنوا أنهم لا قوة لهم ولا مكانة لهم بين الأمم ولا عزة لهم ولا سلطان لهم، وإنما المكانة والعزة والسلطان إنما هي لأعداء الله ﵎ الذين تنكبوا الصراط المستقيم.\rهكذا يريدون أن يصوروا الحال، وهكذا يريدون أن يغرسوا في نفوسنا وفي نفوس المسلمين وفي نفوس شباب الإسلام هذا الغرس الخبيث الذي هو في حقيقته حرب نفسية من الداخل، حتى يتيه المسلم في خضم الفتن والأحوال والأحداث وغيرها، فيظن أنه فقد عزته وفقد إيمانه وفقد مكمن الرفعة الذي هو الإيمان بالله ﷾، ويبدأ يلتفت يميناً وشمالاً، وإذا ما التفت يميناً وشمالاً اعرض عن الله فأعرض الله عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]، وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام، إنهم يريدون حرباً نفسية من الداخل حتى يبحث الإنسان المسلم عن عزة ورفعة بغير هذا الإيمان الذي يحمله بين جنبيه، وإذا بحث عنها في غير الطريق المستقيم خاب وخسر وذل وصار مهيناً محتقراً، إما في نفسه وإما بين الأمم جميعها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534438,"book_id":2827,"shamela_page_id":227,"part":"10","page_num":5,"sequence_num":227,"body":"سبب عزة الأمة في عصورها المتقدمة\rالأمر الثالث يجب علينا أن نعود إلى أصول ديننا وأصول عزتنا، والأمة الإسلامية في عصورها المتأخرة لم تجرب هذا العلاج الذي هو مصدر عزتها التجربة الكاملة، بحيث تُربى عليها النفوس، وتُربى عليها الأسر، وتُربى عليها الأمة، فوالله لو عاد المسلمون إلى دينهم حق العودة لكان لهم بين الأمم شأن آخر.\rونحن لا نقول هذا الكلام من عند أنفسنا، بل الله ﷾ هو الذي يقول: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ويقول ﵎: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ولماذا نقول هذا وأمامنا التاريخ يشهد بالحقائق وينطق بها؟ ألم يكن أهل هذه الجزيرة في مكة وفي غيرها يعيشون أذلة بين الأمم؟ ألم يكونوا قبل مبعث الرسول ﷺ أذلة يقتل بعضهم بعضاً، وينهب بعضهم بعضاً، ويعبدون الأصنام من دون الله؟ بل كان الواحد منهم يصنع إلهه من التمر ويعبده أول نهاره، فإذا أمسى وجاع أكله، ألم يكونوا أذلة أمام كسرى وقيصر وأصحاب الحبشة وغيرهم؟ ألم يكونوا على تلك الذلة؟ فما الذي رفعهم؟! هل رفعتهم جاهلية قومية كما ينادي بعض أدبائنا ومفكرينا بالعودة إلى القومية الجاهلية المسماة بالعروبة؟ وهل رفعهم كثرة المال؟ وهل رفعتهم قوتهم البدنية والقبلية وغيرها؟\r\rالجواب\r لا والله.\rما ارتفع أولئك الركب الكرام من أصحاب النبي ﷺ، وما انتقلوا من حظيرة الجاهلية إلى عز الإسلام إلا بالإيمان، وهذا شاهد اجعله أمامك في كل وقت وفي كل آن، فإنه لما نطق رسول الهدى ﷺ في أرجاء مكة قائلاً للناس: (أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله، إني رسول الله لكم بين يدي عذاب شديد)، وصرخ بها ﵊ في وجه الجاهلية لوحده، ولما أن بدأ أصحابه يكثرون، ونشأ الإسلام في مكة، وصار الواحد من المسلمين يخالف أباه وأمه وأقربائه إذا اختلف معهم في العقيدة تغير الميزان، وظن الجاهليون -كما يظن الجاهليون اليوم- أن الرسول ﷺ إنما كان داعية ملك يريد أن يحكم العرب، فأرسلوا إلى النبي ﷺ رسولاً يقول له: إن أصحابك من قريش -أي: من زعماء قريش- عند الكعبة يريدونك.\rفلما علم النبي ﷺ ظن أن هؤلاء الزعماء أرادوا الدخول في الإسلام، والرسول ﷺ كان حريصاً كل الحرص على أن يدخل قومه في الإسلام، فأتى إليهم ﵊ مسرعاً، فلما وقف عليهم قالوا له: يا محمد! لقد أتيت قومك بأمر عظيم، سفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم، وفرقت به جماعتهم، فتعال -يا محمد- لنعرض عليك أموراً.\rقال: (قولوا، وأنا أسمع).\rقالوا: يا محمد! إن كنت تريد بهذا الذي تدعو إليه ملكاً ملكناك علينا، وإن كنت تريد بهذا الذي تدعو إليه شرفاً سودناك علينا حتى صرت السيد المطاع فلا نقطع بأمر دونك، وإن كنت تريد بهذا الذي تدعو إليه مالاً جمعنا لك من الأموال حتى تصير أكثرنا مالاً.\rوهذه هي عروض الجاهلية في كل زمان ومكان، فالقوميون اليوم يقولون: الوحدة العربية وبعدها الوحدة الإسلامية.\rومن طلب العز بغير الدين أذله الله، فالعز بالوحدة العربية ذل؛ لأنه لا عز إلا بالإسلام.\rفقال النبي ﷺ: (ما جئت أريد ملككم، ولا الشرف فيكم، ولا أموالكم، ولكنني جئت أدعوكم إلى كلمة واحدة تدين لكم بها العرب وتخضع لكم بها العجم).\rفقام أبو جهل ومعه بعض كبار المشركين، وقالوا: يا محمد! تريد كلمة واحدة؟! نحن نعطيك عشر كلمات.\rأي: وتنهي المشكلة.\rفقال النبي ﷺ: (قولوا: لا إله إلا الله).\rفصاحوا جميعاً صيحة واحدة، وقالوا: أما هذه فلا.\rورفضوا أن يقولوا: لا إله إلا الله.\rإذاً: عتاة الجاهلية رفضوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، ولكن الصحب الكرام من أصحاب النبي ﷺ هم الذين قالوها، وما زال الإسلام ينتشر وينتصر حتى امتدت الفتوحات الإسلامية إلى مشارق الأرض ومغاربها، ودك المسلمون قصور كسرى وقيصر مهللين مكبرين رافعين رؤوسهم؛ لأنهم قالوا: لا إله إلا الله، وهي قولة حق وصدق وإخلاص، فعملوا بمقتضاها، ولم يرتكبوا ما يناقضها، فأعزهم الله ورفع شأنهم.\rولما كان المسلمون في تلك الفتوحات يخوضون غمار المعارك في بلاد فارس طلب قائد الفرس من المسلمين أن يرسلوا رسولاً ليكلمه، فأرسل إليه القائد سعد بن أبي وقاص ﵁ أحد الصحابة، فخرج هذا الصحابي إلى إيوان القيادة الفارسية، ودخل عليهم وبيده سيف، وهو معتز بإيمانه، وصار يمشي ويخرق السجاجيد بسيفه حتى وقف عنده.\rفقال له قائد الفرس: ما الذي جاء بكم؟ لقد عهدناكم صعاليك تتقاتلون فيما بينكم وترسلون إلينا لنحكم فيكم، ما الذي جاء بكم وغير أحوالكم حتى جئتم إلينا تريدون ديارنا؟ فقال الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.\rوقوله: (من ضيق الدنيا) لأن الكافر عنده الدنيا هي كل شيء، ولذا فهو ضائق بها؛ لأنه لا يرى في الدنيا إلا ما التذ به فقط، فهو يريد أن يعب من شهواته في دنياه؛ لأنه لا أمل له في الآخرة، لكن الإسلام نقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وما أوسع الدنيا عند المؤمن بالله ﷾! إن صحَّ عبد الله وحمده وشكره، وإن اغتنى عبد الله وحمده وشكره، وإن افتقر حمد الله وشكره وصبر، وإن مرض وجئته وهو مريض يقول لك: الحمد لله، ما ضاقت به الدنيا؛ لأنه حتى لو جاءه الموت يعلم أن الدنيا ليست هي نهاية المطاف، ولذا فهو نقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534439,"book_id":2827,"shamela_page_id":228,"part":"10","page_num":6,"sequence_num":228,"body":"سبب تغير حال الأمة من العزة إلى الذل\rهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ، ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم، حتى صارت الأمة الإسلامية هي القائدة وهي الرائدة بين الأمم، وحتى صارت الأمة الإسلامية هي التي تقول الكلمة فيسمع لها الناس في مشارق الأرض ومغاربها.\rأما اليوم فقد انعكست -ولا حول ولا قوة إلا بالله- الأمور، وأصبح الكفار يتكلمون فنسمع، وأصبح أعداء الإسلام يحاربوننا بالغزو الفكري، وبالأفكار الجاهلية، وبالتبشير وغيره، ونحن ننتظر!\rو \rالسؤال\r لماذا تغيرت الصورة؟\rو \rالجواب\r تغيرت الصورة لأننا حتى الآن ما اعتصمنا بالله وبهذا الإيمان حق الاعتصام، لأننا حتى الآن لا يزال فينا ويوجد بيننا ومن يتكلم بلغتنا من يريد أن يبحث عن مكامن العزة في القوميات الجاهلية والقوانين الجاهلية والأنظمة الجاهلية، ويريد أن يجلبها من الشرق ومن الغرب، فهل لقوم بينهم من يقول مثل هذا الكلام أن تكون لهم عزة؟ لا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534440,"book_id":2827,"shamela_page_id":229,"part":"10","page_num":7,"sequence_num":229,"body":"عزة المؤمنين بالإيمان، وبيان معنى الإيمان الذي تكون به العزة\rإن العزة لا تكون إلا بالله، العزة لا تكون إلا بالصراط المستقيم الذي بينه لنا رسول الهدى ﷺ.\rومن ثمَّ فإنني أحب هنا أن أذكر شيئاً عن هذا الإيمان الذي به عزة المؤمنين، ما هو هذا الإيمان؟ لقد بينه رسول الله ﷺ لنا بياناً واضحاً، ولكني أشير إلى إشارات وأمور مجملة: الأمر الأول: أن نسير على هذا الإيمان على وفق منهج أهل السنة والجماعة أصحاب الرسول ﷺ والتابعين لهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، إنهم السلف، وهم أهل الحديث، وهم أهل السنة والجماعة الذين صاروا على ذلك الخط في الاعتقاد في جميع جوانبه، فما غيروا وما بدلوا، بل ابتعدوا عن البدع، وعن علم الكلام، وعن كل ما يعكر صفو هذا الإيمان من أمور دخيلة على المسلمين، سواءٌ أكانت هذه الأمور أموراً فلسفية، أم أموراً كلامية، أم غيرها.\rالأمر الثاني: أن الإيمان الذي به عزة المسلمين هو الإيمان الذي يولد عملاً، فبعض الناس يقول لك: أنا مؤمن.\rوإذا جئت تكلمه في أمر من أمور الإيمان فتأمره بأمر أو تنهاه عن منكر قال لك: يا أخي! هذه أمور بسيطة، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره.\rفنقول: نعم.\rالتقوى في القلب، ولو كانت التقوى في قلبك لما ارتكبت المنكر ولأتمرت بالمعروف؛ لأن الرسول ﷺ لما ذكر القلب الذي به يغرس الإيمان قال ﵊: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله)، فلو كان الإيمان موجوداً على الوجه الصحيح لما بقي كامناً، وإنما يتحول إلى عمل، يتحول إلى الصلاة الخاشعة، وإلى الصيام، وتأدية الزكاة، والبعد عما حرم الله من الزنا والربا والغش والغيبة والنميمة وغير ذلك من المنكرات، هذا هو الإيمان.\rأصحاب النبي ﷺ كان الواحد منهم إذا انغرس في قلبه هذا الإيمان لم يرجع لينام في بيته، ولم يقل: أنا أقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وانتهى الأمر.\rلا، وإنما كان هذا الإيمان -لأنه إيمان صحيح- يحول الواحد الفرد حركة دائبة للعمل والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يأتي ليدعو أقرب الناس إليه.\rونحن نعرف ذلك الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه الذي دخل في الإسلام، فلما آمن واستقر الإيمان في قلبه رجع إلى قومه -وكانوا على الشرك-، فلما اقبلوا عليه فرحين مستبشرين بمقدمه أقبل معهم عليه أبوه، فلما أقبل عليه ليسلم عليه قال: إليك عني، فلست مني ولست منك.\rقال: وما ذاك؟ قال: لقد آمنت بالله ورسوله.\rقال: أنا معك.\rفجاءت زوجته مقبلة عليه فرحة بمقدمه، فقال: إليكِ عني، فلستِ مني ولست منكِ، لقد فصل بيني وبينك الإسلام.\rفقالت: وما ذاك؟ قال: لقد أسلمت، ودخلت في دين محمد.\rقالت: ديني دينك.\rوجاءت أمه، وجاء أقرباؤه ففاصلهم حتى أسلموا.\rإنه الإيمان الذي يولد عملاً، وليس إيمان النفاق، ولا إيمان المجاملات الباردة في دين الله.\rإنه الإيمان الذي يحرك الغيرة في قلب العبد المؤمن إذا رأى حرمات الله تنتهك، والرسول ﷺ أخبر أن من صفات المؤمنين الغيرة، وأن الله يغار، ورسول الله ﷺ يغار، وقال عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: (لقد دخلت الجنة فرأيت قصراً لك يا عمر، فجئت لأدخله فرأيت في الباب جارية، فلما رأيتها تذكرت غيرتك يا عمر! فلم أدخله.\rفقال عمر ﵁ وأرضاه: أعليك أغار يا رسول الله؟!).\rإنه الإيمان الذي يجعل الإنسان لا يسير في هذه الحياة وكأنه أبله لا يفقه من أموره شيئاً، بل ينظر ماذا يخطط له الأعداء ويتدبر، فينظر ماذا يريد الأعداء في حربهم للمسلمين فيقف في وجوههم، وينظر ماذا يريد المنافقون وأذنابهم فيقف ضد مخططهم، هذا هو الإيمان الذي به العزة والرفعة والمكانة للأمة الإسلامية.\rثالثاً: الإيمان الذي نريده هو الإيمان القائم على العبادة الخالصة لله الواحد القهار الملك الجبار الذي بيده ملكوت كل شيء، فهو الذي يحيى ويميت، وهو الذي يذل ويعز، وهو الذي بيده الأمر كله، وحياتنا وأرزاقنا وآجالنا وأمراضنا كلها بيد الله ﷾، فإذا كانت هذه الأمور بيد الله ﷿ فهل يتوجه العبد بخوف أو محبة أو توكل على غير الواحد القهار؟\r\rالجواب\r لا.\rفإنه لا يتوجه إلى غير الله ﷿ من امتلأ قلبه إخلاصاً لله ﷾.\rفالإيمان هو الإيمان الذي يجعل العبد يخلص في جميع أمور العبادة لله وحده لا شريك له.\rوالمحبة العبادية لا تكون إلا خالصة لله ﷾، والخوف والرجاء لا يكون إلا من الله.\rوالاستعانة والاستغاثة والتوسل لا تكون إلا بالله.\rوالذبح والنذر والتوكل وغير ذلك لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، فلا الأولياء ينفعون، ولا أصحاب القبور ينفعون، ولا السحرة والكهان وغيرهم ينفعون، وإنما النفع والضر بيد الواحد القهار ﷾، فليخلص العبد عبادته لله وحده لا شريك له.\rالأمر الرابع: الإيمان الذي به العزة هو الذي يجد العبد طعمه وحلاوته في أموره وحياته كلها، فما هو هذا الإيمان الذي يجد الإنسان طعمه؟ هذا الإيمان يقول عنه الحبيب المصطفى ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وهذه هي الأولى، والرسول ﷺ يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده -وفي رواية: من ولده ووالده- والناس أجمعين).\rفهل نجد -أيها الأخ الحبيب- لرسول الله ﷺ من الحب أكثر مما نجده لأنفسنا وأولادنا؟! وهل نحن نحب المحبوب الحبيب المصطفى ﷺ لأن الله ﷾ أنعم علينا بالهداية بسببه، فإذا قال الرسول ﷺ كلاماً خضعنا، وإذا أمر أمراً فعلنا، وإذا نهى عن أمرٍ اجتنباه، أم أننا نسمع القائل يقول: قال رسول الله.\rأمر رسول الله.\rنهى رسول الله ونحن عن ذلك معرضون؟! هل هذه محبة؟ الجواب: لا، ليست دلالة على المحبة.\rالأمر الثاني الذي يجد به العبد حلاوة الإيمان قال عنه ﷺ: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، وانظر اليوم إلى موازين البشر، هل هي بميزان الحب في الله والبغض في الله؟ الجواب: لا.\rبل الحب والبغض أصبح لأجل الدنيا ولأجل القرابة فقط ولأجل المكانة والمنصب ولأجل ما ترجوه من هذا الشخص، هذا هو الميزان الذي عندنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\rوالرسول ﷺ يبين أن حلاوة الإيمان تجدها بأن تحب المرء لا تحبه إلا لله، وأما علامة أن حبك لهذا العبد هو محبة في الله فعلامة ذلك أن لا يتغير هذا الحب إن أحسن إليك أو جفاك، فإذا أحسن إليك فأنت على ما كنت عليه من محبته، وإن جفاك فأنت على ما كنت عليه من محبتك له في الله، هذا هو الميزان.\rأما الأمر الثالث الذي به توجد حلاوة الإيمان فهو كراهة الكفر، قال الرسول ﷺ: (وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)، وهذه -والله- ثلاث علامات يجد العبد بهن حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب الناس في الله، وأن يكره الكفر وأن يعود فيه كما يكره أن يقذف في نار جهنم.\rوقد كان الصحابة من شدة إيمانهم بالله ﷾ أنهم كانوا ينظرون إلى الدنيا على أنها دار معبر، ولذلك كانوا يتدارسون أشراط الساعة، ويرون أن أشراط الساعة قادمة لابد منها، فكانوا يتدارسون الساعة والقيامة والبعث والحساب والجزاء؛ لأنها حقائق من حقائق الإيمان لابد أن تقع، وهذه المعرفة بهذه الأمور تؤدي بالإنسان إلى النشاط والعمل، ولا تؤدي به إلى الكسل كما يفعل بعض الناس.\rوقد جاء أحد الصحابة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال النبي ﷺ: (ما أعددت لها -أي: ما الذي أعددته للساعة-؟ فقال هذا الصحابي: ما أعددت لها من كثير عمل إلا أنني أحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ -مبشراً له ومبشراً لأصحابه-: أنت مع من أحببت)، فمن أحب الله والرسول ﷺ فهو في الجنة مع رسول الله، وهو في الجنة يرى الله؛ فالمؤمنون يرون الله ربهم ﵎ في الجنة، وما وجد المؤمنون في الجنة ألذ ولا أطيب -وكل ما في الجنة طيب- من رؤيتهم لربهم ﵎، نسأل الله الكريم العظيم الجليل من فضله أن لا يحرمنا من النظر إلى وجه الله الكريم في جنات عدن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534441,"book_id":2827,"shamela_page_id":230,"part":"10","page_num":8,"sequence_num":230,"body":"يقظة الصحابة ﵃\rإن الإيمان الذي به عزة المؤمنين هو الإيمان الذي يوقظ صاحبه إذا وقع في الذنوب والخطايا، وليس المؤمن هو الذي لا يخطئ أبداً، وإنما المؤمن هو الذي إذا وقع في الذنب تذكر أن له رباً يغفر الذنوب فتوجه إلى الغفور الرحيم، المؤمن هو الذي إذا وقع في المعصية لم ييأس ولم يستهوه الشيطان، ولكنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويتوجه إلى ربه ﵎.\rولقد كانت يقظة الصحابة عظيمة، فهذا أحدهم -وهو ثابت بن قيس بن شماس ﵁ وأرضاه- كان رجلاً جهوري الصوت، فإذا تكلم بين يدي النبي ﷺ صار صوته مرتفعاً، فلما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات:٢] وسمع بهذه الآية جلس في بيته حزيناً، فسأل عنه النبي ﷺ فقيل: يا رسول الله! إنه في بيته جالس، وإنه يقول: أنا من أهل النار، وقد حبط عملي لأنني أرفع صوتي على صوت النبي ﷺ.\rفقال النبي ﷺ: (مروه فليأت إليَّ، إنه من أهل الجنة).\rإذاً رفع الصوت على النبي ﷺ هو بالاعتراض على حكمه وسنته ومنهجه، كما يفعل اليوم كثير من الناس، بل وكثير من المسلمين يرفعون أصواتهم فوق النبي ﷺ، فيريدون حكم الجاهلية وأنظمة الجاهلية وقوانين الجاهلية وفتات وحقارات الجاهلية، ويضربون بحديث وشرع رسول الله ﷺ عرض الحائط، وهذا هو رفع الصوت على الرسول ﷺ.\rفلما سمع هذا الصحابي الجليل فرح واستبشر، فلما كانت وقعة اليمامة في قتال المرتدين لبس كفنه، وقاتل ﵁ وأرضاه حتى قتل.\rأما تيقظ هذا الإيمان فهاك قصة أخرى لأحد الصحابة أيضاً، فإن رسول الله ﷺ لما تحزبت عليه الأحزاب في المدينة من وثنية قريش ووثنية غطفان، فساروا إلى النبي ﷺ يريدون أن يسحقوا المسلمين في المدينة المنورة، وكانوا عشرة آلاف: أربعة آلاف من قريش وستة آلاف من غطفان ومن حولها، وحاصروا المدينة، وحفر النبي ﷺ وأصحابه الخندق كما هو معروف.\rولكن هل هذا هو العدو وحده؟\r\rالجواب\r لا.\rفقد كان في داخل المدينة عدوان جسيمان للمسلمين: أما أحدهما.\rفيهود بني قريظة الذي كانوا داخل حصون المدينة، فنقضوا العهد، وتمالئوا مع المشركين على القضاء على المسلمين.\rأما العدو الثاني فالمنافقون داخل صف المسلمين، وقد كانوا يريدون أن يؤخروا حفر الرسول ﷺ للخندق، وكانوا يريدون أن تأتي الجيوش الجرارة قبل أن يكتمل حفر الخندق، يريدون بذلك أن يهجم الأحزاب على المسلمين قبل أن يكتمل خط دفاعهم الأول، ولكن قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، فكانت العاقبة للمؤمنين، حيث أنزل الله ريحاً وجنوداً على الكفار أكفأت قدورهم، وقلعت خيامهم، وولوا مدبرين، وبعد ذلك ذهب الرسول ﷺ إلى الخونة من اليهود في بني قريظة يريد أن يقتص منهم، فتحصنوا بحصونهم، وقالوا: أرسل لنا رجلاً.\rفأرسل لهم أحد الصحابة، فلما دخل عليهم هذا الصحابي الجليل -وهو أبو لبابة - استقبله اليهود داخل الحصن بالنساء والأطفال وهم يبكون بكاءً شديداً، يريدون أن يسترحموه، وصاروا يفاوضونه ويقولون له: ماذا ترى: هل ننزل على حكم محمد ﷺ؟ فهذا الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه لما سألوه: هل ننزل على حكم محمد؟ قال لهم: نعم.\rوأشار بيده إلى حلقه، يعني: نعم.\rإنه الذبح.\rولم تنته هذه الحركة منه ﵁ وأرضاه حتى شعر بندم شديد على أنه فضح سر رسول الله ﷺ، وأنه أعطاهم النصح قائلاً: إن نزلتم على محمد فسيكون حكمكم الذبح.\rفكيف يرجع هذا الصحابي الجليل إلى رسول الله ﷺ يخبره عن نتيجة المفاوضات وقد وقع فيما وقع فيه؟ فما استطاع، فماذا فعل؟ نزل حزيناً كئيباً شاعراً بذنبه، حتى أتى إلى المسجد وربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وقال: والله لأبقين هكذا حتى يفك قيدي رسول الله ﷺ.\rسجن نفسه في سارية المسجد، وكان بعض أهله يأتيه إذا حضرت الصلاة فيفك قيده ثم يصلي، ثم يرجع ويربط نفسه بالقيد، حتى بقي على ذلك سبع عشرة ليلة.\rهذا هو إيمان العزة، قال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]، وأنزل الله توبته، وأنزل الله على رسوله ﷺ -كما ورد في بعض الآثار- قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢]، وبشر ﵁ وأرضاه بالتوبة، وجاء رسول الله ﷺ وفك قيده.\rهذا هو الإيمان الذي يجعل العبد يستيقظ.\rهذا الإيمان هو الذي دفع بذلك الشاب الذي كان على عهد النبي ﷺ في إحدى أماكن القبائل فسمع بالإسلام، فعزم على أن يذهب إلى الرسول ﷺ ليقابله، فلم يطعم طعاماً ولم يشرب شراباً، وإنما كان يركض لهفاً حتى إنه كان إذا جاع أخذ من الشجر وأكل منه حتى تجرح شدقاه ﵁، فأقبل بين مكة والمدينة وإذا بالنبي ﷺ مع أصحابه ذاهب إلى مكة للحج، فلما لقيهم هذا الشاب قالوا له: أين تريد؟ قال: ذاهب إلى المدينة أريد محمداً ﷺ.\rفقالوا له: هذا هو رسول الله.\rفأقبل هذا الشاب لهفاً على رسول الله ﷺ، وقال: يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، بماذا تأمرني؟ ما الإسلام؟ فقال النبي ﷺ: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، فأخذ العلم من رسول الله ﷺ وانطلق، وما كاد ينطلق حتى عثرت دابته بجحور اليرابيع، فلما عثرت سقط فدقت رقبته فمات.\rفقال النبي ﷺ لما أخبر بذلك: (ائتوني به) فأخذ النبي ﷺ ينظر إليه ويعرض، ثم قال ﷺ: (دونكم أخاكم فغسلوه وكفنوه)، فلما غسلوه وكفنوه وصاروا يحفرون قبره، أمرهم باللحد، وقال: (اللحد لنا والشق لغيرنا).\rفقال النبي ﷺ: (أتدرون لما أعرضت عنه؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: لقد رأيت الملائكة تطعمه بثمر من ثمر الجنة لأنه مات جائعاً) ﵁ وأرضاه.\rهذا هو الإيمان، وليس إيمان الترف والاستكانة التي يعيشها الناس اليوم، بل إيمان العزة والكرامة، والثقة والنصر بالله ﷾.\rففي أحاديث النبي ﷺ، وفي أحواله، وفي أحوال أصحابه قصص عظيمة للعبرة، ولكن عمر ﵁ وأرضاه أعطانا نموذجاً لذلك لما جاء ليفتح بيت المقدس، فإنه جاء على جمل يعتقبه هو وصاحبه، وخاض المفازة، فقال له أبو عبيدة: (لو أنك جئت إليهم راكباً؟) فقال عمر ﵁ وأرضاه كلمة مشهورة يجب أن نقف عندها دائماً، قال: (إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا طلبنا العزة بغيره أذلنا الله).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534442,"book_id":2827,"shamela_page_id":231,"part":"10","page_num":9,"sequence_num":231,"body":"أهم مظاهر ومعالم العودة إلى الإيمان\rتلك -أيها الحبيب- لمحات في هذا الباب، وأختم هذا الموضوع بذكر بعض المظاهر التي يجب أن تكون لعزة المسلم في عصرنا الحاضر، والأمة الإسلامية تستقبل فجراً جديداً وصحوة إسلامية رائدة ورجوعاً إلى هذا الدين، وأسأل الله ﷾ أن يرزقنا جميعاً التمسك بدينه والثبات عليه، وأن يوفق شباب المسلمين ونساءهم وفتياتهم، وأن يوفق الجميع إلى الاعتصام بحبل الله المتين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534443,"book_id":2827,"shamela_page_id":232,"part":"10","page_num":10,"sequence_num":232,"body":"وجوب التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة\rأيها الحبيب! هناك معالم كثيرة لابد منها إذا أردنا أن ننطلق بإسلامنا وعزتنا به من جديد، وهاأنا أشير إليها باختصار، وأهم هذه المعالم للعودة إلى الإيمان واعتزازنا به: أولاً: التمسك بهذا الدين عقيدة وشريعة، فالتمسك بهذا الدين عقيدة بأن نعتصم بها، ونربي عليها أنفسنا وأسرنا وكل من ولانا الله إياه، عقيدة لا تقبل المساومة ولا التقصير، وإنما هي عقيدة سليمة مبناها على التوحيد الخالص لله ﷾، ومحتواها السير على منهج السلف الصالح ﵏، وشريعة لا نرضى بها بديلاً، نحكمهما في جميع شئوننا، وفي كل أمورنا، وفي كل النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكل شأن من شئون الحياة لله ﵎ فيه حكم، فلا نتحاكم إلا إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، وقال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534444,"book_id":2827,"shamela_page_id":233,"part":"10","page_num":11,"sequence_num":233,"body":"أهمية الدعوة إلى دين الإسلام\rالأمر الثاني: الدعوة إلى الله، والدعوة إلى هذا الدين بكل ما نملك؛ لأننا نريد الخير للناس جميعاً، سواء -كانوا من المسلمين- أم من غيرهم، فكلهم ندعوهم إلى الله ليستقيموا على دين الله، وننشر منهج أهل السنة والجماعة في كل مكان، وندعو إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها؛ لأن هذا الدين هو دين الله، وليس له حدود في الزمان ولا في المكان.\rوهذه علامة واضحة، بل هي علامة كبرى على عزة المسلم بإيمانه، فإذا اعتز المسلم بإيمانه دعا إليه؛ لأنه يريد الخير للمسلمين كما يريده لنفسه، ولأنه يعلم أن هذا الدين هو الحق، وأنه لا عزة ولا كرامة إلا بهذا الدين، فيدعو إليه واثقاً، ويستخدم كافة الأساليب في الدعوة إلى دين الله ﵎، بالكلام، بالكتابة، وبالشريط، وبكل وسيلة من الوسائل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534445,"book_id":2827,"shamela_page_id":234,"part":"10","page_num":12,"sequence_num":234,"body":"وزن الأمم والأفراد بميزان الإيمان\rالأمر الثالث: وزن الأمم والأفراد بميزان الإيمان، وهذه قضية واضحة جداً، فالإنسان الذي يحمل هذا الإيمان ويعتز به يزن الناس به، فأمامه أن الكفار لا وزن لهم، ولا قيمة لهم ولا كرامة؛ لأن الله أهانهم وأذلهم، بل قال -وهو سبحانه أصدق القائلين، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]- قال عن هؤلاء الكفار: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]؛ لأن الأنعام أتت بما خلقت له من مركب أو مأكل أو غير ذلك، لكن هؤلاء خلقوا للعبادة فأبوا أن يخلصوا لله الواحد، فهم كالأنعام، بل هم أضل منها.\rفميزان المؤمن هو ميزان الولاء والبراء، فالمؤمنون لهم كرامة عنده، وأخوك المؤمن تحمل في قلبك حباً له، ولا تحتقره ولو كان أقل منك رتبة، وأقل منك مالاً، وتحمل في نفسك الكرامة لأخيك المؤمن؛ لأنك تحبه في الله، هذا هو الميزان الذي يدل على أنك تعتز بهذا الدين فتزن به الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534446,"book_id":2827,"shamela_page_id":235,"part":"10","page_num":13,"sequence_num":235,"body":"وجوب رفض كل ما سوى الكتاب والسنة\rالأمر الرابع: أن الإنسان إذا اعتز بهذا الدين رفض كل ما سواه، فكل أنظمة البشر وكل ما يأتي به البشر إذا جاء مخالفاً لكتاب الله أو لما في سنة رسوله ﷺ فهو مرفوض لا قيمة له ولا وزن، ولو كان منمقاً مفصلاً مهيئاً إلى آخره.\rوالجاهليون والقوميون والعلمانيون وغيرهم يريدون أن يعرضوا جاهليات الغرب والشرق علينا بأن فيها السعادة وفيها الحياة والكرامة وفيها كذا وكذا، ولا والله، ليس فيها إلا الذل والمهانة لنا إن رفضنا شرع الله وأخذنا بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534447,"book_id":2827,"shamela_page_id":236,"part":"10","page_num":14,"sequence_num":236,"body":"المستقبل للإسلام\rالأمر الخامس من الأمور التي تبنى عليها عزة المؤمن في العصر الحاضر وفي كل عصر: اليقين بأن المستقبل للإسلام، واليقين بأن المستقبل لهذا الدين، فالحضارة الغربية بشرقها وغربها تعيش أزمة منذ سنوات في جميع نواحي أمورها، وإن ظهرت لنا بمظهر العلم والتكنولوجيا والاختراعات والقوات وغيرها، فالمستقبل للإسلام، وهذه قضية يعرفها الأعداء قبل الأصدقاء، ويعرفها اليهود والنصارى والملاحدة، والله تعالى يقول عن أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦].\rواليهود يعلمون أنهم لا بقاء لهم، وأنهم سيحاربون وسيقاتلون في يوم من الأيام وسيطردون، ولقد أخبرنا رسول الله ﷺ بذلك، وقال: (لتقاتلن اليهود حتى ينطق الشجر والحجر.\rويقول: يا مسلم! يا عبد الله! إن ورائي يهودياً فتعال فاقتله.\rإلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)، وهم الآن يحيطون مستعمراتهم بشجر الغرقد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534448,"book_id":2827,"shamela_page_id":237,"part":"10","page_num":15,"sequence_num":237,"body":"بشائر عزة الإسلام\rإن العزة للإسلام، والرسول ﷺ أعطانا عدة بشارات وسأشير إلى اثنتين منها: البشارة الأولى: أن الرسول ﷺ قال: (لتفتحن القسطنطينية وروما)، وروما هي عاصمة إيطاليا، وفيها دولة الفاتيكان أم النصرانية في العالم، (قيل: يا رسول الله! تفتح القسطنطينية أولاً أو روما أولاً؟ قال: القسطنطينية أولاً)، وهل فتحت روما؟ حتى الآن لم تفتح روما، وستفتح بوعد الصادق المصدوق ﷺ.\rإذاً: المستقبل للإسلام، المستقبل لهذا الدين أبداً، فلا نطلب العزة بغيره.\rالبشارة الثانية: أن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يبقى بيت وبر ولا مدر إلا دخله، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) هكذا يقول النبي ﷺ.\rإذاً العزة والمستقبل للإسلام، العزة للإسلام، والمستقبل لمن حمل راية الإسلام، فلماذا لا نكون نحن -أيها الحبيب- من حملته؟ ولماذا لا نربي عليه أنفسنا وأولادنا ونساءنا وأقرباءنا؟ فلنترب عليه لنعود مرة أخرى.\rأسأل الله ﷾ أن يجعلنا ممن اعتصم به وتوكل عليه واعتز بدينه.\rاللهم! إنا نسألك أن تغرس في قلوبنا الإيمان، وأن تثبتنا عليه إلى أن نلقاك.\rاللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ويقام فيه علم الجهاد.\rوالله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534449,"book_id":2827,"shamela_page_id":238,"part":"10","page_num":16,"sequence_num":238,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534450,"book_id":2827,"shamela_page_id":239,"part":"10","page_num":17,"sequence_num":239,"body":"كيفية إقناع الناس بأن العزة للإسلام\r\rالسؤال\r كيف نغير المفاهيم عند بعض الناس ونقنعهم أن العزة بالإسلام؟\r\rالجواب\r تغيير المفاهيم يكون بأمرين: الأمر الأول: أن تكون -أيها الداعية- معتزاً بالإسلام؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا لم تكن أنت عندك الحرقة على هذا الدين والعزة به فكيف يمكن أن يقتنع بك الآخرون؟ الأمر الثاني: أن تبين له الإسلام الحق والإيمان الحق؛ لأن هذا البيان مع ذكر النماذج لذلك من عزة الإسلام في تاريخه السابق قد يولد عند أخيك القناعة بإذن الله وبعونه على أن العزة للإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534451,"book_id":2827,"shamela_page_id":240,"part":"10","page_num":18,"sequence_num":240,"body":"الأسباب التي تؤدي إلى زيادة الإيمان\r\rالسؤال\r من المعلوم أن الإيمان يزيد وينقص، فما هي الأسباب التي تؤدي إلى ذلك؟ وكيف نحافظ على الإيمان؟\r\rالجواب\r لا شك أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\rوالحقيقة أن المحافظة على هذا الإيمان إنما هي بسلوك السبل التي تؤدي إلى زيادته، والابتعاد عن الوسائل التي تؤدي إلى نقصانه.\rوالإيمان -بدون شك- عند الإنسان ليس على وتيرة واحدة، فأحياناً يرتفع هذا الإيمان عند الإنسان، وأحياناً يخبو قليلاً ويحس الإنسان بضعف في إيمانه وثقل حتى في تأديته أحياناً للعبادات، والذي أراه لإخواني في مثل هذه الحالة القيام بأمور: أولاً: أن يحرص تمام الحرص على أن لا يؤدي ضعف إيمانه إلى الكسل عن الفرائض، بمعنى أن الإنسان لو فرض أنه كسل عن طاعة وعن تطوع فإياه ثم إياه أن يؤدي به إلى الكسل عن صلاة الجماعة مثلاً، بل يحرص كل الحرص على أن يؤدي الفرائض؛ لأنها أحب الأشياء إلى الله.\rالثاني: أن يحرص كل الحرص على أن يبحث عما يقوي إيمانه، وتقوية الإيمان تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد تكون بقراءة القرآن، وقد تكون بالنوافل، وقد تكون بمدارسة سيرة الرسول ﷺ، وقد تكون بمجالسة الصالحين، وأقول: إن هذا هو الذي كان يفعله الصحابة ﵃ وأرضاهم، فقد كان الواحد منهم يلقى أخاه ويقول: يا فلان! تعال بنا نؤمن ساعة.\rلأن الإنسان إذا صار عنده ضعف في إيمانه وذهب إلى أخيه، وأخوه في ذلك اليوم قوي إيمانه فجلسا فتحدثا فهذه الجلسة الأخوية، وهذه الزيارة في الله بحد ذاتها فرض عليه، فكيف إذا جلسا لمذاكرة علم أو شأن من شئون المسلمين؟ لاشك أن الإيمان يقوى.\rوالنتيجة هي أنك إذا ضعف إيمانك لا تستسلم للشيطان، بل ابحث عما يقوي إيمانك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534452,"book_id":2827,"shamela_page_id":241,"part":"10","page_num":19,"sequence_num":241,"body":"نصيحة للنساء\r\rالسؤال\r هل هناك من نصيحة توجهونها إلى النساء؟\r\rالجواب\r أما نصيحتي لأخواتي المسلمات فتتخلص في ثلاثة أمور: الأمر الأول: تقوى الله ﷾ في السر والعلن، فالتقوى هي لعموم المؤمنين ومنهم النساء، لكن المرأة مطلوب منها أن تتذكر تقواها لربها في عرضها وصلاتها وحق زوجها؛ لأن النبي ﷺ قال: (اطلعت على النار فوجدت أكثر أهلها النساء.\rفقلن: يا رسول الله! لمَ؟ قال: لأنكن تكفرن العشير، لو أحسنت إليها الدهر كله ثم رأت يوماً سوءً قالت: ما رأيت خيراً قط)، وهذه هي طبيعة المرأة، فعليها أن تتقي الله ﷾ في نفسها، وفي مال زوجها وبيته، وفي وأولادها.\rالأمر الثاني: يجب أن تحذر أختي المسلمة كل الحذر من دعايات المضللين والمنافقين والمنافقات، وبعض الناس يظن أنه لا منافقات، وهذا غلط؛ لأن الله يقول في أكثر من آية: (والمنافقون والمنافقات).\rإذاً ليس النفاق خاصاً بالرجال، وإنما في النساء منافقات بنص القرآن الكريم، فعليها أن تحذر منهن ومنهم، فأولئك الذين يريدون أن يلبسوا الباطل بلباس الحق عليها أن تحذر من مكايدهم، وهكذا دعاة التبرج والسفور والاختلاط ودعاة هدم الأخلاق عليها أن تحذر كل الحذر من هؤلاء.\rولتعلم أختي المسلمة أنها إذا حذرت هؤلاء فإن البديل لها هو ما شرعه الله لها، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، أترون بنات المسلمين في عهد النبي ﷺ عشن شقيات لأنهن لم يخرجن ولم يتبرجن، ولم يُكنَّ مثل الرجال يخالطنهم في الوظائف والأعمال؟ الجواب: لا.\rبل -والله- كنّ يعشن في أتم سعادة؛ لأنهن ائتمرن بأمر الله سبحانه في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١].\rائتمرن بأمر الله، فقامت المسلمة بدورها تصنع الرجال وتربي الأجيال وتخرجهم، حتى تربى الأولاد وتربت البنات على الطاعة والالتزام وعلى العزة بهذا الدين، فصار الواحد منهم يمشي في مشارق الأرض ومغاربها حاملاً مشعل الإيمان معتزاً بدينه رافعاً راية الحق خفاقة، يقول للكفار في كل مكان: هذا ديني وإسلامي، وهذا نسبي، فإلى من تنتسبون؟! هكذا صنعت النساء، وهكذا كن الصحابيات والتابعيات ومن جاء بعدهن يصنعن، فهل رأيتم صحابية أو من نساء السلف من أصيبت بمرض نفسي لأنها تجلس في البيت؟ أو أصيبت بعقدة كما يدعي المستغربون والمنافقون؟ الجواب: لا والله.\rولماذا لا نجد في تاريخنا -وفيه نساء كثيرات- ما يبثه اليوم أعداء الإسلام من قولهم: المرأة جالسة عاطلة؟ بل المرأة تقوم بدور عظيم جداً؛ لأن هذا من الطبيعة التي خلقها الله عليها، فالمرأة لها طبيعة خاصة، والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣]، فلو جئنا لنعكس ونقول: الليل يكون نهاراً.\rوالنهار يكون ليلاً فكيف ستكون حياتنا؟ ستكون تعاسة؛ لأننا عكسنا الطبيعة التي خلق الله الكون عليها.\rوكذلك أيضاً لو جئنا نعكس ونقول: المرأة تقوم بدور الرجل؛ لأن هذه طبيعة خلقها الله عليها، فالمرأة هي التي تحمل، وهي التي تصنع الرجال، وهي التي ترضع، وهي التي تقوم بالبيت، فإذا غيرنا هذه الأمور وقلنا للمرأة: تعالي فكوني أنت التي تحملين السلاح دائماً، وأنت التي تؤدين الوظائف، وأنت التي تختلطين بالرجال فسنرى أنه انعكست الأمور وانحطت الأخلاق وتحطمت الأمة، وهل بعد أمر الله أمر؟! وهل بعد اختيار الله اختيار؟! أما الوصية الثالثة لأختي المسلمة فهي أن تكوني داعية إلى الله بين أخواتك المسلمات، فالمرأة تؤثر على المرأة، ولا تكوني ممن تدعو أحياناً إلى السوء وهي لا تشعر، فبعض النساء تجدها أحياناً تفعل أشياء تظنها لا شيء فيها وهي أحياناً تؤدي إلى خراب البيوت.\rمثلاً: قد تأتي المرأة إلى جارتها أو صديقتها فتجدها تخبر صديقتها عن أحسن أخلاق زوجها، وقد يكون زوجها له خلق أو خلقان ممتازان، لكن له ثلاثة أو أربعة سيئة، فتأتي مقابلتها التي تسمع منها ويكون هذا الخلق الذي ذكرته هو من أسوأ أخلاق زوجها، فتقول مثلاً: إن زوجي لا يرد لي مطلباً.\rأو نحو ذلك من الأمور التي تذكرها المرأة أحياناً، فتلك تسمع منها وتقول: إذا كانت هذه المسألة قد حسنت أخلاق زوجها فيها فما بالك بالأخلاق الأخرى؟ فترجع على زوجها، وتسوء العلاقة بينهما، مع أنها لو فتشت في مجمل أخلاق زوجها ومجمل أخلاق زوج جارتها أو صديقتها لوجدت أن زوجها يفضل ذاك بكثير، لكن السبب هو تلك الأمور التي تحدث بين النساء ويكون فيها إسفاف، والوسائل والأمثلة كثيرة، لكن على المرأة المسلمة أن تكون داعية إلى الله، فإذا اجتمعت مع أختها تتذاكر معها كتاب الله، وسنة الرسول ﷺ والأمر الطيب والإصلاح بين الناس والحديث والسمر الذي يحبب النفوس ولا يبغض النفوس فذلك أمر محمود.\rنسأل الله ﷾ أن يرزق أخواتي المسلمات جميعاً التقوى والعفاف، وأن يعصمهن من الانحراف، وأن يوفق أولياء أمورهن على أن يكونوا عوناً لهن على طاعة الله؛ لأن من أولياء الأمور -ولا حول ولا قوة إلا بالله- من يكون عوناً للشيطان على أهل بيته، فإذا هدى الله بنته أو زوجه أو أخته صار ضدهم يريد أن يجرفهم وأن يحرفهم.\rأسأل الله للجميع التوفيق والهداية.\rوالله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534453,"book_id":2827,"shamela_page_id":242,"part":"11","page_num":1,"sequence_num":242,"body":"القضاء والقدر\rالإيمان بالقضاء والقدر هو السعادة، وهو ركن الإفادة من هذه الدنيا والاستفادة، منه تنشرح الصدور، ويعلوها الفرح والحبور، وتنزاح عنها الأحزان والكدور، فما أحلاها من حياة عندما يسلِّم العبد زمام أموره لخالقه، فيرضى بما قسم له، ويسلِّم لما قدّر عليه، فتراه يحكي عبداً مستسلماً لمولاه، الذي خلقه وأنشأه وسواه، وبنعمه وفضله رباه وغذاه، فيسعد في الدنيا ويؤجر في الأخرى.\rولا يتم ذلك إلا لمن فهم القضاء والقدر، وعرف أسراره، وعلم حكمه على فهم سلف الأمة، فهم على علم أقدموا، وعن فهم كفوا وأحجموا، فلابد من الوقوف حيث وقفوا، وقصر الأفهام على ما فهموا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534454,"book_id":2827,"shamela_page_id":243,"part":"11","page_num":2,"sequence_num":243,"body":"أهمية عقيدة القضاء والقدر\rبسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فموضوع هذا الدرس القضاء والقدر، وسنركز على بعض القضايا المتعلقة بمنهج دراسة مثل هذا الموضوع، وتعريفه، ومجمل عقيدة السلف فيه.\rوأول قضية نحب أن ننبه إليها في هذا الموضوع هي: أن موضوع القضاء والقدر موضوع مهم؛ لأنه يتعلق بحياة جميع الناس، فما من إنسان يعيش في هذه الحياة، ويسير في مناكبها على أي ديانة كان، وفي أي اتجاه اتجه في حياته العملية أو العقدية أو غيرها؛ إلا وقضية القضاء والقدر عنده من القضايا التي تشغل باله في كل وقت.\rومن ثم فإن الله ﵎ بين لنا هذه المسألة في كتابه أتم بيان، كما أوضحها لنا رسوله ﷺ على منهج صحيح.\rوأول ما يتبادر إلى الذهن حول أهمية القضاء والقدر أنه من أركان الإيمان، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ حينما سئل عن الإيمان أجاب بالأركان الستة، وختمها بالإيمان بالقدر خيره وشره.\rوالله ﵎ أخبرنا في كتابه العزيز أنه خلق كل شيء وقدره، وأن كل ما يجري في هذا الكون فهو بتقديره ﵎ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\rومن هنا فإن أركان الإيمان وما يتعلق بهذه الأركان من الأمور التي ينبغي لكل مسلم أن يتدبرها وأن يتعلمها وأن يتعمق فيها، وأن يكون إدراكه لها إدراك العالم البصير، وخاصة طلاب العلم؛ لأننا نجد جميع المسلمين -والحمد لله- يؤمنون بهذه الأركان، ولكن الإيمان المبني على الفهم الصحيح من الأدلة نجد الناس يتفاوتون فيه.\rومهمة طالب العلم والداعية إلى الله ﷾ هو ألا يكون إيمانه بهذه الأركان إيمان معرفة مجردة، وإنما يكون إيمانه بها بفهم دقيق عميق بحيث يكون داعية إلى الله ﷾، ومن ضمن ما يدعو إليه أن يبين للناس هذه الأركان، وأن يوضح ما يتعلق بمقتضياتها، وما يتعلق بآثارها في حياة الإنسان إلى آخره.\rوهذه مسألة مهمة جداً؛ لأن فهم العقيدة بأدلتها، وفهم منهج السلف رحمهم الله تعالى بأدلتهم ومنهجهم أمر آخر غير الإيمان المجرد الذي ربما يؤمن به الإنسان وهو سائر في حياته، فحينما يأتي إنسان ملحد أو ضال أو منحرف ليعرض انحرافه أو شبهته، ففي هذه الحالة لا يتمكن من الرد عليه ودحر باطله وبيان الحق من الباطل فيما يقول إلا من تعمق بدراسة العقيدة الإسلامية من جميع جوانبها، وفهمها بأدلتها على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.\rفحينما نقول: إن الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، فالمقصود أن على المسلمين وعلى الدعاة إلى الله منهم خاصة وطلاب العلم أن يفقهوا هذا الركن وغيره على وفق فقه السلف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534455,"book_id":2827,"shamela_page_id":244,"part":"11","page_num":3,"sequence_num":244,"body":"كثرة الانحرافات في باب القضاء والقدر\rمسألة القضاء والقدر من المسائل التي كثرت فيها الانحرافات، وتعددت فيها أقوال الطوائف، فصار بيان الحق من الباطل فيها مهماً، لو نظرنا إلى ما قبل الإسلام مثلاً لوجدنا أن الفلاسفة والوثنيين بل ومشركي العرب كل منهم خاضوا في مسألة القضاء والقدر، حتى إن مسألة الاحتجاج بالقدر التي نسمعها إلى الآن لو تأملنا في كتاب الله تعالى لوجدنا أن المشركين قد احتجوا بالقضاء والقدر على شركهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، فربطوا شركهم بالقدر، واحتجوا بالقدر على شركهم، ولا شك أن حجتهم باطلة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\rجاءت رسالة الإسلام، ونزل القرآن العظيم على قلب محمد ﷺ، وفهم الصحابة العقيدة الفهم السليم؛ لأنهم حضروا التنزيل، وشافهوا الرسول ﷺ وتلقوا عنه، ثم جاء بعدهم من يتكلم بلا علم في قضايا العقيدة ومنها: قضية القضاء والقدر.\rولقد حدثت انحرافات خطيرة جداً في القرن الأول في أواخر عهد الصحابة ﵃، واستمر الانحراف والتفرق في موضوع القضاء والقدر، وظهرت الطوائف التي لاكته على حسب معتقداتها ومسلماتها فنشأ انحراف خطير.\rوفي العصر الحاضر نجد أن الفلسفات المعاصرة كلها تجعل قضية القضاء والقدر من قضاياها الأساسية، التي تبلور بها ومن خلالها مناهجها وفلسفاتها، فهناك أصحاب مبدأ الحتمية، والجبرية، وهناك أصحاب مذهب الحرية التامة، وهكذا.\rكل صورة في عصر من العصور نجد في السابق ما يشابهها، فلما كثرت الانحرافات في هذا الباب كان لزاماً بيان الحق في هذه المسألة، وبحثها على وفق منهج السلف رحمهم الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534456,"book_id":2827,"shamela_page_id":245,"part":"11","page_num":4,"sequence_num":245,"body":"الشرع مرتبط بالقدر\rالإيمان بالقضاء والقدر ليس من الأمور الخبرية التي يسلم بها الإنسان أو لا يسلم بها وفقط، وإنما هو من الأمور التي لا تنفك عن حياة الإنسان العملية، بمعنى: أن الشرع مرتبط بالقدر، وكل من اختل فهمه في عقيدة القضاء والقدر سيختل توازنه في تطبيقه لقضية الأمر والنهي والشرع الذي شرعه الله ﵎، وهذا نحسه ونلمسه دائماً من أولئك الذين يحتجون بالقدر أحياناً.\rفقضية القضاء والقدر من القضايا المرتبطة ارتباطاً متيناً بقضية ما سيفعله الإنسان، أو ما أمر به وما نهي عنه على مقتضى الشريعة الإسلامية.\rومن هنا كان أولئك الذين يحتجون بالقضاء والقدر أول ما يحتجون به على انحرافهم في اتباع الأمر والنهي، فلما كانت قضية القضاء والقدر قضية عقدية مرتبطة بقضية الشرع وحياة الإنسان العملية، بل واستقراره النفسي في سيره إلى ربه ﵎؛ كان من المهم ألا نترك مثل هذه القضية وأن نعرض لها على وفق منهج سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534457,"book_id":2827,"shamela_page_id":246,"part":"11","page_num":5,"sequence_num":246,"body":"حكم الخوض في القدر\rوبعد بيان أهمية بحث مثل هذا الموضوع ننتقل إلى جزئية أخرى تتعلق بما ورد من النهي عن الخوض في القدر؛ لأن بعض الناس قد يقول: إن الخوض في القدر هو خوض فيما لا علم للإنسان به، ويقولون: إن القدر سر من أسرار الله، وينبغي الكف عن البحث فيه، ويحتجون لذلك بما ورد عن النبي ﷺ من حديث ثوبان ﵁ وأرضاه أنه قال: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) وهذا الحديث رواه الطبراني وغيره، وهو حديث حسن بمجموع طرقه.\rوالعلماء الذين عرضوا لمثل هذه القضية اختلفوا فيها إلى منهجين أو طريقتين: فبعضهم ظن أن دلالة هذا الحديث تقتضي أنه يجب الإمساك عن القدر تماماً، وأنه يجب الكف عن الخوض والكلام فيه، وقال: إن هذا مهم جداً لمن آثر السلامة.\rوبعضهم قال: يجوز الخوض في القدر والكلام فيه، وضعف هذه الأحاديث.\rوالذي نرجحه أن هذه الأحاديث تصل بمجموع طرقها إلى درجة الحسن، ونهي النبي ﷺ فيها هو نهي واضح لا ينصب على بحث القدر على المنهج الصحيح؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، وجاءت فيه أحاديث عن رسول الله ﷺ، بل وردت فيه آيات كثيرة في القرآن العظيم، فهل معنى ذلك أننا منهيون أن نبحث في معاني هذه الآيات وهذه الأحاديث؟\r\rالجواب\r لا، بل إن في الحديث ما يدل على مسألة القضاء والقدر وهي: أن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، فما معنى وجوب الإمساك عن ذكر الصحابة؟ هل معنى ذلك أننا لا نتحدث عن الصحابة وأنسابهم وأسمائهم وجهادهم وأحوالهم وأقوالهم إلى آخره؟! لا، بل الواضح أن المقصود بذلك: إذا ذكر الصحابة بباطل، وصار الناس يخوضون فيهم بين مخطئٍ لهم وقائل فيهم بما لا يجوز، وخاصة ما جرى بينهم ﵃ وأرضاهم؛ فواضح جداً أن هذا من الخوض الذي لا يجوز، وقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى إذا ذكروا مثل هذه القضايا المتعلقة بالصحابة يقولون: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فيجب أن نطهر منها ألسنتنا، فلا نخوض فيهم بالباطل.\rكذلك أيضاً القضاء والقدر، فمعرفته، ومعرفة الأدلة حوله، وأنه ركن من أركان الإيمان، وما يقوي الإيمان فيه، هذه من المسائل المتعلقة بالقدر التي يجوز الخوض فيها، بل مما يزيد الإيمان فيها أن يدرسها الإنسان ويتعمق فيها.\rلكن إذا جاء خائض ليخوض في باب القدر بالباطل، ويأتي ليقول: لماذا قدر الله؟ لماذا كذا؟ لماذا كذا؟ ثم يأتي محتجاً ومعترضاً.\r.\rإلى آخره، ففي هذه الحالة ينطبق عليه قول النبي ﷺ: (وإذا ذكر القدر فأمسكوا).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534458,"book_id":2827,"shamela_page_id":247,"part":"11","page_num":6,"sequence_num":247,"body":"الهدف من دراسة قضية القضاء والقدر وفهمها\rبعض الناس قد يظن أن بحث مسألة القضاء والقدر لا يكون إلا حينما يراد للأمة الاستكانة والخضوع، بمعنى: أنه إذا ابتليت الأمة بالمصائب، وتسلط عليها الأعداء من كل جانب، وصار المسلمون ضعفاء، فمن الأنسب أن نقول لهم: ما جرى إنما هو بقضاء الله وقدره، وعليكم أن تؤمنوا بالقضاء والقدر، وهذا الأمر لا يمكن أن ينفك عنكم أبداً إلى آخره، كما حكي عن بعض الناس أنه قال مثل هذا الكلام إبان الحروب الصليبية، فلما هجم الصليبيون على العالم الإسلامي تلك الهجمة الشرسة قال بعضهم: إن هذا من القضاء والقدر، وما دام أنه من القضاء والقدر فيجب أن نستسلم له! ونحن نقول: إن بحثنا لمثل هذه القضية، وفي مثل هذه الظروف التي تمر بالأمة الإسلامية، ليس مقصده شيئاً من هذا، بل العكس تماماً؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر والفهم الصحيح له هو الذي يحول الإنسان من إنسان متبلد إلى إنسان مقدام شجاع، وهذه مسألة سنعرض لها؛ لأن بعض مسائل العقيدة أحياناً تفهم على غير وجهها مثل: مسألة المهدي، ونزول عيسى، فإذا درست أحاديث المهدي ومجيئه في آخر الزمان، وأنه يملأ الأرض عدلاً، ثم ينزل عيسى ويقتل الدجال إلى آخره، يتبلور في أذهان بعض الناس أنه ينبغي أن ينتظر المهدي، وينتظر نزول عيسى ابن مريم، وأن علينا أن نسكت، وأن الدنيا لا تزيد إلا ظلماً، والاستسلام هو الأولى، والسكوت هو الأولى، وعليك بخويصة نفسك إلى آخره! نقول: هذا من الفهم الخاطئ لقضية المهدي ولمسألة نزول عيسى ابن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم؛ لأن الرسول ﷺ الذي أخبرنا بهذا، والصحابة الذين فهموا هذا، هل جاء في أذهانهم مثل هذه المفاهيم؟! لا، بل عملوا في حياتهم على مقتضى شرع الله؛ لتغيير الواقع، وللنهوض بالأمة الإسلامية بحسب جهدهم وبحسب مقدرتهم، ووفقهم الله ﷾؛ لأنهم كانوا مخلصين في مقاصدهم، وكانوا أيضاً متبعين لشرع الله تعالى في أعمالهم وفي مناهجهم.\rومن هنا تجد أن قضية القضاء والقدر عند بعض العلماء لا يمكن أن تمر في ذهنه أنها تدعوه إلى الكسل والتواني، سواءً كان هذا على مستوى الفرد أو على مستوى الأمة، حتى إن عبد القادر الجيلاني يؤثر عنه أنه قال: ليس الرجل الذي يسلم للأقدار -أي: يستسلم- وإنما الرجل الذي يدفع الأقدار بالأقدار.\rوهذه قضية واضحة جداً، كل منا لو نظر في حياته لوجد أنه مضطر إلى هذا، فإذا كنت في أمورك العادية تدفع الأقدار بالأقدار حتى قدر الجوع تدفعه بقدر آخر وهو الأكل، وقدر العطش تدفعه بقدر آخر وهو الشرب والري، وهكذا.\rكذلك قدر المعصية إذا وقعت تصبح قدراً فإنك تدفعها بقدر آخر وهو الطاعة والتوبة إلى الله ﷾ كما سيأتي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534459,"book_id":2827,"shamela_page_id":248,"part":"11","page_num":7,"sequence_num":248,"body":"الطرق الصحيحة في دراسة مسائل القضاء والقدر\rمن المسائل المتعلقة بالمقدمات المتعلقة بقضية القضاء والقدر هي المنهج الصحيح لدراسة القضاء والقدر.\rمسألة المنهج الصحيح لدراسة القضاء والقدر يجب أن تدرس دراسة مستقلة؛ لأنها تتعلق بالقضاء والقدر وبغيره، وكل خلط وانحراف في هذا الباب وفي غيره من أبواب الإيمان إنما منشؤه الخلط في المنهج، وانظروا إلى الفرق الإسلامية التي انحرفت، وانظروا إلى المذاهب المعاصرة التي انحرفت، فستجدوا من أسباب انحرافها أن منهجها في تلقي هذه العقيدة وفي فهمها منهج خاطئ.\rومن هنا فإنني لن أشير مطيلاً في هذه القضية؛ لأنها قضية تحتاج إلى محاضرات مستقلة، والحمد لله فإن هناك كتيبات وهناك محاضرات تبين مثل هذه المسألة، ولكن الذي أود أن أشير إليه في باب القضاء والقدر هو ثلاثة أمور في المنهج:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534460,"book_id":2827,"shamela_page_id":249,"part":"11","page_num":8,"sequence_num":249,"body":"القدر مرتبط بعدل الله وحكمته ورحمته وصفاته\rالأمر الثالث المتعلق بمنهج دراسة القضاء والقدر: أن الدارس المتفهم لهذه القضية يجب عليه أن يربطها ربطاً تاماً بربه ﵎، يربطها بعدل الله، وحكمة الله، ورحمة الله، وصفات الله ﵎، فقضية القضاء والقدر مرتبطة بصفات الله ﵎ الكاملة، فهو ﷾ له الكمال المطلق في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته، فلا ينبغي لإنسان يدرس هذه القضية وكأنه يجعل ربه ﵎ في قفص الاتهام كواحد من البشر، سبحان الله عما يصفون، بل يجب عليه أن ينظر إلى المسألة من منظار أنه عبد وأن الله رب، وأن يعرف جيداً أن هذه القضايا متعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته وكماله، والله ﵎ هو الذي أحاط بكل شيء علماً، وهو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم ﷾: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].\rوهو سبحانه الذي أراد أن ينشئ هذا الكون، وأن يوجد هذا الإنسان، وهو الذي اقتضت إرادته أن تنتهي هذه الدنيا، وأن تنكدر النجوم، وتتشقق السماء، وتكور الشمس، وأن يتغير العالم، هو الذي أراد ذلك، وهذا أمر كائن لا محالة، فلننظر إلى هذه المسألة من منظار العقيدة الصافية المفهومة فهماً صحيحاً، وخاصة ما يتعلق منها بأسماء الله ﵎ وصفاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534461,"book_id":2827,"shamela_page_id":250,"part":"11","page_num":9,"sequence_num":250,"body":"الأخذ من الكتاب والسنة\rالأمر الأول: أن عقيدة القضاء والقدر يجب أن تؤخذ من الكتاب والسنة أولاً، ويستعان بما كتبه علماء الإسلام في فهم ما جاء في الكتاب والسنة، بمعنى: أن الإنسان الذي يريد أن يفهم هذه القضية فعليه أن ينطلق من هذا المنطلق، قراءة الكتاب العزيز وتفسيره، وقراءة سنة النبي ﷺ وفهمها بحيث يستنتج الإنسان في النهاية استنتاجاً متلائماً مترابطاً حول هذه القضية، التي هي قضية القضاء والقدر؛ لأن مسألة القضاء والقدر من المسائل التي كثر الخوض فيها من جانب الفلاسفة ومن جانب المتكلمين، خاض الفلاسفة فيها جميعاً، خاض فيها الصوفية على مختلف أصنافهم، خاض فيها المتكلمون من معتزلة وأشاعرة، خاض فيها مختلف الطوائف من الفرق كالروافض والزيدية وغيرهم، كل خاض في هذه القضية، وهذه الكتب تجد منهجها توجيه هذه القضية توجيهاً منحرفاً، وأقرب مثال على ذلك، من هم أقرب الناس إلى أهل السنة والجماعة، وهم الأشاعرة والماتريدية، لو جئت إلى قضية القضاء والقدر لوجدت أن مناهجهم فيها كثير من الخلط، ولم تصف لهم هذه المسألة؛ لأنهم عندما واجهوا المعتزلة في بعض القضايا أدى بهم الأمر إلى أن يقعوا في الطرف الآخر من المسألة، بينما المنهج الحق هو الوسط لا هذا ولا هذا، وستأتي الإشارة إلى أشياء من هذا إن شاء الله تعالى.\rإذاً: على الإنسان أن يرجع أولاً إلى الكتاب والسنة في العقيدة عموماً، وفي قضية القضاء والقدر خصوصاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534462,"book_id":2827,"shamela_page_id":251,"part":"11","page_num":10,"sequence_num":251,"body":"القدر سر الله\rالأمر الثاني: أن هناك مجالاً في باب القضاء والقدر لا مدخل للإنسان فيه أبداً، وهو الذي سماه بعض العلماء: سر القدر، قال الطحاوي رحمه الله تعالى: والقدر سر الله لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، هذه القضية يجب أن نعرفها وأن نؤمن بها؛ لكن لا يجوز أن نضعها في غير محلها كما يفهم البعض، مدار قضية أن القدر سر الله، وأن في القدر ما لا يمكن للإنسان أن يبحث فيه: هو التقدير الأزلي من الله ﷾، وهو أن الله ﵎ هو الذي اختار أن يوجد الناس في هذه الحياة على الابتلاء: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥].\rلأن السائل قد يسأل هنا ويقول: لماذا لم يجعلهم الله مهتدين؟ والله تعالى أجاب عن ذلك في كتابه العزيز فقال لمحمد ﷺ: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، لو أراد الله ﷾ لجعل الناس كلهم مؤمنين مثل الملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ولكن الله -وهو الذي له المشيئة المطلقة- أراد ذلك لحكمٍ كثيرة، أراد الله أن يوجد البشر على هذه الأرض، وأن يكونوا مكلفين، وأن يكون منهم أهل استقامة واتباع؛ ليكونوا يوم القيامة من أهل الجنة، وطائفة أخرى أهل انحراف وكفر؛ ليكونوا يوم القيامة من أهل السعير.\rفمن قال: لماذا لم يجعل الله الناس كلهم مهتدين؟ مثل من جاء ليقول: لماذا لم يجعل الله الأرض على هذا الشكل؟ هذا سؤال لا نسأله نحن، وسيأتي إن شاء الله ما يبين أن الإيمان بهذه القضية من المواطن المهمة جداً لسلامة قلب الإنسان واستقراريته، وبقيت قضايا أخرى تتعلق بمشيئة الإنسان، وهل له حجة على الله؟ وهذه مسائل واضحة تمام الوضوح كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.\rإذاً: على الإنسان ألا يعترض على أصل المشيئة الإلهية، بمعنى: لا يأتي قائل يقول: لماذا أغنى الله هذا وأفقر هذا؟ لماذا هذا يعيش إلى مائة سنة وذاك يعيش عشر سنوات فقط أو عشرين أو ثلاثين؟ لماذا الله ﵎ أضل وهدى، وجعل الناس صنفين؟ هذه من الأسئلة التي هي موطن سر القدر، والقدر متعلق بمشيئة الله ﵎ النافذة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534463,"book_id":2827,"shamela_page_id":252,"part":"11","page_num":11,"sequence_num":252,"body":"تعريف القضاء والقدر لغة واصطلاحاً\rبعد هذه المقدمات الأربع ننتقل إلى المسألة الأولى من المسائل التي نحب أن نبينها، ألا وهي: مسألة تعريف القضاء والقدر، ولا نريد أن نخوض في المعاني اللغوية لمسألة معنى كلمة قضى، ومعنى كلمة قدر، وإنما أحب أن أشير هنا إلى كتاب ابن فارس الذي يسمى بمعجم مقاييس اللغة، وهو من أهم الكتب التي جمعت بين فقه اللغة وبين معنى اللغة، ومعاني الكلمات، فهو يحرص دائماً على بيان علاقة الحروف بالكلمة.\rومن هنا فإنني سأشير إشارة صغيرة إلى قول ابن فارس في معنى كلمة قضى حيث قال: القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته، وهذا المعنى واضح الدلالة جداً في علاقته بالقضاء والقدر، وإن كان القضاء والقدر له معانٍ أخرى معروفة كثيرة: فيأتي بمعنى الأمر قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] أي: أمر.\rويأتي بمعنى الحكم كما في قوله تعالى: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] في قصة سحرة فرعون، أي: احكم ما أنت حاكم، ما أنت تريد.\rويأتي بمعنى الفراغ كما قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] أي: أنه ﷾ فرغ من خلقهن وتسويتهن.\rويأتي بمعنى الأداء تقول: قضى فلان صلاته، أي: أداها يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] أي: إذا أديتم مناسككم.\rويأتي بمعنى الإعلام كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء:٤]، أي: أوحينا وأخبرنا وأعلمنا إلى آخر المعاني التي هي معروفة في اللغة العربية.\rولكن الذي يهمنا في هذا أن مجمل هذه المعاني ذات ارتباط بالمعنى الأساسي الذي نريده، وهو أن معنى كلمة القضاء مرتبطة بالقدر، فهي دالة على أن الله ﷾ قضى هذا الأمر وفرغ منه، ودالة على أن الله أحكم هذا الأمر ونفذه، ودالة على أن الله ﷾ قد قدر أن يجري قضاءه كما قدره ﷾.\rوكذلك كلمة القدر يقول فيها ابن فارس في كتابه المهم معجم مقاييس اللغة: القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء ونهايته.\rومن هنا فإن القدر يطلق على الحكم والقضاء كما في حديث الاستخارة الوارد عن النبي ﷺ وفي آخره يقول الداعي: (فاقدره لي ويسره لي).\rوحينما يحرك الدال: (قَدَر) يكون بمعنى الطاقة، كما قال تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦].\rويأتي القدر بمعنى التضييق كما في قول الله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، في قصة يونس، أي: ظن أن لن نضيق عليه.\rوأيضاً يأتي من التقدير كما في قول النبي ﷺ في الحديث: (فإن غم عليكم فاقدروا له)، ويوضحه الرواية الأخرى: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً).\rفقول النبي ﷺ: (فاقدروا له) أي: قدروا له عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوماً، وهذا يتعلق بمسألة فقهية معروفة.\rإذاً: إذا نظرنا إلى المعاني اللغوية للقضاء والمعاني اللغوية للقدر نجد أن لها علاقة واضحة بمعنى القضاء والقدر الذي نحن بصدده.\rإذاً: إذا كان هذا معناهما لغة فما معناهما اصطلاحاً؟ لم يرد تعريف مستقل دقيق لهذا، وإنما جمع العلماء رحمهم الله تعالى ما يتعلق بالأشياء التي يجب الإيمان بها في باب القضاء والقدر، وبينوا من خلالها معنى القضاء والقدر.\rومن هنا فيمكن أن نقول: إن المقصود بالقضاء والقدر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه ﷾ بأنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته له، ثم وقوع هذه الأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته وخلقه لها ﷾.\rوهذا التعريف يشمل عدة مسائل: الأولى: الإيمان بعلم الله الأزلي التام بأن الله ﷾ علم في الأزل ما الخلق فاعلون.\rالثانية: الإيمان بأن الله ﵎ كتب -كما ورد في النصوص- في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة -وهو اللوح المحفوظ- ما هو كائن إلى يوم القيامة.\rالثالثة: الإيمان بأن الله تعالى له المشيئة النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\rالرابعة: الإيمان أنه لابد أن تقع هذه الأشياء على وفق ما علمها وكتبها وأرادها، والإيمان بأن الله تعالى خالقها، أي: أن الله ﵎ خالق كل شيء.\rإذاً: تترتب هذه الأمور على هذا الترتيب: علم أزلي، ثم كتابة لهذا الأمر، ثم مشيئة إلهية لابد أن تنفذ، ثم وقوع المقدور، وأن الله تعالى هو خالقهم، فكل ما يقع في هذا الكون فهو مخلوق لله كما قال ﵎ في كتابه العزيز: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، ﷾، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان علاقة هذه القضية بإرادة الإنسان وقدرته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534464,"book_id":2827,"shamela_page_id":253,"part":"11","page_num":12,"sequence_num":253,"body":"مراتب القدر\rالإيمان بالقضاء والقدر يقتضي من العبد أن يؤمن بأربع مراتب دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والمتتبع للنصوص الواردة في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ يجد أن هذه المراتب الأربع كاملة قد ورد الإخبار عنها بما يقتضي نسبتها إلى الله ﷾، وهذه المراتب الأربع هي التي أشرنا إليها إجمالاً في التعريف وهي: الأولى: مرتبة العلم.\rالثانية: مرتبة الكتابة.\rالثالثة: مرتبة المشيئة.\rالرابعة: مرتبة الخلق.\rفهذه المراتب الأربع كلها لله ﷾، وقد دلت على ذلك الأدلة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ.\rونحن هنا نشير إلى بعض الأدلة على هذه المراتب.\rوالإيمان بالقضاء والقدر قد وردت فيه آيات وأحاديث كثيرة جداً، منها: قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].\rويقول النبي ﷺ في الحديث: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، ويقول في الحديث الآخر: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) وهذا حديث صحيح رواه الترمذي وغيره.\rويقول النبي ﷺ -كما في حديث علي ﵁: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر) وهذا أيضاً رواه الترمذي.\rوعن طاوس رحمه الله تعالى قال: أدركت ناساً من أصحاب النبي ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، ثم قال: وسمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز) ومعنى الكيس: الهمة والنشاط، والعجز: هو عجز الإنسان، فكل شيء بقضاء الله ﷾ وقدره، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.\rوعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاث هن أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد باق منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)، وهذا الحديث رواه أبو داود إلى آخر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في الإيمان بالقدر بإجمال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534465,"book_id":2827,"shamela_page_id":254,"part":"11","page_num":13,"sequence_num":254,"body":"أدلة مرتبة الخلق\rالله ﷾ خالق كل شيء في هذا الكون، ومن ذلك أفعال العباد، فالله خالق العباد وخالق أفعالهم.\rوهذه المسألة -خلق أفعال العباد- هي مسألة القضاء والقدر التي صار فيها الكلام الطويل بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة، والأدلة على إثباتها كثيرة، ومنها: قول الله ﵎ في قصة إبراهيم لما كسر أصنامهم وجاءوا إليه فقال لهم إبراهيم ﵊: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥ - ٩٦] أي: خلقكم وعملكم، هذه إذا كانت (ما) مصدرية.\rوهناك قول آخر: أن (ما) موصولة، أي: خلقكم وخلق العمل الذي تعملونه.\rوأيضاً قول الله ﵎ في كتابه العزيز: ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر:٦٢]، وقوله تعالى أيضاً: ﴿قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، وقوله ﵎: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] إلى آخر الأدلة الكثيرة الواردة في كتاب الله تعالى.\rومن الأحاديث الواردة ما يرويه زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) وهو في صحيح مسلم، والشاهد قوله: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها) فالفاعل هو الله تعالى، فهو الذي يطلب منه ذلك، وهذا هو معنى قول الله ﵎: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨]، قال سعيد بن جبير في تفسير هذه الآية: فالخلق لله، والإنسان قادر على سلوك أيهما شاء، وهو ومخير.\rوقال ابن زيد في معنى هذه الآية: جعل ذلك فيها بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها بالفجور.\rوورد حديث صحيح رواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد، ورواه البيهقي أيضاً في الأسماء والصفات، ورواه الحاكم في المستدرك، أن النبي ﷺ قال: (إن الله يصنع كل صانع وصنعته)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وهذا حديث صحيح إلى آخر الأدلة التي تدل على أن الله ﵎ خالق كل شيء.\rهذه المراتب الأربع عند أهل السنة والجماعة لابد أن يؤمن بها الإنسان، ناسباً لها لله الواحد القهار علماً وكتابة ومشيئة وخلقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534466,"book_id":2827,"shamela_page_id":255,"part":"11","page_num":14,"sequence_num":255,"body":"أدلة مرتبة المشيئة\rمرتبة الإرادة والمشيئة -الإرادة الكونية والمشيئة الكونية- المقصود بهذه المرتبة أنه يجب على المؤمن قضيتين: أن كل ما يقع في هذا الكون فهو بمشيئته ﵎ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\rوأنه لا يخرج شيء عن مشيئته مهما كان.\rإذاً: مشيئة الله شاملة نافذة عامة في كل ما يقع في هذا الكون.\rومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة:٤٨]، فلو شاء الله ﵎ لجعل الناس أمة واحدة لا يختلفون أبداً؛ لكن شاء الله أن يبتلينا بالتفرق فنفذت مشيئته.\rويقول ﵎ في قصة شعيب لما قال له قومه: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود:٣٢ - ٣٣].\rوأيضاً يقول ﵎ عن موسى أنه قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:٩٩]، وقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ [الكهف:٦٩]، وقال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].\rويقول ﵎: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦].\rويقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٦].\rويقول ﵎ في باب الإرادة الكونية: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].\rإذاً: هذه المشيئة والإرادة الكونية هي شاملة لكل شيء، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، كما قاله تعالى مخاطباً رسول الله ﷺ.\rومن الأحاديث الواردة في ذلك قول النبي ﷺ -وهذا في صحيح البخاري -: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء)، فأمر بالشفاعة، وأخبر أن الذي سيقع هو ما شاءه الله ﷾.\rوالنبي ﷺ أقر علي بن أبي طالب حين سأله الرسول هو وزوجه فاطمة ﵄ وقال لهما: (ألا تصليان؟ فأجابه علي بقوله: أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، قال علي: فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤])، فالشاهد هنا إثبات المشيئة؛ لأن علياً احتج بالمشيئة، لكن الرسول ﷺ كأنه لم يرض بهذا الاحتجاج وإن كان حقاً، ومن ثم قرأ: (﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤]).\rوللعلماء أقوال حول معنى هذا الحديث منها: أنه قال ذلك تسليماً لعذرهما، وأنه لا عليهما.\rومنها: أنه تعجب من سرعة جوابه وعدم موافقته إلى آخره.\rوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إن قلوب العباد -أو قلوب بني آدم- كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك).\rوأيضاً لما قال رجل للنبي ﷺ: (ما شاء الله وشئت، قال له النبي ﷺ: أجعلتني لله نداً؟ -وفي بعض الألفاظ: أجعلتني لله عدلاً؟ - بل ما شاء الله وحده)، فالنبي ﵊ ينفي أن تكون له مشيئة مع مشيئة الله، وإنما المشيئة هي مشيئة الله وحده، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\rويقول تعالى عن سائر العباد: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فمشيئة العباد إنما هي داخلة تحت مشيئة الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534467,"book_id":2827,"shamela_page_id":256,"part":"11","page_num":15,"sequence_num":256,"body":"أدلة مرتبة الكتابة\rالله ﵎ كتب مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ، وهذا الكتاب هو الذي ذكره الله ﷾ في كتابه العزيز، كما في قوله ﵎: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، على القول الصحيح في تفسير هذه الآية بأن المقصود بالكتاب هو اللوح المحفوظ، وإن كان هناك قول آخر بأن المقصود به هو كتاب الله القرآن.\rومن الأدلة التي تدل على إثبات الكتابة قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، فربنا ﵎ أخبر أن هذا مكتوب مسطور في كتبه، وهذه المرتبة المهمة شاملة للكتابة الشرعية والقدرية.\rفالكتابة القدرية: أن الله ﷾ كتب ما يقع لعباده، ومثال الكتابة الشرعية أن الله ﷾ قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥].\rوكذلك أيضاً من الأدلة التي تدل على إثبات الكتابة قول الله ﵎ في قصة أسارى بدر: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] أي: فلولا أن الله ﵎ قد قدر وسبق في كتابه أنه قد أحل للصحابة ﵃ وأرضاهم الغنائم، وأن الله ﵎ قد رفع عن هذه الأمة العذاب الكامل الذي يستأصل شأفتهم لجرى ما ذكره الله تعالى في هذه الآية: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨].\rومثله قول الله تعالى في هذه الآية التي تجمع بين المرتبتين: العلم، والكتابة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، فهذه الآية أشارت إلى المرتبتين كلتيهما.\rويقول تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥] أي: ما من أمر خفي أو سر من الأسرار سواءً كان في السماوات أو في الأرض إلا في كتاب مبين، فقد أحاط هذ الكتاب بكل شيء، والأدلة في السنة على ذلك كثيرة منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) وهذا واضح الدلالة على أن الله كتب ذلك قبل خلق السماوات والأرض.\rوأيضاً الحديث الطويل الذي فيه أن النبي ﷺ قال: (ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار -وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة- قال: فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ قال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، ثم قال ﵊: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]) وهذا الحديث في صحيح البخاري، والأحاديث والنصوص الواردة في هذا الباب كثيرة جداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534468,"book_id":2827,"shamela_page_id":257,"part":"11","page_num":16,"sequence_num":257,"body":"أدلة مرتبة العلم\rأدلة الإيمان بمراتب القدر الأربع كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ.\rفمرتبة العلم أدلتها كثيرة.\rيقول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].\rوورد عن النبي ﷺ أنه سئل عن بعض المغيبات، فذكر أن هناك أموراً خمسة من أمور الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى، فالرسول ﷺ -وهو رسول الله- لا يعلم إلا ما أعلمه الله.\rففي هذه الآية: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ)، دلالة على أن العلم عند الله، وإذا أراد تعالى أن يعلم أحداً من خلقه أعلمه ببعض علمه، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجن:٢٦ - ٢٨].\rومع ذلك فالنبي ﷺ كان يسأل أحياناً فيجيب بقوله: (الله أعلم) كما سئل عن أطفال المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).\rفالأدلة على إثبات علم الله تعالى كثيرة جداً وواضحة في كتاب الله العزيز.\rومن السنة ما ورد عن النبي ﷺ في حديث عمران بن حصين ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أَعُلِم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له) أي: قد علمهم الله ﷾، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.\rوعن علي ﵁ وأرضاه قال: (كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالساً وفي يده عود ينكت به -يعني: يخط به أو يحرث به- فرفع رأسه فقال: ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار، قالوا: يا رسول الله! ففيم العمل أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٥ - ٦] إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠])، وهذا الحديث أيضاً في صحيح مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534469,"book_id":2827,"shamela_page_id":258,"part":"11","page_num":17,"sequence_num":258,"body":"الفرق بين القضاء والقدر\rبعد بيان هذه المسألة نشير إشارة سريعة إلى الفرق بين القضاء والقدر.\rالعلماء لما تحدثوا عن الفرق بينهما قال بعضهم: إنه لا فرق بينهما، فيأتي القضاء بمعنى القدر، ويأتي القدر بمعنى القضاء، أي: قد يذكر القضاء ويراد به القدر، ويذكر القدر لوحده ويراد به القضاء.\rوبعضهم فرق بينهما بقوله: إن القضاء: هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال الأزلي.\rوالقدر: هو الحكم بوقوع الجزئيات التي من تلك الكليات كما قدرها ﷾.\rوبعضهم عكس الأمر فقال: القدر: هو التقدير الكامل الشامل، والقضاء: هو التفصيل والتقطيع.\rوالصحيح أن هذه الأقوال التي فرقت بين القضاء والقدر لا دليل عليها، بل القدر يأتي بمعنى القضاء، والقضاء يأتي بمعنى القدر، وإذا جمعنا بينهما فإن كلاً منهما بمعنى الآخر، وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه لم يرد في ذلك نص يوضح هذا.\rودلالة اللغة العربية في مسألة الفرق بينهما تدل على أن كلاً منهما يستعمل استعمالات أخرى، ومن استعمالاتهما أن يكون القضاء بمعنى القدر الذي نحن بصدده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534470,"book_id":2827,"shamela_page_id":259,"part":"11","page_num":18,"sequence_num":259,"body":"من أقوال السلف في باب القدر\rبعد هذا ننتقل إلى فقرة نذكر فيها نماذج من أقوال السلف رحمهم الله تعالى في باب القدر.\rروى أبو داود في سننه بإسناد صحيح إلى خالد الحذاء قال: قلت للحسن البصري: يا أبا سعيد! أخبرني هل آدم للسماء خلق أم للأرض؟ قال: لا، بل للأرض.\rقلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: لم يكن له منه بد.\rقلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٢ - ١٦٣]؟ قال: إن الشياطين لا يفتنون بضلالتهم إلا من أوجب الله عليه الجحيم.\rوهذا رواه أبو داود في كتاب السنة: باب لزوم السنة.\rوهذا يثبت بأن السلف رحمهم الله تعالى يؤمنون بالقضاء والقدر.\rوالله ﵎ قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، فصدق قدره؛ لأنه لابد أن يكون هذا الإنسان في هذه الأرض.\rومن هنا نجد أن آدم ﵊ لما سأله موسى وقال له: (كيف أخرجتنا من الجنة؟ فأجابه آدم ﵊ بقوله: أتلومني في شيء قد كتبه الله علي قبل أن أخلق، فقال النبي ﷺ: فحج آدم موسى).\rوفي هذا الحديث لم يحتج آدم بالقدر على المعصية، وإنما احتج بالقدر على المصيبة؛ لأنه من المعلوم أن آدم لما سأله موسى كان قد تاب وتاب الله عليه ومحي عنه الذنب، وهو ليس بحاجة إلى أن يحتج بالذنب، ولكن لما سأله موسى أجاب آدم بالقدر السابق، فقال النبي ﷺ: (فحج آدم موسى).\rومن هنا قالوا: يجوز الاحتجاج بالقدر في حالتين: الحالة الأولى: في حالة المصائب التي تصيب الإنسان.\rالحالة الثانية: فيما إذا أذنب الإنسان وتاب إلى الله واستغفره ورجع وعمل الحسنة بعد تلك السيئة، فيجوز أن يقول: إن تلك المعصية كانت بقضاء وقدر، أما أن يحتج بالقدر مسوغاً لها فهذا لا يقبل.\rوروى أبو داود بسند صحيح إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: فإنه كتب إلى أحد أصحابه رسالة يقول فيها: كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير -بإذن الله- وقعت، ما أحدث الناس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثراً ولا أثبت أمراً من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم، وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقيناً وتسليماً لربهم، وتضعيفاً لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدر، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه، منه اقتبسوه ومنه تعلموه إلى آخر كلامه.\rوهذا أثر من عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يبين أن الإيمان بالقدر هو سبيل السلف في أن الأمر كله لله ﷾، فإذا جاء المعتزلة أو القدرية أو غيرهم لينحرفوا في هذا الباب وليقولوا: إن هذا ظلم أو هذا كذا أو هذا كذا؛ فهذا كله لا يقبله السلف وإنما يرفضونه رفضاً تاماً.\rومن هنا فإننا نجد أن السلف رحمهم الله تعالى كانوا شديدين جداً على أولئك الذين ضلوا في مسألة القضاء والقدر، ولم تكن محل إشكال عندهم، روى أبو داود في كتاب السنة: باب لزوم السنة -وهو حديث حسن الإسناد- أن عبد الله بن عمر كتب إلى صديق له من أهل الشام كان يكاتبه: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إلي! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر).\rومن هنا كانت للسلف مواقف قوية في هذا الباب، وقد تكلم غيلان القدري أحد القدرية مع ربيعة بن عبد الرحمن (ربيعة الرأي) الإمام المشهور، فقال له: يا أبا عثمان! أيرضى الله ﷿ أن يعصى؟ فقال له ربيعة: أفيعصى قصراً؟! فسكت.\rوكلمة غيلان: أفيرضى ربنا أن يعصى؟ هي مبنية إشكال عندهم سيأتي بيانه بعد قليل في مسألة التفريق بين الإرادة والرضا، لكن انظر إلى\r\rالجواب\r ( أفيعصى قصراً؟) أي: لا تحل أنت المشكلة بمشكلة أخرى، وهذا ما وقع فيه كل من الجبرية والمعتزلة، وهذا الأثر رواه اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة برقم (١٢٦٥).\rومن قصص عمر بن عبد العزيز مع هذا الرجل القدري وهو غيلان الدمشقي أنه لما بلغه قوله بالقدر استدعاه عمر بن عبد العزيز فقال له: يا غيلان ويحك ما هذا الذي بلغني عنك؟! قال: يكذب عليّ يا أمير المؤمنين، ويقال علي ما لا أقول.\rقال: ما تقول في العلم؟ أي: علم الله الأزلي.\rقال: نفذ العلم.\rفقال له عمر بن عبد العزيز: أنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت، يا غيلان! إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك إن تقر به فتخصم، خير لك من أن تجحده فتكفر.\rثم قال له: اقرأ (يس).\rفقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] إلى آخر قصته مع غيلان.\rوهذا القول من عمر بن عبد العزيز من أعظم ما ورد في باب القدر عن السلف، وفيه فقه مذهب السلف، وبيان الرد على مذهب المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقرون بالعلم، فإذا أقروا بالعلم فما فائدة أن يأتوا ويقولوا: الإنسان حر مختار إذا كان لا يقع شيء إلا وفق علم الله ﷾؟! وسيأتي بيان شيء من ذلك.\rورواية عمر بن عبد العزيز مع غيلان رواها عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة برقم (٩٤٨)، وأيضاً اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة برقم (١٣٢٥).\rوأورد اللالكائي هنا أيضاً برقم (١٣٣٩) في كتاب شرح اعتقاد أهل السنة حكاية عن رجل اتفق مع رجل أن يعبر الشاطئ وأن يعطيه كذا من المال، فصار الرجل يعوم ليعبر الشاطئ، فلما قرب منه قال الرجل: عبرت والله، ما بقي له إلا قليل.\rفقال له ذلك الرجل: قل: إن شاء الله.\rقال: شاء أو لم يشأ.\rقال: فأخذته الأرض وابتلعته.\rوأيضاً أورد اللالكائي قصة الجارية التي كانت سيدها قدرياً، وكان يقول إذا أتته بقدح من ماء: إنني يمكنني أن أشربه أو ألا أشربه، كأنه يقرر أنه سيشرب هذا القدح شاء الله أولم يشأ! فهذه الجارية أعطته الماء مرة وهو يريد أن يشربه، وكان قد قال لها: إن لم أشربه فأنت حرة لوجه الله؛ فضربت القدح فسقط على الأرض وسال الماء؛ فعتقت الجارية، وكانت تسمى بمولاة السنة.\rوالقدر كان عند السلف رحمهم الله تعالى أمر مسلم، حتى إن أحد أئمة المعتزلة -وهو عمرو بن عبيد - كان جالساً مع أصحابه في أحد المرات، فجاء أعرابي ووقف وقال: إن ناقتي سرقت؛ فادعوا الله أن يردها علي.\rفقال عمرو بن عبيد المعتزلي القدري: اللهم إنك لم ترد أن تسرق فسرقت، فردها عليه.\rانتبه لكلمة: (لم ترد أن تسرق)؛ فهو يعتقد أن هناك أشياء لا يريدها الله، وهو يقصد الإرادة الكونية، وليست الإرادة الدينية، فالأعرابي بفطرته قال له: لا حاجة لي في دعائك! قال: لماذا؟ قال: إذا كان الله أراد ألا تسرق فرغماً عنه سرقت، فأخاف أن يريد أن ترد فرغماً عنه لا ترد علينا، فلا حاجة في دعائك.\rأعرابي على الفطرة خصم هذا الشيخ المعتزلي الذي أمضى في الفلسفة وعلم الكلام وقتاً طويلاً؛ لأن الأمر بيد الله ﷾ وبقدره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534471,"book_id":2827,"shamela_page_id":260,"part":"11","page_num":19,"sequence_num":260,"body":"علاقة القدر بالإنسان\rبعد هذا ننتقل إلى مسألة أخرى تتعلق بمذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر، وهي علاقة القدر بالإنسان.\rنحن في الفقرات السابقة شرحنا وأوضحنا علاقة القدر بالله ﷾، وقلنا: إن مراتب القدر الأربع يجب على العبد أن يؤمن بها، وأن هذا هو مقتضى الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى.\rلكن بالنسبة للإنسان نفسه هل له إرادة ومشيئة وقدرة أو ليس له ذلك؟ هنا نذكر نقطتين هامتين: النقطة الأولى: أن الإنسان غير مجبور على فعله، ولم يرد عن السلف رحمهم الله تعالى حتى كلمة الجبر، لم ترد في النصوص، وإنما الوارد (الجَبْل) يقول الرسول ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خلقين جبلت عليهما: الحلم والأناة).\rفالله ﷾ يخلق الإنسان على جبلة، لكن لفظ (جبر) لم يرد، حتى إن أبا عبيد وهو أحد أئمة اللغة قال: إن لفظ الجبر في باب القدر لفظ مولد، يعني: لم يأت إلا بعد استكمال النصوص الشرعية من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ.\rإذاً: قضية أن الإنسان مجبور لم ترد في النصوص، وإنما الوارد في النصوص أشياء أخرى كما في قضية المشيئة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].\rوورد في النصوص الختم والطبع، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧]، والختم والطبع الوارد في كتاب الله ﵎ إنما هو عقوبة وجزاء لمن لم يسلك الطريق الصحيح، ولهذا لا تجد نصاً يفيد أن الله يطبع على القلب ابتداءً، وإنما يرد الطبع وزيغ القلب إذا لم يترك الإنسان المعصية، وهذه تكون من باب العقوبات الإلهية، فالله تعالى يعاقب العبد إذا فعل المعصية بأن يفعل معاصي أخرى، وتكون هذه عقوبة له على المعصية الأولى.\rالنقطة الثانية: أننا لو نظرنا إلى قضية الإنسان وأفعاله لوجدنا أن الله ﷾ في باب المحافظة والتكليف فرق بين عدة أشياء بالنسبة للإنسان، هناك أشياء تقع في الإنسان مثل كونه يولد في وقت كذا، أو يولد طويلاً، أو يولد قصيراً، أو يولد ولونه أسمر أو لونه أحمر أو لونه أبيض، أو كون الإنسان يعيش خمسين سنة أو أربعين سنة، أو كون الإنسان يعيش بأعضاء متكاملة بعضها أقوى من بعض، هذه الأمور التي تجري في الإنسان أوجدها الله ﷾ له بدون إرادة منه، لهذا فهو لا يحاسب عليها، فلا يأتي الإنسان يحاسب الله ويقول: لماذا كنت أسود أو أحمر أو غير ذلك؟! هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534472,"book_id":2827,"shamela_page_id":261,"part":"12","page_num":1,"sequence_num":261,"body":"وماذا بعد الأحزاب\rمن صفات اليهود التي عرفوا بها على مر التاريخ الغدر والخيانة، ومن ذلك ما حصل من اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة المنورة، حيث نقضوا العهود مع النبي ﷺ وخانوه، بل وتآمروا عليه وحاولوا قتله، فأجلى النبي ﷺ منهم من أجلى، وقتل منهم من قتل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534473,"book_id":2827,"shamela_page_id":262,"part":"12","page_num":2,"sequence_num":262,"body":"موقف النبي ﷺ من يهود بني قريظة\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: يستمر الحديث عن موقف النبي ﷺ من اليهود في المدينة النبوية، ومن يهود بني قريظة بالذات؛ فبعد لقاء بني قريظة بـ أبي لبابة الأنصاري ﵁ انقطع أملهم في التخفيف من العقوبة التي يستحقونها، وكان المفترض أن يدفعهم هذا إلى الاستكثار والقتال حتى الموت، خاصة وأن وضعهم في حصونهم أفضل بكثير من وضع المسلمين، فاليهود لم يخرجوا إلى معركة، وحصونهم تؤويهم، وفيها الغذاء الكافي لشهور طويلة، وفيها آبار المياه، وهي أيضاً قد آوتهم وأكنتهم من البرد.\rوعلى العكس من ذلك فالمسلمون خرجوا لتوهم من معركة هي من أصعب وأشد ما مر بهم؛ حيث كانوا في معركة الخندق يواصلون الليل والنهار في الحراسة والمرابطة في وجه أعدائهم المتحزبين الذين كانوا يعدون بالآلاف، إضافة إلى أن المسلمين كانوا في حالة مجاعة شديدة، والجو أيضاً خارج الحصون في غاية البرودة، ومن ثمَّ كانوا يرابطون حولها في العراء، فاجتمع عليهم الجوع والبرد.\rومع هذا الفرق الواضح بين وضع الجيشين، إلا أن اليهود انهارت أعصابهم، وتحطمت معنوياتهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، حتى صاروا وهم على تلك الحالة من القوة والمنعة والتحصين ووفرة السلاح والعدد والعتاد والغذاء والمال، يفكرون في كل شيء إلا استعمال السلاح للدفاع عن حصونهم، فهل يعي المسلمون هذه الحقيقة في صراعهم مع اليهود؟ بل هل يعي المسلمون غيرها من الحقائق عن اليهود؟ فعندهم حقد أسود على الإسلام والمسلمين قد امتلأت به قلوبهم عداوة وبغضاء تستخدم فيها شتى الوسائل لحرب كل مسلم في أي مكان، وعندهم نقض للعهود والمواثيق مهما كانت صيغتها ومع من كان متى ما وجدوا الفرصة سانحة، وهناك تفرق واختلاف فيما بينهم، كما قال تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، وهناك رعب وخوف ملازم لهم، كما قال تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]، وعندهم جبن وخور إذا ما قاتلوا المؤمنين الصادقين.\rأيها الإخوة! وحتى لا يطول الحصار وحتى لا يستمر اليهود في المماطلة ذهب علي بن أبي طالب حامل اللواء ومعه الزبير بن العوام ﵄، فصاح وقال: (والله لأذوقن ما ذاق حمزة، ولأفتحن حصنهم)، ثم تحرك معه بقية الجيش لهجوم كاسح على يهود في حصونهم، فلما رأوا كتائب الجيش الإسلامي الصادق تتحرك، وأيقنوا أن الهجوم على حصونهم لا مفر منه أراد اليهود إيقاف الهجوم، وأعلنوا الاستسلام والنزول على حكم رسول الله ﷺ دونما قيد أو شرط.\rوقد أوقف المسلمون الهجوم، وسارع اليهود إلى فتح الحصون بعد أن ألقوا سلاحهم، وأخذوا في مغادرة حصونهم مستسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً، واستلم المسلمون هؤلاء اليهود؛ أما الرجال فقد وضعت القيود في أيديهم، ثم وضعوا في حبس خاص بهم، وأما النساء والذراري فقد عزلوا عن الرجال، ووضعوا في دار الضيافة في المدينة النبوية، ووكل بهم عبد الله بن سلام، وكان عدد الرجال ما بين أربعمائة إلى سبعمائة، وقيل: هم ثمانمائة، أما النساء والذرية فكانوا قرابة الألف، ووقف الجميع ينتظرون كيف سيتم الحكم في هؤلاء اليهود الخائنين كيف سيتم الحكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534474,"book_id":2827,"shamela_page_id":263,"part":"12","page_num":3,"sequence_num":263,"body":"حكم سعد بن معاذ ﵁ في يهود بني قريظة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534475,"book_id":2827,"shamela_page_id":264,"part":"12","page_num":4,"sequence_num":264,"body":"وساطة الأوس لحلفائهم بني قريظة\rأيها الإخوة! لما كان بنو النضير وبنو قينقاع من اليهود حلفاء الخزرج في الجاهلية، وقد شفعوا لهم وقبل النبي ﷺ شفاعة عبد الله بن أبي ابن سلول فيهم، فاكتفى بإجلائهم من المدينة، وهنا رغب الأوس وهم حلفاء بني قريظة أن يشفعوا لهم، كما فعل إخوانهم الخزرج مع حلفائهم، وتوجه وفد من وجوه الأوس إلى رسول الله ﷺ وطلبوا منه أن يتكرم بالتخفيف من الحكم على هؤلاء اليهود ولو بنفيهم عن المدينة، كما فعل مع بني قينقاع.\rوقد كان رسول الله ﷺ بما جبل عليه من نبل وكرم ومراعاة لأصحابه خاصة الذين آووه ونصروه حان لا يرد طلباً يقدر عليه، وهاهو ﵊ قد استجاب قبل لرأس النفاق حين طلب من الرسول ﷺ أن يهب له حلفاءه من اليهود، فكيف لا يستجيب لأصحابه الكرام من الأوس الذين ناصروه في الإسلام ﵃؟ قال ابن إسحاق: فلما أصبحوا -أي: بني قريظة- نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فقال الأوس: يا رسول الله! إنهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا ما قد علمت.\rوكان رسول الله ﷺ قد حاصر بني قينقاع، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي ابن سلول، فوهبهم له، فلما سألته الأوس قال رسول الله ﷺ: (ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ: فذاك سعد بن معاذ).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534476,"book_id":2827,"shamela_page_id":265,"part":"12","page_num":5,"sequence_num":265,"body":"توجه سعد بن معاذ للحكم على بني قريظة\rوأين سعد بن معاذ؟ لقد كان سعد بن معاذ جريحاً في المدينة النبوية؛ لأنه أصيب في أكحله في غزوة الخندق؛ ولذلك لم يشترك ﵁ في حصار بني قريظة، وهنا طابت نفوس الأوس بهذا الحكم؛ حيث كانوا يأملون من ورائه أن يخفف سيدهم سعد بن معاذ من عقوبة حلفائه اليهود، ومن ثمَّ توجه أعيان منهم من المعسكر النبوي في بني قريظة إلى المدينة لمقابلة سيدهم الشاب الجريح، وإبلاغه القرار النبوي بشأن اليهود، وقابل الأوس سيدهم سعداً في المسجد النبوي، وأخبروه أن النبي ﷺ قد جعل أمر بني قريظة إليه ليحكم فيهم بما يريه الله تعالى، وطلبوا منه أن يرأف في الحكم بحلفائه، وذكروه بأن النبي ﷺ لم يجعل إليه أمرهم وهو حليفهم في الجاهلية إلا ليحسن إليهم، ويخفف الحكم عنهم.\rولما كان سعد جريحاً هيأ له قومه حماراً ليركبه، ويسير به إلى مقر قيادة النبي ﷺ في بني قريظة؛ ليعلن الحكم هناك، وسار سعد يحف به قومه ويقولون له: يا أبا عمرو! حلفاءك ومواليك وأهل النكاية، يا أبا عمرو! أحسن في مواليك؛ فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك لتحسن فيهم.\rفلما أكثروا عليه قال لهم وهو يقرب من مقر القيادة النبوية: (لقد آن لـ سعد ألا تأخذه في الله لومة لائم)، ولما دنا سعد -كما في صحيح البخاري - قال النبي ﷺ: (قوموا إلى سيدكم أو خيركم).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534477,"book_id":2827,"shamela_page_id":266,"part":"12","page_num":6,"sequence_num":266,"body":"خبرة سعد بن معاذ بحلفائه اليهود\rولما استقر لـ سعد المقام بين يدي رسول الله ﷺ في مقر قيادته في بني قريظة قال له رسول الله ﷺ: (احكم فيهم يا سعد! فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، فقال له النبي ﷺ: قد أمرك الله أن تحكم فيهم).\rغير أن سعد بن معاذ وقد علم تفاؤل قومه في الحكم في حلفائه من اليهود أحب أن يستووا في قانون الجميع، ووقف الشاب الجريح في المعسكر، ووجه حديثه إلى قومه الأوس خاصة وإلى من في المعسكر عامة قائلاً: (عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت؟ قالوا: نعم)، ثم اتجه إلى النبي ﷺ وأشار إلى الناحية التي هو فيها وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالاً له وإكباراً، وأشار إلى الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ، وفي رواية أنه أشار إلى بني قريظة المحجوزين جانباً في المعسكر ليستنطق منهم أيضاً، وقال لهم: (أترضون بحكمي؟ قالوا: نعم).\rكان هؤلاء اليهود قد بقي لديهم شيء من الأمل بعد أن علموا أن حلفاءهم الأوس قد بذلوا وساطتهم لدى الرسول القائد ﷺ ليخفف من عقوبتهم، وأنه نتيجة لهذه الوساطة قد جعل أمر هؤلاء اليهود لسيد حلفائهم سعد بن معاذ.\rوصدر الحكم من سعد، وانتظر الجميع قبل ذلك لحظات رهيبة، انتظروا سعداً ليعلن الحكم النهائي في هؤلاء اليهود، وقد كان الجميع لا يعلمون ما هو الحكم الذي سيصدره سعد، وإذا كان سعد حليفاً ليهود بني قريظة في الجاهلية فقد كان أيضاً خبيراً بحلفائه من اليهود، أليس هؤلاء اليهود هم الذين أسمعوا سعداً في أثناء غزوة الأحزاب وقد أرسله رسول الله ﷺ مع وفد يطلب منهم الوفاء بالعهد؛ فأسمعوه ومن معه شتم النبي ﷺ، حيث ردوه رداً قبيحاً؟ أليسوا هم الذين نقضوا العهد وانضموا إلى الأحزاب، فصارت خطوط المسلمين من الخلف مكشوفة لهم؛ حيث أصروا على المشاركة الفعالة لاستئصال شأن المسلمين مغتنمين استحكام المحنة حين تحزبت عليهم الأحزاب؟ ألم ينصح سعد هؤلاء اليهود -وهم حلفاؤه- أن يبقوا على عهدهم مع رسول الله ﷺ، وطلب ألا ينقضوا وألا يغدروا برسول الله ﷺ، ولكنهم كما سمع سعد أجابوه جواباً فاحشاً، وهم في نشوة الفرح بإطباق الأحزاب على المسلمين، وكان مما قالوه: ومن هو رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد؟ الخلاصة: أن سعداً كان خبيراً بهؤلاء اليهود في طباعهم وما جبلوا عليه، وكان أيضاً مدركاً لمقدار الغدر والخيانة ونقض العهود الذي وقع فيه بنو قريظة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534478,"book_id":2827,"shamela_page_id":267,"part":"12","page_num":7,"sequence_num":267,"body":"صدور الحكم على بني قريظة\rوهنا أيها الإخوة! وسعد تجول في خاطره هذه الأمور نطق بالحكم، وكان الحكم صارماً وقوياً وحازماً، واستمع الجميع إليه وهو يعلن حكماً يسطره التاريخ إلى يوم القيامة بين المسلمين واليهود قائلاً ﵁: (أحكم فيهم: أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم)! لقد حكم بالإعدام على رجالات يهود بني قريظة، وحكم بالأسر والسبي والغنائم على نسائهم وجواريهم وأموالهم، ولما نطق سعد بهذا الحكم علق النبي ﷺ عليه تعليقاً تهتز له الجبال الشامخات، وقال كما في صحيح البخاري -: (لقد حكمت فيهم يا سعد! بحكم الله من فوق سبع سماوات).\rلقد وافق سعد في حكمه حكم الله ﵎، ومع هول الحكم وشدته صمت الجميع، ولم يعترض عليه أحد حتى من اليهود أنفسهم، وأنى لهم الاعتراض في مثل هذه المواقف الرهيبة؟ وصدر الحكم، ولما صدر رجع النبي ﷺ إلى المدينة لتنفيذ حكم الله في هؤلاء اليهود الخونة، وأمر بحفر خنادق عريضة لتدفن فيها جثثهم بعد إعدامهم، ولما حفرت الخنادق جلس النبي ﷺ ومعه كبار الصحابة، ثم أمر بإحضار الرجال من بني قريظة المحكوم عليهم بالإعدام، وقد ميز المقاتلة من بينهم بإنبات الشعر، كما ثبت ذلك في الصحيح، وهنا أتي بهم دفعة دفعة، وكلما أعدمت وقتلت دفعة رمي بها في الخنادق، ثم وضعوا عليها التراب، وهكذا، وقد تم إعدام هؤلاء اليهود جميعاً في ليلة واحدة، وجرى الإعدام والقتل على ضوء مشاعل؛ لأنه كان في الليل كما في بعض الروايات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534479,"book_id":2827,"shamela_page_id":268,"part":"12","page_num":8,"sequence_num":268,"body":"قتل حيي بن أخطب\rولقد كان على رأس الذين نفذ فيهم حكم الإعدام سيد بني النضير حيي بن أخطب الذي حزب الأحزاب، وجمع جيوشها لغزو المدينة، وحمل بني قريظة على نقض العهد، وأعطاهم العهد أن يكون مصيره مصيرهم، فاستسلم حيي ضمن بني قريظة، ولما جاء تنفيذ الحكم في هذا الطاغوت الكبير أتي به إلى النبي ﷺ وعليه حلة فقاحية، أي: لونها يضرب إلى الحمرة، قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها.\rأيها الإخوة! ولما أتي به إلى النبي ﷺ مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، ووقف أمام رسول الله ﷺ، فقال له الرسول ﷺ: (ألم يمكن الله منك؟!) قال حيي: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذله الله، ثم ضربت عنقه وألقي بجثته في الخندق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534480,"book_id":2827,"shamela_page_id":269,"part":"12","page_num":9,"sequence_num":269,"body":"قتل كعب بن أسيد\rوأتي بزعيم بني قريظة كعب بن أسد، فقال: له النبي ﷺ لما وقف أمامه أسيراً: (يا كعب! قال: نعم يا أبا القاسم! قال: ما انتفعتم بنصح ابن خراش لكم وكان مصدقاً بي؟ أما أمركم اتباعي، وإن رأيتموني تقرئوني السلام؟! قال: كعب: بلى، والتوراة يا أبا القاسم! ولولا أن تعيرني يهود بالجزع من السيف لاتبعتك)، فأمر النبي ﷺ أن يقدم فتضرب عنقه، فضربت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534481,"book_id":2827,"shamela_page_id":270,"part":"12","page_num":10,"sequence_num":270,"body":"موت سعد بن معاذ ﵁\rأيها الإخوة! وفي قصص بني قريظة وتنفيذ حكم الإعدام تفصيلات وأحداث فيها عبر، أعرضنا عنها لضيق الوقت.\rأيها الإخوة! أما سعد بن معاذ صاحب الحكم فقد انفجر جرحه بعد حكمه بقليل، ثم انتقل ﵁ وأرضاه إلى لقاء ربه.\rأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534482,"book_id":2827,"shamela_page_id":271,"part":"12","page_num":11,"sequence_num":271,"body":"وقفات ودروس من غزوة بني قريظة\rالحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير محمد بن عبد الله مؤدب المشركين واليهود وغيرهم من الكفرة والمنافقين، ﷺ وعلى أصحابه الذين ساروا على منهاجه ومن تبعهم إلى يوم الدين.\rأما بعد: أيها الإخوة! وانتهت غزوة بني قريظة، ولنا في ختام هذه الغزوة وأحداثها عدد من الوقفات والدروس نكتفي بثلاث منها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534483,"book_id":2827,"shamela_page_id":272,"part":"12","page_num":12,"sequence_num":272,"body":"التعريف بسعد بن معاذ ﵁\rأولها: من هو سعد الذي حكم في هؤلاء اليهود فأصدر حكمه السابق الذي وافق حكم الله تعالى من فوق سبع سماوات؟ إنه سيد الأوس الذي أسلم على يد مصعب بن عمير في المدينة قبل الهجرة، فلما أسلم ﵁ وقف على قومه فقال: (يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلاً وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلامكم علي حرام رجالكم ونساؤكم حتى تؤمنوا بالله ورسوله) قال الراوي: فوالله! ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا، فكان ﵁ من أعظم الناس بركة على قومه.\rوسعد بن معاذ هو الذي اهتز عرش الرحمن لموته، فقد روى البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ)، وفي رواية لـ مسلم وذكرها البخاري بمعناها: (اهتز لها عرش الرحمن ﷿ أي: لجنازة سعد بن معاذ.\rقال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: وقد تواتر قول النبي ﷺ: (إن العرش اهتز لموت سعد فرحاً به)، وفي رواية عند أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن جابر قال: (جاء جبريل إلى الرسول ﷺ فقال له: من هذا العبد الصالح الذي مات؟! فتحت له أبواب السماء، وتحرك له العرش، فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد قد مات، قال: فجلس على قبره) إلى آخر الحديث.\rوسعد هو الذي روى فيه أنس بن مالك ﵁ قال: (لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته -يعني: لحكمه في بني قريظة- فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال ﵊: إن الملائكة كانت تحمله) رواه الترمذي وإسناده صحيح.\rوقد ثبت أن سبعين ألفاً من الملائكة نزلوا إلى الأرض لم ينزلوا إليها من قبل؛ ليشهدوا جنازة سعد الذي حكم في يهود بني قريظة ذلك الحكم المشهود.\rأيها الإخوة! هذه بعض مواقف سعد الذي وافق حكمه حكم الله ﷿ من فوق سبع سماوات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534484,"book_id":2827,"shamela_page_id":273,"part":"12","page_num":13,"sequence_num":273,"body":"تحريم الاعتراض على حكم الله ورسوله ﷺ\rثانياً: أن هذا الحكم الذي صدر هو حكم الله في هؤلاء اليهود الخونة، ومن ثم فلا يجوز لمسلم الاعتراض عليه ولا نقضه، ولا يجوز وصفه بما وصفه به أعداء الإسلام وأعداء النبي ﷺ ممن كتبوا عن حياته وسيرته، أو تعرضوا لهذه القضية بالذات، حيث وصفوا هذا الحكم بأنه قسوة ووحشية.\rإن المعترض عليه معترض على حكم الله وحكم رسوله ﷺ، كما قال ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\rنعم لقد كان هذا الحكم هو الذي يليق بهؤلاء الخونة ناكثي العهود مع أكرم الخلق ﷺ ومن معه من المسلمين.\rأيها الإخوة في الله! إن هذا الحكم وإن كان صعباً وإن كان شديداً إلا أنه لائق بهؤلاء، وهو قبل ذلك وأثناء ذلك وبعد ذلك حكم الله ﵎ من فوق سبع سماوات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534485,"book_id":2827,"shamela_page_id":274,"part":"12","page_num":14,"sequence_num":274,"body":"حقيقة الخلاف بين المسلمين واليهود\rثالثاً: ما الذي حول الأوس والخزرج من عرب ضعفاء أمام اليهود يتحكمون فيهم في الجاهلية، ويهددونهم في كل حالة قائلين لهم: قد أطل زمان نبي نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم؟! وما الذي حول العرب في المدينة وما حولها في الجاهلية حيث كانوا يتهافتون على اليهود ويقبلون أحكامهم، بل إن غالب سلاحهم كان يصنعه اليهود، واقتصاد المدينة كان يسيطر عليه أيضاً اليهود؛ فما الذي حول الأوس والخزرج من تلك الحالة التي كانوا عليها إلى هذه الحالة التي أصبحوا فيها يتحكمون فيهم، بل ويحكم واحد منهم في قبيلة كاملة من قبائل اليهود؟! إنه الإسلام ولا شيء غير الإسلام، واليوم لما كان غالب صراعنا مع اليهود تحت رايات القومية والعلمانية وغيرها انقلب الأمر؛ فصار حالنا اليوم كحال الأوس والخزرج في الجاهلية، يصيبنا الرعب حينما يذكر اليهود أو خطط اليهود أو أن هذا وراءه اليهود، بل نتسابق على التعاون معهم، والاستسلام لهم، وهاهم اليهود يحاولون التحكم في أسلحة المسلمين وفي اقتصاد المسلمين، ألا هل من معتبر أيها الإخوة المؤمنون؟! ألا هل من معتبر ومقارن بين حالة الأوس والخزرج قبل الإسلام وبعد الإسلام، وبين حالنا في هذه الأيام في صراعنا مع اليهود؟! إنها حقيقة يعلمها اليهود قبل المسلمين في هذه الأيام؛ فالصراع إنما هو صراع مع الإسلام وليس مع العروبة ولا مع غيرها من الرايات، وإن نتيجة المعركة لا تحدد إلا حينما يكون صراع اليهود مع المسلمين الصادقين.\rأيها الإخوة المؤمنون! إنها حقيقة لا شك فيها، فهل نعتبر أيها الإخوة المؤمنون بحقائق التاريخ؟! وهل نعتبر بحقائق سيرة رسول الله ﷺ؟! وهل نعتبر ونحن اليوم أمام مفترق طرق؟ أيها الإخوة المؤمنون! إن اليهود يعرفون الحقيقة كاملة، فهل نعرفها نحن كما يعرفونها؟ وهل نتعامل معها كما يتعاملون معها؟ نرجو ذلك.\rاللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في كل مكان.\rاللهم انصر المؤمنين المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر المسلمين المجاهدين في سبيلك في بلاد الشيشان وفي البوسنة وفي فلسطين، وفي كل بلاد المسلمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم من اليهود والروس والنصارى وغيرهم.\rاللهم دمر أعداء المسلمين يا رب العالمين! اللهم واجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم فرق كلمتهم، وشتت أمرهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا رب العالمين! اللهم اجعل بلاد الشيشان مقبرة للروس يا رب العالمين.\rاللهم ذكر المسلمين هناك بدينهم يا رب العالمين.\rاللهم اجعل لنا من لدنك عوناً على الرجوع إلى دينك وتحكيم كتابك وسنة نبيك ﷺ.\rاللهم انصر المسلمين في كل مكان.\rاللهم إنا نسألك أن تنزل بأسك وعذابك بكل عدو للإسلام والمسلمين، اللهم أنزل به رجزك، اللهم أنزل به عذابك يا رب العالمين.\rاللهم إنا نسألك يا إلهنا يا رب العالمين أن ترزقنا الإيمان، اللهم ارزقنا الإيمان، اللهم حببه إلينا، اللهم كره إلينا الكفر والفسوق العصيان واجعلنا من الراشدين.\rاللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534486,"book_id":2827,"shamela_page_id":275,"part":"13","page_num":1,"sequence_num":275,"body":"التوكل على الله\rالتوكل على الله ﷿ من أعظم العبادات، ومن أجل الطاعات، دلت على فضله آيات وأحاديث كثيرة، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أئمة الناس وساداتهم في التوكل على الله، ومن توكل على الله في جميع أموره وفوض أمره إليه سبحانه حماه الله ووقاه، ورزقه وكفاه.\rوللتوكل ثمار وآثار محمودة في الدنيا والآخرة لا يفقهها إلا من سلم أمره لله سبحانه، وقد ضل في جانب التوكل بعض الطوائف والفرق، فحادوا عن الطريق وجانبوا الصواب، وهكذا حال كل من لم يسلم للنصوص عقله، ويخضع للدين قلبه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534487,"book_id":2827,"shamela_page_id":276,"part":"13","page_num":2,"sequence_num":276,"body":"تنبيهات مهمة بين يدي الموضوع\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.\rمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالتوكل عليه وحده فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨].\rوأصلي وأسلم على البشير النذير محمد بن عبد الله، أفضل من توكل على ربه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.\rأما بعد: فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها ﵎ كيف يشاء، وإن رسول الله ﷺ -وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- كان كثيراً ما يدعو ويقول: (يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك).\rوحينما تشتد الشدائد على المسلمين وتنزل بهم البلايا والمحن فليس لهم من معين، وليس لهم من سبب يتمسكون به إلا الله الواحد القهار، جبار السموات والأرض، بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله ﷾.\rأيها الأخ المسلم! لا شك أن موضوع التوكل على الله موضوع مهم؛ لأنه يتعلق بأعمال القلوب، ولأنه أيضاً يتعلق بحياة الناس كلها، في ذهابهم ومجيئهم، ليلاً ونهاراً، وفي أمورهم كلها، لذلك فسنتعرض لهذا الموضوع من عدة نواحٍ، وقبل أن أتحدث عن هذا الموضوع بفقراته المختلفة أود في هذه المقدمة القصيرة أن أعرض لبعض المسائل المهمة.\rأولاً: أنه يجب التفريق في مسائل أعمال القلوب -من التوكل والمحبة والرجاء والخوف والإنابة والاستعانة وغيرها- بين العلم النظري وبين العمل القلبي، فإنسان قد تكون عنده معرفة، وربما يحفظ الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب، أو في باب الخوف أو الرجاء أو المحبة أو نحوها، ولكنك تجده في داخل قلبه وفي أعماله ربما يخالف ما في علمه، وهذه قضية مهمة جداً، ومن ثم فعلى العبد أن يربي نفسه، وأن يهيئ قلبه لئلا يخاف إلا الله، وأن لا يرجو إلا الله، وأن يحب المحبة الخالصة لذاته إلا الله ﷾، وأن لا يتوكل إلا على الله وحده لا شريك له، وهكذا، حتى تتربى في النفوس معاني العبادة ولا تبقى نظرية.\rالأمر الثاني: أنه يجب على كل مؤمن ومؤمنة وعلى كل مسلم ومسلمة أن يتدبرا كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ ليتعرفا على أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وليعرفا معانيها ودلالتها، ويعرفا آثارها في القلوب والنفوس.\rونحن نعلم جميعاً أننا نقرأ في كتاب الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣] إلى آخر الآيات التي فيها ذكر لأسماء الله وصفاته، لكن ما معاني هذه الأسماء؟ ما هي دلالاتها؟ وما هي آثارها على النفوس والقلوب؟ هذه المسألة ينبغي أن نعنى بها، وأن نربي عليها أنفسنا وأسرنا، حتى يعلم الإنسان أن العبد إذا عرف معاني أسماء الله ﷾ وصفاته امتلأ قلبه تعظيماً لله، وامتلأ قلبه خوفاً من الله ومهابة له، فأثر ذلك على سلوكه وأخلاقه وعلى فعله للأوامر واجتنابه للنواهي.\rولا شك أن من تدبر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ سيجد فيهما ما يغنيه ويكفيه، والله ﵎ أمرنا بطاعته وطاعة رسوله واتباع شرعه واتباع ما أوحاه إلى نبيه محمد ﷺ من القرآن ومن السنة التي سماها الله ﷾ وحياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534488,"book_id":2827,"shamela_page_id":277,"part":"13","page_num":3,"sequence_num":277,"body":"حقيقة التوكل ومعناه عند السلف\rالتوكل على الله معناه باختصار: أن يعتمد العبد على الله وحده في جميع أمور فيما يرغب فيه من الحاجات، وفيما يحذره مما يخافه، وفيما يفعله تقرباً إلى الله ﷾، فنعتمد على الله ﷾ في هذه الأمور كلها مع فعل الأسباب التي أذن الله ﷾ بها، فمثلاً: في الصلاة يتوكل على الله في أن يعينه على القيام بهذه الصلوات الخمس بأركانها وشروطها وأوقاتها، وهو مع ذلك يفعل السبب، فلا يجلس في بيته ويقول: توكلت على الله في الصلاة وإنما يذهب ليتوضأ، ويذهب ليبحث عن الجماعة ليصلي معهم، ويبحث عما يوقظه لصلاة الفجر، فيفعل الأسباب ويتوكل على الله ﷾ في أموره كلها، ومن ثم فلا بد في باب التوكل على الله ﷾ من أمرين، ولا بد أن يجتمع هذان الأمران: أحدهما: الاعتماد على الله اعتماداً حقيقياً خالصاً، فتعتمد على الله وحده في أمورك كلها.\rالأمر الثاني: أن تفعل الأسباب التي أذن الله ﷾ بها.\rومن اعتمد على أمر واحد من هذين دون الآخر فقد وقع إما في الانحراف وإما في نقص العقل، فلو أن إنساناً توكل على الله دون أن يفعل سبباً لقيل: هذا ناقص العقل.\rلأنه لا يمكن أن يتم ما يريده الإنسان إلا بفعل الأسباب التي أمر الله ﷾ بها.\rوكذلك -أيضاً- لو أن إنساناً اعتمد على الأسباب وحدها دون أن يتوكل على الله وحده لربما كان ممن دخل في الشرك والعياذ بالله؛ لأنه اعتمد على الأسباب وحدها، والتوكل على الله ﷾ فسره بعض العلماء بعدة تفاسير تدل على بعض معانيه: فالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: التوكل عمل القلب.\rفعمل القلب هو التوكل، ولا شك أنه من أعظم أعمال القلوب، وبعض العلماء فسر التوكل على الله بالرضا، أن يرضى الإنسان بأمر الله ﷾ ويسلم لله ﵎ أموره كلها، وإذا سلم أموره كلها اعتمد على الله ﷾ سواء جاءت الأسباب بما يحبه أو بما لا يحبه، فيرضى بما قدر الله ﷾ له، ولذلك سئل يحيى بن معاذ فقيل له: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلاً.\rوبعضهم قال: إن التوكل هو التعلق بالله في كل حال.\rوهذه مسألة مهمة، فيتعلق بربه ﵎ في كل أحواله، إن جاء هـ المال والشرف لا يقطعه ذلك عن التوكل على الله.\rإن ابتلي بالصبر والمرض لا يقطعه ذلك عن التوكل على الله، وهكذا في أحواله وأموره كلها، حتى إن بعضهم قال: إن التوكل معناه: أن يستوي عندك الإقلال والإكثار.\rأن يستوي عندك الغنى والفقر، وكيف يستويان؟ يستويان حينما تعلم أن الله هو المدبر الرازق، وحينما تعلم أن الله ﷾ هو الذي بيده الأمر كله، وهو الله ﷾ المتصرف بعباده كما يشاء، فإذا ما صرت غنياً أو فقيراً لا تتغير أحوالك ومعاملتك لربك ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534489,"book_id":2827,"shamela_page_id":278,"part":"13","page_num":4,"sequence_num":278,"body":"الأدلة الواردة في فضل التوكل على الله\rنجد أن الله ﷾ في كتابه العزيز في غير ما آية أمر بالتوكل وجعله أحياناً شرطاً للإيمان، وبين بعض ثمراته، فتدبر كتاب الله ﷾ فستجد فيه ما يرضي النفس ويشرح الصدر ويزيل غمه، ويجعل الإنسان في حياته وكل أحواله مستريحاً مطمئناً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534490,"book_id":2827,"shamela_page_id":279,"part":"13","page_num":5,"sequence_num":279,"body":"قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)\rويقول ﷾: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، أي: كافيه، والحسب: هو الكافي، ولا يجوز أن يكون أحد من الخلق حسباً لأحد، بل الحسب وحده، والكافي وحده هو الله ﷾، وهذه الآية ذكرها الله في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]؛ لأن الطلاق نتيجة ما يقع في البيوت من نزاع وخلاف إلى آخره، فعقب الله بتلك التعقيبات في سورة الطلاق، وهي تعقيبات عجيبة ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١]، ﴿وََمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣] إلى آخر الآيات التي ذكرها الله في هذه السورة؛ لتطمئن النفوس والقلوب حتى في حال الخلاف والشقاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534491,"book_id":2827,"shamela_page_id":280,"part":"13","page_num":6,"sequence_num":280,"body":"قوله تعالى: (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا)\rالمؤمنون يتوكلون على الله ﷾، يقول الله ﵎: ﴿قُُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك:٢٩]، ويقول ﷾: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]، وتأمل هذه الثلاثة الأمور: توكل: وهو الاستعانة، وإنابة وهي العبادة، وإليك المصير: أي المرجع إلى الله سبحانه وحده والمآب إليه ﵎، وهنا نرى أن الله ﷾ كثيراً ما يأمر رسوله ﷺ -ويقصد به أمته أيضاً- بالتوكل عليه، فيقول الله ﷾: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩] يا محمد! إنك على الحق المبين، إنك على الصراط المستقيم، فتوكل على الله وحده لا شريك له، وأنعم بالله وكيلاً ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534492,"book_id":2827,"shamela_page_id":281,"part":"13","page_num":7,"sequence_num":281,"body":"قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت)\rيقول ﷾: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١].\rويقول ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]، حتى تنقطع الآمال في العباد، وحتى لا يبقى للمسلم تعلق بغير الله ﷾؛ لأن العباد يموتون، الملوك، الرؤساء، قواد العروش والجيوش يموتون، إذا جاء أمر الله ﷾ لا يغنيهم مالهم ولا قوتهم؛ لأنهم يموتون، لكن على من يتوكل العبد؟ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ﷾، له صفة الحياة أزلاً وأبداً، لكن العباد يموتون، ويمرضون، ولو عاشوا دهراً فلا بد أن ينتهوا إلى الفناء، فكيف يتوكل الإنسان على مخلوق لا يملك من أمره شيئاً فضلاً عن أمر غيره؟! ولذلك يروى عن إبراهيم الخواص أنه لما قرأ هذه الآية: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] قال: ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى.\rوصدق؛ لأن من تيقن أن الله هو الباقي وهو مالك الملك وهو الحي الذي لا يموت فإنه يرجئ توكله واعتصامه بالله ﷾ وحده لا شريك له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534493,"book_id":2827,"shamela_page_id":282,"part":"13","page_num":8,"sequence_num":282,"body":"قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)\rويقول الله ﷾: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وهذا في غزوة أحد لما وقع للمسلمين ما وقع، وأصابهم القرح، واستشهد من المسلمين سبعون، وجرح رسول الهدى ﷺ وناله من الأذى ما ناله، فخرج المشركون بعد نهاية المعركة، وقيل للنبي ﷺ: إنهم خرجوا يريدون المدينة.\rفقال النبي ﷺ وهو في جراحاته والمسلمون في جراحاتهم -وعددهم يقل عن عدد المشركين، عددهم أقل من ألف، ووقع لهم ما وقع وجرى لهم ما جرى- قال النبي ﷺ بعزم الصادق المتوكل على الله: (والله لئن ذهبوا إلى المدينة لأناجزنهم فيها)، ولحق بهم رسول الله ﷺ فذهب إلى مكان يسمى (حمراء الأسد)، ولكن المشركين رضوا من الغنيمة بما نالوه وخشوا من الهزيمة ففروا، فلقيهم في الطريق وفد من عبد القيس، فسألوهم فقالوا: اذهبوا إلى محمد، وقولوا له: إن قد جمعنا له وجمعنا له.\rفأتى هذا الوفد ومر على رسول الله ﷺ، فقال: إن أبا سفيان -وكان مشركاً آنذاك- وقريشاً قالوا ما قالوا.\rفقال النبي ﷺ وأصحابه: (((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:١٧٣]، ((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:١٧٣]).\r﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]، من توكل على الله كفاه، وهذه هي الكلمة التي قالها إبراهيم ﵊، كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار)، لما ألقي في النار حين وجمع له الحطب وأرادوا أن يلقوه فيها، قال إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠]، ونجا إبراهيم ﵊ كما نجا محمد ﷺ وأصحابه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534494,"book_id":2827,"shamela_page_id":283,"part":"13","page_num":9,"sequence_num":283,"body":"النبي ﷺ سيد المتوكلين\rوالنبي ﷺ أمر بالتوكل عليه، وهذا هديه ﷺ، من تدبر سيرة المصطفى ﷺ وجد أنه كان في جميع أحواله أفضل المتوكلين، وانظر إليه في مكة، وفي المدينة، وفي الهجرة، وفي غزواته كيف كان توكله على الله والتجاؤه إليه، مع أنه ﵊ كان يبذل الأسباب، ظاهر بين درعين ﵊، لبس درعين واحداً فوق الآخر، وكان يدرب أصحابه ويأمرهم بالتدريب والرمي، وكان ﷺ ينظم صفوفه ويجمع السلاح امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].\rإذا صدقنا في التوكل على الله فلن تخافنا الجيوش التي أمامنا من جيوش الأعداء، وإنما ترعب الجيوش التي بيننا وبينها مئات الكيلو مترات، وهذا الذي نصر به النبي ﷺ، ونصر به أصحابه، الرعب لكن متى يتحقق الرعب للأمة الإسلامية؟ عندما تصدق في إيمانها وتحكيم قرآنها وتوكلها على ربها واعتصامها به، وإلا فلا كرامة وإن تسموا بالإسلام وإن تظاهروا به، لا كرامة إلا لمن اعتمد على الله وتوكل عليه وأناب إليه وحكم شرعه.\rهذه موازين لا تتغير أبداً باختلاف الزمان والمكان، موازين ثابتة، والنبي ﷺ في أحواله كلها كان أفضل من توكل على ربه، وكان قدوة لنا في ذلك، ولن ندخل في تفاصيل سيرته؛ لأن هذا معلوم للجميع، وأدعو إلى تدبر سيرته ﷺ لنخلص منها إلى مثل هذه المعاني الإيمانية.\rولما وصف النبي ﷺ أن هناك سبعين ألفاً من أمته يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال في وصفهم: (هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)، فإذا ما توكل الإنسان على غير الله ﷾ نقص إيمانه، وربما زال إيمانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rوأدعية النبي ﷺ شاهدة على توكله ﷺ، كان الرسول ﵊ يدعو ويقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت)، وكان ﵊ يقول إذا خرج من بيته: (باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فيقال له: هديت ووقيت وكفيت.\rويقول: (إذا خرج الإنسان من بيته فقال: باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله يقول له الملك: هديت وكفيت ووقيت).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534495,"book_id":2827,"shamela_page_id":284,"part":"13","page_num":10,"sequence_num":284,"body":"قوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)\rويقول الله ﷾ في آية أخرى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، وهذه جرت في قصة موسى مع قومه من بني إسرائيل كما نعلم جميعاً في سورة المائدة، فإن الله ﷾ لما نجى بني إسرائيل من فرعون وقومه ذهب بهم إلى ديار فلسطين، ثم إنهم لما أقبلوا على الأرض المقدسة كان يحكمها أناس يقال لهم: (العماليق الجبابرة)، فقال موسى لقومه -كما أخبرنا الله ﵎: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١]، إذاً: موسى يأمرهم، وأمر الرسول واجب الطاعة، ويبشرهم بأن الله كتبها لهم، ويقول: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٢١]، لكن اليهود أبوا، وقالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢]، لكن لم يكن قوم موسى كلهم على هذه الحال، بل كان فيهم من عباد الله المؤمنين.\r﴿قََالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، لكنهم لم يسمعوا لكلام موسى ولا لكلام الرجلين، وقالوا -كما أخبرنا الله-: ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، نعوذ بالله من الجبن! وكيف نقارن حال هؤلاء مع حال أصحاب رسول الله ﷺ لما واجهوا المشركين في بدر، ولم يكونوا خرجوا للجهاد والقتال وإنما خرجوا لطلب العير؟! أولئك الصحابة لما استشارهم النبي ﷺ في الدخول في المعركة تكلم أبو بكر وتكلم عمر فقالا خيراً، ثم تكلم الأنصار، وقال سعد: (والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد).\rوقال المقداد ﵁ وأرضاه: (امض -يا رسول الله- لما أمرك الله به)، ثم ذكر أنهم صبر عند اللقاء صدق في الحرب، ثم قال: (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.\rولكننا نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون)، هذا هو صدق الإيمان وصدق التوكل على الله ﷾ والاعتصام به، والله تعالى يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، أي: على الله وحده لا على غيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534496,"book_id":2827,"shamela_page_id":285,"part":"13","page_num":11,"sequence_num":285,"body":"قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)\rيقول الله ﵎ في صفات المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، هذه هي الصفة الأولى: الخوف من الله.\r﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، هذه الصفة الثانية، إذا قرؤوا القرآن يخشعون، وإذا تلي عليهم القرآن يزداد الإيمان عندهم، وهنا في الآية دلالة على أن الإنسان قد يخشع حينما يتلى عليه القرآن، والرسول ﷺ أمر بعض الصحابة أن يقرأ عليه القرآن، وقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري)، وبكى ﵊ لما قرئ عليه القرآن: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢].\rالصفة الثالثة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].\rفقوله: (عَلَى رَبِّهِمْ) الجار والمجرور هنا يدل على الحصر، أي: يتوكلون على الله لا على غيره، ثم ذكر الصفة الرابعة، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣] والصفة الخامسة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534497,"book_id":2827,"shamela_page_id":286,"part":"13","page_num":12,"sequence_num":286,"body":"المسائل التي بها يتحقق التوكل على الله\rبعد أن عرضنا معنى التوكل وبعض النصوص الواردة فيه من الكتاب والسنة نعرض المسألة الثالثة، وهي أن التوكل على الله ﷾ لا يتم إلا بأن يتحقق في الإنسان عدة أمور:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534498,"book_id":2827,"shamela_page_id":287,"part":"13","page_num":13,"sequence_num":287,"body":"معرفة الله بأسمائه وصفاته\rالأمر الأول: معرفة الله بأسمائه وصفاته، فمن لم يعرف الله بأسمائه وصفاته لا يكمل ثوابه، من لم يعلم أن الله هو الحي القادر علام الغيوب جبار السموات والأرض المتكبر بيده الأمر كله إلى آخر أسمائه وصفاته لا يستقر في قلبه أن الله المتصف بهذه الصفات هو الذي يستحق التوكل، فينقص توكله على الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534499,"book_id":2827,"shamela_page_id":288,"part":"13","page_num":14,"sequence_num":288,"body":"إخلاص التوحيد لله ﵎\rالأمر الثاني: إخلاص التوحيد لله ﵎ والبعد عن الشرك، فمن تعلق قلبه بغير الله فقد نقص توكله على الله ﷾، من تعلق قلبه بمخلوق مهما كان هذا المخلوق، ولياً، أو صالحاً، أو غنياً، أو ملكاً، أو غير ذلك، فمن تعلق قلبه بأحد من الخلق نقص إيمانه وتوكله على الله ﷾، ولكن إخلاص التوحيد لله ﵎ شرط أساسي لإخلاص التوكل، وصدقه باعتماد العبد وتوكله على الله وحده لا شريك له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534500,"book_id":2827,"shamela_page_id":289,"part":"13","page_num":15,"sequence_num":289,"body":"فعل الأسباب دون الاعتماد عليها\rالأمر الثالث: أن الإنسان وهو يعتمد على الله ﷾ يفعل الأسباب، لكنه لا يعتمد على الأسباب نفسها، وإنما يعلم أنها أسباب، وأن الله أمرنا بها، فلا يقع في قلبه أن هذه الأسباب التي جعلها الله ﷾ في خلقه أنها هي التي تنفع وتضر، وهي وحدها المتصرفة، لا، وإنما يفعل السبب ويصدق في توكله على الله ﷾، وأنه ﵎ هو الذي بيده الأمر كله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534501,"book_id":2827,"shamela_page_id":290,"part":"13","page_num":16,"sequence_num":290,"body":"حسن الظن بالله ﷾\rالأمر الربع: حسن الظن بالله ﷾، فمن ساء ظنه بربه ﵎ نقص توكله أو عدم توكله.\rفعلى الإنسان أن يحسن ظنه بالله.\rكما ورد في الحديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534502,"book_id":2827,"shamela_page_id":291,"part":"13","page_num":17,"sequence_num":291,"body":"أنواع التوكل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534503,"book_id":2827,"shamela_page_id":292,"part":"13","page_num":18,"sequence_num":292,"body":"التوكل على الله في أمور لا يقدر عليها سواه\rالمسألة الرابعة: ينبغي أن نعلم أن التوكل أنواع: النوع الأول: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ﷾، من جلب النفع ودفع الضر، والنصر، والشفاء، وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ﷾، فيجب على العبد أن يتوكل على الله وحده في هذه الأمور كلها، ومن توكل على غيره فيها فقد نقص توحيده، وربما وقع في الشرك الأكبر.\rمن اعتقد أن ولياً من الأولياء ينفع ويضر أو يشفي مريضاً، كما يفعل القبوريون وغيرهم الذين يعتقدون في الأولياء من أهل القبور -وأحياناً من غيرهم- يعتقدون أن هؤلاء ينفعون أو يضرون، فإذا مرض قريبه أو زوجته، وإذا قل ماله أو ركبه الدين، وإذا أصابه المرض تجد هذا الإنسان يقول: يا فلان! اشف مريضي يا شيخ! ارزقني.\rفيدعو غير الله ﷾، فهذا توكل تام على غير الله، وهو من الشرك الأكبر الذي يخرج الإنسان من الملة، وينبغي أن نعلم أن الإنسان لا يتوكل على غير الله في هذا الأمر إلا وقد وقر في قلبه أن ذلك الشيء فيه نفع وضر، وأن عند هذا الشخص الذي توكل عليه سبب خفي لأجله اعتمد وتوكل عليه، وهذه مسألة ينبغي أن ننتبه لها، وأن ننبه إخواننا المسلمين في كل مكان عليها؛ لأن تعلق القلب بغير الله ﷾ في هذه الأمور معناه أن الإنسان اعتقد فيها وعبدها من دون الله ﷾، فتوكل العبادة لا يصرف إلا لله، فإن صرف لغير الله كان شركاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534504,"book_id":2827,"shamela_page_id":293,"part":"13","page_num":19,"sequence_num":293,"body":"التوكل في الأسباب الظاهرة المادية\rالنوع الثاني من التوكل: التوكل في الأسباب الظاهرة المادية، مثل أن يتوكل الإنسان على غني أو أمير في رزقه، ويشبه كثيراً ما نشاهده من بعض الناس في اعتمادهم في رواتبهم على الدولة، ويستقر في قلب الإنسان أحياناً أنه إن انقطع الراتب مات، أو بالأحرى إن انقطع هذا الراتب ساءت حاله وضاع مستقبله، وهذا في الحقيقة من الأمور الخطيرة التي نشاهدها ونسمعها، خاصة من شبابنا الذين قد تخرجوا أو قد قرب تخرجهم، يظن أنه لا يمكن أن يضمن مستقبله -كما يعبرون- إلا بأن يكون له راتب في الوزارة الفلانية، أو في الشركة الفلانية، فهذا سماه العلماء شركاً أصغر، وقالوا: إنه شرك خفي ومعنى أنه شرك أصغر أنه لا يخرج الإنسان من الملة، لكنه من الكبائر التي ينقص فيها إيمان العبد ويضعف إيمانه بالله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534505,"book_id":2827,"shamela_page_id":294,"part":"13","page_num":20,"sequence_num":294,"body":"الوكالة في الأمور العادية\rالنوع الثالث من أنواع التوكل: ما يسمى بالوكالة في الأمور العادية، يوكل شخصاً آخر في أمر من أموره فيما يقدر عليه هذا الشخص، فهذا من الأمور الجائزة، ولا يكون في ذهن الإنسان إذا وكل فلاناً في هذا الأمر أنه مستقل بالأمر، فإن خطر بباله أنه مستقل بالأمر وأنه توكل على فلان في القضية الفلانية لينجزها له واعتمد عليه نقص توكله على الله ووقع في الشرك الأصغر، وربما وقع في الشرك الأكبر، لكن توكيل الإنسان غيره في الأمور العادية كشراء شيء أو بيعه، أو إنابته عنه أو غير ذلك، بل -كما هو معلوم- إن غالب التوكيل إنما يكون من الأقوى إلى الأضعف، فتجد الإنسان يوكل ابنه الأصغر، أو يوكل أخاه الأصغر، أو يوكل فلاناً من الناس في مبلغ من المال أن يفعله له، فهذا توكيل لا من الأدنى إلى الأعلى، وإنما من الأعلى إلى الأدنى، فهذا دليل على أن توكيله -والحالة هذه- إنما هو توكيل في أمر عادي لا شيء فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534506,"book_id":2827,"shamela_page_id":295,"part":"13","page_num":21,"sequence_num":295,"body":"درجات الناس في توكلهم على الله\rوينبغي أن نعلم أن الناس في توكلهم على الله ﷾ على درجات: فأعظم الناس منزلة الأنبياء وأتباع الأنبياء جعلنا الله وإياكم من أتباع الأنبياء، فهم الذين يتوكلون على الله ﷾ في أمورهم كلها، في إيمانهم بالله، في عباداتهم لله، في دعوتهم إلى الله، في جهادهم في سبيل الله ونصرتهم له ومجاهدة أعدائه، في أمورهم كلها يتوكلون على الله ﷾ وحده.\rودونهم درجة من يتوكل على الله في استقامة نفسه، وصلته بربه فقط، لكن لا يهمه أمر المسلمين أو أمر الآخرين، فهذا إنسان توكل على الله في أن الله يحميه ويحمي دينه فقط، لكنه أقل درجة من النوع الأول المجاهدين الداعين إلى الله ﷾.\rوأدنى من هؤلاء درجة من يتوكل على الله في أمور دنياه فقط، في رزق يناله، أو عافية، أو زوجة يريدها، أو نصر على عدو، أو حصول شيء ما.\rوأشر من هؤلاء جميعاً من يتوكل على الله في المعاصي، نعوذ بالله من أحوال هؤلاء، تجده وهو يحجز للسفر إلى الفساد يقول: بإذن الله ﵎ نسافر، بإذن الله تقابلني فلانة فيتوكل على الله في أمور المعاصي، نعوذ بالله من أحوال هؤلاء!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534507,"book_id":2827,"shamela_page_id":296,"part":"13","page_num":22,"sequence_num":296,"body":"أصناف الذين ضلوا في باب التوكل على الله\rالتوكل على الله ﷾ -كما سبق- لا يتم إلا لمن أخلص لله التوحيد واستقام على منهج أهل السنة والجماعة، ومن ثم فإننا نجد أن الذين ضلوا في باب التوكل على الله عدة أصناف: الصنف الأول: المعطلة، الذين نفوا أسماء الله وصفاته، فهؤلاء على من يتوكلون إذا كانوا لا يقرون في أن الله ﷾ خلاق رزاق محي مميت عالم قادر إلى آخر أسمائه وصفاته؟! يضعف إيمانهم ويسوء توكلهم على الله ﷾.\rالصنف الثاني من الذين ضلوا: القدرية والمعتزلة، الذين قالوا: إن الإنسان له إرادة مستقلة عن الله.\rوقالوا: إن العبد هو الذي يخلق أفعاله، وإن الله لا يخلق أفعال العباد.\rفهؤلاء لا يتوكلون على الله في أمورهم، وإنما يتوكلون على أنفسهم، فيظنون أنهم هم أنفسهم الذين يفعلون أفعالهم، فلا حاجة فيهم إلى التوكل على الله.\rالصنف الثالث من الذين ضلوا في هذا الباب: الأشعرية والصوفية، فإن الأشعرية أنكروا الأسباب، وقالوا: الله هو الفاعل والأسباب لا قيمة لها، وإنما يأتي الفعل عند السبب، لا بالسبب، والصوفية أيضاً -كما تعلم وكما تسمع- من أحوالهم -قالوا: حقيقة التوكل ترك الأسباب، فلا تطلب الرزق، ولا تسعى في الأرض.\rومن ثم تجد أن كثيراً من هؤلاء يذهب إلى البراري لا يحمل معه شيئاً، ويقول: أنا متوكل على الله.\rوهذا لا شك أنه خطأ كبير وضعف في العقول؛ لأن العقول المستقيمة هي التي تعلم أن الأمر إنما يتم بسببه.\rفلو أن إنساناً قال: أنا سأتوكل على الله ويأتيني أكلي وأشبع فلا يمكن حصول هذا إلا بفعل السبب.\rولو قال رجل: أنا أتوكل على الله، وإن شاء الله سيأتيني الولد.\rولا يتزوج، فلا يمكن هذا.\rوهكذا في بقية أمور الحياة، فمن ترك الأسباب، أو زعم أن الأسباب لا قيمة لها إطلاقاً فقد انحرف في فهمه بتوكله على الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534508,"book_id":2827,"shamela_page_id":297,"part":"13","page_num":23,"sequence_num":297,"body":"آثار التوكل على الله ﷾","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534509,"book_id":2827,"shamela_page_id":298,"part":"13","page_num":24,"sequence_num":298,"body":"التوكل ينجي الإنسان مما يخافه من الفقر\rمن ثمرات التوكل أن التوكل على الله ﷾ ينجي الإنسان مما يخافه من الفقر.\rوقد ورد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (أصابتنا فاقة -فقر- فجئت رسول الله ﷺ لأسأله، فوجدته يخطب الناس وهو يقول: أيها الناس! والله مهما يكن عندنا من خير فلن ندخره عنك) هكذا يقول المصطفى ﷺ، (وإنه من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) هكذا يقول الرسول ﷺ.\rمعنى قوله: (من يستغن)، الاستغناء: هو أن لا يرجو الإنسان أحداً إلا الله، فيستشرف ما عنده والاستعفاف: أن لا يسأل أحداً.\rولهذا سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن التوكل قال: قطع الاستشراف إلى الخلق -أي: لا يكون في قلبك أن أحداً يأتيك بشيء- فقيل له: الحجة في ذلك؟ فقال: قول الخليل لما قال له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.\rفاعتمد على الله فنجاه الله.\rفمن يستغن بالله يغنه الله، لكن من يعلق قلبه بالناس وفلان وعلان والرزق الفلاني والراتب الفلاني يكله الله ﷾ إليه، كما ورد في الأثر: (من تعلق شيءٍ وكل إليه).\rقال بعض العلماء: لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل، فتضيع أمر آخرتك، ولا تنال من الدنيا إلا ما قد كتب الله لك.\rوكلنا نعلم الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن المبارك والحاكم وابن حبان وابن أبي الدنيا في التوكل على الله ﷾، وهو حديث صحيح، يقول فيه النبي ﷺ: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، وهنا في هذا الحديث بعض العلماء قال: قوله: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً) لا يعني أنها تفعل السبب، وإنما هي بطبعها تتحرك في الهواء وفقط، وهذا من جنس حركة المرتعش بالنسبة لها، فمن توكل على الله حق توكله رزقه الله كما يرزق الطير.\rولكن المعنى الصحيح للحديث: هو أن قوله ﵊: (لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً) أن الطير فعلت السبب، والله هو الذي هداها لتفعل السبب، فتغدو في الصباح (خماصاً) جائعة ضامرة البطون، وترجع في المساء (بطاناً) قد رزقها الله ﷾.\rوإذا كان الأمر كذلك فإن كل الناس يذهب ويغدو، فما معنى (حق توكله)؟ كيف يشبهه الرسول ﷺ بالطير؟ الذي يظهر -والله أعلم- أن الرسول ﷺ شبه من توكل على الله حق توكله بالطير -مع أن الإنسان يفعل السبب- أن الطير يبيت لا يحمل هم رزقه، فلا يقول: أين التجارة الفلانية والربح الفلاني والخسارة الفلانية والمال الفلاني والفلوس الفلانية؟ بل يبيت مطمئناً مرتاحاً، هذا هو الطير، فمن توكل على الله ﷾ جعل الله له الاطمئنان، ويسر له الأسباب دون أن يحزن، فيصير مثل الطير، يفعل السبب ويرزقه الله ﷾ ويأتيه رزقه، وهذا هو معنى التوكل على الله ﷾ ولذلك يروى أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه لما كان في عهد خلافته جاءه رجل من الأعراب ممن يطلب الرزق فجلس عند بابه، وصار عمر يعطيه لأنه خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، فمكث عند بابه لينال رزقه، فجاء إليه رجل وقال له: يا هذا! أنت هاجرت إلى عمر أو إلى رب عمر؟ قال: وما ذاك؟ قال: اذهب فاقرأ القرآن، فإن الله يغنيك عن عمر فاستيقظ الرجل وذهب لقراءة القرآن وعبادة الله وطلب العلم فأغناه الله، ولكن عمر الذي كان يرعى رعيته سأل عن الرجل؛ لأنه انقطع عنه أياماً، فبحث عنه في المدينة حتى لقيه، فقال له: يا فلان! كنت عندنا فإلى أين ذهبت؟ فقال: يا أمير المؤمنين! جاءني رجل فقال لي هذا الكلام: اقرأ القرآن واعتمد على الله لا على عمر فقرأت القرآن فأغناني الله ﷾ فقال له عمر: يا أخي! وماذا وجدت في القرآن -يعني: ما الذي لفت انتباهك في القرآن-؟ قال: قول الله ﵎: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، فالتوكل على الله ﷾ يجعل العبد راضياً مطمئناً، فالإنسان الذي يبيت ليله مطمئناً وليس عنده مال، والإنسان الآخر الذي يبيت ليله قلقاً وعنده الملايين أيهما أكثر راحة وسعادة؟ تلك موازين نعرفها جميعاً، لكن نحن بحاجة إلى نتفاعل معها عملياً في حياتنا، فلا نغضب إذا نقصت أموالنا، ولا نحزن، وإنما نفرح لأننا على الإيمان والهدى والتقى، وهذا هو رأس مال المؤمن.\rأيها الأخ المسلم! وردت قصة رواها ابن أبي الدنيا في التوكل على الله، وقعت في إحدى الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية، والآثار في هذا الباب -في باب التوكل والكرامات- التي يذكرها الصوفية كثيرة، لكننا أعرضنا عنها صفحاً لأننا لا ندري ما صحتها، وإنما يحسنونها في كتبهم، ولكن هذه الرواية وردت بسند صحيح إلى عون بن عبد الله قال: بينا رجل في بستان بمصر في فتنة ابن الزبير مكتئباً معه شيء ينكت به في الأرض، إذ رفع رأسه فسنح له صاحب مسحاة، فجاءه هذا الرجل صاحب المسحاة فقال له: مالي أراك مكتئباً حزيناً؟ قال: فكأنه ازدراه.\rرأى شكله، وحاله فقال: لا شيء.\rفقال له صاحب المسحاة: ألدنيا؟! فإن الدنيا عرض حاضر -يعني: غير باق- يأكل منها البر والفاجر، والآخرة أجل صادق يحكم بها ملك قادر يفصل بين الحق والباطل.\rفلما سمع ذلك الرجل هذا الكلام كأنه أعجبه، فأخبره بما في نفسه، وقال له: إنني حزين مكتئب لما فيه المسلمون.\rيعني: لأحوال المسلمين.\rفقال له هذا الرجل: فإن الله سينجيك بشفقتك على المسلمين، ومن ذا الذي سأل الله فلم يعطه، ودعاه فلم يجبه، وتوكل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه؟! قال عون بن عبد الله: فتعلقت بالدعاء، اللهم! سلمني وسلم مني.\rفتجلت- يعني: الفتنة- ولم تصب منهم أحداً.\rفهذا الرجل يقول: بشفقتك على المسلمين فأين أولئك الذين يسمعون الأحداث تمر بالمسلمين من حولهم ولكنهم لا يحركون ساكناً ولا تتحرك قلوبهم، لكن المؤمن كما أخبر النبي ﷺ: (المؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وهذا الرجل يقول: إن الله سينجيك بشفقتك على المسلمين لأنك تحمل هم المحن، هم الأمة الإسلامية، يحزنك إذا أصاب المسلمين في مكان ما حوادث أو كوارث، يحزنك إذا قصر المسلمون في إيمانهم ودينهم، تحمل هم المسلمين؛ لأنك إذا حملت هم المسلمين فمعناه أنك في شغل، وهو الطاعة والعبادة، وهو التقوى والرضا بالله ﷾، ولقد كان قواد المسلمين ﵏ ﷾ يتوكلون على الله في جميع أحوالهم، ولا أطيل بذكر الأمثلة، ولكنني سأذكر مثالاً واحداً لرجل من الرجال الذين قاوموا الصليبيين زمن الحروب الصليبية، كان له جهاد وأي جهاد! أفنى عمره وحياته في قتال الصليبيين من مكان إلى مكان، وهو نور الدين محمود زنكي، فإن هذا الرجل ذكر عنه أنه كان يمرغ وجهه في التراب قبل المعارك، ويدعو ربه ويقول: من محمود؟ يعني نفسه، يعني أنه لا قيمة له انتصر أو لم ينتصر، يا رب! من محمود؟ إنما هو دينك، إنما هم عبادك، اللهم! انصرنا.\rلا أنانية، وإنما هو رجل عاش لله وبالله، واعتصم بالله، وصار هم المسلمين همه وشغل المسلمين شغله، فجاهد في الله، ونسأل الله ﷾ أن يجمعنا وإياه والمسلمين جميعاً في مستقر رحمته.\rروى أبو شامة في الروضتين وابن قاضي شهبة في كتابه الكواكب الدرية الذي ترجم فيه لـ نور الدين هذا، روى أن القدس لما كانت بأيدي الصليبيين، وكان نور الدين يجاهدهم وينتصر عليهم -لكن تحرير القدس إنما تم بعد نور الدين محمود عندما جاء صلاح الدين، فذهب بعض الناس إلى زيارة بيت المقدس وهو تحت الاحتلال الصليبي، فماذا وجد الصليبيين يقولون عن نور الدين؟ وجدهم يقولون عنه: إن له مع الله سراً، فإنه ما يظفر علينا بكثرة جنده وعسكره، وإنما يظفر علينا وينتصر بالدعاء وصلاة الليل.\rوكان مشهوراً بصلاة الليل، نور الدين محمود كان معروفاً عنه صلاة الليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\rيقول هؤلاء الكفار: إنما يظفر علينا وينتصر بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي الليل ويرفع يديه إلى الله ويدعو، والله سبحانه يستجيب دعاءه ويعطيه سؤله وما يرد يده خائبة، ويظفر علينا بهذا.\rفالتوكل على الله مطلوب من جميع الأمة رئيسها ومرؤوسها، من جميع الناس، فإذا توكلوا على الله فإن الله ﷾ يوفقهم ويهديهم وينصرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534510,"book_id":2827,"shamela_page_id":299,"part":"13","page_num":25,"sequence_num":299,"body":"التوكل على الله سبب في عون الإنسان على فعل الأوامر واجتناب النواهي\rومن ثمرات التوكل أن التوكل على الله ﷾ يكون سبباً لأن يقوم الإنسان بما أمر الله به من فعل الأوامر واجتناب النواهي، فالإنسان ضعيف تحيط به الوساوس والشياطين، ويضعف عن الصلاة، ويضعف عن الإتيان بها في أوقاتها، ويضعف عن فعل ما أمر الله، ويضعف عن ترك ما نهى الله ﷾ من المعاصي، ولكن التوكل على الله ﷾ يبني في قلب العبد المؤمن ما يجعله يقوم بما أمره الله به ويجتنب ما نهى الله ﷾ عنه على الوجه الأكمل.\rيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن النفس لا بد لها من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإن لم تكن متوكلة على الله في ذلك واثقة به لا يمكن أن تنصرف عن ذلك فتمتثل الأمر مطلقاً، بل لا بد أن تعصي الأمر في جلب المنفعة ودفع المضرة، فلا تصح العبادة لله وطاعة أمره بدون التوكل عليه، كما أن التوكل عليه لا يصح بدون عبادته وطاعته، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].\rفالعبادة لا تتحقق إلا بالاستعانة، فأنت تريد أن تعبد الله على الوجه الحق، لكن كيف تعبده وأنت غير مستعين بالله؟! لا يمكن، فلا بد من الاستعانة بالله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٨ - ٩].\r(تبتل إليه) اعبده، ومتى؟ إذا علمت أنه رب المشرق والمغرب واتخذته ﷾ وكيلاً، وكفى بالله وكيلاً.\rيقول شيخ الإسلام بعد ذلك: والمقصود أن امتثال الأمر على الإطلاق لا يصح بدون التوكل والاستعانة، ومن كان واثقاً بالله أن يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما يضره أمكن أن يدع هواه ويطيع أمره، وإلا فنفسه لا تدعه أن يترك ما يقول: إنه محتاج فيه إلى غيره.\rوهنا يلاحظ على أحوال الناس عندما تأتيهم المحن ويخافون على أنفسهم، يلاحظ عليهم أمران على ضوء هذه الثمرة من ثمرات التوكل: الأمر الأول: أن الإنسان الذي كان يحرص على الصلاة في أول أوقاتها يتابع الإذاعة والتلفاز، وينظر ماذا جرى، خوف ورعب في نفسه، بينما الإنسان في حال المحنة والخوف يلجأ إلى الله ويفعل الأسباب، لكن الناس انصرفوا، حتى إن الإنسان ليجد أحياناً المرأة في بيتها التي كانت تستمع الشريط الإسلامي وكانت تستمع إلى إذاعة القرآن وقراءة القرآن وفتاويه يجدها قد انصرفت وانشغلت بغير ذلك، تتابع الأخبار، وتتحدث في الهاتف عما جرى وعما سيجري وما هو متوقع، وصار الناس كلهم يحللون الأحداث حتى العوام والصبيان، ولا يعني ذلك أن الإنسان لا يتابع الأحداث، الإنسان من لحم ودم، وعاطفة وقلب وروح، لكن أن يكون حال الناس وقت المحنة أضعف من حالهم قبلها فهذا خطر، بل يجب أن يكون حال الإنسان عندما يشتد به الأمر أن يكون قربه من الله وتوكله على الله، وقراءته للقرآن، واعتصامه بالله، وتدبره لآيات الله، ودراسته لسيرة رسول الله ﷺ، وحرصه على العلم وطلبه، وعلى تربية أسرته وبنائها، وعلى توجيه الناس، وعلى الدعوة إلى الله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي غيرها من الأمور أن يكون حرصه عليها أكثر مما سبق؛ لأنه أحوج إلى الله ﷾.\rوفي حديث عبد الله بن عباس الذي ذكرناه قبل قليل يقول له النبي ﷺ فيه: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فإذا عرفك الله في الشدة أعانك على عبادته وطاعته والاعتصام به، وأزال عنك الخوف والرعب.\rالأمر الثاني الملاحظ على الناس في وقت المحن: أن بعض الذين بيدهم الأمر إذا فعلوا بعض الأسباب قد يخطر في قلوبهم أن هذه الأسباب كافية لوحدها لمنع الشر والفتنة، فيتوكلون عليها، ويظنون أنها هي التي نفعتهم وهي التي أبعدت الشر عنهم، ويستقر هذا الأمر في نفوسهم، ومن ثم فتجد الواحد من هؤلاء يقطع أو تضعف صلته بالله ﷾ وما ينبغي أن يكون عليه به من الثقة في زمن المحنة حتى يمنع الله عنه الشر والفساد، تجد هؤلاء يظن الواحد منهم أنه ما دمنا اتكلنا على هؤلاء في هذا الأمر كفى.\rإذاً ينبغي أن نغير أحوالنا، وأن نتدبر حالنا والمعاصي المنتشرة فينا فنمنعها.\rونوثق صلتنا بالله وبالعلماء، حتى نغير تغييراً حقيقياً، هل نحن نفعل شيئاً من هذا الآن؟ لا.\rهذا الأمر الآن أمر ثانوي، وهذا الأمر الذي استقر في بعض النفوس خطير جداً؛ لأن الله ﵎ يبتلي عباده ويمتحنهم، فإذا جاءتهم الآيات ولم يعتبروا بها فإن الأمر مؤذن بخطر ربما يأتي من طريق لا يحسب الإنسان حسابه، وهذه مشكلة، أن يستقر في النفوس أن هذه الأمور المتعلقة بإسلامنا وديننا وتحكيم شرعنا يكفي فيها ما نحن فيه ولا داعي للتغيير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534511,"book_id":2827,"shamela_page_id":300,"part":"13","page_num":26,"sequence_num":300,"body":"التوكل على الله يزيل عن النفس الخوف والرعب\rوالتوكل على الله ﷾ من أعظم ثمراته أنه يزيل عن النفس الخوف والرعب، ومن توكل على غير الله أصابه الله بالخوف والرعب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو حاجة أو صديقاً أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع من التوكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقاً أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه.\rفقف عند هذه الكلمة أيها الأخ المسلم! ما رجا أحد مخلوقاً وتوكل عليه إلا كانت النتيجة عكسية، خاب ظنه فيه فينقلب عليه.\rقال: إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك والحالة هذه، والله ﷾ يقول- هكذا يقول شيخ الإسلام -: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، وكذلك المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب، كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران:١٥١]، ومن أخلص قلبه من الشرك هو الذي يحصل له الأمن، كما قال ﵎ في كتابه العزيز: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، والظلم هنا فسره النبي ﷺ لما شكا إليه الصحابة وقالوا: (يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟! فقال النبي ﷺ إنما ذلك الشرك، ألم تسمعوا إلى العبد الصالح -يعني: لقمان- حينما قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، فالذي لم يلبس إيمانه بظلم -أي: بشرك- له الأمن، وعكسه له الرعب والخوف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534512,"book_id":2827,"shamela_page_id":301,"part":"13","page_num":27,"sequence_num":301,"body":"إمداد المتوكل بالقوة\rالمسألة السادسة: التوكل على الله ﷾ له آثار عظيمة في حياة الفرد والمجتمع، وفي حياة الأمم، وسنشير إلى بعض هذه الآثار، ومنها: أولاً: أن التوكل على الله ﷾ يعطي الإنسان القوة والعزة بالله وحده لا شريك له، ومن ثم فإن بعض السلف رحمهم الله تعالى قالوا: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله.\rلأن الإنسان إذا توكل على الله وحده لا يخاف أحداً مهما كان، لو اجتمعت الدنيا كلها بعروشها وجيوشها على أن يكيدوك -أيها الإنسان- لا يملكون، كما قال النبي ﷺ لـ ابن عباس وهو غلام صغير: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).\rإذاً التوكل على الله ﷾ يجعل الإنسان قوياً في إيمانه، قوياً في حياته، قوياً في صبره على البلاء، قوياً في مواجهته للمحن والابتلاء، قوياً حينما تدلهم الفتن وتضطرب الأمور ويحيص الناس.\rويحار الحليم، يقف قوياً لأنه يتوكل على الله وحده لا شريك له، ويعتصم به، ويعتمد عليه وحده لا شريك له.\rوقد ورد في الصحيحين -صحيح البخاري ومسلم - عن عبد الله بن عمرو ﵄: (أن رسول الله ﷺ صفته في التوراة: إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق) إلى آخر الحديث.\r(سميتك المتوكل) فرسول الله ﷺ من أسمائه (المتوكل)، كما أن له أسماء أخرى معروفة (محمد)، و (أحمد)، و (الحاشر) إلى آخره.\rوقد روي في بعض الآثار أن حملة العرش إنما يقوون على حمله لقولهم: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال عن هذه الكلمة: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534513,"book_id":2827,"shamela_page_id":302,"part":"13","page_num":28,"sequence_num":302,"body":"التوكل على الله يكسب الإنسان الرضا بما قسم الله له\rومن ثمراته الرضا أن يرضى الإنسان بما قسم الله له، فإذا توكل على الله في أموره كلها رضي بالله ﷾ وبما قسم له؛ لأن كل أمر قدره الله ﷾ على العبد فلا بد له فيه من أمرين: الأمر الأول: التوكل على الله قبل وقوعه.\rوأثناء سيره.\rثم إن صدق الإنسان بهذا يأتي الأمر الثاني، وهو الرضا بالله على أي حال وقع المقدور، وهذا الذي علمنا إياه رسول الله ﷺ في باب الاستخارة، والاستخارة إنما تكون في الأمور الدنيوية، أما الأمور الشرعية المطلوبة فلا يستخير الإنسان فيها، إذا أراد الإنسان أن يصلي، أو يقوم الليل، أو يصوم، أو يحج، أو يعتمر، أو يتصدق لا يقول: أستخير.\rوإنما يقدم عليها؛ لأنها طاعة لا يتردد فيها، ولكنه يستخير في أموره الدنيوية التي لا يدري هل يكون له فيها خير أم يكون له فيها شر، فإذا تردد في الأمر ولم يترجح له أوصاه النبي ﷺ بدعاء الاستخارة، الذي فيه يقول النبي ﷺ: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، ثم يقول: اللهم! إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر) ثم في آخر هذا الحديث يوصي النبي ﷺ أن الإنسان بعد ما يسمي حاجته يقول: (وإلا فاصرفه عني) يعني: إن لم يكن خيراً لي (واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به)، فيرضى الإنسان بما قسم الله ﷾ له، ولا شك أن الإنسان إذا توكل على الله وأحسن الظن بالله ﷾ لا يغضب من أي أمر قد قدره الله ﷾ عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534514,"book_id":2827,"shamela_page_id":303,"part":"13","page_num":29,"sequence_num":303,"body":"التوكل على الله لا ينافي فعل الأسباب\rبقيت مسألة يسيرة أحب أن أشير إليها، وهي أن نعلم أن التوكل على الله لا ينافي فعل الأسباب.\rوإنما التوكل على الله هو عينه سبب من الأسباب، مثل الدعاء تماماً، كما أن الله أمر بالدعاء وجعله عبادة، بل ورد أنه العبادة، فإن الدعاء سبب، فأنت مأمور بالدعاء لكن قد يحصل وقد لا يحصل.\rكذلك أيضاً التوكل على الله سبب من الأسباب، فإذا توكلت على الله في أمر من الأمور فقد يحصل ذلك الأمر وقد لا يحصل، لكنك عبدت الله وتوكلت عليه، فيكون لك الخير حيث كان، كما قال النبي ﷺ في الدعاء، في الحديث الصحيح: (ما من عبد يدعو ربه بدعاء ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم إلا كان على الله أن يعطيه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يستجيب دعاءه) هذا الاحتمال الأول (أو أن الله يدفع عنه من الشر مثله) هذا الثاني (أو أن الله يدخر له يوم القيامة من الأجر مثله).\rإذاً الداعي لا يخيب أبداً، قال الصحابة: (يا رسول الله! إذاً نكثر)، أي: ما دمنا رابحين إذاً نكثر من الدعاء، فقال: (الله أكثر).\rفلا يقول القائل: أنا دعوت ولم يستجب لي.\rومثله إذا توكل على الله في الأمر، فقد يكون من أمر الله أن الله يريد أن يبتليه، فلا يقول: توكلت على الله وما استجاب.\rلا، وإنما سيكون لك الخير لأنك عبدت الله حق عبادته، وقد يكون ذلك الأمر الذي جرى عليك من محنة أو غيرها سبباً لتمحيص ذنوبك وإيمانك ورفع درجاتك.\rأسأل الله ﷾ أن يجعلنا جميعاً ممن توكل عليه وكفاه، وأن يجعلنا ممن اعتصم به فنجاه.\rكما نسأله ﷾ أن يعيذ هذه الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما نسأله ﷾ أن يهيئ لها من أمرها رشداً، يُعز أهل الطاعة، ويُذل أهل المعصية، كما نسأله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن ختم له بخاتمة السعادة، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534515,"book_id":2827,"shamela_page_id":304,"part":"13","page_num":30,"sequence_num":304,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534516,"book_id":2827,"shamela_page_id":305,"part":"13","page_num":31,"sequence_num":305,"body":"نقص التوكل عند الناس في حال الخطبة وطلب الزواج\r\rالسؤال\r هناك أناس إذا أتاهم الخاطب ليتزوج ابنتهم وهو حديث التخرج ولا يعمل بوظيفة حكومية لا يزوجونه، فهل التوكل عند هؤلاء الناس ناقص أم هو أخذ بالسبب؟\r\rالجواب\r الحقيقة أن هذا توكل ناقص بغير شك، فقد قال رسول الله ﷺ: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، وما قال: (وترضون ماله) والنبي ﷺ أوصى بذلك الشباب فقال: (من استطاع منكم الباءة) أي: القدرة على الزواج (فليتزوج)، فإذا جاءكم الشاب معه المهر وعنده القدرة فزوجوه، أما أن تربطوا الموضوع بأمر غيبي فلا، الأمر بيد الله ﷾، والحقيقة أن هذا أمر خطير جداً، ومثله أولئك الذين يربطون الزواج بالدراسة، شخص اتصل بأحد المسئولين عن التعليم يتحدث معه عن ابنته، فيقول: إن لم تقبلوها فمعناه أنها لن تتزوج.\rفما هذا الكلام؟! فالأمر خطير جداً، واعلم أن العبد يعان على النكاح، كما ورد عن النبي ﷺ: (ثلاثة حق على الله عونهم -وذكر منهم-: الناكح يريد العفاف)، وأنتم تشاهدون هذا، هل وجدتم شاباً تزوج فافتقر بسبب زواجه؟ لا، وإنما الذي نشاهده أن الشاب إذا تزوج رزقه الله، وجاءه الرزق من كل مكان، وجاءته الإعانات التي ليس فيها منة، ويسر الله أمره، وإذا جاءه المولود جاء ومعه رزقه، لكن ضعف في النفوس التوكل على الله، يظن أنه ما لم يكن الشاب في وظيفة وما لم يكن الشاب عنده بيت وما لم يكن الشاب عنده كذا وكذا فلن يزوج، هذا تعلق بأمور وأسباب، فأخشى على هؤلاء أن يعاقبهم الله بنقيض قصدهم، فيزوجون من كان ظاهره المال، فيكون وبالاً على ابنتهم، فاتقوا الله في بناتكم، وامتثلوا أمر رسوله ﷺ حين قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته -أو: وخلقه- فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).\rوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534517,"book_id":2827,"shamela_page_id":306,"part":"13","page_num":32,"sequence_num":306,"body":"حكم من يقول: لولا أمريكا وقوات الدول الكبيرة لذهبت الجزيرة\r\rالسؤال\r في هذه الأيام هناك بعض الناس يقول بعد الأزمة: لولا أمريكا وقوات الدول الكبيرة لذهبت الجزيرة، ما هي نصيحتكم لهؤلاء الناس؟\r\rالجواب\r مثل هذا الكلام خطير جداً؛ لأنه لو قال الإنسان -كما ورد في كتب التوحيد-: لولا الكلب لأتانا اللصوص.\rلولا الباب كان قوياً لدخل اللصوص وسرقوا البيت.\rفهذا من الشرك الأصغر، والإنسان ربما يظن هذا الظن، لكن مثل هذه العبارة التي يقول فيها الإنسان: لولا أمريكا لذهبت الجزيرة توحي العبارة بأن قلبه كأنه ظن أن أولئك هم الذين حموا البلاد، وأنه لولاهم لذهبت، ولا شك أن هذا أمر خطير جداً، ويدل على ضعف اليقين والتوكل على الله ﷾، وما يدري الإنسان ماذا سيجري بعد ذلك، الأمر بيد الله، لكن الشيء الذي نقطع به أن الملاحدة والمشركين والعلمانيين ومثلهم اليهود والنصارى لا يمكن أن يريدوا خيراً للمسلمين.\rخذوها قاعدة وميزاناً ربانياً، يقول الله ﷾ في كتابه العزيز: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فإذا كانت هذه الأمور جاءت لسبب فلنجعل هذا السبب في محله فقط، ولا نأتي لنزعم أو لنعتقد، كما يحدث من بعض الناس عندما يتابع الأخبار، فيحب هؤلاء النصارى ويواليهم، ويظن أنهم فيهم الخير الكثير وفيهم المحبة والشفقة إلى آخره، هذا خطأ، خطأ أن ينقلب هذا الأمر إلى موالاة لغير الله ﷾، وإنما نحصر الأمر في مكانه، نحدث ونعلم أن العصمة لنا ولبلادنا ولبلاد المسلمين إنما هي بعدة أموره منها -وعلى رأسها- عبادة الله والتوكل عليه.\rومنها تحكيم شرع الله ﷾، والأخذ على يد السفهاء، فإذا حكمنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، حتى ولو وصفه الواصفون بأن القطع رجعية، وأن الرجم رجعية وتأخر فالله ليهابنا الأعداء كما هو واقع، يهابنا الأعداء في كل مكان، ولكن المشكلة أننا نرى بعض الصحفيين جاؤوا ليكتبوا على إثر الأزمة وليقولوا: يجب أن نراجع أمورنا ومسلماتنا.\rوما هي مسلماتنا التي نراجعها؟ تحكيم القرآن نراجعه، الحكم بالشريعة الإسلامية نراجعه، الاعتماد على الله وعبادته وحده لا شريك له نراجعه، هكذا يدخل العلمانيون وأذناب القوميين وغيرهم في سلك الصحف ليقولوا: يجب أن نراجع هذه الأصول، تبين لنا أن الحكم بالشريعة لا ينفعنا وقت الأزمات.\rوهذا كلام خطير فعلينا أن نعتصم بالله، وأن نتوكل على الله، وأن نكون ممن يزن الأمور بميزانها القرآني الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534518,"book_id":2827,"shamela_page_id":307,"part":"13","page_num":33,"sequence_num":307,"body":"طلب الدواء لا ينافي التوكل على الله\r\rالسؤال\r مرض الرجل فلم يتداو، وإذا سئل عن ذلك ذكر حديث من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويقول: الحديث واضح، وظاهره يقول: (لا يسترقون) أي: لا يتداوون.\rفما رأيكم في ذلك؟\r\rالجواب\r أولاً: يجب أن نعلم أن هذا الحديث ورد في معرض الخبر عن هؤلاء، بأنه بلغ بهم التوكل على الله أنهم لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.\rالأمر الثاني: أن هذا الحديث لا يؤخذ لوحده، وإنما تؤخذ الأحاديث الأخرى التي فيها أن النبي ﷺ تداوى وأوصى أصحابه بالتداوي، فإذا جمعنا هذه الأحاديث تبين لنا أن التداوي وطلب الدواء أمر مشروع، ولا يخالف سنة النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534519,"book_id":2827,"shamela_page_id":308,"part":"14","page_num":1,"sequence_num":308,"body":"أحوال وأهوال\rاقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل الدنيا دار عمل، فإذا انتهى الناس من الأعمال أقيم لهم بعد موتهم يوم يحاسبون ويجازون فيه بأعمالهم، وذلك اليوم هو اليوم الآخر، وتبدأ مشاهده من لحظات فراق الدنيا، فحينئذ يعلم العبد ما هو مقبل عليه من أمره، وقد أخبرنا الله تعالى وأخبرنا رسوله ﷺ عن اليوم الآخر بأخبار مليئة بالأحداث والمشاهد والصور المفزعة، ولا شك أن ذلك كله حادث، وسيعقبه الجزاء الأخير على العمل، فأهل الصلاح إلى جنة النعيم والرضوان، وأهل الشقاء إلى الجحيم والنيران.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534520,"book_id":2827,"shamela_page_id":309,"part":"14","page_num":2,"sequence_num":309,"body":"تميز القرآن والسنة بتفصيل أحوال يوم القيامة وأهواله\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فحديثنا في هذه الوريقات بعنوان: (أحوال وأهوال)، وهذا الموضوع نحتاج إليه في هذا الزمان؛ لأن الفتن تنوعت طرائقها، وامتحان القلوب تعددت مداخله، في ظل عولمة مادية طاغية تريد أن تهلك الحرث والنسل، وأن تدخل إلى البيوت والقلوب لتغيرها وتفسد ما بقي فيها من خير وإيمان وطاعة لله ﷾.\rكان المصطفى ﵌ يعلم أصحابه أن يتعرفوا على تلك الأحوال والأهوال، وجاء في كتاب الله ﵎ وفي سنة المصطفى ﵊ التفصيلات الكاملة التي لا توجد في غيرهما، فإذا جئت إلى التوراة وإلى الإنجيل وما يتبعهما من الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى لا تجد الحديث عن هذه الأحوال والأهوال إلا حديثاً هو نزر قليل، ومن ثم رأينا في عالم اليوم -وخاصة عند النصارى وهم الكثرة الغالبة اليوم -رأينا مادية طاغية تظهر آثارها مشرقاً ومغرباً.\rأما نحن المسلمين فقد أكرمنا ربنا ﷾ وأنعم علينا بالإسلام الذي جاءت فيه تفاصيل تلك الأحوال والأهوال وكأنما نراها رأي العين، لمن ألقى السمع وهو شهيد.\rوما يكون لمثلي وأنا العبد الفقير المذنب المقصر أن أنقل إليك بعضاً من هذه الأحوال والأهوال، وأسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياك في تلك الأحوال والأهوال من العاملين الفرحين المسرورين الفائزين.\rأيها الأخ المسلم! سنتحدث إن شاء الله تعالى عن بعض من مظاهر هذه الأحوال والأهوال، ولكن ينبغي أن يستقر في نفس كل واحد منا وهو يقرأ عرضاً مختصراً عن بعضها وأحداثها استشعار حقائق تلك الأهوال والأحوال، ويصور نفسه وكأنه ذلك الذي تتحدث عنه الحادثة، أو تشرح حاله الآية، أو يبين أمره حديث المصطفى ﵌.\rأظنك عرفت المقصود بالأحوال والأهوال، فإنها -والله- ما زال يعيشها ويعيش أحداثاً منها أناس من آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأقرب الناس إلينا، فإن بعض الأحداث من تلك الأحوال والأهوال عاشها من سبقنا، ولكن بقينا نحن وبقيت في الأحوال والأهوال أحداث قادمة سيقدم عليها جميع العباد.\rوسنقف وقفات قصيرة ولمحات؛ لأن الأحوال والأهوال يطول بعرضها المقام، ولذا سننتخب منها انتخابا، ونسأل الله ﵎ أن يوقظ قلوبنا جميعاً، وأن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال والنيات.\rسنتحدث عن أحوال وأهوال حول الموت والقبور ويوم القيامة والجنة والنار، فهل تحركت القلوب لتلك الحقائق التي لا شك فيها كما أنكم تنطقون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534521,"book_id":2827,"shamela_page_id":310,"part":"14","page_num":3,"sequence_num":310,"body":"الموت وأهواله\rتعال نقف -أيها الأخ- مع بعض تلك الأحوال والأهوال، ونبدأها بذلك الأمر الذي كتبه الله على جميع الخلائق، إنه الموت الحق الذي لا شك فيه، والدليل الذي نشاهده كل يوم بأعيننا، نودع فيه أناساً كثيرين من الأحباب والأصحاب، بل حتى من الأعداء؛ لأن سنة الله ﷾ فيه أن الله كتبه على الجميع ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534522,"book_id":2827,"shamela_page_id":311,"part":"14","page_num":4,"sequence_num":311,"body":"لحظات الوفاة\rوأول حدث من أحداث الموت هو أن الإنسان إذا جاءه الموت فقبل قبض روحه تحضر ملائكة الموت، فملائكة الموت تأتي المؤمن في صورة حسنة جميلة، وتأتي الكافر والمنافق في صور فظيعة مخيفة.\rففي حديث البراء بن عازب عند أبي داود وغيره -وهو حديث صحيح- يقول فيه الصادق المصدوق ﵌: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط -وهو الطيب وما يتبعه مما يوضع بين الأكفان- من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد بصره)، وهذا كله قبل الموت عند حضور موت المؤمن، وهذا دليله قول الله ﵎ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، إنها حالة الموت يبشر بها المؤمن بالله ﷾، ويا لها من حالة ما أطيبها للمؤمن وإن كان أهله وأحبابه من ورائه في ألم شديد، لكن شتان بين الحالتين، أولاد وأحباب يبكون، والميت مبتسم يستقبل الملائكة بهذه الأشكال الطيبة، إنه فرح مسرور في لحظة هي من أشد اللحظات التي تمر على الإنسان.\rقال ﵌: (ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: يا أيتها النفس الطيبة -وفي رواية: يا أيتها النفس المطمئنة- اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.\rقال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها)، هذه حالة للمؤمن الصادق.\rأخي في الله! تعال إلى حالة مقابلة لها، هي من الأهوال الفظيعة، يقول الصادق المصدوق في نفس الحديث: (وإن العبد الكافر -وفي رواية: الفاجر- إذا كان في انقطاع من الآخرة وإقبال من الدنيا، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه، معهم المسوح)، والمسوح هي ما يلبس من الشعر من الألبسة والأكسية الغليظة، تلك التي يلبسها البعض تقشفاً؛ قال: (معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده)، يعني أن الروح يصيبها الرعب من هذا الخطاب الرهيب فتنكص إلى الجسد لا تريد أن تخرج؛ لأنها إنما تقبل على غضب من الله، قال: (فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، قال: فتتقطع معها العروق والعصب)، يعني أن ملك الموت ينزع هذه الروح الخبيثة نزعاً من أعماق العروق والعصب، ويا لها من رحلة لهذه الروح حين تخرج هذا المخرج الذي وصفه لنا رسولنا ﵌.\rومصداق حضور الملائكة سود الوجوه قول الله ﵎: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥٠ - ٥١].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534523,"book_id":2827,"shamela_page_id":312,"part":"14","page_num":5,"sequence_num":312,"body":"حالات الناس في السكرات\rحالة أخرى هي سكرات الموت، ويكفي في بيان سكرات الموت أن سيد المرسلين ﵌ لما جاءه الموت كانت عنده ركوة فيها ماء، فكان ﵌ يدخل يده في الركوة ويمسح بها جبينه ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)، وإذا كان هذا رسول الله ﷺ فكيف بحال من عداه، ثم كيف بنا نحن المساكين المذنبين! ومن هنا فإن أعظم من يعاني من السكرات الكفار، فإنهم يعانون من السكرات أشدها، وتلك عقوبات تكون لهؤلاء معجلة؛ لأنهم كفروا بالله وبيوم الحساب.\rوفي حال السكرات تكون للناس حالتان: الحالة الأولى: الكافر والعاصي يتمنيان الرجعة، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، فالكافر يتمنى العودة ليسلم ويؤمن بالله، وأما العاصي فإنه يتمنى العودة ليتوب مما فرط فيه من الذنوب والمعاصي في حياته الدنيا.\rأما الحالة الثانية: فإن المؤمن يفرح بلقاء ربه، وكيف لا يفرح والملائكة تتنزل عليه بتلك الصور المشرقة تبشره؟ روى البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﵌ أنه قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).\rإنه حديث مؤثر في النفس؛ لأننا جميعاً نكره الموت ونفر من الموت، فهل نحن جميعاً من الصنف الثاني؟ لا.\rلقد كانت بصائر أصحاب رسول الله ﵌ على نور من ربها، فعندما قال المصطفى هذا الحديث قالت عائشة ﵂: يا رسول الله! إنا لنكره الموت.\rتعني: ما الصنيع؟ فإذا كنت تقول: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) فإننا نكره الموت بالطبيعة والجبلة، فقال المصطفى ﵊ موضحاً ومفرجاً للهموم: (ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه)، وعليه فالموت هو عنوان اللقاء، واللقاء إنما يكون يوم القيامة، فالمؤمن يبشر بالرضوان فيفرح ويستبشر فيحب ما أمامه ويفرح به، فإذا أحب لقاء الله أحب الله لقاءه؛ قال: (وأما الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره مما أمامه، فكره لقاء الله فكره الله لقاءه).\rوروى أبو سعيد الخدري -كما في صحيح البخاري - أن النبي ﷺ قال: (إن الجنازة إذا احتملها الرجال إن كانت صالحة قالت: قدموني.\rوإن كانت غير صالحة قالت لأهلها -وأهلها في الغالب هم حملة نعشها-: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق)، إنها حالة الموت وسكرات الموت، فأين تختار يا عبد الله ويا أمة الله؟ حالتان للموت لا ثالثة لهما، حالة البشرى والسعادة، وحالة البؤس والشقاء، أما المشمرون في مسألة سكرات الموت، فقد روى الترمذي في حديث حسن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة) إنها المجازاة، قدم نفسه لربه ﵎ فأعاضه الله ألا يكون معه من السكرات إلا ألم القرصة، فنسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن يرزق الشهادة في سبيله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534524,"book_id":2827,"shamela_page_id":313,"part":"14","page_num":6,"sequence_num":313,"body":"حالات الناس في حسن الخاتمة وسوئها\rوفي لحظة الموت تبرز حالتان كبريان ينقسم إليهما الناس: الأولى منهما: حسن الخاتمة.\rوالثانية: سوء الخاتمة.\rوأبدأ بسوء الخاتمة، أسأل الله أن يعافني وإياكم منها.\rسوء الخاتمة -أيها الأخ في الله- أن يأتي الموت الإنسان وهو غير مستعد له، وأعظم ما يكون من سوء الخاتمة الموت وهو على ضلالة وكفر ونفاق، أو على معصية، نسأل الله السلامة والعافية، فسوء الخاتمة على درجتين: أعلاهما وأخطرهما: أن يموت على شرك أو كفر، أو يموت جاحداً أو شاكاً في دين الإسلام، أو تاركاً للصلاة ونحو ذلك، فهذه خاتمة عنوانها هو الخسران المبين.\rوحالة أخرى دونها: وهي أن يموت على الإسلام، لكن يموت مصراً على المعاصي غير تائب، فهذا له الحسرة بحسب ذلك، وحسبك بإنسان يموت وهو على مسكر، أو على عقوق والدين، أو ذاهب لخنى وفجور، أو يردد أغنية ماجنة، أو غير ذلك من أحوال سوء الخاتمة، نسأل الله السلامة والعافية.\rوسوء الخاتمة لها أسباب يجب أن يقف عندها كل مسلم، ومنها فساد الاعتقاد، والإصرار على المعاصي، وسلوك طريق أهل الاعوجاج، والتعلق بالدنيا وعبادتها، ونسيان الآخرة، ومرافقة أصحاب السوء الذين قد يموت الإنسان وهو معهم.\rأما الحالة الأخرى: فهي حسن الخاتمة التي تكون للمؤمنين الموفقين، وكم سمعنا من أحوال الصالحين الطيبة، ذلك الصالح الذي أحسن الله له الختام فاستعد لما أمامه بتوبة لربه ﷾، فذاك يموت في سبيل الله، وآخر يموت مهاجراً إلى الله ورسوله، وثالث يموت وهو ذاهب إلى الحج أو راجع منه، ورابع يموت وهو ذاهب إلى الدعوة إلى الله ﷾.\rوقد أُخْبِرتُ عن مجموعة من الأخيار ذهبوا إلى الدعوة إلى الله ﷾ في أقصى هذه البلاد، وبينما هم مسافرون لخطبة الجمعة وإلقاء بعض الدروس إذا بالحادث يأتي فيموت اثنان منهم ويصاب الثالث، أسأل الله ﵎ أن يتغمد الميتين برحمة منه وفضل، وأن يرزق الثالث الشفاء العاجل، إنها علامة -فيما نحسبهم والله حسيبهم- على حسن الخاتمة.\rحال يموت فيها مؤمن وهو يصلي لله رب العالمين، رجل خطب الجمعة ثم لما صلى بالناس مات في السجود في الركعة الثانية، وآخر جلس يصلي لصلاة الظهر وبينما هو يصلي إذا به في الركعة الثالثة يسجد السجود الأخير، إنها من علامات حسن الخاتمة، وآخر ينتظر الصلاة فتذهب الروح إلى ربها ﷾ وهو يسبح لله رب العالمين.\rأحوال طيبة مباركة، أحوال خيرة، ما أسعد أصحابها أيها الأخ في الله! أما الاستعداد لحسن الخاتمة فمن وفقه الله ﵎ لذلك فليبادر إلى مسيرة جديدة، وإلى توبة نصوح قبل أن يأتيه الموت، ولا بد أنه آت ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534525,"book_id":2827,"shamela_page_id":314,"part":"14","page_num":7,"sequence_num":314,"body":"أهوال القبور وأحوالها\rثانياً: القبور أهوالها وأحوالها: مات الميت واحتمله أهله، مات الميت وسارع بحمله أهله، فأحب الناس إليه يسارعون في نقله إلى ظلمة القبر، هل رأيت حالة أعجب من هذه الحالة أيها الأخ في الله؟! هل رأيت حالة أعجب من أن يسارع إلى إنزاله في ظلمة القبر أحب الناس إليه؟! هل تدبرت هذه الحال وتصورت أنك أنت صاحب الحال؟ القبر حقيقة لا شك فيها، لكن تعال لنقف عند بعض أهوالها وأحوالها: القبر مظلم، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح أنه ﵊ سمع بامرأة كانت تقم المسجد أنها ماتت، ولم يعلموه بموتها، فسأل عنها، ثم ذهب إلى قبرها فصلى عليها بعد دفنها، ثم قال ﵊: (إن هذه القبور مليئة ظلمة على أهلها، وإن الله ﷿ منورها لهم بصلاتي عليهم)، فصلى الله على هذا النبي الكريم الذي يسأل عن أمة سوداء ماتت لم يعرف بموتها إلا القليل.\rظلمة القبر هي التي أقضت مضاجع الصالحين، كان عثمان بن عفان ﵁ إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: يا أمير المؤمنين! تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتذكر القبر فتبكي؟! فقال ﵁: إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: (القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه).\rقال ﵁: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه) رواه الترمذي وابن ماجة، وهو حديث صحيح.\rظلمة القبر ومنظر القبر حقيقة ستكون داخلها -أخي في الله- قرب الزمان أو بعد، فأعد لذلك المقام مقالا، فسيدخل الإنسان في قبره، فالمؤمنون يدخلون القبور، بل سيد المرسلين ﷺ دفنه أحبابه في القبر وأهالوا عليه التراب، ولما رجعوا قالت فاطمة ﵂: كيف سمحت لكم نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟! هذا القبر يدفن فيه كذلك الكفار؛ لأن غالب الكفار يستخدمون القبور إلا النادر منهم، ثم إن القبر حالة برزخية لا ينفك عنها من دفن ومن لم يدفن، ولذا فإن من أهوال القبر ضمة القبر، روى النسائي وغيره -وهو حديث صحيح- في قصة موت سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز عرش الرحمن لموته أنه قال: (لقد ضم ضمة ثم فرج عنه)، وقال ﵊: (لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا سعد بن معاذ)، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجياً منها نجا منها سعد بن معاذ) رواه الإمام أحمد، فهل ينجو منها أحد؟ عن أنس مرفوعاً أن النبي ﷺ قال: (لو أفلت أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبي)، فما موقعك -يا عبد الله- إذا وضعت في القبر وضمك القبر ضمة، هل تراك ناجياً بعد ذلك؟! وفي القبر فتنة القبر وسؤال الملكين، فلا ينجو من السؤال أحد، تسأل الأسئلة الكبرى: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالناس على حالتين: مجيب يتحول القبر بعده إلى روضة من رياض الجنة، يفتح له فيه مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها وريحانها.\rوآخر لا يجيب على الأسئلة الواضحة وضوح الشمس، فيضرب بمطرقة من حديد فيصرخ صرخة يسمعها جميع المخلوقات إلا الثقلين، ولو سمعناها ما تدافنا، كما قال ﷺ.\rوهنا -أيها الأخ- يكون عذاب القبر ونعيمه، حالتان من حالات القبر تستمران مع عباد الله إلى يوم يبعثون، فالكفار يتحول القبر عليهم إلى حفرة من حفر نار جهنم ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، الكفار في لهيب النار، وإن كنا إذا نظرنا إلى القبر لا نرى شيئاً، فهو عذاب برزخي، أما المؤمنون الصادقون فما أطيب مقعدهم! أحباب الميت يرجعون إلى بيوتهم أسفين حزينين، والواحد منهم ربما رجع من الباب الآخر فرحاً أنه نجا من الموت، ولكنه لم يعلم أن أخاه الذي مات على الإيمان والطاعة أحسن حالاً وأطيب منزلاً من قصره المعمور، حالة حقيقية لا شك فيها وهي أن قبر المؤمن يتحول إلى روضة من رياض الجنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534526,"book_id":2827,"shamela_page_id":315,"part":"14","page_num":8,"sequence_num":315,"body":"مشاهد يوم القيامة\rثالثاً: يوم القيامة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534527,"book_id":2827,"shamela_page_id":316,"part":"14","page_num":9,"sequence_num":316,"body":"أوصاف يوم القيامة\rيبقى الناس في قبورهم من مات ومن سيموت ومن تقوم عليهم الساعة، يبقون في قبورهم ما شاء الله ﵎ على تلك الحال إلى يوم القيامة، ويوم القيامة جاء تفصيل أحداثه في كتاب الله تعالى، وجاءت له أسماء معبرة، فهو يوم القيامة، وهي الساعة، وهي الحاقة، وهي الآزفة، وهو يوم التناد إلى آخر أسماء يوم القيامة.\rلكن هناك أسماء تدل على هول ذلك اليوم، فيكفي أن يصفه ربنا ﵎ بأنه يوم عظيم، قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦].\rوهو يوم ثقيل ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧].\rوهو يوم عسير، قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٩ - ١٠].\rهذا اليوم تجتمع فيه الأهوال من كل جانب، وهو يوم الرعب والفزع العظيم، ووالله إن تصوير ذلك اليوم لا يستقيم التعبير عنه أمام كلام الله ﵎ لأحد، فاقرأ القرآن تعرف حقائق ذلك اليوم، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].\rوهو يوم تشخص فيه أبصار الظلمة على مختلف أنواع ظلمهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣]، شاخص البصر لا يرتد إليه طرفه من شدة الهول.\rوهو يوم تبلغ فيه القلوب الحناجر، قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨].\rوهو يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهو يوم يجعل الولدان شيباً، إنه يوم عظيم، فهل أحضرت في ذهنك ذلك اليوم العظيم وتصورت نفسك واحداً من ذلك الجمع الكبير؟ ما هي حالك يا عبد الله؟ ويكفي في هول ذلك اليوم أنه يوم طويل جداً، نحن في الدنيا نعيش سنوات معدودات، لكن ذلك اليوم قال تعالى عنه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، وبعد أن يكسى إبراهيم يكسى محمد ﷺ ثم الأنبياء ثم المؤمنون.\rأما الكفار والفجار فهل يكسون يوم القيامة؟\r\rالجواب\r لا.\rولكن يسربلون بسرابيل القطران ودروع الجرب من نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534528,"book_id":2827,"shamela_page_id":317,"part":"14","page_num":10,"sequence_num":317,"body":"الحساب ودواوينه\rوننتقل مختصرين إلى حالة أخرى من أحوال وأهوال يوم القيامة، ألا وهي الحساب ودواوين الحساب: تصور نفسك واقفاً للحساب وللجزاء، تلاقي ربك ليس بينك وبينه ترجمان، ويكلمك ربك بأعمالك، ويُنشَر كتاب بسطت فيه أعمالك لا يترك الكتاب منها شيئاً، كما قال تعالى عن المجرمين: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، ويبدأ الحساب والمحاضرة الربانية، فماذا عملت في دنياك؟ أيها الأخ في الله! يحاسب الله العباد في ساعة واحدة، كما يبعثهم في ساعة واحدة، إنه الله الذي لا إله إلا هو ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧].\rوفي الحساب ثبت عن النبي ﷺ أن الدواوين ثلاثة، فقف معها -يا أخي- وقفة متأمل: ديوان لا يقبل الله معه صرفاً ولا عدلاً: إنه ديوان الشرك والكفر إذا مات العبد عليه، فلا يكتب له حسنات ولا عمل صالح، ومهما عمل الصالحات في دنياه فإنها تكون هباء منثوراً، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فهل تصورت فظاعة الموت على الشرك بالله؟ هل تصورت فظاعة الموت على الكفر بالله ﷾؟ إنه الوقوف العظيم بين يدي الله ﵎ حيث لا يقبل الله مع الكفر صرفاً ولا عدلاً، هذا الديوان الأول، فيا أخي في الله في مشارق الأرض ومغاربها! اتق الله وابتعد عن الشرك أكبره وأصغره، اتق الله ولا تشرك بالله شيئاً ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، اتق الله ولا تتعلق بغير الله من ولي أو صاحب قبر أو طاغوت، اتق الله وأخلص التوحيد لربك؛ فإن الأمن يوم القيامة لا يكون إلا للمؤمنين الموحدين.\rالديوان الثاني: ديوان لا يترك الله منه شيئاً، فلا بد من تدقيق الحساب فيه، وهو حقوق العباد بعضهم على بعض، فيوم القيامة يبنى على المشاحة، لا قريب ولا صديق، ومن ثم فكل إنسان يريد حقه لأنه خائف، ومن ثم فالحقوق بين العباد لا يترك الله منها شيئاً، حق مال، أو حق عرض، أو حق دم، أيما حق عليك لأي أحد من أهل الجنة أو من أهل النار فوالله لتحاسبن عليه في هذا اليوم في ذلك الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً، وإنما يقتص العباد بعضهم من بعض.\rفهل تدبرت تاريخك وحياتك مع عباد الله وتذكرت يوم تقف بين يدي الله ﷾؟ فيا من تعادي إخوانك المؤمنين وتكيد لهم! ألا تعلم أنهم سيأخذون حقوقهم منك يوم القيامة؟ فتب إلى الله ﷾، فإن هذا ديون عظيم أيها الأخ المسلم.\rوأما الديوان الثالث: فهو ديوان بعد ذينك الديوانين، فمن نجح في الديوان الأول وهو التوحيد الخالص لله، ثم صفى الديوان الثاني وهو حقوق العباد، فالديوان الثالث هو ما بين العبد وبين ربه، فمن رحمة الله للعبد المؤمن أن هذا الديوان لا يترك الله منه شيئاً، فيغفره جميعه لعبده المؤمن، فأين أنت من ربك الغفور الرحيم؟ أين أنت من حسن الظن بربك ﷾؟ اللهم آمنا في ذلك اليوم واغفر لنا ذنوبنا يا رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534529,"book_id":2827,"shamela_page_id":318,"part":"14","page_num":11,"sequence_num":318,"body":"انحلال العلاقات الدنيوية يوم القيامة\rومن الأهوال -أيها الأخ في الله- هول عجيب، هول إذا عشنا صورة منه في الدنيا تكاد الأفئدة تتقطع، ألا وهو علاقة القرابة والأحبة، تأمل أحوال الناس في هذه الرابطة الدنيوية، كيف أن الأم تموت حسرة وكمداً خوفاً على وليدها، والأب كذلك، والزوج والزوجة والأخ والأخت، فلاحظ معي -أيها الأخ- في هذه الدنيا كيف أن الإنسان يقدم لمن يعز عليه نفسه فداءً، وهذا موجود والحمد لله.\rفالأم دائماً دعاؤها أن لا تذوق يوم وفاة ولدها، أن تموت هي قبله فتفديه بنفسها، والأب والزوج والزوجة، لكن إذا جاء يوم القيامة فالهول فظيع جداً أيها الأخ في الله، فالأنساب تتقطع ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، بل والله -أيها الأخ- إن هول ذلك اليوم لأشد من ذلك، ليته اقتصر على تقطع الأنساب في ذلك اليوم، إنه أعظم هولاً وأفظع، إن من صور هول ذلك اليوم أن المجرم يود لو يفتدي من عذاب جهنم بأحبته، فهل تصورت ذلك اليوم الذي يتمنى أن ينجو فيه وأن يقذف بأمه وأبيه وصاحبته في نار جهنم! قال الله ﵎: (يُبَصَّرُونَهُمْ) يعني أنهم في ذلك اليوم يرون الحقائق (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١١ - ١٦]، ولا يمكن أن يفتدى.\rويجوز أن يفتدي الإنسان نفسه بملء الأرض ذهباً، لكن أن يفدي المجرم نفسه بأحبته فهذا والله هول شديد، يقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ [يونس:٥٤]، إذاً لماذا تظلم اليوم من أجل الأرض والمال ومتاع الدنيا الزائل، ألا تتذكر -يا عبد الله- أنك في يوم القيامة لا تتمنى قليلاً من المال لتفتدي به، وإنما تتمنى ما في الأرض جميعاً، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨] فالظالمون والكافرون يتمنى أحدهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدي به، لكن أنى له ذلك؟ ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨].\rأما الكافر فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٩١]، ثم هأنت تبيع دينك لأجل عرض من الدنيا! روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ الله عليه وسلم قال: (يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم.\rفيقال: كنت سألتك ما هو أيسر من ذلك، سألتك أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534530,"book_id":2827,"shamela_page_id":319,"part":"14","page_num":12,"sequence_num":319,"body":"صبغ أنعم أهل الدنيا في النار وأبأسهم في الجنة\rوفي أهوال يوم القيامة صور متنوعات عجيبات، سنقف مع مواقف مختصرة منها، ولا أريد أن أقول: صغيرة لأنها -والله- أهوال كبيرة.\rموقف يجتمع فيه الخلائق، ثم يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، وتأمل كيف أن هذا الموقف سيكون أمام العالم كله، أمام الأولين والآخرين، فقبل دخولهم النار يؤتى بأنعم أهل الدنيا، ولك أن تتصور أنعم أهل الدنيا وما الذي اجتمع له من الجاه والسلطان والمال والبساتين إلى آخر النعم التي تتصور، يؤتى به يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة واحدة في ثانية أو أقل من ثانية، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله -يا رب- ما رأيت خيراً قط، وما مر بي نعيم قط.\rنسي نعيم الدنيا.\rوصورة أخرى مقابلة، يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة ممن اجتمع عليه المرض والفقر والجوع والابتلاء إلخ، ثم يصبغ صبغة في الجنة، فيقال له والناس يسمعون: هل رأيت بؤساً؟ هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت بؤساً وما مر بي بؤس.\rمشاهد عظيمة من مشاهد يوم القيامة، والناس ينظرون وينتظرون بقية الحساب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534531,"book_id":2827,"shamela_page_id":320,"part":"14","page_num":13,"sequence_num":320,"body":"موقف الفرط المحتسب\rوهناك مشهد آخر هو مشهد الصبي الذي مات قبل البلوغ، لكن أباه مؤمن وأمه مؤمنة، فاحتسبا أجره عند الله وصبرا: تصور صبياً يوم القيامة يبحث في ذلك الهول الفظيع؛ إنه يبحث عن والديه، فيمسك بهما والله أعلم ما حال والديه، فقد يكونان مقصرين، وقد يكونان مذنبين، لكن الصبي يأخذ بهما ويشفع عند ربه ويقول: يا رب! لا أدخل الجنة إلا مع والدي، فيشفعه الله فيهما، لاحتساب الأجر عند الله ﷾ والصبر عنده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534532,"book_id":2827,"shamela_page_id":321,"part":"14","page_num":14,"sequence_num":321,"body":"موقف الشهيد من الشفاعة\rوهناك مشهد آخر، فالشهيد ورد أنه يشفع لسبعين من أهل بيته، فلك أن تتصور كيف حال الشهيد مع أهل بيته في عرصات القيامة، فيختار منهم سبعين يطلب لهم الشفاعة ويشفعه الله فيهم، فهل سيقدم على والديه أحداً؟ هل سيقدم على زوجه وأولاده أحداً؟ الجواب لا.\rلكن سينتقل أيضاً إلى الآخرين، ولك أن تتأمل حالك -يا عبد الله- وأحد أقربائك من الشهداء وأنت في هول فظيع، وهو صاحب لك في الدنيا يعرفك، أراك ستقبل عليه تريه وجهك لعله يتذكرك فيعدك من السبعين الذين يطلب الشفاعة لهم، فما حال ذلك الذي يسخر من الشهداء في سبيل الله ويقول: فلان مجنون راح للجهاد ومات فيه، أمه مسكينة ذهب ولدها ومات في سبيل الله، لكن أن يموت في حادث سيارة أو يموت مدمناً للمخدرات، فهذا حدث عادي لا يستنكره الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534533,"book_id":2827,"shamela_page_id":322,"part":"14","page_num":15,"sequence_num":322,"body":"تصنيف وتمييز أهل الجنة والنار\rويجتمع العباد ويأتي الهول الفظيع، وسأحكي الحديث لأنه يصور الأمر صورة واضحة تماماً، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵌ قال: (يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك.\rثم يقول الله: أخرج بعث النار.\rقال -أي آدم-: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة.\rقال ﷺ: فذاك حين يشيب الصغير، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: يا رسول الله! وأينا ذلك الرجل؟ ولكن البشير ﷺ قال لهم: أبشروا؛ فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجلاً.\rثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة.\rثم قال: شطر أهل الجنة).\rمشهد فظيع (أخرج بعث النار يا آدم) وهو أبو البشر، فما حالك يا عبد الله؟ هل تكون من هؤلاء الذين يؤمر بهم إلى النار، أم من أولئك الذين يؤمر بهم إلى جنات النعيم؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534534,"book_id":2827,"shamela_page_id":323,"part":"14","page_num":16,"sequence_num":323,"body":"الجزاء والمقر الأخير\rرابعاً: الجنة والنار:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534535,"book_id":2827,"shamela_page_id":324,"part":"14","page_num":17,"sequence_num":324,"body":"جزاء أهل الشقاوة\rونبدأ بالنار أعاذنا الله وإياكم منها: والصراط منصوب على متن جهنم يمر عليه الناس جميعاً، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، يقول الرسول ﵌: (ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء) متفق عليه.\rونار جهنم يلقى فيها من أهل النار الأعداد الكثيرة، والكافر فيها يضخم جسمه حتى يصير ضرسه مثل جبل أحد، كما ثبت في الحديث الصحيح، وما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام، فتصور الكافر بهذا الحجم العظيم، ويلقى فيها الكفار جميعاً، ويتكردس من يتكردس من عصاة الموحدين، والنار تشتد تغيظاً وزفيراً ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]، نار قعرها بعيد، الحجر يهوي فيها سبعين خريفاً لا يبلغ قعرها.\rوجهنم -أيها الأخ- يؤتى بها يوم القيامة، فهل تصورت جهنم يؤتى بها ونحن في القيامة واقفون بين يدي الله للحساب والجزاء، وهل تصورت كيف يؤتى بها؟ روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك)، ألا ما أعظمها من نار! نسأل الله ﵎ أن ينجينا منها.\rوأبواب الجنة ثمانية، لكن أبواب النار سبعة ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤] ويساق الكفار إلى جهنم زمرا، أي: جماعات.\rأيها الأخ المسلم! وصف النار فظيع جداً، إن الناس في الدنيا يتقون الحر والكرب بالماء والهواء، والحر هو الكرب في الدنيا، ونجد كثرة استخدام الناس الماء والهواء للتبريد والظل بعداً عن الشمس وحرارتها، لكن النار يكون أهلها في عذاب شديد حتى في هذه الأمور الثلاثة، فأهل النار في سموم وفي ظل من يحموم وماؤهم الحميم الذي بلغ الغاية في الغليان ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة:٤٣]، وهو ظل دخان نار جهنم ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤٤]، ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣٣]، ومن ثم فهذه النار لا تبقي ولا تذر، بل تدمر كل شيء وتأكل كل شيء، وهذه النار وقودها الناس والحجارة، وهي دائمة لا تنقطع ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧].\rوهي نار تتكلم، فهل تصورت ناراً تتكلم؟ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يخرج يوم القيامة عنق من النار لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، تقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين) صححه الترمذي.\rوأما الحالة الاجتماعية فالأقارب في نار جهنم، والضعفاء والأسياد حالهم شر حال، وأهل النار يلعن بعضهم بعضاً ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨]، ويكون الحوار بين الضعفاء والمستكبرين، ولكنه حوار لا ينفع، إنها الدعاوى التي لا تقبل أبداً.\rهل تأملت -أيها الأخ- ذلك اليوم وأمامك نار جهنم حين تزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى جثا على ركبتيه من الخوف؟ هل تصورت المشهد فعملت لذلك المشهد؟ يا عبد الله! تذكر في جميع أحوالك في هذه الدنيا نار جهنم، وتمثل ذلك اليوم وأنت ذليل خائف وجل لا تدري متى يؤمر بك إلى النار، إن هول ذلك اليوم أقض مضاجع الصالحين العابدين القانتين، فكان الواحد منهم يبكي فإذا قيل له: ألست على كذا وكذا من الخير؟ فيقول: ولكن أخاف في ذلك اليوم أن يقول الله: خذوه إلى النار ولا يبالي ﵎.\rيوم يغضب الله فيه غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإذا كان هذا حال الصالحين فكيف حال المقصرين؟ ألا يخاف العبد أن يأمر الله الملائكة بأن تأخذه إلى نار جهنم ولا يبالي ﵎ وهو الغني عن العالمين؟ ويشتد الهول في نار جهنم حين يذبح الموت، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534536,"book_id":2827,"shamela_page_id":325,"part":"14","page_num":18,"sequence_num":325,"body":"جزاء أهل السعادة\rويقابل أحوال أهل النار الأحوال الأخرى النيرة المضيئة، أحوال أهل الجنة، يدخل الجنة أهلها زمرا، وتفتح لهم الأبواب قبل ذلك، فما أطيبه من مدخل! ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].\rهل تصورت دخول أهل الجنة الجنة، هل تخيلت اللحظة التي فيها تخطو أول خطوة إلى الجنة، الإمام المجاهد أحمد ﵀ قال له ولده: يا أبتي متى تستريح؟ قال: يا بني! عند أول خطوة نخطوها إلى الجنة.\rتأمل كيف يختصر الإمام أحمد أكدار الدنيا وأحزانها، ويختصر -وهو الخبير بالسنة والكتاب- أهوال القيامة كلها، ويرى أن الأمر لا يستقيم لراحة عبد حتى يخطو أول خطوة ليأمن في ذلك اليوم الذي هو يوم الفزع الأكبر، فيا بشرى المؤمنين إذا دخلوا الجنة في نعيم متنوع فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نعيم يكفي أن موضع السوط فيه خير من الدنيا وما فيها، يكفي أن غطاء رأس المرأة -نصيفها- في الجنة خير من الدنيا وما فيها.\rومن مشاهد الجنة العظيمة التي يعظم فيها الفوز المبين، اجتماع الشمل والتئام الأحبة في الجنة، فيا طيبه من مقام إذا اجتمعت فيها الأحبة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، فيا طيب جنة معك فيها الأبوان والزوجة والأولاد والأحبة على سرر متقابلين في جنات النعيم! هل تصورت ذلك اليوم الذي تخطو فيه أول خطواتك في جنات النعيم؟ إنه مشهد تحصل عليه بقليل من العمل؛ لكن بإخلاص للواحد القهار ﵎.\rوفي الجنة يعظم الأنس ويكثر حديث المؤمنين عن أحوالهم فيها، فما أطيبها من أحاسيس! وفي الجنة أيضاً يعظم حال المؤمنين حين يرون أهل النار في نار جهنم، وفي المقابل يشتد الأمر على الكافرين حين يرون أهل الجنة.\rأيها الأخ المسلم! هذا المشهد من أعظم المشاهد، وتصور أهل الجنة في نعيم، وأهل النار في عذابهم ينظر بعضهم إلى بعض، تصور أنك في الجنة تنظر إلى أهل النار وما فيها من العذاب والنكال، وتصور أنك في النار تنظر إلى أهل الجنة وما فيها من النعيم، أي الحالتين تختار يا عبد الله؟ وأي الحالتين تختارين يا أمة الله؟ ((وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)) [الأعراف:٥٠]، فأهل الجنة يكلمون أهل النار ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠].\rويطلع المؤمن على أهل النار فيتذكر صاحباً له من قادة الضلالة كان يسخر منه ومن إيمانه، يبحث عنه ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] أي: في وسط نار جهنم، فيكلمه وهو في الجنة وذاك يسمع وهو في نار جهنم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] إنهم الأصدقاء والصديقات أيها الأخ في الله وأيتها الأخت في الله! ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨].\rعجيب -أيها الأخ- حديث أهل الجنة مع أهل النار، اجعل هذا المشهد أمامك دائماً، واقرأ الآيات إذا مررت عليها في كتاب الله ﵎ بتدبر ويقظة.\rويتم النعيم بزوال الخوف والأحزان والأكدار حين يؤتى بالموت ويذبح بين الجنة والنار، ويقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.\rثبت ذلك في حديث صحيح عند الشيخين.\rأما تمام النعيم وأعظمه فهو يوم المزيد، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٤ - ٣٥]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فسرها الصادق المصدوق ﷺ بأن الزيادة رؤية المؤمنين لربهم ﵎ في الجنة.\rفيا له من يوم ما أعظمه! وما أشد سرور المؤمنين حين ينظرون إلى ربهم عياناً كما نرى الشمس اليوم ليس دونها سحاب، وكما نرى القمر ليلة البدر! يرون ربهم فيصيبهم من النور والضياء، ويجدون من اللذة ما يصغر معه نعيم الجنة على ما فيها من أنواع النعيم، ويرجعون إلى بيوتهم قد ازدادوا نوراً وضياءً، فهل اشتقت -يا عبد الله- إلى رؤية الله ﵎ (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه).\rوتختم الأهوال أهوال أهل النار وفظاعتها، وتختم الأحوال أحوال أهل الجنة وطيبها بذلك الأمر المفظع، وهو الخلود أبد الآباد، فأهل الجنة يخاطبهم ربهم ﵎ فيقول: (ماذا تريدون؟ فيقولون: وماذا نريد يا ربنا، ألم تبيض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجنة؟ فيقول الله ﵎: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) ولهذا تكون خاتمة قول أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥].\rأما أهل النار فيا شدة ذلك اليوم حين يقال لهم: خلود فلا موت.\rأيها الأخ في الله! هل من طالب وراغب إلى الجنة؟ أخبرنا رسول الله ﷺ عن أدنى أهل الجنة منزلة، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة أن الله يعطيه من نعيم الجنة مثل الدنيا من أولها إلى آخرها عشر مرات، إذاً فما حال المؤمنين الصادقين والمقربين والشهداء؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534537,"book_id":2827,"shamela_page_id":326,"part":"14","page_num":19,"sequence_num":326,"body":"دعوة إلى العمل\rأيها الأخ في الله! هذه الأحوال والأهوال التي عرضنا لمشاهد منها نريد منها عبرة واحدة، ألا وهي تجديد المسار وصدق التوبة، والبدء بحياة جديدة تهاجر فيها إلى الله وإلى رسوله ﷺ، إلى الله بالتوحيد والإخلاص والمحبة والطاعة والامتثال، وإلى رسوله ﷺ بالاتباع بعيداً عن الابتداع.\rفهل نبدأ المسيرة فينطلق الأب والأم والزوج والزوجة والأخ والأخت؟ هل نأخذ من هذا عبرة لنجدد ونحدد المسار؟ اللهم آمنا من أهوال تلك الأيام، اللهم آمن روعنا يوم الفزع الأكبر، اللهم آمن روعنا يوم الفزع الأكبر، اللهم آمنا في ذلك اليوم ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وإخواننا وجميع المسلمين.\rاللهم إنا نسألك أن تغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات، اللهم اغفر لهم ولمن دعوا له، اللهم كما جمعتنا في الدنيا نسألك أن تجمعنا في الجنة على سرر متقابلين، اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين، وأن تعزه، وأن تنصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم أجب دعاءنا، اللهم لا تردنا خائبين يا رب العالمين.\rوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534538,"book_id":2827,"shamela_page_id":327,"part":"15","page_num":1,"sequence_num":327,"body":"الجواب ما تراه لا ما تسمعه\rتواجه الأمة الإسلامية محناً كثيرة على كافة المستويات، ففي بقاع كثيرة سلبت أرضها، وقتل رجالها، ويتم أطفالها، وانتهكت أعراضها، ومن جهة أخرى هناك تسلط فكري من قبل الأعداء على هذه الأمة، وما نرى من فتن ومغريات ما هو إلا صورة من صور هذا الغزو الفكري الماكر وأمام هذا كله ليس هناك حل أنجع من الحل العملي والجواب الفعلي، فلن تنفع الكلمات ولا المقالات إلا إذا تبعها العمل بشتى صوره وأساليبه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534539,"book_id":2827,"shamela_page_id":328,"part":"15","page_num":2,"sequence_num":328,"body":"الحرب الموجهة على الإسلام والمسلمين\rالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فهذا الدرس هو بعنوان: (الجواب ما تراه لا ما تسمعه)، وهذا العنوان له قصة، ولكن قبل أن أسوقها أقول: إن الناظر في أحوال المسلمين اليوم يجد أمرين: أحدهما: أن الإسلام الذي أكرمنا الله ﵎ به وأنعم به علينا أعظم نعمة هو دين الله الحق الباقي الذي لا يقبل من أحد ديناً سواه بعد بعثة محمد بن عبد الله ﷺ، وهو الذي ترتفع رايته اليوم في مشارق الأرض ومغاربها على رغم أنف أعداء الدين كلهم.\rورسول الله ﵌ أخبرنا وبشرنا بأن هذا الدين سيبقى إلى آخر الزمان، وسينتشر في الأرض حتى يبلغ ما بلغ الليل والنهار، فلا يبقى بيت وبر -شعر- ولا مدر -طين- إلا دخله هذا الدين العظيم بعز عزيز أو بذل ذليل.\rوهذه حقيقة كبرى نلمسها ونعلمها ونوقن بها، ونحمد الله ﵎ ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، نحمده -وهو للحمد أهل- ونشكره ﵎ على أن مَنَّ علينا بنعمة الإسلام فأصبحنا مسلمين، لسنا يهوداً ولا نصارى ولا وثنيين، بل حنفاء مسلمون لله ﵎، وتلك نعمة لا يمكن لأحد أن يعرف قدرها وعظمتها.\rأما الأمر الثاني فهو أنه في مقابل ذلك -أعني في مقابل ما عرفناه من أن دين الله الإسلام هو الدين الحق- أننا نرى حرباً موجهة إلينا نحن -المسلمين- وموجهة إلى ديننا العظيم بشتى أنواع الوسائل، فقد استخدم فيها أعداء الله وأذنابهم كل ما يملكون من قوى ووسائل إعلامية وغير إعلامية لحرب المسلمين وصدهم عن دين الله ﵎، وهذا أمر لا أظن أحداً منا يشك فيه.\rفهي حرب عقدية بمختلف وسائل الإعلام، وأخص منها تلك الوسائل التي تأتي من فوق من خلال الذبذبات والأطباق لتدخل قعر بيوت المسلمين المؤمنين لتشككهم في دينهم وعقيدتهم.\rوهي أيضاً حرب أخلاقية مركزة على شباب المسلمين وعلى المرأة المسلمة وعلى الأسرة المسلمة وعلى الطفل المسلم، حرب تريد أن تغير في نفوسنا معالم ما أكرمنا الله به من الإيمان والغيرة على دين الله والغيرة على محارم الله ﵎، حرب تريد أن تنزع من نفوسنا وقلوبنا هذه الغيرة، فنرى المنكر وربما يقع فيه بعضنا ولا تتحرك فيه هذه الغيرة؛ لأن تلك الوسائل صارت تدق كل ليلة على وتر الفساد الأخلاقي والعري والرقص والغناء ومختلف وسائل الإفساد، ليخرج في النهاية شباب أو مجتمع نزعت منه الغيرة، والرسول ﷺ يقول: (إن الله يغار)، وهو أيضاً ﷺ يغار، والمؤمن أيضاً يغار على محارم الله حين تنتهك.\rوهي أيضاً فوق كونها عقدية وأخلاقية هي حرب فكرية متنوعة موجهة إلى مختلف أصناف المجتمع، يريدون منا أن نتخلى عن ديننا وننحرف عنه ولو شيئاً فشيئاً، وأعداء الله ﵎ لا يمكن أن يكلوا ولا أن يتركوا ما هم فيه من كيد لدين الله ﵎؛ لأن الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية، بل ربنا ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام:١١٢]، فالنبي الموحى إليه من عند الله جعل الله له عدواً؛ لأن الصراع بين الحق والباطل لا بد منه، ومن هنا فنحن لا ننتظر ولن ننتظر من أعدائنا في الشرق والغرب ومن أذنابهم من العلمانيين والحداثيين وغيرهم، لن ننتظر منهم إلا أن يسلكوا هذا المسلك الذي سلكوه، وهو أن يستغلوا ما أوتوا من قوى وقدر لحرب الإسلام وصرف المسلمين عن دينهم، ونحن لا ننتظر غير ذلك.\rلكن يبقى السؤال الكبير: كيف نقف أمام هذه الحرب المتنوعة مع علمنا بالحقيقة الأولى، وهي أن دين الإسلام حق وباق ومنصور ومن تمسك به فهو الغالب؟ كيف نواجه هذه الحرب المتنوعة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534540,"book_id":2827,"shamela_page_id":329,"part":"15","page_num":3,"sequence_num":329,"body":"مواجهة الحرب على الإسلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534541,"book_id":2827,"shamela_page_id":330,"part":"15","page_num":4,"sequence_num":330,"body":"الجواب العملي على أعداء الإسلام\rالأمر الثاني: ينبغي أن يكون جوابناً عملياً لا نظرياً.\rوقد عنونت للموضوع بعنوان: (الجواب ما تراه لا ما تسمعه)؛ لأن هذا هو الذي عرفناه من تاريخ الإسلام، وهذه العبارة قالها أحد خلفاء بني العباس، وهو هارون الرشيد.\rوقد شوه المستشرقون والمبشرون وأذنابهم كـ جورجي زيدان وغيره تاريخ هذا الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي كان يحج عاماً ويغزو عاماً.\rهذا الخليفة أرسل إليه أحد ملوك الروم -واسمه نقفور - أرسل إليه خطاباً يتوعده فيه، ويقول له: إنك فعلت وفعلت، وكان قبلي من هو ضعيف، أما وقد أتيت فسأفعل وأفعل وأفعل.\rيهدد المسلمين ويهدد الخليفة العباسي هارون الرشيد ويتوعده.\rفماذا فعل هارون الرشيد؟ هل قابل هذا الهجوم بما نسمعه اليوم من صراخ وهجوم إعلامي كما نسمعه في قضية فلسطين؟ اليهود يخططون ويفعلون، ونحن إذا تكلمنا تكلمنا بصراخ ليس وراءه شيء.\rأخذ هارون الرشيد الخطاب، ومن باب الاستهتار بصاحبه كتب على ظهره -لأنه لو كان مكرماً لحفظ الخطاب عنده وكتب له خطاباً جديداً- كتب على ظهره عبارة مختصرة يقول له فيها: من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه لا ما تسمعه.\rوكان الجواب تطبيقاً عملياً لهذه الرسالة؛ بأن سير في يومه ذاك جيشاً لجباً انطلق من موطن الخلافة العباسية إلى بلاد الروم، فأدب نقفور ومن وراءه.\rإذاً جواب هارون الرشيد هو الجواب العملي.\rوأمام هذه الحرب الموجهة إلينا نحن -المسلمين- والمركزة في كثير من فنونها علينا نحن -الشباب- وعلى المرأة المسلمة نقول: ما الذي ينبغي أن يكون عليه جوابنا؟ إن الذي يجب أن يكون عليه جواب الشباب المسلم -بل وكل المسلمين- هو الجواب العملي، أن يقول المسلم فيه بلسان الحال لا بلسان المقال: يا أعداء الله! أنتم تحاربونني بكل الوسائل، فجوابي جواب عملي سأزداد فيه التزاماً، جوابي جواب عملي سأزداد فيه ثقة بديني وعقيدتي، جوابي فيه جواب عملي سأحرص على الصلاة ولن أتخلف عنها أبداً، جوابي فيه جواب عملي أتعلم فيه أمور ديني لأنه أعظم دين، جوابي فيه جواب عملي ألتقي فيه بإخواني من الشباب الطيب لنتآخى ونتآزر على الاستقامة والسير على المنهج الصحيح، جوابي جواب عملي أبتعد فيه عما حرم الله علي، تحاربونني بهذه الوسائل والأطباق! جوابي أنني أقاطعها عملياً، لا أكتفي فيها بالقيل والقال، وإن كنت أقول وأتكلم وأعظ الناس وأبين لهم، لكن واقع حالي هو أن جوابي هو الجواب العملي، أقاطع هذه الوسائل، أقاطع هذه الحرب الشعواء لألتف على نفسي وديني وعقيدتي وصلاتي وأخلاقي وإخواني المسلمين من الشباب الطيب.\rفليكن الجواب جواباً عملياً، ليقل الواحد منا وهو يرى هذه الحرب الشعواء المتنوعة علينا نحن -المسلمين- ليقل فيها: جوابي لكم هو ما ترونه لا ما تسمعونه، انظروا إلى تجدوني شاباً ملتزماً، انظروا إلي تجدوني في المساجد أحافظ على الصلاة، انظروا إلي تجدوني معرضاً عن تلك المجتمعات والأسواق التي تعج بالمفسدين، انظروا إلي أحارب هذه الأطباق وهذه الوسائل الإعلامية المفسدة، جوابي عملي بأنني واثق بديني، واثق بربي، واثق بمنهاجي، أرجو فيه ثواب الله، أرجو بذلك السعادة والطمأنينة في الدنيا والفوز بجنات عرضها السماوات والأرض عند رب العالمين، وليس بيني وبين ذلك إلا أن تنتهي هذه الدنيا الدنية القصيرة لأرجع إلى ربي ﷾ وما أعد لعباده المؤمنين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\rأرأيت كيف ينبغي أن يكون جوابنا نحن -المسلمين وأخص منهم الشباب- جواباً عملياً، يقول فيه لكل داعية إلى الفساد: الجواب ما تراه لا ما تسمعه، لن أقول كلاماً كثيراً، وإنما سأعمل كثيراً، سترى من حالي وشكلي، سترى من عباداتي وأعمالي، سترى من تصرفاتي وأخلاقي ما يدل على جوابي العملي.\rليكن الشاب المسلم وهو يسير في هذه الحياة شاباً يجيب أعداء الله وهم في أقصى مشرق الدنيا ومغربها، ويقول لهم: حاربوني بكل ما شئتم، حاربوني بكل الوسائل التي أعطيتم إياها، فوالله لن تجدوا مني إلا جواباً واحداً حقاً، هو أنني كلما حاربتموني ازددت تمسكاً وثباتا ًعلى ديني.\rوهذا الجواب نفسه ينبغي أن تقوله المرأة المسلمة، حين يوجه الهجوم على حجابها وعلى عفافها، وتتنوع الوسائل التي تريد أن تنزع المرأة من عفتها وحشمتها وبيتها، لتخرج مقلدةً أهل الشرق والغرب من الكفار، ليكن جواب المرأة المسلمة وهي أم وزوجة وأخت هو: يا أيها المحاربون للمرأة المسلمة! يا أيها المدعون لتحريرها وهم كاذبون! يا أيها المنوعون لوسائل حربهم! الجواب ما ترونه لا ما تسمعونه، حاربوني في كل وسائل الإعلام، سيكون جوابي عملياً، زيادة في حجابي، زيادة في استقراري ببيتي، زيادة في توكلي على ربي وعبادتي لربي، زيادة في دعوتي إلى الله لأخوات مسلمات أدعوهن للتمسك بدين الله ﵎، زيادة في بعدي عن كل بهرج وكل وسيلة تريد أن تفسدني، زيادة في كل عمل صالح يقربني إلى ربي ﵎.\rوليكن عنوان جوابها هو: (الجواب ما ترونه لا ما تسمعونه).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534542,"book_id":2827,"shamela_page_id":331,"part":"15","page_num":5,"sequence_num":331,"body":"لا يشترط في مواجهة أعدائنا أن نكون على مثل قوتهم\rإن مواجهة هذه الحرب المتنوعة تحتاج منا إلى أمور، وحتى لا يتشعب بنا الكلام فأحب أن نركز على أمرين: أما الأول منهما فهو أن نعلم أنه ليس من شرط انتصارنا على أعدائنا وعلى حربهم الفكرية والعقدية وغيرها ليس من شرط ذلك أن نكون مثلهم في القوة، فلا ينبغي لقائل من المسلمين أو الدعاة إلى الله ﷾ أن يقول: إننا لن ننتصر على أعداء الله في الشرق والغرب حتى نكون مخترعين للأطباق والصواريخ والكمبيوتر وغيرها، لنكون مثل العدو، حتى نحاربهم بمثل ما هم يفعلون.\rنحن لا ننتظر هذا، ولم نكلف بهذا، وهذا من رحمة الله بنا.\rأتدري ما الذي كلفنا به؟! لم نكلف بأن نكون مثل عدونا في القوة، يقول ﵎ للمؤمنين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠].\rفالمطلوب من المسلمين أن يعدوا ما استطاعوا، ولو كانت مقدرتهم العَددية والعُديَّة محدودة، فالواجب عليهم مع الإيمان والإخلاص أن يعدوا ويأخذوا بالأسباب المادية بما استطاعوا فقط، ونحن نعلم أنه في تاريخ المسلمين منذ عهد المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما رأينا مواجهة بين المسلمين وأعدائهم كان المسلمون فيها مثل عدوهم أو أكثر، بل كل معاركهم -تقريباً- كان المشركون فيها أكثر من المسلمين أضعافاً مضاعفة، وكانت نتائج ذلك كله -تقريباً- أن الله ينصر عباده المؤمنين.\rإذاً ونحن نشاهد هذه الوسائل ينبغي أن لا نيأس، ينبغي أن لا يصيبنا رعب من هذه الوسائل لنعلن أن العدو مسيطر، ولم يبق لنا إلا أن نستسلم له.\rنقول: لا وألف لا! نحن مسلمون أكرمنا الله بالإسلام، فإذا توكلنا عليه واعتصمنا به وأخذنا بالأسباب ولو كانت قليلة؛ فإن الله ﵎ ناصرنا وراد عنا كيد الكائدين، والله ﵎ يقول -ومن أصدق منه قيلاً وحديثاً-: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ويقول سبحانه وتعال موجبا ًعلى نفسه شيئاً لا يجب عليه لكنه أوجبه على نفسه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].\rفنحن إذا تمسكنا بديننا وأخذنا بما استطعنا من وسائل في الدعوة إلى الله، في رد كيد الكائدين، وفي تبصير الناس بدينهم، وفي مقاومة هذا الغزو الفكري والأخلاقي، وفي مقاومة العدو بمختلف الوسائل، متى ما أخذنا نحن -المسلمين- بهذه الوسائل مع اعتمادنا وإخلاصنا وتوكلنا على ربنا ﷾ فلنعلم أن سنة أن الله ينصر عباده المؤمنين ولو كانوا أقل عدداً وعدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534543,"book_id":2827,"shamela_page_id":332,"part":"15","page_num":6,"sequence_num":332,"body":"حاجتنا إلى الجواب العملي\rنحن بحاجة ماسة إلى هذا الجواب العملي، فهذا الجواب العملي هو الذي يضفي على القلب وعلى الجسم نور الإيمان ونور العمل الصالح والتقوى والاستقامة ونور البصيرة وانشراح الصدر.\rفإن كل من سلك مسلكاً من مسالك الباطل فلا بد أن تغيم عليه وتخيم على قلبه قسوة القلب وظلمته ووحشته، وهذا لا شك فيه أبداً؛ لأن المعاصي لها ظلمة على القلب، حتى لو رأيت صاحبها يضحك ويقهقه وكأنه مسرور، فلا والله، إنه يضحك ويريد أن يضحك لشدة ما يجده في داخل قلبه من ظلمة ووحشة.\rوفي مقابل ذلك تجد الشاب المؤمن وهو يجاهد نفسه ويجاهد شهواته ويجتهد في طاعة ربه قوي الإيمان منشرح الصدر؛ لأن الله تبارك وتعال قد وعد من التجأ إليه وتوكل عليه وعمل بطاعته أنه لا يشقى في الدنيا ولا في الآخرة.\rوتصور وعداً ربانياً لإنسان لا يشقى في الدنيا والآخرة.\rمن هو؟ إنه الشاب الملتزم، إنه الرجل الملتزم.\rوإذا تركت ليلة دعاك إليها صديق السوء لتسمر وذهبت إلى الطيبين، أو نمت على خير وصليت صلاة الفجر فاعلم -أيها الشاب المسلم- أنك -والله- قد نلت فوزاً عظيماً، وأن رحلة أولئك إلى موطن الفساد لن يزيدهم إلا فساداً ووحشة وضلالاً وانحرافاً وتعقيداً في حياتهم.\rوهذه سنة الله ﵎، أن من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكاً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]-يعني في الدنيا- ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].\rالسعادة هي أن نكون مؤمنين وأن نكون شجعاناً في الثبات على الحق.\rولتكن هذه الكلمة عنواناً لحياة الشاب المسلم، بأن يقول: يا أعداء الله! يا من تحاربوننا بكل الوسائل! الجواب هو ما ترونه لا ما تسمعونه ستجدون مني التزاماً وطاعة؛ لأن هذا هو الذي يريحني، وهو الذي يسعدني، وهو الذي يرضيني، وهو الذي يرضي ربي في الدنيا والآخرة، ونعمت التجارة الرابحة بين العبد وبين ربه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534544,"book_id":2827,"shamela_page_id":333,"part":"15","page_num":7,"sequence_num":333,"body":"نماذج يتبين بها بعد ما بين ظلمة العصيان ونور الإيمان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534545,"book_id":2827,"shamela_page_id":334,"part":"15","page_num":8,"sequence_num":334,"body":"المغني الصومالي الذي تاب إلى الله\rأما المثال الآخر فهو لشخص معاصر لنا يعيش الآن في مدينة الرياض، وهو من بلد الصومال، كان هذا الرجل مطرباً مغنياً في بلد الصومال، وبلغ في الطرب والغناء شأواً بعيداً، حتى إنه كان يقيم حفلات لرئيس الصومال السابق زياد بري وأولاده ووزرائه، وصار مطرباً مشهوراً على مستوى الصومال من أوله إلى آخره، وكان يقيم الاحتفالات بأغلى الأثمان، فأصبح من الشباب الذين اجتمع لهم الجاه والشهرة والمال والعلاقات مع كبار القوم، واستمر على ذلك ردحاً من الزمان، لكن هل وجد في هذه الأشياء الراحة والسعادة؟ كان بداية أمره أن تزوج، وكان نساء الصومال من أولهن إلى آخرهن يتمنين هذا الشاب للصوت الجميل، والمطرب المؤثر على مستوى الدولة تتمنى كل واحدة أن يكون زوجها، لكنه تزوج من إحدى قريباته، يقول: فلما تزوجت كنت أظن أن هذه الفتاة التي تزوجت بها ستكون أسعد الناس.\rيقول: وتم الزواج، ثم بعد ذلك كنت أذهب لأحيي بعض الحفلات، ثم بعد أن أكون نلت الشهرة والمال والتصفيق أرجع إلى عروسي وإلى بيتي لأنعم معها بذلك الرضا وتلك الشهرة، يقول: فكنت إذا أقبلت عليها أنتظر منها أن تستقبلني بما أنا أهله وبفرح؛ لأنني أوقن أن كل فتاة تتمنى أن يكون هذا الشاب زوجاً لها، نعم هي تستقبلني استقبالاً طيباً، ولكنني لا أجد فيها الفرح الذي أظن أنني أعطيتها إياه بهذه الشهرة والمكانة والمال ونحو ذلك، يقول: وشيئاً فشيئاً إذا بي أحس أنها غير مرتاحة، وليست غير مرتاحة لسبب سوى سبب واحد، وهي أنها غير مرتاحة لهذا الأمر، فلم تزل به شيئاً فشيئاً حتى تاب إلى الله ﵎، وترك الشهرة والمال والجاه والطرب.\rفقد يكون الواحد منا ليس عنده جاه ولا عنده مال، فيقول: من أنا؟! سيان التزمت أو لم ألتزم! نقول: أنت الرابح على كل حال.\rولكن قد يوجد نموذج مثل هذا، اجتمعت له القمة التي يسعى إليها بعض الناس فيبيع لأجلها دينه ليرقى إلى الشهرة، أو يرقى إلى المال، أو يرقى إلى الجاه، ولكن هذا النموذج يبيع هذه كلها في سبيل الله ﵎.\rإذاً هو نموذج يقصر عليك الطريق يا أيها الشاب، يا من لك طموحات، قد تنظر إلى لاعب بلغت شهرته الآفاق، أو مغن يحضر حفله الألوف، أو رجل مشهور تتحدث عنه الصحف ووسائل الإعلام، فتقول: ما أحسن هذه الشهرة! نقول لك: يا أيها الشاب المتبصر! تمعن في الأمر، هل هذا الذي اشتهر به يقربه إلى الله؟ هذا هو المقياس الحقيقي، فاختصر الطريق، وخذ العبر والدروس من هذه الحياة، وانظر إلى غيرك، واعرف ما هي الأشياء التي تجلب السعادة الحقيقية، وما هي الأشياء التي تجلب الشقاء وغضب الجبار ﷻ، ولتكن صاحب عين وبصيرة.\rهذا الشاب تاب إلى الله وترك الجهل، حاولوا معه حتى قبل أن يجري على الصومال ما جرى، ولكنه ترك ذلك، ثم قدم إلى هذه البلاد المباركة ليعيش فيها عيشة هنية، وهو في الرياض اليوم، ومعه خمسة أولاد أربع بنات وابن واحد، ويسكن في بيت صغير.\rوالرجل فقير كما أعلم من حاله، لكنه يقول لي بالحرف الواحد: والله إني -والحمد لله- في سعادة ليس فيها أحد، اثنان من أولادي حفظا القرآن الكريم كاملاً، وثلاثة منهم الآن في طريقهم إلى حفظه.\rومع ذلك فإن عليه ضغوطاً نفسيةً، يقول: أحياناً يأتيني الشيطان فيذكرني بما كان لي من جاه.\rالشيطان حريص على كل إنسان، وخاصة مثل هذا؛ لأن الشيطان يجد لديه تاريخاً يحييه، فالشيطان يحاول أن يحيي لأصحاب المعاصي تاريخهم، فهو يوسوس للشاب الذي تاب إلى الله، ويقول له: تذكر السهرة الفلانية، تذكر كذا، تذكر كذا.\rفلابد أن يتغلب الشاب على هذه الوسوسة ويصرفها بسرعة ويتقي الله ﷾ ويعود إلى ربه ويبادر إلى العمل الصالح، لا أن ينساق مع الوسوسة من شياطين الإنس وشياطين الجن.\rيقول لي هذا الرجل: فأحياناً تأتيني الوسوسة تذكرني بالمال وأنني الآن فقير، تذكرني بالجاه حين كان رئيس الجمهورية وأولاده يتصلون بي.\rمَنْ مِنَ الناس يتصل به؟ رئيس الجمهورية وأولاده والوزراء وغيرهم! يقول: فكلما كثرت الوساوس أذهب لأقرأ قصة مصعب بن عمير.\rونحن نعرف قصة مصعب بن عمير، ذلك الشاب الذي كان أنعم شباب مكة، فلما أسلم حرمته أمه وأهله المال، فصار فقيراً جداً، وكان أول داعية إلى الله في المدينة النبوية، واستشهد ﵁ وأرضاه، فلما استشهد لم يجدوا له كفناً إلا بردة قصيرة إذا غطوا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا بها رجليه بدا رأسه، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد وقف أمامه: (لقد رأيتك بمكة وما بها أحدٌ أرق حلةً ولا أحسن لمةً منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة)، ثم أمر به أن يقبر، وأمر بأن يغطى بها رأسه وأن يوضع على رجليه من الإذخر.\rيقول هذا الرجل -أسأل الله أن يثبتني وإياكم وإياه-: إذا جاءتني الوساوس ذهبت إلى قصة مصعب بن عمير فتذهب عني الوساوس.\rمصعب بن عمير ترك الدنيا من أولها إلى آخرها، لكن بقي له أنه صحابي جليل، أنه الداعية الأول إلى المدينة، أنه الشهيد في سبيل الله الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن انظر إلى أهل الفساد في الأرض بعد أن انتهت الشهرة وانتهى المال وغيره، ماذا بقي لهم؟ لم يبق لهم إلا التاريخ الأسود والذنوب والأوزار؛ لأنه إذا عمل ذنباً انتشر هذا الذنب، فعليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة؛ فإن المطرب أو المغني يأتي بكلمات مبتذلة فيها دعوة إلى الفحش والتفحش، ثم بعد ذلك تحفظ هذه الأغنية، فكل من تأثر به وضل فعليه وزره إلى يوم القيامة.\rإذاً ينبغي أن يكون جوابناً ونحن نواجه هذه التحديات المتنوعة -وعلى رأسها التحديات الفكرية والعقدية والأخلاقية الموجهة إلينا نحن الشباب- ينبغي أن يكون جوابنا هو أن نقول لهم: (الجواب ما تراه لا ما تسمعه)، وقد عرفت تفاصيل هذه الكلمة وأنها الجواب العملي الذي يجيب به الملتزم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534546,"book_id":2827,"shamela_page_id":335,"part":"15","page_num":9,"sequence_num":335,"body":"أبو سفيان بن الحارث\rدعني أضرب لك مثلين فيما يتعلق بظلمة البعد عن الله ونور الإيمان، أحدهما قديم، والآخر حديث صاحبه معاصر وموجود في مدينتنا، أما المثال القديم فهو في زمن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالنبي ﵊ لما بدأ دعوته استجاب له القلة وحاربه الكثرة، وكان ممن حاربه بعض أقاربه، وعلى رأسهم الهالك الممقوت الموصوف بالقرآن أبو لهب عم الرسول ﷺ، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥].\rوكان أيضاً ممن حارب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرابته ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، وهو غير أبي سفيان بن حرب والد معاوية بن أبي سفيان، بل هو شخص آخر اسمه أبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا الرجل أبو سفيان بن الحارث كان رجلاً له مكانة في قومه شريفاً نسيباً، وكان شاعراً، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عاداه، وصار يقول الشعر في عداوة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وامتدت عداوته طول العهد المكي، حتى بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد غزوة بدر وأحد والخندق، واستمر على ذلك حتى جاء صلح الحديبية، ثم نقضت قريش الصلح في قصة معروفة، فجاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى مكة فاتحاً، فكان مما أعلنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مقبل على مكة أن فلاناً وفلاناً لا عهد لهم، اقتلوا فلاناً ولو وجدتموه متعلقاً بأستار الكعبة؛ لأنه رجل حرب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يقبل منه شرط ولا عهد، فقال في حق بعضهم: (إذا وجدتموه فاقتلوه ولو وجدتموه متعلقاً بأستار الكعبة)، فكان ممن أهدر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دمه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على مكة ضاقت بـ أبي سفيان هذا الدنيا من أولها إلى آخرها، فماذا يصنع؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقبل على مكة بجيش عرمرم، وقريش مستسلمة ترى أنها لا تستطيع لذلك مقاومة، فماذا يصنع؟ أظلمت عليه الدنيا، وصار ما كان يفعله في السابق من تبجح ومفخرة في قريش وقيادة لحرب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن معه من المسلمين صارت هذه أحلاماً مزعجة؛ لأنه ينتظر العقوبة، فقيل له: يا أبا سفيان لو أنك أتيت إلى محمد بن عبد الله؛ فإنه رجل يقبل من أتاه تائباً! ففكر في الأمر هل يهرب؟ هل يذهب يميناً أو شمالاً؟ فلم يجد له مجالاً إلا أن يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن كيف يأتيه والرسول قد أهدر دمه؟ كل من يراه من المسلمين سيقتله.\rفلما قرب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة ذهب وأخذ معه ولداً له صغيراً عمره قرابة سبع سنوات، لعل رسول الله ﷺ يرق له إذا رأى الطفل الصغير، فأخذ معه ولده الصغير، وذهب ليلقى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان مخفياً نفسه حتى لا يرى، فأتى إلى العباس، فأخذه العباس حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مع أصحابه، فقيل له: يا رسول الله! هذا ابن عمك أبو سفيان فاقبله.\rفأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من شدة الغضب.\rويا له من موقف! ووالله إن موقف العاصي حين يقف بين يدي الله ﷾ لهو أشد ذلاً من هذا الموقف.\rذلك الذي سرح ومرح في معاصي الله يضحك ويلهو لا بد له من الوقوف بين يدي الله ﷾: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم:٤٣]، كل واحد منهم قد رفع بصره إلى السماء في موقف الحساب لا يدري ماذا يؤمر به، حتى إن كثيراً من أهل المحشر -بل كل أهل المحشر- يصابون بالفزع الشديد حين تزفر جهنم، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً.\rأقول: انظر إلى ذل أبي سفيان بن الحارث وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم! فلما أعرض عنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.\rأظلمت عليه الدنيا من أولها إلى آخرها، وقال: والله لئن لم يقبلني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأخرجن أنا وولدي هذا إلى البرية حتى نهلك ونموت عطشاً.\rضاقت عليه الدنيا من أولها إلى آخرها، لكن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي وصفه الله بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ففيه رحمة من رحمة ربه ﷾.\rرحمه لما قال هذا الكلام وقبله، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وصار من كبار المسلمين الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم في سائر المعارك كلها، ومنها معركة حنين، فرضي الله عنه وأرضاه.\rولأنه شاعر فقد سطر تجربته في أبيات من الشعر كان ينشدها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتأمل قوله ﵁ وأرضاه وهو يحكي تاريخه الجاهل وما أكرمه الله به من الإيمان ونور الإسلام، يقول أبو سفيان بن الحارث ﵁: لعمرك إني يوم أحمل رايةً لتغلب خيلُ اللات خيلَ محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أهدى فأهتدي تصور إنساناً مدلجاً مسافراً في الليل لا أحد حوله ولا عن يمينه ولا عن شماله ثم أظلم عليه الليل! يقول: لكالمدلج الحيران أظلم ليلة فهذا أواني حين أهدى فأهتدي أتاني هادٍ غير نفسي فدلني إلى الله من طردت كل مطرد من هو الذي طرده كل مطرد؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي طرده كل مطرد هو الذي هداه الله بسببه، تقول بعض الروايات: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا سمع البيت الأخير الذي يقول فيه: أتاني هادٍ غير نفسي فدلني إلى الله من طردت كل مطرد يضرب على كتف أبي سفيان بن الحارث ويقول له: (أنت الذي طردتني كل مطرد) يعني: قد أبدلك الله ﵎ بذلك هداية وإسلاماً.\rهذه صورة لإنسان ظن أنه في يوم من الأيام في القمة، وإذا به يجد الظلمة وليس له نور إلا نور الإسلام والاستقامة على منهاج الله ﵎، ومن ثم شارك بعد ذلك في الجهاد حتى مات في سبيل الله ﵁ وأرضاه.\rفهذا مثال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534547,"book_id":2827,"shamela_page_id":336,"part":"15","page_num":10,"sequence_num":336,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534548,"book_id":2827,"shamela_page_id":337,"part":"15","page_num":11,"sequence_num":337,"body":"حكم من ألزم نفسه بأداء ركعتين يومياً بنية التوبة\r\rالسؤال\r رجل كلف نفسه ركعتين يومياً بنية التوبة من الذنوب، فما الحكم؟\r\rالجواب\r إن كان عزم في قلبه فنقول: استمر على العمل الصالح، وإن كان نذراً فأوف بنذرك ما استطعت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534549,"book_id":2827,"shamela_page_id":338,"part":"15","page_num":12,"sequence_num":338,"body":"حكم اشتمال المحاضرة الدعوية على الطرائف والأشعار\r\rالسؤال\r يوجد بعض ممن ينتسبون للدعوة ينتهجون نهجاً غريباً، وهو إدخال القصائد والطرائف والمزاح والحكايات بدل الأحاديث والآيات والآثار؟\r\rالجواب\r هذا الكلام فيه تفصيل، فالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يمزح، وكان لا يقول إلا حقاً، وكذلك أيضاً الطرائف منها ما هو مفيد أحياناً، ومنها ما هو مسلٍّ بشرط أن لا يكون فيه ضرر، إنما الممنوع أن يتحول المجلس إلى نكت وطرائف، أما أن يتخلل الحديث أو الكلام أو البرنامج شيء من هذا مما فيه حق وليس فيه باطل فأقول: لا بأس بذلك إذا لم يكثر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534550,"book_id":2827,"shamela_page_id":339,"part":"15","page_num":13,"sequence_num":339,"body":"علاج قسوة القلب\r\rالسؤال\r ما هو علاج قسوة القلب؟\r\rالجواب\r كلنا نشكو من قسوة القلب، أسأل الله أن يلين قلوبنا بالإيمان والقرآن، والعلاج يحتاج إلى مجاهدة وصبر ومصابرة؛ فالدنيا سجن المؤمن كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلابد من المجاهدة، لذلك لا تنتظر من واحد أن يعطيك كلمتين ثم إذا بقلبك يصبح قلباً منشرحاً مباشرة، لا، وقد يكون في الموعظة ما يشرح قلبك، لكن الأمر يحتاج إلى مجاهدة: فالشيطان الرجيم حريص على إغوائك والوسوسة لك بشتى أنواع الوساوس، نفسك الأمارة بالسوء بكل قواها وشهواتها، وشياطين الإنس من الأصدقاء والزملاء والجيران وغيرهم.\rفأنت -والله- كأنك في معركة، فلذلك عليك بالمجاهدة، وهذه المجاهدة هي التي بها تزول قسوة القلب.\rوأعظم ما يعينك على راحة النفس وطمأنينة القلب والبعد عن قسوته عشرة أمور ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين، وعلى رأسها الإيمان والتوحيد والعقيدة الصحيحة والمحافظة على الصلاة ومجالسة الصالحين، فلا بد من أن تبحث لنفسك عن هذه الوسائل التي ترقق قلبك وتقوي إيمانك، مع البعد تماماً عن كل ما يقسي القلب.\rفالذي أقوله: اصبر وصابر وأبشر يا أيها الشاب، ولا تحزن إذا رأيت الشباب المنفلت يمينا ًوشمالاً، فلا يغرنك ضحكهم وانخلاعهم، اصبر وصابر على طاعة الله وعبادة الله، أنت -والله- القوي، وأنت المنتصر، وأنت العزيز، وأنت الرابح، وهؤلاء الذين سلكوا تلك المسالك إن لم يتوبوا إلى الله فهم -والله- خاسرون، لذلك ينبغي لك أن تكون عندك عزيمة قوية وصبر ومصابرة على طاعة الله، واحرص كل الحرص على الأخوة الصادقة وعلى الإخوة الملتزمين؛ فإنهم يعينونك، وأصحاب الرسول -ومن هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في علمهم وإيمانهم وجهادهم- كانوا يشعرون بهذه الحاجة، كان الواحد منهم يلتقي بأخيه ويمسك به ويقول: تعال -يا أخي- اجلس بنا نؤمن ساعة.\rمع أن هذا الصحابي لا يعرف لهواً ولا عبثاً، لا يعرف إلا الإيمان والقرآن والصلاة والجهاد، ومع ذلك يشعر بالحاجة إلى أخيه، ويقول: اجلس بنا نؤمن ساعة.\rفكيف بنا نحن في هذا الزمان حيث كثرت الفتن وتنوعت؟! نحن أحوج ما نكون إلى الجلساء الطيبين الذين يعينوننا على طاعة الله، نعينهم ويعينوننا، واعلم -يا أيها الشاب- أنك إذا جلست مع أخيك وإخوانك الطيبين أنك تعينهم وهم يعينونك، فأنت بحاجة إليهم وهم أيضاً بحاجة إليك، فتكون مأجوراً على تلك المجالس والأخوة الطيبة.\rوصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534551,"book_id":2827,"shamela_page_id":340,"part":"15","page_num":14,"sequence_num":340,"body":"دفع الله عن عباده المؤمنين\r\rالسؤال\r ذكر ابن القيم في الجواب الكافي ما نصه: وتولى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] ما المقصود بالنفس؟\r\rالجواب\r ابن القيم يشير إلى أن الله ﷾ يدافع عن العبد المؤمن بنفسه هو ﷾، فالله هو الذي يدافع، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، لكن دفاع الله عن المؤمنين إنما يكون بما يهيئه الله ﷾ من الأسباب، وأولها قوة القلب وطمأنينته وبغضه للمعاصي، وهذا من أعظم الدفاع، فإذا وفقك الله ﵎ لأن يكون قلبك قلباً حياً مستيقظاً مراقباً لله ﷾ فهذا من أعظم ما من الله به عليك من الدفاع، ومنها أن يهيئ الله لك الناس الصالحين ليعينوك على طاعة الله، ومنها أن الله يرد كيد العدو، فكم من عدو يأتي إليك -يا عبد الله- ليكيدك، فالله ﷾ يوقفه ويرد كيده عنك، فالله ﷾ يرد كيد الكائدين لمن اتقى الله ﷾ وعمل بالطاعات وابتعد عن المعاصي، كما بين ذلك ابن القيم في كتابه (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534552,"book_id":2827,"shamela_page_id":341,"part":"15","page_num":15,"sequence_num":341,"body":"تأثير الذنوب على التوبة\r\rالسؤال\r هل الذنب يؤثر على التوبة أم لا؟\r\rالجواب\r الذنب لا شك أنه يبعد عن الله ويقرب إلى الشيطان، لكن بالنسبة للتوبة فالتوبة لا تنقطع، والإنسان مهما كان مادام في هذه الحياة فتوبته مقبولة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣].\rحتى الشرك بالله إذا تاب منه العبد قبل الموت فالله يتوب عليه، لكن إذا مات على الشرك لم يقبل منه عمل، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فالتوبة مفتوحة ما لم تأت الغرغرة أو تطلع الشمس من مغربها إذا أتى بها العبد بشروطها، لذلك فنحن نقول: إذا أذنب الإنسان ذنباً فينبغي له أن يحذر الشيطان الذي يغويه؛ لأن الشيطان يقول للمذنب: أنت ليس لك توبة.\rبل قد يقول له: أنت لا تصلح للتوبة.\rوهذه من إغواءات الشيطان، فيجب عليك أن تبادر إلى التوبة، والله ﷾ يفرح بتوبتك فرحاً عظيماً، كما ثبت في ذلك الحديث الصحيح عن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534553,"book_id":2827,"shamela_page_id":342,"part":"15","page_num":16,"sequence_num":342,"body":"تكرار الذنب بعد التوبة\r\rالسؤال\r هل الذي يكرر الذنب يكون قد خلط عملاً سيئاً وآخر صالحاً؟\r\rالجواب\r لا شك أن تكرار الذنب ليس بطيب، لكن عليه أن يبادر بالتوبة، لكن الذي نوصيه به هو أن الإنسان إذا تاب إلى الله فعليه أن يعمل بدواعي التوبة، فلا بد -حتى يحقق شرط الإقلاع من الذنب- من أن يقلع عن وسائل ومجالس الذنوب، أليس من شروط التوبة الإقلاع؟! الإقلاع ليس كلاماً تقوله، لا يكفي أن تقول: أقلعت.\rوإنما يجب أن يكون عملياً، والإقلاع العملي يكون بترك الذنب نفسه وبترك وسائله، ولهذا قال تعالى: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١]؛ لأن خطوات الشيطان تدعو إلى المعاصي، كذلك أيضاً ينبغي للتائب أن يبتعد عن المجالس، فالإنسان إذا تاب من ذنب من الذنوب كان قد اجتمع عليه مع غيره فليعتزل هذا الاجتماع، وهذه العصبة أشد عليه من عدو معه رمح يريد أن يطعنه به، فلا بد من الإقلاع والبعد، كذلك أيضاً من شروط التوبة العزم على أن لا يعود، ومن وسائل العزم على أن لا يعود أن يجدد طاعة، وأن يحرص على لقاء الطيبين بأن يستبدل بتلك المجالس السيئة مجالس طيبة، فلابد من المجاهدة.\rوالتوبة إلى الله لو كانت كلمة يقولها الإنسان لكانت أسهل شيء، ولكنا نذنب في اليوم مئة ذنب ونتوب وينتهي الموضوع، لكنها ليست كذلك، التوبة تحتاج إلى مجاهدة، لكن فيها مسرة وراحة نفس وطمأنينة قلب؛ لأن الله يفرح بعبده، وتصور أن الله فوق سبع سماوات يفرح بك.\rإذا تبت إلى الله فعليك أن تعمل بالوسائل التي تعينك على هذه التوبة، نسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة النصوح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534554,"book_id":2827,"shamela_page_id":343,"part":"15","page_num":17,"sequence_num":343,"body":"حكم النوم داخل القبور بقصد تليين القلوب\r\rالسؤال\r هناك من الشباب الملتزم من يذهبون إلى المقابر ويقومون بالنوم داخل القبور ليلاً بهدف تليين القلوب، فما حكم فعلهم هذا؟\r\rالجواب\r هذا لم يرد عن السلف، وليس هناك داع لمثل هذا، بل الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذهب ليزور القبور ويرى المقابر، أما نومه هذا فغير مشروع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534555,"book_id":2827,"shamela_page_id":344,"part":"15","page_num":18,"sequence_num":344,"body":"حكم إدخال الدش من أجل وجود قنوات دينية أو برامج نافعة\r\rالسؤال\r هناك بعض القنوات الدينية التي تعرض في الدش، وهي لا تخرج عن البث، فهل يخرج الدش بالكامل أم يستفاد من بعض القنوات؟\r\rالجواب\r أولاً ينبغي أن نعلم أن هناك قاعدة شرعية معروفة عند العلماء ومعروفة أيضاً لدى كثير من الناس، وهي أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فالآلة التي فيها مفاسد متنوعة ولو كان فيها مصلحة واحدة فدفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإذا كان الدش فيه عدد من القنوات المفسدة، ثم فيه برنامج أو قناة قد يكون فيها خير، نقول: ينبغي دفع المفسدة.\rوكثير من الناس قد يدخل من خلال هذا الكلام الذي ورد في السؤال مدخلاً شيطانياً، فيقول: أدخل هذه الآلة من أجل أن تسمع أو ترى هذا الشيء الجيد.\rثم بعد ذلك ينظر إليه مرة وينظر إلى ما بجانبه ثانية وثالثة، كما قال بعضهم: البصر يخطف مرة من هنا ومرة من هنا.\rحتى يجد نفسه منساقاً إلى الأمور الأخرى، وهذه قالها من جربها، أليس كذلك؟! هذه قضية.\rالقضية الأخرى: هذه الدشوش والوسائل المفسدة إذا جاء أحد ليخفف من إفسادها بشيء ليس فيه انحراف ولا بدعة فنقول: جزاك الله خيراً، لكن أنا وأنت والثاني والثالث ليس لنا ذلك، قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، فما نأتي ونقعد عند الدش أمام الأولاد والبنات والأسرة، ثم نقول: لأننا سمعنا في يوم من الأيام أو في محطة من المحطات كلاماً جميلاً.\rهذا لا يمكن، ولذلك أنا أقول: ينبغي أن تكون هناك بدائل، لكن بشرط أن تكون هذه البدائل منضبطة شرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534556,"book_id":2827,"shamela_page_id":345,"part":"16","page_num":1,"sequence_num":345,"body":"القوة العلمية والعملية\rلقد حرص السلف على طلب العلم والعمل به اقتداء بكتاب الله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، فهما الجناحان اللذان يصل بهما العبد في سفره إلى مقصوده في الآخرة، ولابد أن يعلم الإنسان أنه قد تعتريه في طريق العلم والعمل عوائق ومحبطات، فعليه أن يستعين بالله في مدافعة ذلك، وأن يكون يقظاً لما يعتريه، فإن الطريق صعب أمام الكسالى والمتهاونين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534557,"book_id":2827,"shamela_page_id":346,"part":"16","page_num":2,"sequence_num":346,"body":"أهمية العمل بالعلم\rالحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فقد روى ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: (تعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء)، وروى عنه أيضاً أنه قال: (كن عالماً أو متعلماً أو محباً أو متبعاً، ولا تكن الخامس فتهلك.\rقال: قلت للحسن: وما الخامس؟ قال: المبتدع).\rقال ابن عبد البر معلقاً: الخامسة التي فيها الهلاك معاداة العلماء وبغضهم، ومن لم يحبهم فقد أبغضهم أو قارب ذلك وفيه الهلاك.\rوقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: كان يقال: إذا استطعت فكن عالماً، فإن لم تستطع فكن متعلماً، وإن لم تستطع فأحبهم، وإن لم تستطع فلا تبغضهم.\rقال عمر بن عبد العزيز معلقاً: لقد جعل الله ﷿ مخرجاً.\rولقد شدد الأئمة رحمهم الله تعالى على العلم بالعمل، فعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (يا حملة العلم! اعملوا به، فإنما العالم من عمل ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقاً فيباهي بعضهم بعضاً).\rوأخرج البيهقي عن أبي الدرداء ﵁ أنه كان يقول: (إنما أخشى من ربي يوم القيامة أن يدعوني على رءوس الخلائق فيقول لي: يا عويمر! فأقول: لبيك يا رب.\rفيقول: ما عملت فيما علمت؟) وأخرج عبد الرزاق عن علي ﵁ (أنه ذكر فتناً تكون في آخر الزمن فقال له عمر ﵁: متى ذلك يا علي؟ قال: إذا تفقه لغير الدين، وتعلم العلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534558,"book_id":2827,"shamela_page_id":347,"part":"16","page_num":3,"sequence_num":347,"body":"القوتان اللتان بهما يصل العبد إلى مقصوده في الآخرة\rأيها الأخ في الله! ما علاقة العلم بالعمل؟ وأيهما أشد احتياجاً إلى الآخر؟ لما كان العباد قد خلقوا للعبادة، وكلهم سائر إلى ربه تعالى فملاقيه للحساب والجزاء كان السائر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصير إلى مقصوده إلا بقوتين: إحداهما: قوة علمية.\rوالثانية: قوة عملية.\rفبالقوة الأولى العلمية ينار له الطريق، ويبصر منازله، فهو يسير ومعه هذا النور القوي نور العلم، فيفيده في ناحيتين في أثناء سيره، لا بد منهما لكل سائر: إحداهما: معرفة الطريق الصحيح والأقرب، فهو بهذا النور يعرف طريقه، ولا يتيه يميناً ولا شمالاً، وإنما هو سير على الجادة الموصلة إلى الله تعالى، وهو في سيره وإن طال الطريق إلا أنه يصبر؛ لأنه واثق من مسيره بهذا النور، ليس عنده تردد، وإنما هو الجزم والعزم والتوكل على الله ﵎.\rأما من لم يوفق إلى العلم الصحيح وإلى العلم المؤصل المبني على أدلة الكتاب والسنة فتجده في سيره متخبطاً، كلما أبصر طريقاً في سيره يميناً أو شمالاً سلكه، فهو تائه بين هذه الطرق وأنى له الوصول؟! الناحية الثانية التي يستفيد منها من نور الله قلبه بالعلم الصحيح: تجنب أسباب الهلاك ومواضع العطب، فهو بهذا النور مبصر لطريقه، عارف بما فيه من الأحجار والشوك والحفر ونحو ذلك، فهو يتجنبها ويحذرها، فهو حذر من البدع والمعاصي، ومواضع فتن القلوب التي تعرض لها، ووساوس شياطين الجن والإنس التي يحاول أصحابها صرف السائر إلى الله تعالى عن طريقه.\rفبالقوة العلمية وبنور العلم الصحيح يعرف الإنسان ويدرك أعلام الطريق الموصلة إلى الله، فيسلكها ويسير عليها، ويدرك مواضع العطب والهلكة فيتجنبها ويحذرها، هذه هي القوة العلمية.\rأما القوة العملية فهي حقيقة السير إلى الله تعالى في العمل والعبادة والطاعة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل خير يقرب إلى الله ﵎.\rوالإنسان إذا عرف الطريق والسفر ومنتهاه وذلك من خلال ماضي المعرفة والعلم قد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر، وهو أن يشمر عن ساعد الجد مسافراً في الطريق إلى الله تعالى، قاطعاً له منزلة بعد منزلة، فكلما قطع مرحلة استعد لقطع المرحلة الأخرى، واستشعر القرب من المنزل فهان عليه مشقة السفر.\rوكلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل وعدها قرب التلاقي وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطاً وفرحاً وهمةً، فهو يقول: يا نفس! أبشري، فقد قرب المنزل، ودنا التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة، فإن صبرت وواصلت المسير وصلت حميدة منصورة جذلة، وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات، وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة، فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، وعمرك درجة من درجات تلك الساعة، فالله الله لا تنقطعي في المفازة، فهو -والله- الهلاك والعطب لو كنت تعلمين.\rفإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامهما من أحبابها، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها، وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء، وليجعل حديث الأحبة حاديها وسائقها، ونيل معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها، وصدق ودادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها، ولا يوحشه انفراده في طريق سفره، ولا يغتر بكثرة المنقطعين، وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم، بل هي من عوارض الطريق، فسوف تبدو له الخيام، وسوف يخرج له المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم.\rفيا قرة عينه إذ ذاك! ويا فرحته إذ يقول: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]! ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع ودأب النفس وبطء سيرها، وكلما أدمن على السير وواظب عليه غدواً ورواحاً وسحراً قرب من الدار، وتلطفت تلك الكثافة، وزالت تلك الخبائث والأدران، فظهرت عليه همة المسافرين وسيماهم، فتبدلت وحشته أنساً، وكثافته لطافة، ودرنه طهارة.\rأيها الأخ في الله! هكذا يصور ابن القيم رحمه الله تعالى الطريق، ويصور القوة العملية التي يسير عليها السائر إلى ربه ﵎، وهذه القوة العملية هي التي عبر عنها السلف الصالح رحمهم الله تعالى بالعمل، وهي الغاية التي من أجلها يتعلم الإنسان العلم، فهو علم وعمل حتى يلقى العبد ربه تعالى.\rأما الدنيا فدار عمل لا راحة فيها، وإنما الراحة الحقيقية راحة الآخرة، قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة.\rنعم أيها الأخ في الله، عند أول قدم يضعها في الجنة تكون الراحة، أما الدنيا فهي دار كد، ودار عمل، ودار أحزان، إن أفرحت أياماً أحزنت أياماً أخرى، وهكذا دواليك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534559,"book_id":2827,"shamela_page_id":348,"part":"16","page_num":4,"sequence_num":348,"body":"أصناف الناس تجاه قوتي العلم والعمل\rأيها الأخ في الله! تجاه تلك القوتين -القوة العملية والقوة العلمية- كيف تجد نفسك؟ وقبل أن تضع نفسك موضعها أذكر لك أصناف الناس تجاه هاتين القوتين: فمنهم صنف تكون عنده القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها، وأعلامها، وعوارضها، فهو إن تحدث أو تكلم يتكلم بكلام المتبصر العالم، المدرك لحقائق الدين وحقائق عوارض الطريق في السير إلى الله ﵎.\rولكنه ضعيف في القوة العملية، فهو يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، وهو يرى المعاطب والمتالف من المعاصي والمنكرات ثم لا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف، وفارقهم في العلم، هذا هو الصنف الأول.\rالصنف الثاني: من تكون له القوة العملية الإرادية، وتقتضي هذه السير والسلوك والزهد في الدنيا، والرغبة والتشمير في العمل، ولكنه لضعف القوة العلمية عنده يكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد، أو الانحرافات في الأعمال والأقوال، فهو شديد الهمة، كثير العمل، ولكنه ضعيف في باب العلم، فيقع في أنواع من البدع والمخالفات، هذا هو الصنف الثاني.\rالصنف الثالث: ضعيف في هاتين القوتين، فهو ضعيف العلم وضعيف العمل، فهو لكثرة القواطع وشدتها -لضعفه في هذين الأمرين- على طريقه هالك إن لم يتداركه ربه ﵎ برحمة منه، ضعيف العلم وضعيف العمل، فهو يتقلب في دنياه بين جهل وقلة عمل، قد تسلطت عليه شياطين الإنس والجن من جميع الجوانب، فهو على طريق هالك إن لم يتداركه ربه ﵎.\rالصنف الرابع: من كانت له هاتان القوتان جميعاً، فهو مستقيم في سيره إلى ربه ﵎ بعلم قوي ونور نافذ وعمل صالح دائمٍ غير منقطع إلى أن يلقى ربه ﵎، وهذا هو الذي يرجى له الاستقامة، ويُرجى له رد القواطع والموانع التي تمنع العبد وتعيقه في سيره إلى الله تعالى، وهؤلاء هم الموفقون السائرون على منهاج السلف علماً وعملاً، جعلنا الله ﵎ وإياكم من هؤلاء، ووفقنا لسلوك طريقهم بمنه وكرمه.\rهذه هي الأصناف الأربعة وضحت معالمها، فمن أيها نحن نكون أيها الأخ في الله؟! إن الأمر ليس بالأماني ولا الدعاوى، إن الأمر اجتهاد وعمل، إن الأمر تشمير في سيرك إلى ربك ﷾، فأنت تطلب العلم وتعمل بهذا العلم، وهكذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534560,"book_id":2827,"shamela_page_id":349,"part":"16","page_num":5,"sequence_num":349,"body":"ما يهم الإنسان عند سلوكه طريق العلم والعمل\rإن العبد حين يسلك هذا الطريق -طريق العلم والعمل جميعاً- في أحواله وأقواله وأعماله فعليه أن ينتبه إلى أمرين مهمين: أحدهما: أن السفر إلى الله تعالى مقطوع به، ومدة سفر الإنسان هو عمره الذي كتب له، والأيام والليالي مراحل لسفره، فكل يوم وليلة فمرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها حتى ينتهي السفر.\rوالكيس الفطن هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه، فيهتم بقطعها سالماً غانماً، فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمل فيقسو قلبه ويمتد أمله وينشغل بالتسويف والتأخير، ولا يحزن من قلة السالكين، بل يسير على الدرب ما دام أنه على نور من ربه ﵎، وهذا هو معنى ما كان عليه السلف من حرصهم على العمل في كل يوم وليلة، فيعملون فيهما وكأنهما آخر أيامهم من الدنيا، وهكذا.\rالأمر الثاني: الحذر من الخواطر الشيطانية، وحراسة النفس من هذه الخواطر وحفظها، والحذر من الاسترسال معها؛ فإن هذه الخواطر الشيطانية أصل الفساد كله، ومن قبلها يجيء بذر الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، فإذا تمكن من بذرها تعاهدها الشيطان يسقيها مرة بعد أخرى، حتى تصير إرادات، ثم تصير عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال المنحرفة، نسأل الله السلامة والعافية.\rفلابد للعبد من دفع هذه الخواطر، وأن لا يتساهل فيها، فهي كمن يتهاون بشرارة من نار ربما تحرقه وتحرق بيته ومن حوله.\rويستعين لحفظ النفس من هذه الخواطر بعدة أمور: منها: العلم الجازم باطلاع الله تعالى ونظره إلى قلبك، وعلمه بخواطرك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].\rثانيها: حياؤك من الله تعالى أن تسترسل في هذه الخواطر التي تغضب الله تعالى.\rثالثها: إجلالك لله أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته.\rرابعها: خوفك من الله أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.\rخامسها: خشيتك من أن يتولد من تلك الخواطر ما يهلك القلب والعمل.\rسادسها: أن تعلم أن هذه الخواطر بحر من الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلب فيه غرق وتاه.\rسابعها: أن هذه الخواطر وادي الحمقى وأمان الغافلين، أما الحقائق فهي في الآخرة عند ربك ﵎ يوم القدوم عليه.\rفلابد للعبد من سير إلى ربه ﵎، ولا بد له في أثناء هذا السير من العلم والعمل، فشمر عن ساعد الجد طلباً للعلم، وعملاً وعبادة لله وحده لا شريك له، فهذا -والله- هو عز الدنيا والآخرة، وهذا هو -والله- فرح النصر، وهذا هو -والله- دواء كل مرض يعرض على النفس.\rإننا جميعاً مسئولون أمام ربنا ﵎ عن علمنا، وعن قوتنا، وعن شبابنا، وعن أعمارنا، فبماذا نحن مجيبون ربنا ﵎؟! يا طلبة العلم! انتبهوا للأمر فإن الأمر جد، انتبهوا للأمر فإن النفس تحتاج إلى مجاهدة، يا أيها المؤمنون! اجعلوا من الدراسة ومن طلب العلم على مختلف أشكاله باباً تنطلقون منه لعبادة ربكم ﵎، تعزون فيه دينكم، وتنشرون فيه دينكم، وترفعون فيه لواء هذا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.\rأيها المؤمنون! استعينوا بالله واصبروا، استعينوا بالله على طلب العلم، واصبروا على طلب العلم، استعينوا بالله واصبروا على طريقكم وسيركم إلى ربكم ﵎.\rاللهم! إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً، اللهم! إنا نسألك الاستقامة على دينك حتى نلقاك يا أكرم الأكرمين.\rاللهم! إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم! حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534561,"book_id":2827,"shamela_page_id":350,"part":"17","page_num":1,"sequence_num":350,"body":"أهمية العقيدة ومصدر تلقيها عند السلف\rمن المعلوم أن العقيدة هي المحرك الأول للصراع بين الأمم والحضارات، وبها تحافظ المجتمعات على هويتها وثقافتها واستقلالها، وتتميز عقيدة الإسلام عن تلك العقائد بكونها هي الحق الذي يتواءم مع الفطر السليمة، والعقول المستقيمة؛ لأنها ربانية المصدر، سهلة المأخذ، لا يشوبها غلو ولا جفاء، لذلك لا جرم إن كانت منجية في الدنيا من الاضطراب، وفي الآخرة من العذاب.\rوهذه العقيدة الصافية الصحيحة هي ما كان عليه الصحابة الأخيار، وسلف الأمة الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534562,"book_id":2827,"shamela_page_id":351,"part":"17","page_num":2,"sequence_num":351,"body":"الأسس التي تميز العقيدة الصحيحة عن غيرها\rبسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: أيها الإخوة في الله! حديثنا في هذه الليلة عن أهمية العقيدة، وعن مصدر تلقيها عند السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وأنتم تعلمون جميعاً أن العقيدة لها أثرها الكبير في حياة الإنسان وفي حياة الأمم، ولكن ما هي هذه العقيدة التي نتحدث عنها وعن أثرها، ونتحدث عن مصادر تلقيها وعن أهميتها؟ لقد التبست الأمور في هذه العصور المتأخرة، حتى صار كلٌ يدعي أنه على عقيدة صحيحة، وصار الناس كما قال الشاعر: وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك كل يدعي أنه على عقيدة، وأن عقيدته سليمة، وأن مصادرها صحيحة، ومن هنا -أيها الأخوة- فلا بد أن نبين بادئ ذي بدء ما هي العقيدة التي نتحدث عنها وعن أثرها، إنها عقيدة تتميز وتقوم على عدد من الأسس لابد من فهمها أولاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534563,"book_id":2827,"shamela_page_id":352,"part":"17","page_num":3,"sequence_num":352,"body":"أنها عقيدة السلف الصالح\rأولها: أنها عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وليست عقيدة من خالفهم من أهل البدع من بين مشرق ومغرب، فهي عقيدة تمتد جذورها مع تاريخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وينتهي تاريخ الأنبياء بمبعث الخاتم محمد ﷺ الذي أتى بالعقيدة والشريعة كاملة، وليبقى أتباعه إلى يوم القيامة على ذلك المنهاج القويم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534564,"book_id":2827,"shamela_page_id":353,"part":"17","page_num":4,"sequence_num":353,"body":"أنها عقيدة قائمة على إخلاص العبادة لله وحده\rثانياً: أنها عقيدة قائمة على إخلاص العبادة لله الواحد القهار، تقوم على أساس توحيد العبادة، فأساسها: هو لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله ليست كلمة يقولها الإنسان بلسانه وفقط، وإنما هي كلمة لما وزنت بالسماوات والأرض ثقلت عليها كما ورد في الأثر عن رسول الله ﷺ، فهي عقيدة تمحض العبادة لله الواحد القهار، وهي عقيدة ترفض العبودية لغير الله ﷾، وترفض أن يُصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، ومن هنا قامت هذه العقيدة على أسس ثلاثة: على الخوف من الله، والرجاء في الله، والحب في الله، وإذا اجتمعت هذه الأمور في قلب العبد المؤمن صار لربه عابداً مخلصاً، أما إذا صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله ﷾ اضطربت أحواله وانتكس، وهذه حقيقة لا شك فيها أيها الإخوة المؤمنون!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534565,"book_id":2827,"shamela_page_id":354,"part":"17","page_num":5,"sequence_num":354,"body":"أنها عقيدة تقوم على توحيد العبادة وتوحيد المتابعة\rثالثاً: أنها عقيدة تقوم على توحيد العبادة، وهي قائمة على توحيد المتابعة لرسول الله ﷺ بشهادة أن محمداً رسول الله، ومقتضاها أن هذا النبي الكريم هو رسول الله حقاً، ومن ثم فإن ما جاء به من القرآن أو من الحديث، أو من سنته العملية أو من سيرته الصحيحة: فهو شرع يجب أن يقتدي به المسلمون، ومن ثم كانت شهادة أن محمداً رسول الله تقتضي أموراً كثيرة عظيمة لو تحققت في حياتنا -نحن المسلمين- لغرست في نفوسنا العقيدة السلمية؛ ولتحولت حياتنا إلى حياة أخرى غير ما نشاهده الآن، حيث نشاهد -نحن المسلمين- الأحداث من حولنا فيها الذل والتبعية، نعيش حياة الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، حتى أصبحنا كما أخبر عنا رسول الله ﷺ (ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، وفعلاً عددهم أكثر من ألف مليون مسلم، ولكنهم أمام أعدائهم غثاء كغثاء السيل!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534566,"book_id":2827,"shamela_page_id":355,"part":"17","page_num":6,"sequence_num":355,"body":"أنها عقيدة مرتبطة بالعمل\rرابعاً: أنها عقيدة لا يقولها الإنسان بلسانه فقط، وإنما هي عقيدة تنتقل إلى واقع عملي في حياته، ومن ثم فهي عقيدة تنبثق منها، شريعة شاملة ونظام حياة.\rومن هنا كان هذا الانبثاق من هذه العقيدة عقيدة، لا كما يقول البعض: إن الشريعة تنقسم إلى عقيدة وإلى أحكام وفروع، بل نقول: إن كل ما جاء به رسول الله ﷺ عقيدة تنبثق منها شريعة كاملة تنظم شئون الحياة من أولها إلى آخرها، فهي ليست عقيدة مختصة بالقلوب فقط، وليست عقيدة مستقرة بين الصدور فقط، وإنما هي عقيدة تتحول وتنطلق إلى عمل وإلى خلق وإلى عبادة وإلى ولاء وبراء وإلى جهاد في سبيل الله وإلى أعمال يسير فيها السائر والمهاجر إلى ربه ﷾، يسير فيها حياته كلها ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، إي والله! فهي حياة تتحول عند المسلم إلى حياة طاعة وعبادة لله الواحد القهار.\rهذه العقيدة ليست كلاماً يقال ويدندن به فقط، وإنما هي أعمال تتحدث عن نفسها لتدل في النهاية على أن هذا الرجل صاحب عقيدة، وعلى أن هذا المجتمع مؤسس على عقيدة، وعلى أن هذه الأمة ربيت على عقيدة، لكن حينما تختلط الأوراق، ويشرئب النفاق، يجلجل البعض بصوته مدعياً، ولكن دعواه -حينما ينظر فيها من خلال الأعمال- يتبين أنها عكس ما يقول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534567,"book_id":2827,"shamela_page_id":356,"part":"17","page_num":7,"sequence_num":356,"body":"أثر العقيدة الصحيحة على حياة الفرد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534568,"book_id":2827,"shamela_page_id":357,"part":"17","page_num":8,"sequence_num":357,"body":"تغرس في النفس التوكل على الله ﷿\rالأمر الثالث: أن هذه العقيدة تغرس في النفس التوكل على الله والاعتصام به، وهذا يريح الإنسان كثيراً في حياته، فكم من إنسان خاف من غير الله فأصبح شريداً طريداً، خاف من غير الله فتحولت حياته إلى جحيم، يخاف مرة من الجن، يخاف مرة من العين، يخاف مرة من قطع الأرزاق، يخاف مرة مما لا يملك العباد منه شيئاً!! أما إذا توكل على الله واعتصم بالله ﷾ فإنه يعيش سعيداً؛ لأنه يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعليك أن توقن أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، كما أنهم لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك أبداً، تلك والله عقيدة إذا غرست في النفوس تحول العبد إلى عبد لله حقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534569,"book_id":2827,"shamela_page_id":358,"part":"17","page_num":9,"sequence_num":358,"body":"تورث الشجاعة في الحق والثبات عليه\rالأمر الرابع: أن هذه العقيدة تورث الشجاعة في الحق والثبات عليه، وإن ضعف مواقفنا وضعف إيماننا وكثيراً من هزائمنا -النفسية وغير النفسية- إنما سببه أننا لم نؤمن بالله حق الإيمان، ولم تغرس في نفوسنا هذه العقيدة ذلك الغرس الصحيح، فلما أصبحت حياتنا على هذه الحال تحولنا إلى ضعفاء، تحولنا إلى جبناء حتى أمام أخس أعدائنا! وسنة الله ﷾ أنه إذا اعتصم الإنسان بالله ﷾ قواه الله ﷾، أما إذا اعتصم بغيره وكله الله ﷾ إلى ذلك الغير؛ فتحول إلى عبد ذليل لذلك الغير، وهذا أمر مشاهد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534570,"book_id":2827,"shamela_page_id":359,"part":"17","page_num":10,"sequence_num":359,"body":"تجلب للنفس الطمأنينة والانشراح\rهذه العقيدة ترجع أهميتها إلى عدة أمور: فهي عقيدة لها أثر عظيم جداً على حياة الفرد، وأعظم آثارها على حياة الفرد عدة أمور: أحدها: أنها تجعل النفس والقلب في طمأنينة وانشراح، فهي عقيدة إذا تحولت إلى عمل وتحولت إلى أعمال قلوب: انشرح الصدر واطمأن؛ ولهذا قال الرسول ﷺ كما في الحديث الذي رواه مسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً)، وطعم الإيمان طعم خاص يحس به أولئك العابدون لله ﷾ حتى قال قائلهم وهو يعيش في الدنيا عابداً لله: والله إن كان أهل الجنة يعيشون كما نعيش الآن في راحة نفس وطعم إيمان إنهم لفي عيش طيب.\rإن في الآخرة جنة لا يدخلها إلا من دخل جنة الدنيا، وجنة الدنيا إنما تكون بالعبودية لله وحده لا شريك له، عندما تقوم أيها العبد تصلي ركعتين لله الواحد القهار، تصوم يوماً لله الواحد القهار، تنفق نفقة لله الواحد القهار، تؤدي حجك، تؤدي فرضك، تقوم بواجباتك كلها وأنت تحقق العبودية لله الواحد القهار؛ ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه -في كلمة له يجب أن نفهمها وأن نفقهها-: والله إني لا أحب الدنيا -أي: إنني لا أحب البقاء في الدنيا- لولا ثلاثة أمور ما هي هذه الثلاثة التي من أجلها أحب عمر بن الخطاب الحياة؟ وكلمته ﵁ تكتب بماء الذهب، قال: لولا ثلاث: إحداها: أن أسجد لله رب العالمين، وأؤدي الصلاة، فهو يفرح بالحياة؛ لأنه يصلي لله رب العالمين في كل يوم خمس مرات ما عدا النوافل.\rوالثانية قال: ولولا أني أحمل في سبيل الله، أي: الجهاد في سبيل الله، فهو يحب الحياة؛ لأنه ينتقل من جهاد إلى جهاد.\rوالثالثة: مجالسة الصالحين، يقول: وأني أجالس أقواماً يلتقطون أطايب الكلام كما يلتقط أطايب التمر.\rرحمك الله يا أمير المؤمنين! يا عمر بن الخطاب! رحمك الله فلقد أحسست بقيمة العبودية لله الواحد القهار، وقد أصبحت موازيننا وقيمنا مختلفة تماماً عن تلك القيم التي كان عليها أولئك الصحب الكرام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534571,"book_id":2827,"shamela_page_id":360,"part":"17","page_num":11,"sequence_num":360,"body":"تخلص العبد من العبودية لغير الله\rالأمر الثاني من أثر العقيدة على الفرد: أنها تخلص العبد من العبودية لغير الله إلى العبودية لله ﷾، ووالله لو لم يكن في هذه العقيدة إلا أنها تجعل الإنسان عبداً لله ليس عبداً للمادة، ولا عبداً لملك من الملوك، ولا عبداً للشرف والشهرة، وإنما هو عبد لله الواحد القهار، والله لو لم يكن في هذه العقيدة إلا أنها تحرر الإنسان التحرير الحقيقي؛ لكفى بها أهمية، ولكفى بذلك أن يعتصم الإنسان بها، وأن يحافظ عليها، من تعلق بغير الله ﵎ ذل لذلك الغير، لكن من تعلق بالله صار عزيزاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534572,"book_id":2827,"shamela_page_id":361,"part":"17","page_num":12,"sequence_num":361,"body":"أثر العقيدة الصحيحة على حياة الأمة والمجتمع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534573,"book_id":2827,"shamela_page_id":362,"part":"17","page_num":13,"sequence_num":362,"body":"تربي المجتمع على الأخلاق الكريمة\rالأمر الثالث من آثارها على المجتمع: تربية المجتمع على الأخلاق الكريمة، نعم والله! إن العقيدة تربي الإنسان الصالح ليكون صالحاً في كل مكان.\rإن التربية الغربية -الإنجليزية أو الأمريكية أو الفرنسية- تربي المواطن حينما يكون في بلده، على أن يحافظ على القوانين والنظم، لكن حينما يخرج يتحول إلى ذئب مفترس يهين الناس ويقتلهم كما هو مشاهد، لكن العقيدة تبني الإنسان الصالح إن كان بين أقاربه أو غيرهم، إن كان في بلده فهو إنسان صالح؛ لأنه يحمل عقيدة، وإن كان مع أعدائه أو في غير بلده فهو صالح؛ لأنه يحمل عقيدة، وشتان شتان بين هذا وذاك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534574,"book_id":2827,"shamela_page_id":363,"part":"17","page_num":14,"sequence_num":363,"body":"تجمع كلمة الأمة\rالأمر الرابع: جمع كلمة الأمة، إن بعض الناس يقول: لا تركز على العقيدة؛ فإنها تفرق الأمة! ونحن نقول: والله إن العقيدة هي التي تجمع الأمة، تعالوا إلى واقع الأمة الإسلامية، ما هي أسباب تفرقها؟ إن لها أسباباً كثيرة جداً، وأعظم الأسباب رايات القومية، المصالح المشتركة، العداء الأطماع إلى آخره، لكن العقيدة إذا وجدت تجمع الأمة ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]، العقيدة تجمع لكن الاختلاف والتفرق له أسباب أخرى، ولا يجوز لقائل أن يقول: إن العقيدة تفرق، نقول: إن الذي يجمع الأمة وقد اختلفت بلدانها واختلفت لهجاتها وتعددت أعراقها وقبائلها؛ هي العقيدة الصحيحة التي جمعت بين صهيب وسلمان، والتي جمعت بينهم وبين أبي بكر وعمر بن الخطاب، العقيدة هي التي جمعت الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها فصارت أمة واحدة، وهي التي تجمع الناس في كل زمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534575,"book_id":2827,"shamela_page_id":364,"part":"17","page_num":15,"sequence_num":364,"body":"ظهور بركات السماء والأرض\rالأمر الخامس: من آثار هذه العقيدة أيضاً -وهو أثر عظيم جداً- ظهور بركات السماء والأرض، إن البركات تنزل حينما نعتصم بالله، ونكون على هذه العقيدة الصحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534576,"book_id":2827,"shamela_page_id":365,"part":"17","page_num":16,"sequence_num":365,"body":"تنجي صاحبها يوم القيامة\rالأمر السادس: هناك أثر مهم جداً لهذه العقيدة، وهذا الأثر أخرته لأهميته ألا وهو: أنه ينجي الإنسان يوم القيامة من عذاب الله، ويجعله من أهل الجنة، والله لو لم يكن للعقيدة إلا هذا الأثر لكفى به أن يلتزم الإنسان بهذه العقيدة ويعتصم بها ولو ناله ما ناله، إن الدنيا قصيرة، والرحلة قريبة، والموت لا يفرق بين صغير أو كبير ولكن الشأن ما بعد الموت.\rأيها الإخوة في الله! إن هذه العقيدة حينما تكون عقيدة سليمة تنجي صاحبها يوم القيامة، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، ما هو القلب السليم؟ إنه القلب المخلص لله، إنه القلب السليم من آثار الشبهات والشهوات، إنه القلب السليم الذي جاء ربه به أبونا إبراهيم أبو الحنيفية عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤]، ما هو القلب السليم؟ إنه قلب المؤمن، إنه قلب صاحب العقيدة الحنيفية الخالصة القائمة على عقيدة التوحيد والكفر بالطاغوت، القائمة على عقيدة الولاء والبراء، القائمة على عقيدة امتثال أمر الله وتطبيق شرعه والإيمان بأن ذلك عقيدة، إنها عقيدة متكاملة، فإذا أخلص العبد فيها لله رب العالمين جاء يوم القيامة آمناً ليشرب من حوض النبي ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبداً، أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من هؤلاء.\rأثر هذه العقيدة يدل على أهميتها العظيمة، ويدل على أنه يجب أن ندعو إليها، ويجب أن نركز على هذه العقيدة، ويجب أن نربي النفوس وأن نغرس في القلوب هذه العقيدة، نربي فيها الأسرة، نربي فيها الأمة، نربي فيها المجتمع، ندعو إليها في كل مكان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534577,"book_id":2827,"shamela_page_id":366,"part":"17","page_num":17,"sequence_num":366,"body":"تؤدي إلى استقلال الأمة\rترجع أهمية هذه العقيدة إلى أن لها أثراً عظيماً في حياة الأمة وحياة المجتمع، ومن تلك الآثار: أولها: استقلال الأمة، فإنه لا يتم ذلك إلا باستقلالها في توحيدها وعقيدتها واعتزازها بدينها، وانظروا كيف كان حال العرب في الجاهلية قبل مبعث محمد بن عبد الله ﷺ، كانوا متفرقين، كانوا يدينون بالولاء مرة للروم ومرة للفرس، فكيف استطاع العرب أن يستقلوا؟ وكيف استطاع العرب أن يقودوا العالم؟ إن ذلك لم يتم إلا حين استجابوا للمبعوث محمد ﷺ، فآمنوا به وصدقوه وناصروه، وآمنوا بالله الواحد القهار رباً، ومن ثم تحولت حياتهم إلى حياة أخرى، ولم يمض عليهم وقت قصير إلا وقد أصبحوا قادة الأمم وسادتها، وهذه تجربة تاريخية مشاهدة أمام أعيننا.\rإن استقلال الأمم في جميع أمورها -الفكري، والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره- لا يكون إلا حينما تغرس العقيدة في هذه الأمة، فإذا غرست هذه العقيدة السليمة الصحيحة في هذه الأمة فلا بد أن يظهر فيها الاستقلال، ولا تكتفي بذلك، بل تعود قائدة رائدة للأمم جميعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534578,"book_id":2827,"shamela_page_id":367,"part":"17","page_num":18,"sequence_num":367,"body":"تحقق الأمن والأمان\rالأمر الثاني: وهو الأثر الكبير في حياة الأمة حينما تعتصم بعقيدتها، إنه الأمن، وما أدراكم ما الأمن؟ قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك، هكذا فسره الرسول ﷺ، يتحقق الأمن حينما تخلص الأمة عبوديتها لله وحده لا شريك له، وحين تتخلص من عبودية الشرق أو الغرب، وحين تتخلص من عبودية الكرة والتمثيلية، وحين تتخلص من عبودية المادة، وحين تتخلص من عبودية الجن والسحرة والصوفية والقبورية، وحين تتخلص من عبودية العلمنة التي أصبحت تعيش بيننا ليلاً ونهاراً، إذا تخلصت من العبودية لتلك الآراء والأفكار، أتاها الأمن بإذن الواحد القهار، ونقف عند تجربة تتعلق بالأمن.\rأيها الإخوة المؤمنون! كانت قريش في الجاهلية قبيلة من القبائل تعيش مثل غيرها، ولكن جرى لها قبل مبعث النبي ﷺ بأربعين عاماً قضية وقصة مشهورة، ألا وهي أن أحد الكفار أراد أن يهدم الكعبة التي بناها إبراهيم، وكان يدين بدين النصرانية، وهو أبرهة، فجاء إلى مكة ليهدم الكعبة، وكانت قريش تعبد الأصنام، ولما جاء أبرهة بفيلته لم تستطع قريش مقاومته؛ لأنها لم تكن صاحبة عقيدة، بل فروا إلى الجبال وهم العرب الشجعان، انهزامية كما ينهزم العرب اليوم أمام أحفاد القردة والخنازير؛ لأنهم يرفعون راية العروبة ولا يرفعون راية العقيدة، وفرت قريش إلى الجبال، ولكن الله ﷾ كان يريد لهذه الجزيرة أمراً آخر، فجاء أبرهة، وقبيل دخوله بجيشه مكة أرسل الله عليه طيراً أبابيل من السماء تحمل حجارة من سجيل فقضت عليه، فكيف انتهت النتيجة أيها الإخوة الأحباب؟! انتهت النتيجة بأن أبرهة هزم شر هزيمة، هزيمة نكراء، هزيمة تحدثت عنها الأمم في مشارق الأرض ومغاربها في ذلك الوقت، لكن على يد من؟ ليست هزيمته على يد قريش، وإنما جاء النصر من الله ﷾، ووقع أن قريشاً كسبت القضية لأمر أراده الله ﷾، فتحولت مكة وما حولها إلى أمن، حتى أصبح الإنسان في أي مكان سواء كان لصاً أو رئيس قبيلة تريد أن تغير على غيرها، سواء كان ذا قوة أو ليس ذا قوة؛ لا يفكر أبداً بأن يغزو قريشاً ولا أن يتعرض لها.\rأيها الإخوة في الله! قفوا عند هذه القضية فإنها مهمة، أمن الله قريشاً، بل أمن قوافلهم التي تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب في رحلة الشتاء والصيف، ولا يفكر أحد أن يعتدي عليها، لماذا؟ لأن قريشاً نصرت ذلك النصر العجيب، حين أرسل الله على أعدائها طيراً أبابيل، ولهذا لما بعث النبي ﷺ، وأراد أن يجهر بالدعوة؛ قال كلمته المشهورة وقد صعد على الصفا: (يا معشر قريش! لو أخبرتكم أن خيلاً خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟! قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد).\rقد يسأل سائل ويقول: إن هذا قياس مع الفارق، الرسول يقول: لو أخبرتكم أن جيشاً خلف هذا الوادي يريد أن يغير عليكم هل تصدقوني؟ قالوا: نعم؛ فاحتج عليهم بهذا أنه رسول من عند الله، إذاً: هو قياس مع الفارق، فمن الصعب أن يقول قائل: يا محمد! لو أخبرتنا أن هناك جيشاً لصدقناك، لكن أن تكون رسول الله فلا! لكن القضية هي متعلقة بقريش، فالأمن تحول عند قريش إلى أمن شامل حتى أصبح من المستحيلات، بل من عاشر عاشر المستحيلات أن يفكر في غزو مكة، فكأن الرسول يقول لهم: يا قريش! أنتم تعلمون أن هذا من المستحيل أن يأتي أحد ليغير عليكم، لكن ناشدتكم الله لو قلت: إن هناك جيشاً -مع أنه مستحيل- أتصدقوني؟ قالوا: لو أخبرنا واحد غيرك لكذبناه، لكن لأنك محمدٌ الأمين فلا نكذبك، فقال لهم: إذا صدقتموني في هذا الأمر البعيد المستحيل لو أخبرتكم به؛ فصدقوني في أمر آخر وهو أني رسول رب العالمين، جئتكم بين يدي عذاب شديد، وكانت الحجة قاطعة، ولكن هل استجابت قريش لرسول الله ﷺ، وقد أنعم الله عليها بالأمن؟ لا والله.\rإن من المؤسف حقاً أن قريشاً لم تستجب، ولكنها احتجت بحجة غريبة جداً فقالوا للرسول ﷺ ما حكاه الله عنهم: ﴿َقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧]، قالوا: يا محمد! إن نؤمن بك تهجم علينا القبائل وتقاتلنا، انتبهوا إلى الحجة! إن نتبعك يا محمد تهجم علينا القبائل عن يميننا وعن شمائلنا ومن أمامنا ومن خلفنا، وتقتلنا وتزيل هذا الأمن! فقال الله تعالى مجيباً لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص:٥٧]، كيف تحتجون بهذه الحجة؟ من الذي مكنكم حتى أصبحتم آمنين؟ إنه الله الذي أنزل على قلب محمد هذا القرآن، فلماذا تعكسون القضية؟ تعالوا -أيها الإخوة- إلى واقعنا اليوم، واقعنا اليوم هو نفس واقع قريش، إذا دعا الداعية وقال: أيها الناس! التزموا العقيدة، طبقوا الشريعة، قالوا: الغرب يأبى علينا، ولا يريدوننا أن نطبق العقيدة، إنهم سيهجمون علينا وسيقاتلوننا وسيزيلون ملكنا وسيصنعون وسيصنعون، سبحان الله هذه هي حجة قريش: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)، وهؤلاء يقولون: إن نطبق الشريعة يغضب علينا الغرب، ويهجم علينا، ويقطع عنا المصالح! قال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا)، ونحن نقول: أولم ينعم الله عليكم بالأمن؟ إن الحفاظ على الأمن لا يكون ولن يكون إلا بالحفاظ على هذه العقيدة، وعلى ما انبثق منها من شريعة، وهذه حقيقة لا شك فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534579,"book_id":2827,"shamela_page_id":368,"part":"17","page_num":19,"sequence_num":368,"body":"مصادر تلقي العقيدة الصحيحة\rهذه العقيدة التي ندعو إليها والتي بدأها رسولنا ﷺ، والتي جددها المجددون في كل قرن، وقد جددها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في هذه البلاد؛ هي عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، هي الخط المستقيم حينما خط رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، ثم خط من حوله خطوطاً أخرى، فقال ﷺ (هذا سبيل الله، وهذه سبل الشيطان)، والعقيدة التي يجب أن نعتصم بها وأن ندعو إليها: هي عقيدة السلف، ومن ثم فإننا نحب أن نبين قضية كبرى تبين منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في هذه العقيدة، ألا وهي مصدرهم في تلقي هذه العقيدة، ما هي مصادر تلقي هذه العقيدة؟ ومن أي مصدر نأخذها؟ وكيف نأخذها؟ إن مصادر تلقي هذه العقيدة تقوم على الأسس التالية:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534580,"book_id":2827,"shamela_page_id":369,"part":"17","page_num":20,"sequence_num":369,"body":"ثالثاً: الإجماع\rثالثاً: المصدر الثالث بعد الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح: الإجماع، أي: ما أجمع عليه المسلمون وما أجمع عليه السلف الصالح خاصة، وقد يقول قائل: إن الإجماع إنما هو في باب الأحكام الشرعية، ونحن نقول: لا، إن الإجماع يكون أيضاً في باب العقائد، كم من قضية من القضايا محكومة عند سلفنا الصالح لا تحتاج إلى نقاش، بل تتحول عندنا إلى ثوابت لا تتغير بتغير الزمان والمكان، لكنّ علمانيي وحداثيي زماننا عندهم شيء اسمه الثوابت والمتغيرات، يقولون: إن هناك كثيراً من المتغيرات تتغير بتغير الزمان والمكان، ونحن نقول: إن الذي يتغير هو أشكال الحياة ومادياتها، لكن أصولها لا تتغير، العبادة لله وحده لا شريك له، هي عبادة لله وأنت في كهف، وأنت تحت ظل شجرة، وأنت في خيمة، وأنت في الطائرة محلق في الفضاء، العبودية هي العبودية لله.\rطاعة الرسول ﷺ هي طاعته ﵊، أحكام الله ﷾ ثابتة، حكم الله في المسح على الخفين لا يتغير بتغير الزمان والمكان، التيمم إذا عدم الماء أو عجز عن استعماله لا يتغير، حكم الله ثابت، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان بمحمد ﷺ واتباع شريعته كل ذلك لا يتغير.\rإذاً: في عقيدتنا ثوابت وأصول هي محل إجماع لا تتغير بتغير الزمان والمكان، أما ضعفاء الإيمان علمانيو عصرنا وحداثيوهم ومبتدعوهم فإنهم يريدون منا أن نغير حتى في تلك الثوابت التي لا يمكن أن تتغير، لقد قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي هو بشرى لكل مؤمن: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎.\rأيها الإخوة في الله! ومن مصادر التلقي هذه يتميز منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومن هنا فإننا إذا أردنا أن نغرس العقيدة في النفوس، وأن نعود إلى هذه العقيدة؛ فلا بد أن نعود إليها بأصولها ومصادرها كلها، لابد أن نعود إليها بفهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وحينما نحقق ذلك نعمر الكون، وحينما نحقق ذلك لا ننزوي وننكس رءوسنا ونموت، بل نعمر الأرض كما عمرها سلفنا الصالح، لقد فتحوا البلاد شرقاً وغرباً وعمروها وتقدموا علمياً في المخترعات، وحضارة أوروبا الآن إنما نشأت حينما اقتبسوا علومنا المادية.\rأيها الإخوة في الله! إنه لابد أن نعتصم بالله حتى نعود كما كنا أعزة بدين الله، معتصمين به، حتى نعود كما كان أسلافنا الصالحين رحمهم الله تعالى على إيمان قوي نرفع جباهنا أمام الأمم، معتصمين بالله متوكلين عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534581,"book_id":2827,"shamela_page_id":370,"part":"17","page_num":21,"sequence_num":370,"body":"ثانياً: الاعتماد على فهم الصحابة\rالأساس الثاني: اعتصامنا بالكتاب والسنة لا يكفي بمجرده، بل لا بد من أمر آخر، ألا وهو الاعتماد على فهم الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ لأنهم هم الذين شاهدوا التنزيل، وهم الذين بلغوا الوحي، والقرآن الكريم إنما وصلنا عن طريق الصحابة، وكذلك سنة الرسول ﷺ وصلتنا عن طريق الصحابة ﵃ وأرضاهم، فهم أعلم منا بالكتاب والسنة، فإذا اختلفنا في فهم نص من نصوص الكتاب والسنة؛ فإن الواجب علينا أن ننظر إلى فهم أولئك الصحب الكرام ﵃ أجمعين؛ ولهذا كان أصحابه ﵊ ﵃ قد اختصوا بصفات عظيمة منها: شدة حرصهم على الحديث النبوي واهتمامهم في تفسيره، فهذا أحدهم يقول وهو يحدث عن رسول الله ﷺ: لقد سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به رسول الله ﷺ، وهذا أبو هريرة الصحابي المكثر ﵁ قال له الرسول ﷺ لما سأله: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال له: (لقد ظننت يا أبا هريرة! ألا يسألني عن هذا أحد قبلك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، ثم قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه).\rكذلك أيضاً: كان الصحابة أهل علم وفقه، كانوا يسألون رسول الله، وكانت عائشة لا تستشكل شيئاً إلا سألت رسول الله ﷺ عنه وراجعته فيه، وأنس بن مالك ﵁ يقول: كنا نكون عند النبي ﷺ فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه.\rإذاً: كانوا حريصين على سنة رسول الله ﷺ وحفظها وتبليغها، أما تبليغ القرآن فقد تكفل الله بحفظه، وقد كانوا حفظة له مبلغين، ثم حفظ الله هذا القرآن بجمعه وكتابته في عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان ﵃.\rثم إن هؤلاء الصحابة دعا لهم رسول الله ﷺ، كما دعا لـ أبي هريرة وكما دعا لـ ابن عباس.\rثم إن هؤلاء الصحابة كانوا يحتاطون كثيراً في تحديثهم عن رسول الله ﷺ.\rأيها الإخوة في الله! إننا حينما نقول: إن من مصادر فهم الكتاب والسنة فهم الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ إنما نقول ذلك لأن هذا يحدد المسار الصحيح لمنهج السلف الصالح ﵏.\rلقد وجد في زمننا هذا، بل وجد قبل ذلك من يأخذ بنصوص الكتاب والسنة دون أن يرجع إلى فهم السلف الصالح، فأهل البدع قديماً كانوا يأخذون بالكتاب والسنة مع مصادرهم الأخرى من عقولهم، فإذا قيل لهم: إن هذا مخالف لفهم الصحابة والسلف، قالوا: هم رجال ونحن رجال! فوقعوا في الجدال، ووقعوا في التحريف، بل وقعوا في أنواع من التحريف الباطل الذي هو كفر بالله ﷾، فهؤلاء الرافضة -عليهم من الله ما يستحقون- إذا تلوت على أحدهم قول الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] قال: أتدري ما اللؤلؤ والمرجان؟ اللؤلؤ والمرجان هما الحسن والحسين، الله يقول: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢٢]، وهذا يقول: الحسن والحسين! وإذا تلوت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] في قصة موسى وبني إسرائيل؛ قال لك هذا الباطني الرافضي: البقرة هي عائشة ﵂! وهكذا من دونهم من أهل البدع، يفسرون النصوص بأهوائهم، وفي عصرنا وجد العلمانيون الذين لا يستطيعون رفض التراث -كما يسمونه- لأنهم يعلمون أن الطعن في الكتاب والسنة ردة، ولكن يقولون: نحن لا نفسر القرآن والسنة كما فسرها الصحابة والسلف، فهم رجال ونحن رجال.\rوهذا وقع كثيراً حيث يأتي أحدهم إلى كتاب الله تعالى ويفسر الآية كما يشاء، فتقول له: لقد أجمع المسلمون على هذا الفهم، ولا يجوز الخروج على إجماعهم، فيقول: لا، لكنني أنا عربي وأفهم! وجاءوا بتأويلات وتحريفات لنصوص الكتاب والسنة حتى ضاع الدين، وحتى حولت العلمنة الإسلام في كثير من بلاد المسلمين إلى دين شكلي، وضاعت الشريعة، فالربا تحول إلى ضرورة اقتصادية بفتاوى من هؤلاء، والخمر سميت بغير اسمها، وعطلت الشريعة وإقامة الحدود وتطبيق أحكام الله في جميع الأمور، وقالوا: هذا لا يمكن تطبيقه في عصرنا الحاضر، وإنما هذا يصلح للعصر البدوي! قرأت لأحد الحداثيين يقول عن حكم السرقة: يجب أن نفهم حكم السرقة فهماً عصرياً حديثاً، ويجب أن نرجع إلى أسباب النزول، قال: نزلت آية السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، والعرب كانوا بدواً رحلاً ليس عندهم سجون ثابتة؛ لذلك عدلوا عن السجن إلى قطع اليد، لكن في عصرنا الحاضر بنيت الفلل والبيوت والخرسانة المسلحة؛ فينبغي لنا أن نرجع إلى الأصل فنعدل عن قطع يد السارق إلى السجن! أرأيتم إلى فهم هذا الحداثي! وهو أستاذ الحداثيين في بلادنا.\rأيها الإخوة! إننا حينما نعدل عن فهم السلف الصالح ونترك الحبل على غاربه لكل من يريد أن يفتي بلا علم شرعي؛ يتحول إسلامنا وديننا إلى أن يكون إسلاماً أملس شكلياً، وأعداؤنا يريدون أن يكون إسلامنا شكلياً، لكن يجب أن نعود إلى أصول العقيدة، وأن نرجع إلى المنهج الصحيح في فهم هذه العقيدة وفي تطبيقها، وإن غضب الكثير الكثير من بني جلدتنا وأبناء عمومتنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534582,"book_id":2827,"shamela_page_id":371,"part":"17","page_num":22,"sequence_num":371,"body":"أولاً: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ\rأولها: أن المصدر الأساس لهذه العقيدة: هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ رتب الله عليهما الإيمان في مثل قول الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وتحكيم الرسول إنما هو تحكيم لما جاء به من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ؛ ولهذا قال الله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، لا يتبعون المتشابه، ولا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض كما قال ربنا ﵎ عن المنافقين: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥]، الكتاب والسنة هما مصدر العقيدة، فكتاب الله ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، وسنة النبي ﷺ هي التطبيق العملي لذلك الكتاب، ومن ثم فإننا نأخذ عقيدتنا من الكتاب والسنة، فإن أعظم مصدر للعقيدة هو الكتاب، ووالله لو تأملنا كتاب الله تعالى لوجدنا فيه القضايا العقدية المتعددة، سواء ما يتعلق بتوحيد الربوبية، أو الألوهية، أو الأسماء والصفات، أو الإيمان بالقضاء والقدر أو الإيمان باليوم الآخر، أو بالرسل وعلى رأسهم خاتمهم محمد ﷺ، ففي هذا القرآن ما يشفي الصدور، ويعمر القلوب، ويغذي النفوس بعقيدة صالحة.\rثم بعد ذلك سنة رسول الله ﷺ، والحمد لله أن الله هيأ لهذه الأمة من يمحص سنة النبي ﷺ ويميز صحيحها من ضعيفها؛ فجاءتنا سنة الرسول ﷺ صافية، صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله، صحيح مسلم هو الكتاب الثاني بعد صحيح البخاري، فكل ما فيهما من الأحاديث صحيحة، وهل فيهما عقيدة؟ نعم والله! فيهما عقيدة، بل أبواب من أبواب العقيدة، في صحيح البخاري تجد كتاب الإيمان، تجد كتاب التوحيد، تجد كتاب القدر، تجد كتاب الفضائل لأصحاب رسول الله ﷺ، تجد كتاب بدأ الخلق، تجد كتاب القيامة وما فيها، والجنة وما فيها، أبواب وكتب في صحيح البخاري، وكذلك أيضاً في صحيح مسلم، وكذلك أيضاً في غيرهما من السنن والمسانيد، وكل ذلك عقيدة صافية ممحصة.\rفنحن نجعل هذا الكتاب الكريم والسنة النبوية هما المصدر؛ ولهذا أيها الإخوة في الله! سئل الزهري -الإمام المشهور- عن قول النبي ﷺ (ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود)، ما معناه؟ فأجاب بجواب يبين كيف نتعامل مع سنة الرسول ﷺ، قال ﵀: من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم، نسلم بما جاء من رسول الله ﷺ، ولهذا يقول الله ﷾ في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، فإذا اختلفنا في شيء فإلى من نرده؟ هل إلى أهواء البشر وإلى قوانين البشر وإلى عادات البشر؟ لا، بل نرد الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه عقيدة، فإذا اختلفت الأهواء وتعددت البدع فإلى من نتحاكم؟ نتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ؛ لنميز المنهج الصحيح من غيره، وحين تختلف الأمة في أحكام الحوادث النازلة بها، فيجب عليها عقيدة أن تتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ.\rيقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، وغيرها من الآيات التي تأمر بالتحاكم إلى الكتاب والسنة، يقول شيخ الإسلام: وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق -انتبهوا! - بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة من بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب.\rالمنافقون يريدون التوفيق بين نصوص الوحي وبين أهوائهم، يريدون التوفيق بين العقل وبين النقل، يريدون التوفيق بين نصوص الشرع وبين السياسات الجائرة والقوانين الوضعية، فماذا يقول الله عنهم؟ ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢]، ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق، فبين الله ﷾ أن هؤلاء منافقون.\rأيها الإخوة في الله! ومن هنا فإن التنازع يجب أن يرد حين يقع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ، ومن ثم فإن الناس تجاه الكتاب والسنة ينقسمون إلى أربعة أقسام: القسم الأول: يقبل الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً.\rالقسم الثاني: يقبله ظاهرا ًولكنه يرده باطناً، وهؤلاء هم المنافقون الذين يقولون: نحن نريد الكتاب والسنة، ونعتمد على الكتاب والسنة، ونريد أن تكون عقيدتنا قائمة على الكتاب والسنة، لكنهم في الباطن مخالفون لهذا، ويجلسون مع أعداء الله من المنافقين ومن غيرهم ويقولون لهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].\rالقسم الثالث: من رده ظاهراً وباطناً، وهؤلاء هم الكفار.\rالقسم الرابع: من قبله باطناً، ولكنه جحده ظاهراً لأمر طرأ عليه، وهذا قد يقع لبعض المستضعفين الذين أكرهوا وقلوبهم مطمئنة بالإيمان.\rأيها الإخوة في الله! إن المصدر الأساس لهذه العقيدة هو الكتاب والسنة، وفي الكتاب والسنة ما يغني ويكفي والحمد لله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534583,"book_id":2827,"shamela_page_id":372,"part":"17","page_num":23,"sequence_num":372,"body":"السنة تشمل المتواتر وما صح من الآحاد\rقد أشرت إلى أن مصدر العقيدة هو الكتاب والسنة، والسنة في منهاج السلف الصالح: هي كل ما صح عن رسول الله ﷺ، ومن ثم فلم يكن السلف الصالح رحمهم الله تعالى يفرقون بين ما هو متواتر وآحاد، وعلماء الحديث يقسمون الحديث إلى قسمين: متواتر: وهو ما رواه جمع عن جمع يستحيل عليهم الكذب.\rوالآحاد: وهو ما دون ذلك، إما رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر لكن لم يبلغ حد التواتر.\rمنهاج السلف الصالح أنهم يحتجون بالأحاديث إذا صحت دون أن يفرقوا بين المتواتر وغير المتواتر، لكن أهل البدع من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم قالوا: إن أخبار الآحاد تفيد الظن فلا يحتج بها في باب الاعتقاد، ونقول لهم: إن هذا ضلال وانحراف، ولم يكن أصحاب النبي ﷺ يعرفون هذا التفريق بين أحاديث الآحاد وغيرها، ولم يكونوا يميزون بين العقيدة والأحكام، بل يأخذون بأحاديث الآحاد سواء كانت مما ترتب عليه حكم شرعي أو كان خبراً عن الله أو خبراً عن اليوم الآخر، أو أي قضية من قضايا العصر؛ ولهذا فإن منهج السلف الصالح ﵏ أن الحديث الصحيح إذا ثبت وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يفيد العلم، ويحتج به في باب العقيدة كما يحتج به في باب الأحكام الشرعية، والدليل على ذلك أن الصحابة كانوا يتلقون الحديث ولو كان آحاداً، ولم يكونوا يفرقون بين ما هو عقيدة وما هو شريعة، فالصحابة وصدقوا بأحاديث عذاب القبر وهي أحاديث آحاد ليست متواترة، صدقوا بالأحاديث المتعددة المتعلقة بحوض النبي ﷺ أو بالميزان أو بالصراط أو حتى فيما يتعلق ببعض صفات الله تعالى، وأثبتوها وإن كانت أحاديث آحاد ليست متواترة، لم يكونوا يفرقون بين هذا وهذا، النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، ولما بعثه علمه كيف يدعو فقال له: (يا معاذ إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، فهل قال المسلمون هناك في اليمن لـ معاذ: أنت أتيتنا بعقيدة أنه لا إله إلا الله، لكنك واحد، وهذا خبر آحاد لا نقبل هذا حتى يأتي معك جمع؟! لم يفعلوا ذلك، وإنما استجابوا لـ معاذ.\rوهكذا كان النبي ﷺ يرسل الآحاد إلى الملوك وإلى القبائل معلمين لهم العقيدة شارحين لها، وكان أولئك يتقبلونها دون أن يفرقوا بين العقائد والأحكام.\rإذاً: ما عليه أهل البدع من المعتزلة والمدرسة العقلية الحديثة وغيرهم من الطعن في سنة رسول الله ﷺ؛ مخالف تمام المخالفة لمنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534584,"book_id":2827,"shamela_page_id":373,"part":"17","page_num":24,"sequence_num":373,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534585,"book_id":2827,"shamela_page_id":374,"part":"17","page_num":25,"sequence_num":374,"body":"تحصيل الخوف من الله تعالى\r\rالسؤال\r أنا طالب علم أعرف كثيراً من الأحكام الشرعية، ولكنني أجد نفسي ضعيفاً في فعل الواجبات وترك المحرمات، فكيف أنمي في نفسي الخوف من الله ﷿؟\r\rالجواب\r ندعو الله لك ولنا وللحاضرين، أن يقوي إيماننا، فكلنا نمر بهذا الضعف الذي تمر فيه، كلنا نمر بهذا ونقع في المحرم، ولهذا فإنني أقول لك أولاً: لا يدخل عليك الشيطان لييئسك من رحمة الله، الشيطان على الإنسان حريص يريد أن يضله، وله مع الإنسان في المعصية مرحلتان خبيثتان، إحداهما: قبل المعصية، يأتيه الشيطان ويزين له المعصية: هذه بسيطة وسهلة! ولا يدري عنك أحد! ولا كذا ولا كذا إلى آخره، حتى يورط الإنسان فيقع في المعصية، فإذا ما وقع في المعصية أتاه الشيطان مرة أخرى بطريقة ماكرة خبيثة، فقال له: أتدري ماذا صنعت؟ إنك فعلت كذا وكذا، إنك أغضبت الله، إنك إنسان منافق لا تصلح للإيمان، إنك إنسان يظن الناس فيك الخير لكنك خبيث النفس! ولا يزال به حتى ييئسه من رحمة الله! انظر كيف الخبث، قبل المعصية يزينها له، وبعد المعصية ييئسه من رحمة الله ﵎؛ ولذلك فإنني أنصحك أولاً: ألا تخضع للشيطان لتقع في اليأس من رحمة الله.\rثانياً: أن تبحث عن الوسائل التي تقوي إيمانك وأنت في هذه الحالة، والمريض أدرى بنفسه وبعلاجه، ابحث عن العلاج، الأدوية موجودة، القرآن شفاء، السنة النبوية نور، مجالسة الصالحين تقوي الإيمان، وعبادة الله ترفع الإنسان درجات وتقوي إيمانه، ذكر الله على كل حال يقوي إيمانك، الأدوية موجودة ومتوافرة والحمد لله، فابحث عما يصلح لك ويقوي إيمانك، وأنا أقول لك: إن هذه الأدوية تتفاوت فابحث عن الدواء الناجح، بعض الناس إذا قرأ القرآن استراح قلبه وقوي إيمانه، لكن بعض الناس إذا أخذ يقرأ القرآن أتاه وتسلط عليه الشيطان؛ فليبحث عن دواء آخر، ليبحث مثلاً عن الأخ الوفي الصادق الصالح ليجالسه كما قال عمر بن الخطاب لولا ثلاث لما أحببت البقاء في الدنيا -وذكر اثنين ثم قال:- وأناس يلتقطون أطايب الكلام كما يلتقط أطايب التمر، فاجلس معه، فإنك ربما تأتيه وأنت ضائق الصدر فتجده مرتاحاً، تجده مشمراً، عنده تفاعل عظيم وثقة في الله، فإذا ما جلست معه وتحدثت وإياه تأثرت به، فأصحاب النبي ﷺ كان الواحد منهم يقول لأخيه: يا فلان! تعال اجلس بنا نؤمن ساعة، لما يجد من أثر الأخوة الصادقة، فابحث عن هذه العلاجات وادع ربك، فإن الله ﷾ أخبرنا بأن العبد إذا تقرب إلى الله شبراً تقرب إليه باعاً، وإذا أتى الله يمشي أتاه هرولة، ولا يزال العبد يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه الله، فإذا أحبه الله فما أعظم سعادته! يتحول إلى إنسان رباني، تتحول حياته كلها إلى طاعة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من هؤلاء.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534586,"book_id":2827,"shamela_page_id":375,"part":"17","page_num":26,"sequence_num":375,"body":"حكم تعليق الخيوط على البطون مع اعتقاد نفعها\r\rالسؤال\r بعض الناس يعلقون سيوراً على بطونهم، ويعتقدون أنها تنفعهم، فما حكم من فعل ذلك جهلاً، أفيدونا أفادكم الله؟\r\rالجواب\r هذه من التمائم، وهي من الشرك، وقد حذر منها رسول الله ﷺ، وحكمها واضح، ونحن نقول: من علقها جهلاً يجب أن يعلم، فإذا رأى الإنسان شخصاً علق سلسلة في يده أو حلقة في عضده أو حبلاً أو سيراً على بطنه من جلد أو غير ذلك فهذه من التمائم التي هي شرك، وهذه التمائم إن اعتقد صاحبها أنها بذاتها تدفع عنه من دون الله فهذا شرك أكبر، لكن إن اعتقد أن الذي يرفع الضر أو المرض هو الله لكنها سبب، فهذا شرك أصغر، يخاف على صاحبه من العذاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534587,"book_id":2827,"shamela_page_id":376,"part":"17","page_num":27,"sequence_num":376,"body":"الضابط في معرفة إجماع السلف\r\rالسؤال\r فضيلة الشيخ! لقد أشكل علي فهم المصدر الثالث وهو الإجماع، فهل المقصود به إجماع الصحابة أم إجماع من بعدهم حتى إجماع علمائنا في هذا العصر؟\r\rالجواب\r الإجماع يشمل العقيدة والأحكام، كانت هناك أحكام مجمع عليها في عهد الصحابة، أحكام شرعية في الصلاة والزكاة والحج والطلاق وغيرها، وكانت هناك أشياء وأمور أجمع عليها التابعون، وهناك أمور أجمع عليها العلماء في القرن الثالث، على خلاف بين العلماء في حجية الإجماع، فهذا إجماع في باب الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية تقبل الاختلاف، ويختلف فيها نظر المجتهد، والصحابة اختلفوا، ومن ثم وجدت المذاهب الفقهية، فقيل المذهب الشافعي والحنبلي والمالكي والحنفي، ولم ينقطع الاجتهاد إلى عصرنا الحاضر، فلا يزال الاجتهاد قائماً لأهل الاجتهاد، فهم يجتهدون في المسائل، فإذا وقع الإجماع في أي عصر من العصور فإنه يكون حجة، ولا يجوز لأحد أن يخالفه.\rالقضية الثانية: الإجماع في قضايا العقيدة، قضايا العقيدة ما فيها خلاف؛ ولهذا فإن الذي يخالف في العقيدة مبتدع، ليس لنا أن نقول: هل استوى الله على العرش؟ فيها قولان: قيل: يثبت أنه استوى، وقيل: استولى! ليس عندنا هذا، ما عندنا إلا قول واحد أجمع عليه السلف ألا وهو: أن الله استوى على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، ومن قال: استولى أو نفى العلو فهو ظالم؛ لهذا فإنا نقول: إجماع الصحابة حتى نحتج على أهل البدع، فإن العقيدة أجمع عليها الصحابة ولم يختلفوا إلا في أمور يسيرة قابلة للاجتهاد، مثل هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج بأم عينيه أم لا؟ اختلف الصحابة في هذه المسألة، والقول الصحيح أنه لم يره بأم عينيه، والصحابي الذي قال: رآه بأم عينيه رجع عن هذا القول.\rإذاً: ما أجمع عليه الصحابة في أمور الاعتقاد، وما أجمع عليه السلف الصالح يحدد فهمنا للنصوص المتعلقة بالعقيدة، وهذا الإجماع حجة؛ ولذلك لا يأتي أحد الآن ينكر قضية من القضايا المتعلقة بأسماء الله أو صفاته أو الإيمان باليوم الآخر أو الملائكة، وهي أخبار غيبية واردة وموجودة نصوصها، ولا تختلف فيها النصوص، ولا يختلف فيها الصحابة، فلا يأتي أحد في يوم من الأيام ويقول: هل في هذه المسألة أقوال، ومن ثم فإننا نقول: ما أجمع عليه الصحابة وكذلك أيضاً ما أجمع عليه السلف الصالح في القرون المفضلة الثلاثة فهو حجة، من جاء بعدهم يوزن وتوزن أقواله بأقوال هؤلاء؛ ولذلك فإننا نعتبر المخالف من أهل البدع، مثلاً: الصحابة أجمعوا على الإيمان بالقضاء والقدر، ووجد في آخر زمن الصحابة من يقول: إن الأمر أنف، لم يسبق لله فيه علم، فهل نقول: هذا فيه خلاف وليس فيه إجماع؟! الصحابة أجمعوا على الإيمان بالقضاء والقدر، وخلاف هؤلاء لا يعتد به، ومن ثم فإن هذا هو الإجماع الذي يعتمد، ثم في القرن الرابع نشأ المذهب الأشعري، أو نشأ المذهب الماتريدي، أو نشأ مذهب الكرامية، أو غيرهم من أهل البدع، فإذا جاء أحدهم يقول: أنا عندي العالم الفلاني يقول: كذا وكذا ينفي العلو أو ينفي صفة من صفات الله أو نحو ذلك، فماذا نقول له؟ أنقول له: المسألة خلافية؛ لأن القضية اختلف فيها في القرن الرابع أو الخامس، وما دام قال العالم الفلاني كذا والعالم الفلاني كذا، فالمسألة خلافية، وكل واحد له اجتهاده، ومن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر؟! لا فهذه القضية لم يختلف فيها الصحابة، أجمع عليها الصحابة وإجماعهم حجة، فنقول: ائتني بدليل أو بقول واحد من هؤلاء يقول بقول هذا العالم! ولهذا قال العلماء حتى في باب الأحكام الشرعية: إن العلماء إذا أجمعوا على عمل لا يجوز لمن بعد زمنهم أن يخالف فيه، كذلك نحن نقول: أجمع الصحابة وأجمع السلف الصالح من القرون المفضلة على هذه العقيدة وعلى فهمها الصحيح، فمن جاء في القرن الرابع أو الخامس أو السادس أو العاشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر ليقول بقول مخالف لهذا فإننا نرد قوله؛ لأنه مخالف لإجماع السلف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534588,"book_id":2827,"shamela_page_id":377,"part":"17","page_num":28,"sequence_num":377,"body":"الكتب والمتون التي ينصح بدراستها وحفظها\r\rالسؤال\r ما هي المتون التي ترشدنا إلى أن نحفظها في هذه العقيدة العظيمة؟\r\rالجواب\r لقد بينا أن مصدر العقيدة هو الكتاب والسنة؛ لذلك فإننا نقول: إن الذي يجب أن يعتمد عليه الإنسان أولاً في العقيدة هو مصدرها الأصلي، ارجع إلى الكتاب والسنة، والإنسان إذا وفق لحفظ كتاب الله أو حفظ ما تيسر منه، وواظب على تلاوة هذا الكتاب العظيم، ينبغي له أن يتجه أيضاً إلى الحرص على سنة رسول الله ﷺ، فيحفظ منها ما شاء الله، وهذا الإنسان بدون شك أنه يرجع إلى حفظه ذلك؛ لذلك فأي مصدر آخر وأي كتاب آخر سنذكره فهو يرجع إلى الكتاب والسنة.\rوإذا أردت أيها السائل تحديداً للكتاب الذي ترى أن ترجع إليه في باب العقيدة فأقول: إن كتب العقيدة كثيرة والحمد لله، فارجع أولاً بعد الكتاب والسنة إلى كتب السنة التي تبين عقيدة السلف، ثم إلى كتب الأئمة الذين شرحوا وبينوا هذه العقيدة، مثل كتب ابن قتيبة، وكتاب السنة لـ ابن أبي عاصم، وكتاب السنة للالكائي، وكتاب العلو للذهبي، وكتاب الشريعة للآجري، وكتاب التوحيد لـ ابن مندة، وكتاب الإيمان لـ ابن مندة، وكتاب الدارمي في الرد على الجهمية.\rوفي العصور التي تلت ذلك ارجع إلى كتب شيخ الإسلام، وبالأخص ما تجده في مجموع الفتاوى في المجلدات الأولى، فإن فيها العقيدة الواسطية، والتدمرية، والحموية، والمراكشية، وكتاب شرح الأصفهانية ليست موجودة فيها لكن هي مطبوعة مستقلة، وهذه الكتب لـ شيخ الإسلام هي كتب ذات منهج سليم في بيان عقيدة السلف الصالح ﵏.\rوفي العصر الحاضر ارجع إلى كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وإلى شروحه، ومن أفضلها فتح المجيد، وإلى شرح العقيدة الواسطية للشيخ الفوزان أو للشيخ العثيمين أو لغيرهما من الفضلاء، فإن شروحها كثيرة، الشيخ عبد العزيز السلمان له شرح، والشيخ ناصر الرشيد له شرح، والشيخ زيد الفياض له شرح، فكل واحد من هذه الشروح كاف، وقد أجاد فيها أصحابها وفقهم الله جميعاً، وهي على منهاج السلف الصالح.\rولابد أن تجمع بين كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وشرحه وبين الواسطية؛ لتجمع بين شرح توحيد العبادة وتوحيد الأسماء والصفات.\rوأوصيك أخيراً بكتابين أحدهما: كتاب طيب جداً يصلح للمبتدئين من طلبة العلم، ألا وهو أعلام السنة المنشورة للشيخ حافظ حكمي فإنه أتى به على صيغة السؤال والجواب بما يقارب المائتي سؤال، وهو كتاب مبسط ممتاز، وهو -والحمد لله- مطبوع ومنتشر.\rالكتاب الثاني -وهو كتاب واسع الانتشار- ألا وهو معارج القبول للشيخ حافظ حكمي أيضاً، وهذا الكتاب متكامل فيه شرح لعقيدة السلف وتوضيح لها بشكل ممتاز جداً، شرح توحيد الربوبية والأسماء والصفات وتوحيد الألوهية وما يضاده ومسائله والشرك وأنواعه والنفاق، شرح هذه الأمور بشكل ممتاز جداً فارجعوا إليه، والكتاب الأول (أعلام السنة) يكاد أن يكون مختصراً لهذا الكتاب، والكتب كثيرة يكفي منها ما ذكرناه.\rأما بالنسبة للمتون التي سأل عنها الأخ فإنها -والحمد لله- كثيرة، لكن أوصي بثلاثة متون أحدها: العقيدة الواسطية، الثاني: لمعة الاعتقاد، الثالث: سلم الوصول للشيخ حافظ حكمي، والأولان نثريان، أما الثالث -وهو سلم الوصول- فهو نظم، وهو الذي شرحه الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول، وسلم الوصول يمتاز بتكامله وشموله للعقيدة وسهولته ووضوحه، وهناك متون مفيدة كثيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534589,"book_id":2827,"shamela_page_id":378,"part":"18","page_num":1,"sequence_num":378,"body":"حلقات تعليمية - السيرة النبوية في العهد المدني - غزوة تبوك\rغزوة تبوك هي آخر غزوة غزاها النبي ﷺ، وقد لاقى فيها النبي ﷺ وأصحابه المشاق والمتاعب، وعانوا من قلّة الظهر والزاد، ولهذا سميت غزوة العسرة، ولذلك ففيها دروس وعبر عظيمة، ومن خلالها ظهرت حكم وتشريعات جليلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534590,"book_id":2827,"shamela_page_id":379,"part":"18","page_num":2,"sequence_num":379,"body":"غزوة تبوك مواقفها ودروسها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534591,"book_id":2827,"shamela_page_id":380,"part":"18","page_num":3,"sequence_num":380,"body":"سبب تسمية غزوة تبوك بهذا الاسم\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.\rأما بعد: فموضوع هذا الدرس عن آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ، ألا وهي غزوة تبوك، وإن الإنسان لينظر اليوم إلى حال إلى الأمة الإسلامية فيرى عجباً، ويقرأ في سيرة الرسول ﷺ فيرى فيها من العبر والعظات ما يجعل اقتفاء أثر تلك السيرة أمراً واجباًً علينا جميعاً، وحديثنا عن هذه الغزوة -إن شاء الله تعالى- سيكون حديثاً موجزاً؛ لأن هذه الغزوة تحتاج إلى عدد من الدروس، وما دمنا سنوجز فسنضطر أحياناً إلى الاختصار، سواء كان في السياق أو في بعض الدروس.\rوأقول في البداية: إن أول قضية سنعرض لها هو مجمل مختصر لسياق هذه الغزوة: هذه الغزوة سميت بغزوة تبوك لأن النبي ﷺ لما قدم متوجهاً إلى جهة الشام وكان في منطقة المنتصف بين المدينة ودمشق تقريباً قال ﷺ: (إنا قادمون غداً إلى عين، فمن وصل منكم إليها فلا يمسها)، ولكن سبق إليها اثنان فمساها، فلما أقبل رسول الله ﷺ على العين وجدها تسرب سرباً ضعيفاً، فقال للرجلين: (هل مسستماها؟ قالا: نعم.\rفسبهما رسول الله ﷺ، وقد كانا يبوكانها -أي: يحركانها- ليزداد ماؤها، والنبي ﷺ نهى أن تمس حتى تبقى عيناً فائضة، فسميت الغزوة من هذه الحادثة؛ لأنهما كانا يبوكان العين، أي: يحركانها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534592,"book_id":2827,"shamela_page_id":381,"part":"18","page_num":4,"sequence_num":381,"body":"تاريخ وقوع غزوة تبوك\rوهذه الغزوة كانت سنة تسع من الهجرة في شهر رجب، وكانت في وقت القيظ والحر الشديد، حتى قال الواصفون لها: إن الحر كان قد اشتد، وطابت الظلال والثمار، فأمر رسول الله ﷺ المسلمين بأن يتأهبوا لغزو الروم، والروم في عرف ذلك الزمان كانت أقوى دولة في العالم، سواء من جهة موقعها الجغرافي، أو من جهة نفوذها، فقد كانت متنفذة على كثير من نصارى العرب في شمال الجزيرة، بل وفي جنوبها.\rوأمر رسول الله ﷺ المسلمين جميعاً بالنفير، ولما كان الأمر كذلك، وكان النفاق قد اشرأب- كما سيأتي بعد قليل إن شاء الله تعالى- أخذ يتباطأ بعض المنافقين، وأخذ المسلمون الصادقون يتهيئون للجهاد مع رسول الله ﷺ، وحظ على النفقة، فأنفق الصحابة ما لديهم من مال، وتنافسوا في ذلك، ثم تجمع ذلك الجيش الكبير الذي بلغ -على أصح الروايات- أكثر من ثلاثين ألفاً، وسار رسول الله ﷺ بذلك الجيش قاصداً الروم في بلاد الشام.\rوفي أثناء سيره ﷺ جرت له معجزات، وجرت له أحداث كثيرة جداً، ثم إنه ﷺ لما وصل بجيشه إلى عين تبوك أقام في تلك العين قرابة عشرين يوماً، ولم يلق قتالاً، وإنما أرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر صاحب دومة الجندل، فغزاه خالد بن الوليد، وأتى به إلى رسول الله ﷺ، فأطلق الرسول ﷺ سراحه على أن يدفع الجزية، ثم صالح رسول الله ﷺ صاحب أيلة، وأهل جرباء، وأذرح، وأعطوا رسول الله ﷺ الجزية، أما الروم فإنهم لم يقع بينهم وبين رسول الله ﷺ قتال، ثم إنه ﷺ بعد أن بقي تلك المدة رجع إلى المدينة النبوية ظافراً منتصراً قد أظهر هيبة الإسلام أمام الروم وأمام غيرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534593,"book_id":2827,"shamela_page_id":382,"part":"18","page_num":5,"sequence_num":382,"body":"سبب غزوة تبوك، وسبب تسميتها بغزوة العسرة\rكان للمسلمين في هذه الغزوة العظيمة دروس وأي دروس! ولما كان استعراض تلك الغزوة يطول بنا فإننا آثرنا أن نقف بعد هذا العرض الموجز السريع عدة وقفات تبين شيئاً من أحداثها.\rوأول وقفة نشير إليها هنا هي: سبب هذه الغزوة، ولماذا سميت بغزوة العسرة؟ قال ﷾: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:١١٧].\rوقد ذكرت عدة أسباب لهذه الغزوة، لكن المتأمل لها يجد أنها أسباب ضعيفة.\rفقد قيل: إن نصارى العرب قالوا لـ هرقل: إن هذا النبي قد مات، فأدرك دينك واهجم على جزيرة العرب.\rفاستعد هرقل لحرب الرسول ﷺ والمسلمين في الجزيرة، فعزم الرسول ﷺ على قتالهم.\rوقيل: إن اليهود قالوا للنبي ﷺ: لو أنك ذهبت إلى بلاد الشام لأنها بلد الأنبياء وبلد المحشر.\rفذهب الرسول ﷺ إلى هناك استجابةً لقول هؤلاء، ونزل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٦]، ولكن أيضاً هذا القول ضعيف؛ إذ كيف يخرج النبي ﷺ بأمر من يهود وهو يعرف كذبهم وخداعهم؟ كذلك أيضاً قيل: إن الروم جمعوا جموعاً لحرب النبي ﷺ فأراد الرسول أن يواجههم هناك.\rكذلك أيضاً قيل: إن الرسول ﷺ إنما غزا هذه الغزوة ثأراً لابن عمه جعفر بن أبي طالب الذي استشهد في مؤتة.\rوكل هذه الأقوال ليس لها سند صحيح، فكل هذه الأسباب إما أسباب ضعيفة، وإما أسباب باطلة لا تليق بمقام رسول الله ﷺ.\rويأتي السؤال هنا: إذاً ما هو سبب هذه الغزوة؟\rو \rالجواب\r الحقيقة أن المتأمل لأحداثها ومنهج رسول الله ﷺ في الجهاد يجد أن سبب هذه الغزوة هو مشروعية الجهاد في سبيل الله، أي أن الرسول ﷺ أراد أن يعلم أصحابه من بعده، وأراد أن يعلم هذه الأمة أنه لابد من الجهاد في سبيل الله امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿َوقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦].\rوامتثالاً لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:١٢٣]، فخرج النبي ﷺ لملاقاة الروم لإثبات أن هذا الدين هو الدين الحق، وأن هذا الدين هو الذي يجب أن يسود في الأرض، وأن المسلمين واجب عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله، وأن لا يتركوا الجهاد أبداً، ومن ثَّم قال رسول الله ﷺ: (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا).\rإذاً: هو تخطيط من رسول الله ﷺ، تخطيط دقيق في آخر غزوة غزاها، حيث أراد أن يعلَّم المسلمين أن الإسلام وأن الفتوحات يجب أن تنتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الذي فعله أصحاب رسول الله ﷺ، فما توقفوا ﵃ بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى في مكان، وإنما امتدت الفتوحات إلى بلاد فارس، وإلى بلاد الروم، وإلى مصر، وإلى مشارق الأرض ومغاربها، وصلوا إليها فاتحين مجاهدين في سبيل الله، ينشرون العدل والتوحيد والإيمان والحكم الإسلامي الذي يبنى على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ثم حين تخضع البلاد لحكم المسلمين ولهيمنتهم لا إكراه في الدين بالنسبة لأهل الكتاب في غير جزيرة العرب، ولهذا فرسول الله ﷺ في هذه الغزوة علم أمته ذلك.\rوهذه الغزوة سميت غزوة العسرة؛ لأنها تميزت بجوانب مختلفة عن غيرها من الغزوات، ومن ذلك: أولاً: أنها كانت في شدة الحر، وفي لهيب القيظ المحرق، ولقد وصف أصحاب النبي ﷺ ما وجدوه، حتى قال قتادة: خرجوا إلى الشام في تبوك في لهيب الحر على ما يعلم الله من الجهد، حتى ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، وهكذا.\rويقول عمر بن الخطاب ﵁: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك فنزلنا منزلاً، فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع من شدة الحر).\rثانياً: أنه كان في هذه الغزوة سفر بعيد، وليست غزوة يصلون إليها خلال يوم أو يومين، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة:٤٢]، فكان السفر بعيداً.\rثالثاً: أن العدو خطير، وهو الروم بجيوشهم وعتادهم وسلطانهم ونفوذهم، ولقد كانت قلوب المنافقين تتقطع في المدينة خوفاً من مواجهة الروم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\rرابعاً: أن الجيش الإسلامي كان جيشاً ضخماً يحتاج إلى مؤن، ويحتاج إلى استعداد، والمسلمون في غاية الحاجة والفقر.\rولهذه الأسباب كانت هذه الغزوة غزوة عسرة، وقد تربى فيها أصحاب النبي ﷺ أيما تربية، ولهذا كانت هذه الغزوة فيها من العبر وفيها من الدروس وفيها من مواقع التربية الشيء الكثير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534594,"book_id":2827,"shamela_page_id":383,"part":"18","page_num":6,"sequence_num":383,"body":"بعض دلائل النبوة التي وقعت للنبي ﷺ في غزوة تبوك\rالوقفة الثانية: الآيات ودلائل النبوة التي وقعت في هذه الغزوة.\rلقد كان رسول الله ﷺ وهو في هذه الغزوة التي اشرأب فيها النفاق يؤيده الله ﷾ بأنواع من المعجزات، ونذكر نماذج من ذلك: ففي بعض الأماكن وهم في سيرهم إلى تبوك أصبح المسلمون ولا ماء، فشكوا إلى رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ ربه، فنشأت سحابة في الحال فأمطرت المسلمين حتى ارتووا، وكان ذلك آية من آيات صدق نبوة رسول الله ﷺ.\rومنها أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (ستهب في هذه الليلة ريح، فلا يخرجن أحدكم إلا ومعه رفيق له)، فهبت تلك الريح في تلك الليلة، والتزم المسلمون بذلك الأمر من رسول الله ﷺ إلا اثنين منهم، حيث ذهب واحد منهم وحده ليقضي حاجته، فأصيب بالخنق وهو يقضي حاجته فدعا له الرسول ﷺ فيما بعد فشفي.\rوأما الثاني فحملته الريح إلى جبال طيء، ثم فداه رسول الله ﷺ حين فدا الأسرى فيما بعد.\rكذلك أيضاً من الآيات المعجزات أن النبي ﷺ ضلت ناقته، وبحث الصحابة عنها فلم يجدوها، فتكلم المنافقون وقالوا: هذا رسول الله يزعم أنه يوحى إليه من السماء ولا يدري أين ناقته، فلما سمع النبي ﷺ ذلك قال: (والله! إني بشر لا أعلم إلا ما يوحي الله إلي، وإن الله قد أوحى إلي الآن أن ناقتي في وادي كذا قد حبس خطامها في جذع شجرة)، فذهب الصحابة ﵃ إلى ذلك الوادي فوجدوها كما وصف رسول الله ﷺ.\rومنها أيضاً أن المسلمين أصبحوا ولا ماء عندهم، فشكوا إلى رسول الله ﷺ، فأتوه بماء قليل، فوضع يده المباركة فيه فنبع الماء من بين يديه ﵊.\rإنها آيات بينات، ومعجزات ودلائل تضيء لمن استجاب لرسول الله ﷺ الطريق خاصة في هذه الغزوة العظيمة التي بلغ فيها الجهد من المسلمين مبلغاً عظيماً، ولهذا كان من تلك الآيات البينات أنّ رسول الله ﷺ لما أرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر صاحب دومة الجندل قال له الرسول: (إنك ستجد أكيدر يصيد البقر)، أي: بقر الوحش.\rيقول أكيدر نفسه: فلما كان من الليل سمعت البقر- أي: بقر الوحش- تضرب بقرونها باب القصر.\rتصور الغزلان التي تستوحش من كل شيء جاءت إلى باب القصر لتضرب بقرونها، فقالت له زوجته: يا أكيدر! أما تسمع؟ إن هذا لعجب! فقال لها: نعم.\rقالت: وهل يترك هذا؟ فحمل على فرسه، وأخذ معه بعضاً من أهل بيته، وذهب ليلحق ببقر الوحش فإذا خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه قد أقبل عليه فأمسك به.\rومنها أيضاً أن رسول الله ﷺ أخبر أصحابه بأنواع من علامات الساعة، ففي هذه الغزوة أخبرهم ببعض العلامات، وذكر منها موته ﵊، وفتح بيت المقدس، وذكر منها: (موتان يصيب الناس كقعاص الغنم).\rوذكر منها: (أن المال يكثر حتى يعطى الرجل مائة دينار ولا يزال ساخطاً).\rوذكر منها هدنة تكون بين المسلمين وبين بني الأصفر، كما أنه أيضاً قال عن عين تبوك: (لئن طال بك المقام لتجدن هذا المكان عيناً معيناً)، وهذا مشابه لما أخبر به الرسول ﷺ في حديثه الآخر أنه: (لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً)، وهذا في صحيح مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534595,"book_id":2827,"shamela_page_id":384,"part":"18","page_num":7,"sequence_num":384,"body":"بروز خطر النفاق في غزوة تبوك\rالوقفة الثالثة: هي أهم وقفة مع غزوة تبوك وأعظمها وأخطرها، ألا وهي بروز النفاق وخطره في هذه الغزوة.\rونحن نعلم جميعاً أن النفاق إنما يوجد ويكثر ويشتد خطره حينما تكون مع المسلمين العزة والنصر، ففي مكة لما كان المسلمون مستضعفين لم يكن هناك منافقون، لكن لما هاجر النبي ﷺ وضرب الجاهلية والمشركين ضربته الكبرى في غزوة بدر بدأ النفاق، وقال عبد الله بن أبي ابن سلول: هذا أمر قد توجه.\rوأظهر نفاقه.\rثم بعد ذلك ما زال النفاق ينقص قليلاً قليلاً حتى فتح الله على رسوله مكة، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، ودخلت القبائل في دين الله تعالى، فاعتز الإسلام وجاء نصر الله ﷾، فبدأ النفاق مرحلة جديدة.\rأيها الأخ في الله! إن من أخطر ما يمر بالمسلمين اليوم -والأخطار كثيرة- خطر النفاق الذي يتظاهر أصحابه بالإسلام وهم يحاربونه في الخفاء، ولهذا فإننا سنقف وقفات مع بعض أحداث هذه الغزوة، وننظر ماذا فعل المنافقون في هذه الغزوة، وسأقسم الكلام على النفاق إلى قسمين: القسم الأول: مواقف وأحداث من جانب المنافقين.\rوالقسم الثاني: قصة مسجد الضرار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534596,"book_id":2827,"shamela_page_id":385,"part":"18","page_num":8,"sequence_num":385,"body":"قصة مسجد الضرار\rأما القسم الثاني فيما يتعلق بالمنافقين فهي تلك القصة العجيبة الغريبة المتعلقة بمسجد الضرار، ومسجد الضرار هذا مسجد بناه المنافقون قبل ذهاب رسول الله ﷺ إلى تبوك، حيث كان هناك رجل نصراني عربي اسمه أبو عامر الراهب؛ سمي الراهب لأنه كان نصرانياً، فسماه النبي ﷺ الفاسق، فهذا النصراني ذهب إلى هرقل ملك الروم وجلس معه يخططان لضرب المسلمين في داخل الجزيرة العربية، واتفقا على خطة معينة، فقال أبو عامر الراهب، لمن يسير على خطاه من المنافقين في المدينة: إنني لا أستطيع أن أرسل لكم الرسل يفضحون ويُعلم بحالهم، فما رأيكم لو أنكم بنيتم مسجداً؟ هذا المسجد يكون ظاهره أنه للصلاة، ولا يشك أحد فيه، ويكون في الحقيقة مكاناً نجتمع فيه، وإذا أرسلت إليكم رسولاً يجدكم في ذلك المسجد.\rفبنوا المسجد، وأتى المنافقون إلى الرسول ﷺ وقالوا له: يا رسول الله! إنا بنينا مسجداً للضعفة، وللناس في الليلة المطيرة والشاتية، وإننا نريد منك -يا رسول الله- أن تصلي فيه، يريدون أن يجعلوا من صلاة رسول الله صلى الله علي وسلم شهادة لهم وتغطية للدور الحقيقي الخفي الذي يريدون أن يقوم به هذا المسجد، ولكن رسول الله ﷺ عصمه الله من أن يصلي فيه، فقال لهم: (إنا مسافرون غداً إلى تبوك، ونصلي فيه إذا رجعنا إن شاء الله)، ولما رجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أعلمه الله بحقيقة هذا المسجد، وأنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٧ - ١١٠].\rفلما نزلت هذه الآيات أرسل الرسول ﷺ عدداً من الصحابة إلى ذلك المسجد فأمر بهدمه وإحراقه بما فيه.\rوهكذا حال مساجد الضرار التي ظاهرها للصلاة وللخير والدعوة، ولكن في باطنها ضرارٌ وكفرٌ وتفريقٌ بين المؤمنين وإرصادٌ لمن حارب الله ورسوله من قبل، وما أكثر مساجد الضرار في عالم المسلمين اليوم! وما أشد حاجتنا وحاجة المسلمين إلى أن نتدبر هذا الأمر ونتدبر هذه العظة من هذه الغزوة! إن رسول الله ﷺ ما قال: لأنه مسجد تعالوا لنغير القائمين على المسجد ونضع فيه إماماً من عندنا ومؤذناً من عندنا.\rوإنما أمر بإحراقه؛ لأنه بني على أساس فاسد، فأراد ﷺ أن يعلم أصحابه أن ما أنشئ لغير وجه الله لا يكون فيه الخير أبداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534597,"book_id":2827,"shamela_page_id":386,"part":"18","page_num":9,"sequence_num":386,"body":"إرادة المنافقين قتل النبي ﷺ عند عودته من تبوك\rوأخطر حادثة وقعت في هذه الغزوة هي ما فعلوه عند رجوع رسول الله ﷺ من هذه الغزوة، فإن الرسول ﷺ لما رجع منها وصل به المسير إلى عقبة، فتجمع عدد من المنافقين يزيدون عن العشرة وتلثموا، ولحقوا برسول الله ﷺ، وكان يقود ناقته حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، فلحقوا بالنبي ﷺ عند العقبة يريدون قتله، فلما رآهم عمار بن ياسر لحق بهم وصار يطاردهم بحربته حتى فروا، فأقبل على الرسول ﷺ، فقال له: (يا عمار -وفي رواية: يا حذيفة! - هل تعلم القوم؟ قال: لا؛ إنهم كانوا ملثمين.\rفقال: هل تعلم ماذا كانوا يقصدون؟ قال: الله ورسوله أعلم.\rقال ﷺ: لقد عزموا على أن يطرحوني في العقبة فيقتلوني).\rإنهم منافقون، وهكذا كانوا من قصة إلى قصة، ومن حادثة إلى حادثة يتنقلون فيها وهم داخل جيش المسلمين يصنعون ما ذكرنا من النماذج، وما أكثر النفاق في كل زمان وفي كل مكان! خاصةً حينما ترتفع للمسلمين رايةٌ وصحوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534598,"book_id":2827,"shamela_page_id":387,"part":"18","page_num":10,"sequence_num":387,"body":"نماذج من أحداث المنافقين مع النبي ﷺ\rلقد وقعت من المنافقين أحداث عجيبة، وهاك نماذج منها: فأول موقف منهم هو أنه لما أمر الرسول ﷺ بالجهاد صار هؤلاء المنافقون يثبطون المسلمين، ويقولون -كما قال الله تعالى حاكياً عنهم-: ﴿وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]، فكان الواحد منهم يجتمع بالعدد من أصحاب الرسول ﷺ -وهو منافق، ولا يُعلم بأنه منافق؛ لأنه يتظاهر بالإسلام- فيقول لهم: كيف يخرج بنا رسول الله ﷺ في هذا الحر الشديد؟ الحادثة الثانية: أن بعض المنافقين قال للنبي ﷺ: يا رسول الله! ائذن لي ولا تفتني ومن هؤلاء الجد بن قيس الذي قال له النبي ﷺ: (يا جد! هل لك في جلاد بني الأصفر؟) فقال الجد بن قيس: يا رسول الله! إنك تعلم أنني مغرم بالنساء، وإنني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن فأفتن عن ديني.\rفأذن لي يا رسول الله.\rفأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] أي أنه قال: إنه يخاف من فتنة النساء وهو كاذب، فسقط في فتنة النفاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\rوهذا الرجل هو الذي قال لولده -وكان له ولد صحابي فاضل اسمه عبد الله-: ما لي وللخروج في الريح والحر الشديد والعسرة إلى بني الأصفر، فأنا أخالفهم في منزلي فأغزوهم، وإني لعالم بالدوائر! أي: ينتظر الدوائر برسول الله ﷺ.\rفقال له ولده صاحب العقيدة الصلبة: لا والله! ولكنه النفاق، والله لينزلن بك قرآناً.\rفضربه أبوه ضربة على وجهه بنعله، فانصرف عنه ابنه ولم يكلمه.\rومن الحوادث أيضاً أن الرسول ﷺ وهو يتهيأ لتلك الغزوة علم أن ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن غزوة تبوك، فبعث رسول الله ﷺ إليهم طلحة بن عبيد الله مع نفر وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم هذا ففعل، فاقتحم المنافقون جدران البيت وفروا.\rومن الأحداث -أيضاً- أنه كان أولئك المتخلفون عن غزوة تبوك من المنافقين على قسمين: قسم منهم غلبهم الخوف والذعر والجبن والخور، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ وطلبوا بأن يكونوا مع الخوالف، وأذن لهم الرسول مع أنه يعلم نفاقهم، كما قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣].\rوقسم آخر من هؤلاء المنافقين قعدوا ولم يعتذروا، ولا شك أن قعودهم هذا فيه ما فيه من التثبيط للرسول الله ﷺ ولأصحابه.\rولم يكتف المنافقون بمثل هذا، بل سار بعضهم مع رسول الله ﷺ يرجفون بالجيش الإسلامي كلما سنحت فرصة.\rومن ذلك أنه لما خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في أهل بيته أرجف المنافقون، فقالوا: ما ترك علي بن أبي طالب إلا استثقالاً له! فلما سمع بذلك علي بن أبي طالب أتى إلى رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله! أسمعت ما يقول أولئك؟! فقال ﷺ له: أما ترضى -يا علي - أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)، فرجع ﵁ وأرضاه راضياً ممتثلاً لأمر رسول الله ﷺ.\rومن ذلك أيضاً لمزهم للمتطوعين من المؤمنين في الصدقات، فلما جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه بأربعة آلاف دينار قال المنافقون: ما جاء بها إلا رياءً.\rولما جاء صحابي آخر لا يملك إلا صاعين من تمر، فأبقى صاعاً لأولاده طعاماً وأتى بالصاع الثاني إلى رسول الله ﷺ، فلما وضعه بين يديه قال المنافقون: إن الله ورسوله غنيان عن صاعك هذا، فأنزل الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩].\rومن ذلك أيضاً أنه كان يقول بعض المنافقين للمسلمين: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم لبعض؟ والله! لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال.\rيقولون هذا إرجافاً وترهيباً للمؤمنين، ولهذا كان هؤلاء الذين قالوا ما قالوا في أثناء الغزوة يقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون رسول الله ﷺ والخلص من أصحابه- أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء.\rفأنزل الله ﷾ فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].\rهكذا كانت أحوال المنافقين، ومن ذلك ما سبق ذكره قبل قليل حين أرجفوا بناقة رسول الله ﷺ حين ضلت، ولم يعلم الرسول ﷺ أين هي إلا بعد أن أخبره الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534599,"book_id":2827,"shamela_page_id":388,"part":"18","page_num":11,"sequence_num":388,"body":"قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك\rالوقفة الرابعة مع هذه الغزوة وقفة مع قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وقصتهم مشهورة رواها البخاري في صحيحه عن كعب بن مالك أحد الثلاثة، ولما كانت القصة معروفة لدى الجميع فإنني أحب أن أقف معها وقفات، فأقول: أولاً: هؤلاء الثلاثة مؤمنون صادقون تخلفوا لأسباب من ضعف الإيمان في ذلك الوقت، وبقوا في المدينة، فلما رجع رسول الله ﷺ اعتذر من اعتذر من المنافقين، وقبل الرسول ﷺ عذرهم، إلا هؤلاء الثلاثة فإنهم صدقوا رسول الله ﷺ، وقالوا: يا رسول الله! ما لنا من عذر.\rفأمر النبي ﷺ بهجر هؤلاء الثلاثة، فهجرهم المسلمون لا يكلمونهم ولا يسلمون عليهم، وجرى لهم ما جرى، حتى أنزل الله عليهم التوبة، فتاب الله ﷾ عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨].\rونحب أن نقف مع قصة هؤلاء الثلاثة عدة وقفات؛ فإننا أحوج ما نكون في هذه الأيام إلى أن نقف هذه الوقفات، فأول هذه الوقفات هي مع أسباب تخلفهم.\rإن المتأمل لهؤلاء الثلاثة يرى عدة أنواع من الأسباب، أما أولهم -وهو مرارة بن الربيع - فإن سبب تخلفه أنه كان له حائط -بستان جميل-، وكان في ذلك الوقت قد أزهر وأينع وأثمر، فصار ينظر إليه ويتردد هل يذهب مع الرسول أو يبقى مع حائطه حتى فاته الغزو.\rوأما الثاني -وهو هلال بن أمية - فكان له أهل قد تفرقوا، ففي ذلك الوقت اجتمع أهله وجمع من أقاربه في المدينة، فأحب أن يمكث معهم ويأنس بهم، وتردد في الذهاب مع رسول الله ﷺ حتى فاته الغزو.\rوأما الثالث -وهو: كعب بن مالك - فإن سبب تخلفه هو التردد، فقد كان كل مرة يريد أن يتأهب، ثم يحاول أن يتأهب فما يصنع شيئاً، فيعود مرة ثانية، وهكذا في اليوم الأول والثاني والثالث حتى فاته الغزو مع رسول الله ﷺ، ولهذا فإن أحد الصحابة -وهو أبو خيثمة - تداركه الله ﷾ برحمته فلم يجعله مع هؤلاء الثلاثة، وإن كانت له قصة مشابهه لقصتهم، فإن أبا خيثمة لما تجهز رسول الله ﷺ وسار ذهب إلى بيته، فوجد أن زوجتيه قد صنعت كل واحدة منهما عريشاً ورشته بالماء، وأتت بالطعام الطيب، فلما وقف نظر إلى هذه الزوجة وقد أحسنت في صنعها وهيأت أطايب الظلال والثمار، ونظر إلى الأخرى فإذا بها قد صنعت مثل ذلك، فتوقف، واستيقظ الإيمان في قلبه ﵁ فقال: سبحان الله! رسول الله ﷺ في الريح وحر القيظ وأبو خيثمة مع زوجتيه في ظل بارد وثمر طيب، والله لا يكون هذا، والله لا دخلت بيت إحداكن إلا وقد هيأت لي ما أتزود به.\rولم يدخل بيت واحدة منهما حتى هيأتا له زاده وراحلته، فلحق بالنبي ﷺ، وما زال يسير ويسير حتى كان رسول الله ﷺ هناك في تبوك بين أصحابه، فأقبل رجل من بعيد، فقالوا: يا رسول الله! هذا راكب قد قدم.\rفقال ﷺ: (كن أبا خيثمة)، فلما أقبل إذا به أبو خيثمة ﵁ وأرضاه.\rوقارن بين هذه العزيمة وبين تردد كعب بن مالك ﵁ وأرضاه، وكيف جرى لهذا ما جرى ﵃ أجمعين.\rالوقفة الثانية مع قصة الثلاثة هي أن هؤلاء خلفوا، ومعنى أنهم خلفوا: أنهم لم يبين حالهم، كما أخبر كعب بن مالك بذلك، أي أن أولئك المنافقين عذرهم الرسول ووكلهم إلى سرائرهم، لكن هؤلاء الثلاثة خلفوا، ولم يحسم ويقطع في الحكم فيهم إلا بعد خمسين ليلة، حيث أنزل الله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨]، وليس المقصود به: التخلف، كما قد يفهمه بعض الناس من ظاهر الآية.\rوقد كان في المتخلفين الثلاثة شيخان كبيران، وهما: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، ولهذا لما أمر النبي ﷺ بعد مرور أربعين ليلة هؤلاء الثلاثة بأن يعتزلوا نساءهم قال كعب بن مالك لامرأته: الحقي بأهلك.\rوهلال بن أمية قال لامرأته: الحقي بأهلك.\rلكنه كان شيخاً كبيراً، فذهبت إلى النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله! هل تأذن لي أن أخدم هلالاً؛ إنه والله ليس له خادم، وهو شيخ ضائع، فهل تكره -يا رسول الله- أن أخدمه؟ فقال ﷺ: لا بأس، على أن لا يقربك، قالت: وأين هو من ذاك؛ إنه لم يزل يبكي ليلاً ونهاراً).\rولهذا فإن هؤلاء الثلاثة الذين امتحنوا هذه المحنة وهجرهم المسلمون جرى لهم من المحنة القاسية ما لا يمكن أن يصفه واصف، فـ هلال بن أمية ومرارة بن الربيع اعتزلا المسلمين، وصارا يبكيان ليلاً ونهاراً، أما كعب بن مالك فكان أجلدهم، وكان يأتي يصلي الجماعة مع رسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534600,"book_id":2827,"shamela_page_id":389,"part":"18","page_num":12,"sequence_num":389,"body":"دروس ووقفات في قصة الثلاثة\rهؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ وجرى لهم ما جرى أنزل الله ﷾ توبتهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ومن الواجب أن يقف الإنسان مع هذه الدروس وقفات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534601,"book_id":2827,"shamela_page_id":390,"part":"18","page_num":13,"sequence_num":390,"body":"أهمية الصدق\rأما الدرس الأخير من دروس هذه الغزوة فهو أهمية الصدق، فإن هؤلاء الثلاثة لما صدقوا صدقهم الله ﷾.\rيقول كعب بن مالك: فلما أنزل الله توبتي علمت أن هذا هو الصدق، فعزمت على أن لا أقع في أي شيء من الكذب بقية عمري.\rوهكذا كان ﵁ وأرضاه، فالصدق منجاة، فيجب على المسلم الصدق مع الله، والصدق مع النفس، والصدق مع الناس، وليحذر من الكذب والدوران والتمويه وغير ذلك، فإنه لا يمكن أن يفيد صاحبه أبداً.\rفقد جاء المنافقون وكذبوا على رسول الله ﷺ، وقالوا: يا رسول الله! لدينا أعذار، ولدينا كذا، ولدينا كذا، فكان عاقبة ذلك أن جعل الله ذلك نفاقاً في قلوبهم، أما أولئك الصحابة الذين صدقوا ربهم ﷾ فإن الله ﵎ قد أنزل عليهم توبة فرحوا بها فرحاً عظيماً.\rيقول سعيد بن زيد: لما نزلت هذه الآية أتيت إلى بني واقفة -أهل هلال بن أمية؛ لأن هلال بن أمية واقفي- فبشرته، فسجد لله شكراً، فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه؛ لما كان فيه من الجهد؛ ولأنه امتنع من الطعام حتى كان يواصل الأيام صائماً لا يفتر عن البكاء.\rأما كعب بن مالك فإنه لما نزلت توبته نزع ثوبيه اللذين كان لا يملك غيرهما وأعطاهما البشير، ثم استعار ثوبين وأتى إلى رسول الله ﷺ.\rوهكذا عاقبة الصدق، حتى لو أن الإنسان امتحن، ولو أن الإنسان واجه ما واجه، إلا أنها عاقبة خير، ولهذا قال النبي ﷺ لـ كعب بن مالك: (أبشر -يا كعب - بخير يوم من أيامك)؛ لأنه يوم التوبة الذي تاب الله ﷾ فيه على هؤلاء الثلاثة ﵃.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534602,"book_id":2827,"shamela_page_id":391,"part":"18","page_num":14,"sequence_num":391,"body":"العقوبة بالهجر\rومن الدروس أيضاً أن هؤلاء الثلاثة قد عاقبهم الله ﷾ بهذا الهجر، فبقية المنافقين تخلفوا، لكن ما عوقبوا، لكن هؤلاء الثلاثة عاقبهم الله حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، كما أخبر الله ﷾.\rومن هنا فإن هذه سنة الله ﷾ مع عباده المؤمنين الصادقين، فإذا وقع الواحد منهم في ذنب كان من علامة محبة الله له أن يعجل الله عقوبته، وهذا ما يوجب أن يكون الإنسان حذراً من ذنوبه مستيقظاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534603,"book_id":2827,"shamela_page_id":392,"part":"18","page_num":15,"sequence_num":392,"body":"تنكر الأشياء للعاصي\rومن الدروس أيضاً قول كعب بن مالك في قصة تخلفه: (حتى تنكرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف)، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا التنكر يجده الخائف والحزين والمهموم في الأرض، وفي الشجر والنبات، حتى يجده فيمن لا يعلم حاله من الناس، ويجده أيضاً المذنب العاصي بحسب جرمه، حتى في خلق زوجته وولده وخادمه ودابته، ويجده في نفسه أيضاً، فتتنكر له نفسه حتى ما كأنه هو، ولا كأن أهله وأصحابه ومن يشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سر من الله لا يخفى إلا على من هو ميت القلب، وعلى حسب حياة القلب يكون إدراك هذا التنكر والوحشة.\rفالمؤمن الصادق هو الذي إذا وقع في المعصية أحس بالذنب وتنكرت له نفسه وأحس بالوحشة، ولا ترجع له نفسه إلا بتوبة صادقة وعمل صالح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534604,"book_id":2827,"shamela_page_id":393,"part":"18","page_num":16,"sequence_num":393,"body":"استغلال أعداء الإسلام للخلاف إذا وقع بين المسلمين\rومن الدروس أيضاً أن أعداء الإسلام يستغلون الخلاف بين المسلمين، فإذا ما رأوا بين المسلمين فرقة استغلوا هذا استغلالاً مشيناً، ويؤخذ هذا من قصة ملك غسان، فإنه لما سمع بقصة كعب بن مالك أرسل له رسالة، وجاء الرسول النبطي إلى المدينة يقول: أين كعب بن مالك؟ فلما دلوه عليه بالإشارة أعطاه الخطاب، فإذا خطاب ملك غسان يقول له فيه: يا كعب! إنا سمعنا أن صاحبك -يعني رسول الله ﷺ قد هجرك وقلاك، وإنك لست في دار مذلة، فالحق بنا نواسك.\rيقول كعب: (فلما قرأتها رأيت أن هذا من البلاء) لكن ماذا صنع كعب بن مالك ﵁ وأرضاه؟ استغفر ربه، وذهب إلى التنور وأحرق الرسالة.\rفانظر إلى أعداء الإسلام كيف دخلوا إلى كعب في لحظة هجر النبي صلى الله علي وسلم له، وهكذا يدخلون على المؤمنين حينما يقع بينهم شيء من الخلاف، فليتق الله المسلمون، ولتتقوا الله -أيها المؤمنون- فيما بينكم، ولتكونوا يداً واحدة حتى لا ينفذ أعداء الإسلام إليكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534605,"book_id":2827,"shamela_page_id":394,"part":"18","page_num":17,"sequence_num":394,"body":"تخلي المؤمن عن لذاته وشهواته في حال الجهاد\rوفي أمر الرسول ﷺ لهؤلاء الثلاثة باعتزال نسائهم درس لكل مؤمن أنه في حال الجهاد وفي حال العبادة عليه أن يتخلى عن لذاته وشهواته، فلما مضت أربعون ليلة على أولئك أمرهم النبي ﷺ بأن يعتزلوا نساءهم حتى يتفرغوا للعبادة، وهذه سنة الله، كما في وقت الحج وكما في وقت الصيام وغيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534606,"book_id":2827,"shamela_page_id":395,"part":"18","page_num":18,"sequence_num":395,"body":"وجوب استغلال فرص الطاعة والقربة\rمن تلك الوقفات والدروس أن الرجل ينبغي له إذا حانت له فرصة القربة والطاعة لله ﷾ فعليه أن ينتهزها ولا يتردد، وهذا مأخوذ من قصة تردد كعب بن مالك ﵁ وأرضاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534607,"book_id":2827,"shamela_page_id":396,"part":"18","page_num":19,"sequence_num":396,"body":"دروس من غزوة تبوك\rوفي الختام فإنني أختم الحديث عن هذه الغزوة التي استعرضنا فيها جوانب معينة ولم نستعرضها كاملاً بعدد من الدروس العامة في هذه الغزوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534608,"book_id":2827,"shamela_page_id":397,"part":"18","page_num":20,"sequence_num":397,"body":"دعوة الإسلام دعوة عالمية\rالدرس الأخير: عالمية الدعوة، فإن النبي ﷺ علم المسلمين من هذه الغزوة التي لم يقع فيها قتال أن هذا الدين يجب أن ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ومن هنا فإن حقيقة الجهاد الإسلامي وحقيقة الدعوة الإسلامية يجب أن يعيها الداعون في كل وقت، خاصة في هذه الأيام، فإنها لا تقيدها قيود، ولا تقيدها نظم الأمم المتحدة ولا غيرها، إنها دعوة إيمانية ترتبط بهذا الإسلام، وقد بشرنا رسول الله ﷺ أنه ستبلغ ما بلغ الليل والنهار.\rأسأل الله ﷾ أن يجعلنا من الدعاة إلى دينه والمجاهدين في سبيله، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر وما بطن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534609,"book_id":2827,"shamela_page_id":398,"part":"18","page_num":21,"sequence_num":398,"body":"الصراع مع النصارى صراع عقائدي\rالدرس السادس: أن نصارى العرب كانوا مع الروم في حربهم لرسول الله ﷺ، ونسأل: هل نفعت القوميات؟ والعروبة والقومية التي تقول: يجب أن نجتمع على اللغة العربية، أو على الأرض، أو على التراب هل نفعت؟ إن المتأمل في تاريخ المسلمين قديماً وحديثا يجد أن الصراع صراعاً عقدياً، فهاهم نصارى العرب يتعاونون مع أعداء الله ﷾؛ لأنهم معهم في العقيدة، فهل يعي المسلمون هذا الدرس؟ وهل يجعلون من أخوة الإسلام وأخوة الإيمان ما يجتمعون عليه ويوالون عليه ويعادون؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534610,"book_id":2827,"shamela_page_id":399,"part":"18","page_num":22,"sequence_num":399,"body":"أهمية الجهاد في سبيل الله بالمال\rالدرس الثاني: أهمية الجهاد بالمال.\rفإن رسول الله ﷺ حث على الجهاد في هذه الغزوة، وأنفق الصحابة نفقة عظيمة، فقد أنفق أبو بكر في هذه الغزوة كل ماله، وأنفق عمر ﵁ وأرضاه نصف ماله، وجهز عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه جيش العسرة، حتى قال فيه النبي ﷺ: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، وقال: (اللهم! ارض عن عثمان فإني عنه راضٍ)؛ لأنه جهز ﵁ وأرضاه جيشاً كاملاً.\rوالمال لا شك أن له أهميته الكبرى في الدعوة إلى الله في كل وقت وفي كل زمان، ومن هنا فإن من أعجب ما في هذه الغزوة هو حال أولئك الذين لم يجدوا النفقة، ولم يجد رسول الله ﷺ ما يحملهم، وهم البكّاؤون الذين أتوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله! ما عندنا نفقة ولا مال، ونريد أن نجاهد معك فقال لهم النبي ﷺ: (ولكني لا أجد ما أحملكم عليه)، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]، فانظر إلى هذه النفوس المؤمنة، وكيف كان الواحد منهم يرجع وهو يبكي، وأما رؤوس النفاق فكانت فرائصهم ترتعد، وكانوا يبحثون عن المعاذير الكاذبة خوفاً، وهؤلاء يسح الدمع من أعينهم على وجوههم لأن رسول الله ﷺ لا يجد ظهراً يركبهم عليه، فشتان شتان بين المؤمنين الصادقين والمنافقين المخادعين، أسأل الله السلامة والعافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534611,"book_id":2827,"shamela_page_id":400,"part":"18","page_num":23,"sequence_num":400,"body":"وجوب النفير على من استنفره الإمام\rالدرس الثالث: أن الإمام إذا استنفر المسلمين وجب عليهم جميعاً النفير.\rوهذه من الحالات التي يكون الجهاد فيها فرض عين، فإذا استنفر الإمام الشرعي الأمة للجهاد وجب على الجميع الجهاد، وهذه إحدى الحالات الثلاث التي يكون الجهاد فيها فرض عين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534612,"book_id":2827,"shamela_page_id":401,"part":"18","page_num":24,"sequence_num":401,"body":"التحذير من دخول ديار المعذبين والمغضوب عليهم\rالدرس الرابع: أن النبي ﷺ لما أقبل على ديار ثمود في الحجر قال: (لا تدخلوها إلا وأنتم باكون) أي: لا تدخلوا على القوم الذين قد عذبهم الله ﷾.\rوهذا فيه درس، وهو أنه لا ينبغي أن يأتي الإنسان إلى ديار المعذبين والمغضوب عليهم، وأنه يجب عليه إذا مر بهم أن يسرع، أخذاً بهذا من هذه القصة، وقارن ذلك بما يفعله أهل الآثار اليوم الذين يقدسون آثار الكفرة والمعذبين، وينفقون في سبيلها الملايين والأموال، والناس يذهبون إليها سائحين، ورسول الله ﷺ يقول: (لا تدخلوها إلا وأنتم باكون) أي: لا تدخلوا على القوم الذين عذبوا مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534613,"book_id":2827,"shamela_page_id":402,"part":"18","page_num":25,"sequence_num":402,"body":"وجوب الثبات على طريق الدعوة\rالدرس الخامس: أن كثيراً من الناس يسير في ركب الدعوة إلى الله ﷾، ثم إذا طال عليه الطريق، أو رأى بعض المشاق تردد، وهذا في الحقيقة مما ينبغي أن ينتبه له الجميع، فإن الله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة:٤٢]، وكثير من الناس أو بعض الناس يطول عليهم الطريق، فإذا طال عليهم الطريق بدأت تسقط عزائمهم ويترددون، وبدأت في نفوسهم ألوان من الضعف والخور، وهذا لا ينبغي، ولا يجب أن يكون عليه مؤمن صادق أبداً، فإن المؤمن الصادق هو الذي إذا رأى البلاء ورأى طول الطريق قال كما قال الله ﷾ عن أصحاب النبي ﷺ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ويلزم الثبات على الطريق مهما طال الطريق، ومهما عظم البلاء والامتحان، ومهما حاول أعداؤنا، ومهما حاربنا أعداؤنا، إنه الثبات على الطريق حتى يلقى العبد ربه.\rأسأل الله ﷾ أن يجعلنا ممن ألهمه الله ﷾ ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534614,"book_id":2827,"shamela_page_id":403,"part":"18","page_num":26,"sequence_num":403,"body":"وجوب الجهاد في سبيل الله ﷿\rأولها: وجوب الجهاد في سبيل الله، فإن الله تعالى قال عن هذه الغزوة في سورة براءة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]، فيؤخذ من هذا وجوب الجهاد في سبيل الله، والرسول ﷺ علمنا في هذه الغزوة أن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، وعلمنا في هذه الغزوة أن الأمة إن لم تجاهد في سبيل الله فستكون العاقبة كما الله تعالى: ﴿لَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة:٣٩] أي: عذاباً بالذل في الدنيا، وعذاباً بالهوان وغزو الأعداء لنا في هذه الدنيا، وعذاباً في الآخرة، وقال ﷿: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].\rولهذا فإن أصحاب النبي ﷺ كانوا حينما يقرؤون هذه الآيات تتحرك في قلوبهم أشجان الجهاد في سبيل الله، فهذا أبو طلحة الأنصاري لما صار شيخاً كبيراً جداً قرأ سورة التوبة، فلما بلغ قول الله ﷾: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١] قال لأولاده: (جهزوني؛ إني أرى ربنا قد استنفرنا شيوخاً وشباناً) فقال له بنوه: يرحمك الله، لقد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، وغزوت مع أبي بكر حتى مات، وغزوت مع عمر بن الخطاب حتى مات، ونحن نغزو عنك! فقال أبو طلحة ﵁ وأرضاه: (لابد أن أركب) وركب وغزا في البحر، فمات وهم في السفينة، ومكثوا تسعة أيام يبحثون عن جزيرة ليدفنوه فيها فما وجدوا المكان إلا بعد هذه الأيام التسعة، فدفنوه في إحدى الجزر، ووجدوا جسده لم يتغير ﵁ وأرضاه.\rوحين تنظر إلى واقع المسلمين اليوم تجد الواحد منهم إذا بلغ سن الكهولة نزلت به وبدنياه تلك المثبطات، فتثبطه عن الجهاد في سبيل الله، ويقول: الجهاد للشباب ولا شك أن الشباب مرحلة قوة، لكن -أيضاً- الشيوخ يجب أن يكون لهم دور في خدمة هذا الدين والدعوة إليه والجهاد في سبيله في مواطن الجهاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534615,"book_id":2827,"shamela_page_id":404,"part":"18","page_num":27,"sequence_num":404,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534616,"book_id":2827,"shamela_page_id":405,"part":"18","page_num":28,"sequence_num":405,"body":"تآمر أعداء الإسلام على المسلمين\r\rالسؤال\r ما رأيكم فيما يحدث للمسلمين اليوم، وخاصة في البوسنة والهرسك؟ ولماذا لا يدعى للجهاد حتى ننقذ إخواننا هناك ونناصرهم؟\r\rالجواب\r الحقيقة أن سؤال السائل لا شك أنه دليل -إن شاء الله- على حرقة إيمان يجدها كل مؤمن في هذه الأيام، والمتأمل في قضية البوسنة والهرسك يجد أن العالم كله يكاد أن يكون متآمراً ضد المسلمين هناك، إما بالأصل وإما بالتبع، إما بالأصل وهذا الذي يقوم به الصرب لعنهم الله وقاتلهم، أو يقوم به من وراءهم من النصارى في أوروبا وأمريكا الذين يحافظون على النتائج، أو بالتبع من دول العالم الأخرى التي لا تستطيع أن تصنع شيئاً، ولا تريد أن تصنع شيئاً إلا إذا أذن أولئك الأسياد من خلال النظام العالمي الجديد الذي يقولونه، حتى رافضة إيران الذين هم حرب على الإسلام أشد من حرب اليهود والنصارى يطنطنون بالإسلام ومع ذلك ما صنعوا شيئاً، فنقول: هي مصيبة الأمة الإسلامية من أولها إلى آخرها، فنسأل الله ﷾ أن يوقظ الأمة لتقوم بواجب الجهاد في سبيل الله وتبعد عنها هذه الذلة والمهانة التي يجدها كل مسلم وهو يشاهد تلك الأحداث الرهيبة تجري على إخوانه المسلمين هناك.\rوالله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.\rوالحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534617,"book_id":2827,"shamela_page_id":406,"part":"18","page_num":29,"sequence_num":406,"body":"سبب نهي النبي ﷺ عن مس العين التي في تبوك\r\rالسؤال\r ما سر منع رسول الله ﷺ من مس العين التي في تبوك؟ وهل ذلك يعتبر معصية لأمر الرسول عمداً؟ وهل ما زالت العين موجودة حالياً؟\r\rالجواب\r أما سر منعه فظاهر الرواية أن الرسول ﷺ كان يريد أن تبقى هذه العين عيناً معيناً ينبع منها الماء ويجري، فأمر الرسول ﷺ بأن لا يمسها أحد، وكان أمره واجباً، لهذا فإن الذين لم يأتمروا بأمره ﷺ قد عصوه ﵊.\rأما هذه العين فليس عندي علم عنها الآن، ولا أدري هل هي موجودة أم لا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534618,"book_id":2827,"shamela_page_id":407,"part":"18","page_num":30,"sequence_num":407,"body":"علة الأمر بالإسراع عند المرور بمدائن صالح\r\rالسؤال\r لماذا أمر رسول الله ﷺ الصحابة بالإسراع وتغطية وجوههم عند المرور قرب مدائن صالح؟ ألا يكون الوقوف عندها هو من باب أخذ العبرة؟ وهل يجوز الآن زيارة تلك الأماكن من باب المعرفة بالشيء والاطلاع عليه؟\r\rالجواب\r سئل رسول الله ﷺ عن هذا السؤال الذي سأله السائل، كما جاء في بعض الروايات أنهم قالوا: (يا رسول الله! إنما ننظر إليها لنعتبر ونتعظ.\rفقال ﷺ: لا؛ إني أخاف أن يصيبكم مثل ما أصابهم)، فالعلة واضحة، وهي أن هذه ديار معذبين، ومن ثمَّ فلا يجوز للإنسان أن يمكث فيها، بل لابد أن يظهر على قلبه وعلى فعله الأثر من هذا العذاب، فكون الإنسان يذهب إلى هذا المكان ويضحك فيه ويلعب.\rوهو مكان قد أنزل الله فيه على قوم عذاباً بسبب كفرهم لا يليق.\rأما بالنسبة لمن أراد أن يزور هذه الأماكن فالأولى أن يمتثل لأمر الرسول ﷺ، بمعنى أنه لا يذهب إليها، فإن مر بها فليمر بها وهو باكٍ متأثر حزين القلب، وليمر بها مسرعاً خوفاً من أن يصيبه ما أصاب هؤلاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534619,"book_id":2827,"shamela_page_id":408,"part":"18","page_num":31,"sequence_num":408,"body":"الطريقة السليمة للتدريب على الصبر والجهاد\r\rالسؤال\r لقد كانت غزوة تبوك مدرسة ربى الرسول ﷺ بها الصحابة على الصبر والجهاد، فما هي الطريقة السليمة لتدريب الشباب المسلم على الصبر والجهاد؟\r\rالجواب\r إن المسلم الصادق في هذه الأيام والشاب الصادق في هذه الأيام يعيش في كل يوم أحداث تربية وجهاد في سبيل الله، وقد لا يوجد الجهاد الصريح إلا في أماكن متفرقة من عالمنا الإسلامي، لكن المسلم اليوم يواجه من أعدائه أنواعاً من الحرب وأنواعاً من التشريد والطرد، مما يقارب بعض ما لاقاه أصحاب النبي ﷺ، وإلا فكيف تفسر هذه الحرب العالمية التي توجه إلى الإسلام في كل مكان باسم التطرف؟! لقد أصبح الشاب المسلم الملتزم بعقيدته وسلوكه يلاحق في كثير من بلدان المسلمين، فإن لم يقتل سجن، وإن لم يسجن طورد، حتى يطارد في رزقه وفي أمنه واستقراره، وهذا في كثير من بلاد المسلمين، وهذا كله موطن تربية، إنها تربية جهادية.\rلقد قال أحد الزعماء العرب: إن أخطر ما يواجه بلدنا هو التطرف الإسلامي! ثم قال: وإني أدعوكم - يخاطب شعبه- إلى أن تقتلوا كل متطرف بلا محاكمة! وإسرائيل أبعدت المجاهدين من أهل حماس، وتعيش مع منظمة التحرير العلمانية مرحلة سلام، أما المجاهدون المبعدون فلا؛ لأن المجاهدين تآمر عليهم اليهود وبقية العرب، فإسرائيل قالت للعرب لما قالوا لها: مشكلة المبعدين قالت لهم: هؤلاء المبعدون هم أهل التطرف الذين تحاربونهم في بلدانكم، لكنكم تحاربونهم بأساليب غير حضارية، ونحن نحاربهم بأسلوب حضاري، وهو إبعادهم عن البلد ونقول: اذهبوا إلى أي بلد تريدون، لكن أنتم تفعلون بهم ما هو موجود في بعض بلاد المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534620,"book_id":2827,"shamela_page_id":409,"part":"18","page_num":32,"sequence_num":409,"body":"الأجر يشمل كل أنواع الجهاد\r\rالسؤال\r هل الأجر المترتب على الجهاد في سبيل الله مقتصر على جهاد العدو، أم يشمل جهاد النفس والشيطان؟\r\rالجواب\r لا شك أن كل جهاد يؤجر عليه الإنسان، فمجاهدته لنفسه يؤجر عليها، وجهاده بالمال يؤجر عليه، وجهاده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤجر عليه؛ لأن كل ذلك جهاد، لكن الجهاد الأعظم هو الجهاد الذي هو موطن الشهادة الذي يقتل فيه الإنسان وهو يجاهد في سبيل الله، وهو قتال العدو، ولهذا فإن الأمور السابقة كلها تسمى جهاداً، لكن الجهاد في المصطلح الشرعي هو قتال الكفار، فمن قاتلهم لتكون كلمة الله هي العليا فهذا هو الجهاد الذي ورد الأجر العظيم فيه من الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534621,"book_id":2827,"shamela_page_id":410,"part":"18","page_num":33,"sequence_num":410,"body":"حكم الهجر أكثر من ثلاثة أيام\r\rالسؤال\r نفهم من أحاديث الرسول ﷺ أنه لا يجوز الهجر إلا لثلاثة أيام، فكيف هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا خمسين يوماً؟\r\rالجواب\r الهجر لثلاثة أيام هو إذا كان لغير سبب شرعي، أما إذا كان لسبب شرعي فيجوز أكثر من ذلك بشروط الهجر المعروفة، فلو هجر الأب ابنه أو الأخ أخاه لسبب شرعي فإنه يهجره أكثر من ثلاثة أيام، والنهي الوارد هو عن الهجر لغير سبب شرعي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534622,"book_id":2827,"shamela_page_id":411,"part":"18","page_num":34,"sequence_num":411,"body":"معنى قوله تعالى: ((وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا))\r\rالسؤال\r كلمة (خلفوا) تدل على أن شيئاً أجبرهم على التخلف، ولم نجد في عذرهم شيئاً، فما معنى ذلك؟\r\rالجواب\r ليس المقصود أنهم تخلفوا، وإنما (خلفوا) أي: من الله ﷾ فلم ينزل في شأنهم قرآناً إلا بعد، ولهذا ورد في بعض الأقوال أن قول الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦]، قال بعض المفسرين - وإن كان هذا القول فيه ضعف-: إنهم الثلاثة.\rفكلمة (خلفوا) أي: خلف الأمر فيهم، فلم ينزل فيهم القرآن إلا بعد مضي خمسين ليلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534623,"book_id":2827,"shamela_page_id":412,"part":"18","page_num":35,"sequence_num":412,"body":"سبب تخصيص حذيفة ﵁ بأسماء المنافقين\r\rالسؤال\r ما هو السبب الذي جعل الرسول ﷺ يخبر حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه بالمنافقين ويكتم ذلك عن بقية الصحابة؟\r\rالجواب\r هذا علمه عند الله ﷾؛ لأن الذين أرادوا قتل النبي ﷺ ورد في بعض الروايات -وإسنادها حسن- أن الرسول ﷺ أخبر حذيفة أنهم فلان وفلان وفلان وفلان، حتى عدَّ منهم اثني عشر، وقال: (لا تخبر بذلك أحداً)، حتى إنه كان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في زمن خلافته إذا جيء برجل قد مات وكان قد شك هل هو من أهل النفاق أم لا نظر، فإن وجد حذيفة صلى عليه صلى معه، وإن وجد حذيفة لم يصل عليه تنحى عمر مع حذيفة فلم يصل عليه وترك الناس يصلون عليه، فهذا الأمر اختصاص خصه الرسول ﷺ بهذا الصحابي الجليل ليكون صاحب سر رسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534624,"book_id":2827,"shamela_page_id":413,"part":"19","page_num":1,"sequence_num":413,"body":"متى يكون العلم نافعاً\rفي خضم انشغال الكفار بعلومهم ومعارفهم المادية، ومتابعتهم لتطورها في كل ساعة وحين، نسوا قضية بدهية لابد أن يفكر فيها كل عاقل، ألا وهي: الغاية التي من أجلها خلق الإنسان والحكمة التي من أجلها وجدت الأكوان، فمن العجب أن ترى حضارة عالية كبرى بلغت من التطور العلمي مبلغاً عجيباً، ومع هذا لا يعرف الفرد فيها ربه وخالقه! ولا يعرف الحكمة من وجوده! ولا يعرف مصيره ومنتهاه! فعلى تلك العقول العفاء، وحسبنا الله وحده وكفى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534625,"book_id":2827,"shamela_page_id":414,"part":"19","page_num":2,"sequence_num":414,"body":"العلم الذي يتميز به المسلمون عن غيرهم هو علم الشرع\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فاعلموا -أيها الإخوة- أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\rأيها الإخوة في الله! نستقبل في هذه الأيام موسم الحصاد العلمي لأبنائنا وبناتنا، ولإخواننا من طلاب العلم، أسأل الله ﵎ أن يجعل ما يتعلمونه عوناً لهم على طاعة الله، وبصيرة لهم في دينهم، ورفعة وعزة لأمتهم الإسلامية، كما أسأله تعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا جميعاً التوفيق والنجاح في الدنيا والآخرة.\rأيها الإخوة في الله! إن طرائق الدراسة والامتحانات مما أطبقت عليه في الجملة الأمم كلها مؤمنها وكافرها، فما الذي يميز أمة الإسلام في هذا العلم على مختلف فروعه وتخصصاته؟ إن العلم في منهاج الإسلام قسمان: القسم الأول: علم شرعي، عماده الكتاب والسنة والإجماع وأقوال سلف الأمة، وهذا العلم مما تميزت به أمة الإسلام في كونه علم عقيدة وشريعة تشمل جميع نواحي الحياة، وفي كونه علماً نابعاً من مصادر صحيحة ثابتة لا يتطرق إليها شك، ولا يدخلها تحريف، ولا تأويل؛ لأن الذي جاء بها هو خاتم النبيين محمد ﷺ؛ ولأن الله تكفل بحفظ كتابه، وأمر رسوله ﷺ بأن يبلغ البلاغ المبين؛ فبلغ، ووصلت سنته ﷺ إلينا بجهود علماء الإسلام قديماً وحديثاً.\rوهذه العلوم التي تميزت بها أمة الإسلام تختلف جذرياً في هذا الباب عن علوم وكتب أهل الكتاب المحرفة فضلاً عن علوم الأمم الأخرى الوثنية، هذا هو القسم الأول الذي تميزت به أمة الإسلام، وبه تفخر، وبه عزتها، وبتطبيقه والعمل به رفعتها إنه العلم الشرعي الذي ليس لأحد من أهل الأرض مثله إلا أن يؤمن بما آمنوا به ويتبع سبيلهم.\rأما القسم الثاني: فهو بقية العلوم غير الشرعية، العلوم المادية التي تتساوى فيها أمم الأرض متى ما أخذت بأسبابها، وهذه العلوم لابد فيها -في منهاج الإسلام- من أمرين حتى يتحول هذا العلم إلى علم مطلوب في أمة الإسلام: أحدهما: أن يكون هذا العلم مفيداً غير ضار، وبهذا تخرج العلوم الضارة، أو العلوم التي لا فائدة منها على الإطلاق؛ لأن الانشغال بها مضيعة للوقت إن لم تكن مضرة.\rالأمر الثاني: النية الحسنة بالنسبة لطالبه، وهذه النية مرتبطة بحاجة الأمة الإسلامية وضروراتها، وما يؤدي إلى استغنائها عن غيرها من الأمم، وهذه النية هي التي تحول تلك العلوم إلى علوم نافعة ينال أصحابها بها أجراً عند الله ﵎، وبها تتحول جهودنا وما نبذله من أوقات ومال من أجل إغناء الأمة الإسلامية عن أن تحتاج إلى غيرها من الكفار عبادة، ويتحول هذا العلم في منهاج الإسلام إلى علم مطلوب ينال عليه أصحابه أجراً عند الله ﵎.\rوكل من العلم الشرعي أو العلم المادي -في منهج الإسلام- لابد فيه من نية صالحة تقوم على الإخلاص لله ﷾، ورسول الله ﷺ هو الذي علمنا هذا، وهو الذي بلَّغ الشريعة، وهو الذي قال لأصحابه: (بلغوا عني ولو آية)، وهو الذي بعث البعوث، ونشر الرايات المجاهدة في سبيل الله، الداعية إلى الله ﵎، لتشق طريقها في مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي أمر أحد الصحابة ﵃ أن يتعلم لغة غير اللغة العربية لما احتاج إلى ذلك، وهو الذي استفاد أيضاً من خبرة الفرس العسكرية في إحدى ميادين القتال، وليست هذه إلا نماذج، ولكن أحببت أن أشير إشارات، والأمر في ذلك يطول.\rأيها الإخوة في الله! ما مقياس العلم الذي ينفع والذي لا ينفع في منهاج القرآن، من العلم الحديث الذي يوجد أكثره عند الكفار اليوم، ويظهر كثيراً من شبابنا وبعض مثقفينا؟ ومتى يكون العلم المادي نافعاً وصحيحاً؟ نقف ثلاث وقفات مع ثلاث آيات في كتاب الله ﵎:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534626,"book_id":2827,"shamela_page_id":415,"part":"19","page_num":3,"sequence_num":415,"body":"العلم الحديث يكون نافعاً إذا دل على الله وأورث خشيته\rالوقفة الأولى: قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٧ - ٢٨].\rففي هاتين الآيتين بيان لقدرة الله تعالى وكماله فيها، حيث يخلق الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو: الماء الذي ينزل من السماء، فيخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها، فيها الأحمر والأبيض والأصفر والأسود إلى بقية الألوان! كما خلق تعالى الجبال مختلفة الألوان، بل خلق الناس والدواب والأنعام وهي مختلفة الألوان! وهذا خلق الله لا مدخل للبشر فيه، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].\rثم قال تعالى في نهاية هذه الآية: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، قال ابن عباس: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، وهذه إشارة من ابن عباس إلى أن العلم المادي إذا دل على الله ﵎ يتحول إلى علم عبادة وطاعة، أي: أن علمهم بما في الكون والأنفس، وربطهم ذلك بالله تعالى القادر هو الذي يولد الخشية لله تعالى المقتضية لعبادته وحده لا شريك له.\rقال ابن عباس ﵄: العالم بالرحمن: من لم يشرك به شيئاً، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه، ومحاسب بعمله.\rوعلى هذا فأي علم لا يوصل إلى الإيمان بالله، وخشيته وعبادته، فليس بعلم في الحقيقة، قال ابن كثير في هذه الآية: أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة بالعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، أتم، والعلم به أكمل؛ كانت الخشية له أعظم وأكثر.\rوبهذا الميزان -أيها الإخوة! - يمكن أن توزن علوم الحضارة المعاصرة، هل قادت أصحابها إلى الإيمان بالله أم أنها ركزت في عقولهم غروراً؛ فتكبرت على ربها ﵎، وصارت تحاربه بعلومها المادية ليلاً ونهاراً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534627,"book_id":2827,"shamela_page_id":416,"part":"19","page_num":4,"sequence_num":416,"body":"الغاية من طلب العلم على مختلف فنونه هي عبادة الله ﷿\rالوقفة الثانية: قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، هل يستوي القانت المطيع لله ورسوله ومن أشرك بالله وجعل له أنداداً؟ إنهم لا يفهمون أبداً.\rوقد وصف هذا المطيع بأنه آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، هو بين الخوف والرجاء مع كثرة عمله وصلاحه، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].\rقال الإمام الطبري ﵀: يقول تعالى ذكره: قل -يا محمد- لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلمون ذلك فهم يخبطون في عشواء، لا يرجون بحسن أعمالهم خيراً، ولا يخافون بسيئها شراً؟ يقول: ما هذان بمستويين.\rونقل القرطبي ﵀ عن بعض العلماء أنه قال: الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه، ولم يعمل به فهو بمنزلة من لم يعلم.\rأيها الإخوة في الله! وهذا يشمل العلوم الشرعية وغيرها، ومن ثم فإن هذه الآية تدل على عدة أمور: أحدها: أن العلم الذي لا يوصل إلى الله تعالى؛ فليس بعلم حقيقي مهما كان.\rالثاني: أن العلم الصحيح هو ما نقل صاحبه إلى العمل على وفق شرع الله ﵎ رغبة فيما عند الله تعالى، وحذراً من عقابه.\rالثالثة: أن غاية الحياة -ومنها: طلب العلم على مختلف فنونه وفروعه- هي عبادة الله ﵎، وبهذا تضبط موازين الحياة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534628,"book_id":2827,"shamela_page_id":417,"part":"19","page_num":5,"sequence_num":417,"body":"الكفار يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون\rالوقفة الثالثة مع قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:١ - ٥].\rفي هذه الآيات أخبر الله تعالى بنصر الروم على الفرس الوثنين الذين انتصروا عليهم أولاً، وفرح بذلك إخوانهم من مشركي مكة، فلما انتصر الروم فرح المؤمنون بذلك.\rقال القرطبي رحمه الله تعالى: وقد ذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم، وهمهم أن تغلب؛ إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، وفارس من أهل الأوثان.\rقال النحاس: وقول آخر وهو أولى: أن فرحهم إنما كان لإنجاز وعد الله تعالى، إذ كان فيه دليل على النبوة؛ لأنه أخبر ﵎ بما يكون في بضع سنين فكان فيه.\rقال ابن عطية: ويشبه أن يعلل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب العدو الأصغر؛ لأنه أيسر مئونة، ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله ﷺ ترجاه من ظهور دينه، وشرع الله الذي بعثه به، وغلب فيه على الأمم، وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه.\rوقيل: سرورهم إنما كان بنصر رسول الله ﷺ؛ لأن جبريل أخبر بذلك النبي ﵇ يوم بدرٍ.\rقال تعالى بعد هذه الآيات: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧]، أكثر الناس لا يعلمون، ولو بدا في الظاهر لدى عامة الناس أنهم علماء، وأنهم يعرفون الكثير من العلوم المتعلقة بالإنسان أو الأرض أو الفلك أو غير ذلك من العلوم، والسبب في ذلك أنهم كما قال الله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).\rوظاهر الحياة الدنيا محدود جداً، لا يستطيع البشر استقصاءه في حياتهم المحدودة، فنسبة علمهم كنسبة هذه الأرض إلى غيرها من الكواكب والمجرات، وهذه الأرض والحياة منها ما هي إلا طرف صغير من هذا الوجود الهائل البعيد من ناحية الزمان والمكان.\rوالكفار وصفوا بأنهم لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، وذلك لأمور: أحدها: أن علومهم مادية سطحية، تتعلق بظاهر الحياة دون سننها الثابتة التي أرادها الله تعالى، فعلومهم مقطوعة عن خالقهم واهب هذه العلوم وخالقها ومقدرها، فلا يعرفون منها إلا قوانينها المادية البحتة، أما كيف جاءت؟ ولماذا جاءت؟ ومن الذي خلقها؟ فهذا كله هم عنه غافلون.\rثانياً: أنهم في خضم انشغالهم بعلومهم، ومعارفهم المادية، ومتابعتهم لتطورها في كل يوم نسوا قضية بدهية لابد أن يفكر فيها كل عاقل، ألا وهي: ما هي الغاية من خلق الوجود الإنساني؟ تأملوا حضارة عالمية كبرى، بلغت من التطور العلمي مبلغاً عجيباً، ومع هذا لا يعرف الفرد فيها الجواب الصحيح عن هذه الأسئلة البدهية: من الذين خلقني؟ ولماذا خلقني؟ وإلى أين المصير؟ وصدق الله إذا يقول عن الكفار مهما بلغ علمهم: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وأشهر متخصص في أي فن من الفنون العلمية المادية مادام لا يؤمن بالله على الوجه الحق فهو داخل في حكم هذه الآية.\rثالثاً: غفلتهم عن الآخرة والوقوف بين يدي الله تعالى للجزاء والحساب، قال تعالى في ختام هذه الآية: ﴿وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، وإنكار الآخرة والبعث بعد الموت والغفلة عن ذلك يؤدي إلى اختلال عظيم في موازين الحياة الدنيا، وأي إنسان لا ينظر إلا إلى الحياة الدنيا فقط؛ فلابد أن يكون علمه سطحياً ناقصاً، ولا يمكن أن يتصور الحياة تصوراً صحيحاً بكل ما فيها من أحداث، وكل ما ينبثق منها من أمور.\rأما المؤمن بالله واليوم الآخر فيختلف تماماً في ميزانه للأمور، وتعامله مع الحياة، ومقاييسه لها؛ حتى وهو يبني ويعمر، ويتقدم في علوم المادة؛ فهو يتعامل معها من خلال موازين وسنن ثابتة تربط الحياة الدنيا القصيرة الفانية بالحياة الأخرى الأبدية الباقية، وهذا هو الفرق بين ما تنتجه الأمة الإسلامية المؤمنة من حضارة، وما تنتجه حضارة العصر الكافرة من حضارة.\rوحين نقارن بين الأمتين في هذا المجال يتبين: أنه لا يمكن أن يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها، ولا ينتظر ما وراءها، لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة، ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشئون، فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال، هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا، وذلك -أي المؤمن- يدرك ما وراء الظاهر من روابط، وسنن شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والموت والحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء.\rوهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه، ويرفعها فيه إلى المكان الكريم اللائق بالإنسان.\rلا يمكن أن تلتقي حضارة تبنى على الإيمان بالله واليوم الآخر، وحضارة تقوم على الكفر بالله وعدم الإيمان بيوم الحساب.\rأيها الإخوة في الله! يا طلاب العلم! أيها الدارسون! أيها المتعلمون في فنون المعرفة! إن الأمة الإسلامية تنتظر منكم علماً نافعاً يغنيها عن غيرها، تنتظر منكم أن تقوم هذه الأمة بعلمها الشرعي أولاً وبعلومها الأخرى، تنتظر منكم أن تتحول هذه الأمة إلى أمة كما عهدناها رافعة الرأس شامخة تقود الأمم ولا تقاد، ينظر إليها بعين الرفعة والمكانة، لا كما هو حالنا اليوم! أسأل الله ﵎ أن يوقظ أمة الإسلام؛ حتى ترجع إلى دينها رجوعاً صحيحاً، وحتى تتعلم علومها على منهاج شرعي صحيح.\rاللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.\rاللهم ارفع شأن هذه الأمة الإسلامية.\rاللهم إنا نسألك أن توفق كل طالب علم إلى منهاج سليم في حياته.\rاللهم إنا نسألك الإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح.\rاللهم إنا نسألك أن تحبب إلينا الإيمان، وأن تزينه في قلوبنا، وأن تكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن تجعلنا من الراشدين.\rاللهم أذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه يا رب العالمين! اللهم واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن ترحم موتى المسلمين جميعاً، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534629,"book_id":2827,"shamela_page_id":418,"part":"20","page_num":1,"sequence_num":418,"body":"معالم الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة المسلم\rالإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، ولا يقبل الله من عبدٍ صرفاً ولا عدلاً حتى يؤمن به وفق ما جاءت به النصوص، وللإيمان به معالم منها: الإدراك الجازم بأن الله ﷿ حكم عدل لا يظلم أحداً، والاعتقاد الجازم بأنه سبحانه قد علم كل شيء أزلاً، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وبهذا يصل العبد إلى كمال الراحة والطمأنينة فيما قدره الله تعالى له، فلا يجزع من مصيبة، ولا يضرب نصوص الشرع بعضها ببعض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534630,"book_id":2827,"shamela_page_id":419,"part":"20","page_num":2,"sequence_num":419,"body":"الإيمان بالقدر وأهميته\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فسنقف -بإذن الله تعالى- مع قضية من قضايا العقيدة الكبرى؛ لأن أثرها في حياة الإنسان وفي حياة البشرية كبير جدا، ومستمر مع الإنسان منذ ولادته إلى أن يلقى ربه ﵎، ومن ثم كان عرض مثل هذا الموضوع وبيانه على منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى مما ينبغي أن تربى عليه الأمة ويعنى به الدعاة والمصلحون؛ لأن أثر الإيمان بالقضاء والقدر على حياة الإنسان والأمة كبير جدا، وأي إشراك فيه قد يؤدي إلى انحراف أو انحرافات في حياة الإنسان الحر، أو في حياة الأمة جمعاء.\rولهذا فسأعرض هذه القضية من خلال القضايا التالية بعد المقدمة.\rأولاها: أحوال بعض الصالحين مع القضاء والقدر.\rوثانيها: المعالم الكبرى في مسألة القضاء والقدر.\rوثالثها: أهم مسألة في قضية القدر وأخطرها.\rورابعها: أثر الإيمان بالقضاء والقدر في حياة الإنسان وحياة الأمة.\rوأقول فيما يتعلق بالمقدمة: إن هذا الموضوع كثر البحث فيه، حتى ألفت فيه كتب عديدة، وقد عني سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى بذلك عناية كبيرة، حتى بوب له الأئمة أئمة الحديث في كتبهم كـ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم.\rكما أن بعض العلماء ألفوا فيه كتباً مستقلة، كـ الكلابي والبيهقي وغيرهما من الأئمة رحمهم الله تعالى، ثم توالت بعد ذلك المؤلفات في هذا الموضوع لعلماء الإسلام قديماً وإلى عصرنا الحاضر، ومن ثم فلا يزال في الساحة كتب كثيرة في هذا الموضوع، وإن كان بعضها مما ينبغي أن يقرأه الإنسان بحذر؛ لأن أصحابها ربما تأثروا بمناهج الفلاسفة أو المتكلمين أو غيرهم، فلم تصبح دراستهم لهذا الموضوع المهم دراسة قائمة على منهاج سليم في جميع الوجوه.\rوقد سبق أن ألقيت في هذا الموضوع محاضرات، ومن ثم فسأحرص -إن شاء الله تعالى- على عرض هذه القضية من خلال قضايا مجملة أحس أن كثيراً من الناس بحاجة إليها.\rأما تفاصيل ما يتعلق بالقضاء والقدر وأدلته وقضاياه المتعددة فتلك موجودة في بطون الكتب، ويمكن أن نحيل على بعضها، وأقول: أيها الأخ في الله! إن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، ولقد كانت الأمة الإسلامية عبر القرون مؤمنة بالقضاء والقدر، ولم تكن تشكو من هذه القضية، وإنما الذي كان يشكو منها نزرٌ يسير من الناس استهواهم الشيطان أو استهواهم أصحاب البدع فانحرفوا في هذا المجال.\rأما بقية الأمة فقد عاشت قروناً تؤمن بالقضاء والقدر وتعبد ربها وليس عندها مشكلة من هذه القضية، ونحن -والحمد لله- نشاهد أمثال ذلك فيما بيننا، فهل رأيت أباك أو أمك أو أحد أقربائك يوماً من الأيام يشكو من هذه المشلكة التي يشكو منها بعض الشباب؟ أم أنهم -والحمد لله- كانوا مؤمنين بالله مسلمين لقضائه وقدره عابدين لربهم ﵎، إن أصابتهم مصائب تذكروا أنها بقضاء الله وقدره فصبروا، وإن وقعوا في معايب وذنوب عرفوا أنهم أخطئوا فلم يحتجوا بقدر وإنما رفعوا أكف الضراعة إلى المولى القدير ليتوب عليهم ويعفو عنهم، ثم أبدلوا سيئاتهم بحسنات يرجون بها محو تلك السيئات السابقات، والحمد لله أننا ما زلنا نشاهد نماذج عديدة ومتعددة وكثيرة من هذه الأنواع المؤمنة المسلمة، وهذا يدل على أن قضية الإيمان بالقضاء والقدر هي قضية إيمانية حقة لا لبس فيها ولا غموض.\rوإنما يحيط اللبس والشك والشبه حين ينحرف الإنسان عن منهج ربه ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534631,"book_id":2827,"shamela_page_id":420,"part":"20","page_num":3,"sequence_num":420,"body":"منهج السلف الصالح تجاه القدر\rلقد كانت أحوال الصالحين -وهذه هي القضية الأولى- مع الإيمان بالقضاء والقدر أحوالاً تبنى على منهج سليم، مؤمنين بقضاء الله وقدره، يفعلون الأسباب ويتوكلون على رب الأرباب، ثم إنهم بعد ذلك يؤمنون بالله ﵎ ويعبرون هذا الكون.\rوتأمل تأملاً مجملاً في حياة الهادي البشير ﷺ وحياة صحابته من بعده فستجدها حياة مستقرة مؤمنة، حياة فيها الإيمان وفيها العمل، فيها الشجاعة وفيها الإقدام، فيها التقوى وفيها الإحسان، حياة مستقرة ليس فيها أمراض عصية ولا تعب ولا أحزان إلا ما يصيب الإنسان مما يبتلي الله ﷾ به عباده، ومن ثم آمنوا بالله أولا، ودعوا إلى دين الله ثانيا، وفتحوا الفتوحات في مشارق الأرض ومغاربها ينشرون هذا الإيمان وهذا الدين بين الناس، وتلك حياة عاشوها ﵃ جميعاً تمثل تطبيقاً عملياً صحيحاً للإسلام عموما ولهذه القضية التي نتحدث عنها خصوصا.\rوتوالت على ذلك أحوال السلف رحمهم الله تعالى، فكانوا مؤمنين ومسلمين رادين على أهل البدع جميعاً ومنها بدع أهل القدر وغيرهم، ولقد كانت حياتهم رحمهم الله تعالى حياة رضا وتسليم وإيمان وعمل جاد.\rفهذا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان يقول عن نفسه: ما أصبح لي هوىً في شيء سوى ما قضى الله ﷿.\rوهذا هو الإيمان والتسليم.\rوكان رحمه الله تعالى يدعو ويقول: اللهم! رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ولا تأخير شيء عجلته.\rورحم الله عمر بن عبد العزيز، فتلك -والله- صفات المؤمنين الذين لا يفرحون بما آتاهم الله ولا يحزنون على ما فاتهم من أمور، وإنما يسلمون للقدر المكتوب.\rيقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: يصبح المؤمن حزيناً ويمسي حزيناً ويتقلب في النوم -أي: يتقلب في النوم مما فيه من أحزان وأكدار- ويكفيه ما يكفي العنيزة.\rأي: يكفيه من البلاغ والطعام ما يكفي العنيزة.\rفلماذا الأحزان والأكدار؟ هذا معنى كلام الحسن رحمه الله تعالى.\rويقول عبد الله بن مسعود ﵁: إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلباً يسيرا؛ فإنما له ما قدر له، ولا يأت أحدكم فيمدحه فيقطع ظهره.\rأي: لا يأتي إليه ليمدحه ويقطع ظهره حتى يعطيه أو يقضي له حاجته، بل إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلباً يسيرا، فإن كان قد قدر فسيكون.\rهذه أحوال المؤمنين.\rومن ثم قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: يا ابن آدم! لا تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت، ولا تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت.\rكلمات فيها عبرة، إذا فاتك شيء لا تحزن، وكيف تحزن على شيء قد فاتك وهو لن يأتيك أبدا؟ ثم بعد ذلك لا تفرح بشيء موجود؛ لأن الموت أمامك، فإنه لن يتركه بين يديك، فكم من صاحب سلطان وجاه كان له في العالمين ذكر ثم إذا به يرحل؛ لأن الله كتب الموت على الجميع.\rفلا تفرح بما عندك ولا تحزن على ما فاتك، ولقد روي أن رجلاً كان يمتدح رجلاً مثله بشعره لينال العطاء والمكانة، ثم ابتلاه الله ﷿ بمرض أقعده، فهجره الممدوح وقلاه، فقال عن نفسه يصور حاله معه: أبعين مفتقر إليك نظرتني فرميتني من فوق أعلى شاهق لست الملوم أنا الملوم لأنني أنزلت حاجاتي بغير الخالق.\rويقول جنيد بن أحمد الطبري رحمه الله تعالى وهو يصور أحوال العباد: العبد ذو ضجر والرب ذو قدرٍ والدهر ذو دولٍ والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا وفي اختيار سواه اللؤم والشوم وصدق رحمه الله تعالى.\rفإن الإنسان يؤمن بالقدر المقدور والأرزاق المقسومة، فإذا آمن بذلك استراح، أما إذا فكر فيه واعترض على قدره شقي ولن يأتيه إلا ما قدر له، والعاقل البصير هو الذي يعرف ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534632,"book_id":2827,"shamela_page_id":421,"part":"20","page_num":4,"sequence_num":421,"body":"المعالم الكبرى في الإيمان بالقدر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534633,"book_id":2827,"shamela_page_id":422,"part":"20","page_num":5,"sequence_num":422,"body":"اليقين بعدل الله تعالى\rثانياً: المعالم الكبرى في مسألة الإيمان بالقضاء والقدر.\rإن هذه المسألة لابد من ضبطها بتلك المعالم حتى يستقيم فهم الإنسان لهذه القضية وإيمانه بهذا الركن على الوجه الصحيح؛ لأن كثيراً ممن انحرف في هذا الباب إنما انحرف لاختلال معلم من هذه المعالم التي سأذكرها، وهذه المعالم هي ما يلي: أولاً: اليقين التام بعدل الله ﵎ وأن الله تعالى لا يظلم أحدا، وهذه قضية كبرى يجب على العبد أن يؤمن بها إيماناً عميقا من غير شك ولا ريب، فالله ﷾ حكم عدل لا يظلم الناس شيئاً، ويبنى هذا على عدد من الأسس.\rأولاها: كمال صفات الله ﷾، فهو العزيز الحكيم، وهو الغفور الرحيم، وهو العليم القدير، وهو ﷾ الحكم العدل، ومن ثم فالإيمان بهذه الأسماء والصفات يجعل قلب المؤمن يقر بأن الله كامل، ويقر بأن الله لا يمكن أن يظلم أحدا.\rوالأساس الثاني في قضية عدل الله أن الله ﷾ لا يمكن أن يظلم أحداً من الناس، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ويقول الله ﵎ عن نفسه: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، قضية يقينية لابد أن تكون مستقرة في قلب الإنسان، أن الله لا يظلمك، بل إنه تعالى حرم على نفسه الظلم فقال تعالى -كما في الحديث القدسي الصحيح-: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، والذي يحتج بالقدر ويعترض على ربه ﷾ هو بلسان حاله أو بلسان مقاله متهم لربه ﷾ بهذا؛ لأنه يعترض على ربه، فهو يزعم أن التقدير ظلم من الله ﵎.\rوالثالث من قضايا هذا العدل أنه تعالى غني عن العالمين، فهو ﷾ ليس بحاجة إلى عباده، ليس بحاجة إليهم حتى يظلمهم، ولو تأملنا أحوال العباد لوجدنا بعضهم يظلم بعضاً لأمور: إما لحب العلو في الأرض، أو لأجل أن يأخذ أموالهم، أو ليتسلط عليهم، أو لغير ذلك من الأسباب، أما ربنا ﷾ فهو غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة المطيعين ولا تضره معصية العاصين، ومن ثم قال الله ﵎ في الحديث القدسي الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا).\rإذاً فربنا ﷾ غير محتاج إلى أحد، ومن ثم فهو ليس بحاجة إلى أن يظلم أحداً من الخلق، وبهذه القضية وبهذا المعلم وهذا الميزان يستريح الإنسان؛ لأن قلبه في هذه الحالة يستقر على يقين تام أن الله ﵎ في عليائه بأسمائه وصفاته غني عن العالمين، فهو غير محتاج إليهم، وأنه ﷾ لا يمكن أن يظلمك أبدا، فإذا وقعت في معصية فتب إلى الله، وإذا أصابتك مصيبة أو رأيت الناس قد اختلفوا في أرزاقهم أو أحوالهم فلا تعترض على الله أبدا، وإنما أيقن يقيناً تاماً أن الله حكم عدل لا يظلم أحدا.\rوهذه القضية -أيها المسلم- وهذا المعلم من المعالم المهمة التي يجب على كل واحد منا أن يذكر بها نفسه وأن يربي عليها من حوله؛ لأن القلب إذا استقر على ذلك استراح، ومن ثم كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يقررون هذه القضية مع أنها مقررة في الكتاب والسنة، لكن كانوا يقررونها ويعلمونها من حولهم.\rروى أبو داود وابن ماجه وابن أبي عاصم والإمام أحمد رحمهم الله تعالى بإسناد حسن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني لعل الله جل ثناؤه أن يذهبه من قلبي.\rفقال: -أي: قال له أبي بن كعب -: (لو أن الله جل ثناؤه عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما تقبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار).\rفتأمل هذا التعليم، لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، قضية إيمانية؛ لأن الله غير محتاج إلى الخلق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦].\rلهذا فإن الإنسان إذا استقر عنده هذا لا يكون في قلبه شيء، بل يؤمن بالقدر ولا يصبح في قلبه أي اعتراض على ما قدره الله ﷾ وكتبه، وليس هذا منهج أبي بن كعب فقط، بل إن ابن الديلمي ذهب إلى مجموعة من الصحابة فقالوا له مثل ذلك، ذهب إلى عبد الله بن مسعود فقال له مثل ما قال أبي، وذهب إلى زيد بن ثابت فقال له مثل ذلك، وذهب إلى حذيفة بن اليمان فقال له مثل ذلك، فدل هذا على أن هذه الحقيقة مستقرة في نفوس أصحاب رسول الله ﷺ.\rوقد روى مسلم عن أبي الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى قال: قال لي عمران بن حصين -وعمران بن حصين هو الصحابي الجليل المعروف-: أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون أشيء قضي عليهم من قدر قد سبق أو مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت عليهم به الحجة؟ يقول أبي الأسود: قلت لا.\rبل شيء قضي عليهم.\rقال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً وقلت: ليس شيءٌ إلا وهو خلق الله وملكه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].\rفانظر إلى تسليم هذا التابعي ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] بعد أن فزع من هذا الكلام، يقول: فقال لي عمران بن حصين: يرحمك الله! ني -والله- ما سألتك إلا لأحزر عقلك.\rأي: لأختبر عقلك.\rرجلاً من مزينة أتى إلى النبي ﷺ فقال: (أرأيت ما يعمل ويكدح الناس فيه اليوم أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقدمون مما أتاهم به نبيهم وثبتت عليهم به الحجة؟ قال: لا.\rبل شيء قضي عليهم ومضى عليهم.\rقال: ففيم العمل إذاً؟ قال: من كان خلقه الله لواحدة من المنزلتين فسييسره، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]).\rإذاً هل هذا ظلم؟ لا.\rوهل يترك الإنسان العمل؟ لا.\rوإنما يعمل، وكل ميسر لما خلق له، فإذا عمل فكيف يعمل هذا الإنسان والرسول ﷺ يقول: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، كيف يعمل الإنسان وهو يجهل قدر الله؟\rو \rالجواب\r يعمل الإنسان على مقتضى شرع الله ﷾، فيعمل بالطاعات ويبتعد عن المعاصي، والله سبحانه وتعال ييسر الجميع لما خلقوا له.\rهذا هو المعلم الأول من معالم الإيمان بالقضاء والقدر، وأهميته -أيها الأخ- تنبع من أن الإيمان به والتصديق يعين الإنسان على الرضا بالقضاء وعدم الاعتراض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534634,"book_id":2827,"shamela_page_id":423,"part":"20","page_num":6,"sequence_num":423,"body":"الإيمان بعلم الله تعالى السابق المحيط بكل شيء\rالمعلم الثاني: هو علم الله ﵎ الأزلي المحيط بكل شيء، وهذه قضية؛ لأن من كماله ﷾ أنه العليم، وأنه متصف بصفة العلم أزلاً قبل أن يخلقنا وقبل أن يخلق السماوات وقبل أن يخلق العرش والكرسي وغير ذلك من المخلوقات؛ لأنه ﷾ هو الأول الذي ليس قبله شيء، فمن صفات كماله ﵎ أنه قد أحاط بكل شيء علماً منذ الأزل.\rوعلمه ﵎ كامل بما كان وما سيكون، بل إنه ﷾ علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وهذا الكمال لله ﷾ خاصة، أما الخلق فمهما بلغوا فإنهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله ﷾، وعلم الله ﷾ المحيط بكل شيء وبما كان وما لم يكن لو كان كيف كان يكون يجعل الإنسان يسلم بالقدر الصادق؛ لأن الله علم ما الخلق عاملون.\rولهذا فإن الله ﵎ علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما قال تعالى عن الكفار الذين يطلبون العودة إلى الدنيا إذا وقفوا بين يدي ربهم ﷾ ورأوا حقائق الأمور، فرأوا انقسام الناس إلى أهل الجنة وأهل النار -أسأل الله ﷾ أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة وأن يعيذني وإياكم من النار- إذا رأوا هذه الحقيقة قالوا: يا ربنا! أعدنا إلى الدنيا، فلو أعدتنا إلى الدنيا بعدما عرفنا الحقائق ورأيناها بأم أعيننا لرجعنا وتبنا وعبدناك حق عبادتك.\rفماذا قال الله ﷾ وهو العليم بهم؟ قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، فهذا ليس تقديراً، وإنما هو خبر وعلم حقيقي بأن هؤلاء لو أعيدوا إلى الدنيا مرة ثانية لعادوا لما نهوا عنه ولعادوا إلى الشرك والكفر بالله ﷾.\rلأن الواحد منهم قد يتسلط عليه شيطانه فيما لو عاد إلى الدنيا، فيقول: انظروا! لقد قلنا لكم: إن البعث كذب، ها نحن قد عدنا إلى الدنيا مرة ثانية! ثم يعود إلى كفره وضلاله.\rلكن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] حقيقة لا شك فيها.\rإذاً علم الله سبحانه وتعال قد أحاط بكل شيء، فما تصنعه أنت -أيها الإنسان- وما تفعله وما يعمله الناس جميعاً وما يقع من أي شيء من شجرة تنبت أو بحر يموج أو سمكة تغوص أو حشرة تمشي أو غير ذلك كل هذا في علم الله ﵎ الأزلي ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام:٥٩]، فأي ورقة في شجرة في أي مكان من الدنيا في جزيرة أو جبل أو شعب أو فضاء أو غير ذلك إذا سقطت هذه الورقة فإن الله ﷾ يعلمها، فكيف لا يعلم بحالك أنت أيها المخلوق المكلف؟! إذاً علم الله الأزلي أحاط بكل شيء، وعلم الله الأزلي يقتضي بقية المراتب الأربع التي هي أسس الإيمان بالقضاء والقدر.\rفمراتب القدر أربع: الأولى: العلم.\rالثانية: الكتابة.\rأي أن الله ﷾ كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة على مقتضى علمه.\rالثالثة: المشيئة.\rفما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\rالرابعة: الخلق.\rأن الله ﷾ خالق كل شيء.\rومن هنا يتبين ضلال من أراد أن يخرج من قضية القدر مثل المعتزلة وغيرهم بقولهم: إن الإنسان له قدرة مستقلة وله إرادة مستقلة عن الله.\rهكذا زعموا أنهم يحلون مشكلة القدر بأن يقولوا: إن الإنسان له إرادة مستقلة، فإذا أراد الله أمراً وأراد المخلوق أمراً فالذي يقع إرادة المخلوق؛ لأن المخلوق هو الذي يريد الطاعات والمعاصي.\rويقولون أيضاً: إن الله لا يخلق أفعال العباد، وإنما الذي يخلق أفعال العباد هم العباد أنفسهم.\rفنقول لهم: ماذا تقولون في علم الله؟ فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال كلمة مهمة جداً في هذا الباب، وهي قوله: ناظروا القدرية -يعني المعتزلة- بالعلم، فإن أنكروه كفروا وإن أقروا به خصموا.\rهذه العبارة هي التي أردت أن أوضحها هنا في قضية أهمية علم الله ﷾ والإيمان به كمعلم بارز من المعالم.\rفإننا نقول للقدري المعتزلي الذي يقول: إن الإنسان حر وله إرادة مستقلة نقول له: ماذا تقول في علم الله الأزلي الكامل؟ هل تؤمن به أو لا؟ فماذا سيقول؟ إن أنكره وقال: لا أؤمن بعلم الله الأزلي كفر؛ لأن هذا مذهب الغلاة من القدرية الذين أنكروا العلم فكفرهم الصحابة ﵃ وأرضاهم وكفرهم أئمة السلف، فهم الذين يقولون: الأمر بالنسبة لله أنُفٌ، أي: لا يعلمه إلا بعد وجوده.\rفالمعتزلي إن أنكر العلم كفر، وإن أقر به -وهو أصلاً يقر به؛ لأنَّه يؤمن بالعلم ويؤمن بالكتابة- إن أقر بالعلم خصم، فنقول له: أنت قلت: إن الإنسان له إرادة مستقلة عن إرادة الله، فله أن يفعل هذا أو يفعل هذا.\rفنقول لك: علم الله بما سيفعله العبد واحد أو متعدد؟ فسيقول: علم الله واحد.\rفهل سيخرج العبد عن علم الله؟ هل سيفعل العبد فعلاً يخالف علم الله؟ فسيقول: لا يفعل العبد فعلاً يخالفه ما في علم الله.\rفنقول له: إذاً ما فائدة الحرية التي أعطيتها إياه إذا كان علم الله الأزلي السابق قد أحاط بكل شيء، وإذا كان العبد لم يخرج عما في علم الله ﷾.\rلهذا فلا مخرج في قضية القضاء والقدر إلا بالإيمان به على منهج السلف الصالح وإثبات علم الله الأزلي المحيط بكل شيء، إذاً عندنا معلمان بارزان: أولهما: عدل الله وأن الله لا يظلم.\rوالثاني: علم الله المحيط بكل شيء، وأن كل ما يجري فإنما يجري على وفق علم الله الأزلي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534635,"book_id":2827,"shamela_page_id":424,"part":"20","page_num":7,"sequence_num":424,"body":"الإيمان بقيام حجة الله ﷾ على عباده\rالمعلم الثالث: هو قيام حجة الله ﷾ على عباده.\rفالإنسان لو تأمل حاله لوجد نفسه يفعل بإرادته وقدرته، ولوجد نفسه غير مكره، ولو أكره على أمر لم يحاسب عليه، وقيام حجة الله على عباده جاءت بأمور أربعة: أولها: أن العبد قد أعطاه الله قدرة بها يفعل، ولذلك يفعل العبد أفعاله بقدرته، فهو الذي يذهب ويصلي ويصوم، وهو الذي -أيضاً- يفعل المعاصي بقدرته.\rالثالث: أن له مشيئة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، وهذه المشيئة أعطاه الله إياها، وهي خاضعة لمشيئة الله ﷾، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، لكن العبد له مشيئة بها يفعل، فلو فعل فعلاً بغير مشيئة فإنه لا يحاسب.\rالرابع: أن الله ﷾ لا يكلفه إلا بعد البلوغ ووجود العقل، أي أن التكليف مربوط بالعقل والبلوغ، فغير العاقل لا يكلف، وغير البالغ أيضاً لا يكلف، فانتبه لمعالم قيام الحجة.\rالرابع من معالم قيام الحجة: أن الله ﷾ بين لك الطريق، فأرسل إليك الرسل وأنزل عليهم الكتب، فبينوا لك الطريق بياناً واضحاً مثل الشمس، ومن ثم فإن رسل الله ﷾ قامت بهم حجة الله ﵎ على عباده، فإذا تأملت هذا الإنسان وجدته عنده قدرة، وله إرادة، وهو بالغ عاقل، وقد بينت له الطريق والمحجة فقيل له: افعل هذا ولا تفعل هذا، إن فعلت ما أمرت به فلك الأجر، وإن عصيت وتركت أو فعلت ما نهيت عنه فعليك الوزر.\rبيان واضح أقام الله به الحجة على عباده، ومن ثم فهذا الإنسان لو تأملت أحواله في هذه الحياة لوجدتها تنقسم إلى قسمين: قسم يجري على الإنسان في هذه الحياة لا إرادة له فيه، فهذا لا يحاسب عليه، مثل كون الإنسان وجد وولد في يوم كذا من أبوين هما فلان وفلان، وعمره كذا، وطوله كذا، وشكله ولون بشرته كذا، فلا يحاسب الإنسان على هذه الأشياء فيؤتى به يوم القيامة فيقال له: لماذا أنت قصير؟ أو: لماذا أنت طويل؟ كذلك أيضاً ما يجري على الإنسان بغير إرادة منه، فإذا مرض وما استطاع أن يذهب إلى المسجد، أو إذا أصابته مصيبة أو غير ذلك من الأمور هل يحاسب الإنسان عليها؟ لا؛ لأنها أمور جرت عليه بغير إرادة منه فلا يحاسب عليها.\rفمن وقعت عليه مصيبة يؤمر بالصبر؛ لأنَّه يؤجر على ذلك، لكن لا يقال له: لماذا وقعت عليك المصيبة؟ فهذا هو القسم الأول من أقسام ما يجري عليك أنت أيها الإنسان، فهذا قسم لا تحاسب عليه؛ لأنه لا إرادة لك فيه، وإنما جرى عليك بغير إرادة.\rالقسم الثاني: هو ما يفعله العبد بإرادته، أي: ما يقدم عليه الإنسان بإرادته وقدرته فيفعله، فهو يتكلم بإرادته، ويمد يده بإرادته، ويمشي برجله بإرادته، ويفعل بجسمه بإرادته، فهذه الأشياء التي تقع بإرادته هي موطن التكليف والحساب.\rإذاً فهنا يتبين أن الإنسان الذي يحتج بالقدر ثم يأتي ليقول: أنا مكره وأنا ملزم نقول له: لا.\rيأتي وقد فعل المعصية فنقول له: هل فعلت المعصية بإكراه؟ هل أكرهك أحد عليها وأنت فعلتها؟ فيقول: قطعاً أنا الذي ذهبت إلى المعصية.\rإذاً لا تلومن إلا نفسك، ولا حجة لك على ربك ﷾ في هذا، وهكذا بقية أمور الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534636,"book_id":2827,"shamela_page_id":425,"part":"20","page_num":8,"sequence_num":425,"body":"حكم الله تعالى في القدر\rالمعلم الرابع من معالم الإيمان بالقضاء والقدر هو: هل لله في القدر حكمة وسر؟ نحن نقول: يجب التسليم بالقضاء والقدر، والنبي ﷺ ورد عنه النهي عن الخوض في القضاء والقدر فقال: (إذا ذكر القدر فأمسكوا).\rلكن هذا النهي لا ينصب على الإيمان بالقضاء والقدر ومعرفته بأنه ركن من أركان الإيمان مذكور في القرآن وفي السنة، فالإيمان به وتوضيحه على منهاج صحيح هذا أمر واجب؛ لأن القضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة، وإنما نهى النبي ﷺ عن الخوض في القدر على وجه الباطل، مثل أن يحتج به على المعاصي ولا حجة له، ومثل أن يتمادى في القدر ويقول: هذا مجبور، هذا مخير.\rأو يعترض على القدر وعلى ما قدره الله ﷾، فالخوض في القدر على منهاج أهل الأهواء أو على طريقة الاعتراض على قدر الله ﷾ هو الذي نهى عنه الرسول ﷺ، فهذه قضية.\rالقضية الثانية: هي أن الله ﷾ له حكمة في خلق عباده وابتلائهم وامتحانهم.\rلذلك فإن الله ﷾ هو الذي أراد أن يوجد العباد على هذه الحالة، أن يكون منهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، وإلا فلو شاء الله ﷾ لجعل الناس كلهم مهتدين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، ولو شاء لجعل الناس مثل الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.\rإذاً لماذا جعلهم هكذا؟ لله في ذلك حكمة قد ندرك بعضها وقد لا ندرك كثيراً منها، فهو ﷾ له حكمة في أن يوجد هذا الصراع بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، حتى يبتلي عباده فيبتلي بعضهم ببعض.\rومعرفة حكمة الله ﷾ في هذا تجعل الإنسان يؤمن بقدر الله الأزلي، ومن ثم فإن الإنسان لا يعترض على سر الله في القدر، فما هو سر الله في القدر؟ يقول الأئمة رحمهم الله تعالى: سر الله في القدر كونه أمات وأحيا، وأفقر وأغنى، وأذل وأعز.\rأي: كونه ﷾ أراد بحكمته أن يوجد الناس على هذه الحال، فكما أن الإنسان لا يعترض ويقول: لماذا فلان مات وعمره عشر سنوات بينما فلان مات وعمره تسعين سنة؟ وذلك لأن الموت والحياة لله، فكذلك كونه أفقر وأغنى، فهذا غني وهذا فقير، فهذا لله ﷾، وكذلك كونه ﷾ أضل وهدى، وجعل الناس هكذا هذا لله ﷾ فلا تعترض عليه، فلا يجوز لإنسان أن يقول: لماذا لم يجعل الله الناس كلهم أغنياء؟ ولماذا لم يجعلهم كلهم يعيشون ألف سنة مهتدين؟ فهذه أسئلة فيها اعتراض على أصل حكمة الله ﷾ في المقدورات، ومن ثم فإن المؤمن هو الذي يسلم بقضاء الله ﷾ وقدره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534637,"book_id":2827,"shamela_page_id":426,"part":"20","page_num":9,"sequence_num":426,"body":"توهم التعارض بين الشرع والقدر ودفعه\rبعد تلك المعالم الأربعة ننتقل إلى الأمر الثالث، وهو أهم قضية في مسألة القضاء والقدر، وهذه القضية هي توهم التعارض بين الشرع والقدر، فكل من انحرف في باب القضاء والقدر انحرف لأجل ما خطر بباله من وهم التعارض بين شرع الله وقدره.\rفتجد الإنسان -مثلاً- يقول: لماذا يأمرني الله وقد قدر علي؟ أليس هذا هو السؤال الذي يسأله كثيرٌ من الناس؟ نقول: هذا قائم على الظن بأن هناك تنازعاً بين الشرع والقدر، والمؤمن هو الذي يسلم، فالقدر من الله والشرع من الله، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالخلق هو القدر، والأمر هو الشرع، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون ما صدر من الله متعارضاً أو متناقضا، فالله هو الذي قدر الأقدار، وهو الذي شرع الشرائع، فهل يكون بينهما تعارض؟ نقول: لا.\rومن ثم -والحمد لله- تجد المؤمن بالله ﷾ مؤمناً بالقضاء والقدر مسلماً به، يعلم أن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره، ثم -أيضاً- تجده في نفس اللحظة مؤمناً بالشرائع، فيفعل ما أمره الله به ويشكر الله على توفيقه، ويجتنب ما نهى الله عنه، ويتوب إلى الله إذا وقعت المخالفة.\rهذه حال كل المؤمنين لا نزاع بينهم، والدليل على هذا أن الإنسان في حياته مأمور باتباع الشرع، أما القدر فلا علاقة له به، القدر أمر غيبي يسلم به، لكنَّه مأمور باتباع الشرع، ودعني أضرب لك مثالاً: حين يؤذن لصلاة فريضة ما نحن صانعون؟ وأولئك الذين سيسمعون الأذان هل يعلمون ما في قدر الله أو لا يعلمون؟ الحقيقة أنهم لا يعلمون، إذاً ماذا سيصنعون؟ فلو جاء أحد مسرف على نفسه وقال: يمكن في قدر الله أني لا أصلي، ثم ذهب ونام وما صلى، فهذا إنسان لا شك أنه مخطئ؛ لأنه ما الذي يدريك أنك في قدر الله وفي علم الله تصلي أو لا تصلي؟ لماذا لا يكون في علم الله أنك تصلي؟ ولهذا تجد الإنسان دائماً يستقبل أيامه بأحداث جديدة هو يجهلها، والواجب عليه أن يسير عليها على منهاج ربه، فإذاً أمرنا الله بالصلاة فنصلي، ونهانا الله عن ترك الصلاة أو عن فعل المعاصي فنجتنبها.\rوهكذا في حياة الإنسان، فهو في كل لحظة وفي كل ساعة يستقبل أمراً مجهولاً، وإذا كان يستقبل هذا الأمر المجهول فالواجب عليه أن ينظر إلى الشرع فينفذ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534638,"book_id":2827,"shamela_page_id":427,"part":"20","page_num":10,"sequence_num":427,"body":"طوائف المتوهمين\rإذاً هل هناك صراع بين القضاء والقدر وبين الشرع؟\r\rالجواب\r لا صراع.\rولهذا تجد أن الذين انحرفوا في هذه القضية -قضية التعارض بين الشرع والقدر- انحرفوا وانقسموا إلى أقسام، فقسم منهم مال إلى القول بحرية الإنسان حتى يقول: إن الشرع والأمر به صحيح، كما ذهب إليه المعتزلة وقالوا: الإنسان حر.\rومثلهم أصحاب مذاهب الحرية في العصر الحديث وغيرهم الذين يقولون: إن الإنسان حر تماماً.\rوأخطر ما في هذا المذهب أنه يؤدي بالإنسان إلى الانسلاخ من الشريعة؛ لأن الإنسان إذا كان حراً عن قدر الله ﷾ فهو أيضاً حر عن شرع الله، وإذا آمن الإنسان بقضاء الله وقدره وربوبيته على الخلق أجمعين آمن بأن الذي يملك هذا هو الذي شرع، فتجب طاعته في الشريعة.\rومن هنا تجاوز هذا الانحراف في فهم هذه القضية إلى أن قالت طائفة بالحرية المطلقة للإنس، وقابلتهم طائفة أخرى فقالت بالجبر، أي أن الإنسان مجبور، وهؤلاء الذين قالوا بالجبر قوم قالوا به وأضافوا إليه القول في الإرجاء في مسألة الإيمان، فأدى بهم هذا إلى الانسلاخ من الشريعة.\rلأنه يقول لك: إنَّه مجبور.\rكما يصنع أولئك الذين يحتجون بالقضاء والقدر، فإذا وقع في معصية قال: يا أخي! هذا مكتوب علي.\rنقول له: هي مكتوبة عليك لكن أنت فعلتها.\rفالاحتجاج بالجبر احتجاج باطل؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يحتج به في جميع أحواله، ولهذا تجد الإنسان مع الناس قدري لا يؤمن بالقدر ومع الله جبري، هذا الإنسان المنحرف إذا اعتدى أحد على ماله أو ضربه أو اعتدى على عرضه وقيل له: هذا بقضاء الله وقدره أبى وقال: لا.\rبل هذا مجرم، هذا فعل كذا وكذا فيستحق العقوبة، ويجب أن يعاقب.\rأليس الإنسان يقول هذا؟ بلى.\rفإذا قيل له: هذا بقضاء الله وقدره قال: لا.\rما علي من قضاء الله وقدره، هذا الذي فعل هذه الخطيئة أو هذا الذنب فأخذ مالي أو ضربني أو اعتدى على ولدي أو أهلي أو غير هذا يستحق العقوبة.\rفانظر إليه لا يحتج بالقدر مع أن الذي جرى هو بقضاء وقدر! فإذا ما جاءت القضية بينه وبين ربه ﷾ اعترض وقال: قدر الله علي، فكيف يعذبني.\rفلماذا فيما بينك وبين الله تكون جبرياً معترضاً على قضاء الله وقدره وفيما بينك وبين الخلق تأبى، ولو قيل لك: إن هذا بقضاء الله وقدره ما رضيت، وإنما تقول: يجب أن يعاقب هذا المجرم.\rنقول أيضاً: أنت تستحق العقوبة؛ لأنك فعلت ما فعلت بإرادة منك وبقدرتك، ومن ثم أدت هذه المقالة -وهي قضية الانحراف في مسألة التعارض بين الشرع والقدر التي يظنها بعض الناس- أدت ببعض الطوائف مثل الصوفية إلى أن صاروا مع القدر حيث صار، أدى بهم الجبر -نسأل الله السلامة والعافية- إلى أن صاروا مع القدر حيث صار، حتى إنه إذا انتصر المسلمون قالوا: رضينا بانتصارهم لأن هذا من قدر الله.\rوإذا انتصر الكفار قالوا: رضينا بانتصارهم لأن هذا من قدر الله.\rوإذا وقع الكفر والفواحش قالوا: رضينا بها لأنها من قدر الله.\rفتأمل هذا الإلحاد والخروج عن شريعة الله ﷾ ما الذي سببه؟ سببه الميل إلى الجبر الذي أدى بهم إلى إنكار الشريعة.\rومن ثم فإننا نجد توهم التصادم بين الشرع والقدر هو الذي أدى بالكثير إلى نوع من الاضطرابات النفسية التي نراها ممن تسلط عليهم الشيطان فاحتجوا بالقدر على معاصيهم ولا حجة لهم، إذاً هذا الاعتراض في قضية علاقة الشرع بالقدر هذا الاعتراض هو الذي قد يؤدي ببعض الناس إلى الاحتجاج بالقدر، ونحن نقول: إن الذي يحتج بالقدر على المعاصي لا حجة له لأمور: أولها: أن الإنسان فعل ما فعل بإرادته ومشيئته، فهو غير مكره، والله قد أقام عليه الحجة.\rالثاني: أننا نقول لهذا الإنسان الذي فعل المعصية واحتج بالقدر عليها نقول له: هل تحتج بالقدر في جميع أمورك؟ فلو جاء أحد واعتدى على مالك المفترض أن تقول له: هذا بقضاء الله وقدره.\rفهل تصنع هذا؟ هو لا يصنع هذا.\rثم نقول: لو أتانا وقال: إنني فعلت المعصية وهي مكتوبة علي فهي مقدرة نقول له: وماذا أنت صانع بعد الآن؟ هل تعلم ماذا في قدر الله؟ أليس من الممكن أن يكون في قدر الله أنك تتوب إلى الله وتعود إليه وتعمل الصالحات وتكون من المؤمنين؟ افعل هذا فستجد أن في قدر الله أنك من المؤمنين المتقين، لكن إذا اعترض وقال: تبين أن الله ما يريد لي الهداية.\rثم أسرف على نفسه ومشى في العصيان نقول له: لا حجة لك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534639,"book_id":2827,"shamela_page_id":428,"part":"20","page_num":11,"sequence_num":428,"body":"منهج السلف رحمهم الله تعالى في التعامل مع الأقدار\rمنهاج السلف رحمهم الله تعالى أنهم ينازعون القدر بالقدر، وهذه حياة الإنسان، كل قدر نازعه بقدر، فقدر الجوع تنازعه بالأكل والشرب، وقدر العطش تنازعه بالذهاب لأن تشرب الماء، وقدر حاجات الإنسان ينازعها بقدر آخر، وقدر المعصية ينازعه بقدر آخر وهو التوبة، وقدر الطاعة ينازعه بقدر آخر وهو طاعة مثلها، وهكذا، فلو تأملت حياة الإنسان لوجدته لا يمكن أن يتوقف لحظة عن القدر، فهو في قدر دائم، والمؤمن الموفق هو الذي ينازع الأقدار بالأقدار على منهاج الحق، أي: على وفق شريعة الله ﷾.\rفالإنسان في كل لحظة في قدر، ثم يستقبل اللحظات الأخرى وهي بقدر على وفق منهاج الله ﷾، فلو جاءنا عاصٍ وقال: هي بقدر نقول: نعم.\rولا حجة لك، لكن نازع هذا القدر بقدر آخر وهو التوبة، فلو قال: تبين لي أن الله قدر علي أن أكون من العصاة وذهب إلى المعصية نقول: لا تلومن إلا نفسك؛ لأنه لا حجة لك، فلماذا تذهب إلى المعصية؟ لماذا لا تذهب إلى الطاعة؟ المؤذن يدعوك إلى الخير ولا تدري ماذا في قدر الله، ربك يناديك للصلاة فاذهب إلى الصلاة ستجد أن الله يعينك، وأن الصلاة التي تقوم بها طاعة لله هي بقضاء وقدر.\rوهكذا يتبين أنه لا حجة للعبد أبدا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534640,"book_id":2827,"shamela_page_id":429,"part":"20","page_num":12,"sequence_num":429,"body":"أثر الإيمان بالقدر في حياة المسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534641,"book_id":2827,"shamela_page_id":430,"part":"20","page_num":13,"sequence_num":430,"body":"زيادة الإيمان وقوته\rالأمر الرابع: أثر الإيمان بالقضاء والقدر في حياة المسلم.\rالحقيقة أن أثر هذا عظيم جدا في حياة الإنسان وفي حياة الأمة جميعاً، وسأجمل هذه الآثار، لكن ينبغي أن تعلم أن قضية الإيمان بالقضاء والقدر قضية تربية وقضية أعمال قلوب، فالإنسان الذي يعبد الله ويتبع شرعه يعمر الله قلبه بالإيمان فيصبح مؤمناً بالله ﷾ وبقضائه وقدره فيستريح في حياته.\rلهذا فهذه الأثار التي سأشير إليها ما هي إلا أثار سأذكرها بإجمال تبين لنا أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في الحياة.\rفمنها أولاً: زيادة الإيمان وقوته؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، وكل ركن من أركان الإيمان إذا آمن به الإنسان وعمر قلبه به تصديقاً وإيماناً وعمل قلب زاد إيمانه وقوي قلبه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534642,"book_id":2827,"shamela_page_id":431,"part":"20","page_num":14,"sequence_num":431,"body":"دفع المؤمن نحو العلم والإنتاج\rثانياً: أن الإيمان بالقضاء والقدر يدفع الإنسان ويدفع الأمة إلى العمل، وليس كما يظن الناس أن الإيمان بالقضاء والقدر يدفع الإنسان إلى الكسل، لا، بل الحاصل هو العكس تماماً، فالعمل والسعي مأمور به، والمؤمن هو الذي يعلم أنه لابد أن ينازع الأقدار بالأقدار، فهو يسعى ويعمل، لكنه يختلف عن غيره بأنه يسعى ويعمل وهو مرتاح الضمير، فلا يحزن ولا يغضب إذا فاته شيء، بخلاف غير المؤمن فإنه يتحسر على كل شيء يفوته وهو يطلب رزقه مثلاً.\rفإذاً الإيمان بالقضاء والقدر يجعل الأمة تعمل وهي تعلم أنها إنما تعمل على وفق قضاء الله وقدره، فهي تعمل مع الإيمان بالقضاء والقدر، ولهذا تجد النبي ﷺ قال في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ وهو في صحيح مسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا.\rقل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان).\rفهل تأملت كيف أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله؟ إنَّ المؤمن القوي هو القوي في إيمانه، القوي في الخير، القوي في نفع الناس، القوي في العمل، يعمر الأرض ويعمر الكون، وهو مؤمن مصدق بقضاء الله وقدره، لكنه لا يحزن إذا فاته شيء أو لم يقع هذا الشيء الذي أراده، لا يحزن ولا يكون كبعض الناس يقول: لو أني فعلت كذا كان كذا ويتحسر؛ لأن (لو) تفتح عمل الشيطان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534643,"book_id":2827,"shamela_page_id":432,"part":"20","page_num":15,"sequence_num":432,"body":"إراحة المؤمن من أكدار الدنيا\rثالثاً: الحياة أحزان وأكدار، والله يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، فهو قد يفرح أياماً لكنه يحزن أياماً أخرى، وهذا عام لجميع الناس أعلاهم منزلة دنيوية وأقلهم منزلة دنيوية، فتش عن أحوالهم تجدها متشابهة، فالملوك والأغنياء والرؤساء المشهورون والأثرياء والفقراء المرضى كلهم فتش عن حالهم تجد أحوالهم متشابهة، يحزنون أياماً ويفرحون أياما.\rإذاً فمن هو الذي يستريح؟ لا يستريح إلا المؤمن الصابر على أقدار الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534644,"book_id":2827,"shamela_page_id":433,"part":"20","page_num":16,"sequence_num":433,"body":"الرضا بقضاء الله وقدره في المصائب\rرابعاً: الرضا بقضاء الله تعالى وقدره في المصائب، وهذا الرضا هو من أعظم نعم الله ﷾ على الإنسان ومن أشدها أثراً على استقراره النفسي، فالحياة مصائب، والإنسان دائماً معرض لها؛ لأنها أقدار وأحكام قائمة.\rفالمؤمن بقضاء الله وقدره هو الذي يرضى ويسلم ويؤمن بأن هذا قضاه الله ﷾ وقدره، ولهذا لو فتشت عن أولئك الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر تجدهم أمام هذه المصائب على أحوال عجيبة، فمنهم -كما هو الحال في كثير من بلاد الغرب- من ينتحر، يؤدي به حاله إلى الانتحار وإزهاق نفسه، نسأل الله السلامة والعافية.\rومنهم من تتحول حياته إلى حياة بائسة، ينظر إلى الدنيا وإلى الحياة نظرة مظلمة، ومنهم من يتحول وتتحول حياته إلى مرض نفسي لوجود مصيبة، لكن المؤمن بالقضاء والقدر ليس هذا حاله، ومنهم من يتحول وتتحول حياته إلى النقمة من الآخرين.\rإذاً هذه الأحوال من يسلم منها؟ يسلم منها ذلك الذي يؤمن بقضاء الله ﷾ وقدره ويسلم، فإذا سلم ورضي حول الله ﵎ تلك المصيبة إلى خير وإلى نعمة وإلى رضاً وإلى استراحة نفس واستراحة قلب، حتى إن الإنسان ربما لو خير بين وقوع المصيبة وبين ما أعطاه الله من الخير على صبره عليها فلربما اختار الثانية، وهذا هو الغاية، وليس ذلك إلا للمؤمن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534645,"book_id":2827,"shamela_page_id":434,"part":"20","page_num":17,"sequence_num":434,"body":"القضاء على داء الحسد في القلوب\rخامساً: والإيمان بالقضاء والقدر يقضي على داء من أخطر الأدواء في المجتمعات، ألا وهو داء الحسد الذي هو داء عضال يأكل صاحبه ويولد الضغائن بين الناس، لكن المؤمن بالقضاء والقدر يعلم أن ما يراه على الآخرين وحرمه هو من جاه أو مال أو غير ذلك إنما هو بقضاء الله وقدره، فهو ابتلاء لهم، كما أن حرمانه ابتلاء له ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥].\rوإذا كان كذلك فيسلم الأمر لله، فهو الذي يمن على عباده بما يشاء، وهو ﷾ الذي أعطى هذا ومنع هذا بقضاء وقدر، وكل ذلك امتحان وتسليم، فلماذا تحسد الناس؟ ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، هذه هي القاعدة، ومن ثم فإيمان الإنسان بقضاء الله وقدره يجعله ينظر إلى ما يجري في الكون وإلى ما يجري على الخلق وإلى تفاوت أحوالهم وأرزاقهم ومراتبهم الدنيوية ينظر إلى ذلك نظرة إيمانية قدرية ربانية تجعله يسلم الأمر لربه ﷾ ويعلم أنه تكييف.\rأما إذا اختل هذا عنده صار مسكيناً قلبه يتحسر، ينظر إلى هذا الرجل الغني فيتحسر حسداً له يود لو تلف ماله هذه اللحظة، وتحسره هذا كما قال الشاعر: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله تحسر الحسود لا يضر به إلا نفسه؛ لأن ذلك الذي أعطي هذا المال لن يزول عنه بحسده، ولأنك أيضاً لن تبلغ درجته، ولن يأتيك هذا المال بحسدك، فما الفائدة؟ لا فائدة.\rإذاً الإيمان بالقضاء والقدر يقضي على هذا الداء العضال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534646,"book_id":2827,"shamela_page_id":435,"part":"20","page_num":18,"sequence_num":435,"body":"تربية المؤمن على الشجاعة\rسادساً: الشجاعة، فللمؤمن بالقضاء والقدر شجاعة في ساحات الجهاد وعند كلمة الحق، ولقد كانت هذه سمة المسلمين على مدار تاريخهم الطويل، كانوا أهل جهاد في سبيل الله ﷾ يخوضون المعارك لا يخافون؛ لأنهم يوقنون أن الأمر مقدر وأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، دخلت المعركة أو لم تدخلها، جاهدت في سبيل الله أو لم تجاهد، فأجلك محدد، فإذا جاء يأتيك سواءٌ أكنت في معركة، أم على فراشك، أم بين يدي الأطباء، أم بين يدي أحب الناس إليك ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].\rفإذا تكرر هذا عند المؤمن تحول إلى إنسان مقدام لا يخاف؛ لأنه يعلم أن الأجل مقدر، ولأنه يوقن أن الرزق مكتوب، ولأنه أيضاً يؤمن إيماناً تاماً أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، رفعت الأقلام وجفت الصحف، كما قال ذلك رسول الله ﷺ وهو يوصي عبد الله بن عباس.\rولهذا تجد مواقف المؤمنين أمام الطغاة وأمام الظلمة يواجهونهم بالحق لا يخافون في الله لومة لائم؛ لأنهم يعلمون أن هؤلاء لا يملكون من أنفسهم شيئاً فضلاً عن أن يملكوا من غيرهم شيئاً.\rفهذا موسى ﵊ واجه فرعون الطاغية الذي كان يقول: (أنا ربكم الأعلى).\rوكان معه الجنود المجندة بالألوف المؤلفة، ومع ذلك نصره الله ﷾ ونجاه، وأغرق الله فرعون وقومه وهو ينظر.\rففي ميزان الماديات موسى ضعيف وفرعون ذو سلطان قاهر، لكن في ميزان الله ﷾ نصر الله موسى وقومه وأذل فرعون وقومه.\rوهذا خالد بن الوليد البطل الشجاع الذي خاض المعارك كلها كيف كانت وفاته؟ كانت وفاته على فراشه، وقال كلمته المشهورة: خضت أكثر من مائة معركة، وما في جسمي موضع أربعة أصابع إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.\rهذا هو الإيمان بالقضاء والقدر، يؤتي الإنسان شجاعة في الحق، ويجعله لا يخاف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534647,"book_id":2827,"shamela_page_id":436,"part":"20","page_num":19,"sequence_num":436,"body":"تعليق رجاء العبد وخوفه بالله تعالى وحده\rوالإيمان بالقضاء والقدر -وهذا هو الأثر السابع- يجعل العبد لا يخاف إلا الله ولا يرجو سواه، كيف هذا؟ لو تأملت في حياة الناس اليوم -مثلاً- لوجدت أن الأم تخاف على ولدها، والأب يخاف، والإنسان يخاف، وكذلك أيضاً يرجو غيره.\rلكن الإيمان بالقضاء والقدر يجعل خوفه ورجاءه لله ﷾، وهذا هو الاعتدال الصحيح في حياة المؤمن، فلا يخاف الإنسان -مثلاً- من شيطان أو جني أو ساحر أو ولي يزعم أن له كرامات أو غير ذلك؛ لأنه يعلم أن هؤلاء لا يملكون شيئاً إلا بأمر الله ﷾، وكذلك أيضاً لا يرجو المخلوقين في رزق ولا في غيره، وإنما يرجو ربه ﷾، وهذا أثر عظيم في حياة الإنسان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534648,"book_id":2827,"shamela_page_id":437,"part":"20","page_num":20,"sequence_num":437,"body":"الشكر على النعمة والصبر على البلية وعدم التحسر على الفائت\rالثامن: أن المؤمن إذا أصابته سراء شكر وإذا أصابته ضراء صبر، وهذا لا يكون إلا للمؤمن بقضاء الله وقدره.\rالتاسع: عدم التحسر على ما مضى، بل ينظر الإنسان دائماً إلى أمامه فيعمل، وهذه حياة المؤمن بالقضاء والقدر، فالإنسان قد يفكر أحياناً فيما مضى، يقول: لو أنني فعلت كذا، لو أنني اشتريت الأرض الفلانية إلى آخره، فلا يتحسر على ذلك؛ لأنه يعلم أنَّ هذا أمر مقدر، وإنما ينظر إلى ما هو أمامه فيفعل.\rومن ثم فإن الإنسان يعلم أن الله ﷾ هو الذي استأثر بعلم الغيب، وهذا رسول الله ﷺ -وهو رسول الله- يأمره الله تعالى أن يقول: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨].\rالعاشر: أن الإنسان قد يبتلى في هذه الحياة بمرض أو بولد معاق، أو يكون ممن لا يولد له إلا بنات، أو يكون عقيماً ممن لا يولد له، أو غير ذلك من أمور الحياة التي قد تبقى مع الإنسان طول حياته، فهذا كله بقضاء الله وقدره، لكن من هو الذي يستريح؟ لا يستريح إلا من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا ورضي بقضاء الله ﷾ وقدره فسلم؛ لأن هذه الأشياء تعيش مع الإنسان ليل نهار، فهل تحسره واعتراضه على قدر الله يغير من واقع الأمر شيئاً؟ لا يغير.\rلكن المؤمن هوالذي يرضى بقضاء الله وقدره، يقول: آمنا بقضاء الله وقدره، الحمد لله، اللهم! اؤجرني على مصيبتي.\rفإذا آمن بذلك استراح وتحولت حياته إلى حياة عمل وطاعة وبذل للخير بأي شيء ابتغاء مرضات الله ﷾، حتى يجد ذلك يوم السعادة العظمى يوم القيامة.\rإذاً فنظام الدنيا عنده ليس كل شيء، وإنما ينظر إلى ميزان العقيدة، فمتى نظر ذلك الإنسان الذي لا يولد له لا يعترض حينما يرى الناس لهم أولاد، وإنما يعلم أن الدنيا فانية والآجال محددة، وهذه الدنيا كلها هباء، فيعمل الطاعات ويحسن إلى الآخرين؛ لأنه يعلم أن الله ﷾ إن رضي عنه وأدخله الجنة فإنه سيجد هناك من النعيم والحبور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\rإذاً فالإيمان بالقضاء والقدر هو عماد الحياة المستقرة.\rأسال الله ﷾ أن يوفقني وإياكم للإيمان بقضائه وقدره على الوجه الصحيح، وأن يعيذني وإياكم من الفتن ومن المخالفات جميعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534649,"book_id":2827,"shamela_page_id":438,"part":"20","page_num":21,"sequence_num":438,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534650,"book_id":2827,"shamela_page_id":439,"part":"20","page_num":22,"sequence_num":439,"body":"القدر والسبب في الحوادث\r\rالسؤال\r عندما يتكلم الناس عن الحوادث التي تقع ويحصل فيها وفاة وغير ذلك يقول بعض الناس: هذا حصل بقضاء الله وقدره فيأتي من يقول: إن هذا حصل لأسباب أخرى كعدم الانتباه وغير ذلك.\rفما القول الحق في هذه القضية؟\r\rالجواب\r القول الحق فيها أن ما كان منها مصيبة فهو بقضاء الله وقدره، ولا شك أن هذه الحوادث بقضاء الله وقدره، لكن هل يعني ذلك أن نغفل عن مسبباتها؟ لا.\rلا نغفل عن مسبباتها، فنحن نعلم أن الإنسان إذا كان مفرطاً ومسرعاً وحدث الحادث فإننا نقول: لا شك أن الحادث هو بقضاء الله وقدره، لكنَّه أخطأ في السرعة، فلابد أن يحاسب عليها.\rولهذا لو توفي معه أحد في مثل هذا الحادث وجبت عليه الكفارة، أليس كذلك؟ بينما لو كان ليس له دخل في ذلك أصلاً لقلنا: لا تجب عليه الكفارة.\rإذاً تبين هنا أن هذه المصيبة التي وقعت على من وقعت عليه هي بقضاء الله وقدره، لكن المسببات نبحث عنها ولا مانع من ذلك ولا اعتراض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534651,"book_id":2827,"shamela_page_id":440,"part":"20","page_num":23,"sequence_num":440,"body":"أذكار الصباح والمساء ومدى حمايتها من المصائب\r\rالسؤال\r هل الحرص على أذكار الصباح والمساء مسلم من وقوع الحوادث والمصائب أم لا؟ وهل قولها بعد خروج الوقت ينفع أم لا؟\r\rالجواب\r ينفع -إن شاء الله- قولها بعد خروج الوقت، لكن الحرص عليها في أوقاتها أولى، إنما هل تنفع؟ نقول: هي من الأسباب التي أمر الله بها وأمر بها الرسول ﷺ، وهذه الأسباب إذا وجدت قد توجد مسبباتها وقد لا توجد، لكنك مأمور، فهي شبيهة بإنسان يقول -مثلاً-: أنا لن أتزوج، إن كان الله كتب لي أولاداً فسأجد الأولاد تزوجت أم لم أتزوج.\rفهذا نقول له: أنت عقلك فيه شيء؛ لأن الله ﷾ أمرك بالنكاح على سنة الله وسنة رسوله ﷺ، وهذا النكاح من الأسباب التي تؤدي إلى وجود الأولاد، فافعل الأسباب، فإذا أعرضت عن السبب بالكلية فأنت مخطئ، لكن إذا فعلت السبب قد يأتيك الولد وقد لا يأتي.\rكذلك أيضاً نقول في الأذكار، فقد أمرنا الله بها وأخبرنا بأنها حصن تحمي هذا الإنسان، فنسمعه ونمتثل أمر الله بها، وهي عبادة، لكن هل معنى ذلك أن من فعلها لا يأتيه أي حادث أبداً؟ نقول: لا.\rفقد يتأخر السبب لوجود مانع، فالمؤمن يحرص على الأذكار، وهي -بإذن الله ﵎ تحميه، لكن لو وقع عليه شيء لا يعترض، ولا يقول: أنا ذكرت الله، أنا دعوت في هذا الصباح.\rوإنما قد يدعو الإنسان بقلب غافل، وقد يكون الله أراد لك خيرا.\rفأنت تريد الخير بهذا الذكر لكن الله أراد لك خيراً بالذكر وبهذه المصيبة، فلا تعترض على ربك ﷾، بل ارض بما قسم الله لك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534652,"book_id":2827,"shamela_page_id":441,"part":"20","page_num":24,"sequence_num":441,"body":"الاكتفاء بالإيمان المجمل بأمور العقيدة\r\rالسؤال\r هل يكفي العامة إيمانهم المجمل بأبواب العقيدة؟ فمثلاً: هم يؤمنون بالقدر خيره وشره، ولكن لا يحفظون شيئاً في مهام القضاء والقدر، وكذلك في باب صفة الله وغيره من الأبواب؟\r\rالجواب\r نعم.\rيكفيهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534653,"book_id":2827,"shamela_page_id":442,"part":"20","page_num":25,"sequence_num":442,"body":"نصيحة لفاقد والديه\r\rالسؤال\r ما رأيكم في شاب فقد أحبابه أباه وأمه، بل نشأ وهو لا يعرف أباه ولا أمه، فيرجو أن توصيه بوصية تقع في قلبه موقعاً يستفيد منها في بقية حياته؟\r\rالجواب\r أقول لك ولغيرك ممن ابتلاه الله بمثل ما ابتلاك به أو بجزء منه: إنَّ الكثير منهم من فقد أباه ومنهم من فقد أمه، والله ﷾ أرحم بهم من الوالدة بولدها، لكنَّه ﷾ يبتلي عباده ويمتحنهم ليكون هذا الابتلاء والامتحان خيراً للمؤمنين.\rوالذي أوصيك به -يا أخي- هو ثلاثة أشياء: أولها: الرضى بالقضاء، وأن توقن أن هذا مكتوب عليك قبل أن تخلق فلا تتحسر؛ لأنك لم تعرف أباك أو أمك، بل ارض بما قدر الله ﷾ لك، واعلم أن الله رحيم بك قريب منك حينما تكون من أهل الخير والطاعة.\rالأمر الثاني: أن تعلم أن الدنيا فانية وأن الآخرة هي دار الحيوان، فالدنيا أحزان وأكدار، فمن الناس من ضحكت له الدنيا وازدهرت عنده شرفاً وجاهاً ومالا وإذا بالأقدار تخطفها منه أو تخطفه منها في لحظة عين، هذه هي الحياة، ولو فتشت -يا أخي- عن أحوال الناس لوجدت كل بيت من البيوت فيه ابتلاء وامتحان، فلو خيرت لاخترت ما أنت عليه.\rفالإنسان قد ينظر أحياناً إلى بعض الناس أو بعض البيوت -مثلاً- فيقول: سبحان الله! ما أسعدهم! ما أحسن أحوالهم! سيارات وأموال.\rلكن فتش عنهم، وادخل داخل البيت ستجد هذا البيت قد ابتلي ببلية أو بمصيبة لو قيل لك: نعطيك الدنيا كلها وتحمل معك هذه المصيبة لما قبلت ذلك.\rفأنت أنعم الله عليك بنعم عظيمة جدا لا تعد ولا تحصى، ولهذا دعني استطرد قليلاً وأسألك سؤالاً واحداً وأقول: لو جاء أعمى غير مبصر وقال لك: أنا عندي مليار ريال أو عشرة مليارات أريد أن أعطيك إياها وآخذ إحدى عينيك فهل أحدٌ يقبل هذا العرض؟ إذاً أنت بعينك هذه تملك أكثر من عشرة مليارات، فكيف بنعمة السمع والبصر وغير ذلك؟ إذاً أنت بنعم عظيمة، فلماذا يصبح عندك هذا الحصار في قلبك تنظر إلى الناس بهذه النظرة؟ لهذا سأقول لك: يا أخي! اعلم أن الدنيا أحزان وأكدار، والبيوت أسرار، وهي مملؤة بأحزانها وأكدارها، فارض بما قسم الله لك، فلربما لو قست نفسك على غيرك لوجدت أنك أحسن من كثير من غيرك، لهذا أقول: اعرف قدر الدنيا.\rثم أقول لك ثالثاً: انظر إلى الآخرة، واعمل في الدنيا، فكما أنك فقدت أبويك فابحث عن زوجة صالحة، فلعل الله ﷾ يجعل فيها خيراً ويرزقك الولد لتعيش حياة ملؤها الرضا، ومن ثم فاجعل طريقك طريق خير تسير فيه على شرع الله ﷾؛ فإن الله ﷾ إذا علم منك حسن الإيمان بقضائه وقدره عوضك خيرا في الدنيا وفي الآخرة.\rلهذا فالتفت إلى الآخرة، فانظر إلى ما بعد الموت، فتلك الحياة الحقيقية والسعادة الحقيقية.\rهذه هي الأمور الثلاثة التي أحببت أن أذكرك بها.\rفاعمر حياتك ومستقبل حياتك بطاعة الله، والله يعوضك عما فقدت بزوجة وأولاد صالحين إن شاء الله تعالى تعيش معهم حياة إيمانية رخية.\rوأمامك أيضاً ما عند الله ﷾ وما أعد لأهل النعيم من أهل الخير.\rأسال الله ﷾ أن يجعلني وإياك جميعاً ممن يسعد يوم القيامة.\rوصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534654,"book_id":2827,"shamela_page_id":443,"part":"21","page_num":1,"sequence_num":443,"body":"مقدمة في العقيدة\rخلق الله ﷾ الإنسان في بداية نشأته كائناً متميزاً مفطوراً على التوحيد، وعلى عبادة الله ﷾، وقد بقيت هذه الفطرة طيلة عشرة قرون، حتى جاءت الشياطين فاجتالت بني آدم عن عبادة الله إلى عبادة غير الله ﷾، ومن هنا كانت مهمة الرسل والأنبياء دعوة الناس إلى عبادة الله، وتحذيرهم من عقابه ومقته سبحانه إن هم استمروا على العصيان والتمرد، وبهذا تظهر مهمة النبوة والإرسال إلى الخلق، وما زالت الرسل تترى حتى ختمت بحبيبنا وسيدنا محمد ﷺ، ثم كان الأمر قائماً بعده والحجة مستمرة وباقية على ألسنة ورثة الأنبياء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534655,"book_id":2827,"shamela_page_id":444,"part":"21","page_num":2,"sequence_num":444,"body":"قضايا في أبواب العقيدة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534656,"book_id":2827,"shamela_page_id":445,"part":"21","page_num":3,"sequence_num":445,"body":"لماذا النبوة\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن هذه الدروس ستكون في قضايا العقيدة المختلفة، وقد ترددت بين أمرين بالنسبة لمنهج الدرس: أحدهما: أن أجعله درساً يقوم على دراسة كتاب من كتب العقيدة وشرحه، كما كان في دروس شرح لمعة الاعتقاد لـ ابن قدامة رحمه الله تعالى.\rالأمر الثاني: أن نجعل هذه الدروس نظراً لقصر الوقت دروساً متفرقة حول قضايا مهمة في أبواب العقيدة، وقد رجحت أن يكون منهجنا في هذه الدروس هو المنهج الثاني، أي أننا سنعرض في كل درس إن شاء الله لقضية من قضايا العقيدة القديمة أو المعاصرة.\rوسأفتتح هذه الدروس بمقدمة حول العقيدة ومنهاج السلف؛ لأن هناك قضايا مهمة ومسلمة يجب أن يعيها المسلمون جميعاً والدارسون للعقيدة الإسلامية بشكل أخص، وكثيراً ما وقع الاختلاف والتفرق بين المسلمين بسبب أنه ليست لهم قواعد ولا أصول ثابتة ينطلقون منها جميعاً، فحينما تختلف بهم المناهج والقواعد سرعان ما يتمايزون يميناً وشمالاً: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، ونحن نعلم أن الله ﷾ رحيم بعباده، ومن رحمته بهم أن أرسل لهم الرسل، وأنزل لهم الكتب، وبين لهم المحجة، حتى ترك كل رسول أمته على مثل البيضاء -الشمس- ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وإذا كان الأمر كذلك فإن الخطأ إنما يقع من جانب الناس في تعاملهم مع النصوص.\rأما النصوص من كتاب وسنة فهي وحي من الله ﷾: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقد حفظ الله القرآن العظيم، فلم يترك حفظه لأحد، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وسنة الرسول ﷺ أيضاً هي وحي يوحى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].\rإذاً الكتاب والسنة مصدران أصيلان من تمسك بهما لا يمكن أن يزل ولا أن يطغى، ولا أن ينحرف يميناً أو شمالاً، ولقد شهدنا هذا وسمعناه وقرأناه من خلال تجربة عملية قوية غيرت مجرى تاريخ البشرية، حين تمسك أولئك الصحب الكرام بذينك المصدرين وعملوا بهما، فكان لهم من الشأن ما هو معلوم ومعروف، ومن ثم فإن أي عودة للأمة الإسلامية، وخاصة في عصرنا الحاضر الذي تكالب فيه أعداء الإسلام مشرقاً ومغرباً، بل ومن داخل بلاد المسلمين تكالبوا فيه جميعاً على الإسلام وعلى المنهج الحق الذي يعتمد منهاج السلف الصالح ﵏ ﵎، وإذا كانت الحال كما نشاهد مما يحز في كل نفس مؤمن فإن العودة إلى العزة والكرامة وإلى الرفعة والتميز عن باقي الأمم جميعاً لن يكون إلا بالعودة إلى تلك الأصول الصحيحة، والله ﷾ يقول -وهذا الخطاب يشمل الفرد ويشمل الأمة-: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، أما من اتبع ذكر الله والتزمه فإن له الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة، لهذا فنحن في هذه المقدمات سنعرض لقضايا تتعلق بالعقيدة وبمنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534657,"book_id":2827,"shamela_page_id":446,"part":"21","page_num":4,"sequence_num":446,"body":"خلق الإنسان من بداية نشأته كائناً متميزاً\rالقضية الأولى: لماذا النبوة؟ ولماذا احتاجت البشرية إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدار التاريخ؟ نحن نعلم ونوقن أن نشأة الإنسان على هذه الأرض نشأة متميزة، وهذا خلاف لتلك النظريات الغربية وغيرها التي تزعم أن الإنسان كائن متطور، كنظرية دارون وغيرها من النظريات التابعة لها، ففي منهاج الإسلام وفي عقيدة الإسلام ونصوصه الصريحة أن هذا الإنسان كائن متميز خلقه الله ﷾ بيده، خلق آدم أبا البشر بيده، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته، ثم إنه تعالى خلق حواء زوجه منه، وابتلاه وامتحنه، فلما عصى آدم وزوجه أهبطهما الله ﷾ إلى الأرض، وجعل حياتهم في هذه الأرض حياة تكليف، تلك قصة نشأة البشرية، فلا قرود ولا تطور، ولا ما يذكره هؤلاء جميعاً، وهذه قضية بديهية تماماً في عقيدة الإسلام، وتعقبها قضية بديهية أخرى، ألا وهي أن آدم وزوجه لما أهبطهما الله ﷾ إلى الأرض أهبطهما وهما على عقيدة التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له والتزام ما أمرهما الله ﷾ بشرعه، وهكذا نمت ذريتهما من بعده.\rإذاً هنا قضيةً أخرى، ألا وهي أن آدم لما أهبطه الله من الجنة كان على المعرفة والتوحيد الخالص، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٣] إلى آخر الآية، وقد روى البخاري عن ابن عباس موقوفاً عليه قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام) فآدم وذريته من بعده كانوا على المعرفة الحقيقية اليقينية العلمية العبادية الصحيحة على منهج التوحيد الخالص، وهذا مقطوع به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534658,"book_id":2827,"shamela_page_id":447,"part":"21","page_num":5,"sequence_num":447,"body":"الإنسان نشأ عالماً عارفاً بالله\rوبذلك أيضاً تبطل نظرية أخرى عند كثير من دارسي الأديان الذين يزعمون أن الإنسان في معرفته بالله تطور، يقولون: إن الإنسان أول ما نشأ على هذه الأرض -بصرف النظر عن كيفية نشأته- نشأ بدائياً لا يعرف شيئاً -أي: جاهلاً- ثم بدأ يتحرك في هذه الأرض، فنظر فبدأت تنشأ عنده عقيدة، رأى جبلاً ضخماً أمامه فخافه فعبده، رأى شمساً أو قمراً فنظر إلى عظمته وتكرره عليه فخافه وعبده، ثم لم يزل به هذا، أي أنه ابتداء قام على الشرك بالله وعبادة غير الله، ثم لم يزل به عقله ونموه يتطور حتى انتهى به إلى تكامل العقل البشري، وذلك من خلال العقيدة الصحيحة التي هي عقيدة التوحيد.\rهذا المنهاج خاطئ من أوله إلى آخره، فالقول بتطور الإنسان كالقول بتطور الأديان أو تطور الدين عند الإنسان، فهنا قضيتان: القضية الأولى: أن الإنسان كائن متميز.\rالقضية الثانية: أن الإنسان أول ما نشأ على هذه الأرض نشأ عالماً عارفاً عابداً لله على وجه الحقيقة، أي أن عقيدته كانت على التوحيد الخالص.\rومن ثم نجد أن الله ﷾ لما أخبر الملائكة بقوله: ﴿إني جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠].\rقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] أي: علم آدم أسماء كل شيء.\rثم اختبر الملائكة، فلما لم يكن للملائكة علم إلا ما علمهم الله ما عرفوا هذه الأسماء، فلما أنبأهم آدم بهذه الأسماء تبين فضل آدم ﵊.\rوهذه القضية التي تتعلق بنشأة اللغات أيضاً، وهي قضية عقدية فكرية طالما تكلم عنها الباحثون وخاصةً رواد الدنيوية وغيرها، هذه القضية المتعلقة باللغات نجدها قضية إيمانية موجودة في القرآن العظيم أن الله: ﴿عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة:٣١] ومن ثم فلو فكرنا قليلاً فمن أعظم نعم الله علينا في هذه الحياة تعليم الأسماء واللغات، أرأيت لو لم يكن في نظام الحياة البشرية هذه الأسماء كيف ستكون حياتنا؟ لن نستطيع أن نتفاهم إلا بحقائق الأشياء، فحين أخبرك بقولي: فلان صنع كذا لا يمكن أن يفهم عني من هو فلان هذا إلا إذا أتيت لك به، وعندما أقول: فعل كذا لا بد أن أفعل نفس الفعل حتى يفهم الذي أمامي، وعندما أقول: اشتريت سيارة لا يمكن أن يفهم مني معنى سيارة إلا حين آتي بنفس السيارة، وعندما أقول: صنعت خبزاً لا يفقه معنى الخبز إلا لما آتي بالخبز، فمن الله على عباده بتعليم اللغات، هذا التعليم اللغوي منذ آدم ﵊ به تستقيم حياة الناس، ولو لم يكن كذلك لأصبحت حياة الناس في غاية التعقيد والعناد، ولهذا كان تعليم اللغات يفتح آفاقاً من العلم والمعرفة في جميع جوانبها، سواء أكانت معرفةً بالله وأسمائه وصفاته وخلق السماوات ونشأة الكون وغير ذلك، أم فيما يتعلق برسل الله وتاريخهم، أم فيما يتعلق بالتاريخ عموماً، أم فيما يتعلق بالحياة كلها ماديةً وغير مادية.\rإذاً هنا قضية أخرى، وهي أن الله ﷾ لما أهبط آدم إلى الجنة مكث وذريته -كما في أثر ابن عباس - عشرة قرون على التوحيد، ثم نشأ فيهم الشرك، كيف نشأ الشرك فيهم؟ نشأ عن طريق الصور وتعظيم غير الله ﷾، ولا نطيل في ذكر قصة نشأة هذا الشرك، لكن كانت كما أخبر الله ﷾ عن قوم نوح الذين أرسل فيهم نوح، فهو أول الرسل، أما الأمم من قبله فقد كانوا على التوحيد، فنوح أرسل في قومه لما نشأ فيهم الشرك الأكبر الذي هو عبادة غير الله ﷾، وعلى هذا فإن رسالة نوح ﵊ هي بداية الرسالات التي تعود بالأمة كلها إلى مسارها الصحيح من خلال العقيدة الصافية عبادة الله وحده لا شريك له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534659,"book_id":2827,"shamela_page_id":448,"part":"21","page_num":6,"sequence_num":448,"body":"لماذا كانت حاجة البشرية إلى الأنبياء؟\rوهنا تأتي عندنا قضية، وهي: ما هي مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ ولماذا كانت حاجة البشرية ماسةً إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ أظن أن الجواب وضح، ومن ثم فإنني يمكن أن أختصره في أمرين: أحدهما: تصحيح المسار، فكلما انحرفت الأمة عن منهاج ربها ﷾ كان من رحمته تعالى أن يرسل إليهم رسولاً يصحح لهم هذا المسار، حتى تكون الأمة سائرة على منهاج واحد.\rالأمر الثاني: هو تربية هذه الأمة، بحيث تكون حياتها على منهاج حق في عبادة الله وحده لا شريك له، سواء أكان هذا عبادة محضة، أم كان في قضايا من قضايا الحياة المختلفة سياسيةً أو اقتصاديةً أو اجتماعيةً أو غير ذلك، ومن ثم فإن البشرية لا تستطيع أن تستغني عن منهاج الأنبياء؛ لأن التعرف على الله وعلى كيفية عبوديته مما لا يدخل تحت قدرة البشر، ولهذا لما وجدت فئات من الناس تكبرت على الأنبياء ولم تسمع لكلامهم، وأرادت أن تتخذ لها منهاجاً خاصاً بها تصل به إلى الحقائق الكونية حقائق نشأة هذا الوجود، وحقائق وجود الله ﷾ وعلاقته بخلقه إلى آخر القضايا العقدية وغير العقدية، هذه الفئة لما أرادت أن تنهج هذا النهج بعيداً عن منهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ضلت وانحرفت، وأصابت أصحابها ومن سار على منهاجهم بالحيرة والاضطراب طول حياتهم، وهذا هو المنهج الفلسفي الذي أدى بأصحابه إلى ما تعرف من مناهج الفلاسفة.\rإذاً عقول البشر ومناهج البشر مهما بلغت لا يمكن أن تستغني عن المنهاج الذي جاء به أنبياء الله ﷾، ومن ثم فإن الله ﷾ هو الذي امتن على عباده بإرسال الأنبياء، وهو الذي اختارهم، أي أنه لا اختيار للعباد في الرسل والرسالات، وإنما ربنا ﷾ هو الذي أرسل، وهو الذي أنزل مع هؤلاء الكتب والشرائع ليكون سبباً في قيام الحجة على عباد الله ﵎، ومن ثم يتبين لنا أن النبوة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم ضرورة بالنسبة للبشرية أشد من ضرورتهم إلى الطعام والشراب وما سوى ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534660,"book_id":2827,"shamela_page_id":449,"part":"21","page_num":7,"sequence_num":449,"body":"مدلول ختم النبوة بمحمد ﷺ\rوهنا ننتقل إلى القضية الثانية، ألا وهي ختم النبوة بمحمد ﷺ ومدلولاتها، والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قاطعة بذلك، والأدلة معروفة لا نعرض لها هنا، لكن ما مدلول ختم النبوة بمحمد ﷺ؟ لها عدد من المدلولات نحب أن نقف عندها ونحن ندرس في هذه العقيدة.\rأولها: عموم رسالته ﷺ إلى الناس كافة، وهذه القضية قد تجد في عصرنا الحاضر من يجادل فيها، وما الدعوة إلى الحوار بين الأديان التي نجدها في السنوات الأخيرة، ونجد لها صدىً إعلامياً واسعاً أحياناً إلا رسم لهذه القضية الكبرى، وهي قضية ختم الرسالة بمحمد ﷺ وعموم رسالته إلى الناس كافة.\rثانياً -وهي قضية كبرى أيضاً-: أن هذه الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ هي شريعة كاملة لا تحتاج إلى تكميل ولا إتمام، لا من شرائع سابقة ولو كانت تنتسب إلى الأنبياء ولا من مناهج شرقية أو غربية، وكمال الشريعة مقتضاه صلاحية هذا الدين الإسلامي للتطبيق في كل زمان ومكان، فأولئك الذين يتحدثون -مثلاً- هذه الأيام عن أن الإسلام تعداه الزمن، وأنه لا يمكن تطبيق الإسلام أولئك يطعنون في الإسلام، ويطعنون في ختم النبوة، ويطعنون في كمال شريعة محمد ﷺ، ومن ثم فإن الدعاة إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في مشارق الأرض ومغاربها يجب أن تكون هذه عندهم قضية يقينية، يجب أن يدركوا إدراكاً تاماً أن مسألة كمال الشريعة وصلاحيتها للتطبيق هي قضية ربانية ثابتة لا تتغير أبداً، وعلى هذا: فيجب عليهم أن لا ييأسوا، ويجب عليهم أن لا يفتروا، وأن لا تخدعهم نظريات الغرب أو الشرق، ولا هجوم الغرب أو الشرق على الإسلام، ولا هجوم العلمانيين وغيرهم من داخل بلاد الإسلام على الإسلام؛ لأن من أخطر الأشياء على الداعية إلى الله ﷾ الذي يحمل عقيدةً ومنهجاً أن تهتز قناعته بما يدعو إليه، ومن ثم فإن التصميم الجاد القوي لا يكون إلا من إنسان لديه القناعة التامة الكاملة بما يدعو إليه من منهاج، ونحن حينما نعرض لهذه القضية التي تتعلق بختم النبوة بمحمد ﷺ إنما هو لبيان أنه لا خيار لنا بين شيئين: إما أن نتهم هذه الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ بأنها ناقصة لا تصلح للتطبيق، ومن ثم فمدلول ختم النبوة بمحمد ﷺ ما هو إلا مدلول نظري وليس عملياً.\rوإما أن يكون رفضنا لهذه الشريعة بشكل مباشر، ونأخذ ممن جاء من الغرب أو الشرق أو غيرهما مناهجهم ولو ناقضت منهاج الإسلام، لهذا فإن ختم النبوة بمحمد ﷺ له مدلول في كل وقت، وله مدلول عظيم في زماننا هذا، هذا المدلول يتلخص في أنه ليس هناك منهج يمكن أن نبحث عنه إلا أحد منهجين: إما منهج الإسلام الذي جاء به الرسول، وإما مناهج أخرى غربية أو شرقية، فلا خيار للتدليس ولا للتلبيس ولا للترقيع ولا لغير ذلك من المناهج، وعلى هذا فإن الشيء الذي تيقنا به كمال هذه الشريعة ودوامها إلى أن تقوم الساعة هو حفظ الله ﵎ لهذا القرآن العظيم وحفظه لسنة محمد ﷺ، وهما وحي من الله، وهما مصدر التشريع في هذه الحياة، ولذا فإن منطلقنا ونحن ندعو إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هو منطلق واضح ممتد، يكون على ذلك المنهاج السليم الذي طبقه سلفنا الصالح، وسار عليه من تبعهم إلى عصرنا هذا، والقافلة سائرة إلى أن تقوم الساعة، كما قال النبي ﷺ في أخباره عن الطائفة المنصورة أنها قائمة بأمر الله مجاهدة، (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534661,"book_id":2827,"shamela_page_id":450,"part":"21","page_num":8,"sequence_num":450,"body":"قضايا مهمة حول منهج السلف\rبعد عرض تلك القضيتين المتعلقتين بنشأة الدين وبدء النبوات وختم النبوات بمحمد ﷺ ننتقل إلى الأمر الثالث، ألا وهو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى ونظرة في بعض قضاياه، وهنا أشير إلى هذه القضية، وقد سبق أن ألقيت في ذلك وفي تفاصيله محاضرات متعددة، كما ألفت فيه عدداً من الكتب، لكني سأذكر هنا عدداً من القضايا التي أرى أن من المهم أن نقف عندها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534662,"book_id":2827,"shamela_page_id":451,"part":"21","page_num":9,"sequence_num":451,"body":"الزعم بأن الدعوة إلى منهج السلف رجعية\rيظن بعض الناس أن الدعوة إلى منهاج السلف الصالح ما هو إلا نوع نكوص إلى الماضي، وخروج من الواقع الصعب الذي تعيشه الأمة الإسلامية، فيأتي بعض هؤلاء ليقول: إن هؤلاء الذين يدعون إلى منهاج السلف الصالح يريدوننا أن نعود إلى القرون الماضية، ويريدون منا أن نتخلى عن حياتنا المعاصرة، ثم هم أيضاً لديهم ناحية نفسية خلاصتها أنه حين يعيش في أزمته الحاضرة يحاول أن ينكص إلى الماضي ويرجع إليه ليتسلى بالماضي فقط.\rهذه الفكرة خطأ جسيم إن كانت من إنسان صادق، وإلا فهي ضلال وإضلال من أولئك الدعاة إلى محاربة منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ولهذا فإننا نقول: إن المطالبة بالعودة إلى منهاج السلف الصالح إنما هو عودة إلى تأصيل المنهج العقدي للأمة، وهذا لا خيار فيه لها، فالرسول ﷺ أمر باتباع سلف الأمة، وقبل ذلك أمر الله بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، والرسول يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، وهذا الأمر بالتزام سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده ليس نكوصاً إلى الماضي، وإنما هو عودة إلى ثوابت وأصول وجذور هذا الدين وهذه العقيدة التي لا تتغير مهما اختلف الزمان والمكان، وهذا هو الدعوة إلى منهاج السلف الصالح.\rإذاً الدعوة إلى منهاج السلف الصالح تقوم على الدعوة على تلك الأصول الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، فعندما ندعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له إنما ندعو إلى منهج لا يتغير مهما اختلفت الظروف والأحوال، فالذي يطير في الطائرة أو في الصاروخ يجوب الفضاء أو يتعامل مع أدق الإلكترونيات والمخترعات العلمية وغيرها هذا هو نفسه مثل ذاك الذي يحلب الإبل ويشرب من ألبانها ويركبها، فالعبادة لله وحده لا شريك له لا تتغير مهما تغيرت الظروف والأحوال، فالدعوة إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى ليست دعوةً إلى أن نرجع إلى الماضي، وإنما هي دعوة تأصيلية لأن تكون تلك الثوابت العقدية والتشريعية وغيرها كما عاش بها سلفنا الصالح نعيش بها نحن أيضاً، ومن ثم فإن التقدم الحضاري المادي مطلوب بشرط أن يضبط وأن لا يتعارض مع تلك الثوابت، وهذا الذي فعله المسلمون من خلال تعاملهم مع مستجدات عصورهم لما اتسعت فتوحاتهم في مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا فإن هذه القضية التي نطرحها هي قضية فكرية طالما طرحها دعاة الفكر الغربي والعلماني والقومي وغيرهم حينما يفسرون العودة إلى الأصول وإلى منهاج السلف الصالح بأنه نكوص، وأحياناً يسمونها رجعية، لكن أظن أن الحقيقة قد وضحت، فالعودة إلى منهاج السلف الصالح هي عودة تأصيلية لثوابت، أما متغيرات الحياة فلا، فإن متغيرات الحياة مطلوبة، بل ربنا ﷾ يقول للمؤمنين وهو يبني فيهم روح الجهاد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] (قوة) نكرة ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، وعليه فواجب على الأمة أن تتقوى من جميع الجوانب، والقول بأن الدين يعارض العلم والتقدم العلمي هذه المقالة أظنها أصبحت مقالة قديمة كما يعبرون أحياناً، ولا أظن أن أحداً الآن يناقش في هذه القضية، منذ السنين الطويلة لما هجم الاستعمار الغربي والتبشيري النصراني على العالم الإسلامي -وهو لا يزال- كان في أول هجومه يتهم الإسلام بأنه عدو العلم والتقدم وغير ذلك، لكن قتلت هذه القضية بحثاً فأصبحت هذه القضية مما لا يحتاج إلى نقاش، فهذا الإسلام لا يتعارض مع العلم أبداً؛ لأن الكل من عند الله ﷾، لكن هذا الإسلام وهذه العقيدة والشريعة تضبط العلم، والحضارة الغربية لما تقدمت بدون ضابط صارت حالتها إلى ما نحن نشاهده هذه الأيام، ونحن ما تقدمنا علمياً ولا تقدمنا في مناهجنا وأصولنا وثوابتنا، فأصبحنا على هذه الحالة التي هي حالة أقل ما يقال فيها أنها حالة يرثى لها، والله المستعان!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534663,"book_id":2827,"shamela_page_id":452,"part":"21","page_num":10,"sequence_num":452,"body":"التلازم بين العقيدة والشريعة وموقف الطوائف الأخرى منه\rومن القضايا في منهاج السلف الصالح التي يجب أن نقف عندها ويقف عندها الدعاة إلى الله ﷾ قضية التلازم بين العقيدة والشريعة، ومن المؤسف حقاً أن هذه القضية لا تزال مجال أخذ ورد من بعض من لم يفقه منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، والتلازم بين العقيدة والشريعة قضية كبرى من اختلت عنده اختل عنده النظر الصحيح إلى منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومقتضى هذا التلازم أن عقيدة الإسلام بتوحيدها وأركان إيمانها تنبثق منها شريعة كاملة لازمة له، وأن الإنسان الذي يؤمن بتلك العقيدة لا بد أن يلتزم بتلك الشريعة، وأنه لا انفصام بينهما، لكن لو تأملت في هذه القضية لوجدت أن المناهج قديماً وحديثاً ضلت في هذا الباب.\rدعني أضرب لك مثالاً بالنسبة للزمان القديم حول هذه القضية: إن أئمة الإسلام منذ القرن الأول الهجري ردوا على طائفتين ضالتين من الطوائف التي تذكر في كتب الفرق الإسلامية، الطائفة الأولى: الخوارج، ومعهم المعتزلة، والطائفة الثانية: المرجئة، فما علاقة ردود أئمة الإسلام على هاتين الطائفتين بهذه القضية التي معنا، وهي قضية التلازم بين العقيدة والشريعة؟! الطائفة الأولى وهم الخوارج والمعتزلة جعلوا هذا التلازم تلازماً تاماً يؤدي إلى تكفير كل من خالف وعصى ربه ﵎، ومن ثم فمن وقع في كبيرة أخرجوه من دائرة الإسلام، وهو ما يسمى بقضية (كفر مرتكب الكبيرة)، هذا الفهم للتلازم بين العقيدة والشريعة لا يتوافق مع طبيعة البشر؛ فإن كل بني آدم خطاء، فإذا ما قال أحد بهذا القول أن كل مرتكب لكبيرة فإنه خارج عن دائرة الإسلام فمعنى ذلك أن هذا الإسلام الحق سينحصر في فئة قليلة جداً هي فئة هذه الطائفة التي تزعم نفسها جماعة المسلمين، وعلى هذا فإن هؤلاء أخطئوا في فهم منهاج الإسلام وتلازم عقيدته وشريعته من الناحية النظرية في تعريف الإيمان، وجعلهم للأعمال جميعها شرطاً فيه، ومن الناحية العملية حينما انحازوا بأنفسهم وظنوا أنهم هم جماعة المسلمين، ومن لم يدخل في جماعتهم فهو كافر خارج عن دائرة الإسلام، ومن ثم أدى هذا المعتقد إلى منهجية غريبة في التعامل مع النصوص تحولت إلى منهجية أغرب في التعامل مع الناس، ومنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى يختلف عن منهاج الخوارج.\rإذاً عندنا نوعية من الطوائف كانت موجودة قديماً ولا تزال إلى الآن تفهم التلازم بين العقيدة والشريعة على أنه تلازم كلي، وأي خلل فيه سواء أكان خللاً في باب التكذيب أم خللاً في باب العمل مهما كان فإنه يؤدي إلى الخروج عن دائرة الإسلام، بينما في منهاج الإسلام ومنهاج السلف الصالح لا يوجد هذا، ولهذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون بكل كبيرة من الكبائر، كما قال الطحاوي ﵀: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله] أي: لا نكفرهم بكل الذنوب.\rفميزوا بين ذنب وذنب، ومن ثم تجد الواقعية في المنهاج الإسلامي وفي فهمه، فالمجتمع المسلم وهو يطبق هذا الإسلام لا يتحول إلى مجتمع ملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وإنما مجتمع مضبوطة أموره، وقضاياه مميزة، فإذا وجد من يعصي وتاب تاب الله عليه، وإذا وجد من يعصي وأقيم عليه الحد كان كفارة له، فجاءت أحكام الإسلام وحدوده لتبين كمال هذه الشريعة.\rوقد يقول قائل: إذا كانت الشريعة كاملة فلماذا حد السرقة وحد الزنا وحد القتل؟ نقول: هذا فهم خاطئ، من كمال هذه الشريعة وجود هذه الحدود؛ لأن طبيعة الإنسان أنه يخطئ ويصيب، وطبيعة التكليف الرباني للإنسان في هذه الحياة أن الله يبلوه بالحسنات والسيئات، ويبلوه بالخير والشر فتنة إلى أن يرجع، فلما كان الأمر كذلك تبين أن من كمال هذه الشريعة أن شرع الله ﷾ هذه الحدود لتضبط مسار المجتمع.\rإذاً الطائفة الأولى أخطأت في فهم الإيمان وفهم التلازم بين العقيدة والشريعة.\rوالطائفة الثانية: المرجئة، وهؤلاء أمرهم عجيب أيضاً، فصل بين اعتقاد القلب وبين عمل القلب والجوارح، فصار الإيمان عندهم مجرد التصديق القلبي الخالي عن العمل، بل أحياناً يقولون: إنه مجرد المعرفة، وإن هذا كافٍ في وجود الإيمان وتحقيق الإسلام ومقتضى هذا المذهب أن الشريعة والعمل لا علاقة لهما بالعقيدة، فكل من صدق بالله بقلبه فهذا هو المسلم وإن رفض شريعة الإسلام، وإن رفض أحكام الله ﷾، ولهذا تجد أن هذا المذهب الإرجائي الذي وجد في زمن قديم انتشر في الأزمنة المتأخرة انتشاراً عظيماً، فتجد الكثير من الناس يقول لك: ما دام أنه انتسب إلى هذا الدين فهو مسلم، ولو كذبه، ولو انتسب إلى مبادئ علمانية إلحادية، ولو رفض شريعة الله، ولو أنه شرع من دون الله ﷾.\rوعلى هذا الفهم نجد عند هؤلاء لا علاقة للشريعة بالإيمان، سواء علاقة نظرية أو علاقة تؤثر في مدلول الإيمان وفي قضيته واعتقاده، وهذا أمر عجيب وغريب وخطير، ولهذا لما انتشر المذهب الإرجائي في الأمة الإسلامية في عصورها المتأخرة وجدنا من يكتفي بالهوية لينتسب إلى الإسلام فقط، وإذا فتشت عن حاله وعن خلقه عن سلوكه وعن قضاياه الأخرى كلها لا تجد فرقاً بينه وبين غيره من الكفار.\rوأقول: عن طريق هذا المنهاج تسلل الغرب إلينا في العصور المتأخرة ليفرض علينا حياة غربية، ومناهج غربية، وقوانين جاهلية، ولا مانع مع ذلك بالبقاء على الانتساب إلى الإسلام، ومن ثم ترتب على هذا الفهم وعلى هذا الواقع العملي الذي عاشته الأمة الإسلامية أن تلك الفئة التي عرفت بمصطلح (العلمانية) وجدت في الغرب، ولكن الغريب جداً أن تنتقل إلى العالم الإسلامي؛ لأن العلمانية مقتضاها فصل العقيدة عن الحياة، ويسمونها أحياناً (فصل الدين عن الدولة)، ويسمونها أحياناً (فصل الدين عن الحياة)، وهي في الحقيقة فصل بين انتسابك إلى الإسلام وبين حياتك، وأن تكون على أي منهج، والأخطر من ذلك أن يكون لهذه العلمانية دعاة ومدارس تتبنى مبادئ قومية، أو مناهج أدبية، أو غيرها من المناهج لتركب عليها وتقود الأمة إلى هذا المنهج العلماني.\rإذن لما نتحدث في منهاج السلف الصالح عن التلازم بين الشريعة والعقيدة لا نتحدث عن قضية جزئية، ولا نعرض لمسألة جانبية، وإنما نعرض لقضية كبرى تميز بها السلف الصالح رحمهم الله تعالى من خلال منهج مؤصل في هذا الباب.\rوبهذا ينقض قول الخوارج وغلوهم وضلالهم، وبه ينقض قول المرجئة وتساهلهم وبدعتهم، وبه أيضاً تنقض العلمانية المعاصرة التي تريد أن تفصل بين عقيدة الإسلام وبين شريعة الإسلام، ومن هنا فإن الدعوة إلى منهاج السلف الصالح لا بد أن ينتبه إليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534664,"book_id":2827,"shamela_page_id":453,"part":"21","page_num":11,"sequence_num":453,"body":"التمييز بين البدع والمصالح المرسلة\rالأمر الآخر قضية البدعة والتمييز بين ما هو بدعة في الدين وبين ما هو مصلحة مرسلة جائزة، وهذه القضية أيضاً تعتبر من الأصول في منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فقد أخطأ فيها طائفتان: إحداهما جعلت كل ما هو جديد بدعةً، فحكمت على كل جديد بذلك، وأعرضت عنه ودعت إلى رفضه، فلما رفضته دخل في ذلك ما هو بدعة حقاً -وأصابت في ذلك- لكنها أدخلت ما ليس ببدعة مما هو من الأمور المباحة في باب البدع وهذه قضية -أي: التعامل مع الحياة المعاصرة- استجدت حتى في حياة الصحابة ﵃ وأرضاهم لما انتقلوا من جزيرة العرب إلى بلاد الشام والعراق وما وراء ذلك، استجدت لهم أشياء مادية وغير مادية.\rكذلك أيضاً نحن في عصرنا الحاضر استجدت للحياة المعاصرة أشياء كثيرة، فما هي طبيعة التعامل معها؟ الطائفة الأولى ترفض كل ما هو جديد مسميةً له بالبدعة.\rفلما كان رأي هذه الطائفة بهذا العرض قابلتها الطائفة الثانية التي فتحت الباب على مصراعيه، فقبلت كل ما وجد، وأدخلت في ذلك كل ما هو مستجد من بدع مختلفة، وهكذا تميع الإسلام عند هؤلاء -أعني الطائفة الثانية- حتى أصبح الإنسان لا يميز في منهج هؤلاء بين الإسلام وبين الكفر.\rأما منهاج السلف الصالح في ذلك فقد كان منهاجاً علمياً وسطاً مبنياً على الأدلة الصحيحة واستقرائها، ومن ثم فقد ميزوا بين البدع في باب العقائد التي هي عندهم ثوابت وبين غيرها مما استحدث وابتدع، فأنكروا بدع العقائد كلها، وبينوا منهاج الكتاب والسنة في ذلك، ومنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في تصفيتها، وعلى ذلك تجد المنهاج السلفي واضحاً, فهو الذي رفض فلسفة أرسطو لما ترجمت في القرن الثالث الهجري، وهو الذي يرفض في عصرنا الحاضر الفلسفات الوجودية والعبثية والوضعية وغيرها من الفلسفات الإلحادية؛ لأن العقيدة ثابتة، ومصدرها واحد، ولا حاجة بنا إلى عقائد أخرى.\rثانياً: ميزوا أيضاً بين ما هو من أصول الشريعة العبادية الثابتة سواء أكانت عبادات أم كانت أصول معاملات، ومن ثم جعلوا أي إحداث فيه تغيير أو ظن أنه يكمل ما يعتقد أنه ناقص جعلوه بدعة مرفوضة، ولهذا نجد أن التعريف الصحيح للبدعة أنها إحداث في الدين على وجه القربة.\rفهو يريد أن يبتدع عبادة أو يتبع أصولاً تناقض أصولاً شرعية فتتحول القضية هذه إلى قضية بدعة، ولذلك تجد -مثلاً- أن من أراد أن يبتدع للأمة عبادة -ولو كانت نيته طيبة- جديدة من صلاة أو ذكر أو غير ذلك فإن فعله هذا بدعة مرفوضة، لأن البدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة إضافية، وبدعة حقيقية، حسب التقسيم المعروف.\rأقول: بدعته هذه بدعة مرفوضة؛ لأنه أراد أن يكمل هذا الدين بمكمل من عنده يتقرب به إلى الله ﷾، وهذا يخالف القضية الكبرى التي ذكرناها سابقاً، وهي كمال هذا الدين، ومثله لو أراد أن يبتدع بدعةً ينقض فيها أصلاً من أصول الإسلام، وأضرب مثالاً على الوجه الثاني: الآن توجد دعوة في عالمنا الإسلامي تزعم أن الربا قضية عصرية ضرورية، ومن ثم فلا بد من أن نبحث في أدلة الإسلام عمَّا يدل على أنها جائزة، لماذا؟ قالوا: لأنها ضرورة عصرية، فهنا في هذا الحالة هل يساوم المؤمن على أصل من الأصول؟ لا يساوم، بل إن المتأمل اليوم لمشكلة العالم كله في عصره الحديث -بصرف النظر عن انحرافاته العقدية والفكرية والأخلاقية وغيرها- إذا نظرنا إليها من الناحية الاقتصادية فإنه يجد أن أكبر مشكلة هي مشكلة الربا، فالأزمات العالمية للدول الصناعية والدول الفقيرة إذا فتشنا عنها نجد أن سببها الربا، إذاً هذا أصل، فمن أراد أن يستبدل بهذا الأصل أصلاً آخر فإن هذا الاستبدال مرفوض.\rثالثاً: أن ما عدا ذلك من أمور الحياة مما يستجد من أشكالها وأنماطها فإن هذا يؤخذ به بشرط أن يتلاءم مع أصول العقيدة وقواعد الشريعة، وهذه أيضاً قضية في عصرنا القديم والحديث، والصحابة ﵃ وأرضاهم لما أتوا إلى أمور استجدت في البلاد التي فتحوها أخذوا بها.\rأقول: الصحابة رضوان الله عليهم تعاملوا مع ما استجد مما واجهوه في البلاد التي فتحوها تعاملاً مبنياً على منهاج صحيح، فرفضوا ما يصادم أصول العقيدة، وأخذوا بمستجدات الحياة بما يتلاءم معها.\rوإذا انتقلنا إلى عصرنا الحديث وجدنا أيضاً أن المنهاج السليم منهاج العقيدة لا يتعارض مع الحضارة، لقد مضى قبل خمسين سنة أو أربعين سنة ذلك الزمان الذي كان يقول فيه القائل: إن الإسلام يرفض الحضارة، ويرفض الاختراعات والسيارات والطائرات وغيرها.\rمضى هذا الزمن، بل ومن نعمة الله ﷾ أننا نجد أن كثيراً من شباب الصحوة -وفقنا الله وإياهم، وثبتنا وإياهم جميعاً- يتخصصون بتخصصات علمية دقيقة، وتجد الواحد من هؤلاء يحمل منهاجاً سلفياً صحيحاً، وفي نفس الوقت أيضاً يحمل أعلى التخصصات العالمية، ولا تعارض بين القضيتين، وهذه ما هي إلا نماذج عملية نشاهدها على مستوى الفرد، ويجب أن تكون على مستوى الأمة، بحيث يكون منهاجها في التعامل مع ما هو جديد منهاجاً مضبوطاً بمنهاج الكتاب والسنة على قضية ما سبق أن ذكرناه في مسألة البدعة.\rفما هو من البدعة فإنه يتجنب، وما ليس ببدعة فلا يتجنب وإنما يستفاد منه، وهذه القضية تحتاج إلى مواقف عملية؛ لأن دعاة التغريب والعلمانية في بلاد الإسلام يصفون الدعاة إلى الله ﷾ بأنهم إنما يريدون طمس الحضارة والقضاء على الحضارة، ويصفونهم أحياناً بصفات بشعة، منها أنهم ظلاميون، وأنهم متوحشون إلى آخر الصفات التي تسمع، ولا يزال الإعلام في كل حين يأتي بمصطلحات جديدة، فهذه العبارات الموجهة ضد الصحوة المعاصرة إنما هي موجهة إلى المنهاج الحق منهاج السلف الصالح ﵏، لكن لا بد من شماعات يعلقون عليها تهمهم وهجومهم على الإسلام والسلفية.\rأما الغرب فإنه يريد إسلاماً غير مطبق، يريد للعالم الإسلامي أن يبقى على هويته الإسلامية في الشكل فقط، أما حياته ونظمه وعلاقاته وولاؤه وبراؤه وأحكامه وتشريعاته وغير ذلك فهي تبقى على ما هي عليه من علمنة وبعد عن الله، هذا الذي يريده الغرب، ومن هنا فإن الداعية إلى الله ﷾ الذي يدعو إلى منهاج السلف الصالح عليه أن يبصر هذه القضايا ويتدبرها، وأن يعلم ويوقن أن هذه القضايا المعاصرة التي يكثر الحديث عنها في هذه الأيام وتوجه فيها السهام إلى الإسلام أن هذا الأمر إنما يدل على عظمة هذا الدين وصحة ذلك المنهاج، المسلمون اليوم ضعفاء ومتفرقون، وحالهم يرثى لها كما يشاهد، ومع هذا فلا تزال السهام ترسل قوية جداً إلى المسلمين، أرأيت لو عدنا إلى منهاج صحيح، وعدنا إلى ديننا وإلى عقيدتنا وإلى شريعتنا وطبقناها من خلال فهم صحيح مؤصل كيف ستكون الحال؟ لا شك أن الحالة ستتغير: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].\rإذاً العودة إلى منهاج السلف الصالح لا خيار للأمة الإسلامية فيها، والأمة الإسلامية إن ظنت أنها تستطيع أن تلحق بالغرب في تقدمه المادي فأظن أن مفكريها يدركون أن الغرب قد سبقهم إلى ذلك أشواطاً بعيدة، وأن الغرب حتى هذه اللحظة لا يسمح بنقل تلك الحضارة المادية وأصولها إلى المسلمين، لا يزال يحتفظ بمفاتيح مخترعاته على مختلف أنواعها وأشكالها، فمن ظن أنه يمكن بهذه الطريقة أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها فهو مخطئ، لكن ما هي الطريقة الصحيحة التي تجمع بين الأمرين؟ هي العودة أولاً إلى هذا الدين وإلى هذا المنهاج، والعودة إلى هذا المنهاج ستكون أول سبب من أسباب الاستقلال والتميز لهذه الأمة عن مشرق أو مغرب، ومن ثم فإن هذه الحقيقة الناصعة يجب أن يدركها الجميع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534665,"book_id":2827,"shamela_page_id":454,"part":"21","page_num":12,"sequence_num":454,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534666,"book_id":2827,"shamela_page_id":455,"part":"21","page_num":13,"sequence_num":455,"body":"التلازم بين العقيدة والشريعة عند أهل السنة وغيرهم من الفرق\r\rالسؤال\r الخوارج يرون التلازم التام بين الشريعة والعقيدة، والمرجئة ينفون التلازم، ومنهاج السلف وسط بينهما، فكيف يرون التلازم بين العقيدة والشريعة؟ هل هو تلازم ناقص؟\r\rالجواب\r السلف يرون التلازم التام بين الشريعة والعقيدة، فمن الناحية النظرية قد يقرب منهاج الخوارج من منهاج السلف، ولذا تجد في كتب العقيدة الإيمان عند أهل السنة هو قولٌ واعتقاد وعمل.\rوعند الخوارج: الإيمان هو قول واعتقاد وعمل.\rفتعريفهم في الظاهر واحد، لكن اختلف في مقدار مدى نقض هذا التلازم للعقيدة، تجد الخوارج ينقضون العقيدة بمجرد ارتكاب الكبيرة، والسلف يخالفونهم في هذا، لهذا فالتلازم بين العقيدة والشريعة أصل من أصول الإسلام، فما هناك تلازم ناقص بالنسبة لأهل السنة والجماعة، لكن فهمهم لهذا التلازم ثم تطبيقهم العملي له يختلف عن منهاج الخوارج، كما أنه يختلف عن منهاج المرجئة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534667,"book_id":2827,"shamela_page_id":456,"part":"21","page_num":14,"sequence_num":456,"body":"الاستفادة الجائزة والممنوعة من التعليم الغربي\r\rالسؤال\r ما حكم من يستفيد من الحياة الغربية من سلوك وأفكار تربوية واجتماعية لا تعارض العقيدة والشريعة كنظام التعليم وغيره؟\r\rالجواب\r القضية سهلة، كل شيء يرجع إلى أصوله، ومن ثم فأنت حينما تأتي بنظام التعليم من عند الغرب لتستفيد منه نقول: نظام التعليم القائم على جهة من نظام التعليم الغربي، يقوم إما على الإلحاد، أو على مبدأ دين النصرانية، أو على الفلسفة الإغريقيه أو غيرها، فحينئذ سواء أكان هذا علماً أم منهاج تعليم فإنه حين يعلمك منهجية التعليم بتلك المناهج الغربية تكون مرفوضة في منهاج الإسلام، هذا القسم الأول.\rالقسم الثاني: منهاج ترتيبي تنظيمي يمكن أن يستفيد منه الإنسان، كأن يستفيد في ترتيبه المكتبة أو ترتيب بعض القضايا الإدارية التي تتعلق بالتدريس أو التعليم أو غير ذلك، سواء أكان الإنسان يجلس على البسط -على ركبتيه- للتعلم، أو يجلس على الماسة، أو يستخدم الكمبيوتر، أو يستخدم الكتابة اليدوية أو غيرها، كل هذه من الأشكال يستفيد منها المسلمون ما استطاعوا، لكن يفرق بين الحالة الأولى والثانية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534668,"book_id":2827,"shamela_page_id":457,"part":"21","page_num":15,"sequence_num":457,"body":"الفرق بين العقيدة والشريعة\r\rالسؤال\r ما الفرق بين الاصطلاحين: العقيدة والشريعة؟ وهل يشمل أحدهما الآخر؟\r\rالجواب\r العقيدة: هي ما اعتقده الإنسان، والشريعة: هي عبادات الإنسان ومعاملاته في هذه الحياة، هذا عندما نجمع بينهما، فإذا قلنا: العقيدة والشريعة صار للعقيدة معنى وللشريعة معنى آخر، لكن عند إطلاق أحدهما فإنه يدخل فيه الآخر، فإذا قلت: العقيدة الإسلامية فالشريعة الإسلامية داخلة فيها، وإذا قلت: الشريعة الإسلامية فالشريعة الإسلامية داخلة فيها العقيدة؛ لأنها لا بد أن تقوم على أساس عقدي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534669,"book_id":2827,"shamela_page_id":458,"part":"21","page_num":16,"sequence_num":458,"body":"معنى قول عمر: (نعمت البدعة)\r\rالسؤال\r كيف نوفق بين كون الشريعة الإسلامية كاملة وقول عمر ﵁ في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هي) عندما سئل عنها؟\r\rالجواب\r أبداً ليس فيه تعارض؛ لأن عمر ﵁ وأرضاه لما قال: (نعمت البدعة) قالها رداً لمن ظن أنها بدعة، فقال: (نعمت البدعة) وعمر ﵁ أراد بقوله: (نعمت البدعة تلك) ما يدل على أن عمر متيقن منها ومن صحتها، ودليل يقينه أن أصل التراويح شرعه لنا رسول الله ﷺ، لكن النبي ﷺ ما أم الصحابة خوفاً من أن تفرض عليهم، فلما انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى زال ذلك الخوف، فبقيت هذه الشرعة، فأعادها عمر ﵁ وأرضاه، وجمع الناس على قارئ واحد، فلما اعترض معترض بأن هذا ما كان موجوداً قال عمر: (نعمت البدعة تلك)، إذاً تسميتها بالبدعة سواءٌ أكانت تسمية لفظية أم تسمية من باب المشاكلة فإنها ليست بدعة؛ لأنها لها أصل في الشريعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534670,"book_id":2827,"shamela_page_id":459,"part":"21","page_num":17,"sequence_num":459,"body":"متى يحكم على المفرط في الشرع أنه مرجىء\r\rالسؤال\r هل يمكن أن نقول عن بعض الشباب الذين يؤمنون بالله ولكنهم لا يصلون ولا يتمسكون بالشريعة: إنهم مرجئة؟\r\rالجواب\r كونهم لا يصلون هذا يأتي في الخلاف في حكم تارك الصلاة، ولا نصفهم بالإرجاء فحسب، بل قد يوصفون بالخروج من الإسلام، وهذا على القول الراجح في أن تارك الصلاة بالكلية يكفر، أما إذا كان عن كونهم لا يتمسكون بالشريعة فهذه بحسبها، لكن ما منبع عدم تمسكهم بالشريعة في شئون حياتهم؟ نقول: إن كثيراً من الناس تقول له: يا أخي! اعمل.\rفيقول لك: يا أخي! التقوى ها هنا، تقول له: يا أخي! افعل الخير.\rيقول لك: الرسول ﷺ يقول: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، فهذه عقيدة ومذهب المرجئة، فإذا كان يحتج بهذا المنهاج فهو متأثر بمذهب المرجئة، أما إذا كان لا يحتج وإنما تغلبه نفسه وهواه فيفرط في بعض الواجبات ونحو ذلك فالأمر -والحالة هذه- قد يكون مبنياً على نوع من الفسق لا على اتباع لمذهب المرجئة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534671,"book_id":2827,"shamela_page_id":460,"part":"21","page_num":18,"sequence_num":460,"body":"قضية إبراهيم في سورة الأنعام كانت على سبيل المناظرة لا البحث\r\rالسؤال\r كيف نرد على ما اشتهر من قصة إبراهيم ﵇ مع القمر والشمس، حيث قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] إلى آخره، فهل الناس مروا بفترة انقطع فيها الدين عن الحياة، أم أنه فقط أسلوب من أساليب الدعوة؟\r\rالجواب\r قول الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٥ - ٧٩].\rهذه الآيات اختلف فيها المفسرون على قولين: القول الأول: إن هذا فهم وتدرج من إبراهيم نفسه.\rأي أن إبراهيم نفسه ظن أن هذا الكوكب ربه، فلما غاب قال: (لا أحب الآفلين)، ثم لما رأى القمر قال كذلك، ثم لما رأى الشمس إلى أن تبين لإبراهيم نفسه أن هذه لا تستحق العبادة من دون الله، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض.\rالقول الثاني للمفسرين: إن هذا من إبراهيم من باب المناظرة والرد على قومه الذين كانوا يعبدون الكواكب والشمس والقمر، فإبراهيم أراد أن يبين لهم أن هذه لا تستحق العبادة من دون الله، فلما رأى الكوكب قال وقومه يسمعون: (هذا ربي)، فلما غاب الكوكب قال: (لا أحب الآفلين) كيف يكون ربي ويغيب؟! وهكذا علمهم إلى أن قال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض)، فهذه الكواكب لا يجوز أن تعبد من دون الله.\rوالقول الثاني هو الصحيح، أما القول الأول وإن أورده بعض المفسرين فهو قول ضعيف؛ لأن إبراهيم مفطور على فطرة الإسلام، ولأن رؤية إبراهيم للكواكب والشمس والقمر لم تكن في يوم من الأيام حدثت له ولم تكن قبل ذلك، فإبراهيم كان يرى القمر ويرى الكواكب في كل يوم، فلماذا في هذا اليوم ينتقل وهو يعلم أن الكوكب سيغيب، ويعلم أن الشمس ستغيب، ويعلم أن القمر سيغيب؟! إذاً القول الصحيح أن هذا من باب المناظرة بالنسبة لإبراهيم مع قومه، وعليه فلا تدرج في الأديان ولا في غيرها، وهو شبيه بموقف إبراهيم ﵊ حينما كسر الأصنام وجعل الفأس معلقاً على رقبة كبيرهم، ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٥٨]، فلما رجعوا من عيدهم وجدوا أصنامهم مكسرة، فقالوا: من فعل هذا؟! تداولوا الرأي والأمر فقالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠]، فقالوا: ائتوا به على أعين الناس حتى نفضحه أمام العالمين، ونبين كيف أنه فعل جريمته الشنعاء حين كسر الأصنام، وجمعوا الناس جميعاً حينما أراد الله خزيهم وفضيحتهم، وأتوا بإبراهيم ﵊ للمحاكمة.\rوالقضية شبيهة بقصة الغلام والساحر، فلما اجتمعوا قيل لإبراهيم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء:٦٢] هل أنت الذي كسرت الأصنام؟ وهنا جاء الجواب: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]، وهنا وقعوا في المأزق، ولذلك قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٤] أنتم الذين جمعتم الناس وأوقعتم أنفسكم في هذا المأزق فافتضحتم.\rفهذا منهاج دعوي لإبراهيم ﵊.\rوفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534672,"book_id":2827,"shamela_page_id":461,"part":"22","page_num":1,"sequence_num":461,"body":"وصايا وتوجيهات للمرأة المسلمة\rخطاب الله تعالى ورسوله ﷺ يعم الرجال والنساء، وما خوطب به الرجل فهو خطاب للمرأة، إلا ما خصه الدليل، وقد أعطى الإسلام في تشريعاته المرأة حقها، ولم يظلمها شيئاً؛ بل كرمها ورفع شأنها، ولهذا يجب الحذر من أصحاب الدعوات المنحلة الذين يريدون أن ينزلوا المرأة من علياء رفعتها، وأن يستخدموها سلعة لقضاء شهواتهم ورغباتهم الشيطانية المقيتة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534673,"book_id":2827,"shamela_page_id":462,"part":"22","page_num":2,"sequence_num":462,"body":"حال الناس في الدنيا\rبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\rأيتها الأخت المسلمة! كثيراً ما يفكر الإنسان في هذه الحياة ومشاكلها وتفاوت الناس تجاهها وصراع الأمم والشعوب حولها، سواءٌ أكان صراعاً عالمياً أم صراعاً محلياً، وكل ذلك منطلقه الدنيا وما فيها من جاه أو منصب أو مال أو زينة من زينة الحياة الدنيا.\rويلتفت المرء المسلم والمرأة المسلمة إلى هذا الذي يجري من حوله فيرى عجباً! يرى الناس يتطاحنون على أمور الدنيا ويتنافسون فيها، وتتحول أخلاقهم وعلاقاتهم وارتباطاتهم -بل أحياناً قراباتهم- إلى أن تكون الموازين موازين دنيوية.\rوالدنيا كل إنسان يعيش فيها في كبد، كما قال الله ﵎ في كتابه العزيز: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، ويتساوى في ذلك المؤمنون والكفار، فكلهم يعيشون حياتهم فرحاً أياماً وحزناً أياماً، وكلهم يمرضون ويشفون، ويفرحون ويحزنون، ويغضبون ويرضون، وهذه هي سنة الحياة التي لا تتخلف؛ لأن هذه الدنيا فانية وليست باقية.\rأيتها الأخت المسلمة! كنا نرى هذا عند من لا يؤمن بالله واليوم الآخر فما بالنا نراه أيضاً عند المؤمنين بالله تعالى واليوم الآخر؟! فما الفرق بين المرأة المسلمة المؤمنة بربها العابدة المصلية الخائفة لمقام ربها وبين غيرها ممن لا يؤمن بذلك كله، ولا يعمل شيئاً من ذلك كله؟ ولماذا نرى كثيراً من المسلمات حالهن شبيه بحال هؤلاء الذين لا يخافون الله ولا يرجون اليوم الآخر؟ إنه سؤال ينبغي أن تقف عنده المرأة المسلمة، فما أثر الإيمان بالله؟ وما أثر الإيمان برسول الله ﵌؟ وما أثر الإيمان بالملائكة والكتب والنبيين؟ وما أثر الإيمان باليوم الآخر الذي لا شك فيه؟ ثم ما أثر الإيمان بالقضاء والقدر؟ وهذه هي أركان الإيمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534674,"book_id":2827,"shamela_page_id":463,"part":"22","page_num":3,"sequence_num":463,"body":"القدوة في نساء الصحابة ﵅\rإن المؤمنة من صحابة رسول الله ﵌ كانت الواحدة منهن قد تكون عاشت في جاهلية وكفر وشرك بالله ﷾ وعمل لما يغضبه، ثم تتحول إلى الإسلام، وعندما تقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) تتغير حياتها من أولها إلى آخرها.\rإنه تصديق وإقرار يتبعه عمل في حياة هذه المرأة المسلمة، ثم تنظر في حالها وفي طموحاتها في هذه الحياة فتجد الموازين عندها قد تغيرت، وقبل ذلك كانت تنظر إلى الدنيا على أنها كل شيء، وعلى أن شهواتها وزينتها وأموالها وأطماعها هي الغاية في هذه الحياة.\rأما الآن فلا، لقد تحولت إلى امرأة أخرى لا تنظر إلى الدنيا على أنها شيء، وإنما تنظر إلى الآخرة؛ لأن الميزان قد تغير، والقلب والعواطف والأحزان والأفراح بعدما كانت توجه إلى دنيا دنية صارت توجه إلى أخرى رخية، وصارت توجه إلى مراقبة تعيشها المرأة المسلمة لربها ﷾ في كل أفعالها في السراء والضراء، وفي السر والعلانية، وفي كل حال تعيش عليها، ونظرت إلى ما بعد الموت والوقوف بين يدي الله ﷾ فراقبت كل حركة من حركاتها في الدنيا.\rأيتها الأخت المسلمة! هذه هي النقلة التي تعطيها العقيدة الإسلامية، وهذه هي النماذج التي رأيناها من نساء عشن في الكفر، فلما انتقلن إلى الإسلام تحولن إلى مؤمنات قانتات عابدات داعيات إلى الله ﷾، فقد كانت الواحدة منهن تضرب المثل في خدمة هذا الدين، وفي خدمة زوجها إذا كان مسلماً، وفي تربية أولادها، وتتحول الأسرة إلى أسرة مؤمنة مجاهدة تسمع ماذا يقوله الله وماذا يقوله رسوله ﵌ فتنفذ.\rوبعض الصحابة كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها في المدينة النبوية، فأتى رجل وقال لهؤلاء: أنا أشهد أن الخمر قد حرمت.\rفألقوا ما معهم من الخمر في الحال منفذين.\rولقد نزلت آية من كتاب الله تعالى فرتلها رسول الله ﵌ وعلمها أصحابه فرجع الأصحاب إلى بيوتهم وزوجاتهم وأمهاتهم وأخواتهم يتلون عليهن هذه الآية.\rفماذا في هذه الآية من حكم؟ هذه الآية فيها حكم الحجاب، فسارعت المرأة المسلمة إلى لبسه دون أن تتردد ودون أن تنظر إلى صديقاتها أو رفيقاتها، ودون أن تعبأ بسخرية أو استهزاء، وذهبت مسرعة لتنفذ أمر الله ﵎ وتلبس الحجاب، وقد كنَّ يصلين الصلاة مع رسول الله ﵌، وفي أول صلاة بعد نزول هذه الآية وافينه كالغربان؛ لأنهن لبسن السواد متحجبات، حيث أسرعن الامتثال لأمر الله وأمر رسوله، ولماذا لا تنفذ المرأة المسلمة أمر سول الله ﷺ الله ورسوله وهي تخاف الله واليوم الآخر؟ ولماذا لا تنفذ وهي ترجو ما عند الله ﵎ في الآخرة؟ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فهذا هو عنوانك -أيتها المرأة المسلمة- في حياتك من أولها إلى آخرها.\rوكذلك أيضاً المسلم عليه أن يكون كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ولهذا كانت الصحابيات لا يقلن: لماذا أمر الله؟ ولأي شيء نهانا؟ ولا يبحثن عن العلل وغيرها، وإنما يقلن: بمَ أمر الله حتى ننفذ؟ وما الذي أمر الله ﵎ به حتى ننفذه؟ هذا هو عنوان المؤمن والمؤمنة.\rأيتها الأخت! هذه العقيدة هي التي صنعت أولئك الأمهات والزوجات والأخوات اللاتي وردن أمثالاً عظيمة في تاريخ الأمة وفي تاريخ الأمة الإسلامية بصفة خاصة، وهذه العقيدة هي نفسها العقيدة التي يمكن أن تصنع الرجال، وأن تصنع النساء المؤمنات العابدات القانتات، فالعقيدة واحدة، والقرآن موجود، وهو باقٍ إلى آخر الزمان، وسنة النبي ﵌ موجودة محفوظة مصححة، فإذا كان النبي ﵊ قد غاب عنا بشخصه فإنه لم يغب عنا بسنته ﵊.\rوإذا كان كذلك فإن العقيدة أيضاً بالإيمان بالله واليوم الآخر وما يتبع ذلك هي عقيدة باقية، وهي أيضاً ذات أثر في كل جيل متى ما صدق هذا الجيل بذلك وعمل به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534675,"book_id":2827,"shamela_page_id":464,"part":"22","page_num":4,"sequence_num":464,"body":"حقيقة الدنيا\rأيتها الأخت المسلمة! لماذا نحزن على هذه الدنيا؟ ولماذا أحياناً ننسى الآخرة ونصارع على الدنيا غيبة ونميمة وحسداً وكلاماً ومشكلات وغيرها؟ إن الدنيا كلها لا تساوي شيئاً، وتأملي -أيتها الأخت- هذا الحديث الصحيح الذي يبين فيه رسول الله ﵌ للمرأة المسلمة وللأمة المسلمة كلها قيمة الدنيا وقيمة الآخرة، يقول النبي ﵌ عن المرأة المؤمنة التي تدخل الجنة -أسال الله أن يجعلني والقارئين والقارئات من أهل الجنة- وما لها من النعيم: (ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)، والنصيف هو ما تغطي به المرأة رأسها ونحرها.\rهذا النصيف أو غطاء الرأس للمرأة المؤمنة من أهل الجنة يقول عنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ: (خير من الدنيا وما فيها)، فهو خير من الفلل والسيارات الفارهة وكل أنواع الحلي والماس واللؤلؤ وغيره مما يباع بأغلى الأثمان، وخير من اللباس، وخير من كل شيء في هذه الدنيا، وهذا هو الفرق بين ميزان الآخرة وميزان الدنيا.\rوأما لماذا هو خير من الدنيا وما فيها فلأن هذا النصيف للمرأة المسلمة في الجنة باقٍ أبد الآباد، وأما هذه الدنيا فهي فانية ولم ولن تبقى لأحد أبداً، وكم من إنسان بلغ القمة في الملك أو القمة في الشهرة أو القمة في الغنى بالمال أو القمة في الجاه والسؤدد أمام الناس ولكنه رحل عن ذلك كله! وهذه سنة الله ﵎ في الدنيا الدنية، فإما أن يرحل عنها العبد بالموت، أو إما أن ترحل عنه وهو ينظر، فهل يطمئن إليها إنسان عاقل؟! إن نبينا ﵌ وهو يخبرنا هذا الخبر يبين لنا كيف تكون قيمة الدنيا، وكيف تكون قيمة الآخرة، وتأملي -أيتها الأخت المسلمة- يا من تغفلين أحياناً وتنافسين على دنيا، تأملي هذا الحديث الذي يقول فيه النبي ﵌: (ركعتان في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها)، فركعتان تركعينهما في الليل خير من الدنيا وما فيها، فأين المتاجرات مع الله ﷾؟ وأين النساء العاقلات اللاتي يعرفن الدنيا وغدرها ويعرفن الآخرة وقدرها؟ وأين المرأة المسلمة التي تزن الأمور بميزان العقل والحكمة والكياسة؟ والله إن نصوص الكتاب والسنة لتبين لنا قيمة الدنيا وقيمة الآخرة، إن المرأة المؤمنة إذا عرفت قيمة الآخرة عملت لها، وإذا عرفت قيمة الدنيا أخذت منها ما تحتاجه، لكن تصبح هذه الدنيا في يديها وليس في قلبها، فلا تحزن وتخاصم وتظهر مشكلات من أجلها؛ لأنها ربما تخسر بيتاً وأسرة بسبب مشكلات تافهة.\rأيتها الأخت! إن المرأة التي تعرف قدر الدنيا تعطيها حقها، وهذا في الحقيقة يعود عليها هي بالنفع والفائدة، فقد يظن الظان أن الإنسان الذي يحرق أعصابه لأجل الدنيا هو الذي يستفيد، بينما هو لا يستفيد شيئاً، وإنما يتضرر بإحراق نفسه إما حسداً للآخرين وإما بحثاً عن الدنيا وإما إثارة مشكلات أو نحو ذلك، وكل ذلك لن يغير من واقع الأمر شيئاً؛ لأن الإنسان لا يأخذ من الدنيا إلا ما كتب له، ولا يمكن أن يأخذ الإنسان أي شيء من الدنيا إلا ما كتبه الله ﵎ له، ومن هنا كان النبي ﵌ يربي الأسرة المسلمة ليعلمها كيف تعرف قدر الدنيا وقدر الآخرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534676,"book_id":2827,"shamela_page_id":465,"part":"22","page_num":5,"sequence_num":465,"body":"كيفية التعامل مع الأولاد\rأيتها الأخت! ابنك أو أخوك البالغ من العمر عشر سنوات أو اثني عشر عاماً كيف تخاطبينه في أمور الدنيا والآخرة؟ أظن أن كثيراً منهم لا يفقه كثيراً من الكلام، نظراً لأن أطفالنا وأولادنا شغلوا بمتع الدنيا، فصار حديث الواحد منهم عنها، وصارت حياته فيها، فيعيش وكأنه لا يؤمن باليوم الآخر أو كأنه لا يعرف اليوم الآخر، ورسولنا ﵌ كان يربي الصغار على الأمور الكبار، ويخاطبهم مخاطبة الكبار، يقول النبي ﵌ لأحد غلمان الصحابة: (يا غلام!)، والغلام: هو الذي دون الخمسة عشر عاماً، أي: بلغ اثني عشر أو ثلاثة عشر أو أحد عشر عاماً، وهذه كانت سن ابن عباس ﵄.\rيقول النبي ﵌ لـ ابن عباس: (يا غلام! إني أعلمك كلمات.\rاحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).\rفما رأيك -أيتها الأخوات- في هذا الخطاب الإيماني الذي يُخاطب به غلام من الغلمان؟ إنها التربية التي تبين قدر الدنيا وقدر الآخرة، إنها التربية التي تعلق الصغير بالله ﷾، ولهذا إذا نظرت المرأة إلى ما يحدث على هذه الدنيا من نزاع وخصام وعرفت قدر الآخرة فإن المرأة العاقلة هي التي تزن الأمور بموازينها الصحيحة، وتعطي كل ذي حق حقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534677,"book_id":2827,"shamela_page_id":466,"part":"22","page_num":6,"sequence_num":466,"body":"الحذر من الهجوم الموجه ضد المرأة\rأيتها الأخت! إن من أشد ما تلاقيه المرأة المسلمة في هذه الأيام هو هذا الهجوم المكثف عليها لإغرائها وإغوائها وإخراجها، ولتحويلها إلى امرأة لا تربي أسرة، وإنما هي امرأة مشغولة بتلك الأمور والقشور الدنيوية، فهي لا تعمر بيتاً، وهي لا تقدم خدمة لأمتها، وهي قبل ذلك وبعد ذلك لا تعمل صالحاً لنفسها تلقاه يوم تلقى ربها ﵎، ولابد أن تلقاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534678,"book_id":2827,"shamela_page_id":467,"part":"22","page_num":7,"sequence_num":467,"body":"الإيمان عماد التربية\rأيتها الأخت المسلمة! إن عماد التربية الإسلامية لدى البيت والأسرة هو الإيمان بالله ﵎ وباليوم الآخر، بحيث نعرف قدر هذه الدنيا، فلا تصبح هي الغاية، ولا تتحول مشاكلنا وعلاقاتنا كلها من أجل هذه الدنيا.\rأيتها الأخت لقد عرف سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى قيمة هذه الدنيا، وسأتحدث باختصار عن قصة امرأة صالحة في عهد التابعين، هذه المرأة كانت عالمة فاضلة صالحة، جمع الله لها بين الجمال وبين العلم، وبين الدين والخوف من الله ﷾، وكان أبوها سيداً من سادات التابعين رحمهم الله تعالى.\rوكان أبوها في المدينة النبوية، وكان ذلك في زمن بني أمية، وكان الخليفة عبد الملك بن مروان، وكان ولي عهده الوليد بن عبد الملك، وكان عبد الملك بن مروان يحكم الدنيا من أولها إلى آخرها، يحكم مشارق الأرض ومغاربها، حيث كان يحكم الشام والجزيرة والعراق وبلاد فارس وما وراء النهر ومصر والمغرب وأفريقيا.\rوالدها هو سعيد بن المسيب التابعي الجليل، وبينما هو في بيته أو مسجده إذا بأمير المدينة يأتي إليه، فدخل عليه، فلما سلم عليه قال له: يا سعيد، لقد جئتك بعز الدنيا من أولها إلى آخرها.\rقال له: جئتني بعز الدنيا من أولها إلى آخرها؟! ماذا عندك؟! قال: أبشر يا سعيد، لقد جئتك بشيء يتمناه كل إنسان موجود الآن على ظهر الأرض.\rقال له: وما الذي تقول؟! وما الذي جئت به؟! قال له: أبشر؛ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يخطب بنتك لولده وولي عهده الوليد بن عبد الملك، وقد تولى الخلافة بعد ذلك.\rهذا هو عز الدنيا، أن تنتقل بنتك لتكون زوجة لولي عهد المسلمين، وتكون هناك في قصر الخلافة التي لا تحكم بقعة محددة، وإنما تحكم مشارق الأرض ومغاربها التي بلغها الإسلام في ذلك الوقت، فماذا كان جواب سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أمام هذا الإغراء؟! هل قال: أزوج بنتي من ابن أمير المؤمنين، وأعقد صداقات وعلاقات لأتحول إلى داعية وإلى وإلى وإلى؟! لم يقل هذا أيتها الأخت، أتدرين ما الذي قاله للأمير الذي جاء يخطب ابنته لولي عهد المسلمين في ذلك الوقت؟! قال له: اسمع أيها الأمير، وأجبني عن هذا\r\rالسؤال\r إن النبي ﵌ يقول: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) , وأنت تقول: جئتك بالدنيا بحذافيرها، فإذا زوجت بنتي من ابن أمير المؤمنين فاقسم لي من جناح البعوضة! وما الذي ستعطيني من جناح البعوضة إذا زوجت بنتي من ابن أمير المؤمنين؟! إنه كلام الحكماء العارفين بالله، وأبى أن يزوجها لابن أمير المؤمنين، ورفض الدنيا من أولها إلى آخرها؛ لأنها عنده لا تعدل جناح بعوضة، فإذا زوج بنته فما الذي سيقسم لها من جناح البعوضة؟! وأبى حتى إنه أوذي رحمه الله تعالى في سبيل ذلك.\rثم هذه البنت ممن زوّجها؟! كان عنده عدد من الطلاب، وبعد هذه القصة بقليل افتقد واحداً من طلابه، فسأل عنه، فلما جاءه بعد أيام قال له: لماذا غبت عنا؟ قال: توفيت زوجي، وأنا مشغول بنفسي، وليس عندي إلا أمي، أي: ليس عنده في البيت لا أولاد ولا شيء، وليس عنده إلا أمه.\rفظن الطالب أن المدرس سيعينه بقليل من المال ليبحث له عن زوجة، وإذا به يفاجأ حين يقول له سعيد بن المسيب: هل أحدثت في هذا الأمر شيئاً -يعني: هل خطبت أو هل تريد أن تخطب-؟ قال: لا.\rومن يزوجني وليس عندي شيء؟ فقال له سعيد بن المسيب: أنا أزوجك ابنتي.\rفصعق الرجل، يرفض زواجها من الوليد بن عبد الملك ويزوجني إياها أنا الفقير! وما أكمل دهشته وإذا بـ سعيد في الحال يحضر من طلابه الشهود ويزوجها إياه، ورجع الرجل لا يكاد يصدق إلى بيته، وصرخ في أعلى داره على جيرانه قائلاً: زوجني سعيد بن المسيب، يقول هذا الرجل: لقد زوجني ووالله ما في بيتي شيء.\rفجاءت أمه فأخبرها الخبر، فلما أرخى الليل سدوله إذا بقارع يقرع عليه بابه بعد العشاء، فلما قرع عليه بابه قال: من الطارق؟ فقال له: سعيد، فكل إنسان اسمه سعيد خطر بباله إلا سعيد بن المسيب؛ فإنه منذ أربعين سنة لا يخرج من بيته إلا إلى المسجد، وما دخل دار أحد، وإذا به يفاجأ عندما فتح الباب بـ سعيد بن المسيب واقفاً، فصعق الرجل مرة أخرى، وظن أن الحال كما هي حالنا أحياناً نوافق على الرجل ذي الخلق والدين ونذهب إلى البيت فترفض الأم والأخوات وتنسف القضية، فالرجل قد يكون شجاعاً مع الناس وإذا رجع إلى البيت يتغير الموضوع، ويصير ليس له كلمة ولا أي شيء، فظن الرجل أن سعيداً لما ذهب إلى بيته قالوا له: كيف تصنع هذا! ترفضها من ابن أمير المؤمنين وتزوجها هذا الفقير؟! أي: على الأقل ابحث عن شاب غني ثري طيب طالب علم، فصعق الرجل مرة أخرى وظن أن سعيداً قد تغير له رأي، ويريد قبل أن تكتمل الفرحة أن يلغي الموضوع، فقال له وهو يتلعثم: يا شيخ! لو أرسلت إلي لأتيتك.\rفقال له سعيد: أنت أحق أن يؤتى إليك، وأنت شاب ليس عندك أهل، وقلت: لا يصلح أن تبيت هذه الليلة بدون أهلك، وهذه هي زوجتك.\rوإذا بها بجانبه، فدفعها إلى داخل الدار وأغلق الباب ورجع.\rقال: فدخلت بها فرأيت امرأة عاقلة صالحة عالمة، ومكثت أياماً ما أتيت سعيد بن المسيب.\rأي أنه شغل بنفسه؛ لأنه يقول: والله ما كان في داري شيء.\rأي: لا أملك شيئاً.\rيقول: وأتيته بعد أيام وحضرت الدرس، فانتظر حتى خرج جميع الطلاب وبقيت أنا وإياه، فقال لي: كيف حال ذلك الإنسان -يعني: بنته-؟ فقلت له: إنه بخير.\rيقول: فقال لي سعيد بن المسيب العالم الفاضل: إن كان ذاك وإلا فعليك بالعصا! وهل تستحق هذه الفتاة العاقلة العصا؟! لكنها تربية الآباء، إنها تربية الأسرة.\rفـ سعيد بن المسيب لا تظنوا أنه فعل شيئاً خطأً، لا والله، إنها معرفة حقيقية بقيمة الدنيا والآخرة، ولو رحلت بنته إلى دار الخلافة وخدمتها في تلك القصور الخادمات من جميع النواحي فلربما فتنت عن دينها، وكيف تكون حالتها إذا فتنت عن دينها، أما مع صاحبها هذا فلعلها تعيش بقية عمرها في ديانة وعبادة إلى أن تلقى الله، وما عند الله ﵎ خير وأبقى.\rأيتها الأخت! هذا هو ميزان الدنيا والآخرة، لهذا فأنا أعجب أحياناً من أن بعض النساء هداهن الله تنافس وتشاقق على الدنيا، وأحياناً تثير مشكلة في البيت، وأحياناً تحسد بعض أخواتها، وأحياناً تغتابهن، والدنيا كلها لا تساوي شيئاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534679,"book_id":2827,"shamela_page_id":468,"part":"22","page_num":8,"sequence_num":468,"body":"وصايا نافعة\rأيتها الأخت إن الدنيا راحلة، ونحن عنها راحلون بغير شك، فاعملي للآخرة، ولهذا فإنني في كلمتي هذه أوصيك بعدد من الوصايا:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534680,"book_id":2827,"shamela_page_id":469,"part":"22","page_num":9,"sequence_num":469,"body":"أهمية التقوى\rالوصية الأولى: تقوى الله ﵎ في السر والعلانية، وفي الغيب والشهادة؛ فإن تقوى الله هي أعظم زاد تأخذينه معك -أيتها الأخت- في هذه الحياة، في كل تصرف وفي كل كلمة تقولينها وفي كل عمل تفعلينه.\rوتذكري -أيتها الأخت- أن الله ﷾ فوقك يراك ويطلع عليك، فاتقي الله ﵎ في نفسك، واتقي الله ﷾ فيمن وليت رعايته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534681,"book_id":2827,"shamela_page_id":470,"part":"22","page_num":10,"sequence_num":470,"body":"المرأة الصالحة سراج البيت\rالوصية الثانية: احرصي -أيتها الأخت- على أن تكوني نبتة خير في البيت، سواءٌ أكنت أماً أم زوجة أم أختاً أم بنتاً.\rأيتها الأخت المؤمنة! احرصي كل الحرص على أن تكوني نبتة نور في هذا البيت، ليس نور المساحيق والألبسة الجميلة، وإن كانت مما تتزين به المرأة بحدود الشرع، لكن هناك نورٌ هو أعلى وأغلى من ذلك بكثير، وهو نور الإيمان، ونور المحبة في الله، نور الخوف من الله، نور يضيء الطريق لأقرب الناس إليك.\rأيتها الأخت! أنت في بيتك تتحملين مسئولية، فاحرصي كل الحرص على أن تكوني أداة خير لأهل البيت، فإن رأيت خيراً فزيديه، وإن رأيت شراً فعالجيه بحكمة، وكوني داعية إلى الله داخل البيت؛ فإن الأقربين أولى بالمعروف، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].\rوأنت -أيتها الأخت- في هذا البيت بيت الألفة والمحبة من أقرب الناس إلى معرفة مشاكله، فحاولي أن تعالجيها بنور الإيمان ونور القرآن.\rأيتها الأخت! احرصي كل الحرص على أن يكون القرآن وسماع الشريط الإسلامي وقراءة الكتيب الإسلامي هو عنوان هذه الأسرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534682,"book_id":2827,"shamela_page_id":471,"part":"22","page_num":11,"sequence_num":471,"body":"أهمية قيام المرأة بالدعوة إلى الله\rالوصية الثالثة: أيتها الأخت في الله! احرصي على أن تكوني داعية خير لكل من تتصلين به من الأقارب أو الزميلات أو غيرهن بحدود الشرع، فكوني داعية خير -أيتها الأخت- تأمرين بالمعروف وتنهين عن المنكر.\rواعلمي -أيتها الأخت- أن تأثيرك أحياناً يكون أقوى من تأثير الرجال، فكم من أسرة حاول الداعون إلى الله مع الرجال فما استطاعوا أن يصنعوا شيئاً في هذه الأسرة المنحرفة، فهيأ الله لها بنتاً صغيرة هداها الله ﷾، فتحولت إلى نور في هذا البيت بسبب صديقتها أو زميلتها أو مدرستها، فهدى الله بها هذه الأسرة، والنبي ﵌ يقول: (من دعا إلى هدىً كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534683,"book_id":2827,"shamela_page_id":472,"part":"22","page_num":12,"sequence_num":472,"body":"وجوب طاعة المرأة زوجها\rالوصية الرابعة: احرصي -أيتها الأخت- على طاعة زوجك، إنها وصية الرسول ﵌ أن تطيع المرأة زوجها عبادة لله ﵎ ترجو بها ثواب الله، حتى ولو كانت قوية الشخصية فعليها أن تستذل لزوجها حتى تطيع؛ لأن الله تعالى أوجب طاعتها للزوج، وإذا أطاعت زوجها تحول البيت إلى بيت محبة وألفة، والمرأة التي تعاند زوجها وتعصيه وهي تظن أنها تفرض نفسها فهي في الحقيقة إنما تظلم نفسها، وتسبب الشرور في النهاية لنفسها.\rأما إذا أطاعت زوجها واحترمته وقدرته وحفظت حقوقه فإنه -والحالة هذه- يتحول البيت إلى بيت إيمان وإلى بيت راحة وطمأنينة نفسية.\rفالله ﷾ حين يسخر لك زوجك ويسخر لك ولدك ترجع الأمور إليك وإلى طمأنينة لك أنت وإلى حالة صحية طيبة.\rثم احرصي على أن تكوني عوناً له على الطاعة، فإنه قد يكسل أحياناً أو تكسلين، فليعن أحدكما الآخر، كما أخبر النبي ﵌ عن المرأة التي توقظ زوجها أو الزوج الذي يوقظ زوجته لصلاة الوتر.\rووالله -أيتها الأخت- إنك في نعمة بهذا الدين وبهذا الإيمان، وليس فيها إلا من كان مثلك، وتأملي هذا الحديث الذي هو بشرى ويتمناه الرجال، يقول النبي ﵌ عن المرأة المسلمة: (إذا صلت المرأة فرضها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، وحفظت فرجها، قيل لها يوم القيامة ادخلي من أي أبواب الجنة شئت).\rأرأيت سهولة الأمر، فالرجال عليهم مسئوليات، ويتحملون ويكدون، وأما أنت -أيتها الأخت المسلمة- فتعملين هذه الأمور التي هي هينة والحمد لله، ثم تكونين من أهل الجنة، فإذا حافظت على الصلاة والصيام وطاعة الزوج وحفظ النفس فإنك تدخلين الجنة بسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534684,"book_id":2827,"shamela_page_id":473,"part":"22","page_num":13,"sequence_num":473,"body":"ضرورة إصلاح المرأة علاقتها مع أهل زوجها\rالوصية الخامسة -وأفردها وإن كانت متعلقة بالزوج لأهميتها-: أن تحرصي على أن تكون علاقتك بأهل زوجك طيبة، وعلى أن تكوني ممن يأمر زوجها بأن يبر بأهله وبوالديه بصفة خاصة، وأم زوجك -أيتها الأخت- احرصي على أن تكوني لها بنتاً مطيعة، ولا تنظري إلى كلام الأخريات ولا إلى كلام البنات ولا إلى أي شيء، فإن كنت تبحثين عن السعادة في الآخرة فالسعادة في الآخرة هي بأن تطيعي زوجك، وأن تجعليه عوناً لك، وأن تعينيه على طاعة الله ﷾، ومن طاعته لله ﷾ أن يكون براً بوالديه، وإني لأتعجب من المرأة التي تحرص على أن الزوج ينقطع عن والدته وعن أهله، وأنا أقول: لا تفعل هذا إلا امرأة مجنونة غير عاقلة فعلاً، وإلا فهل هناك خير في زوج يعق والديه؟! والأمر قد انعكس عليها فعلاً، فهي تظن أنها كسبت القضية وكسبت الجولة وقطعت زوجها عن أهله وعن والدته وتفرغ لها، لكن الذي يحدث أحياناً هو أن الله يسلط زوجها عليها في النهاية، أو أن الله يسلط عليها أولادها فيما بعد ذلك، فزوج لا يبر بأمه وأبيه وأهله هو زوج لا ينفع؛ لأنه بالنسبة له لا تزال المسئولية في بر الوالدين باقية عليه، فأنت صرت مع زوجك فخفت عنك المسئوليات الأخرى، وصارت طاعة زوجك مقدمة، لكن زوجك ليس كذلك، بل عليه مسئوليات متعددة، وبره بوالديه باقٍ، فإن عقهما فهو عاق، وأنت -والحالة هذه- تكونين متزوجة تعيشين مع زوج عاصٍ يعق والديه، فهو شبيه -مع بعض الاختلاف- بامرأة تتزوج بزوج يشرب الخمر أو يرتكب نحو ذلك من الكبائر، بل قد يكون هذا أشد.\rفيا أيتها الأخت العاقلة! إن الدنيا فانية، فكوني عوناً لزوجك حتى ولو كانت أم زوجك أو أهله أو غيرهم يتصرفون أحياناً تصرفات غير طيبة، فكوني أنت طيبة معهم، وراقبي ربك، ولا تراقبي الخلق، وناقشي هذا الأمر مع زوجك بصراحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534685,"book_id":2827,"shamela_page_id":474,"part":"22","page_num":14,"sequence_num":474,"body":"أهمية تعلم العلم الشرعي\rالوصية السادسة: تعلمي العلم الشرعي المبني على العقيدة الصحيحة البعيدة عن البدع؛ فإن البدع كثرت في هذه الأيام، ووالله إن قليلاً على سنة -والسنة موجودة في الكتاب والسنة- خير لك ألف مرة من بدعة حتى ولو زينها المزينون.\rفيا أيتها الأخت! كوني على منهاج السلف الصالح، فإن رسول الله ﵌ لما أخبر عمن ينجو من العذاب من النار قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).\rإذاً من ابتدع بدعاً فليعلم أنه على غير منهاج النبي ﵌ وأصحابه، فاحرصي -أيتها الأخت- على أن تتعلمي العقيدة، وعلى أن تعلميها، لأن العقيدة هي الأساس في التربية وفي الفهم وفي الخلق وفي السلوك وفي كل شأن من شئون الحياة، فاحرصي على تعلمها وتعليمها لكل من حولك، وأخص بذلك أم الأسرة، فربي أولادك على العقيدة، وإذا جئت لتعلمي ولدك فعلميه الأمور التي تنفع من أمور الدين وأمور الخلق، ولا تكوني كما كان يفعل بعض النساء أو بعض الآباء حين يقول لولده: أنت ممتاز، وغداً تنجح وتصبح لك سيارة وفلة.\rوهذا عجيب وهذه هي أطماح الحياة، ولكن هل تأمنون أن تعيشوا إلى ذلك؟ وهل هذه الدنيا بلغت هذا القدر؟\r\rالجواب\r لا.\rفعلقي ولدك بالله، وعلقي ولدك برسول الله ﵌ ليتعلم سنته ويتأدب بآدابها، وذكريه بالإيمان بالله وباليوم الآخر وبالجنة وبالنار، وعلميه بتبسيط من خلال القصة، ومن خلال الكلمة، ومن خلال الموعظة.\rوخير ما يتفتق به ذهن الصبي وفمه هو أن يتلو كتاب الله ﵎، وأن يتحفظه، فاحرصي على أن تجعلي ابنك يذهب إلى مدارس تحفيظ القرآن في المساجد.\rوكوني -أيتها الأخت- نوراً للأسرة ولغيرها، وكوني ربة بيت عاقلة تضفي على البيت عمل العقلاء من النساء ديناً وأدباً وخلقاً وعقلاً وكرماً، بحيث تصبح هذه المرأة مضرب المثل لغيرها من النساء الأخريات، ووالله ليس بينك وبين هذا إلا أن تعزمي عزيمة صادقة على أن تتعاوني مع زوجك على أن تبني هذه الأسرة.\rوإياك والمشكلات! فلا تثيري المشكلات لأتفه الأسباب، ولاتعيشي ليلك في حمق وغضب لأن فلانة قالت أو قال فلان أو نحو ذلك، فهذه أمور تافهة، فاغفري لأصحابها، وقولي: غفر الله لهم.\rوأريحي قلبك ونفسك.\rإن النبي ﵌ أخبر عن رجل ثلاثة أيام وهو يقول فيه: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة) فالصحابة تعجبوا من هذا الرجل، فذهب واحد منهم إليه، وبات عنده ليعلم ما في عبادته، فلم يجد عنده كثير عبادة ولا قيام ليل، فقال له: ما الذي بلغ بك أن يقول فيك النبي ﵌: إنك من أهل الجنة وأنا ما رأيت عليك مزيداً؟ قال له: ما هو إلا ما رأيت، غير أني أبيت وليس في قلبي حسد ولا غل لأحد.\rفالذي ينام مستريح القلب مطمئن النفس ينال هذه المنزلة، ويعينه هذا على صحته، ويعينه على معالجة مشكلاته.\rأما هذا الذي يأكل نفسه حسداً وغيظاً ونظراً إلى الآخرين فهذا يحرق نفسه، ولن يجد إلا ما كتب الله له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534686,"book_id":2827,"shamela_page_id":475,"part":"22","page_num":15,"sequence_num":475,"body":"خطر جهاز الدش\rثم أختم هذه الوصايا -أيتها الأخت- بوصية تتعلق بداء عضال بلينا به في هذه الأيام، ألا وهو داء أجهزة الدش التي تنقل من المحطات العالمية من بلاد الكفر أقبح ما عند الكفار ليلقوه علينا.\rأيتها الأخت! بالله عليك لو وجدت فتاة طيبة مصلية جالسة في خدر بيتها حصاناً رزاناً متحجبة فأنى يأتيها الفساد؟! إن هذا البلاء أتاها من فوق، ودخل عليها من وراء الجدران، لتشاهد أقبح مما تشاهده المرأة الغربية في بلادها، فكيف يؤثر هذا على خلقها وسلوكها؟! وكيف يؤثر على خلق وسلوك الأولاد؟! بل كيف يؤثر على خلق وسلوك النساء والرجال، والمتزوجين والمتزوجات؟! إنه والله -أيتها الأخت- داء عضال ومرض فتاك، وقد نكون الآن نضحك ونتكلم ولا ندري، لكن والله إنه مرض يسري، وقد لا ندري بالمشكلة حتى تقع، فاتقي الله أيتها الأخت، واحذري من هذه الأجهزة، واعزمي عزماً على زوجك أن ينزع هذا الدش، واعزمي عزيمة أكيدة وقوية على أن تزيلي من بيتك هذا البلاء وهذا الداء العضال، فوالله إنه لمرض عضال، وإنه سم يفتك ولكن لا نشعر به؛ لأنه يعطى لنا بشكل أبيض ومعه قليل من الحلاوة والمتعة الدنيوية.\rأيتها الأخت هذه وصايا أوصيك بهن، وأوصي بها نفسي وكل مسلم ومسلمة.\rوأسأل الله ﵎ أن يجعلنا جميعاً من عباده الصالحين الأبرار، وأن يحيينا حياة طيبة، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقنا علماً نافعا وإيماناً خالصاً وعملاً صالحاً وتوبة نصوحا، وأن يجعلنا ممن يموت وينتقل من هذه الدنيا على كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وأن يحشرنا في زمرة نبينا محمد ﵌ لنشرب من يده ومن حوضه شربة في العرصات لا نظمأ بعدها أبداً، وأن يجعلنا جميعاً من أهل جنته، وأن يعيذنا من نيرانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534687,"book_id":2827,"shamela_page_id":476,"part":"22","page_num":16,"sequence_num":476,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534688,"book_id":2827,"shamela_page_id":477,"part":"22","page_num":17,"sequence_num":477,"body":"حكم صبغة الشعر ولبس البنطال الواسع والتصوير للمرأة\r\rالسؤال\r ما حكم الصبغة غير السوداء؟ وما حكم لبس البنطلونات الواسعة للنساء؟ وما حكم التصوير؟\r\rالجواب\r أما الصبغة لشعر الرأس إذا لم يكن فيها تشبه بكافرة معينة فالذي يظهر أنه ليس هناك دليل يمنع من ذلك.\rوأما البنطلونات الواسعة فالظاهر أن شرطها هو شرط اللباس، فاللباس إذا كان ساتراً ولا يبين حجم أعضاء المرأة فلا بأس به، لكن الذي يظهر لي أن غالبية البنطلونات حتى ولو وسعت ففيها نوع تشبه أولاً، وثانياً فيها إظهار لحجم جسد المرأة، فهي -بحسب ما أعرف- لا تجوز بالنسبة للمرأة في خارج بيت زوجها.\rوأما التصوير فالكلام حوله كثير ومعروف، والذي أرى أن التصوير حرام بكل صوره، إلا ما دعت إليه الضرورة والحاجة الماسة؛ لأن بعض الناس ظن أنه إذا أفتي بجواز صورة التابعية يتحول التصوير كله إلى حلال، ونحن نقول: لا؛ فإن النصوص دلت على أن التصوير حرام، وسبب التصوير -كما ورد في الأحاديث- إما الخوف من الشرك؛ لأنها قد تعظم، أو أن فيها مضاهاة خلق الله، ولهذا فالذي نوصي به إخواننا وأخواتنا جميعاً أن يبتعدوا عن هذا إلا ما كان منه ضرورة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534689,"book_id":2827,"shamela_page_id":478,"part":"22","page_num":18,"sequence_num":478,"body":"حكم تكشف المرأة عند أخي زوجها\r\rالسؤال\r أعيش أنا وزوجي، ويعيش معنا أخو زوجي منذ عشر سنوات، وليس له مكان آخر عند غير أخيه، فما حكم الكشف عند أخي الزوج في هذه الحالة؟\r\rالجواب\r لا يجوز الكشف عند أخي الزوج مطلقاً، سواء عاش معكما أم لم يعش، واتقي الله ﷾ في نفسك، ولا يقل لك الشيطان: قد رآك وانتهى الأمر.\rفإن الشرع حينما يأمر بأمر فهو يأمر به لحكمة، وهذه الحكمة باقية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534690,"book_id":2827,"shamela_page_id":479,"part":"22","page_num":19,"sequence_num":479,"body":"المصحف الذي على جانبيه تفسير يسير لا يخرج عن كونه مصحفاً\r\rالسؤال\r هل يعتبر المصحف الموجود في السوق الذي على جانبيه تفسير قليل من الآيات مصحفاً أو يعتبر تفسيراً؟ وإن كان تفسيراً فهل يجوز للحائض أن تمسه أو تمسك به؟\r\rالجواب\r الذي يظهر لي أنه مصحف علق عليه تفسير بعض الآيات، فالأصل هو المصحف، وإنما يسمى تفسيراً إذا كان الأصل هو التفسير، لذا فهذا المصحف نرى أنه لا يجوز للمرأة الحائض أن تمسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534691,"book_id":2827,"shamela_page_id":480,"part":"22","page_num":20,"sequence_num":480,"body":"حكم الإحرام من جدة\r\rالسؤال\r امرأة أتت هي وزوجها من الرياض لزيارة الأهل في جدة، وتقول: كنت أتمنى أن أؤدي العمرة قبل الوصول إلى جدة، ولكن لم يرد زوجها أن يؤديها، تقول: وبعد أن أتينا إلى جدة أراد زوجي أداء العمرة، فهل يجوز أن أحرم من جدة أم من الميقات؟\r\rالجواب\r تحرمين من جدة من نفس البقعة التي أنتم فيها، فتغتسلون وتلبسون ثياب الإحرام وتلبون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534692,"book_id":2827,"shamela_page_id":481,"part":"22","page_num":21,"sequence_num":481,"body":"خطر تعليق الصور والصليب على الملابس\r\rالسؤال\r أيهما أشد خطورة الصليب أم الصور التي على الملابس أو الأدوات المنزلية؟\r\rالجواب\r كل له خطورته، فهذا خطر وهذا خطر، ونشر الصلبان وغيرها فيه دعاية لدين النصارى الكفار الذين يزعمون أن عيسى رسول الله صلب، والله يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، والصواب فيه أنه ما صلب، ولكن رفعه الله إليه، والقصد أن الكل خطر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534693,"book_id":2827,"shamela_page_id":482,"part":"22","page_num":22,"sequence_num":482,"body":"حكم إظهار الوجه والكفين\r\rالسؤال\r نرى من النساء من تكون متسترة إلا أنها تبدي يديها في الأسواق وأمام غير المحارم بحجة أنها ليست عورة، فما الحكم؟\r\rالجواب\r الذي يظهر لي -والله أعلم- أن الوجه واليدين عورة، لذا فننصح الأخت أن تستر يديها، وإذا ما ظهرت دون قصد بأن لفها هواء أو غير ذلك فهذا -إن شاء الله- معفو عنه، لكن الأصل فيها أن تستر يديها، هذا الذي ننصح به أخواتنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534694,"book_id":2827,"shamela_page_id":483,"part":"22","page_num":23,"sequence_num":483,"body":"حكم العمرة عن الغير\r\rالسؤال\r ابن خالي توفي، فهل يجوز أن أقوم له بعمرة أم يفعلها زوجي؟\r\rالجواب\r إذا كان هذا القريب غالياً عليكم فيجوز أن تفعليها أنت أو يفعلها زوجك، وتهدونها إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534695,"book_id":2827,"shamela_page_id":484,"part":"22","page_num":24,"sequence_num":484,"body":"حكم صلاة النساء في مصلىً منفصل عن مصلى الرجال\r\rالسؤال\r إذا كان مصلى النساء ينفصل تماماً عن الرجال ولا يرونهم فهل تجوز صلاتهن؟\r\rالجواب\r إذا كان داخل المسجد وبينهما جدار فقط فتجوز.\rأما إذا كان بينهما طريق أو شارع تمر منه السيارات أو يعبر منه الناس فلا، والذي أعرفه من المساجد أنها منفصلة، لكن ليست منفصلة بأن يكون بينهما طريق ونحوه، وإنما بينهما جدار، فلا يرى أحد أحداً ولا يسمع أحد أحداً، وهذا كله من المسجد فصلاتها صلاة في المسجد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534696,"book_id":2827,"shamela_page_id":485,"part":"22","page_num":25,"sequence_num":485,"body":"كيفية التخلص من الشيطان ووسوسته\r\rالسؤال\r كيف يمكن التخلص من الشيطان ووسوسته غير قراءة سورة الفلق والناس؟ وهل يمكن أن يتأثر الإنسان بشيء من السحر من شخص آخر؟\r\rالجواب\r أما كيف يتخلص الإنسان من الشيطان ووسوسته فقد ذكر في السؤال شيء من ذلك، وهو قراءة المعوذات، وكذلك أيضاً قراءة القرآن؛ فإن الرسول ﵌ يقول -كما في الحديث الصحيح-: (البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان)، ويقول النبي ﵊: (من قرأ في ليلة آخر آيتين من سورة البقرة -وهي قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]، إلى آخر السورة- كفتاه)، واختلف العلماء في عن أي شيء كفتاه؟ فقيل: كفتاه عن قيام الليل.\rوقيل: كفتاه من الشيطان.\rوكذلك أيضاً احرصي كل الحرص على أن لا تدخلي على نفسك وسائل الشيطان، فإن الشيطان سيبتعد عنك، وعملك في الطاعة يطرد الشيطان؛ لأن الشيطان مخلوق مثل غيره، فإذا وجد صاحب الطاعات ابتعد عنه، لكن إذا وجد الفارغ اللاهي تسلط عليه، وتعوذي بالله دائماً من الشيطان الرجيم، خاصة إحضار قلبك وقت الصلوات.\rوأما ما يحدث من وسواس في الصلاة فهذا أمر يشترك فيه الجميع، ولا يكاد يخلو منه أحد.\rأما بالنسبة للسحر فالسحر هو حقيقة، وقد يضر الإنسان، لكن الشيء الذي يجب أن يقطع به المؤمن والمؤمنة هو أن هذا الساحر أو غيره لا يستطيع أن يضر أحداً بأي شيء إلا بإذن الله، وقد ينشأ عند بعض الناس الخوف من غير الله، فتجد المرأة تخاف من الرجل، وهو يخاف من المرأة، يخاف أحدهما من الآخرة أن يصيبه بالسحر، والله تعالى لما تحدث عن السحرة قال: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فلا يجوز أن يخاف الإنسان إلا من الله، وعليه أن يفعل الأسباب، ولهذا فالمرأة إذا كانت مؤمنة صالحة فعليها أن تطمئن، وأن تعتمد على الله، وأن تتوكل على الله، وأن تستعين بالله من كل عين لامة ومن كل سحر ومن كل شيطان، والله ﷾ يحمي عباده المؤمنين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534697,"book_id":2827,"shamela_page_id":486,"part":"22","page_num":26,"sequence_num":486,"body":"حكم نتف المرأة شعر حاجبيها ووجهها للزينة\r\rالسؤال\r ما حكم نتف بعض شعر الحاجب للزينة كطرف الحاجب؟ وما هو النمص؟ وما حكم نتف الشعر من وجه المرأة للزينة؟ وهل تدخل فاعلته في حكم النامصة؟\r\rالجواب\r لا يجوز نتف طرف شعر الحاجب؛ لأنه من النمص، وقد لعن رسول الله ﷺ اللاتي يفعلنه، ولذا فنتف شعر العين أو شعر الحاجب لا يجوز، وكذلك أيضاً بقية شعر الوجه إلا ما كان فيه شبهاً بالرجال، مثل أن يكون في المرأة شعرات في الشارب أو في اللحية، فلا بأس بنتف ذلك، أما ما يتعلق بالحاجبين وغيرهما فلا يجوز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534698,"book_id":2827,"shamela_page_id":487,"part":"22","page_num":27,"sequence_num":487,"body":"كيفية نصيحة المرأة لزوجها\r\rالسؤال\r مشكلتي تحيرني ليلاً ونهاراً، وتشل تفكيري، وأنا -والحمد لله- على خير بفضل الله ونعمته، ومشكلتي هي أن زوجي على خير -والحمد لله-، ولكنه ينشغل كثيراً جداً عن مجالس الخير والصالحين، ينشغل عنهم بالدنيا وما فيها، وهو أيضاً يظن في نفسه خيراً، ويزكي نفسه دائماً، ويظن أنه خير الناس، ولقد حاولت معه بشتى الطرق ولكن لا فائدة، فما علاج هذه المشكلة؟\r\rالجواب\r هذه ليست -إن شاء الله- مشكلة، فما دام أنك وإياه على خير وهو مشغول بالدنيا فهذا -والحمد لله- أمر أهون، ولهذا لا تضخمي المسألة في نفسك، ولا تحولي هذه المسألة إلى مشكلة، بل عليك أن تكوني مع زوجك حتى ولو كان عنده مثل هذه العيوب؛ وقلّ رجل أو امرأة يخلو من عيوب، فعليك أن تنظري إلى المسألة نظرة هادئة طبيعية، ثم عالجيها من بعيد، فمثلاً: يمكن بدون أن ينتبه زوجك أن يأتيه شريط من بعيد بدون أن يكون منك، ويسمع -مثلاً- شريطاً فيه بيان وتقوى، ويسمع أو يقرأ كتيباً أو غير ذلك من الوسائل، فلا تحاولي أن تجعليها مشكلة حادة تذكرين وتتكلمين بها في كل وقت أو في كل يوم، ثم عليك مع ذلك -أيتها الأخت- بالدعاء له بظهر الغيب أن الله يهديه وأن الله يبصره وأن الله يزيل عنه عجب نفسه، ونسأل الله لك وله التوفيق والهداية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534699,"book_id":2827,"shamela_page_id":488,"part":"22","page_num":28,"sequence_num":488,"body":"أهمية تكرار النصيحة\r\rالسؤال\r لدي زوجة أخي أنصحها بعدم مشاهدة التلفزيون وسماع الأغاني وتبدي لي اقتناعها بالشيء، وبعد ذلك علمت بمشاهدتها للتمثيليات، فكيف يمكن أن أنصحها؟\r\rالجواب\r لا تيأسي، وكرري بأسلوب طيب معها، فهذه المرأة التي توافقك فيها خير، لأن بعض النساء عنيدات، لكن هذه فيها خير إن شاء الله تعالى، فلا تظني أنك إذا نصحتي انتهى الأمر، أو أنها استجابت وانتهى الأمر، ليس كذلك، فإن الشيطان حريص على كل الناس، وهي بغير شك متأثرة بك، لكن ضعفت أمام مغريات الشيطان، لهذا فالذي ننصحك به أن تكرري وتعددي الأساليب، وأن تكثري من زيارتها وتدعي لها بظهر الغيب.\rالمهم أن الإنسان لا ييأس من الدعوة إلى الله ﷾، فكم من إنسان دعي فلم يستجب، ثم دعي فلم يستجب، ثم دعي فلم يستجب، ثم إن الله ﷾ هداه، والصحابة ﵃ وأرضاهم منهم من دعا أمه إلى الهدى فما استطاع.\rفهذا أبو هريرة ﵁ وأرضاه الصحابي الجليل الذي هو أكثر الصحابة رضوان الله عليهم رواية لحديث النبي ﵌ أسلم ﵁ وأرضاه أبت أمه أن تدخل في الإسلام، وعاش هو وإياها، وبقي مع الرسول يسمع الأحاديث ويحفظها، وكان إذا جاء إليها يقول لها: أسلمي، ادخلي في الإسلام.\rفتأبى، وتصوروا حال أبي هريرة الصحابي الجليل الذي عرف الله وعرف الإيمان والتقى برسول الله يدخل فيرى أمه على غير الإسلام، لا شك أنه يخاف عليها من عذاب الله إن ماتت على ذلك؛ لأن الذي يموت على الشرك خالد مخلد في النار، ومع هذا كان يحاول ويحاول ويحاول فما استطاع.\rفأتى إلى النبي ﵌ في يوم من الأيام وهو حزين، وقال: يا رسول الله! ادع لأم أبي هريرة بأن الله يهديها.\rوهو يعلم أن الرسول لا يملك من الأمر شيئاً؛ إذ لو كان الرسول يملك الهداية لأعطاها عمه أبا طالب الذي مات على الكفر، فـ أبو هريرة يعلم أن الرسول لا يملك، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، لكن أبا هريرة أراد أن يتوسل بدعاء رسول الله ﵌، وهذا من أنواع الدعاء المشروعة، يتوسل الإنسان بأسماء الله وصفاته، أو يتوسل إلى الله بإيمانه بالله وبعمله الصالح كما فعل أصحاب الثلاثة الذي انطبق عليهم الغار، أو يتوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الحاضر الحي، فيقول له: ادع الله لي.\rأو: ادع الله لأخي.\rفـ أبو هريرة ﵁ وأرضاه قال: يا رسول الله! ادع الله أن يهدي أمي.\rفقال الرسول ﵌: (اللهم! اهد أم أبي هريرة)، فـ أبو هريرة رجع إلى بيته يريد أن يحاول مع أمه لعل الله ﷾ أن يهديها ببركة دعاء النبي ﵌، فقرع عليها الباب فوجدها مغلقة الباب، وسمع خضخضة ماء داخل البيت، فلما أراد أن يطرق قالت: قف يا أبا هريرة.\rفانتظر حتى انتهت من غسلها ولبست ثيابها، فقابلت ابنها وهي تقول له: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.\rفيا أيتها الأخت! احرصي على الدعوة إلى الله، وعلى الدعاء، فإن الدعاء سلاح المؤمنين في كل وقت، فاحرصي عليه، وأنت إن لم يستجب لك الدعاء فإنك تلقين بذلك أجراً عند الله تعالى، يقول النبي ﵌ في الحديث الصحيح: (ما من عبد يدعو بغير إثم ولا قطيعة رحم إلا كان على الله أن يعطيه إحدى ثلاث خصال: إما أن يستجيب دعاءه، أو أن يدفع عنه من الشر مثله، أو أن يدخر له ذلك أجراً عند الله يوم القيامة، فقال الصحابة: إذاً نكثر من الدعاء، -أي: ما دام أن الأمر فيه نتيجة وفائدة إما في الدنيا أو في الآخرة فلنكثر من الدعاء- فقال ﵊: الله أكثر).\rفلا ينبغي لمؤمن أن يقول: دعوت فلم يستجب لي.\rثم ييأس فلا يدعو ليلاً ولا نهاراً؛ لأن الدعاء عبادة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534700,"book_id":2827,"shamela_page_id":489,"part":"22","page_num":29,"sequence_num":489,"body":"موقف المرأة من وجود الدش في منزلها\r\rالسؤال\r يوجد لدينا دش في منزلنا، وأنا لا أريده، ولكن زوجي أحضره ونصحته فلم يستجب لي، فماذا ترون لي أن أفعل؟\r\rالجواب\r احرصي على أن تدعي زوجك، وإذا أمكن أن تعزمي عزماً أكيداً على أن هذا منكر لا يجوز فافعلي ذلك، وهناك زوجة كان زوجها لا يصلي، فنصحته ثم نصحته ثم نصحته فأبى، فذهبت إلى بيت أهلها وقالت: أنا لا أجلس مع رجل لا يصلي، وبقي الرجل قراب سنة يأبى أن يتزوج ويأبى أن يصلي، وطلب منه أهله أن يتزوج امرأة أخرى فأبى، فلما مضى عليه زمن استسلم لهذا الشرط الشرعي وقال: أعود وأصلي.\rوفعلاً عاد يصلي، وعادت إليه زوجته، وما مضى عليه شهران إلا وهو يدعو لها ويقول: جزاك الله خيراً، يا ليتني أطعتك منذ زمن طويل حتى أكون من أهل الصلاة.\rلذا فالذي أدعوك إليه هو أن تدعيه، وأن تحاولي معه بشتى الوسائل، وتبيني له الأضرار، وتخوفيه من عذاب الله، وإن عزمت عزيمة قوية عليه فلعله يتعظ، لا أقول بفراق أو بنحوه، ولكن بعزلة قوية تدل على أنك غضبت غضباً شديداً لله ﵎، فنسأل الله ﷾ أن يعافيكم من هذا الداء، وأن يعافي المسلمين جميعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534701,"book_id":2827,"shamela_page_id":490,"part":"22","page_num":30,"sequence_num":490,"body":"الميزان الذي ينظم حياة المرأة\r\rالسؤال\r ما هو الميزان الذي ينظم للمرأة المسلمة حياتها بحيث لا تنسى نصيبها من التمتع بالدنيا ولا تسوف في أمر آخرتها؟\r\rالجواب\r هذا الميزان -والحمد لله- ميزان واضح، فالله ﷾ لم يحرم الزينة، قال ﷿: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]، ولذا فالمرأة التي رزقها الله مالاً لها أن تتمتع بما أعطاها الله من فلة كبيرة جميلة ومن سيارة طيبة ومن ألبسة طيبة في حدود وضوابط الشرع، ثم إنها لا تنسى ربها ودينها، فهي تأخذ من الدنيا ما يعينها على طاعة الله ﵎، فلا تترك الدنيا من أولها إلى آخرها، بل تأخذ منها بما أعطاها الله ﷾، لكن لا ينسيها ذلك الآخرة.\rولتعلم الأخت أنه كلما تعلق قلبها بالآخرة كلما نظرت إلى الدنيا نظرة تليق بها، حتى ولو كانت ثرية أو غير ذلك ما تجد ثراءها يولد عندها غروراً وتكبراً على الناس أو تعلقاً بالمادة أو حزناً عليها أو خوفاً على فواتها، وإنما إذا حصلت تستخدمها، وهؤلاء النساء موجودات، تقابل واحدة منهن فتجد عندها عقلاً وحكمة وثياباً ساترة، ومع ذلك تنظر إلى بيتها وأناقته وأثاثه فتجد خيراً كثيراً، لكن هذه المرأة العاقلة تضفي عليه بدينها وخلقها وحرصها، وتعلم أن هذه الدنيا ما هي إلا متاع لا تفاخر بها، ولا تجعل من هذه الأشياء مقياس المرأة، فلا تستقبل المرأة الثرية لتفاخرها وإذا جاءتها امرأة فقيرة ولو كانت صالحة لا تنظر إليها، وإنما تعامل الناس بخلق وأدب؛ إذ ليس مقياسها هو الدنيا، ولذا فهي تأخذ من الدنيا ما أحل الله لها.\rهذه هي الحال الصحيحة، نسأل الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\rوالحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534702,"book_id":2827,"shamela_page_id":491,"part":"23","page_num":1,"sequence_num":491,"body":"كيف نحيا بالقرآن؟ [١]\rإذا أردنا أن ننتفع بالقرآن في حياتنا فعلينا أن نستشعر أننا نحن المخاطبون به، وأننا نحن المعنيون بأحكامه، وأن نعتقد أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وأن نجعله المقدم على أهوائنا في جميع شئوننا وحياتنا.\rولقد علم أعداء الله في القديم والحديث أثر القرآن على المجتمع المسلم، فحرصوا على إبعاد الأمة الإسلامية عنه؛ ليحل محله حب الدنيا، والتطلع إلى الشهوات والملذات، فتصبح الأمة أمة شهوانية بعيدة عن الدين، وحينئذ لا يستحقون النجاء، ولا النصر على الأعداء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534703,"book_id":2827,"shamela_page_id":492,"part":"23","page_num":2,"sequence_num":492,"body":"كيف نتلقى القرآن؟!\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن صار على نهجهم واهتدى بهداهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.\rأما بعد: فيا أيها الأخ المؤمن! كيف نحيا بالقرآن؟ وقبل الجواب ينبغي أن نعني بقضية مهمة في هذا الموضوع، وهي القضية التي تتمثل في الثقة المطلقة في هذا القرآن، وبما فيه من حقائق متنوعة، سواءٌ أكانت أخباراً عن الماضي أو المستقبل، أم أموراً تشريعية، أم آداباً كتب الله لها الكمال والبقاء والثبات، أم مسائل عقدية متنوعة تتعلق بالله واليوم الآخر وما بين ذلك، أم إشارات عملية تتعلق بالكون والإنسان ونحو ذلك.\rونستكمل اليوم جانباً من الجواب عن هذا السؤال الكبير: كيف تحيا أمة الإسلام بالقرآن؟ ولذا نقول: ينبغي أن نعيش مع القرآن تلاوة وتعلماً وتعليماً وكأننا نحن المخاطبون به بكل ما فيه من أمثال وقصص وأحكام وآداب، فنقرأ القرآن ونحن على ثقة مطلقة به، نقرؤه على أنه موجه إلينا، كما أنه موجه إلى من قبلنا وإلى من سيأتي بعدنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\rأيها الأخ المسلم! إن من أكثر الأخطاء التي نقع فيها أحياناً ونحن نتعامل مع القرآن شعورنا بأن هذا القرآن خوطب به الرسول ﷺ وأصحابه فقط؛ حيث نزل عليه القرآن مفرقاً حسب الأحوال والحوادث والمناسبات، ثم لما جمع القرآن صار وكأنه يحكي تاريخاً سابقاً وحوادث ماضية، وليس لنا من ذلك إلا مجرد أخذ العبرة من الحادثة وملابستها والآيات التي نزلت فيها كما نأخذ العبر من بعض حوادث التاريخ.\rإن هذا من أكبر أخطائنا ونحن نتعامل مع القرآن العظيم، نتعامل معه على أنه قرآن نزل في حوادث خاصة، وانتهت تلك الحوادث والأحوال والمناسبات، أما نحن فنحن في عهد جديد وعصر جديد، ولا نتلو القرآن، ولا نتعلم القرآن على أنه يعالج أحوالنا ومشاكلنا نحن أيضاً.\rومع أن معرفة أسباب النزول والمناسبات التي نزلت فيها بعض الآيات من صلب وقواعد التفسير وفهم كتاب الله تعالى على الوجه الحق إلا أن الاقتصار على هذا -إذ العبرة بعموم اللفظ كما تعلم- بل حصر القرآن كله في أنه نزل على قوم آخرين سابقين أوجد فجوة كبرى بيننا وبين القرآن والتعامل مع القرآن والحياة بالقرآن بكل صوره وآياته وقصصه ومواعظه وأوامره وأحكامه.\rإن هذه قضية يجب أن نقف معها طويلاً؛ لأن من الواجب أن نقرأ القرآن وأن نتلقاه كما تلقاه الصحابة ﵃، وكما كان يتلقاه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، نتلقاه أفراداً، ونتلقاه أمةً، ونتلقاه من خلال الأحداث التي نمر بها في كل يوم، وفي كل فترة، وفي كل مرحلة زمنية تمر بها أمة الإسلام.\rنتلقاه ونحن نواجه كل يوم أنواع الشهوات والشبهات، نتلقاه ونحن نربي نفوسنا الجامحة المائلة إلى الدنيا وشهواتها وملذاتها، نتلقاه ونحن نعبد الله تعالى كما يحب ويرضى في عباداتنا وأذكارنا وفرائضنا ونوافلنا.\rنتلقاه ونحن نجاهد النفس الأمارة بالسوء التي تقعد بنا في كل يوم عن طاعة الله والدعوة إلى دينه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.\rنتلقاه ونحن نواجه شياطين الجن والإنس الذين يسعون جاهدين بشتى الوسائل في غوايتنا وإضلالنا، نتلقاه ونحن نواجه الأعداء من المشركين واليهود والنصارى وأذنابهم وغيرهم من الكفار وهم يشنون حرباً على الإسلام على مختلف الأصعدة، وبأنواع الأساليب.\rنتلقاه ونحن نعاني من النفاق المتسلل داخل صفوف المسلمين، يظهر الإسلام ويبطن الكفر والزندقة، ويبطن حرب الله ورسوله وعباده المؤمنين، نتلقاه في مجاهدة النفس من الداخل، وفي مجاهدة الأعداء من الخارج، نتلقاه في زمن الغربة والفتن التي أخبرنا عنها رسول الله ﷺ وعلمنا كيف نخرج منها.\rنتلقاه والمسلمون في المشارق والمغارب يواجهون الأذى والابتلاء على مختلف صنوفه وأشكاله، نتلقاه والمسلمون تتقلب بهم الأحوال بين القوة والضعف، والقلة والكثرة، والأمن والخوف في المشارق والمغارب، نتلقاه ونحن نعبد الله تعالى في أماكن وأزمنة نعبد الله ﷾ بمختلف درجاتها الفاضلة.\rنتلقاه ونحن نربي الأسرة داخل البيت المسلم، ونحصنها من وسائل التدمير والفساد، نتلقاه في حلق التعليم رسمية وخيرية، ابتدائية وجامعية، على مستوى الأمية والمتعلمين، نتلقاه في مجالات تطبيق أحكام القرآن لا نخاف في الله لومة لائم ولا اعتراض معترض في أحكام القرآن، وفي الحدود، وفي العلاقات الاجتماعية والأسرية، وفي القضايا السياسية والعسكرية، وفي أمورنا الاقتصادية وغيرها.\rنتلقاه في جميع شئون الحياة؛ لأنه كتاب ربنا أنزله الله علينا رحمة وهدى للعالمين، نتلقاه ونحن نطلب الشفاء به على الوجه المشروع لجميع أمراضنا النفسية والعضوية والاجتماعية.\rنتلقى هذا القرآن ونحن أمة إسلامية لا تعرف مصدراً غير القرآن في التربية والأحكام والآداب والأخلاق والتوجيهات وغيرها، لا تعرف لها مصدراً إلا هذا القرآن العظيم، نتلقاه بعزة المؤمنين وهم يحملون هذا القرآن فوق أيديهم ليقولوا للعالمين جميعاً مشرقاً ومغرباً: إن معنا ما يكفينا ويحيينا.\rنتلقاه في كل شأن من شئون الحياة، وكأننا اليوم مخاطبون به كما خوطب به من قبلنا، ونتلقاه كما تلقوه بنفس المشاعر والإيمان، وأعمال القلوب وخشوعها وخضوعها لمن تكلم بالقرآن وأنزله رحمة للعالمين.\rإن هذا بيت القصيد في قضيتنا الكبرى (كيف نحيا بالقرآن)، لن نحيا بالقرآن ونحن إنما نقدس أوراقه كقرابين، لا نحيا بالقرآن ونحن نتخذه قراطيس كما اتخذه اليهود قراطيس: ﴿قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام:٩١].\rلن نحيا بالقرآن ونحن ننشغل ونعتمد في أمور حياتنا على غير القرآن العظيم، إن حياتنا بالقرآن مرهونة بأن نرجع إلى هذا القرآن في آياته وسوره وأحكامه، وكأنه يتنزل علينا هذه اللحظة، نتلقاه نعالج به مشاكلنا في كل وقتٍ وآن، في كل حادثة ووقعة، نتلقى هذا القرآن على أنه كلام رب العالمين وكفى.\rنتلقاه على أنه أحكام قاطعة من عند العليم الخبير وكفى، نتلقاه على أنه لا حياة لنا ولا عزة ولا رفعة إلا بهذا القرآن العظيم، نتلقاه على أنه توجيهات حاضرة تعالج أوضاعنا ومشاكلنا، ونبني عليه خطط مستقبلنا، نتلقاه وكأننا نخاطب به أول مرة، وكلنا ثقة وتعظيم وتصديق بهذا القرآن المبين.\rيتلقاه المؤمن في خاصة نفسه وشجونه وأحزانه ورضاه وفرحه، وزيادة إيمانه ونقصه، وفي مشاكله الصغيرة المحدودة، وفي مجاهدته لنفسه وهواه، وتتلقاه الأمة الإسلامية كلها بمواقفها وجهادها وأحكامها وعلاقتها، كلهم يتلقونه بتلك الروح والإيمان العظيم الذي به تلقى أصحاب النبي ﷺ هذا القرآن، فكان من أمرهم ما كان.\rإن هذه الأمة قد أكرمها الله تعالى بحفظ هذا القرآن وبقائه، وتلك نعمة ومنة كبرى، فما علينا إلا أن نتوكل على ربنا، وأن نعود إلى هذا القرآن عودة حقيقية لا شكلية، عودة جادة لا تردد فيها، عودة عملية تنبثق من كل واحد منا في خاصة نفسه، ومن ولاه الله ﵎ ولاية من أهل أو ولد أو غير ذلك.\rنعود إلى هذا القرآن عودة عملية، نعود لنشبع منه، ولنتزود منه، ولنرجع إليه، ولنعالج به شتى أمراضنا وأكدارنا وأحزاننا، لنعالج به شتى الأمراض الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الأمراض.\rنعود إلى هذا القرآن بخلاصة شديدة هي أن نعود إليه كما عاد إليه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، فكانوا أمة ظاهرة في العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534704,"book_id":2827,"shamela_page_id":493,"part":"23","page_num":3,"sequence_num":493,"body":"جهود أعداء الله في محاربة القرآن وإبعاده عن المجتمعات الإسلامية\rلقد أدرك أعداء الإسلام هذه الحقيقة المتمثلة في أن هذه الأمة لديها موطن عزها ورفعتها ونهوضها، وذلك باعتصامها بالقرآن وبسنة الرسول ﵊، ومن ثم عمل هؤلاء الأعداء على صرف المسلمين عن هذا القرآن حتى لا يتلقوه كما ينبغي ويجب، وحتى يعرضوا عنه ويهجروه وينشغلوا بغيره.\rوتأمل قول الله ﵎ بعد ذكره لصيحة الرسول ﷺ في قومه أنهم اتخذوا هذا القرآن مهجوراً: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٠ - ٣٣].\rفجهود المجرمين من الأعداء متواصلة لصد المؤمنين عن هذا القرآن الذي هو منار هداية ومصدر قوة، ولقد صدوا عن هذا القرآن لما نزل، وهاهم اليوم وفي كل وقت يبذلون الجهود لصد هذه الأمة عن كتابها، ولإشغالها بمختلف وسائل اللهو والعبث، حتى لا تجد لقلوبها، بل ولا لأوقاتها، بل ولا لمشاعرها وعواطفها مكاناً لهذا القرآن الذي يقول الله فيه: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٢ - ٣٣].\rومهما حاول الأعداء فسيبقى هذا القرآن مصدر قوة لهذه الأمة، ومتى؟ حين تتلقاه على أنه منهج كامل للحياة، وسيبقى هذا القرآن أيضاً مصدر قلق للأعداء مهما نجحوا في مخططاتهم وصرف هذه الأمة عن هذا القرآن، سيبقى مصدر عزة وقوة لهذه الأمة، وسيبقى في مقابل ذلك مصدر قلق لأعداء الله في المشارق والمغارب، مهما حاولوا، ومهما ظنوا أن مخططاتهم نجحت لصرف هذه الأمة عن القرآن العظيم.\rويقول الله ﵎ عن هذا القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٠ - ٥٢] (وجاهدهم به) أي: بالقرآن.\rتأمل في هذه الآيات نهي الله رسوله ﷺ عن أن يطيع الكافرين، وأمره أن يجاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً، فلا تطع الكافرين الذين يسعون لصرفك عن هذا لقرآن بشتى أساليب الصرف، ولقد كان كبراء قريش يقولون للناس: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦].\rوإن هذا ليدل على مبلغ الخوف والذعر الذي به تضطرب نفوسهم ونفوس بقية الناس من تأثير هذا القرآن العظيم، وكيف لا وهم يرون الناس في كل يوم وليلة منذ زمن الرسول ﷺ وإلى عصرنا الحاضر يؤخذون بعظمة وبلاغة هذا القرآن وعظمة تشريعه، فيدخلون في دين الله تعالى زرافات ووحداناً، حتى في وسط عواصم الكفر والشرك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534705,"book_id":2827,"shamela_page_id":494,"part":"23","page_num":4,"sequence_num":494,"body":"معرفة الأعداء قدر القرآن والإسلام\rإن الإنسان ليعجب من تأثير هذا القرآن حتى على كبار الأعداء، ولولا أنهم أحسوا بعظمة هذا القرآن وروعته وعظيم أثره لما حذروا منه هذا التحذير الذي يدل على مبلغ معرفتهم بأثر هذا القرآن في النفوس، وإنها والله لمفارقة عجيبة أن يدرك أعداؤنا من عظمة هذا القرآن ما لا ندرك، وأن يعملوا جاهدين على طمس ومحو آثاره في العباد والبلاد؛ لأنهم يخافون من هذا القرآن، ولأنهم يعرفون عظيم أثره في الأمة حين تعود إليه وتحيا به.\rإنها لمفارقة عجيبة أن يعرفنا أعداؤنا قدر القرآن والإسلام، ونحن في مقابل ذلك لا ندرك من ذلك إلا قليلاً، وتأمل هذه القصة في السيرة النبوية، فقد روى ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا؛ فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفوسهم شيئاً ثم انصرفوا.\rحتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثلما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا.\rحتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود.\rوتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة! والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، وما عرفت ما يراد بها.\rقال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.\rقال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم! ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه وحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نطيعه.\rلقد كان هؤلاء الصناديد في وقت الشرك -ومنهم من مات على الشرك بعد ذلك، ومنهم من هداه الله إلى الإسلام- يغالبون أنفسهم أن تهفوا إلى هذا القرآن، فتغلبهم إلا أن يتعاهدوا على عدم العودة إليه مرة أخرى، لقد أدركوا وسحروا، لقد أدركوا عظمة هذا القرآن، فصاروا يتعاهدون ويرجعون وهم قادة قريش وقادة الكفر والجاهلية في ذلك الوقت، فيجتمعون على سماع القرآن من رسول الله ﷺ.\rهكذا كفار الأمس أدركوا حقيقة القرآن، فعملوا على صرف الناس عن القرآن، وكفار اليوم -أيضاً- أدركوا هذه الحقيقة العظيمة.\rفهل تعلم أن من الكفار اليوم من يحفظ القرآن عن ظهر قلب وهو كافر؟! وهل تعلمون أن من الكفار من يفني عمره في دراسات عن القرآن؟ هل تعلم أن من الكفار من يعلمون حقيقة عظمة هذا القرآن وأثره في نفوس الناس وفي نفوس المسلمين؟! ومن ثم فهم يحذرون من هذا القرآن، ويعملون جاهدين على صرف أمة الإسلام عن هذا القرآن، لقد صرحوا بذلك في عدد من المناسبات، وقال بعضهم: مادام هذا القرآن والكعبة منصوبة في بلاد المسلمين لا نستطيع القضاء عليهم، ولن يقر لنا قرار.\rهكذا قال أعداء الإسلام.\rأيها الأخ الحبيب! إنها مفارقة عجيبة أن يعلم أعداؤنا عن عظمة ديننا وقرآننا ما لا نعلمه، وأن يدركوا ما لا ندركه، إنها مفارقة عجيبة ينبغي أن نتأمل فيها، ونحن نحاول أن نحيا بالقرآن مرة أخرى.\rإنه -كما قلنا ونقول وسنقول- لا خيار لهذه الأمة وهي اليوم على مفترق الطرق، فإما أن تعود إلى ربها وقرآنها ودينها وإلا كانت الأخرى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].\rاللهم! اجعلنا ممن يحيا بالقرآن، اللهم! اعمر قلوبنا بالقرآن، اللهم! املأ قلوبنا وقلوب أسرنا وأولادنا بالقرآن، وأفرغها من الأغاني واللهو العبث، واجعل مكانها قرآناً يتلى ويحفظ ويعمل به يا رب العالمين.\rاللهم! أبرم لأمة محمد ﷺ أمر رشد تعود فيه إلى دينها وإلى كتابها.\rاللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك المؤمنين المجاهدين في كل مكان.\rاللهم! دمر أعداء الدين؛ اللهم! دمر أعداء الدين.\rاللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم! اشغله بنفسه، اللهم! اشغله بنفسه، اللهم! اجعل كيده في نحره يا سميع الدعاء.\rاللهم! إنا نسألك أن تكفي المسلمين جميعاً شر أعدائهم مشرقاً ومغرباً.\rاللهم! اكف المسلمين في البوسنة والهرسك وفي كل مكان شر أعدائهم يا رب العالمين.\rاللهم! دمر اليهود وأعوانهم، والنصارى وأشياعهم، والمنافقين والعلمانيين، وكل ملحد لا يؤمن بالقرآن ولا بيوم الحساب.\rاللهم! إنا نسألك أن تقر أعيننا وأعين المسلمين جميعاً بنصرة الإسلام يا رب العالمين، وخذلان أعدائه يا قوي يا عزيز.\rاللهم! إنا نسألك أن تصلي على نبينا محمد، اللهم! صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأخص منهم الأربعة الخلفاء، والعشرة المبشرين، وأزواجه وآل بيته الطيبين الطاهرين، وبقية الصحابة أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.\rاللهم! واحشرنا في زمرتهم يا رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534706,"book_id":2827,"shamela_page_id":495,"part":"24","page_num":1,"sequence_num":495,"body":"كيف نحيا بالقرآن؟ [٢]\rلقد عاش الصحابة مع القرآن حياة تدبر وتمعن وحفظ وتطبيق وعمل وإيمان وسعادة، فقد تلقوه بلهف وشوق إلى تلاوته، وإلى سماع عبره وقصصه، وكان ذلك مع كونهم يعيشون حالة الاستضعاف والاضطهاد من قبل كفار قريش، فكان لذلك أعظم الأثر في ثباتهم وصبرهم وإصرارهم على دينهم، وكان له أعظم الأثر في مواجهة أعدائهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534707,"book_id":2827,"shamela_page_id":496,"part":"24","page_num":2,"sequence_num":496,"body":"كيفية حياتنا بالقرآن\rالحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\rهذا هو الدرس الثالث من دروس (كيف نحيا بالقرآن؟).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534708,"book_id":2827,"shamela_page_id":497,"part":"24","page_num":3,"sequence_num":497,"body":"نتلو القرآن تلاوة تدبر وتمعن\rحقائق القرآن عند المسلمين لا تتغير؛ لأنه كلام الله تعالى، يقول الله ﵎: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٥ - ١١٦].\rويقول تعالى مبيناً أن العاقبة والنصرة لرسل الله تعالى ولأتباعهم: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤].\rويقول تعالى مبيناً اطلاعه وشهوده لجميع أعمال العباد -ومنها قراءتهم وتلاوتهم للقرآن- وكل شأن من شئونهم، ثم مبيناً أن أولياء الله لهم الأمن والبشرى في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦١ - ٦٤].\rويأمر الله رسوله ﷺ بتلاوة القرآن تلاوة تدبر وتمعن، فيقول تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف:٢٧]، والمعنى: اتبع القرآن؛ فإنه لا مبدل لكلمات الله، ولا خلف فيها، ولن تجد إن أعرضت عن اتباع القرآن وخالفته ملتحداً، أي: ملجأً تلجأ إليه وتميل.\rوصدق الله ﵎، فمن أعرض عن القرآن العظيم فإلى أين سيذهب؟! لن يجد، ولن تجد أمة الإسلام إن أعرضت عن القرآن العظيم ولم تتبعه وخالفته ملجأ آخر تلجأ إليه فينفعها في دنياها وأخراها، فكلمات الله الشرعية لا تبديل فيها ولا تغيير.\rهكذا نتلو القرآن ونحن نعلم ونوقن بذلك يقيناً كاملاً أنه لا تبديل لكلمات الله ولا تغيير، فهي حق وصدق، وما أخبرت عنه من أخبار، وما ذكرت به من مواعظ وأمثال، وما بينته من أحكام وآداب كله كلمات الله لا تغيير ولا تبديل فيها أبداً.\rكلمات الله الشرعية لا تبديل فيها، كما أن كلمات الله الكونية واقعة ولا تغيير فيها، ولا يملك لها أحد من الخلق مهما كان تحويلاً ولا تغييراً ولا تبديلاً.\rأيها الأخ في الله! كلمات الله الكونية في أقداره بين العباد واقعة على الجميع، الحياة والموت، الصحة والمرض، الفقر والغنى، تحولات الأمم وتقلباتها، آيات الله المتنوعة التي يبتلي بها عباده في كل مكان، كل ما قدره الله تعالى كوناً فهو واقع لا محالة، ولا يستطيع أحد أن يرد شيئاً منه.\rكذلك أيضاً كلمات الله الشرعية نقرؤها ونتلوها ونؤمن بها على أنها حق وصدق، ولا تبديل لها أبداً، ولقد كان من ضمن الآيات التي لا تبديل فيها قول الله تعالى عن إخوان القردة: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر:١٤].\rوجاءت أحداث الجدار الفاصل لتؤكد هذه الحقيقية القرآنية، وصدق الله تعالى: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٣٤]، فهل تعي هذا أمة الإسلام؟ هل يعي هذا المسلمون؟ هل يعون هذه الحقائق القرآنية وأنه لا مبدل لكلمات الله؟ إننا سنقدم هذه النصيحة لجميع إخواننا المسلمين، ونقول لهم: اقرؤوا القرآن، وتدبروا معانيه، وأحضروا له قلوبكم، وافتحوا له صدروكم، تدبروه وأنتم على يقين أن هذا القرآن أولاً نورٌ ينير القلب والفؤاد، وينير للعبد حياته في جميع أحوالها، وينير للأمة الإسلامية مسيرها، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534709,"book_id":2827,"shamela_page_id":498,"part":"24","page_num":4,"sequence_num":498,"body":"نتلو القرآن على أنه فرقان بين الحق والباطل\rثانياً: نتلوه على أنه فرقان يفرق به بين الحق والباطل، وينير للإنسان طريقه حين تختلط عليه الطرق في وسط الفتن والشبهات، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534710,"book_id":2827,"shamela_page_id":499,"part":"24","page_num":5,"sequence_num":499,"body":"نتلو القرآن على أنه برهان قامت به الحجة على العباد\rثالثاً: نتلوه ونتدبره على أنه برهان قامت به الحجة على العباد، وهو برهان واضح في دلالاته وحقائقه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:١٧٤ - ١٧٥].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534711,"book_id":2827,"shamela_page_id":500,"part":"24","page_num":6,"sequence_num":500,"body":"نتلو القرآن على أنه بصائر للناس\rرابعاً: نتلوه على أنه بصائر للناس تهدي قلوباً حية لينة خاشعة، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٢ - ٢٣].\rوالقرآن بصائر في جميع الأوقات وعلى مختلف الأحوال، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام:١٠٤]، وقال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٣]، ثم أمر تعالى بعد ذلك بالإنصات لقراءة القرآن.\rوقال تعالى في شمول الشريعة وكمالها ووجوب اتباعها: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:١٨ - ٢٠].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534712,"book_id":2827,"shamela_page_id":501,"part":"24","page_num":7,"sequence_num":501,"body":"نتلو القرآن على أنه شفاء لما في الصدور\rخامساً: نتلوه على أنه شفاء لما في الصدور، وموعظة لها، تشفى به الصدور من وساوسها وشكوكها وأمراضها، أمراض الشبهات وأمراض الشهوات، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، والآية التي قبلها مباشرة: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١].\rوهذا الشفاء يمتد من الفرد إلى الأمة في أمراضها الاجتماعية والنفسية والأخلاقية وغيرها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534713,"book_id":2827,"shamela_page_id":502,"part":"24","page_num":8,"sequence_num":502,"body":"نتلو القرآن على أنه كلام الله\rسادساً: نتلوه على أنه كلام الله تعالى، تكلم به الذي خلق السماوات والأرض وكل شيء، والله ﵎ خالق كل شيء، تكلم به الذي يسبح له ما في السماوات والأرض، ويسجد له من في السماوات ومن في الأرض، تكلم به من بيده ملكوت كل شيء، تكلم به من إذا أراد شيئاً فإنه يقول له: (كن) فيكون، تكلم به من قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء.\rنتلوه ونحن نؤمن بأن الذي تكلم به الملك الجبار، العزيز الحكيم، القوي المتين، أخذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر، أخذ عاداً لما كفروا بالريح العقيم، وأخذ ثمود لما طغوا بالصيحة التي قطعت قلوبهم داخل صدروهم، وأغرق فرعون والناس ينظرون، وخسف بقارون وهو في زينته ومن حوله لا يكادون يصدقون.\rتكلم به الذي أخذ طواغيت قريش في بدر فأصبحوا صرعى، فرماهم المصطفى ﷺ في القليب وخاطبهم: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً).\rتكلم به الذي رد الأحزاب وقد تحزبوا وتجمعوا في جيوش جرارة، فأنزل الله وأرسل إليهم ريحاً وجنوداً لم يروها فكان ذلك نصر الله لعباده المؤمنين.\rتكلم به الذي أنزل اليهود من صياصيهم وحصونهم ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢].\rتكلم به الذي نصر المؤمنين الصادقين في معارك الإسلام الفاصلة في القادسية واليرموك وعين جالوت وحطين، فكانت آيات وعبراً للمعتبرين.\rنتلوه على أنه كلام الله ملك الملوك ومالك الملك، جميع الخلق فقراء إليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].\rنتلوه ونحن نؤمن بالله بأسمائه وصفاته وبكماله ﵎، نتلو هذا القرآن على أنه كلام الله ﵎، نستحضر هذا مع كل كلمة وآية وسورة من القرآن العظيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534714,"book_id":2827,"shamela_page_id":503,"part":"24","page_num":9,"sequence_num":503,"body":"كيف عاش الصحابة مع القرآن\rسنعرض لنماذج عن حياة السلف بالقرآن، ونبدأ بالصحابة الذين عايشوا وشاهدوا التنزيل مع من نزل عليه القرآن محمد ﷺ، كيف كانوا يتلقونه؟ وكيف كانوا يؤمنون به ويصدقونه ويعملون به؟ وأرجو أن لا يعجب أحد فيقول: إن الصحابة عاشوا مع القرآن وهو ينزل على حسب الأحداث التي عاشوها وراعوها، فكيف يمكن أخذ العبرة من أحوالهم ومواقفهم؟ وجواباً على ذلك نقول: كيف كان حال رسول الله ﷺ وأصحابه في الفترة المكية التي نزل فيها كثير من القرآن؟! بل كيف كان حالهم في شطر كبير من العهد المدني حيث الحروب والغزوات وتحزب الأحزاب على المسلمين؟ لقد عاش رسول الله ﷺ ثلاثة عشر عاماً في مكة سنوات كلها إعراض من قومه عن الاستماع لهذا القرآن، وصدٌ لغيرهم عن الإصغاء إليه، واضطهاد وتعذيب لتلك الفئة القليلة التي آمنت به، ثم المقاطعة له ولعشيرته، ومحاصرتهم مدة غير يسيرة في شعب من شعاب مكة، ثم مؤامرات سرية أو علنية على قتله ﷺ أو نفيه أو أسره، وفيما بين ذلك هجرة طويلة شاقة إلى الحبشة من جانب بعض أصحابه، ورحلة دامية إلى الطائف، ووصف له بأبشع الصفات تمثلها وسائل الإعلام القرشية في مواطن تجمعات الناس، في الحج، وفي سوق ذي المجاز، وفي سوق عكاظ، وفي غيرها من مجامع القبائل، واصفةً رسول الله ﷺ مرة بأنه مجنون، ومرة بأنه ساحر، ومرة بأنه كاهن، ومرة بأنه كذاب، ومرة بأنه صابئ، ومرة بأنه مفرق للأمة، وأصحابه ﷺ معه يعانون ما يقال.\rعاشوا في هذه الأجواء وهم بعد لا يعلمون ما في غيب الله المجهول، بل رسول الله ﷺ لا يدري ما الذي يفعل به، وقد قص الله عليه أن من الرسل من قتل، فلا يدري رسول الله ﷺ كيف ستكون النتيجة عملياً لدعمه، ولا يدري أصحابه من بعد كيف تنزلت عليه ﷺ وعلى أصحابه السور والآيات المكية تحمل حقائق التوحيد والألوهية وقصص الأنبياء ووعد الله بنصر عباده المؤمنين.\rفكيف كانوا يستقبلون ويتلون هذه الآيات والسور وهم في تلك الأحوال مستضعفين مطاردين من جانب الكفار وأعوانهم؟ إن دارس السيرة النبوية ينبغي أن يقف مع هذا\r\rالسؤال\r كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ مدة ثلاثة عشر عاماً في مكة يستقبلون القرآن؟ كيف كانوا يتلقون الوحي من الله ﷾ وهم بعد لم يجدوا مكاناً آمناً، ولم ينتصروا على المشركين، ولم تفتح لهم مكة، ولم يدخل الناس في دين الله أفواجاً؟ كيف كانوا يتلقون القرآن في أيام العهد المكي والمسلمون مطاردون، بل يعذبون في بطحاء مكة، ورسول الله وأصحابه ينظرون، بل وفيهم من يموت تحت وطأة التعذيب ورسول الله ﷺ وأصحابه يرون هذه الحقائق؟ كيف كانوا يتلقون الآيات القرآنية؟ أيها الإخوة في الله! إن الموضوع يطول جداً، ولكنني أقول لكم: في تلك الأجواء والمضايقات والمطاردات في مكة كيف كان رسول الله ﷺ وأصحابه يستقبلون سورة الأنعام المكية؟! كيف كانوا يستقبلون قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٥ - ٣٦]؟ كيف كانوا يستقبلون: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٦]؟ كيف كانوا يستقبلون: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]؟ أين الآيسون من رحمة الله ونصر الله؟ كيف كان رسول الله ﷺ يستقبل هذه الآيات؟ وكيف كانوا يستقبلون قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]؟ كيف كانوا يستقبلون هذه الآيات في سورة الأنعام المكية؟ كيف تلقوا قول الله تعالى في هذه السورة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٣] وغيرها من الآيات في هذه السورة العظيمة؟! أيها الإخوة في الله! كيف تلقى المسلمون مثل هذه الآيات في سورة الأعراف المكية: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٦ - ١٩٧]؟! كيف تلقى المسلمون والرسول معهم قول الله تعالى في سورة يونس المكية: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:٤٦]؟ وقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣] أين المتوددون؟ ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣]، وقوله في هذه السورة أيضاً: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ * وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٤ - ٩٧].\rانتبهوا واستحضروا أن هذه الآيات نزلت في مكة، والمسلمون فيها على ما تعلمون -أيها الإخوة في الله- في مطاردة وتشريد وتعذيب، فكيف كان أصحاب النبي ﷺ يتعاملون مع هذه الآيات وهم لا يعلمون غيب الله المكنون؟! أيها الأخ المسلم! لما جرى على المسلمين في غزوة أحد ما جرى، ورأى المسلمون فيها من العبر والدروس العظيمة قال الله تعالى بعد هذه الغزوة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، فواجهوا الأحداث مواجهة مباشرة حتى تكون التربية ويكون الإيمان ويكون العيش مع القرآن.\rوتأمل قوله تعالى في هذه السورة المكية: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩ - ١٠٣].\rكيف تلقوا هذا الوعد الصادق وهم مطاردون في مكة؟ كيف سمع الرسول وتلقى الصحابة هذه الآيات في سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢]، إنه كتاب موجه إلى رسول الله ﷺ وصحابته وهم مستضعفون فقراء في المدينة، يقول الله له: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٢ - ١١٥].\rثم يقول في آخر السورة: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٠ - ١٢٣].\rكيف تلقى الصحابة قصة يوسف وما جرى فيها، وقول الله تعالى في أواخرها: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، وهي سورة مكية؟! كيف تلقوا قول الله تعالى في سورة إبراهيم المكية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ ي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534715,"book_id":2827,"shamela_page_id":504,"part":"25","page_num":1,"sequence_num":504,"body":"مقدمة في السيرة\rمعرفة سيرة النبي ﷺ من أهم الأمور التي ينبغي أن يعرفها على كل مسلم؛ لأن العلم يشرف بشرف معلومه، والمعلوم في هذا العلم هو رسول الله ﷺ، ولابد لمن يريد معرفة سيرة النبي ﷺ أن يستقيها من المصادر المعتمدة، وأن يحذر من دسائس المستشرقين، وأن يتبع المنهج الصحيح في دراستها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534716,"book_id":2827,"shamela_page_id":505,"part":"25","page_num":2,"sequence_num":505,"body":"أهمية السيرة النبوية\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فلاشك أن مثل هذه الدروس العلمية لها فائدتها الكبيرة؛ لأن مدارسة سيرة رسول الله ﷺ سواء في عهدها المكي أو فيما تلا ذلك من العهد المدني بتفاصيله الكبيرة، هي من الإيمان ومن مقتضيات محبة رسول الله ﷺ، وانطلاقاً من هذا فسيكون هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- عن المقدمات التي ينبغي أن نستوعبها ويستوعبها الدارسين لسيرة هذا النبي الكريم ﵊.\rوسنعرض إن شاء الله تعالى ثلاث قضايا: أولاها: أهمية السيرة النبوية.\rوثانيها: مصادرها.\rوثالثها: المنهج الصحيح لدراسة هذه السيرة.\rفأما القسم الأول وهو المتعلق بأهمية هذه السيرة، فلاشك أن رسولنا ﷺ هو خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، وهو أفضلهم ﵊، ولاشك أن هذه السيرة تعنينا نحن أمة محمد ﷺ عناية خاصة؛ فهو رسولنا ونحن أمته، وهو خاتم الرسل، ولا ننتظر رسولاً بعده أبداً، وعيسى ﵊ أخبرنا النبي ﷺ أنه ينزل في آخر الزمان، ولكنه إذا نزل يكون متابعاً لرسول الله ﷺ، وحاكماً بالقرآن، وقاتلاً للخنزير، وكاسراً للصليب، ورافعاً للجزية، فلا يقبل من اليهود والنصارى إلا الإسلام على شريعة محمد بن عبد الله ﷺ أو السيف، ثم إنه يدفن بعد ذلك عند رسول الله ﷺ في المدينة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534717,"book_id":2827,"shamela_page_id":506,"part":"25","page_num":3,"sequence_num":506,"body":"الأمور التي تبرز من خلالها أهمية السيرة النبوية\rوأهمية سيرة النبي ﵊ تبرز من خلال عدة أمور: منها: عناية السلف رحمهم الله تعالى بهذه السيرة النبوية الكريمة: ولو أن الإنسان تدبر كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يحبون هذا النبي الكريم لوجد أنهم كانوا يحبونه محبة عظيمة جداً، حتى إنهم ﵃ وأرضاهم لما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وعلموا أنهم قد فقدوه، وأنه انقطع الوحي بينهم وبين السماء، أصيبوا بصدمة عظيمة ذهلت لها عقولهم، حتى إن أحد الصحابة يعبر عن ذلك ويقول: (فلما أن دفنا رسول الله ﷺ تنكرت لنا قلوبنا؛ فما هي والله بالتي نعرف).\rوصار أصحاب رسول الله ﷺ يتنقلون في الشوارع والطرقات في المدينة، وكأنهم طير بلله المطر ينتقل من زاوية إلى زاوية؛ من شدة ما لقوا من الحزن لفقد هذا النبي الكريم والرحمة المهداة ﷺ.\rفإذا كانت هذه عناية هؤلاء الصحابة فعناية سلفنا الصالح من التابعين ومن بعدهم كانت على مثل ذلك، فحرصوا على متابعته، وحرصوا على مدارسة سيرته ﷺ؛ حتى إن أحد أئمة التابعين -وهو الإمام الزهري الذي يُعتبر أحد من دون مغازي رسول الله ﷺ؛ كان يقول عن علم المغازي: إنه علم الآخرة والدنيا.\rوقد روي عن إسماعيل بن محمد بن سعد قال: (كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ وسراياه ويعدَّها علينا، ويقول: يا بني! هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها)، يربي رحمه الله تعالى عليها أولاده.\rوعن علي بن الحسين قال: (كنا نعلم مغازي نبي الله ﷺ كما نعلم السورة من القرآن).\rوهذا منهم رحمهم الله تعالى دليل على حرصهم على أن يربوا أولادهم على معرفة هذه السيرة النبوية الكريمة، وعلى معرفة تفاصيلها؛ حتى تمتلئ قلوبهم محبة لهذا النبي العظيم وعظمة لهذا الدين وهذا الإسلام، ولئلا تمتلئ قلوبهم بمحبة الخرافات والأساطير وقصص الممثلين والممثلات وغيرهم مما لا فائدة منه أبداً، فيجب أن تملأ قلوب الصغار وتملأ قلوب الأولاد بمغازي رسول الله ﷺ وسراياه وسيرته وتفاصيلها، وإن قلباً امتلأ محبة لرسول الله ﷺ وعلماً بسيرته وبسراياه ومغازيه وأموره كلها، لقلب قمن أن يكون قلباً تواباً أواباً رجاعاً إلى ربه ﵎ عاملاً بالإسلام داعياً إليه خادماً له معتزاً به.\rوما أحرانا أيها الإخوة المسلمون! في عصرنا الحاضر أن نغرس في قلوب أولادنا هذه السيرة النبوية الكريمة! بدل أن يغرسها وتغرسها وسائل الإعلام بقصص الكافرين والكافرات والفاسقين والفاسقات، نسأل الله السلامة والعافية.\rولقد كتب ابن القيم رحمه الله تعالى في (زاد المعاد) مقدمة عظيمة عن أهمية سيرة رسول الله ﷺ، وعن منزلة هذا النبي الكريم ﵊، ومما قاله بعد مقدمة طويلة: ومن هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنال رضا الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فُرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء؟! وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف هديه وسيرته وشأنه وما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشريعته وحزبه.\rوعلى هذا فإن سيرة رسولنا ﷺ إنما هي سيرة خاصة، ونحن محتاجون إليها إذا أردنا أن نكون من المؤمنين المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.\rوالعجيب! أن كثيراً ممن يهتم بتاريخنا الإسلامي تجده يركز على قضايا مادية، كالزخرفة والفنون والبنايات وغيرها، ويجعلها هي رمز الحضارة الإسلامية، ويؤلف في ذلك المؤلفات الطويلة، ثم يغفل عن إظهار وإشهار سيرة رسول الله ﷺ وما فيها من عظمة، وما فيها من جهاد، وما فيها من دروس وعبر، فلاشك أن هذه السيرة النبوية مليئة ومليئة للمسلمين بأن يكون هذا النبي ﷺ قدوة لهم؛ فكلٌ يقتدي به ﵊، فالمؤمن الذي يريد أن يهتدي بهدى الله يقتدي بالنبي ﵊، وهكذا يقتدي به المجاهد الذي يقود الجهاد في سبيل الله، والداعية الذي يدعو إلى الله ﷾، والزوج الذي يريد أن يربي أسرته على المنهج الصحيح، والرجل الذي يريد أن يعلم أصحابه وأولاده ما يريدونه من العلم، وهكذا.\rفسيرة رسول الله ﷺ تتميز بشمولها التام، وبأنها سيرة متكاملة شاملة لجميع مناحي الحياة، قد نجد عند الناس في تواريخهم من برز في القتال، أو من برز في العلم، لكن أن نجد من هو قدوة يجب اتباعه ومن برز في جميع الأمور؛ فلا نجد ذلك إلا في هذا النبي الحبيب الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534718,"book_id":2827,"shamela_page_id":507,"part":"25","page_num":4,"sequence_num":507,"body":"أهمية دراسة سيرة الخلفاء الراشدين\rوأود بهذه المناسبة أن أشير في ختام هذه المقدمة القصيرة عن أهمية سيرة نبينا ﷺ إلى أن من المهم مدارسة سيرة الخلفاء الراشدين ﵃؛ لأن النبي ﷺ أمر بالاقتداء بهم فقال: (اقتدوا باللذين من بعدي)، وقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين).\rوالأمر الثاني -وهو المهم جداً- أن الخلافة الراشدة بعد رسول الله ﷺ هي أول تطبيق عملي للإسلام بدون الرسول ﵊، حتى لا يأتي قائل ويقول: أين نحن من سيرة النبي ﵊ وهو رسول الله مؤيد بالوحي ومؤيد بالمعجزات إلى آخره؟ فنقول له: نعم، هذه سيرة واجب اتباعها، ورسول الله ﷺ بذل الأسباب، وكان بشراً ﵊، لكنه كان نبياً، أما خلافة الخلفاء الراشدين فهي تطبيق عملي قريب متكامل لما أراده الرسول ﷺ، فينبغي أن نهتم بدراسة تاريخهم وسيرتهم ﵃ وأرضاهم، وأن نمحصها.\rوننتقل بعد ذلك إلى الفقرة الثانية وهي المتعلقة بمصادر سيرة رسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534719,"book_id":2827,"shamela_page_id":508,"part":"25","page_num":5,"sequence_num":508,"body":"مصادر سيرة الرسول ﷺ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534720,"book_id":2827,"shamela_page_id":509,"part":"25","page_num":6,"sequence_num":509,"body":"القرآن الكريم مصدر من مصادر سيرة الرسول ﷺ\rومصادر سيرة الرسول ﷺ كثيرة جداً.\rوأولها: القرآن الكريم، والقرآن الكريم هو كتاب الله ووحيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.\rولأن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ مفرقاً حسب الأحوال والحوادث فإن هذا الكتاب الكريم كان تطبيقاً عملياً لما كان عليه الرسول ﷺ بدءاً بدعوته إلى أن انتقل ﵊ إلى الرفيق الأعلى، ومن ثمَّ فإن القرآن الكريم يتميز عن غيره من المصادر بعدة ميزات: أولاها: أنه كلام الله، فمدارسته عبادة، والنبي ﷺ أخبرنا فقال: (من قرأ حرفاً من كلام الله كان له به عشر حسنات)، فكون الإنسان يقرأ القرآن ويتدارسه هو عبادة أولاً.\rالميزة الثانية: أن في القرآن العظيم إشارات تفصيلية لبعض الأحداث في السيرة النبوية لا يمكن أن نجدها في كتب السيرة الأخرى، ومن تدبر كلام الله ﷾ سيجد ذلك واضحاً بيناً، فمن قرأ سورة التوبة وكيف قص الله علينا ما جرى في غزوة تبوك، أو قرأ سورة آل عمران وما جرى في غزوة أحد، أو قرأ سورة الأحزاب وما جرى في غزوة الأحزاب؛ سيجد في هذه الآيات القرآنية من التفاصيل ما لا يجده في كتب السيرة النبوية.\rوالميزة الثالثة للقرآن وكونه مصدراً مهماً لسيرة النبي ﵊: أن القرآن فيه ربط عجيب بين سير الحدث وقصة الحدث وربطه بالعقيدة والإيمان والقضاء والقدر، بمعنى: أن كتب السيرة تسرد عليك الأحداث سرداً، لكن إذا قرأتها من القرآن العظيم تجده يعقب عليها بتعقيبات تزن هذه الأحداث وتقومها، وتربطها بالملك العلي ﷻ، وما دام الأمر كذلك فأنت حينما تقرأ الآيات المتعلقة ببعض أحداث سيرته ﷺ، تجد ربطها بالإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وبما كتبه الله وقدره وبعلامات الإيمان، وتجد فضح المنافقين وأحوالهم وأوصافهم إلى آخره.\rالميزة الرابعة: أن السيرة أحياناً تكون مرتبطة بزمان أو مكان أو حدث معين، ولكن في القرآن العظيم تتحول هذه الحادثة من قصة معينة إلى درس كبير ومنهج متكامل يتعدى ظروف الزمان والمكان، ويتعدى ظروف الحدث، ومن ثمَّ يأتي في هذه الآيات الكريمات تحليل لهذا الحدث وتعقيب عليه؛ بحيث يتحول إلى درس يقرؤه الإنسان ولا يمله إلى يوم القيامة، وهذه ميزة القرآن العظيم أنه لا يمله الإنسان، ولا يخلق من كثرة الرد أبداً.\rالميزة الخامسة: أن هناك أحداثاً جاءت في سيرة رسول الله ﷺ، لكن جاء تفصيلها في القرآن أكثر مما جاء في السيرة، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في قصة زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش وزواجها قبله من مولاه زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، فإن الله ذكر ذلك في قصة الأحزاب بما لا نجد تفاصيله وتعقيباته في غيره من كتب السيرة.\rالميزة السادسة: أن كتاب الله ﷾ وهو يذكر هذه الأحداث يركز على خصائص سيرة النبي ﷺ، فيركز على عموم رسالته، وعلى أن مهمة الرسول هي البلاغ، كما أنه يركز على أن الرسول ﷺ بشر وليس ملكاً، كما أنه يبين أن النبي ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده، وهكذا.\rوينبغي أن نعلم أن مدارسة هذا القرآن العظيم وتتبع السيرة النبوية من خلاله لابد لها من أمور، فلابد من مراجع، ومن أهم هذه المراجع كتب التفسير، ومن أهم كتب التفسير تفسير الطبري وتفسير ابن كثير رحمهما الله تعالى، ثم يأتي بعد ذلك كتب أسباب النزول وغيرها.\rوأود أن أشير بهذه المناسبة إلى أن أحد الكتاب حاول أن يكتب سيرة النبي ﷺ من القرآن الكريم فقط، وهو الأستاذ محمد عزت؛ وذلك في كتابه (سيرة الرسول) التي كتبها في مجلدين، فأراد أن يقتصر على سيرة النبي ﵊ من القرآن الكريم، ولكن ينبغي أن يعلم أنه لا يُكتفى بالقرآن العظيم؛ لأن كثيراً من التفصيلات لابد من الرجوع فيها إلى كتب الحديث النبوي وإلى كتب السيرة؛ ليتبين المراد منها، لكنها محاولة جيدة منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534721,"book_id":2827,"shamela_page_id":510,"part":"25","page_num":7,"sequence_num":510,"body":"الحديث النبوي مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ\rالمصدر الثاني من مصادر سيرة النبي ﵊ هو حديث الرسول ﷺ: وينبغي أن نعلم أن حديث النبي ﷺ والذي عني المسلمون بتدوينه عناية تامة، فيه من تفاصيل أحداث السيرة الأمر العجيب، ولدينا ما صح من الحديث النبوي، أقصد ما أُلف بقصد جمع الصحيح، فهناك من ألف كتابه وجعله صحيحاً، كـ البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، وفيهما من أحداث السيرة النبوية الشيء الكثير والكثير جداً، وعليك أن تقرأه بثقة واطمئنان؛ لأنه ثابت صحيح عن رسول الله ﷺ.\rفتجد في البخاري وفي مسلم أبواباً في فضائل الصحابة، وتجد أبواباً في سيرة الرسول ﷺ، وتجد أبواباً في المغازي، وتجد أبواباً في معاملة النبي ﷺ، وجهاده للكفار، وهكذا، ففيها من التفصيلات ما قد لا تجده في غيرها من المصادر الأخرى، إضافة إلى كتب السنة الأخرى كبقية السنن الأربع: الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وهكذا مسند الإمام أحمد وكتب المعاجم، كمعاجم الطبراني الصغير والكبير والأوسط، ومسند أبي يعلى الموصلي، وغيرها من دواوين السنة الكبرى، والأجزاء الحديثية الصغرى، فهذه كلها فيها الكثير والكثير مما لو جمع لكان سيرة متكاملة لرسول الله ﷺ.\rولكن هذه الكتب الحديثية منها ما هو مرتب على الأبواب فيسهل أحياناً الوصول إليها، كما في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي؛ حيث يسهل وصول الإنسان إلى الأبواب التي يريدها وتتعلق بسيرة النبي ﵊، وهناك كتب أخرى ليست كذلك، بل تحتاج إلى العلماء، وتحتاج إلى الفهارس؛ حتى نستفيد منها، كمسند الإمام أحمد؛ لأن الإمام أحمد جعله على مسانيد الصحابة، ومن ثمَّ فإن الإنسان الذي يريد أن يستفيد من هذا المسند لابد أن يتتبع المسند من أوله إلى آخره، ويستعين -مثلاً- بالفتح الرباني وإن كان لم يذكر الأحاديث المكررة، لكن الفتح الرباني حول المسند إلى الأبواب.\rوكذلك أيضا المعجم الكبير للطبراني أو المعجم الأوسط أو مسند أبي يعلى الموصلي أو غيرها، فهذه كلها مسانيد جاءت على ترجمة الصحابة، وأحياناً على ترجمة شيوخ أولئك المحدثين، فالوصول إلى أحداث السيرة فيها يحتاج إلى فهرسة، ويحتاج إلى جهود العلماء في ذلك.\rوينبغي أن نعلم أن حديث النبي ﷺ وما صح منه -كما في البخاري ومسلم مثلاً- فيه من البيان والتوضيح لبعض الأحداث المشكلة الشيء الكثير، وسأذكر بعض الأمثلة المتعلقة بالعهد المدني: مما كان في العهد المدني أن النبي ﷺ غزا غزوة بني المصطلق التي تُسمى غزوة المريسيع، فتجد -مثلاً- في سيرة ابن إسحاق أنه يذكر فيها أن النبي ﷺ دعاهم إلى الإسلام ثم قاتلهم، لكن تجد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ داهمهم وهم غارون، فبحث العلماء هذه القضية: هل لابد قبل القتال من الدعوة إلى الإسلام؟ وكيف نجمع بين حديث البخاري وما قاله ابن إسحاق في سيرته؟ فهنا نجد أن البخاري رحمه الله تعالى أوثق، وأن النبي ﷺ فعلاً هجم على بني المصطلق وهم غارون، حيث هجم عليهم هجوماً صاعقاً، وسبى ذراريهم، وغنم أموالهم، وجرى في تلك الغزوة ما جرى، لكن يبقى\r\rالسؤال\r هل معنى ذلك أن النبي ﷺ ترك الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم وفيه: (وإذا لقيت عدوك فادعهم إلى ثلاث خصال أو إحدى ثلاث خصال: إلى الإسلام)، يعني: ادعهم قبل ذلك، فهل معنى ذلك: أن النبي ﷺ -كما في صحيح البخاري - داهمهم ولم يدعهم؟\r\rالجواب\r لا، بل الراجح أنه داهمهم، لكن كان بنو المصطلق قد بلغتهم الدعوة، وإذا كان الأمر كذلك يزول الإشكال في هذه المسألة، وهكذا إذا حلل الإنسان يجد في كتب الحديث النبوي من الترجيحات الشيء الكثير والكثير جداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534722,"book_id":2827,"shamela_page_id":511,"part":"25","page_num":8,"sequence_num":511,"body":"كتب الشمائل المحمدية مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ\rالقسم الثالث من مصادر سيرة النبي ﵊: كتب الشمائل المحمدية التي تشرح شمائل الرسول ﷺ وأخلاقه وصفاته الخلقية والخلقية ﵊: ومن أهم المراجع في هذا الباب: كتاب الترمذي صاحب الجامع الصحيح، فله كتاب اسمه (الشمائل المحمدية)، وهذا الكتاب طبع، وقد اختصره وحكم على أحاديثه الشيخ ناصر الدين الألباني جزاه الله خيراً، فمختصره موجود، وفيه شرح لشمائل النبي ﷺ.\rومن الكتب التي طبعت في الشمائل ولكن إلى الآن لم تحقق: كتاب (أخلاق النبي ﷺ وآدابه) لـ أبي الشيخ الأصبهاني المتوفى سنة (٣٦٩هـ)، لكن هذا الكتاب حتى الآن -على حد علمي- لم يحقق تحقيقاً متكاملاً.\rوالكتاب الثالث -وهو كتاب مشهور عند كثير من الناس- هو: كتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض المتوفى سنة (٥٤٤هـ)، وهذا الكتاب خرج أحاديثه السيوطي رحمه الله تعالى في كتاب مطبوع اسمه (مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا)، وهو مطبوع، ولكن ينبغي أن نعلم أن كتاب (الشفا) للقاضي عياض وإن كان أجاد فيه في بعض المواضع إلا أنه ﵀ قد وقع في الخطأ في بعضها، ومن ثمَّ نجد للصوفية عناية كبيرة بهذا الكتاب، فالكتاب فيه أشياء جيدة، لكن من الملاحظات عليه أنه تكلم -مثلاً- عن زيارة قبر النبي ﷺ والسفر إليه، ورجح جواز ذلك، وهذا كما هو معلوم مخالف لعقيدة السلف رحمهم الله تعالى.\rالأمر الثاني: أنه لما ذكر أسماء الرسول ﷺ صار يقرنها بأسماء الله، فيقول أن الله من أسمائه: الأول والآخر، ومن أسماء النبي ﷺ: أنه أول من تنشق عنه الأرض إلخ.\rوأقول: إن في مثل هذه المسائل نوع مبالغة لا تنبغي؛ لأن النبي ﷺ بشر، وقد أمر ﵊ بألا نرفعه فوق منزلته.\rومن الكتب الجيدة الممتازة جداً: (الشمائل) للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، وهذا الكتاب جزء من البداية والنهاية، وقد طبع مستقلاً، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان عن سيرة ابن كثير رحمه الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534723,"book_id":2827,"shamela_page_id":512,"part":"25","page_num":9,"sequence_num":512,"body":"كتب دلائل النبوة مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ\rالرابع من مصادر السيرة: كتب دلائل النبوة التي فيها شرح لدلائل نبوته ﷺ ومعجزاته: لأن النبي ﷺ له معجزة هي القرآن الكريم، وله ﵊ معجزات أخرى كثيرة جداً كان أصحاب رسول الله ﷺ يرونها كبيرة، وقد عني العلماء بذكر هذه الدلائل وتفاصيلها؛ لأنها دالة على نبوته ﷺ وفي أثناء هذه الدلائل شرح كبير لكثير من أحداث السيرة النبوية.\rومن كتب الدلائل -وهو أهمها-: كتاب دلائل النبوة للفريابي وقد طبع أخيراً، وهو كتاب صغير، لكنه جيد.\rوهناك كتاب آخر مطبوع اسمه: (دلائل النبوة) لـ أبي نعيم الأصبهاني.\rوهناك أيضاً كتاب ثالث طبع أخيراً واسمه (دلائل النبوة) للبيهقي، لكن كتاب البيهقي هذا كتاب كبير يقع في عدة مجلدات، وفيه بعض الأحاديث الضعيفة، فينبغي لمن اطلع عليه أن يميز صحيحها من ضعيفها.\rوللسيوطي رحمه الله تعالى كتاب اسمه: (الخصائص الكبرى) وقد طبع هذا الكتاب قديماً، ثم طبع أخيراً بتعليقات للشيخ محمد خليل الهراس رحمه الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534724,"book_id":2827,"shamela_page_id":513,"part":"25","page_num":10,"sequence_num":513,"body":"كتب السيرة النبوية مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ\rالقسم الخامس من مصادر سيرة النبي ﷺ: كتب السيرة النبوية: وبدء تدوين السيرة النبوية ليس هذا مناسبة شرحه، وربما أنها سبقت في مناسبة أخرى، لكن نعرض لبعض كتب السير المشهورة، ومن أهمها: سيرة ابن إسحاق المتوفى سنة (١٥٠ أو سنة ١٥١هـ)، وسيرة ابن إسحاق رحمه الله تعالى كانت مسطورة، ثم هذبها ابن هشام، وعرفت عند الناس جميعاً باسم: سيرة ابن هشام، وفيها اعتماد كامل على سيرة ابن إسحاق، مع بعض الحذف والاختصار في بعض المواضع.\rوسيرة ابن إسحاق الأصل وجد منها قطعة تقع في مجلد، طبعت أخيراً بتحقيق محمد حميد الله، ثم طبعت طبعة أخرى بتحقيق سهيل بكار.\rوسيرة ابن هشام هذه هي السيرة النبوية المشهورة بين الناس، والتي عمل العلماء لها شروحاً، وممن شرح غريبها الخشني، وشرحه مطبوع، وممن شرحها الإمام السهيلي واسم شرحه (الروض الأنف)، وقد طبع قديماً في أربعة أجزاء، ثم طبع أخيراً قبل سنوات في سبعة مجلدات بتحقيق عبد الرحمن الوكيل طباعة جيدة، وقد حرص السهيلي على بعض التعليقات وبعض التعقيبات، وشرح بعض الغوامض.\rوينبغي أن يعلم أن سيرة ابن هشام هذه هي سيرة ينبغي التثبت من أحداثها تصحيحاً وتضعيفاً، فليس ما فيها كله صحيح، وإنما يجب مقارنتها بغيرها من السير وبحديث الرسول ﷺ؛ لأن فيها بعض الروايات الضعيفة، وخاصة ما يتعلق بعهد الجاهلية أو بحياة النبي ﷺ الأولى وما يتعلق بولادته ونحوها، لكن ابن إسحاق ثقة في باب المغازي، فإذا لم نجد ما يعارضه من الأحاديث الصحيحة فإننا نعتمد ما قاله ابن إسحاق رحمه الله تعالى.\rوهناك جزء من السيرة لـ أبي إسحاق الفزاري المتوفى سنة (١٨٦هـ)، وأبو إسحاق الفزاري روى له الجماعة، فهو أحد الثقات، وقد طبع أيضاً جزء من كتابه هذا، وهو كتاب جيد لم يقتصر فيه على السيرة النبوية، وإنما ذكر فيها ما يتعلق بالأمور المتعلقة بمعاملة الناس في أثناء الجهاد والغنائم، ففيه تفصيلات وأحكام أخرى.\rومن المغازي المشهورة مغازي الواقدي المتوفى سنة (٢٠٧هـ)، لكن الواقدي هذا متروك، ولما كان ضعيفاً نجد المستشرقين عنوا عناية كبيرة بسيرة الواقدي ومغازيه، وتركوا سيرة ابن إسحاق رحمه الله تعالى، وكان الأولى هو العكس: تقديم سيرة ابن إسحاق على مغازي الواقدي.\rومن كتب السيرة أيضاً: ما كتبه محمد بن سعد كاتب الواقدي المتوفى سنة (٢٣٠هـ) -وهو ثقة- مقدمة لكتابه (الطبقات الكبرى)، ففيه تفصيلات بالأسانيد لسيرة النبي ﷺ، وهو مرجع مهم.\rومن كتب السيرة أيضاً: (الدرر في اختصار المغازي والسير) لـ ابن عبد البر القرطبي الإمام المشهور المتوفى سنة (٤٦٣هـ) وكتابه مطبوع، وقد تابع فيه ابن إسحاق، لكنه رحمه الله تعالى زاد على ذلك بروايات من الحديث النبوي من صحيح البخاري ومن سنن أبي داود ومن غيرها من الكتب.\rوهناك كتب أخرى فيها عناية بسيرة الرسول ﷺ مفصلة، ومنها: (شرح المواهب اللدنية) للقسطلاني، وهو كتاب كبير جداً حاوٍ لكثير من المسائل المتعلقة بشمائل الرسول وسيرته ومغازيه وصفاته وأحواله، ففيه تفصيل كبير، ويتميز أن فيه تحقيقات حديثية وترجيحات، فتجده إذا ذكر الحديث يرجع إلى كتاب البخاري أو إلى كتاب مسلم، ويذكر الروايات، ويناقشها، ويرجح بينها، فهو مرجع مهم في هذا.\rومن كتب السير المشهورة: كتاب (السيرة الحملية) وهي مطبوعة، لكن يُحذر مافيها من روايات ضعيفة؛ لأن فيها روايات إسرائيلية كثيرة.\rومن السير أيضاً: كتاب (سبل الهدى والرشاد) لـ محمد بن يوسف الدمشقي الشامي المتوفي سنة (٩٤٢هـ)، وقد طبع من الكتاب ستة أجزاء وهو كتاب كبير، لكنه كتاب شامل، وفيه ما يجب أن يحذر منه من بعض القضايا العقدية، ومن بعض الروايات الضعيفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534725,"book_id":2827,"shamela_page_id":514,"part":"25","page_num":11,"sequence_num":514,"body":"كتب تراجم الصحابة ﵃ مصدر من مصادر السيرة النبوية\rالسادس من مصادر سيرة الرسول ﷺ: الكتب التي ألفت عن الصحابة، وترجمت لهم: ففيها تفاصيل لسيرة الرسول ﷺ.\rوالكتب المؤلفة عن الصحابة كثيرة، منها (معرفة الصحابة) لـ أبي نعيم الأصبهاني.\rومنها (أسد الغابة) لـ عز الدين ابن الأثير، ومنها (الإصابة) لـ ابن حجر العسقلاني، رحمهم الله تعالى، وغيرها كتب كثيرة، وهي مشهورة، وفيها تفاصيل حياة الصحابة المتعلقة بسيرة النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534726,"book_id":2827,"shamela_page_id":515,"part":"25","page_num":12,"sequence_num":515,"body":"كتب التاريخ مصدر من مصادر سيرة النبي ﷺ\rومن المصادر لسيرة النبي ﷺ التي يستفاد منها: كتب التاريخ.\rوكتب التاريخ نوعان: النوع الأول: الكتب التي دونت لتاريخ الحرمين الشريفين، مثل (تاريخ مكة) للفاكهي، ومثل (تاريخ مكة) للأزرقي، ومثل (العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين)، ومثل (خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى) للسمهودي، فهذه الكتب وإن كانت كتباً تاريخية هامة إلا أن من يريد أن يبحث في سيرة رسول الله ﷺ فسيجد منها ما يفيده، على أن يمحص هذه الروايات ويدرسها.\rالقسم الثاني من كتب التاريخ هي: كتب التاريخ العامة، مثل (تاريخ الطبري)؛ فإن تاريخ الطبري هذا فيه من التفاصيل في سيرة النبي ﷺ الشيء الكثير، لكنه ﵀ كان يسوقها بأسانيدها، ومن أسندك فقد أحالك، فعلى الإنسان ألا يأخذ ما يرد في تاريخ الطبري على أنه قضية مسلمة، وإنما عليه أن يدرس أسانيدها، ويمحصها، ويقارن بينها وبين الروايات الأخرى، ومثلها كتاب (أنساب الأشراف) للبلاذري؛ فإن في مقدمة هذا الكتاب ترجمة وافية للرسول ﷺ.\rومنها: كتاب (البداية والنهاية) لـ ابن كثير؛ فإنه أسند سيرة مطولة للنبي ﷺ، وقد طبعت مستقلة باسم (السيرة النبوية لـ ابن كثير)، ويُعتبر هذا الكتاب من أهم كتب السيرة؛ لأن ابن كثير رحمه الله تعالى كان مهتماً بالحديث، وكان مهتماً بمقارنة أحداث السيرة التي يذكرها ابن إسحاق أو غيره بما في صحيح البخاري ومسلم والترمذي وغيرها من الروايات، فكتابه هذا مفيد جداً، ونقول: إنه من أفضل كتب السيرة التي يجب أن يُعتنى بها.\rوهناك أيضاً كتاب آخر وهو: كتاب (التاريخ) للذهبي رحمه الله تعالى، فإنه أفرد مجلدين كبيرين أحدهما للسيرة النبوية، والثاني لمغازي رسول الله ﷺ، وقد كان الذهبي إماماً محدثاً، ومن ثمَّ فإنه رحمه الله تعالى حرص حرصاً شديداً على مقارنة هذه السيرة بغيرها والحكم على كثير من رواياتها، فهو كتاب مهم جداً، وقد طبع ما يتعلق بالسيرة وما يتعلق بعهد الخلفاء الراشدين من هذا الكتاب، كما طبعت منه أجزاء أخرى فيما بعد ذلك.\rوأيضاً: كتب التاريخ المختلفة، ولا نريد أن نتتبعها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534727,"book_id":2827,"shamela_page_id":516,"part":"25","page_num":13,"sequence_num":516,"body":"كتب يجب الحذر منها\rونحن نتدارس مصادر سيرة النبي ﷺ فنحن أن نحذر من الكتب التي يسمونها: كتب الأدب، وكتب دواوين الشعر، ونحوها، ككتاب (الأغاني) لـ أبي الفرج الأصبهاني أو (العقد الفريد) أو غيرها من الكتب؛ فإن هذه فيها تفاصيل بأحداث السير وبأحداث جرت بين صحابة رسول الله ﷺ، لكن ينبغي أن نعلم أن هذه التفاصيل يجب ألا تؤخذ قضية مسلمة، وأن نعلم أن فيها كثيراً من الدس والكذب على أولئك الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.\rفلا يجوز لمسلم أن يجعل مثل هذه الكتب مصدراً له، لا في تاريخ الرسول ﷺ وسيرته ولا في تاريخ الصحابة، ولا في تاريخ عهود الخلفاء الراشدين وما جرى بينهم ﵃ وأرضاهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534728,"book_id":2827,"shamela_page_id":517,"part":"25","page_num":14,"sequence_num":517,"body":"أقسام الدراسات المعاصرة في سيرة النبي ﷺ\rأما الكتابات المعاصرة في سيرة الرسول ﷺ فينبغي أن نعلم أن هذه الكتابات قسمان: منها قسم تأثر فيه أصحابه بدراسات المستشرقين والمبشرين.\rوينبغي أن أشير في هذه المناسبة إلى أن المستشرقين والمبشرين ألفوا كتباً كثيرة عن النبي ﷺ، وكثير من هذه الكتب وبعضها قد ترجم إلى العربية، وكثير منها مملوء حقداً وبغضاً وسباً وشتماً لرسول الله ﷺ ولأصحابه، فينبغي أن نحذر من هذه الدراسات الاستشراقية، وتبعهم على ذلك بعض أذنابهم ممن ينسبون إلى المسلمين، وكان من الدراسات التي تأثرت بهم ما كتبه طه حسين في كتابه (على هامش السيرة)، فهذا الكتاب مملوء بالخرافات، ولا ينبغي أن يعتمد عليه أبداً.\rوكذلك أيضاً هناك كتب أخرى وإن كانت أقل خطورة من هذا الكتاب إلا أنها تأثرت بتلك الدراسات الاستشراقية وبالغزو الاستعماري.\rومنها ما كتبه محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد)، أو في كتابه الآخر (في منزل الوحي)، فالكتابان وإن كانا جميلين بديعين إلا أنه قلد فيهما مناهج المستشرقين والمبشرين، فمثلاً: أراد أن يجعل من النبي ﷺ وكأنه واحداً من البشر العاديين، ومن ثم سمى كتابه (حياة محمد)، يعني: يريد ألا يجعل هناك معجزة إلا القرآن، فيبعد عن سيرة النبي ﷺ ما يسميه هؤلاء مخالفاً للعقل من المعجزات ومن المغيبات، ويريد أن يعرض سيرة النبي ﷺ عرضاً كما يقول: ليتناسق مع مقتضيات الحياة ومع بذل الأسباب البشرية، فجاء عرضه في سيرته بعيداً عن تلك القضايا المهمة في حياة النبي ﷺ والتي هي من معجزاته ودلائل نبوته ﵊.\rومثله ما كتبه العقاد في كتابه (عبقرية محمد)، وعنوانه يدل على مقصده منه! فمحمد رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ لا يُقاس بغيره من العظماء، وإنما يجب أن تختص دراسته بكونه نبياً ورسولاً من عند الله ﵎.\rثم إنه بدأت دراسات جادة وجيدة لسيرة النبي ﷺ ولنقد كتب السيرة، ومن تلك الدراسات الجيدة ما كتبه عدد من الباحثين في جامعة أم القرى وفي الجامعة الإسلامية، فإن هؤلاء كتبوا عدة رسائل درسوا فيها بعض المسائل المتعلقة بسيرة النبي ﷺ دارسة حديثية نقدية ممتازة، فمثلاً: درسوا بيعة العقبة وأحداثها، ودرسوا هجرة النبي ﷺ وأحداثها، ودرسوا غزوة بدر، ومن هذه الدراسات ما يتعلق بغزوة بني المصطلق، وما يتعلق منها بصلح الحديبية، وما يتعلق منها بغزوة تبوك، وقد طبعت أكثر هذه الدراسات، وهي دراسات مهمة جداً.\rوكان للشيخ محمد أمين المصري رحمه الله تعالى فضل في ذلك بعد الله تعالى؛ فإنه أول من اقترح هذه الدراسات، وأشرف على عدد من هذه البحوث، وتوفي رحمه الله تعالى منذ زمن، ثم تابع الإشراف على هذه الرسائل الأستاذ الشيخ الدكتور أكرم العمري، وهو موجود الآن في المدينة، وقد حرص الدكتور أكرم العمري على متابعة سيرة النبي ﷺ وعلى متابعة هذه الرسائل لإخراج سيرة جيدة متكاملة مبنية على الدراسة الحديثية المؤصلة.\rومن الدراسات التي اهتمت بالسيرة النبوية ما كتبه الأستاذ محمد سرور زين العابدين (دراسات في السيرة النبوية)، فإن هذا الكتاب قد طبع، ودرس فيه كثيراً من مناهج السيرة النبوية، ونقد نقداً ممتازاً كثيراً من مناهج المستشرقين وأذنابهم من المستغربين، ودراسته هذه مطبوعة.\rومنها أيضاً ما كتبه أكرم العمري الذي أشرت إليه قبل قليل؛ فإنه له دراسات ممتازة جداً، حول سيرة النبي ﷺ، ومن تلك الدراسات الممتازة له ما كتبه بعنوان: (المجتمع المدني في عهد النبوة)، وهو جزءان: جزء يتعلق بخصائص هذا العهد وتنظيماته الأولى، والجزء الثاني يتعلق بالجهاد ضد المشركين، وقد طبعت هذين الجزأين الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفيه دراسة ممتازة جداً وتأصيل جيد لدراسة سيرة النبي ﵊.\rوهناك دراسات كثيرة ومتعددة اختلفت مناهجها وسبلها، وتعدادها يطول بنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534729,"book_id":2827,"shamela_page_id":518,"part":"25","page_num":15,"sequence_num":518,"body":"أهم الكتب والمصادر في سيرة النبي ﷺ\rفإن قيل في ختام المصادر: فما أهم المصادر لسيرة النبي ﷺ؟ فأود أن أشير إلى أن من أهم كتب السيرة الكتب التالية: الكتاب الأول: (تاريخ الإسلام) للذهبي، ففيه المقدمة التي أشرت إليها قبل قليل، وهي قسمان: قسم في السيرة النبوية، وقسم في المغازي.\rالكتاب الثاني: (السيرة النبوية) لـ ابن كثير.\rالكتاب الثالث: (زاد المعاد) لـ ابن القيم رحمه الله تعالى، وهذا كتاب عجيب عجيب جداً، فكتاب (زاد المعاد) الذي ألفه ابن القيم رحمه الله تعالى وهو في طريقه إلى الحج فيه من التفاصيل في حياة النبي ﷺ وهديه وسيرته وفقهها ما يعتبر من الكتب الفريدة في بابه، فينبغي ألا يخلو بيت من هذا الكتاب بعد حديث رسول الله ﷺ وكتب التفسير.\rوابن القيم رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالسيرة النبوية أعقب كل حدث بذكر الدروس المستفادة منه، وهذا الكتاب مهم جداً، وقد طبع محققاً في خمسة مجلدات، وسادسها هو الفهارس، فاحرصوا على اقتناء هذا الكتاب والقراءة فيه؛ فإن فيه فوائد جمة، وإن فيه من التحقيقات الكثيرة الكبيرة ما يحتاج إليه المسلم في حياته.\rوهذا الكلام كله بعد سيرة ابن إسحاق؛ لأن ابن إسحاق له من التفاصيل في سيرة النبي ﷺ ما يعتبر من جاء بعده تلميذاً له يستفيد منه.\rومن هذه الكتب أيضاً: (فتح الباري) لـ ابن حجر العسقلاني، وأود أن أشير إلى أن هذا الكتاب فيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ مهم جداً؛ لأنه لما شرح الأحاديث المتعلقة بالسيرة سواء في الأبواب التي بوبها البخاري ﵀ فيما يتعلق بالمغازي والسير والجهاد ونحوها وفضائل الصحابة ونحوها والمناقب ونحوها، أو ما يتعلق بالأحاديث التي بوب لها البخاري في باب الأحكام لكنها متعلقة بسيرة النبي ﷺ.\rوقد تميز ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه (فتح الباري) بشرح الأحاديث وتمحيصها، ومقارنة الروايات ومدارستها، وفي هذا ما يحتاج إليه أي إنسان يريد أن يطلع على سيرة النبي ﷺ وتفاصيلها، فالكتاب مليء ومليء بالفوائد العلمية الكبيرة، ومنه ما يتعلق بسيرة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.\rومن الكتب الجميلة جداً والمهمة جداً في سيرة النبي ﷺ: كتاب (مختصر سيرة النبي ﷺ للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ووالده محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى له كتاب مختصر في السيرة؛ ركز فيه على ما يتعلق بالجاهلية وعادات المشركين؛ ليبين كيف كانت بعثة النبي ﷺ حرباً على الشرك وعادات الجاهلية وأحوالها، لكن ولده عبد الله له مختصر في مجلد كبير، اقتصر فيه على ما ورد عن ابن إسحاق رحمه الله تعالى، إلا أنه أضاف إليه تعليقات وتحقيقات أخذها من ابن القيم ومن غيره.\rهذه أهم مصادر السيرة، وننتقل الآن إلى القسم الثالث والأخير من هذا الموضوع ومن هذه المقدمات، ألا وهو ما يتعلق بمنهج دراسة سيرة هذا النبي الكريم ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534730,"book_id":2827,"shamela_page_id":519,"part":"25","page_num":16,"sequence_num":519,"body":"منهج دراسة سيرة النبي ﷺ\rودراسة سيرة النبي ﷺ ينبغي أن تقوم على عدة أسس وصفات، ومن أهمها: أولاً: ينبغي أن تكون الدراسة لسيرة النبي ﷺ منطلقة من عزة الإسلام وأحقيته في الحكم والسيادة، وأن الله ﷾ لا يقبل من أحد ديناً غيره.\rوهذه قضية مهمة جداً، فمن يدرس سيرة النبي ﷺ يجب أن يبنيها على هذا الأساس؛ إذ ليست سيرة النبي ﷺ سيرة رجل من الناس، وإنما يبنيها على أن هذا الإسلام لا يقبل الله من أحد ديناً غيره، وعلى أن هذا الإسلام لا يمكن أن تتم معرفته إلا بمدارسة سيرة هذا النبي الكريم ﷺ، وينبغي البعد عن الروح الانهزامية في تحرير وتحليل قضايا السيرة النبوية، فجهاد رسول الله ﷺ يدرسه الإنسان على أنه دين أمر الله ﷾ به، لا على أن المسلمين لم يقصدوا به كذا، ولم يقصدوا منه كذا، وإنما كان دفاعاً، ولم ينتشر الإسلام بالسيف، ولم ولم إلى آخر العبارات التي جاءتنا من سموم المستشرقين والمبشرين.\rنعم قال الله ﵎: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، لكن الله ﷾ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فالجهاد ليس فيه روح انهزامية، ونحن ندرس سيرة النبي ﷺ من خلال الأحكام الشرعية التي تبين كيف أن هذا نبي من عند الله، وأن الله ﷾ أمره بأن يبلغ دينه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].\rومن الأمثلة على الروح الانهزامية لبعض من يدرس سيرة النبي ﷺ: ما فعله بعضهم حينما مر على قصة بني قريظة حينما خانوا النبي ﷺ في غزوة الأحزاب، وقصتهم طويلة وهي مفصلة في كتب السيرة، لكن النبي ﷺ بعد أن هزم الأحزاب رجع إلى بني قريظة، وكانت له مع جبريل قصة حينما ألقى النبي ﷺ السلاح فدخل عليه جبريل فقال: (يا محمد! ألقيت السلاح؟ قال: نعم.\rقال: فإن الملائكة لم تلق بعد السلاح.\rقال: وماذا؟ قال: اذهب إلى بني قريظة)، فقام رسول الله ﷺ ولبس لأمته وذهب إلى بني قريظة وحاصرهم حتى استسلموا، فلما استسلموا أرادوا أن تكون حالهم كحال بني النضير الذين وهبهم النبي ﷺ لـ عبد الله بن أبي ابن سلول؛ حيث إن النبي ﷺ وافق على أن يُؤخذ منهم السلاح، وتُسلم لهم نفوسهم وأموالهم، فأرادوا ذلك، وطلبوا من النبي ﷺ أن يحكم فيهم حليفهم في الجاهلية سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه.\rفقبل النبي ﷺ في أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وقبلوا هم ذلك، وجاء رسول الله ﷺ ودعا سعد بن معاذ، وكان قد أصيب بجرح، فلما أقبل سعد بن معاذ على رسول الله ﷺ وأنزلوه قال النبي ﷺ: (لقد آن لـ سعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقال: احكم في بني قريظة يا سعد)، أي: احكم في هؤلاء الخونة، فقال سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه: (أحكم فيهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم).\rفقال النبي ﷺ: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)، أي: أن حكمك هو حكم الله الجبار ﷻ، وأتي بهؤلاء الملاعين، وكانوا قرابة السبعمائة رجل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534731,"book_id":2827,"shamela_page_id":520,"part":"26","page_num":1,"sequence_num":520,"body":"نماذج من أحوال السلف مع القرآن [١]\rالحياة الحقيقية هي الحياة مع القرآن، والعيش الهنيء هو العيش في ظلاله، فإن ذلك يورث المجد والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة، وخير مثال لذلك تلك الحياة التي عاشها ذلك الجيل الرباني العظيم في تلك القرون المفضلة، وسيقف القارئ الكريم على متفرقات من وصاياهم وأحوالهم مع القرآن الكريم؛ ليرى تلك الحياة السعيدة الطيبة التي عاشوها مع القرآن يوم أن أعطوه حقه من التلاوة والعمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534732,"book_id":2827,"shamela_page_id":521,"part":"26","page_num":2,"sequence_num":521,"body":"الصحابة الكرام وعيشهم مع القرآن الكريم\rالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فاعلم أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\rأيها الأخ المسلم! هذا هو الدرس الرابع من دروس (كيف نحيا بالقرآن الكريم)، فأقول: كيف كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يحيون بالقرآن العظيم؟ فانظر إلى نماذج من مواقف صحابة رسول الله ﷺ مع رسولهم الكريم حول هذا القرآن والثقة بالقرآن.\rلقد كانت ثقتهم بوعد الله تعالى في القرآن وأخذهم ما جاء فيه على أنه حقائق مسلمة ينتظرون حصولها ووقوعها حسبما وعد الله لهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لقد كانت هذه الثقة كاملة ومطلقة، وكانوا يتعاملون معها في واقعهم وفي أحوالهم وفي تلقيهم للأحداث التي يمرون بها.\rكان المسلمون في مكة قبل الهجرة مستضعفين، وكان من حرب المشركين للمسلمين أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين، ومما جادلوهم به في مكة أنهم قالوا لهم في يوم من الأيام: إن الروم يشهدون أنهم أهل كتاب، وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل إليكم! هكذا احتج المشركون على رسول الله ﷺ وأصحابه بحدث واقع في زمنهم، ألا وهو انتصار الفرس الوثنين على الروم النصارى الذين كانوا ينتسبون إلى الكتاب، فاهتدى لها المشركون وأتوا إلى المسلمين ليثيروا فيهم الشكوك ويقولوا لهم: نحن وثنيون، وأنتم تزعمون أنكم أهل كتاب أنزله الله على محمد ﵌، وانظروا إلى حقائق التاريخ، فهؤلاء الفرس المجوس الوثنيون قد انتصروا على النصارى وهم أهل كتاب! فأنزل الله ﵎ قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:١ - ٧].\rوتلقى الصحابة ﵃ هذه الآيات على أنها وعد صادق لا شك فيه أبدا، مع ما كانوا فيه في مكة من ضعف وتشريد وتضليل، ومع هذا فإنها متضمنة للإخبار بالنصر وبأنه كائن في وقت معين.\rومع أن هذين الأمرين -أعني النصر وتوقيته- كل منهما خارج عن متناول الظنون، وذلك أن دولة الروم كانت قد بلغت من الضعف حداً يكفي من تلاحقه أنها غزيت في عقر دارها وهزمت في بلادها، كما قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:٢ - ٣].\rفلم يكن أحد يظن أنها تقوم لها بعد ذلك قائمة فضلاً عن أن يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر وهو أقل من عشر سنين؛ لأن البضع ما بين الثلاث إلى التسع، ولذلك كذب به المشركون وراهنوا على تكذيبه بعد نزول هذه الآيات.\rومع هذا فإن الله تعالى عزز هذا بوعد آخر يتعلق بالمسلمين أنفسهم فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥]، وهذا إشارة إلى أن اليوم الذي يكون فيه النصر هناك للروم على الفرس سيقع فيه هاهنا نصر للمسلمين على المشركين، وإذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته مستبعداً عند الناس في ذلك الوقت أشد الاستبعاد فكيف الظن بوقوعهما مقترنين في يوم واحد؟! وقد أكد الله تعالى ذلك أعظم التأكيد في قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦].\rولقد بلغ من يقين الصحابة في هذا الوعد أن أبا بكر الصديق -كما روى الترمذي عنه في سننه- لما نزلت هذه الآيات خرج يصيح في نواحي مكة ويتلوها ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤]، فقال ناس من قريش لـ أبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى.\rوتراهنوا.\rولقد صدق الله وعده، حيث تمت للروم الغلبة على الفرس بإجماع المؤرخين في أقل من تسع سنين، وليس كذلك فقط، بل كان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوة بدر الكبرى، كما روى ذلك الترمذي عن أبي سعيد ﵁.\rنصر من الله ﷾ في يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، مواكب لنصر وقع للروم على الفرس، وكل هذا من معجزاته ﷺ ونصرة الله له.\rولكن كيف عاش الصحابة مع هذا الوعد من الله تعالى وهم مستضعفون؟ إنه النضج لعيش الصحابة مع القرآن واليقين بالقرآن، فلم يتلوا هذه الآيات وهم مستضعفون مشردون في مكة تلاوة شك وتردد كما يفعله أحياناً بعض ضعفاء الإيمان، يتلو القرآن ويعلم أنه كلام الله تعالى وهو حق لا شك فيه أبداً، ولكنه يتلوه وكأنه شاك بوعد الله تعالى.\rهكذا كان الصحابة رضي الله ﵎ عنهم يعيشون مع القرآن، وهكذا يجب أن يعيش المسلمون مع حقائق القرآن إذا أرادوا أن يحيوا في القرآن حياة حقيقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534733,"book_id":2827,"shamela_page_id":522,"part":"26","page_num":3,"sequence_num":522,"body":"الوعد القرآني للصحابة بدخول مكة آمنين وأين حل منهم\rوهناك نموذج آخر، ففي عام الحديبية منع المسلمون من دخول مكة، وكان الاتفاق وعقد الصلح، وكان من بنوده أن يرجع الرسول ﷺ -وقد ساق الهدي- إلى بلده من عامه ذلك، وأن يعتمر هو وأصحابه في العام المقبل، واشترط المشركون شرطاً على المسلمين، هو أن يدخلوا مكة عزلاً من كل سلاح إلا السيوف في القرب، أي: في أغمادها.\rفكيف يثق المسلمون بوفاء المشركين بعقدهم وقد بلوا منهم نقض العهود، وقطع الأرحام، وانتهاك شعائر الله، والصد عن سبيل الله، والصد عن المسجد الحرام؟ فهل سيصدقون في تمكينهم من الدخول إلى مكة لعمرة القضاء؟ ولو صدقوا في تمكينهم من الدخول فكيف يأمن المسلمون جانبهم إذا دخلوا ديارهم مجردين من دروعهم وقوتهم؟ ألا يمكن أن تكون هذه مكيدة يراد منها استدراجهم إلى الفخ، وعلامة هذه المكيدة اشتراط تجردهم من السلاح إلا السيوف في القرب وهو سلاح لا يصد الرمي بالسهام والنبال؟ أيها الأخ المسلم! إن المسلمين لم يخافوا من ذلك كله؛ لأن وعد الله الصادق قد جاء قبل ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧].\rفكان وعداً بثلاثة أمور: الدخول، والأمن، وقضاء الشعيرة، وقد تحقق ذلك كله لرسول الله ﷺ ولأصحابه كما هو معلوم -والحديث في الصحيحين- ثقة بوعد الله وبنصره، وثقة بالقرآن، وثقة بالنبي محمد ﵊، وهكذا كانوا يعيشون مع القرآن ويحيون في ظل القرآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534734,"book_id":2827,"shamela_page_id":523,"part":"26","page_num":4,"sequence_num":523,"body":"الوعد القرآني للصحابة بالتمكين والأمن بعد الخوف\rوهناك نموذج آخر: فقد كان الله تعالى يقص في القرآن على المسلمين من أنباء الرسل وهم في مكة يثبت أفئدتهم، ويعدهم الأمن والنصر الذي كان لمن قبلهم في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وبمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].\rفلما هاجر المسلمون إلى المدينة فراراً بدينهم من الفتن ظنوا أنهم قد وجدوا مأمنهم في مهاجرهم، ولكن ما لبثوا أن هاجمتهم الحروب المسلحة من كل جانب، فانطلقوا من خوف إلى خوف، وأصبحت أمنيتهم أن يجيء يوم يضعون فيه أسلحتهم، وفي هذه الحال كان يعدهم الله في القرآن بما سيحصل لهم من النصر والأمن والاطمئنان، بمثل قول الله ﵎: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].\rروى الحاكم في مستدركه -وصححه- عن أبي بن كعب ﵁ قال: (لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟! فنزلت هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٥]).\rوروي عن البراء ﵁ قال: (نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد).\rفكيف عاش الصحابة مع هذا الوعد الرباني بأن الله سيمكن لهم في الأرض، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا، ولكنه وعد مشروط بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فكيف عاش الصحابة مع هذا الوعد الرباني المشروط بعبادة الله وحده لا شريك له؟! لقد تلقوه بالتصديق، فحققوا الشروط، فعبدوا الله وحده لا شريك له، ونبذوا الأصنام، وحققوا الولاء والبراء، وعملوا بأحكام الله ﵎، وصاروا أناساً يتلقون القرآن ليعملوا به، يتلقاه الفرد وتتلقاه الأمة للعمل، فالفرد حين يسمع آيات من كتاب الله تعالى في أمر أو نهي، ينقلب إلى أهله وأولاده يتلو عليهم كتاب الله تعالى فينفذون في الحال، لا انتظار ولا شكوك ولا قساوة قلوب، لأنها قلوب حية تلين مع القرآن، وتعمل بالقرآن، وتحقق ما أمرها الله ﷾ به، فلما حققوا ذلك وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وفعلوا الواجبات وتركوا المحرمات؛ حقق الله ﷾ لهم ذلك الوعد، فبدلوا في وقت قصير من بعد خوفهم أمنا، واستخلفوا في مشارق الأرض ومغاربها، وقد تم ذلك في وقت قصير من السنين.\rهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ، وهكذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يعيشون مع القرآن، كانوا لحبهم لهذا القرآن ولثقتهم بما فيه لا يملون من تلاوته، يتعلمونه ويعملون به، كانوا وهم في ساحات الجهاد يحيون لياليهم بالقرآن الكريم، وكانوا يتلذذون بقراءة القرآن العظيم، وكان الواحد منهم إذا اشتدت عليه الهموم أو جاءه الخوف من كل جانب لجأ إلى الله ﷾ وهو يتلو القرآن العظيم، يتلوه تلاوة المؤمن الواثق، تلاوة المؤمن العامل، تلاوة المؤمن الذي صدق ربه فصدقه الله ﷾.\rيا أمة محمد ﷺ! هل تريدون أن نكون كما كانوا؟ إن الأمر واضح وضوح الشمس، فإن كنا نريد أمناً، وإن كنا نريد عيشاً رغيداً، وإن كنا نريد حياة طيبة، وإن كنا نريد أن يعصمنا الله من أعدائنا مشرقاً ومغربا، فعلينا بهذا الدين عقيدة وشريعة ومنهاجا، وعلينا بهذا القرآن نجعله حياتنا، وذلك وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534735,"book_id":2827,"shamela_page_id":524,"part":"26","page_num":5,"sequence_num":524,"body":"وصايا السلف في التعامل مع القرآن\rلقد كان من وصايا السلف بهذا القرآن والتزامه وتلاوته والعمل به دروس لمن جاء بعدهم، دروس عملية ودروس قولية كانوا يوصون بها أصحابهم، أما كونها دروساً عملية فكان السلف الصالح رحمهم الله تعالى نماذج للعمل بالقرآن يقتدي بهم من كان بعدهم، فالصحابة كانوا دروساً عملية للتابعين، والتابعون كانوا دروساً عملية لتابعي التابعين، وهكذا كانت أمة محمد ﷺ، ولم تخل في كل وقت من خير وإلى خير إن شاء الله تعالى.\rولقد أعطوا دروساً قولية تصدق أفعالهم، فلم تكن أفعالهم تخالف أقوالهم، واستمع إلى بعض كلماتهم ووصاياهم وزواجرهم حول القرآن العظيم.\rيقول عبد الله بن مسعود ﵁: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله.\rولقد صدق ﵁ وأرضاه في هذا، فإذا أردت أن تعرف قدر الله عندك وبالعكس قدرك عند الله ﷾؛ فانظر إلى قدر القرآن العظيم عندك، هل تحبه وتتعلق به؟ هل تلازمه وتتلوه؟ هل أنت تفرح بهذا القرآن أم لا؟ ويقول حذيفة بن اليمان ﵄ -وهو الخبير بالفتن ومواقعها- يقول موصياً أهل القرآن: يا معشر القراء استقيموا.\rيا معشر القراء استقيموا.\rيا معشر القراء استقيموا؛ فقد سبقتم سبقاً بعيداً، وإن أخذتم يميناً أو شمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً.\rولما كان أبو موسى الأشعري أميراً على البصرة ﵁ كيف كانت عنايته بإمارته؟ لقد اعتنى أول ما اعتنى بالقرآن، فبعث إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن العظيم، فقال لهم ﵁ يوصيهم: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤها، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم.\rويا لها من وصية، وصية من أمير البصرة في ذلك الوقت يوصي القراء ويعطيهم منزلة بين المجتمع، ثم بعد ذلك ينصح لهم فيأمرهم بالقراءة والتلاوة والعمل، وينهاهم عن أن يطول عليهم الأمد فتقسو قلوبهم.\rويقول عمر بن الخطاب ﵁: يا معشر القراء! ارفعوا رءوسكم؛ فقد وضح لكم الطريق فاستبقوا الخيرات.\rوصدق ﵁، وكثيراً ما أوصى السلف بالعمل بالقرآن الذي هو دليل الإيمان، فهذا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: لقد عشنا دهراً طويلاً وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما آمره وما زاجره وما ينبغي أن يقف عنده، ينثره نثر الدقل.\rأيها الأخ المسلم! لقد أوتي أصحاب النبي ﷺ الإيمان، فكانوا يعملون بالقرآن، وكانوا لا يتجاوزون آيات حتى يتعلموها ويعملوا بما فيها، وهذه هي الحياة الحقيقية بالقرآن، فالحياة بالقرآن -أيها الأخ المسلم- هي أن نعيش مع القرآن بقلوبنا وأنفسنا، أن نعيش معه في أسرنا، أن نعيش معه في تعليمنا، أن نعيش معه في إعلامنا، أن نعيش معه في كل حالة من حالاتنا، أن نعيش معه وأن لا نلهو ونعرض عنه.\rأيها الأخ المسلم! يقول أبو هريرة ﵁ -وهو يعلم الأسرة-: البيت الذي يتلى فيه كتاب الله كثير خيره، والبيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله وقل خيره، وحضرته الشياطين وخرجت منه الملائكة.\rوصدق ﵁ وأرضاه.\rويقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أحداً من خلق الله أعطي أفضل مما أعطي فقد حقر ما عظم الله، وعظم ما حقر الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل ولا أن يحد فيمن يحد، ولكن يعفو ويصفح.\rوصدق عبد الله بن عمرو ﵁، فمن أعطي القرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي بشر على الإطلاق؛ لأنه أعطي النور المبين الذي به حياة القلوب في الدنيا والآخرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534736,"book_id":2827,"shamela_page_id":525,"part":"26","page_num":6,"sequence_num":525,"body":"أنموذج من حياة السلف مع القرآن\rولقد كان السلف رحمهم الله تعالى يعيشون حياتهم للقرآن ولتعليم القرآن، فهذا أبو عبد الرحمن السلمي التابعي رحمه الله تعالى جلس سبعين سنة يعلم الناس القرآن، ومثله كثير في كل زمن، وفسر مجاهد قول الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١] بأن قال: يعملون به حق العمل.\rوهذه هي الغاية من تلاوة القرآن، أن يعمل به صاحبه.\rفأين نحن من القرآن العظيم؟ أين نحن من هذا الكتاب المبين الحق الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]؟ أين نحن من هذا القرآن يا أمة الإسلام؟ أين نحن من تلاوته وتعلمه وتعليمه؟ أين نحن من العمل به؟ أين نحن من العيش في ظل هذا القرآن؟ اللهم إنا نسألك أن تعمر قلوبنا وأن تملأها بالقرآن العظيم، اللهم رد أمة محمد ﷺ إلى هذا القرآن لتعمل به حق العمل يا رب العالمين، اللهم اعمر قلوبنا وبلادنا بالقرآن، اللهم أجرها من الفساد وسوء الأخلاق، اللهم أملأها بالقرآن يا رب العالمين.\rاللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر عبادك الموحدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر عبادك المؤمنين الموحدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين في كل مكان يا رب العالمين.\rاللهم من أراد عقيدتنا بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم من أرادها بهدم أو تغيير فاشغله بنفسه يا رب العالمين، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم من أراد أمننا بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.\rاللهم احفظنا واحفظ أمننا بالقرآن والعمل بالقرآن، اللهم احفظنا واحفظ أمننا وأمن المسلمين جميعاً بالقرآن العظيم، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، اللهم من أراد أخلاقنا وأخلاق شبابنا وبناتنا بسوء فاشغله بنفسه، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.\rاللهم إنا نسألك أن توفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأخص منهم الأربعة الخلفاء وبقية العشرة وآل بيته الطيبين الطاهرين، وبقية الصحابة أجمعين، واجعلنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534737,"book_id":2827,"shamela_page_id":526,"part":"27","page_num":1,"sequence_num":526,"body":"نماذج من أحوال السلف مع القرآن [٢]\rكان سلفنا الصالح قرآناً يمشي على الأرض، فقد وهبوه وجدانهم، وأنفقوا فيه أغلى أوقاتهم، فانتفعوا به ونفعوا غيرهم، وبين يدينا نموذج فريد من تلك النماذج التي يحيي ذكرها مكانة القرآن في النفوس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534738,"book_id":2827,"shamela_page_id":527,"part":"27","page_num":2,"sequence_num":527,"body":"حياة علم من أعلام القرآن\rالحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\rأيها الأخ المسلم! هذا أحد أعلام التابعين كان مشركاً كافراً من بلاد فارس، ثم أسر أخيراً في إحدى معارك الإسلام زمن الصحابة ﵃ وأرضاهم، فأسلم وتعلق قلبه بالقرآن.\rيقول هذا التابعي رحمه الله تعالى عن نفسه: وقعت أنا ونفر من قومي أسارى في أيدي المجاهدين، ثم ما لبثنا أن غدونا محفوفين بطائفة من المسلمين في البصرة، فلم يمض علينا وقت طويل حتى آمنا بالله، وتعلقنا بحفظ كتاب الله.\rوهكذا كانت أمة الإسلام، وهكذا كان سلفنا من الصحابة ﵃ ومن بعدهم، كانت بيوتهم عامرة بالإسلام والقرآن، وكان كل من عاش معهم يتأثر بهم وبأخلاقهم ومعاملاتهم وحياتهم الطيبة المعمورة بالقرآن الكريم وسنة الرسول ﵌، ولو كان هؤلاء الذين يعيشون معهم عبيداً لهم مملوكين يأمرونهم وينهونهم ويبيعونهم ويشترونهم، فكانت حياتهم دعوة إلى الله ﵎ بأقوالهم وأفعالهم، وكان كثير من المشركين أو أهل الكتاب لا يمضي عليهم وقت حتى يدخلوا في دين الإسلام، وكيف لا يدخلون والإسلام هو دين الحق، والذين يعملون معهم ويعاملونهم يتخلقون بأخلاق القرآن؟ فكانت القدوة والمعاملة تنتقل مباشرة إلى هؤلاء.\rهكذا كانت أمة الإسلام، وقارنها اليوم بأوضاعنا نحن المسلمين، وكيف نعامل غيرنا في بيعنا وشرائنا وأخلاقنا ونحو ذلك، حتى ولو لم يكونوا عبيداً مملوكين وإنما هم أجراء بيننا وبينهم عقد الإجارة.\rهذا الإمام التابعي كان مشركاً مقاتلاً في صفوف المشركين فوقع أسيراً، ولما عاش في البصرة بين أصحاب رسول الله ﵌ والتابعين رأى الإيمان والقرآن، فما لبث أن دخل في دين الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534739,"book_id":2827,"shamela_page_id":528,"part":"27","page_num":3,"sequence_num":528,"body":"حياة أبي العالية مع سيده ومع ربه وخالقه\rيقول بعد أن ذكر إسلامه وتعلقه بالقرآن وهو عبد مملوك، يقول: وكان منا -أي: من العبيد المملوكين- من يؤدي الضرائب لمالكيه، ومنا من يقوم على خدمتهم، وكنت واحداً من هؤلاء -يعني: من هؤلاء الذين يقومون على خدمة أسيادهم- ولكن كنا نختم القرآن كل ليلة، فشق ذلك علينا فجعلنا نختمه مرة كل ليلتين، فشق ذلك علينا فجعلنا نختمه كل ثلاث، فشق ذلك علينا لما كنا نعانيه من جهد في النهار وسهر في الليل.\rفهل تعقد نفسياً وهو عبد مملوك؟! لا.\rبل رفعه القرآن محلقاً إلى السماء، فصار يؤدي حق سيده وحق ربه؛ لأنه يعلم أنه إذا قدم يوم القيامة إلى ربه فلا فرق بينه وبين سيده في الحساب والجزاء.\rعبد مملوك يحيي القرآن كل ليلة، ويخدم أسياده بإخلاص في النهار، ويشق ذلك عليه ويتحول إلى الحفظ والقراءة كل ليلتين ثم إلى كل ثلاث.\rقال: فلقينا بعض أصحاب الرسول ﷺ وشكونا لهم ما نكابده من السهر وقراءة كتاب الله مع قيامنا بخدمة موالينا فقالوا لنا: اختموه كل جمعة مرة فأخذنا بما أرشدونا إليه فجعلنا نقرأ القرآن طرفاً من الليل وننام طرفاً فلم يشق ذلك علينا.\rأيها الأخ في الله! هؤلاء عبيد مملوكون حدثاء عهد بالإسلام فأين أمة الإسلام من القرآن؟! وبقيت في حياته حكايات وقصص، فقد آل أمره إلى امرأة من بني تميم، وكانت سيدة فاضلة مؤمنة، فكانت لا تشق عليه في الخدمة، حيث كان يخدمها بعض النهار ويرتاح في بعضه الآخر، فأخذ مع حفظ القرآن يتعلم القراءة والكتابة وطلب العلم وعلى رأسه القرآن وحديث رسول الله ﷺ، فلما رأت عبادته خرجت معه في صلاة الجمعة وقالت أمام الناس في الجمعة: اشهدوا -يا معشر المسلمين- أني أعتقت غلامي هذا رغبة في ثواب الله وطمعاً بعفوه، وليس لأحد عليه من سبيل إلا سبيل المعروف.\rثم نظرت إليه وقالت: اللهم إني أدخره عندك ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534740,"book_id":2827,"shamela_page_id":529,"part":"27","page_num":4,"sequence_num":529,"body":"أبو العالية الرياحي بين يدي أكابر الصحابة\rفمن هو هذا الإمام الذي قال عن نفسه: تعلمت الكتابة والقرآن فما شعر بي أهلي ولا رئي في ثوبي مداد قط؟ إنه أبو العالية رفيع بن مهران الإمام المقرئ الحافظ المفسر أبو العالية الرياحي البصري أحد أعلام التابعين، أدرك زمن النبي ﷺ ولم يلتق به، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ودخل عليه، وسمع من عدد من الصحابة، منهم عمر وعلي وأبي وأبو ذر وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم كثير، وقرأ القرآن على أبي بن كعب وعلى ابن عباس، وقرأ القرآن أيضا على عمر بن الخطاب ﵁، وما أحلى القرآن من خليفة المسلمين عمر بن الخطاب ﵁! روي عنه أنه قال: قرأت القرآن على عمر ﵁ ثلاث مرار.\rفيا للعجب؛ خليفة المسلمين مشغول بالفتوحات وبالأحوال الدقيقة لأمة الإسلام مغرباً ومشرقا ويقرأ عليه القرآن عبد مملوك ثلاث مرات! أيها الأخ في الله! هذا الإمام التابعي رفعه الله ﵎ بالقرآن كما رفعه بالعلم بحديث رسول الله ﷺ.\rدخل مرة على عبد الله بن عباس وهو أمير البصرة لـ علي بن أبي طالب ﵃، فرحب به ورفع منزلة، وأجلسه على سريره عن يمينه، وكان في المجلس طائفة من سادة قريش، فتغامزوا به وتهامسوا بينهم، وقال بعضهم لبعض: أرأيتم كيف رفع ابن عباس هذا العبد على سرير؟! فأدرك ابن عباس ما يتغامزون به فالتفت إليهم وقال: إن العلم يزيد الشريف شرفاً.\rرحمك الله يا ابن عباس.\rنعم، إن العلم يزيد الشريف شرفا، ويرفع قدر أهله بين الناس، ويجلس المماليك على الأسرة، وقد رفع الله أبا العالية بالقرآن، حتى قال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534741,"book_id":2827,"shamela_page_id":530,"part":"27","page_num":5,"sequence_num":530,"body":"منهج أبي العالية في التعلم والتعليم\rهؤلاء أعلامنا وأعلام القرآن، فتعال نقف عند بعض وصاياه وأحواله مع القرآن.\rأولاً: كان يعلم أصحابه كيف يقرءون القرآن ويحفظونه، روى عنه أبو نعيم أنه كان يقول: تعلموا القرآن خمس آيات؛ فإنه أحفظ لكم، وإن جبريل كان ينزل به خمس آيات خمس آيات.\rوهذا منهج تعليمي تربوي.\rثانياً: وكان مع اهتمامه بالقرآن مهتماً بالصلاة وإقامتها؛ لأنها عمود الإسلام، وكان من شدة اهتمامه بها أنه يزن بها الناس.\rروى عنه أبو نعيم أنه قال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه -أي: ليسمع منه الحديث- فأتفقد صلاته، فإن وجدته يحسنها أقمت عليه -أي: سمعت منه العلم والحديث- وإن أجده يضيعها رحلت عنه ولم أسمع منه، وقلت: هو لما سواها أضيع.\rأرأيت الميزان الذي يزن به الرجال! إن الصلاة لميزان صحيح دقيق للرجال، حتى إنه يميز بين المنافقين وغير المنافقين، فكيف بالكفار وغيرهم! وكم من رجل يقال له: ما أعظمه، وما أذكاه، وما أبصره بالأمور! وغيرها من صفات المدح، ثم تفتش عنه فتجده لا يعرف المساجد.\rرابعاً: ولقد أوصى بلزوم القرآن وتعاهده، ونهى في مقابل ذلك عن الأهواء والبدع، روي عنه رحمه الله تعالى أنه قال: تعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وإياكم وهذه الأهواء فإنها توقع العداوة والبغضاء بينكم، ولا تحيدوا عن الأمر الذي كان عليه صحابة رسول الله ﷺ.\rولما نقل هذا إلى الحسن البصري قال: لقد نصحكم أبو العالية والله وصدقكم.\rوكان أيضاً يربي أصحابه على القرآن ويعلمهم حقائقه في جوانب الحياة كلها، فقد روي عنه أنه قال لأصحابه: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من آمن به هداه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، وأن من توكل على الله كفاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿َمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، وأن من أقرضه جازاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، وأن من استجاره من عذابه أجاره، وتصديق ذلك: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وأن من دعاه أجابه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].\rهذه هي الأصول التربوية في حياة الإنسان وحياة الأمة تستنبط من القرآن، وهكذا كانت أمة الإسلام تربي وتعلم على ضوء القرآن، فكان من أمرهم ما كان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534742,"book_id":2827,"shamela_page_id":531,"part":"27","page_num":6,"sequence_num":531,"body":"أبو العالية العالم المحدث المجاهد القدوة في الابتلاء\rإمامنا أبو العالية الرياحي كان عالماً بالقرآن، وثقة إماماً حافظاً محدثاً بحديث رسول الله ﷺ، وكان معلماً ومربياً، وكان مع ذلك إماماً مجاهداً، حارب الروم في بلاد الشام كما حارب الفرس في بلاد ما وراء النهر، ويقال: إنه أول من رفع الأذان في تلك الديار بعد فتحها.\rولقد ابتلاه الله ﷾ وامتحنه، وهكذا المؤمنون يبتلون ويمتحنون، يقول رسولنا ﵌: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه)، وصدق رسول الله ﷺ، فإن الرسل ابتلوا، ومحمد خاتمهم ابتلي، ومن جاء بعدهم واتبع سبيلهم فلابد أن يبتلى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥].\rأبو العالية ابتلي وامتحن رحمه الله تعالى، ولكن بلاءه كان في نفسه، أي: مرضاً في جسده.\rفي إحدى السنين استعد للمسير للجهاد في سبيل الله تعالى، ولما جهز عدته للجهاد وأخذ معه ما يحتاج إليه في هذه العدة والسفر الذي قد لا يرجع بعده إذا به يحس بآلام مبرحة في رجله، ولم يزل الألم يشتد به حتى أقعده عن الخروج، واشتد الألم به حتى جاءه الطبيب، فلما نظر إليه وفحصه قال له الطبيب: إنك مصاب بالآكلة، فقال له: رفيع بن مهران: وما الآكلة؟ قال: داء يأكل العضو الذي يحل به ثم ينتقل إلى ما فوقه حتى يأتي على الجسد كله.\rوأظنه مرضاً معروفاً في عصرنا الحاضر، أجارنا الله وإياكم من كل سوء.\rوأخبره الطبيب بأنه لابد من بتر ساقه، فأذن له وهو كاره لذلك، ولما حضر الطبيب ومعه مناشيره لنشر عظم ساقه وما يتبع ذلك، قال له الطبيب: أتريد أن نسقيك جرعة مخدر؛ لكي لا تشعر بالألم وهو شديد عليك؟ فقال أبو العالية رحمه الله تعالى: بل هناك ما هو خير من ذلك.\rفقال: أحضروا لي قارئاً يتقن كتاب الله، واجعلوه يقرأ علي ما تيسر من آياته، فإذا رأيتموني قد احمر وجهي واتسعت حدقتاي وثبت نظري في السماء فافعلوا بي ما شئتم.\rوقرأ القارئ القرآن، فلما وقع ما ذكر، ونظر وثبت بصره في السماء نفذوا أمره ونشروا ساقه وبتروها، فلما أفاق قال له الطبيب: كأنك لم تشعر بآلام الشق والبتر؟ فقال: لقد شغلني برد حب الله وحلاوة ما سمعته من كتاب الله عن حرارة المناشير.\rثم أخذ رجله بيده ونظر إليها.\rوقال: إذا لقيت ربي يوم القيامة وسألني: هل مشيت بك منذ أربعين سنة إلى محرم أو مسست بك غير مباح؛ لأقولن: لا، وأنا صادق فيما أقول إن شاء الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534743,"book_id":2827,"shamela_page_id":532,"part":"27","page_num":7,"sequence_num":532,"body":"التاريخ والأحداث عظات وعبر\rهذه نماذج لأحوال الصالحين مع كتاب الله ﵎، وهي أحوال تدخل ضمن تاريخ أمة فيها عبر وعظات لمن أراد أن يتذكر، والتذكير -أيها الأخ المسلم- يكون بالقرآن، ويكون بأيام الله ﵎، وقد أمر الله بذلك رسله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥]، فما هي أيام الله أيها الأخ المؤمن؟ لقد فسرها بعض الصحابة بنعم الله، فسرها بذلك ابن عباس ومجاهد، وفسرها بعض التابعين بنقم الله على أهل الكفر وأهل المعاصي، وهذا قول مجاهد، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في المدارج: والصواب أن أيام الله تعم النوعين، وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه ونعمه التي ساقها إلى أوليائه.\rأيها الأخ في الله! ألا تتذكر أيام الله ﵎ بنوعيها؟ نِعَم لا تعد ولا تحصى أنعم الله بها علينا، ألا نتذكر هذه النعم العظيمة ونخشى أن تزول عنا؟ ثم ألا نتذكر أيام الله ونقمه على أعدائه ممن مضى قبلنا.\rإن الله ﷾ يرسل إلى المسلمين وإلى العالمين نذراً حتى يستيقظوا، ومن هذه النذر التي نسمع بها هذه الأيام الزلازل التي تقع في بعض بلاد المسلمين، فمن الذي خلقها ومن الذي أوجدها؟ خبراء الزلازل يقولون: هي ضغوط تحت الأرض، ثم تحتاج الأرض إلى متنفس فيحدث الزلزال.\rونحن نقول: من الذي خلق الأرض ودحاها وجعلها على هذه الحال؟ إنه الله ﷾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١]، نعم هو الذي يمسكها، وهو الذي يحركها، وهذه آيات لكم ونذر أيها المؤمنون، فاتقوا الله أيها المؤمنون.\rيا أهل الإعلام! وأنتم تعرضون لهذا الخبر اربطوه بآيات الله وأيام الله والقرآن، ولا تفصلوا الدين عن الحياة، فهذه آيات بينات، فمن الذي خلقها؟ من الذي أوجدها؟ الكسوف يحدث، وقد نعلم به قبل حدوثه، لكن من الذي أوجده هكذا؟ ولماذا فزع رسول الله ﵌ وهو يأتيه الغيب من السماء؟! إنها آيات لله ﷾، فاتقوا الله يا عباد الله المؤمنين، اتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في دينكم، واتقوا الله في إخوانكم المسلمين، وراقبوا ربكم في جميع الأمور، فليس بيننا وبين الله شيء، فمن آمن بالله فالله معه، ومن أعرض عن الله فإن الله يعرض عنه، وهذه حقيقة قرآنية يجب أن لا يشك فيها أي مسلم.\rأيها الأخ في الله! قف مع القرآن وآياته وتدبر العظات.\rاللهم أحي قلوبنا بالقرآن، اللهم اعمر قلوبنا بالقرآن وبمواعظ القرآن، اللهم اجعلنا ممن يتذكر بأيام الله، اللهم اجعلنا ممن يتذكر بأيام الله، اللهم قنا وقِ المسلمين جميعاً شر الفتن والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم قنا شر الفتن والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين.\rاللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك الموحدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر عبادك المؤمنين المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين.\rاللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، اللهم اشغله بنفسه، اللهم اشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.\rاللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة يا كريم، اللهم ارحمنا جميعاً واغفر لنا ولوالدينا ولأرحامنا وأزواجنا وأولادنا ومعلمينا وكل من كان له فضل علينا يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.\rاللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.\rوالحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534744,"book_id":2827,"shamela_page_id":533,"part":"28","page_num":1,"sequence_num":533,"body":"الإجازة الصيفية وتربية الأبناء\rالأبناء أمانة في أعناق الآباء وأولياء الأمور، فيجب على الأولياء والآباء أن يحافظوا على هذه الأمانة، وأن يرعوها حق رعايتها، ويتأكد ذلك الأمر في مثل هذه العطل الصيفية التي يطغى فيها الفراغ على الأبناء فيشغلونه بما يضرهم ولا ينفعهم، ويملئونه بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالشر المستطير، فيجب على الآباء أن يستغلوا مثل هذه الأيام فيوجهوا أبناءهم إلى العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يشغلوهم بما فيه صلاحهم وصلاح مجتمعهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534745,"book_id":2827,"shamela_page_id":534,"part":"28","page_num":2,"sequence_num":534,"body":"المقارنة بين امتحانات الدنيا وامتحان الآخرة\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! بعد أيام قليلة ينهي أبناءنا عامهم الدراسي بإنهاء الامتحانات وظهور النتائج، ولست بحاجة إلى التنبيه إلى ذلك، والوصية به؛ لأن البيوت مهتمة بهذا الأمر بما لا نزيد عليه، ودواعي الاهتمام المادية والمعنوية لدى الطلاب وأهلهم متوافرة، فنتائج الامتحانات تترتب عليها أمور كثيرة معروفة، وهذا الاهتمام مطلوب ولا اعتراض عليه، وكثيرٌ ما يقبل الدعاة إلى الله والموجهون في مثل هذه المناسبة إلى عقد مقارنة صحيحة وعظيمة ومهمة بين امتحان الدنيا ونتائجه، وامتحان الآخرة ونتائجه.\rوامتحان الآخرة سيقع على الجميع، المتعلم وغير المتعلم، الكبير والصغير، العامي والجاهل، الذكر والأنثى، بل يتعدى ذلك إلى الحيوانات كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ، بل إنه سيشمل المتمردين والمنكرين لذلك الامتحان، وسيقف الجميع بين يدي الله ﵎ للحساب والجزاء، حسابٌ وميزان توزن فيه مثاقيل الذر، ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].\rوينتهي هذا إلى الجزاء الحاسم الذي لا مفر منه ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، ولا ثالث لهما مطلقاً.\rووالله! إنه لا مقارنة بين الامتحانين، ويكفي في الامتحان الثاني أن نشير إلى ما ثبت في حديث الشفاعة العظمى لطلب فصل القضاء بين العباد، حين يحول كل نبي المسئولية إلى أخيه، ويقول -ويا لهول تلك المواقف! -: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)، إنه غضب الجبار ﵎ لا غضب المخلوقين، وهو غضب خاص في ذلك اليوم، فأنى لنا -نحن المساكين- أن نقف، وأن نواجه ذلك الامتحان العظيم، ذلك الامتحان الذي ليس بين أي واحد منا وبينه إلا أن يقال: فلانٌ مات، وما أكثر أسباب الموت في كل زمان، وخاصة في هذا الزمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534746,"book_id":2827,"shamela_page_id":535,"part":"28","page_num":3,"sequence_num":535,"body":"خطأ التركيز على الجانب العلمي المعرفي على حساب الجانب التربوي\rأيها الإخوة المؤمنون! اسمحوا لي أن أعالج الموضوع من خلال زاوية أخرى، مع أن هذه الزاوية العظيمة السابقة زاوية لها أثر تربوي عظيم في حياة الإنسان على مختلف أحواله وعمره.\rاسمحوا لي أن أنتقل إلى معالجتها من خلال زاوية أخرى تعود نتائجها إلى نفس الموضوع، المقارنة بين امتحان الدنيا وامتحان الآخرة، فأقول: إن الملاحظ على كثير منا فيما يتعلق بأولادنا ذكوراً وإناثاً هو تركيزنا على جانب واحد، وإهمال جانب آخر له أهمية كبرى، والجانب الذي نركز عليه ونعول عليه فيما يتعلق بأولادنا ودراستهم هو: الجانب العلمي المعرفي فقط.\rوأهم مظاهر هذا التركيز ما يلي: أولاً: التركيز والتأكيد باستمرار على الشهادة ومستوى الطلاب فيها، فأهم شيء لدينا هو التفوق علمياً.\rثانياً: كون هذا الجانب هو المعول عليه في تقويم الطلاب لدى أهلهم وأسرهم، ولدى بقية المجتمع.\rثالثاً: حصر مهمة التعليم في جميع مراحله تقريباً بهذا الجانب، ويتم هذا بنسبة كبيرة أبدت أحياناً إلى إهمال الجوانب الأخرى، أو إضعافها بشكل كبير.\rرابعاً: انتهى الأمر إلى أن أهم شيء لدى الشباب والشواب، ولدى أهلهم ومعارفهم هو النجاح في الامتحان ونيل الشهادة، وصار هذا هو المقياس، فكم من شاب يعتبر ناجحاً في الحياة؛ لأنه متفوق دراسياً، وإن كان يحمل مع ذلك أفكاراً فاسدة تناقض دينه، أو أخلاقاً رديئة لا يقبلها دين ولا خلق، ولما تحول الأمر إلى هذا المقياس، وصار التفوق العلمي والنجاح في الشهادة هو الذي يدندن عليه الجميع؛ حتى تحول إلى أن يكون هو القضية الكبرى عاطفياً لدى الابن والبنت، ولدى الأسرة، ولدى جميع الناس.\rولما كان الأمر كذلك تحول إلى إضعاف الجانب الآخر في حياة أولادنا، ألا وهو الجانب التربوي، ونعني بشكل أخص: التربية على العقيدة والمنهج والخلق الإسلامية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534747,"book_id":2827,"shamela_page_id":536,"part":"28","page_num":4,"sequence_num":536,"body":"ما يواجهه الأبناء في أيام الإجازات الصيفية\rنحن نستقبل الإجازة الصيفية ذات الأثر العميق على أحوال وأخلاق أبنائنا جميعاً، فأدعوكم إلى التفكير جيداً في هذه القضية، وأهم ما يواجهه أبناؤنا تربوياً في هذه الأيام، ويشتد الأمر في وقت الإجازة ما يلي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534748,"book_id":2827,"shamela_page_id":537,"part":"28","page_num":5,"sequence_num":537,"body":"البث المباشر وخطره على الأبناء\rأولاً: البث المباشر الذي غزا كثيراً من البيوت، وهذا البث المباشر نوعان: النوع الأول منه: تلفزيوني؛ حيث تنوعت المحطات العالمية الموجهة إلينا، وهي: محطات -بسبب قدراتها وبسبب دعمها- مختلفة التخصصات، منها: الفنية، والرياضية، بل والإباحية الخالصة، والتنصيرية، والمحطات الجادة -إن وجدت- لا تخلو من فواصل دعائية تحمل في طياتها ما عند الغرب من إباحية وأخلاق فاسدة، وهذا البث المباشر له أثر غائر وعميق على بيوتنا وأسرنا، وكم من فتى أو فتاة تحول منهج حياته الخلقي بسبب سهرة في ليلة واحدة على هذه المحطات.\rالنوع الثاني من البث المباشر: الإذاعي، فهناك محطات تنصيرية خالصة موجهة إلينا بشكل واضح وقوي، وتبث على مدار الساعات، وهناك محطات أخرى تجلب كل ما أنتجه العالم العربي والغربي من أقصاه إلى أقصاه من أغانٍ ماجنات، ومسلسلات مغرية؛ بحيث أدت إلى أن يتجه كثير من الناس إليها تاركين لغيرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534749,"book_id":2827,"shamela_page_id":538,"part":"28","page_num":6,"sequence_num":538,"body":"المجلات والصحف وخطرها على الأبناء\rثانياً: مما يواجه أبناؤنا وتواجه أسرنا المجلات والصحف، وهذه لا جديد فيها؛ لأنها من زمن قديم، ولكن الجديد ما يظهر كل يوم مما يتفنن فيه أصحابها بالإغراء، وطرق القضايا الحساسة من نواحي الخلق والعلاقات بين الرجل والمرأة والقضايا الأخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534750,"book_id":2827,"shamela_page_id":539,"part":"28","page_num":7,"sequence_num":539,"body":"الزملاء والأصدقاء وأثرهم على الأبناء\rثالثاً: الأصحاب والزملاء: وهؤلاء لهم أثر كبير جداً على أولادنا، ونحن نعلم أن الإنسان مدني بطبعه يحب الاختلاط، وشبابنا يحبون الاختلاط، وليس هناك بد من هذا الاختلاط، والزمالة والصداقة على نوعين لابد أن تنتهي إليهما: إما صداقة طيبة تثمر ثماراً خيرة، وإما على الضد والعكس من ذلك تثمر مالا يحمد عقباه، ولما كان الأمر كذلك كان دور هؤلاء الأصحاب والزملاء في حياة أبنائنا كبيراً جداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534751,"book_id":2827,"shamela_page_id":540,"part":"28","page_num":8,"sequence_num":540,"body":"السياحة وخطرها على الأبناء\rرابعاً: السياحة، وخاصة السياحة الخارجية في فترة الصيف، ويتولى البث المباشر والمجلات والصحف الدعاية المغرية لذلك.\rوعوداً على بدء فاسمعوا واعجبوا -أيها الإخوة! - لما يفعله بعضنا حين يتفوق ولده علمياً، ما هي جائزة الشهادة؟ جائزته السياحة في بلد غربي، هذه هي الجائزة! انظروا كيف ترتبط المؤثرات بعضها ببعض، من خلال هذه الجوانب المتعددة، والأساس هو أننا ركزنا -فيما يتعلق بأولادنا- على الجانب العلمي فقط، أما الجانب التربوي المتعلق بالعقيدة والخلق والسلوك فهذا جعلناه أمراً ثانوياً إلا ما عصم الله تعالى.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534752,"book_id":2827,"shamela_page_id":541,"part":"28","page_num":9,"sequence_num":541,"body":"كيف نواجه هذه المؤثرات التربوية على أبنائنا؟\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.\rأما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! وأمام هذه المؤثرات التربوية على أبنائنا ما هو الحل؟ هل نستسلم للأمر الواقع ونقول: أعداؤنا غزونا فماذا نصنع بهم؟ ألسنا مأمورين شرعاً باتخاذ الأسباب؟ أيها الإخوة في الله! إن شبابنا -والحمد لله- لا يزال يحتفظ بقدر كبير من الفطرة السليمة واليقظة الإيمانية متى ما حرك ذلك الشعور الإيماني، ووسائل التربية الذاتية في البيت والمسجد والمدرسة وغيرها حين تكون صالحة ومركزة وحين تستوي على سوقها؛ تؤدي -بمعونة من الله- إلى أنواع من الحصانة التي تجعل الشباب المسلم يتعالى بإيمانه، ودينه، وخلقه الإسلامي عن هذه الدناءات.\rوسأضرب لكم مثالاً على هذا الذي أقوله: كم من شاب ذهب سابقاً للدراسة في بلاد الغرب، وما دفعه إلى ذلك إلا حب الحرية، والاستمتاع هناك بكل أنواع اللهو والفساد، وكثيراً ما كان هذا الشاب يكلم زملاءه، ويتحدث معهم قبل سفره عما سيواجه هناك، وما سيلاقيه ويتمتع به من لهو وعبث، وفعلاً يذهب الشاب إلى هناك؛ حيث لا رقيب ولا حسيب من أهل أو نظام يمنع من ذلك، بل إن نظام تلك البلدان يحمي ذلك.\rويعيش فترة طويلة أو قصيرة يرى فيها بأم عينية بلاد الحرية، ويتمتع إن أراد بما شاء دون أن يحاسبه أحد، ولكن الذي يحدث أحياناً، بل يحدث كثيراً والحمد لله، أن هذا الشاب سرعان ما يستيقظ عنده إيمانه وعقيدته؛ فيرجع إلى ربه رجوعاً صحيحاً، ويعود إلى بلاده أصلب وأقوى إيماناً، بل يعود إلى بلاده داعية إلى الله ﵎! أيها الإخوة! هذه نماذج شاهدتموها جميعاً، ونحن نقول بالنسبة لما نشكوه من مشكلات البث المباشر ونحوه: حين نربي أولادنا على المنهج الصحيح، هل سيتعامل معها أبناؤنا كما تعامل بعض الشباب الذين عاشوا في بلاد الحرية؟ إن هذا البث المباشر يجب الوقوف دونه عملياً ونظرياً، والذي أقوله هنا هو توجيه لنا نحن الأسر نحن الآباء، بحيث لا نستسلم للأمر الواقع، ولا ندع الأمور تسير كما يراد لها.\rعلينا أن نصنع شيئاً تجاه هذا الغزو الخلقي والعقدي لأولادنا، فنعمل ونجد ونجتهد في تربية أولادنا، وإيقاظ إيمانهم، وتوجيههم التوجيه السليم؛ وهذا سيتحول -بإذن الله ﵎ إلى رد فعل قوي جداً، يجعل الشاب يكون أكثر تمسكاً بإيمانه وصلتاً بربه.\rكان الزنا مباحاً في الجاهلية، وحين بعث النبي ﷺ كان حلالاً مباحاً عند الناس، وكان الزواني أنواعاً، وكان لهن رايات، بل كان الزوج يأمر زوجته حين يريد ولداً نجيباً أن تذهب إلى فلان أو فلان؛ لتعيش معه في الحرام لعله يولد له ولد شجاع، ومع ذلك حين بدأ النبي ﷺ دعوته، وحين تحولت تلك الدعوة إلى منهج تربوي؛ سرعان ما تخلى أولئك عما كانوا عليه؛ لأنهم وجدوا العقيدة والإيمان والطمأنينة النفسية، وجدوا السعادة الحقيقية، السعادة التي تعتمد أول ما تعتمد على قول الله ﵎: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] هذا هو مقياس السعادة، يحبهم ويحبونه، وحين يكون الأمر كذلك يكون القلب سعيداً، وتكون النفس مطمئنة، أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من أولئك.\rوهناك -أيها الإخوة! - أمور أخرى أحب أن أشير إليها في هذه المناسبة، وهي ذات أثر تربوي منها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534753,"book_id":2827,"shamela_page_id":542,"part":"28","page_num":10,"sequence_num":542,"body":"التربية المبكرة للأولاد\rأولاً: التوجيه والتربية المبكرة لأولادنا؛ حتى ينشئوا على الإيمان والخلق، ويجب أن يكون هذا الاهتمام منذ الصغر، وأن يستمر إلى ما بعد ذلك، وهذه المسئولية يتحملها بشكل كبير البيت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534754,"book_id":2827,"shamela_page_id":543,"part":"28","page_num":11,"sequence_num":543,"body":"الدروس العلمية المتنوعة\rثانياً: الدروس العلمية المتنوعة، وهذه لها أثرها وأهميتها التي لا تخفى، ولعل كون هذه الدروس ليست إلزامية، إضافة إلى أنه لا حوافز لها مادية مباشرة؛ لعل هذا يجعل حضور الإخلاص وطلب العلم لوجه الله تعالى أقوى وأكبر نفعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534755,"book_id":2827,"shamela_page_id":544,"part":"28","page_num":12,"sequence_num":544,"body":"الاشتراك في الأنشطة المتنوعة الموثوقة\rثالثاً: الاشتراك في الأنشطة المتنوعة الموثوقة، التي توجه التوجيه الطيب، ومنها: حلق تحفيظ القرآن الكريم، والمراكز الصيفية، والجولات الدعوية، والأنشطة الأسرية التي يرتبها الأب مع أولاده من خلال أسفار العمرة أو غيرها، والمهم أن الأب يرتب هذه الرحلة؛ ليستفيد منها جميع أفراد الأسرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534756,"book_id":2827,"shamela_page_id":545,"part":"28","page_num":13,"sequence_num":545,"body":"الزواج المبكر للأولاد\rرابعاً: الزواج المبكر لأولادنا ذكوراً وإناثاً، وهذه وسيلة شرعية عظيمة تجنب أولادنا -بإذن الله- مزالق عديدة، ولقد نادى رسول الله ﷺ الشباب قائلاً: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج).\rوالزواج المبكر له آثار تربوية خاصة، لعل من أهمها: إكمال نصف الدين، وأرجو أن تفكروا في هذا ومدلوله في حياة الفتى أو الفتاة خلقاً وسلوكاً، كيف يتم إكمال نصف الدين؟ من خلال الزواج؛ لأن الزواج يقطع شروراً وآفات وأفكاراً ومنحدرات في حياة الإنسان لا يعلم مداها إلا الله تعالى، وحين يتم هذا الزواج تقطع هذه الوسائل ليتجه الإنسان اتجاهاً جديداً.\rومن آثاره: التعود على تحمل المسئولية، وهذا يؤدي إلى التخلي عن كثير من الأمور التي كان يفكر فيها ويفتح فيها خياله، فإنه مع الزواج ينتقل إلى واقع عملي يواجه فيه عدد من المسئوليات اليومية التي لا تنتهي، ومع مجيء الأولاد تكون المسئولية والإحساس الأبوي قد جعلت هذا الأب الجديد -ولو كان صغيراً- يتحول إلى معلم ومربي وموجه، مهما حاول التخلي عن ذلك.\rومن آثاره أيضاً: نقل الشباب والفتيات من أصدقاء ومحاضن كانوا عليها سابقاً إلى أجواء جديدة، وحين يكون الاختيار في الزواج على أساس من الشرط الشرعي (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، (وإذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه؛ فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)؛ حين يكون ذلك تتحول هذه المحاضن إلى محاضن تربوية عظيمة، ولكن المهم هو تسهيل أمر الزواج، حتى لا يتحول -كما هو الحال- إلى عقبة كبرى لا يجتازها إلا القلائل، وهذا مما ينبغي أن يتنبه له الجميع، وأن يطبقوه عملياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534757,"book_id":2827,"shamela_page_id":546,"part":"28","page_num":14,"sequence_num":546,"body":"إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله\rنقول للشباب: أقبلوا على الزواج، ولا تعوقنكم الأمور المادية؛ فسيغنيكم الله من فضله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، وكم من شاب تحمل بعض الديون بسبب زواجه، وما انتهت سنته الأولى أو الثانية إلا وقد رزقه الله ﷾ كفافاً، بل ما هو أعلى من الكفاف.\rوالزوجة إذا أتت إلى البيت تأتي ورزقها معها، والولد إذا جاء يأتي ورزقه معه، لست أنت الذي ترزقه حتى تقول: من أين أصرف لأولادي؟! افعل الأسباب الشرعية والمادية، وأقبل على هذا الباب العظيم؛ فإنه -والله- يسد فتناً عظيمة لا يعلم قدرها إلا الله.\rأيها الإخوة الآباء! يجب علينا أن ننتبه إلى ذلك من خلال مراقبتنا لأولادنا وسلوكهم، ومن خلال تسهيل أمر الزواج لهم، فإنكم مأجورون على ذلك، إضافة إلى أنها مسئولية تتحملونها أمام الله ﵎.\rأيها الإخوة في الله! هذه لمحات وإشارات تتعلق بهذه المسألة التي تحدثنا عنها من خلال ما سنقبل عليه من الإجازة الصيفية، وما فيها من عقبات وعقبات، تتعلق بأخلاق أولادنا وتوجهاتهم، ولقد كان رسول الله ﷺ يوجه الشباب إلى أمور ربما نشير إليها في مناسبة لاحقة، ونعرض بنماذج منها حتى نستفيد منها تربوياً.\rاللهم! إنا نسألك أن تصلح أولادنا، اللهم! أصلح أولادنا ذكوراً وإناثاً، اللهم! جنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.\rاللهم! إنا نسألك أن ترزقنا وإياهم الإيمان، اللهم! إنا نسألك أن ترزقنا وإياهم الإيمان والخلق الفاضل، اللهم! طهر بيوتنا من كل رجس ودنس يا رب العالمين! اللهم! إنا نسألك أن تحبب إلينا وإليهم الإيمان، وأن تزينه في قلوبنا وقلوبهم، وأن تكره إلينا وإليهم الفسوق والعصيان، يا رب العالمين! اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك المؤمنين المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم! انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم! قوِّ عزائمهم، اللهم! أنزل السكينة على قلوبهم.\rاللهم! دمر أعداء الإسلام والمسلمين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم! إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.\rاللهم! اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأرحامنا وأساتذتنا، وكل من كان له فضل علينا يا أرحم الراحمين! اللهم! إنا نسألك أن توفق أولادنا جميعاً إلى النجاح في الدنيا والآخرة، اللهم! اجعل نجاحهم في الدنيا عوناً لهم على نجاح الآخرة، اللهم! اجعله بصيرة لهم في دينهم؛ حتى يكونوا عزاً لأمة الإسلام.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534758,"book_id":2827,"shamela_page_id":547,"part":"29","page_num":1,"sequence_num":547,"body":"ورتل القرآن ترتيلاً\rالقرآن الكريم له مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة؛ لأنه كلام الله ﷿، ولذلك فإن الاهتمام به وتلاوته وتدبره والعمل به أمر مهم جداً، فيجب على كل مسلم أن يوثق صلته بكتاب ربه جل وعلا، وأن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وأن يجعله قدوته ودستوره في كل شيء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534759,"book_id":2827,"shamela_page_id":548,"part":"29","page_num":2,"sequence_num":548,"body":"وجوب تدبر كلام الله وتطبيقه والخشوع عند تلاوته\r﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، امتن علينا بأن أنزل علينا أفضل كتبه، وأرسل إلينا أفضل رسله وخاتمهم، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله الذي نزل عليه القرآن في غار حراء أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]، فتلقى وحي الله وبلغه إلى أصحابه، وجاهد في ذلك أعظم جهاد، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى أصحابه الكرام البررة الذين حلموا هذا القرآن فحفظوه، ووعوه، وعملوا به، وبلغوه إلى الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، فرضي الله عنهم جميعاً، وعن التابعين لهم وتابع التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\rأما بعد: أيها الإخوة في الله! نحن على مقربة من قدوم ضيف عزيز جداً، ضيف طالما ترقبه المؤمنون الصادقون تبعاً للسلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ فإنهم كانوا قبل قدومه بشهور يتحرونه، ويدعون الله ﷾ أن يبلغهم هذا الشهر العظيم شهر القرآن، شهر قيام الليل والتراويح، شهر الصيام، شهر تتلى فيه آيات الله في كل مكان في المساجد والبيوت وفي كل مكان، شهر القرآن والصيام والصبر، ولو لم يكن في هذا الشهر الكريم إلا أن ربنا تعالى على لسان نبيه ﷺ وعدنا بالمغفرة في هذا الشهر، وذلك من خلال ثلاثة أحاديث: أولها: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).\rثانيها: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).\rثالثها: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).\rاللهم بلغنا رمضان، واجعلنا فيه يا رب ممن صامه وقامه على الوجه الذي يرضيك عنا.\rأيها الإخوة! وماذا نقول عن كلام رب الأرض والسموات؟ وماذا نقول ونحن نتحدث هذه الليلة عن القرآن العظيم؟ إن القرآن العظيم تكفل الله بحفظه؛ فهو محفوظ إلى أن يرفع في آخر الزمان، كما ورد بذلك بعض الآثار، فالقرآن العظيم هو كلام الله ﷾ وليس كلام بشر، سواء كان ملكاً، أو رئيساً، أو غنياً، أو شريفاً، أو مشهوراً، أو أديباً، أو غير ذلك.\rومن هنا أيها الإخوة! فإننا لن نستطيع أن نقف معه الوقفة التي تتناسب مع قدره وعظمته، ولكن حسبنا الذكرى ببعض المسائل، والذكرى تنفع المؤمنين.\rأيها الإخوة في الله! أقول في البداية: لقد وقفت مع عدد من الآيات فرأيت أن من تأملها وجد فيها عجباً، وهي آيات بينات واضحات، ولكنها تحتاج من القلوب المؤمنة إلى وقفات: يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، في أربع آيات في سورة واحدة.\rوقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، وأقول: إن من أعظم نعم الله أن هذا القرآن يتلوه الجميع، يتلوه العالم والمتعلم والعامي والمرأة والرجل، كل منهم إذا تعلم مبادئ القراءة والكتابة تلاه؛ بل قد يتلوه ولو لم يتعلم مبادئ القراءة والكتابة.\rوكم من عامي لا يقرأ ولا يكتب يحفظ القرآن كاملاً، أليس هذا دليلاً على هذا التيسير العظيم؟! الآية الثانية: يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦]، ألم يأن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم للقرآن؟ كلا! والله! لقد آن لقلب كل مؤمن أن يخشع للقرآن ولقراءة القرآن.\rالآية الثالثة: يقول الله ﵎: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]، أي: لو أنزل الله هذا القرآن على جبل صخر أصم لا تهده إلا الآلات الضخمة لرأيت هذا الجبل خاشعاً متصدعاً متشققاً منهداً من خشية الله، فكيف لا تخشع قلوبنا وهي من لحم ودم؟! الآية الرابعة: يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، تقشعر قلوب المؤمنين لأن هذا القرآن مثاني يشبه بعضه بعضاً في البلاغة والإعجاز والفضل والعظمة، وإن كانت بعض الآيات أفضل من بعض، لكن كله فضيل؛ لأنه كلام رب العالمين.\rالآية الخامسة: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨].\rفإذا رأيت الناس يتنافسون على جمع الدنيا فأقبل على قراءة القرآن؛ فإنك تجمع من الحسنات والفضل العظيم ما ترتاح له نفسك يوم تقف بين يدي ربك يوم القيامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534760,"book_id":2827,"shamela_page_id":549,"part":"29","page_num":3,"sequence_num":549,"body":"وجوب معرفة عظمة القرآن العظيم\rإن من المهم جداً ونحن نتلو هذه الآيات وغيرها من كتاب الله ﵎ أن نعلم ونوقن به يقيناً عملياً؛ فإن اليقين النظري نحن مصدقون به جميعاً، لكن لابد أن نعلم وأن نوقن يقيناً يؤثر على أعمالنا وحركاتنا وأفعالنا أن هذا القرآن العظيم حق لا ريب فيه، وأنه كلام الله ﷾، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، فالقرآن كلام الله ليس كلاماً مخلوقاً ولا كلاماً لغيره كما يدعي بعض أهل البدع، بل هو كلام الله؛ تكلم الله ﷾ به إلى جبريل فأوحاه إليه، ثم أوحاه جبريل إلى محمد ﷺ، ولهذا يقول الله ﷾: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥]، ويقول تعالى عن هذا القرآن العظيم: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦]، فالقرآن العظيم تصدعت له القلوب لما نزل أول مرة، تصدعت له قلوب عباد الله المؤمنين، فاستجابوا وصدقوا وتغيرت حياتهم كلها، ومن لم يعظه القرآن، ومن لم يخشع بالقرآن، ومن لم يتصدع إيماناً ويقيناً وخشوعاً بالقرآن فبأي شيء يتصدع؟! قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦].\rويقول ﷾ مخاطباً نبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦].\rويقول ﷾: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السجدة:١ - ٣].\rويقول ﷾ مميزاً أهل العلم الذين يعرفون قدر هذا القرآن: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦].\rويقول ﷾: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩]، والذين أوتوا العلم هم الذين قرءوا القرآن وفقهوه في جميع أموره؛ ولهذا فإن من المهم جداً أن توقن أيها الأخ المؤمن وأنت تتلو كلام الله ﷾ أنه كلام الله ﷾، ولهذا يقول تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:١ - ٣].\rويقول ﷾: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].\rومن هنا أيها الإخوة في الله! فإن نبينا ﷺ كان خلقه القرآن، كما قالت عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534761,"book_id":2827,"shamela_page_id":550,"part":"29","page_num":4,"sequence_num":550,"body":"ذكر فضائل القرآن وفضائل حملته\rوقد بين الرسول ﷺ لنا فضل القرآن العظيم، وسأذكر في ذلك بعض الأحاديث: منها: ما رواه أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله تعالى أهلين من الناس -انظروا إلى التعبير- أهل القرآن هم أهل الله وخاصته)، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم، وهو حديث صحيح.\rوعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ حرفاً من كلام الله كان له به عشر حسنات، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.\rوقد روى البيهقي في (شعب الإيمان) حديثاً حسنه بعض العلماء ومنهم الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير، قال فيه رسول الله ﷺ: (لو جمع القرآن في إهاب ما احترق)، أي: لو جمع القرآن في جلد ما أحرقه الله في النار، وهذا فيه إشارة وبشرى وأمل ورجاء لمن يحفظ كلام الله ألا يحرقه الله في نار جهنم.\rويقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).\rوقد روى أبو داود والنسائي والترمذي عن ابن عمر ﵄ عن الرسول ﷺ أنه قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها).\rويقول الرسول ﷺ: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار)، أي: أنه مغبوط على ما وهبه الله ووفقه من حفظ كتاب الله ﷾.\rوأختم هذه الأحاديث بحديث رواه الترمذي والحاكم وهو حديث صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله -حله: من الحلية-، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق فيزداد بكل آية حسنة)، ففي هذا فضل عظيم لكلام الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534762,"book_id":2827,"shamela_page_id":551,"part":"29","page_num":5,"sequence_num":551,"body":"فضل تعليم القرآن الكريم\rوقد ورد الفضل العظيم في تعليم القرآن، والأحاديث في هذا كثيرة يجب أن ينتبه لها الآباء ومدرسو حلق القرآن في المساجد وغيرها، فالرسول ﷺ يقول كما في البخاري: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، ولهذا سئل سفيان الثوري رحمه الله تعالى عن الجهاد وإقراء القرآن أيهما أفضل؟ فرجح إقراء القرآن، واحتج بهذا الحديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، ولهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي الثقة: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا، وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل.\rوأبو عبد الرحمن السلمي هذا هو غير السلمي الصوفي المتأخر، فهذا تابعي جليل، ولذا يقول: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا.\rوعلم القرآن منذ زمن عثمان حتى بلغ عهد الحجاج بن يوسف.\rولهذا روى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر قال: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة فقال: أيكم يغدو كل يوم إلى بطحان العقيق أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين -أي: ناقتين عظيمتي السنام- في غير إثم ولا قطيعة رحم، فقلنا: يا رسول الله! كلنا نحب ذلك.\rفقال: لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله ﷿ خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، سبحان الله! ما أبخلنا على نفوسنا ونحن نهجر هذا القرآن العظيم، ما أبخلنا على نفوسنا ونحن نهجر كتاب الله ﷾ شهوراً متطاولة! والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، ولهذا فإن مما يعظم قدر منزلة هذا القرآن عند المؤمن أن يعلم وأن يوقن أنه إنما يتلو كلام الله، وهو بتلاوته يعبد الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534763,"book_id":2827,"shamela_page_id":552,"part":"29","page_num":6,"sequence_num":552,"body":"أثر قراءة القرآن وترتيله\rورد عن النبي ﷺ وعن الصحابة ما يدل على أثر قراءة القرآن وترتيله، فعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، رواه مسلم.\rوعن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما).\rفيا أيها الإخوة! تذكروا هذا الموقف يوم القيامة، تذكر أيها الأخ حينما تأتي يوم القيامة وقد يبس منك لسانك، وشخصت عيناك، وبلغ منك الخوف مبلغه؛ لأن الجميع يخاف، ولا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل حين تزفر جهنم إلا خاف، فتذكر يا عبد الله! حين تأتي يوم القيامة في تلك العرصات وقد غضب الجبار غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ثم تأتي وأمامك القرآن، فهل يمكن أن تعذب وأمامك القرآن؟ بل وأمامك سورة البقرة وآل عمران تحاجان عنك، فتدبر يا أخي هذا الموقف، واجعل القرآن في قلبك حفظاً وتلاوة وعملاً وتدبراً.\rولهذا يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة وهو عند أحمد والترمذي وأبي داود وهو حديث حسن قال: (إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له)، هذه السورة هي: (﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١])، أي: سورة الملك.\rوروى ابن حبان والبيهقي وصححه الألباني رحمه الله تعالى من حديث جابر ﵁ عن الرسول ﵊ قال: (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق -ماحل: أي مدافع- من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه قاده إلى النار).\rولهذا كان رسول الله ﷺ يقدم أهل القرآن؛ حتى إنهم كانوا حينما يستشهدون في سبيل الله يدفنون في مكان واحد يقدم صاحب القرآن.\rوكان عمر ﵁ وأرضاه يجعل شوراه في أهل القرآن شيوخاً وصغاراً، ولهذا كان معهم ابن عباس، وكان ممن يحضر مجلس شورى عمر بن الخطاب وهو يومئذ حدث صغير ﵃ جميعاً؛ لأنه كان حبر الأمة وترجمان القرآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534764,"book_id":2827,"shamela_page_id":553,"part":"29","page_num":7,"sequence_num":553,"body":"القرآن شفاء للأمراض\rومن أعظم آثار القرآن أنه شفاء للأمراض الحسية والمعنوية، ولهذا ورد الحديث عن النبي ﷺ بأن يدعو الإنسان أن يجعل الله القرآن العظيم ربيع قلبه، قال الرسول ﷺ: (ما من عبد يصيبه هم أو حزن أو غم فيقول: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي وحزني، إلا أذهب الله عنه ما يجد)، رواه أحمد والحاكم، وهو حديث صحيح.\rولهذا فإن من أعظم ما يرقى به الإنسان في أمراضه كلها كلام الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534765,"book_id":2827,"shamela_page_id":554,"part":"29","page_num":8,"sequence_num":554,"body":"الأمور الواجبة على حامل القرآن\rالمسألة الثالثة: ماذا يجب على حامل القرآن العظيم؟ يجب على من تلا كتاب الله ﷾ سواء كان ممن يتلو هذا القرآن أو ممن يحفظه أو يحفظ آيات منه يجب عليه أن يراعي عدة أمور: أولها: الإخلاص لله تعالى في تلاوته وحفظه وتعلمه وتعليمه، وذلك بأن يكون مقصده ربه ﷾.\rالثاني: أن يأخذ نفسه بتلاوة القرآن، وأن يكون ممن عرف بتلاوته ليلاً ونهاراً، قال ابن مسعود ﵁: (ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون).\rوهذه كلها آثار على قارئ القرآن، وعلى تالي القرآن، وعلى حافظ القرآن، وعلى من يعمل بالقرآن.\rالثالث: أن يحذر من أن يقصد بحفظه للقرآن أو تلاوته له شرف المنزلة عند أبناء الدنيا، وإذا دخله شيء من ذلك مما يوسوس به الشيطان فليتق العبد الله، وليراجع قلبه ونفسه، ليتق الله ﷾؛ بحيث يكون بتلاوته للقرآن وحفظه له قاصداً به وجه الله، لا يريد به شرفاً، ولا ليقال: القارئ الفلاني، ولا ليقال: ما أحسن صوته! أو ما أجمل قراءته! فكل هذه الأمور خداعات يُخدع بها الإنسان؛ فإن كانت مدحاً من مؤمن صادق فعليه أن يشكر الله ﷾، ويجعلها عاجل بشراه، لكن بشرط ألا يؤدي به ذلك إلى الغرور، وألا يؤدي به ذلك إلى العجب، وألا يؤدي به ذلك إلى الترفع على عباد الله ﷾؛ بل قراءته للقرآن، وحفظه له، وتلاوته له، ينبغي أن يزيده خضوعاً لله ﷾ وزهداً فيما عند الناس ورغبة فيما عند الله ﵎.\rالأمر الرابع: أن يعمل بالقرآن؛ لأن فائدة التلاوة والقراءة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: فضيلة التلاوة، وهو عبادة لله ﷾.\rالقسم الثاني -وهم المهم وهو الذي يؤثر حتى على القسم الأول هو-: العمل بما تقرأ وتتلو، ولهذا قال الله ﷾ للرسول ﷺ: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣]، أي: استمسك به عملاً، واستمسك به اتباعاً، واستمسك به تحكيماً.\rويقول الله ﷾ عن أولئك الذين يكتمون بعض آيات الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٤]، فاحذر يا عبد الله! أن تكون ممن يقرأ القرآن ولكن لا يعمل به؛ بل اعمل بالقرآن، واحرص على العمل به، ولكن هذا جزء من تدبره وجزء من آثار تدبره، كما سيأتي.\rالأمر الخامس: خطورة هجر القرآن العظيم، يقول الله ﷾: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]؛ وهجر القرآن على أنواع: النوع الأول: هجر تلاوته والتعبد به، وهذا كثير، وهو ذو أثر خطير على الناس.\rفلماذا تكثر المشاكل، وتكثر الأمراض النفسية؟! ولماذا يغلبنا الهوى؟! ولماذا نحس بضعف الإيمان؟! إن هذه الأمور من أسبابها الكبار هجر كتاب الله ﷾، أي: هجر تلاوته والتعبد به، ولو تعلق قلب المؤمن بهذا القرآن يتلوه كل يوم لأثر في قلبه، ولأثر على أفعاله، ولأثر في كل تصرف من تصرفاته.\rالنوع الثاني من الهجر -وهو أخطرها-: هجر العمل به وتحكيمه، ومن المؤسف حقاً أننا نجد المسلمين اليوم إلا ما عصم ربي قد هجروا كتاب الله، أي: هجروا الحكم به؛ وكم من بلد ينتسب إلى الإسلام اتخذ كتاب الله وراءه ظهرياً، واستبدل به قوانين وأنظمة البشر في جميع شئون الحياة، أو في غالب شئون الحياة، ويدعوهم الداعون المخلصون ويقولون لهم: هلموا إلى تحكيم كتاب الله، وإلى تطبيق شريعة الله، فإن العزة والنصر من الله، وإن الاستقلال من التبعية لأعدائنا، وإن نصرنا وتغير أحوالنا، ونزول البركات على مجتمعاتنا؛ إنما يكون بتحكيم هذا القرآن العظيم، ويصرخ الدعاة إلى الله ولكن يا للأسف! لا يستمع إليهم من بيده الأمر، إلا ما عصم ربي، بل مما يجعل في النفس حزازة وأي حزازة ألا يشكر هؤلاء الدعاة، وألا يقال لهم: جزاكم الله خيراً.\rوإنما يقابلون بالحرب والتشريد والسجون، ويقال لهم: أنتم أصوليون إرهابيون وأنتم وأنتم وأنتم! حقاً إن مما يؤسف له أن كثيراً من بلاد المسلمين هجروا كتاب الله وتحكيمه، فجاءت نظمهم ودساتيرهم وأحكامهم في الحدود وفي مسائل الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والسياسية وغيرها لا ترجع إلى كتاب الله ﷾، وإنما تعتمد على أنظمة وأعراف وقوانين البشر! إذاً: أيها الإخوة في الله! الأمة الإسلامية أصيبت بمصيبتين: إحداهما: هجر كتاب الله وتلاوته إلا ما عصم الله، والثانية: هجر الحكم به والعمل به إلا ما عصم الله.\rالأمر الثالث من أنواع هجره وهو تابع للأمرين السابقين: هجر التأدب به والتخلق بأخلاقه، فالقرآن العظيم كان خلق رسول الله ﷺ، ولهذا كانت حياته ﵊ حياة المؤمن الصادق في كل قولة أو فعلة أو كلمة أو ذهاب أو مجيء أو إلى آخره.\rفكان ﵊ في جميع أموره متخلقاً بخلق القرآن، ومتأدباً بأدب القرآن، وكذلك كان أصحابه ﵃، فإن مما يؤسف له أن يهجر كثير من المسلمين التخلق بأخلاق القرآن وآدابه.\rالأمر السابع: وجوب تدبر القرآن العظيم، وتدبر القرآن العظيم جاءت فيه أكثر من آية، يقول الله ﷾: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].\rويقول ﵎ في آية أخرى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534766,"book_id":2827,"shamela_page_id":555,"part":"29","page_num":9,"sequence_num":555,"body":"الأمور المعينة على تدبر القرآن\rتدبر القرآن مهم جداً، ولهذا فإن مما يعين على تدبر القرآن أمور ثلاثة: الأمر الأول: طهارة القلب من الكبر والهوى والتكذيب والتعلق بغير الله ﷾، فطهارة القلب من هذه الأمور يجعل الإنسان حينما يقرأ القرآن يستفيد منه ويتدبره، يقول الله ﷾ في كتابه العزيز: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٦].\rالأمر الثاني: طهارة ظاهر البدن، وذلك بأن يقرأ القرآن وهو على طهارة غير محدث، وأن يقرأ القرآن في المكان الطيب وهو متوضئ؛ فإن ذلك أجمع لقراءة القرآن وتفهمه وتدبره.\rالأمر الثالث: الإنصات، فلابد من الإنصات تعظيماً وهيبة وتدبراً للقرآن العظيم.\rالأمر الرابع: الخشوع عند تلاوة القرآن، والحقيقة أن مما يؤسف له أن الناس في رمضان يبكون ويخشعون في دعاء الوتر، ولكنهم لا يبكون ولا يخشعون وهم يسمعون تلك الآيات العظيمة تتلى عليهم، فيجب أن نبحث عن السبب -وقد يكون هناك أكثر من سبب- هو: أن منزلة القرآن في نفوسنا ليست عظيمة، ولو عظمنا هذا القرآن حق تعظيمه وتفهمناه وتدبرناه حق التدبر لخشعت له قلوبنا، يقول الله ﷾: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، فلماذا لا تخشع قلوبنا؟ أما إذا جاء عند الدعاء وسؤال المغفرة والإقرار بالذنب والخوف من الموت ومن القدوم على الله ﷾ فإن من الطبيعي أن تخشع النفس، وليس هذا بغريب، لكن الغريب أن تخشع عند الدعاء ولا تخشع عند قراءة القرآن وسماع الآيات الكريمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534767,"book_id":2827,"shamela_page_id":556,"part":"29","page_num":10,"sequence_num":556,"body":"الأمور المعينة على الخشوع في القرآن الكريم\rمما يعين على الخشوع في القرآن عدة أمور: أولها: تطهير النفس من الذنوب؛ فإنها تثقل النفس وتكدرها فلا تتدبر ولا تخشع.\rالثاني: الكسب الحلال؛ فإنه يصفي النفس والجسم.\rالثالث: العلم بما يتلى؛ فإن الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، فإذا عرف الإنسان معاني الآيات وأسباب النزول وما جرى فيها وتدبر ذلك فإنه عند تلاوة القرآن يتأثر؛ لأنه يعلم.\rثم إن العمل بالقرآن يؤدي إلى الخشوع، فالعمل بالقرآن سبب للخشوع ونتيجة للخشوع، فمن عمل بالقرآن وصار مؤمناً تقياً، يعمل الصالحات، ويجتنب المحارم، وصار مؤمناً يتأدب بأدب القرآن فلابد أن يخشع، ولابد أن يتأثر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534768,"book_id":2827,"shamela_page_id":557,"part":"29","page_num":11,"sequence_num":557,"body":"أحوال السلف عند قراءة القرآن\rالسلف الصالح رحمهم الله تعالى كانت لهم أحوال عند قراءة القرآن: فعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن؟ فقالت: (تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، كما نعتهم الله).\rوقال قتادة رحمه الله تعالى: ما أكلت الكراث منذ قرأت القرآن.\rأي: تعظيماً للقرآن الكريم، وإن هذه والله للطيفة من قتادة الإمام التابعي رحمه الله تعالى.\rوقال رجل لـ سليم بن عيسى المقرئ: جئتك لأقرأ عليك القرآن، جئتك لأقرأ عليك التحقيق.\rفقال سليم: يا ابن أخي! شهدت حمزة -ويقصد به حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء السبعة المتوفى سنة ١٥٦هـ- وأتاه رجل في مثل هذا فبكى، وقال: يا ابن أخي! التحقيق: صون القرآن، فإن صنته فقد حققته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534769,"book_id":2827,"shamela_page_id":558,"part":"29","page_num":12,"sequence_num":558,"body":"نماذج من أحوال بعض حملة القرآن المعاصرين\rلقد كان لحملة القرآن في عصرنا الحديث نماذج، وسأذكر نموذجين لبعض الأحوال: أحدهما يتعلق برجل صالح من عباد الله، نحسبه والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحداً، والثاني يتعلق ببهيمة من البهائم.\rأما القصة الأولى المتعلقة بذلك الرجل الصالح فقد حدثني فيها من أثق به قال: كانوا قديماً يقرءون القرآن في ليالي رمضان، وكانوا في العشر الأواخر منه لا يكادون ينامون، بل كانوا يحييون الليل، قال: وكان من عادتهم أنهم في ليالي العشر الأواخر من رمضان يقومون الليل، فإذا جاءت صلاة الفجر لا يطيل الإمام القراءة، وإنما يقرأ عليهم سورة وسطى من القرآن؛ لأنهم متعبون، ويريدون أن يرجعوا ليستريحوا قليلاً، وفي إحدى صلوات الفجر في العشر الأواخر من رمضان قام الإمام ليصلي بالناس فأطال القراءة، بدأ بسورة طويلة واستمر يقرأ ويقرأ ويقرأ، وكأنه في قيام الليل، وركع وأتى بالركعة الثانية وأيضاً أطال القراءة حتى أسفروا جداً وكادت تطلع الشمس، فلما سلم، قال له بعض أحبابه: يا فلان! لقد أطلت علينا اليوم القراءة! فاستيقظ وقال لهم: هل أنا أطلت القراءة؟ قالوا: نعم.\rقال: سبحان الله! والله! لقد نمت وأنا أقرأ القرآن! أي: أنه نام ونسي أنه في صلاة الفجر، وصار يقرأ القرآن وهو نائم أو بين النائم واليقظان، أرأيتم كيف عمروا قلوبهم بالقرآن؟! فهل رأيتم إنساناً يقرأ القرآن وهو نائم؟! أما القصة الثانية: فلقد كان هناك جماعة كانوا مسافرين، وكان معهم عدد كبير جداً من الإبل، وكانوا يسرون في الليل، قال أحدهم: وكانت عندي ناقة هزيلة، دائماً هي في المؤخرة، ولا ألحق بأصحابي إلا بعدما ينزلون، قال: فأخذ واحد من القراء يقرأ القرآن وهو راكب ناقته في جوف الليل، ورفع صوته بالقراءة، قال: فصرت أنا أسمع القراءة من بعيد؛ لأنني كنت بعيداً منهم، ثم أحسست بأن ناقتي تنشط شيئاً فشيئاً، وتعجبت لنشاطها، قال: وإذا بها تقدم شيئاً فشيئاً، وتعجبت من أمرها إلى أين ذاهبة! وتعجبت من نشاطها وهي هزيلة! قال: وما زالت تقدم شيئاً فشيئاً حتى جاءت إلى الناقة التي فيها القارئ فوضعت رقبتها على رقبة الناقة وصارا يسيران سوياً، وصدق الله القائل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].\rأيها الإخوة المؤمنون! يجب أن نعرف قدر هذا القرآن العظيم؛ فنحن في زمن المهلة يجب علينا أن نستغلها بقراءة القرآن والعمل بالقرآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534770,"book_id":2827,"shamela_page_id":559,"part":"29","page_num":13,"sequence_num":559,"body":"مسائل هامة لقارئ القرآن\rوأختم هذه الكلمة بذكر بعض الملحوظات، خاصة ونحن بعد أيام قليلة نستقبل شهر رمضان، فأقول: إن مما يلاحظ عدة أمور:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534771,"book_id":2827,"shamela_page_id":560,"part":"29","page_num":14,"sequence_num":560,"body":"قراءة القرآن الكريم قراءة سليمة\rأولها: ضعف كثير من الناس في تلاوتهم للقرآن العظيم، وإنك لتعجب أن يجلس بجانبك إنسان -وهذا على مختلف الأعمار- يقرأ القرآن فيلحن لحناً عجيباً! حتى تضيق، فإن صححت له أخطاءه شغلك ولم يعدل؛ لأنه مستمر في أخطائه، وإن تركته أتعبك نفسياً وأنت تسمع لهذا اللحن العجيب، مع أننا في بلاد -والحمد لله- وفقها الله ﷾ بوجود كثير من القراء والحفظة والمدارس، فالمساجد -والحمد لله- في كل قرية ومدينة، سواء كانت مما يشرف عليها الجمعيات الخيرية أو غيرها، وأغلبها يدرس فيها كلام الله ﷾، ولكن للأسف أنه يصلي في المسجد صفان أو ثلاثة، ثم بعد ذلك تجد هذين الصفين يكاد يكون نصفهم عامة، أو قراءتهم للقرآن ضعيفة، ثم لا تجد المقرئ في المسجد يجلس عنده أحد، وما رأيت واحداً من هؤلاء يجلس ويقول: أريد أن أقرأ عليك القرآن، حتى ولو تلاوة لا حفظاً إذا كان لا يستطيع، حتى تصبح ممن يتلوه تلاوة صحيحة؛ فيفقه معناه ويتأثر به.\rفيا أيها الإخوة الآباء! ويا أيتها الأمهات! ويا أيها الإخوة الشباب والكهول والشيوخ! عليكم ألا تحتقروا هذه المسألة العظيمة، بل عليك أن تجلس لقارئ القرآن فتقرأ ليعدل أخطاءك، فاجلس واقرأ القرآن، فلقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يقرءون القرآن ويتدبرونه على مقرئين؛ حتى تكون قراءتهم له سليمة، ولهذا تجد بعض الناس يقرأ القرآن -مع أنه عامي- قراءة ممتازة، فتسأله: كيف كانت قراءتك صحيحة وسليمة وأنت لا تقرأ ولا تكتب إلا القرآن تستطيع قراءته؟ فيقول: الحمد لله لقد قرأناه على الشيخ فلان أو الشيخ فلان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534772,"book_id":2827,"shamela_page_id":561,"part":"29","page_num":15,"sequence_num":561,"body":"تدبر الآيات عند التلاوة\rالأمر الثاني: مما يلاحظ أن كثيراً من الناس يحرص في رمضان على كثرة الختمات، وينسى التدبر بالآيات، حتى إنه أحياناً يقرأ الآيات تلو الآيات وقلبه غافل.\rفيا أيها الإخوة! أحضروا قلوبكم وأنتم تقرءون القرآن، واتلوه وأنتم حاضرو القلوب؛ فإن ذلك مما يزيد في إيمانكم ومما يزيد في تفهمكم ومما يزيد أجركم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534773,"book_id":2827,"shamela_page_id":562,"part":"29","page_num":16,"sequence_num":562,"body":"استمرار تلاوة القرآن طيلة شهر رمضان\rالأمر الثالث: أيضاً مما يلاحظ أن الناس ينشطون في الأيام الأولى في رمضان لقراءة القرآن، ثم يفترون ويضعفون، فحين تأتي في اليوم الأول والثاني تجد المسجد ضاجاً بقراء القرآن، وتجد الناس يجلسون ويقرءون، ثم لا يزالون يتناقصون، حتى لا يبقى في النهاية إلا عدد قليل، وهذا مؤشر محزن؛ إذ كيف تمل القراءة؟! وكيف تمل قراءة القرآن يا عبد الله؟! فهي أيام يسيرة ستمضي، ورمضان إن أدركت أوله قد لا تدرك آخره، وإن أدركت هذا الشهر من رمضان فقد لا تدرك رمضان القادم.\rفيا أخي! احرص كل الحرص على استغلال وقتك في قراءة القرآن وتلاوته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534774,"book_id":2827,"shamela_page_id":563,"part":"29","page_num":17,"sequence_num":563,"body":"قراءة القرآن في ليالي رمضان\rالأمر الرابع: أن كثيراً من الناس يقرأ القرآن في نهار رمضان ولا يقرأه في الليل في رمضان؛ لأنه صائم متعب يقرأ القرآن، فإذا جاء الليل أمضى ليله في الحديث والسمر والسهر، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦] فاحرص يا عبد الله! أن يكون لك في الليل قراءة، خاصة في آخر الليل وفي الأسحار، ولابد أن تقرأ القرآن وأن تحفظه وأن تتلوه وأنت نشيط، ولا تجعل نشاطك للكلام الذي لا ينفع وفي وقت صومك وتعبك لقراءة القرآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534775,"book_id":2827,"shamela_page_id":564,"part":"29","page_num":18,"sequence_num":564,"body":"تقسيم الوقت في حفظ القرآن ومراجعته\rالأمر الخامس: بعض الإخوة الشباب يسألون: كيف أقضي وقتي في رمضان؟ هل أقضيه في حفظ القرآن ومراجعته أم في تلاوة القرآن؟ وأيهما أقدم؟ فأقول: إن هذا سؤال مهم جداً، ولا شك أن كثرة قراءة القرآن مع التدبر مطلوبة؛ لأنها تزيد في رفع الدرجة، لكن أيضاً تفهم القرآن وحفظه وتدبر معانيه مطلوب أيضاً؛ لأنه يزيدك مهارة في القرآن، ومن هنا فإنني أقول: بالنسبة للإنسان الحريص على الأمرين جميعاً الأولى له أن يقسم وقته قسمين: القسم الأول: حال النشاط مثل آخر الليل أو بعد الفجر، فهذه الحالة يخصصها لحفظ القرآن ومذاكرته.\rالقسم الثاني: الحال التي يكون فيها عنده بعض التعب، وفي هذه الحالة يجعلها لتلاوة القرآن مثل آخر النهار أو بعد الظهر أو نحو ذلك.\rأسأل الله ﷾ أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا وغمومنا، كما نسأله ﷾ أن يوفقنا لتلاوته وحفظه والعمل به، كما أسأله ﵎ أن يوفق الأمة الإسلامية لأن تعمل بكتاب ربها وأن تحكمه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534776,"book_id":2827,"shamela_page_id":565,"part":"29","page_num":19,"sequence_num":565,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534777,"book_id":2827,"shamela_page_id":566,"part":"29","page_num":20,"sequence_num":566,"body":"أهمية حفظ القرآن الكريم في بداية طلب العلم\r\rالسؤال\r ما رأيكم في بعض الشباب الذين اتجهوا إلى السنة المطهرة، وبدءوا يحفظون بعض الأحاديث ولا يحفظون القرآن، أو لا يحفظون إلا قليلاً من القرآن؟\r\rالجواب\r منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى أنهم كانوا يبدءون بحفظ القرآن العظيم، والإنسان الذي وهبه الله قدرة على الحفظ تظهر هذه الموهبة في الغالب في سن مبكرة حينما يبدأ في طلب العلم، سواء يبدؤه هو أو يوجهه أهله إلى ذلك، فأول ما يبدأ به حفظ كتاب الله، لهذا فإني أقول: مدارسة سنة النبي ﷺ مطلوبة، لكن ينبغي للمؤمن أن يحرص على حفظ كتاب الله ﷾، خاصة إذا وهبه الله قدرة على الحفظ فليتوجه أول ما يتوجه إلى حفظ كتاب الله، والله ﷾ يسر هذا القرآن، كما قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534778,"book_id":2827,"shamela_page_id":567,"part":"29","page_num":21,"sequence_num":567,"body":"تقييم كتاب (في ظلال القرآن) لسيد قطب رحمه الله تعالى\r\rالسؤال\r هل تنصح بقراءتي كتاب (في ظلال القرآن) لـ سيد قطب؟\r\rالجواب\r كتاب (في ظلال القرآن) لـ سيد قطب كتاب جيد، وهو من الكتب التي تقرب الإنسان إلى العيش في ظلال القرآن، ومن هنا فإنني أنصح بقراءته، مع ملاحظة ما عليه من ملاحظات؛ فإنه ﵀ قد وقع في بعض الأخطاء خاصة المتعلقة بصفات الله ﷾، فقد أول صفة الاستواء وصفة اليد وبعض الصفات، كما أن له تعبيرات لا نوافقه عليها مثل: تسميتها بالموسيقى ونحو ذلك، ولهذا فإننا نقول: يجب أن يكون موقف المسلم من هذا الكتاب لا إفراط ولا تفريط، فبعض الناس يقرأ هذا الكتاب ويظن أنه لا خطأ فيه أبداً، والبعض الآخر يرى أن فيه بعض الأخطاء وأنه لا ينبغي قراءته، وأقول: ينبغي أن يكون الإنسان -والحالة هذه- ناظراً في مثل هذا الكتاب هل نفعه أعم أم لا؟ فإذا كان نفعه أعم والأخطاء ممكن أن تتدارك فينبغي تدارك الأخطاء والاستفادة من هذا الكتاب، ولو أن كل كتاب عليه ملاحظات تركناه لتركنا كتباً لأهل العلم عظيمة وكثيرة لا يستغني عنها أي طالب علم.\rوأقول: كنا نتمنى أن يطبع هذا الكتاب طباعة جيدة؛ وتذكر عليه تعليقات توضح الأخطاء التي فيه؛ حتى يكون القارئ لمثل هذا الكتاب يستفيد منه بدون أن يترتب عليه أثر سيئ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534779,"book_id":2827,"shamela_page_id":568,"part":"29","page_num":22,"sequence_num":568,"body":"كيفية استغلال الوقت في رمضان\r\rالسؤال\r أنا شاب أطلب العلم، ومتردد ماذا أصنع في رمضان؟ هل أراجع حفظي أو أحفظ شيئاً جديداً أو أراجع في كتب أهل العلم أو أجعل كامل وقتي أو جله للتلاوة فقط؟\r\rالجواب\r ذكر العلماء أن هذه المسائل مما تختلف فيه الأفضلية؛ فأحياناً يكون هناك وقت الأفضل فيه الجهاد في سبيل الله، ووقت آخر الأفضل فيه قراءة القرآن، ووقت آخر الأفضل فيه -بالنسبة لبعض الناس- طلب العلم، ومن هنا فإنني أقول: بالنسبة لرمضان ولأنه وقت محدود أنصحك بأن تركز فيه على قراءة القرآن وحفظه ومذاكرة ما سبق من حفظه والزيادة في تلاوته، وتجمع إلى ذلك شيئاً من طلب العلم، بمعنى: ألا تغفل عن طلب العلم؛ لأنني أظن -والله أعلم- أن الإنسان ربما يمل فيما لو استمر -في رمضان أو غيره- على وتيرة واحدة، فإذا جعل غالب وقته لحفظ القرآن وتلاوته وجعل أيضاً له بعض الوقت لمدارسة بعض أنواع العلم فهذا لا بأس به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534780,"book_id":2827,"shamela_page_id":569,"part":"29","page_num":23,"sequence_num":569,"body":"حكم تحري الصلاة خلف إمام معين لأجل صوته، والتنقل في المساجد لذلك\r\rالسؤال\r ما رأيك في اختيار إمام مسجد للصلاة خلفه من أجل صوته أو التردد على مساجد متعددة؟\r\rالجواب\r أما أن الإنسان يختار إماماً من أجل صوته فنقول: هذا حق له، فله ذلك؛ لأن الإنسان إذا حضر عند إمام حسن الصوت يخشع في القراءة ويتأثر، لكن أن يتردد على عدد من المساجد فهذا الذي لا ينبغي، بل على الإنسان أن يلتزم مسجداً ويستمر فيه؛ ليتابع القراءة، ولتهدأ نفسه، أما إذا تنقل فإن المشاغل الكثيرة وتغير المسجد وتغير الصوت وتغير الآيات وربما تكررت عليه في مسجدين في ليلتين مختلفتين، فهذا لا ينبغي، هذا رأيي، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534781,"book_id":2827,"shamela_page_id":570,"part":"29","page_num":24,"sequence_num":570,"body":"حكم تقليد الأصوات في تلاوة القرآن الكريم\r\rالسؤال\r ما رأيك في تقليد بعض الأصوات، ليحسن المسلم تلاوته وتجويده؟\r\rالجواب\r ما أظن أنه يشترط أن يحسن الإنسان تلاوته بتقليد الصوت، بل على القارئ أن يقرأ بصوته، وإنني سمعت كثيرين يقولون: إذا صلينا خلف إمام يقلد أحداً لا نخشع خلفه؛ لأننا أحياناً نكون قد عرفنا كيف ستكون قراءته لهذه الآية التي سيقرؤها، بينما إذا كان القارئ حسن الصوت وقرأها بدون أن يتأثر أو يتصنع التأثر فهو أفضل له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534782,"book_id":2827,"shamela_page_id":571,"part":"29","page_num":25,"sequence_num":571,"body":"وجوب صرف الوقت فيما ينفع\r\rالسؤال\r الإنسان أحياناً يكون عنده وقت فراغ فتتشاغل نفسه عن قراءة القرآن، فيصرف الوقت فيما لا ينفع، فما سبب ذلك؟\r\rالجواب\r لا يوجد شك أن سبب ذلك هو: أن الإنسان لم يعرف قيمة الوقت ولا قيمة هذا الشهر الكريم، فلو عرف قيمته وقيمة الزمن وراقب نفسه ما ضيع وقته فيما لا ينفع، بل يصرفه فيما ينفع، وقد يغيره من نفع إلى نفع، لكن أن يغيره من نفع إلى ما لا ينفع فهذا مما لا ينبغي للمسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534783,"book_id":2827,"shamela_page_id":572,"part":"29","page_num":26,"sequence_num":572,"body":"كيفية تعظيم القرآن الكريم في نفوس الأطفال\r\rالسؤال\r كيف نعظم القرآن العظيم في نفوس الأطفال خاصة؟\r\rالجواب\r يكون تعظيم القرآن في نفوس الأطفال بأن يحترم المصحف في البيت، وأن تغرس في نفوسهم أن هذا القرآن يرفع، فتقول للطفل: ارفعه، ولا تجعله يقع على ما لا ينبغي، ولا تمزقه إلى آخره فتعظمه في نفسه بإعظامك له.\rوأيضاً: أن تقرئه القرآن دائماً، وأن تعطيه الجوائز على قراءته للقرآن؛ بحيث يعظم هذا القرآن في نفسه، وأن تتدرج معه شيئاً فشيئاً بلا إفراط ولا تفريط؛ وبلا إهمال للأطفال؛ بحيث لا يقرءون القرآن إلا قليلاً، وأيضاً في الطرف المقابل لا ينبغي للإنسان أن يثقل على الطفل بحيث يمل ويضجر من قراءته للقرآن الحكيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534784,"book_id":2827,"shamela_page_id":573,"part":"29","page_num":27,"sequence_num":573,"body":"الفترة التي ينبغي أن يختم فيها القرآن الكريم\r\rالسؤال\r إذا لم يختم الإنسان القرآن في شهر فهل يعتبر هاجراً للقرآن الكريم؟\r\rالجواب\r ورد أن: (من قرأ عشر آيات كان من الذاكرين)، ولعله يستأنس في مثل هذا بأن الإنسان يكون له في كل يوم قراءة، لكن كان السلف رحمهم الله تعالى يقسمون القرآن ويحزبونه، وكان كثيراً منهم لا يزيد عن شهرين؛ يقرأ في كل يوم حزباً -نصف جزء- لا ينقص عن ذلك، أما بالنسبة لأكثر ما يقرأ القرآن فإن الإنسان إذا قرأ القرآن كله في أقل من ثلاث ليال ربما لا يتدبر ولا يفهم، فيقرأ القرآن بين ثلاثة أيام وستين يوماً، والأولى للإنسان أن يكون له في كل يوم جزء كامل من القرآن يحافظ عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534785,"book_id":2827,"shamela_page_id":574,"part":"29","page_num":28,"sequence_num":574,"body":"كيفية الجمع بين قراءة القرآن والمشاغل الدنيوية\r\rالسؤال\r كيف يوفق الإنسان بين مشاغله الدنيوية والدعوية وقراءة القرآن، خصوصاً أنه ليس بحافظ للقرآن؟\r\rالجواب\r قال الله ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فالسلف الصالح رحمهم الله تعالى ما كانوا يكسلون في رمضان، بل كانوا يشتغلون، وكانوا يطلبون الرزق ويبيعون ويشترون، لكن أيضاً كان لهم في هذا الشهر حظاً من القرآن يقرءونه، فأنت يا أخي إذا كنت ممن يدرس ويقضي وقتاً كبيراً في الدراسة فعليك ألا تغفل عن القرآن، وإذا كنت تاجراً فعليك ألا تغفل عن القرآن، ولا يحز في نفسك؛ فأنت -إن شاء الله- مأجور بدراستك أو بتجارتك أو بغير ذلك، المهم أن تحرص في هذا الشهر الكريم على أن تكون من أهل القرآن، وأن تحرص على تلاوته وتدبره، وألا تكون كما يفعل بعض الناس هداهم الله الذين يكونون في رمضان أقل قراءة للقرآن من غير رمضان؛ لأن أحدهم ينشغل بتجارته أو بغير ذلك، ونحن نقول: لا بأس بالتجارة على ألا تشغلك عن قراءة القرآن، والحمد لله من الممكن أن يجمع الإنسان بينهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534786,"book_id":2827,"shamela_page_id":575,"part":"29","page_num":29,"sequence_num":575,"body":"المفاضلة بين تلاوة القرآن وحفظه\r\rالسؤال\r أيهما أفضل: حفظ القرآن أو تلاوته؟ مع العلم أن نصيب التلاوة أكثر بكثير من الحفظ؟\r\rالجواب\r أما كلمة أفضل فهذه علمها عند الله ﷾؛ لأنه ورد في الفضل قول النبي ﷺ: (من قرأ حرفاً فله به عشر حسنات)، هذا ميزان، وورد ميزان آخر: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له به أجران).\rإذاً: عندنا بالنسبة للفضل أمران: كثرة القراءة، ونوع التدبر والعلم بها وتدبر أسماء الله وصفاته، والخوف من وعيده، فلا يمكن أن نقول: هذا أفضل أو هذا أفضل، لكن على الإنسان في رمضان خاصة أن يحرص على كثرة التلاوة مع التدبر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534787,"book_id":2827,"shamela_page_id":576,"part":"29","page_num":30,"sequence_num":576,"body":"المفاضلة بين تلاوة القرآن بتدبر وبين تلاوته على عجل\r\rالسؤال\r أيهما أفضل: التلاوة على عجل؛ ليقطع الإنسان جزءاً كبيراً من القرآن، أو تلاوته بتدبر ولو قلَّت؟\r\rالجواب\r بل يتدبر القرآن ولو قلت قراءته؛ لأنه إذا عجل بالقراءة ربما سها وغفل، فعلى الإنسان أن يقرأ القرآن، وأن يكون وسطاً في تلاوته للقرآن، فلا يمدده تمديداً طويلاً جداً، وإنما يقرأه بتدبر وتمعن؛ فإنه يحصل له الأمران: التدبر، وكثرة القراءة، وهذا -والحمد لله- حاصل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534788,"book_id":2827,"shamela_page_id":577,"part":"29","page_num":31,"sequence_num":577,"body":"فضل ختم القرآن في كل شهر في رمضان وغيره\r\rالسؤال\r هل من السنة ختم القرآن الكريم في رمضان خاصة، فإني أرى أكثر الناس يحاولون ختمه؟ وما نصيحتكم للذين لا يقرءون القرآن إلا في رمضان؟\r\rالجواب\r أما بالنسبة للذين لا يقرءون القرآن إلا في رمضان فنصيحتنا لهم: أن يتقوا الله، وأن يقرءوا القرآن، وأن يعودوا إلى القرآن العظيم؛ ففيه راحة للصدور وشرح لها.\rأما بالنسبة للختمة فلا شك أن ختم القرآن ورد فيه فضل، بل ورد في بعض الآثار: (الحال المرتحل) والحال المرتحل هو المؤمن الذي يقرأ القرآن ويختمه ويبدأ من جديد، هذا هو الحال المرتحل، أي: أنه يقرن آخر القرآن بأوله، وأيضاً ورد أن الدعاء عند ختم القرآن فيه دعوة مستجابة، فالإنسان إذا ختم القرآن ودعا ربه ﷾ فلعل الله ﷾ أن يفتح له ويستجيب دعاءه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534789,"book_id":2827,"shamela_page_id":578,"part":"29","page_num":32,"sequence_num":578,"body":"كيفية قضاء الوقت في رمضان\r\rالسؤال\r أرشدوني جزاكم الله خيراً إلى برنامج إيماني أقضي به وقتي في رمضان، علماً بأني عاقد العزم على تعديل حالي إلى الأفضل، وسأجعل بدايتي من رمضان إن شاء الله، فبماذا تنصحوني؟\r\rالجواب\r أولاً: أنصحك بأن تبدأ من الآن وليس من رمضان، فابدأ من الآن يا أخي! وإذا رجعت الآن فاقرأ قليلاً من القرآن، وعود نفسك على القرآن.\rأما برنامجك في رمضان فيا أخي! حاول أن يكون لك إخوة زملاء، أو جيران مسجد من الأخيار، حتى تكون معهم، وحبذا لو رتبت معهم برنامجاً في وقت تأنس بهم، ويأنسون بك، وتجعلون لكم وقتاً لقراءة القرآن، ووقتاً لشيء من مدارسة تفسير القرآن، ووقتاً آخر أيضاً لمدارسة شيء من العلم إذا أمكن ذلك، فضع لك برنامجاً في قضاء وقتك، واجعل الجزء الأكبر في تلاوة القرآن، وإذا حدث عند الإنسان نوع ملل فيجعل جزءاً من وقته في مدارسة شيء من العلم ومدارسة السنة والأحكام الفقهية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534790,"book_id":2827,"shamela_page_id":579,"part":"29","page_num":33,"sequence_num":579,"body":"أهمية مجاهدة وساوس الشيطان\r\rالسؤال\r إني -ولله الحمد- جيد الصوت في قراءة القرآن، وأجيد أحكام التجويد، ولكني إذا قدمت للإمامة أخاف المدح والرياء، ولكنني أدفع هذه الوساوس وأحاول أن أجعل من حسن صوتي دعوة، فهل تضرني هذه الوساوس، أو أمتنع عن الإمامة؟\r\rالجواب\r بل عليك أن تراغم شيطانك الذي يأتي بهذه الوساوس، وتستمر في قراءة القرآن، واطلب ربك، وادع الله ﷾ أن يحميك من هذه الوساوس، واستمر في القراءة، وراغم الشيطان، وراقب قلبك، واسأل الله ﷾ أن يجعلك من عباد الله المتقين، وأن يجعل حفظك للقرآن وتلاوتك له في ميزان حسناتك يوم أن تلقى ربك.\rأسأل الله ﷾ أن يجعلنا في شهر رمضان الكريم من المقبولين، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان.\rاللهم اجعلنا يا إلهنا! ممن صامه إيماناً واحتساباً، اللهم اجعلنا ممن قام لياليه إيماناً واحتساباً، اللهم اجعلنا ممن وفق لقيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً.\rاللهم اجعلنا في هذا الشهر الكريم من عتقائك من النار.\rاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا وغمومنا، وجلاء أحزاننا.\rاللهم اجعله سائقنا ووالدينا إلى جناتك جنات النعيم.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534791,"book_id":2827,"shamela_page_id":580,"part":"30","page_num":1,"sequence_num":580,"body":"العقيدة وأثرها في تربية الأسرة\rأمر العقيدة أمر عظيم جدّ عظيم، فعليها قامت السماوات والأرض، وهي أصل الدين وأسّه، وبها أرسل الأنبياء والرسل ﵈ إلى أقوامهم، وهي سر نجاة العبد في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، فإذا تحلى بها المرء صلح شأنه، وسعدت حياته، وإذا تحلت بها الأسرة صلحت شئونها، واجتمعت أمورها، ونجت من التخبطات والبدع والخرافات، وإذا تحلى بها المجتمع علا شأنه، وارتفع ذكره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534792,"book_id":2827,"shamela_page_id":581,"part":"30","page_num":2,"sequence_num":581,"body":"أهمية العقيدة في حياة الإنسان والأسرة\rبسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: أيها الإخوة! اعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\rأيها الإخوة! حديثنا في هذه الليلة عن العقيدة وأثرها في حياة الأسرة المسلمة، ونحن بادئ ذي بدء نقول للإخوة الذين أشرفوا على مثل هذه الدورة المباركة: جزاكم الله خيراً، وأجزل لكم المثوبة، ورزقنا وإياكم الإخلاص.\rأيها الإخوة! لا تظنوا أن أمر العقيدة -في حياة الإنسان عموماً، وفي حياة الأسرة خصوصاً- هين ويسير، إن العقيدة قامت عليها السماوات والأرض، وربنا تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] ﵎؛ ولهذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يعنون بالعقيدة أولاً فيما يتعلق بالأمة كلها، ويعنون بالعقيدة فيما يتعلق بالأسرة في داخل البيت ثانياً وخصوصاً، ولقد كان الواحد من هؤلاء يعيش حياته كلها في ظل هذه العقيدة، داعياً إلى الله، وموجهاً ومربياً لأسرته، وبانياً لها على أسس عقدية ثابتة، وكان منهج سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى هو المنهج الحق الذي اتبعوا فيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، على ضوء فهم ومنهاج سلف الأمة ﵏، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا.\rأيها الإخوة! إن كل واحد منا مسئول أمام ربه ﵎ عن هذا الدين، ومسئول عن هذه الأسرة، وقد قال سفيان بن حسين الواسطي: ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية المزني قاضي البصرة، فنظر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: والسند والهند والترك؟ -أي: أغزوت هذه؟ - قلت: لا، قال: فسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم! قال سفيان: فلم أعد بعدها.\rإذاً كانوا أمة لها اهتمامات كبرى لا تجعل شغلها فيما بينها حسداً وعداءً، وإنما تتحول الحياة كلها في هذه الأمة إلى بناء للأسرة، وبناء للأمة.\rأيها الإخوة في الله! حديثي حول هذا الموضوع سيدور حول عدد من النقاط أبدؤها واحدة تلو الأخرى فأقول: أولاً: العقيدة لها أهمية كبرى في حياة الإنسان، ويكفي في بيان أهميتها أنه لا نجاة للعبد يوم القيامة حين يقف الخلق جميعاً بين يدي الله ﷾ إلا لمن مات على عقيدة صحيحة قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] والعقيدة ليست تصديقاً قلبياً خاصاً داخل القلب لا يخرج عنه، بل العقيدة تشمل الحياة كلها، الأسرة وغير الأسرة، تشمل الأسرة والمجتمع، وتشمل الدولة، وكل شأن من شئون الحياة؛ لأن أي شريعة ونظام في هذه الحياة لابد أن ينبثق من عقيدة كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534793,"book_id":2827,"shamela_page_id":582,"part":"30","page_num":3,"sequence_num":582,"body":"أصل الأسرة وبمن يناط التكليف\rثانياً: أصل الأسرة وبمن يناط التكليف.\rهل الأسرة عادة أو نظام قبلي أو غير ذلك؟ إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١]، هذا هو أصل الأسرة في منهج الله ﵎، فالناس جميعاً خلقهم الله بمقتضى مشيئته ﵎، فلم يأتوا بإرادة أنفسهم، وإنما بإرادة الواحد القهار ﵎، فهو المالك لكل شيء، وهو الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، ثم إن الناس كلهم يرجعون إلى نفس واحدة هي آدم، فلماذا الفروق بين أبناء النفس الواحدة؟! ولماذا قطع الرحم؟! لماذا هذه الفروق التي هي فروق جاهلية؟ ثم بعد ذلك أيضاً المرأة تعود إلى هذا الأصل: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]، والذين ضلوا من أمم الأرض فيما يتعلق بالمرأة، منهم من جعل المرأة حقيرة ونجسة، وجعلها أصل الشر والبلاء، ومنهم من أطلق لها العنان لتستقل تمام الاستقلال عن أسرتها وعن الحياة كلها، ونسي هؤلاء جميعاً أن المرأة إنسان خلقت لإنسان، ونفس خلقت لنفس، وأن بعضهما يكمل بعضاً، فهما زوجان متكاملان.\rإذاً النتيجة: أن قاعدة الحياة البشرية في منهج الله ﷾ هي الأسرة، وليست الفوضى كما يريد أعداء الإسلام، وكما هو منهج الذين انحرفوا عن المنهج الصحيح في مشارق الأرض ومغاربها.\rومن هنا فإن هذه الأسرة تبدأ بالزواج، وتثنى بالأولاد؛ ولهذا حض رسول الله ﷺ على النكاح، ونهى من أراد أن يتبتل وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني)، بل إن رسول الله ﷺ حرص على تكثير الأولاد؛ لأن الأولاد الصالحين إذا وجدوا كانوا خيراً: (أو ولد صالح يدعو له) يدعو لوالديه، ولذلك ثبت أن الولد إذا مات وهو صغير يكون شفيعاً لوالديه يوم القيامة، وستأتي الإشارة إلى ذلك.\rوالرسول ﷺ أمر بإكثار النسل؛ لأجل أن يباهي بنا الأمم يوم القيامة.\rوعلى هذا: فالدعوة إلى تحديد النسل أو ما ترتب على مؤتمر الإسكان الذي سبق قبل أيام معدودات، كلها دعوات جاهلية تخالف أصل الإسلام ومنطلقه في منهجه في قيام الأسرة ونشأتها وتكاملها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534794,"book_id":2827,"shamela_page_id":583,"part":"30","page_num":4,"sequence_num":583,"body":"بمن يناط التكليف\rإن الطفل -وكل منا نشأ طفلاً- له ثلاثة أطوار: طور يكون فيه خلواً من المسئولية، تجري عليه أحكام الله القدرية القهرية، لا شأن له ولا لأمه ولا لأبيه، وهذا يكون وهو في بطن أمه حين ينتقل من نطفة إلى علقة إلى مضغة، ثم يكون خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.\rثم يأتي الطور الثاني: وهو طور خروجه من بطن أمه إلى دار التكليف، فهنا تتعلق به الأحكام الشرعية، لكن قبل البلوغ لعدم قدرته على تحقيقها يخاطب بها الأبوان، فهما المسئولان عن هذا الطفل؛ ولذا قال ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) أي: فطرة الإسلام (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)؛ إذاً: الأطفال هم مسئولية الأبوين؛ فليتقوا الله ﷾ في أطفالهم.\rثم يأتي الطور الثالث: وهو طور البلوغ، أي: بلوغ سن الرشد، وحصول التكليف، فحينئذٍ تتعلق التكاليف بهذا الإنسان مباشرة دون واسطة والديه.\rإن مسئولية الأسرة -أيها الإخوة- إنما تقع أساساً على عاتق الأب، فهو أبو الأسرة وربها، وهو المسئول عنها، وهذا بنص حديث رسول الله ﷺ حين قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن راعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته) إلى آخر الحديث.\rإذاً: الأب هو الذي يتحمل المسئولية؛ وبهذا يتحقق نظام يمكن ضبطه؛ لأن التربية -ولو كانت تربية عقدية مؤصلة- لا تأتي إلا من خلال منهج مضبوط أسري، وإلا فسوف تتحول الأمور إلى فوضى، كما نشاهد في بلاد الغرب، وفي غير بلاد الغرب، لكن حينما تضبط الأسرة يتحول تكوينها ونظامها التربوي إلى وضع قابل للتربية والتوجيه حسب المنهج الذي يراد لها، فإذا كانت على هذه الحالة، وجاءت العقيدة الصافية الصريحة على منهاج السلف الصالح، وربيت عليها الأسرة، فإنه والحالة هذه تنشأ أسرة متكاملة عظيمة التأثير في حياة المجتمع وحياة الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534795,"book_id":2827,"shamela_page_id":584,"part":"30","page_num":5,"sequence_num":584,"body":"حماية الأسرة من منهج الإسلام\rثالثاً: إن من منهج الإسلام حماية الأسرة وتحصينها في أول الأمر، قبل أن توجد الأسرة، وقبل أن تنشأ، وهذا أساس عقدي.\rإن الله ﷾ أمر وشرع أنه لا يجوز لكافر أن يتزوج بمسلمة، ولا يجوز لمسلمة أن تتزوج بكافر، هذا الأصل يعطينا أن الإسلام يبث الجانب التربوي المؤصل في حياة الأسرة من البداية، فإذا ما جاء مشرك ملحد نصراني يهودي زنديق يتظاهر بالزندقة والإلحاد -ولو كان من بني جلدتنا- لا يصلي فلا يجوز أن تنشأ معه الأسرة، يجب أن تعلم الأسرة المسلمة من بدايتها أنه لا علاقة لهذا الشخص بها، ومن هنا نجد أن النبي ﷺ -وهو يوجه الأمة إلى تكوين الأسرة من بدايتها- يحض على جانب الأصل وهو الدين والعقيدة، فمن جانب الرجل يقول الرسول ﷺ: (تنكح المرأة لأربع: لدينها، ولجمالها، ولشرفها، ولمالها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) إذاً: ذات الدين هي ذات الإيمان، وهي صاحبة العقيدة الصافية الواضحة، فهذه بداية صحيحة لتكوين الأسرة، فإذا اختار الشاب ذات الدين بدأ التكوين العقدي السليم للأسرة.\rوفي المقابل يقول الرسول ﷺ لأولياء المرأة: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، وبهذا تنشأ الأسرة من بدايتها نشأة صحيحة، ويا للأسف كم من شاب طيب تزوج بفتاة، ولم يراعِ فيها قول النبي ﷺ هذا، فلما تزوج بها جرفته معها في التيار فانحرف! وبالمقابل ويا للأسف الشديد كم من فتاة خيرة طيبة، لم يتق الله ولي أمرها فزوجها من شاب لا يعلم عنه الدين والخلق، وإذا بها بعد شهور قد انجرفت معه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! إذاً: هذا التكوين الأسري من البداية للأسرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534796,"book_id":2827,"shamela_page_id":585,"part":"30","page_num":6,"sequence_num":585,"body":"عقيدة التوحيد أساس الأسرة وقوامها\rرابعاً: عقيدة التوحيد هي أساس الأسرة وقوامها.\rونحن نقول: نعم، عقيدة التوحيد هي الأساس في حياة الأمة كلها، وفي حياة كل إنسان، وأيضاً هي أساس حياة الأسرة، عقيدة التوحيد الصافية القائمة على مفهوم وأصل لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه العقيدة إذا استقر مدلولها علمياً وعملياً في حياة الأسرة استقراراً عميقاً تحولت الأسرة إلى وضع وشأن آخر؛ لأن مقتضى لا إله إلا الله محمد رسول الله: هو الانخلاع من عبودية غير الله ﵎؛ من الشركيات والوثنيات، والعادات الجاهلية، وطاعة أهل الإلحاد والفسق وأهل الفجور، والانخلاع من ذلك إلى طاعة الله ﵎ وحده لا شريك له، وطاعة رسوله ﷺ؛ لأن طاعته طاعة لله ﵎.\rإذاً: أساس الأسرة الذي تبنى عليه هو عقيدة التوحيد، لكننا -ويا للأسف- لا نربي أسرنا على عقيدة التوحيد، ولهذا تجد كثيراً من الأسر لا تفقه عقيدة التوحيد، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى -وإنما ضربت به المثل لأنه من القرون المتأخرة- لما أعاد وجدد لهذه البلاد عقيدتها وما اندرس من دينها، بدأ بمنهج تربوي ينطلق من الأسرة في أبسط مسائل العقيدة، الأصول الثلاثة، تعريف الإنسان بالله وبالرسول، كتاب التوحيد، وكانوا في الزمن السابق فعلاً يرددونه، ولقد عهدت من آبائنا وأعمامنا العوام -وأقول: العوام- من يحفظ منهم هذه الأصول وهذه العقيدة حفظاً كاملاً، ويناقشك عليها مناقشة الفاهم الواعي، فلماذا -أيها الإخوة- تخلينا عن تربية أسرنا على عقيدة التوحيد؟! لماذا لا نربي الأسرة على فهم معنى لا إله إلا الله وعلى فهم معنى شهادة أن محمداً رسول الله؟! لماذا لا نربي الأسرة على العقيدة القائمة على الإيمان بالله والكفر بالطاغوت؟! إن هذا هو الأساس، لكن لما تساهلنا في هذه التربية ضعف تأثير العقيدة في نفوسنا ونفوس أسرنا وأزواجنا وأولادنا.\rأيها الإخوة! إن تعليم الأسرة لهذه العقيدة يربي فيها جوانب عظيمة يرتاح فيها الأب مربي الأسرة، إذا ما ربى الأب أسرته على عقيدة التوحيد الصافية، وعلمها حتى استقرت في خلدها وتربت عليها تربية صحيحة، فإنه والحالة هذه يستريح في جوانب كثيرة جداً في الحياة، فمثلاً: هذه الأسرة إذا تربت على العقيدة أفردت ربها ﵎ بالخوف والتوكل والمحبة، فصارت أسرة لا تخاف إلا الله، ولا تتوكل في جميع شئونها إلا على الله ﷾، لكن انظر إلى أسرنا كم من مشكلة نشأت في الأسرة؛ لأن الأم أو الزوجة خافت من الفقر، أو خافت من غير الله ﷾، نعم إذا تربت الأسرة تعلقت بالله، فاستقامت الحياة، فتنام الأسرة وهي مرتاحة لا تخاف من عين إلا بإذن الله، لا تخاف من جن إلا بإذن الله، لا تخاف من مخلوق إلا بإذن الله ﷾، فإذا تعلقت الأسرة بهذا أصبحت فعلاً أسرة مطمئنة مستكينة منشرحة الصدر.\rثم بعد ذلك أيضاً يبعدها عن التعلق بكثير من الشركيات التي تقلق النفس كثيراً، فبعض الأسر لما ضعف فهمها لعقيدة التوحيد ومقتضياته، ووجوب البعد من الشرك وأنواعه، بدأت تقع في أنواع من الشركيات، وفي أنواع من الرقى والتمائم المحرمة، هذه التمائم المحرمة التي ثبت عن النبي ﷺ النهي عنها إذا وجدت تحولت هذه الأسرة إلى أسرة مضطربة، فتجد الأم دائماً تخاف على ولدها فتعلق عليه التمائم، تخاف عليه من العين، ولربما توهمت أن ابنها مريض وقلقت، ودارت على المستشفيات، وأقلقت زوجها وأقلقت أسرها، والطفل ليس فيه شيء إنما هي أمه التي فيها شيء؛ نظراً لضعف إيمانها وعقيدتها.\rثم بعد ذلك أيضاً يبعدها عن الوقوع في أنواع من الشرك الأصغر والأكبر التي تحبط الأعمال، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\rأيها الإخوة! إن تربيتها على العقيدة يجعل حب الله ﵎ مقدماً على حب غيره ولو كان زوجاً أو زوجة، حينما يتعارض حب الله وحب الزوجة، أو حب الله وحب الزوج بالنسبة للمرأة، أو حب الله وحب الولد أو الوالد فأيهما يقدم صاحب العقيدة الصافية؟ أيهما يقدم من غرست في قلبه هذه العقيدة السليمة؟ إن المشاهد -ويا للأسف- أن غلبة حب الزوج أو الزوجة أحياناً يؤدي إلى مآسي، فقد تجد امرأة مؤمنة بالله، لكنها وقد تزوجت وأحبت زوجها -وخاصة إذا وجد لها منه أولاد- قدمت حب زوجها وأولادها على حب الله ورسوله، فإنك قد تجد زوج المرأة زنديقاً، ما معنى زنديق؟ معنى ذلك: أنه يتفوه بالإلحاديات، إما الاستهزاء بدين الله، أو أنه لا يصلي، أو غير ذلك من الأمور التي هي نواقض الإسلام تجده واقعاً فيها، وتجد هذه الزوجة قد أحنت رأسها له، ولم تحن رأسها للواحد الجبار، فبقيت عنده.\rوكذلك أيضاً بالنسبة للرجل، فقد تكون عنده امرأة لا تصلي فيبقيها عنده، ولا يقدم حب الله على حب الخلق ولو كان أقرب الناس.\rأيها الإخوة! إن حب الله ﷾ وحده، والإخلاص له في ذلك أساس دستور الأسرة، فكمال الحب يكون بعبادة الله وحده لا شريك له؛ ولذلك كان أعظم الذنوب الشرك بالله ﷾، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]؛ فإذا ما قدم حب غير الله على حب الله ﷾ فإن هذا من الشرك الأكبر، وأعظم مقتضيات الحب لله طاعة الله واتباع رسوله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، فحب الله يقتضي تقديم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ على طاعة الخلق ولو كان أقرب الناس إليك، ولو كان أباً أو أماً، ولو كان زوجاً أو زوجة، ولو كان غير ذلك، هذا هو أساس عقيدة التوحيد؛ فحينما تصفى هذه العقيدة وتسلم تنشأ الأسرة وتكون التكوين الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534797,"book_id":2827,"shamela_page_id":586,"part":"30","page_num":7,"sequence_num":586,"body":"من مقتضيات التوحيد طاعة الله ورسوله\rخامساً: من مقتضيات التوحيد طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.\rوهذه قضية كبرى في جانب العقيدة في حياة الأمة عموماً وفي حياة الأسرة خصوصاً، نظام الأسرة بكل تفاصيله هو شرع من الله، وشرع الله ينبثق من العقيدة، فلا ينظرن الإنسان إلى جزئيات من جزئيات شرعية الله في باب الأسرة على أنه مسألة فرعية، لا إن نظام الأسرة شرع من الله واجب الطاعة؛ لأن عقيدة (لا إله إلا الله) تقوم على العبودية لله، ومقتضى العبودية الحب لله، والذل لله، والخضوع له، وكمال ذلك كله ينتهي بكمال الطاعة لله ﵎، ومن هنا فإن كل ما في تشريع الإسلام من كمال وشمول وصلاحية للزمان والمكان يدخل فيه نظام الأسرة؛ لأنه تشريع من العليم الخبير، فإذا ما جاء ملحد أو زنديق أو حداثي أو فوضوي أو علماني أو غيره ليقول: النظام الفلاني القضية الفلانية المسألة الفلانية التي تتعلق الزمان تطور، نقول: لا، ما تطور الزمان؛ لأن هذه الشريعة وضعها العليم الخبير الذي علم ما كان وما سيكون، فهي شريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان، وأي إنسان يرفض شريعة الله في أي جانب من جوانب الحياة -ومنها جانب الأسرة- فإن هذا الذي يرفض هذه الشريعة خارج من دائرة الإسلام.\rأيها الإخوة في الله! إن شريعة الله في الأسرة وفي غير الأسرة واجبة التطبيق، ولا خيار للأمة ولا خيار للمسلم في ذلك أبداً، ودعوني أضرب لكم أمثلة، وإلا فشريعة الله في الأسرة كلها داخلة في هذا: قوامة الرجل على المرأة؛ هذا تشريع رباني، الله ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]؛ إذاً: هذه القوامة لا يجوز لإنسان أن ينقضها؛ لأنها تشريع إلهي، ولو كانت مطبقةً عند الغرب أو غير الغرب، القوامة للرجل فهو مدير الأسرة، وهو الذي بيده عقدة الطلاق؛ لأن الأسرة كالسفينة لا بد أن يكون له ربان واحد، وإلا لم تجر كما ينبغي؛ ولأن الأسرة إذا تسلطت فيها المرأة تنتهي إلى الفشل غالباً، ولأن علم النفس أيضاً يقول: إن الأطفال الذين يتربون في ظل أبوين يتنازعان السيادة تكون عواطفهم مختلة، وتكثر في نفوسهم العقد والاضطرابات، ونحن لسنا بحاجة إلى علم نفس أو غير علم نفس، لكن (ليطمئن قلبي) وإلا فشريعة الله ﷾ كافية في هذا.\rمثال آخر يتعلق بهذه القضية المهمة: المرأة المسلمة ما هو موقفها تجاه ما شرعه الله ﷾ بالنسبة لها؟ في ظل العقيدة، وفي ظل وجوب الطاعة لله ولرسوله المنبثقة من (لا إله إلا الله) تكون المرأة المسلمة مطيعة لربها، متبعة لشرعه، لا تعترض على شرع الله، إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فإذا قضى الله ورسوله أمراً فليس لمؤمن ولا مؤمنة الخيار، ولهذا فإننا نقول للمرأة المسلمة: الحجاب شريعة من؟ وهل لك خيار في أن تطيعي أو لا تطيعي؟ إنه شريعة الله، ولو زين لك أعداء الإسلام وأعداء المرأة المسلمة ألف تزيين؛ فإن الواجب عليك أن تتبعي شريعة الله، لا خيار للأسرة لا للزوج ولا للمرأة في وجوب الحجاب.\rومن الأمثلة بالنسبة للمرأة: شريعة الله في إباحة تعدد الزوجات، نقول: المرأة من طبيعتها أنها تأبى هذا، وهذا طبع مركب فيها، لكن لا يجوز لها أن تعترض على شريعة الله ﵎، شريعة الله أباحت تعدد الزوجات، وأثبتت الدراسات المتعددة أن الأمة كلها -لا أقول: الأمة المسلمة، وإنما أمم الأرض- لا يمكن أن تستقيم حياتهم الأسرية كما ينبغي إلا بشريعة تعدد الزوجات، فلا يجوز للمرأة -مهما كانت محبة لزوجها راغبة في أن تحتفظ به- أن تعترض على شريعة الله، وأحذر أختي المسلمة وأقول لها: إياك أن تتلفظي بكلمات تقولينها أحياناً حين تسمعين عن أختك أو جارتك أن زوجها تزوج عليها! لا تتفوهي بكلمات خطرة، فإن النبي ﷺ يقول: (وإن الرجل -والمرأة داخلة في ذلك- ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً)، والمرأة أحياناً تقول كلمات تعترض فيها على دين الله وشريعته، فإذا كانت جاهلة ينبغي أن تعلم، وينبغي أن تربى، والمسألة ليست سهلة، المسألة مسألة شريعة لله ﵎ واجبة الطاعة.\rكذلك أيضاً فيما يتعلق بالمرأة: ما نهى عنه النبي ﷺ من التشبه بالكفار، هذا شريعة، فليس للمرأة المسلمة خيار في أن تتزيا بما تشاء، نقول: لها أن تتجمل، لكن إذا كان الزي فيه مشابهة للكفار حرم عليها بالشريعة التي أمر بها رسول الله ﷺ؛ وهكذا بقية الأمور.\rإذاً: طاعة الله ﷾ أساس العقيدة الذي تبنى عليه وتربى عليه الأسرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534798,"book_id":2827,"shamela_page_id":587,"part":"30","page_num":8,"sequence_num":587,"body":"الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته وأثرها في حياة الأسرة\rسادساً: الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته وأثرها في حياة الأسرة.\rوهذا -أيها الإخوة- باب عريض، فإن المتأمل للأسماء والصفات لله ﷾ فإنه سيجد في كل اسم من أسماء الله وفي كل صفة من صفات الله -إذا عرف الإنسان اسم الله وعرف مدلوله، وآمن به وأثبته لله ﵎ كما يليق بجلاله وعظمته، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل- يجد أثراً عظيماً جداً على حياة الإنسان وعلى حياة الأسرة بصفة خاصة؛ ولو أننا أفردنا المحاضرة لهذا الموضوع لما كفى، لكنني سأشير إشارات لأنتقل إلى موضوع آخر؛ فأقول من الأمثلة على ذلك: أن الله ﷾ هو الرزاق ذو القوة المتين، الإيمان بأن الله هو الرزاق ما أثره في حياة الأسرة؟ له أثر عظيم، فهذا الاسم من أسماء الله ﷾، إذاً: ليس الملوك هم الذين يرزقون، ولا الأغنياء هم الذين يرزقون، ولا التجارات هي التي ترزق، ولا غيرهم هو الذي يرزق، إن الله هو الرزاق، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]؛ الإيمان بأن الله هو الرزاق يضفي الطمأنينة على حياة الأسرة، ويبعد عنها شبح الخوف من الفقر، فالأب لا يأنف أن يزوج ابنته من شاب فقير إذا كان صالحاً في دينه؛ لأن الله هو الرزاق؛ ولأن الله يقول عنهم: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]؛ فلماذا أيها الآباء إذا أتاكم الشاب الصالح تمتنعون أحياناً لأنه فقير أو من أسرة فقيرة؟ هل تخافون على ابنتكم الفقر؟ لا والله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] نعم والله! إن الأب حين يبحث لابنته عن غني فلربما يضعها في قصر تعيش فيه فقيرة طول عمرها، وحينما يزوجها من شاب صالح ولو كان فقيراً فلربما يغنيهما الله ﷾ من فضله، ولو عاشت معه فقيرة فلربما عاشت غنية، والغنى غنى النفس، لماذا اختلت الموازين في حياة الأسرة المسلمة وهي تؤمن بأن الله هو الرزاق؟ والشاب أيضاً يقبل على الزواج ولا يخاف الفقر؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أن الناكح يريد العفاف حق على الله ﷾ عونه، فلماذا أيها الإخوة لا نيسر الزواج؟ ثم نقول ثالثاً: لماذا الخوف من كثرة الأولاد؟ لماذا تحديد النسل؟ لماذا تغضب المرأة حين تحمل؟ نعم هناك حالات خاصة تكون المرأة متعبة أو مريضة، لكن نتكلم عن عموم الناس، أيخافون الفقر؟ أيخافون العيلة؟ أيخافون التربية؟ إن المولود إذا جاء يأتي ورزقه معه، لست أنت الذي ترزقه، إن الزوجة إذا دخلت هذا البيت تأتي ورزقها معها لست أنت الذي ترزقها؛ بل أنت أيها الأب! وأنت أيها الزوج! إن الله هو الرزاق لك، هذه حقائق العقيدة، هذه حقائق الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأثرها في حياة الإنسان والأسرة.\rأيها الإخوة في الله! أنتقل إلى مثال آخر ولعلي لا أطيل فيه: من أسمائه ﵎ العليم، والسميع، فهذا الاسم -العليم- يعني أنه يعلم ما كان وما يكون، والسميع يسمع كل شيء، ما أثره حينما تربى عليه الأسرة؟ يضفي على الأسرة كمالات الأخلاق حتى في حال غياب الأب والزوج، فالأسرة التي تربت على أن الله ينظر إليها ويراقبها وعليم بها هل يمكن أن تخون؟ هل يمكن أن تخون الزوجة التي غاب عنها زوجها لكنها تعلم أن الله لا يغيب؟ لا، وكذلك أيضاً الابن، وكذلك أيضاً البنت، نعم، إن الأب له مسئولية في الأسرة، لكن الأب لا يستطيع أن يسيطر مائة بالمائة، لأنه يذهب ويأتي ليطلب الرزق، لكن إذا خلف في البيت أسرة ربيت على الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، وأنه عليم بذات الصدور، مطلع على ما فيها، وأن الله ﷾ يرى الإنسان على أي حالة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]؛ إذا ربيت الأسرة على هذا فعلاً تحولت الأسرة إلى أسرة تقية مؤمنة، أسرة تخاف الله واليوم الآخر، وكذا بقية أسماء الله ﷾ وصفاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534799,"book_id":2827,"shamela_page_id":588,"part":"30","page_num":9,"sequence_num":588,"body":"الإيمان باليوم الآخر وأثره في حياة الأسرة\rسابعاً: الإيمان باليوم الآخر له أثر عظيم أيضاً في حياة الأسرة، وأنا أقول: إن عماد تربية الأمة عموماً، والأسرة خصوصاً، والفرد وحده هو الإيمان باليوم الآخر، فالذي لا يؤمن باليوم الآخر، أو لا يستحضر الإيمان باليوم الآخر، تتحول حياته إلى حياة مادية بحتة يكذب يخادع يرتكب المعاصي يرتكب الفواحش يظلم يقهر غيره إلخ، لكن إذا آمن الإنسان باليوم الآخر تحولت نظرته إلى الحياة كلها؛ لأنه يعلم أن الموت قريب، والنبي ﷺ يقول: (أكثروا من ذكر هادم اللذات؛ فإنه يذكركم بالآخرة)؛ لأن الموت يأتي على الإنسان في أي وقت ولا ينتظر، ولا يفرق بين الصغير والكبير، لكن ماذا بعد الموت؟ إذا آمن الإنسان بالوقوف بين يدي الله ﷾، والحساب والجزاء، والميزان والصراط، ثم الجنة والنار، تغيرت موازينه للحياة، إذا جاءه واحد وظلمه فإنه يصبر ويصابر، إذا دعته نفسه إلى المعصية تذكر عقاب الله ﷾، يتحول إلى إنسان إيجابي، فالأسرة التي تربى على الإيمان باليوم الآخر تتحول إلى أسرة محافظة على نفسها، وأسرة مؤثرة على غيرها صلة الرحم؛ لأنه يقرب إلى الله ويرجون ثوابه، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الإحسان إلى الجيران، سبحان الله! تنقلب حياة الأسرة إلى أسرة فاعلة ومؤثرة، وموجهة في المجتمع، ولكن متى؟ إذا ما أيقنت هذه الأسرة أنها سوف تقف بين يدي الله ﷾، لكن إذا غفلت -نعوذ بالله- كثر الظلم، وكثر البهتان، وكثرت الإساءة إلى الجيران، وكثرت الخصومات، وشهادة الزور، وكثر أكل الربا والحرام وغير ذلك من الفسوق والعصيان.\rولهذا فإن من الواجب أن توقن أن الأسرة يجب أن تربى على الإيمان باليوم الآخر، وتدرس الدروس اليومية أو الأسبوعية على الإيمان باليوم الآخر، ولدك الصغير ذكره دائماً بالإيمان باليوم الآخر، ذكره بالإيمان بالله، حتى أشراط الساعة، كان السلف رحمهم الله تعالى يعلمون أطفالهم ويربونهم على تعليمهم لأشراط الساعة؛ لأن أشراط الساعة تحث الناس إلى ما بعد أشراط الساعة، اجلس مع أولادك، وقص عليهم ما أخبر عنه النبي ﷺ مما سيأتي في آخر الزمان، قص عليهم قصة الدجال، وقصة نزول عيسى بن مريم، وقصة الدابة، وقصة يأجوج ومأجوج، قص عليهم ما بعد ذلك من القيامة والحساب والجزاء، ذكرهم بالله، فإذا استيقظت الأسرة وتيقظت في هذا المعنى العظيم تحولت موازينها، وانقلبت من موازين مادية جاهلية قريبة إلى موازين أعلى وأسمى يرجون فيها ما عند الله ﷾.\rومن هنا أيها الإخوة في الله! كان لا بد من بيان هذا الأصل العظيم، وتربية الأسرة عليه، ينبغي أن تكون المناهج مركزة على الإيمان باليوم الآخر وتفاصيله، فمن المؤسف حقاً أن كثيراً منا وكثيراً من أسرنا لا يعلمون تفاصيل ما يجري في اليوم الآخر، لو جئت إلى شخص وقلت له: ماذا يحصل في اليوم الآخر؟ لقال لك: يحصل حساب وجزاء، ويوجد حوض وصراط، لكن ما تفاصيل ذلك؟ خروج الناس من قبورهم كيف يكون؟ اجتماعهم للمحشر الشفاعة العظمى دنو الشمس من العباد الحساب وكيف يتم الحساب؟ يجتمع الخلائق من أولهم إلى آخرهم بين يدي الله للحساب، ثم يحاسب الله كل واحد لوحده، ويحاضره محاضرة ما يظن أن الله يحاسب أحداً غيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534800,"book_id":2827,"shamela_page_id":589,"part":"30","page_num":10,"sequence_num":589,"body":"الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة الإنسان\rثامناً: الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة الإنسان.\rأيها الإخوة! إن من أبرز أركان الإيمان التي لها أثر في حياة الأسرة: الإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان بالقضاء والقدر مقتضاه أن يؤمن الإنسان أن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره، كل ما يجري عليك أنت أيها الإنسان فهو بقضاء الله وقدره، أولادك وجودهم سفرهم ذهابهم رزقك وإياهم فقرهم غناؤهم طول عمرهم قصر عمرهم مرضهم موتهم إلخ، كلها بقضاء الله وقدره، ليس لك إرادة في ذلك، مكتوب قبل أن تخلق أنت أيها الإنسان، فلماذا تعترض على ما قدر الله عليك؟ ولهذا كان الإيمان بالقضاء والقدر من أعظم أسباب استقرار النفس المطمئنة، ومن أعظم أسباب استقرار الأسرة المسلمة.\rأيها الإخوة في الله! دعوني أضرب لكم أمثلة، لأننا لو أطلنا في هذا لطال بنا المقام، ولكن أشير إشارات تتعلق بالأسرة، فأقول مثلاً: الذي لا يولد له لماذا يعيش حياته كئيباً؟! يرضى بما قدر الله له، وربما أراد الله له الخير، ولو قيل له: ما رأيك أن يوجد لك ولد يشقيك في بقية عمرك أو لا يوجد، أيهما سيختار؟ سيختار عدم وجود هذا الولد؛ فلماذا يا من ابتليت بأن الله ﷾ قبل خلقك بل قبل خلق السماوات والأرض قدر لك هذا، لماذا تعترض على قدر الله؟ ولماذا لا توجه حياتك توجيهاً صحيحاً لتنعم بنعيم الله في الجنة، نعيم ما بعده نعيم، مع الحور العين والقصور، قال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] لماذا لا تشمر إلى الآخرة؟ لماذا تعيش حياتك معقداً؟ لماذا تحسد الناس؟ أقبل على ربك ﷾، أرأيتم كيف يكون الإيمان بالقضاء والقدر؟ ثانياً: الرجل الذي ولد له بنات ولم يولد له أولاد، لا بد أن يرضى بقضاء الله وقدره، بعض الناس يغضب -كما هي عادة الجاهلية- إذا جاءته بنت غضب! لا يا أخي! هذه البنت مقدرة، ولو أنك صنعت ما صنعت، ولو أنك تزوجت بنات الناس كلهم واحدةً تلو الأخرى إذا كان الله لم يكتب لك ولداً ذكراً فلن يأتيك ولد ذكر، فارض بما قسم الله لك، ارض يا عبد الله بما قسم لك، واعلم أن هذه الأنثى التي رزقك الله إياها هي نفس إنسانية مكرمة كرمها الله ﷾، ولهذا قدمها ﵎ في كتابه العزيز حينما قال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠]، فقدم في الآية الإناث، وهذا كان للرد على عادات الجاهلية، وللأسف الشديد أنه يقع فينا أحياناً من عادات الجاهلية، وفي البنات خير، فهن أمهات الأطفال، ومربيات الأجيال، فيا أصحاب البنات! يا من عندهم بنات فقط أو عندهم بنات وأولاد لكن قد يضيقون أحياناً بالبنات! اسمعوا لهذا الحديث الذي رواه مسلم عن أنس يقول فيه الرسول ﷺ: (من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا، ثم ضم النبي ﷺ أصبعيه)، أرأيتم البركة في البنات؟! إذاً: هو الرضا بقضاء الله وقدره، يؤدي بالإنسان إلى أن يرضى فيبارك الله ﷾ له.\rالإمام أحمد بن حنبل روى عنه ابنه صالح قال: كان أبي أحمد بن حنبل إذا ولد له ابنة يقول: الأنبياء كانوا آباء بنات، فهل حط من قدرهم؟ هل حط من وزنهم؟ لا أيها الأخ المسلم.\rوأيضاً: من أثر الإيمان بالقضاء والقدر: موت الولد وهو صغير، فإن بعض الناس يحزن لذلك حزناً شديداً، لا يا أخي! ارض بما قضى الله لك، يا صاحب الأسرة! يا أيتها الأم! يا أيها الأب! إذا ما أخذ الله لكم ولداً فارضوا بما قضى الله وقدره لكم، واسمعوا إلى هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي حسان قال: توفي ابنان لي، فقلت لـ أبي هريرة: هل سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً تحدثناه تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال أبو هريرة: (نعم، صغارهم دعاميص الجنة)، ما هو الدعموص في اللغة العربية؟ الدعموص: هو الدخال الذي يدخل ويخرج ولا أحد يرده، ومعنى الحديث: أنهم سياحون في الجنة لا يردهم أحد، يدخلون كل بيت في الجنة، يقول أبو هريرة -وهذا له حكم الرفع-: (صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بناحية ثوبه أو يده كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا)، متى هذا؟ يوم القيامة، يوم عظيم يوم الفزع الأكبر تأتي أنت أيها الأب، وتأتي الأم أيضاً وقد فزعوا وضاقت عليهم الدنيا كلها، واشرأبت لهم الأعناق: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم:٤٣] الكل ذليلون أمام عظمة الجبار؛ لأنه الحساب الأكبر، يقول أبو هريرة ﵁: (فيأخذ بناحية ثوبه أو بيده فلا يفارقه)، يمسك به فلا يفارقه حتى يدخله الله وإياه الجنة سبحان الله! حتى ولو كانت له ذنوب ومعاصٍ، يشفع له ولده، يقول الابن الذي مات ولم يذنب ذنباً: يا رب! أنا لا أدخل الجنة إلا ومعي أبي وأمي، أرأيتم يا من تحزنون على موت الأولاد؟! إنهم بركة، ولذا روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال للنساء: (ما منكن امرأة يموت له ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجاباً من النار، فقالت له امرأة: واثنان؟ فقال: واثنان) والحديث متفق عليه، إذاً هذا أثر من آثار التسليم والإيمان بالقضاء والقدر.\rوأثر الإيمان بالقضاء والقدر أثر عميق في حياة الأسرة إذا توفي أحد الأبوين، إذا رضوا بالقضاء والقدر فإن الله يتكفل ببقية الأسرة، فكم من أسرة مات ولي أمرها فعاشت أسرة عزيزة، وإن لم يوجد له راع، وكم من أسرة ماتت الأم -وكل ذلك قضاء وقدر- فالله ﷾ رعى أولادها من بعدها، إنه الرضا بالقضاء والقدر.\rكذلك أيضاً حينما يوجد معوق داخل البيت، بعض الأسر تحزن وتتحول حياتها إلى حياة جحيم وقلق نفسي، لماذا؟! حتى ولو وجد المعوق فإن هذا بقضاء الله وقدره، فارض بما قسم الله ﷾ لك، أرأيتم كيف أن الإيمان بالقضاء والقدر يضفي على الأسرة ويضفي على نفسية المعوق جواً إيمانياً وحياةً مطمئنة؟! إنها العقيدة! إذا ربطت وترابطت وشائجها تحولت الأسرة إلى أسرة مؤمنة طيعة مخبتة لربها ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534801,"book_id":2827,"shamela_page_id":590,"part":"30","page_num":11,"sequence_num":590,"body":"عقيدة الولاء والبراء وأثرها في حياة الأسرة\rتاسعاً: عقيدة الولاء والبراء وأثرها في حياة الأسرة.\rوهذه القضية للأمة عموماً، ولن أدخل في تفاصيلها؛ لأن الولاء والبراء أساساً من أسس العقيدة، ويا للأسف في أزماننا الأخيرة بدأ كثير من الناس يتخلى عنها، صار الدين هو الإيمان بالله فقط؛ وليس البراءة من الطواغيت، وليس البراءة من الشرك، صار الدين معنا كما نشاهد اليوم: آمن بالله، واجعل دينك بينك وبين نفسك، وصل لوحدك، أما البراءة من الطواغيت والشرك، ومن أعداء الله فلا، وهذه والله مصيبة تربوية في مجتمعاتنا الإسلامية، إن أساس العقيدة يقوم على البراءة من الطواغيت كما قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وهي ملة أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، ملة البراءة من الشرك ومن أهل الشرك.\rإن الكلام حول الولاء والبراء طويل، لكنني أشير إلى جوانب منه باختصار فأقول: إذا ربيت الأسرة على الولاء والبراء تعلقت هذه الأسرة بالمؤمنين ولم تتعلق بالكافرين، بل أبغضت الكافرين، لماذا أيها الإخوة نشاهد الابن أو البنت أحياناً يتعلق بكافر لأنه لاعب كرة، أو لأنه ممثل أو ممثلة، أو صاحب أزياء أو صاحبة أزياء؟! لماذا نشاهد هذا التعلق بالكفار وهم كفار؟! إنه بسبب الضعف في عقيدة الولاء والبراء، إن تربية الأسرة على عقيدة الولاء والبراء ينظفها من التعلق بالكفار والكافرين، وينظفها من التعلق بالفساق والمجان وغيرهم، ويعلقها بالأمثلة الصالحة من المؤمنين الصادقين قديماً وحديثاً، عقيدة الولاء والبراء ضرورية جداً لحماية الأسرة من المؤثرات الخارجية، إنها الحصن الحصين للأسرة أيها الإخوة في الله! ثم أخيراً لمحة أقول فيها: لماذا يربي بعضنا أسرته على الفخر والخيلاء بالنسب والآباء والأجداد؟ نعم! إن هذا موجود، إنه يربي فيهم على أنهم الأسرة الفلانية، وأبوهم فلان، وجدهم فلان إلخ، لماذا هذا الفخر والخيلاء بالآباء والأجداد؟ إنه يولد الغرور بالنسبة للآباء، ولهذا كان في منهج الإسلام بيان لهذه الحقيقة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] هذا هو الميزان، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، هذا هو الميزان، ولهذا فإن تربية الأسرة على عقيدة الولاء والبراء يجعلها تتعامل مع الناس تعاملاً صحيحاً، وتزن الناس بميزان التقوى، وليس بموازين أخرى جاهلية من الأرض أو الوطن أو التراب أو القبيلة أو الجنس أو العرق، فهذه كلها جاهلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534802,"book_id":2827,"shamela_page_id":591,"part":"30","page_num":12,"sequence_num":591,"body":"الأم ودورها في الأسرة\rعاشراً: الأم ودورها في الأسرة.\rأيها الإخوة! إن الأم والزوجة داخل البيت لهن أثر كبير جداً في حياة الأسرة، ولهذا فإننا أحياناً نجد نماذج تقوم فيها الأم بدور عظيم، إن كون الأم تقوم بدورها المكمل للزوج هذا هو الطبيعي، أن يقوم الأب بدوره، وتقوم الأم بدورها، وكل منهما يكمل الآخر، لكن هناك أحوال فعلاً تقوم فيها الأم بدور عظيم، فمثلاً: قد يوجد نموذج الأب المنحرف والأم الصالحة، والزوجة الصالحة، ويعظم الخطب حين يكون الأب منحرفاً وحريصاً على أن يسلك بأولاده وأسرته مسلكه المنحرف، لماذا يحرص على ذلك؟ إما رغبةً في الانحراف وتزيين الشيطان، أو لأن الأب يريد لأسرته الانحراف حتى لا يضايقوه في انحرافه، هذه الحالة يأتي فيها دور الأم إذا كانت صالحة، هنا دور عظيمات النساء، فالأم أولاً: يكون دورها في نصح زوجها، وتصحيح مساره، تعالجه وهي تعايشه ليلاً ونهاراً حتى يصحح المسار، وكم من زوجة كان لها أثر كبير على الزوج فصححت مساره وعقيدته.\rثانياً: دورها في حماية الأسرة من الانحراف، خاصة من هذا الأب الذي يمتلك من الإمكانات ما لا يملك غيره.\rأيها الإخوة! إن لنا في قصة إحدى الصحابيات عبرة وعظة، قصة صحابية جليلة واجهت ما تواجهه مثل هذه المرأة التي ذكرناها قبل قليل، أم سليم الرميصاء بنت ملحان بن خالد بن يزيد الأنصارية والدة أنس بن مالك، اسمعوا إلى هذا النموذج حينما يستيقظ حس العقيدة في نفس الأم، وفي نفس الزوجة؛ روي عنها أنها آمنت برسول الله ﷺ، واستجابت لداعي الهدى والخير، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فتحولت إلى امرأة مسلمة مستسلمة لربها ﵎، ولكن في أول الأمر كان زوجها كافرًا، فجاء زوجها مالك والد أنس بن مالك -وكان غائباً- فكان أول سؤال سألها أن قال لها مغضباً: أصبوت؟! فقالت: ما صبوت ولكني آمنت، فلما رأت زوجها مغضباً ينكر عليها إيمانها خافت على وليدها أنس، فجعلت تلقن أنس الشهادتين وهو صغير رضيع، تقول له: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، أرأيتم الأم حينما تخاف على ابنها من الانحراف! فصار أبوه يقول لها: لا تفسدي علي ابني، لا تفسدي علي ابني، فتقول له: إني لا أفسده.\rونسأل الله السلامة والعافية! ثم خرج مالك ولقيه عدو له فقتله على الكفر بالله، نسأل الله السلامة والعافية! فلما قتل قالت هذه الأم وهذه الزوجة: لا جرم، لا أفطم أنساً حتى يدع الثدي هو، حتى تربيه على الحنان وعلى رضاع الإيمان، ثم قالت: ولا أتزوج حتى يأمرني أنس.\rنعم أيها الإخوة! إنه الحرص على هذا الابن الصغير، خوفاً عليه من أن تتلقفه الأيدي التي لا تربيه على منهج الله ومنهج رسوله ﷺ، فتفرغت للطفل، ولهذا لما شب قليلاً وصار عمره قرابة سبع سنوات نقلته إلى بيت النبوة، وأتت بابنها أنس إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله! هذا أنس خويدمك، أريد أن يخدمك يا رسول الله.\rوبقي أنس بن مالك في بيت رسول الله ﷺ يخدمه عشر سنوات، حتى انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى.\rهل انتهت قصة هذه الصحابية الجليلة؟ لا، لم تنته بعد؛ لقد خطبها أبو طلحة الأنصاري وهو على الشرك، فأبت عليه، لكن هل أبت واكتفت؟ لا، أبت إباء المرأة الداعية إلى الله ﷾، روى ابنها أنس بن مالك قال: خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: إنه لا ينبغي أن أتزوج مشركاً، ثم قالت له: يا أبا طلحة! أما تعلم أن آلهتكم -الأصنام- ينحتها عبد آل فلان، وأنكم لو أشعلتم فيها ناراً لاحترقت؟ كيف تعبد يا أبا طلحة هذا الخشب وهذا الحجر من دون الله؟! إنها دعوة إلى التوحيد، قال أنس: فانصرف وفي قلبه ذلك، ثم أتاها بعد ذلك وقال: الذي عرضت علي قد قبلت، فتزوجها، فكان مهرها الإسلام، فما أعظمه من مهر يا دعاة المادية! يا دعاة غلاء المهور! كان مهرها هو الإسلام! دخل في الإسلام فكان مهراً لها.\rومن أصحاب النبي ومن غيرهم من أمهر بالقرآن العظيم، منهم من أمهر بسورة من القرآن، ولقد سمعت قصة شاب خطب امرأة فقالت له الزوجة: ما أريد منه إلا حفظ القرآن، فرجع إلى بيته -وهو الفقير- يحفظ القرآن، فلما أتم حفظه وجاء، قالوا: نعم إذاًً.\rفتقدم، فكان مهرها القرآن، أرأيتم النفوس كيف تربى؟! وأم سليم امرأة مجاهدة قصتها طويلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534803,"book_id":2827,"shamela_page_id":592,"part":"30","page_num":13,"sequence_num":592,"body":"أهمية التدرج في تعليم الطفل\rأيها الإخوة! أختم هذه المسائل بالمسألة الحادية عشرة: وهي أهمية التدرج في تعليم الطفل خاصة العقيدة، وإنما ذكرت هذه المسألة لأن كثيراً من الناس قد يخطئ فيها، فمن الناس من يهمل طفله ولا يعلمه العقيدة ولا مبادئها، وإنما يتعلم من الشارع والتلفاز والتمثيليات، ومن الرياضة وغيرها، ولا يربيه هو على العقيدة، وبعض الناس حرصاً منه على تربية ولده يتعجل في تعليمه مسائل العقيدة وتفاصيلها، وأحياناً يعلمه أشياء لا يستوعبها الطفل، لذلك جاءت هذه الملحوظة التي أختم بها هذا الدرس فأقول: ينبغي التدرج في تعليم الطفل العقيدة، والإتيان بالأمثلة العملية، وألا تعطيه ما هو فوق مستواه، فإنه أحياناً يتفوه بكلمة أنت لا ترضاها؛ لأنه لا يعقل، فأحياناً تعلم الطفل، ثم إذا غضب عليك أنكر هذه الأشياء التي علمته إياها، وصار أحياناً ربما يشتمها أو نحوها، فالواجب على الإنسان أن يتدرج في تعليمه لطفله، وأن يراعي مستواه.\rأيها الإخوة! هذه لمحات من أثر العقيدة على الأسرة المسلمة، أسال الله ﷾ أن يجعلني وإياكم هداة مهتدين، وأن يرزق أسرنا الصلاح والاهتداء، وأن يثبتنا وإياكم جميعاً على دينه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534804,"book_id":2827,"shamela_page_id":593,"part":"30","page_num":14,"sequence_num":593,"body":"الأسئلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534805,"book_id":2827,"shamela_page_id":594,"part":"30","page_num":15,"sequence_num":594,"body":"حكم الشرع في استخدام العمال الأجانب\r\rالسؤال\r نجد الكثير من الأسر تستخدم الخدم من الكفار من أنواعهم وأشكالهم، ويعيشون في بيوت وأسر مسلمة، ومن هذه الأسر من لا يبالي بهذا الأمر ولا يوليه أي اهتمام، فما توجيهكم نحو ذلك؟ وما حكم الشرع في استقدام العاملات الأجنبية؟\r\rالجواب\r بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.\rالذين يفعلون هذا يقعون في أنواع من المنكرات.\rأولها: استقدام الكفار إلى جزيرة العرب بهذا الشكل لا يجوز؛ لأنه لا يجوز دخول الكفار جزيرة العرب إلا لضرورة، وليس هذا من الضرورة، بل هناك عاملة مسلمة، فهذه القضية تشمل الأسر والشركات وغيرها، فالذي يستقدم عمالاً كفاراً ويترك المسلمين هو مرتكب لمنكر، ومتعرض لغضب الله ﷾، فليتق الله في الأمة وليتق الله في هذا المال الذي يجمعه من هؤلاء.\rثانياً: يزداد الأمر خطورةً ونكارة حينما يستخدم الخادم أو الخادمة في الأسرة ويكون كافراً، وهذا حقيقة أمر مؤسف أن توجد امرأة كافرة أو رجل كافر داخل الأسرة المسلمة، ومآسي الخدم كتب عنها الكثير، لكن أخطرها مآسي الخدم الكفار، الذين يأتون بعاداتهم وتقاليدهم وكفريتهم إلى أسر المسلمين، ولهذا فإنني أقول لمن عنده أسرة ولو قال: إنها مسكينة طيبة ما تفعل شيئاً ولا تقول شيئاً، أقول: أنت مرتكب لما يغضب الله ﷾ حينما تدخل أسرتك هذه الكافرة بإرادتك، فليتق الله كل فرد مسلم، فإن خطرها على الأسرة عظيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534806,"book_id":2827,"shamela_page_id":595,"part":"30","page_num":16,"sequence_num":595,"body":"حكم من يربي أولاده على الخوف من المخلوقين\r\rالسؤال\r ما حكم من يربي أبناءه على الخوف من المخلوقين؛ خوفاً عليهم من الضياع، أرجو بيان هذا الموضوع وجزاكم الله خيراً؟\r\rالجواب\r هذا الخوف على أشكال، إذا كان المقصود أن يعلمهم أن يخافوا من المخلوقين في جميع الأمور فهذا لا ينبغي؛ لأنه أولاً: يولد فيهم نقصاً تربوياً، فيصبح الابن أو الابنة ضعيف الشخصية.\rثانياً: من الواجب أن يربيه على الخوف من الله لا على الخوف من المخلوق، أما إن كان المقصود أنه يخوفهم من الفجرة والفسقة فهذا من جوانب التخويف الطيبة المهمة احذر من هذا الشاب السيئ احذري من صديقاتك السيئات، فإن هذا من الجوانب التي هي مطلوبة، فيفرق بين هذا وهذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534807,"book_id":2827,"shamela_page_id":596,"part":"30","page_num":17,"sequence_num":596,"body":"حكم من يغلبها البكاء والصياح عند المصيبة\r\rالسؤال\r أنا امرأة إذا مات أحد من أقاربي لا أتمالك نفسي، وأرفع صوتي بالصياح، وقد يغمى علي، وأعرف أن هذا لا يجوز، ولكني لا أملك نفسي، فهل علي شيء؟ وهل يعذب الميت في قبره بسببي أرجو إفادتي؟\r\rالجواب\r إذا كان كما ذكرت أنك لا تملكين نفسك، وأنك منكرة لذلك بقلبك قبل وبعد، إلى حد أنه يصل إلى الإغماء، فنرجو إن شاء الله أنه ليس عليك بذلك شيء؛ لكن روضي نفسك على أن تتبعي السنة في الصبر على أقدار الله تعالى، وما لا يملكه الإنسان من البكاء، فإن البكاء جائز، أما أن يتحول إلى رفع الصوت فإنه نياحة محرمة، فروضي نفسك على اتباع السنة وفقك الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534808,"book_id":2827,"shamela_page_id":597,"part":"30","page_num":18,"sequence_num":597,"body":"حكم بدء الكفار بالسلام والابتسامة لهم\r\rالسؤال\r هل يجوز أن نبدأ الكفار بالسلام؟ وإذا سلموا علينا فهل نرد عليهم؟ وهل لنا أن نبتسم لهم ونتودد إليهم؟ خاصة إذا كانت هناك علاقة عمل كبناء دار أو في شركة ونحوها، وهل يؤثر ذلك في عقيدتنا؟\r\rالجواب\r الثابت أنه لا يجوز بدؤهم بالسلام، وإذا سلموا فيرد عليهم، فإن كان تسليمهم بالسلام فيقال: وعليكم، وإن كان تسليمهم بغيره فلا بأس بالرد، فلو قال: صبحك الله بالخير مثلاً، فترد عليه بمثلها داعياً له بالهداية، كما كان السلف رحمهم الله تعالى يصنعون هذا؛ أما بدؤهم بالسلام فإن الله هو السلام، ولا يلقى هذا إلا على المؤمنين، وكذلك أيضاً لا يجوز للإنسان أن يبتسم في وجوههم ابتداء، وينبغي للإنسان أن يجعل علاقته بهؤلاء منطلقها علاقة دعوة، وإذا كان ذلك جاز الكلام وجازت الابتسامة أحياناً؛ لأجل الدعوة، والرسول ﷺ أكل الطعام عند اليهود، ومن غير المعقول أن يكون الرسول أكل طعامه وهو صامت عابس بوجهه، والناس في هذا الباب يجب عليهم أن يتقوا الله ﷾ في هؤلاء، وينبغي أن تعلموا أن إظهار عزة المؤمنين للكفار هو منهج دعوي، بعض الناس يقول: ينبغي لنا أن نضحك في وجوههم ونتودد حتى ندعوهم إلى الإسلام، فنقول: إذا احترمناهم وقدرناهم ورغبناهم وربما قدمناهم على غيرهم، فلماذا سوف يدخلون في الإسلام؟! لماذا سيدخل في الإسلام وهو إذا كان كافراً صار أعز منه إذا كان مسلماً في موازين الناس؟! لذلك كان من شريعة الله أن الذمي يعطي الجزية عن يد وهو صاغر، ويلبس لباساً خاصاً، كما كان موجوداً في زمن الدولة الإسلامية، وإلى سنوات قريبة مضت في بعض البلاد الإسلامية، حتى يشعر أنه ذمي، ومتى يخرج من الإهانة؟ يخرج من الإهانة إذا دخل في الإسلام، فأنت كأنك تقول له: ستبقى بين المسلمين لا عزة لك إلا إذا دخلت الإسلام، لكن نعوذ بالله في هذه الأيام اختلت الموازين، فصار إذا جاء من بلاد الكفر وهو كافر نصراني أو غير نصراني قدمناه وقربناه، فكأننا نقول له: بقاؤك على الكفر أعز لك من الإسلام! أرأيتم كيف أن حال المسلمين أنهم يصدون عن دين الله وهم لا يشعرون! نسأل الله العافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534809,"book_id":2827,"shamela_page_id":598,"part":"30","page_num":19,"sequence_num":598,"body":"التحذير من ظاهرة حب الكفار والتعلق بهم\r\rالسؤال\r يكثر في هذا الزمن التعلق بالكفار، واعتقاد أن بيدهم المنفعة والمضرة، وحبهم بحجة أن عندهم إنسانية وإنصافاً، وكذلك حب بعض الشباب وتعلقهم باللاعبين الكفار والتشبه بهم، وحب التسمية بهم، نريد كلمة في ذلك.\r\rالجواب\r سبق الإشارة إلى هذا الأمر، لكن التعلق بالكفار في الأزمنة الأخيرة عم وطم، وشمل كثيراً من الناس، وهذا يؤذن بوضع خطير في حياة الأمة، لماذا التعلق بالكفار؟ هؤلاء الكفار عندهم إنسانية؟! سبحان الله! والله إن تاريخ الحضارة الحديث في هذه السنوات مليء بأبشع أنواع اللاإنسانية عند هؤلاء الغرب الكفرة، لكن ماذا نقول للبلهاء؟! وماذا نقول لوسائل الإعلام التي صورت هؤلاء الكفرة بصور الأبطال؟ وبصور المنقذين للأمم أمنياً واقتصادياً وسياسياً؟! أيها الإخوة! إن الركوع أمام اليهود والاستسلام لليهود أمنياً واقتصادياً وعسكرياً صار بطولة في هذه الأيام، ومتى كان أحفاد القردة والخنازير فيهم خير لنا نحن المسلمين؟! متى كان ذلك؟! والله ما كان ولن يكون، وإنهم الآن يخططون لما هو أعظم وأعظم، واليهود يريدون من مرحلة السلام أن تكون مرحلة الاستسلام الفكري والثقافي والعقدي لشباب المسلمين، وأسر ومجتمعات المسلمين، هذه هي قيمة السلام التي يخطط لها أعداؤنا اليهود، إنهم يخططون للاقتصاد للهيمنة العسكرية للهيمنة المائية لغيرها، لكن قبل ذلك يخططون لحرب هذا الإسلام، فيأتي بصورة حرب أصولية، يحاربون الإسلام الحق -عقيدة الولاء والبراء- باسم الأصولية، ولكن نقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].\rإن المشكلة فينا نحن أيها الإخوة! وإلا فلو عدنا إلى ديننا وعقيدتنا، وربينا أسرنا وأنفسنا ومجتمعاتنا على العقيدة الصحيحة، والله لن يضرنا يهود ولا أذناب يهود؛ لأن الله معنا، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] إن الله هو ناصر رسله وعباده المؤمنين، لكن إذا عصينا الله وتخاذلنا فمن سوف ينصرنا؟ ما عندنا قوى مادية، أعداؤنا أقوى منا مادياً، فإذا بقينا بدون نصر من الله تساوينا نحن وإياهم في الجوانب المادية فانتصروا علينا، وهذه سنة الله في الحياة، فلماذا التعلق بالكفار وهم كفار؟! والله ﷾ يبين لنا في كتابه العزيز في آيات بينات أصولاً عظيمة في هذا الباب، يقول ﵎: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، هذا ليس كلامي، ولا كلام مفكر، ولا عملاق، ولا كلام أحد من رجالات الفكر أو الإعلام أو غيرهم، إنه كلام ربنا ﵎، حقيقة من حقائق الإيمان والتوحيد، وحقائق الصراع بين الأمم، حقيقة كبرى أن هؤلاء الكفار لا يريدون إلا أن نرجع كفاراً فنكون نحن وإياهم سواءً، فهل نقبل؟ هل نقبل أيها الإخوة هذا؟ نعم إنها المسئولية يتحملها الجميع.\rوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534810,"book_id":2827,"shamela_page_id":599,"part":"31","page_num":1,"sequence_num":599,"body":"نحن أحق بموسى منكم [١]\rإن أولى الناس بالأنبياء هو من اتبع ما جاءوا به من الحق المبين، واقتفى آثارهم فيما يرضي رب العالمين، فمن كان كذلك فهو حقيق أن ينتسب إليهم، وأن ينال شرف ذلك، والانتساب إلى الأنبياء والرسل ﵈ ليس بالتمني ولا بالتحلي ولا بالدعاوى الكاذبة، بل هو قول وعمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534811,"book_id":2827,"shamela_page_id":600,"part":"31","page_num":2,"sequence_num":600,"body":"أخوة الأنبياء ﵈\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود وتتخذه عيداً، فقال رسول الله ﷺ: (صوموه أنتم).\rوفي رواية: (كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً، ويُلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم) أي: زينتهم وعلاماتهم، فقال رسول الله ﷺ: (فصوموه أنتم).\rوروى الشيخان أيضاً عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟! قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، فقال ﷺ: أنا أحق بموسى منكم) فصامه ﷺ، وأمر بصيامه.\rوفي رواية: فقال لهم: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟! قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ: فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله ﵌، وأمر بصيامه).\rوفي رواية لـ أبي داود: (حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ: فإذا كان العام القادم -إن شاء الله- صمت اليوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ.\rقال العلماء: المعنى: لأصومن التاسع مع العاشر؛ مخالفة لليهود.\rأيها الإخوة في الله! وقفتنا في مناسبة عاشوراء ومشروعية صيامه لا تختص بهذا اليوم، وإنما تمتد لتقعد قاعدة من قواعد الصراع العقدي بين الإسلام وغيره من الملل والنحل.\rوقفة مع قول الهادي البشير ﷺ لما رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء؛ لأن الله نجى فيه موسى ومن معه: (نحن أحق وأولى بموسى منكم).\rإن هذا الحديث -وغيره من أدلة الكتاب والسنة- يدل على عدد من القواعد والأصول، وسنقف عند بعضها هذا اليوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534812,"book_id":2827,"shamela_page_id":601,"part":"31","page_num":3,"sequence_num":601,"body":"أخوة الأنبياء في العقيدة\rالعقيدة تجمع الأنبياء والرسل جميعاً، فهم على عقيدة واحدة تقوم على عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم، وشريعة كل نبي تبع لهذه العقيدة ومنبثقة منها، ولا تصح العقيدة لأي قوم إلا باتباع الشريعة التي جاء بها نبيهم، ومن ثم قال كل نبي لقومه كما أخبر الله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣]، فالتلازم بين الشريعة والعقيدة جاء به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام بلا استثناء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534813,"book_id":2827,"shamela_page_id":602,"part":"31","page_num":4,"sequence_num":602,"body":"عدم جواز التفريق بين الأنبياء ﵈\rالأنبياء أخوة فيما بينهم، ونحن المسلمين أتباع محمد ﷺ نؤمن بهم جميعاً دون استثناء، ودون أن نفرق بينهم كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].\rأما من فرق بين الرسل فإنه كافر كائناً من كان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥٢].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534814,"book_id":2827,"shamela_page_id":603,"part":"31","page_num":5,"sequence_num":603,"body":"صور من أخوة الأنبياء فيما بينهم\rلقد علمنا رسول الله ﷺ عليه وسلم كيف تكون مدرسة الأنبياء واحدة، وهذه وقفات نقفها مع رسول الله ﷺ وإخوانه من الأنبياء: أولاً: روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يجيء نوح وأمته فيقول الله تعالى له: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب! فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول نوح: محمد ﷺ وأمته، قال ﷺ: فنشهد أنه بلغ، وهو قول الله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣])، فآخر نبي وأمته يشهدون لأول الرسل نوح أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة.\rثانياً: لقد كان ﷺ يدافع عن إخوانه الأنبياء، ويبرئهم مما رموا به، فعن ابن عباس ﵄ قال: (دخل النبي ﷺ البيت -أي: الكعبة- فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال ﷺ: أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، وهذا إبراهيم مصور، فماله يستقسم؟!) رواه البخاري.\rوفي رواية أخرى له أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام فقال: (قاتلهم الله! والله! إن استقسما بالأزلام قط) أي: ما استقسما بالأزلام قط.\rثالثاً: لما سئل رسول الله ﷺ: (من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك.\rقال: فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا).\rفهذه شهادة من نبينا الكريم بأن أتقى الناس يوسف ابن نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم كما ثبت ذلك أيضاً في الصحيح عن النبي ﷺ.\rوهكذا تكون مدرسة الأنبياء جميعاً مدرسة واحدة.\rرابعاً: أمر النبي ﷺ أصحابه وأمته من بعدهم بقتل الوزغ كما في صحيح البخاري أنه قال: (إنه كان ينفخ على إبراهيم ﵇ أي: أنه كان ينفخ عليه حين ألقي في النار؛ لتزداد النار عليه إيقاداً.\rوقد روى الإمام أحمد وابن ماجة: (أن إبراهيم لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر النبي ﷺ بقتلها).\rفتأملوا هذا الحكم الشرعي: مشروعية قتل الوزغ، وتأملوا العلة؛ لأنه كان ينفخ على إبراهيم، فأي آصرة هذه التي تجمع بين أنبياء الله جميعاً عليهم أفضل الصلاة والتسليم؟! وصدق رسول الله ﷺ حين قال عن موسى: (نحن أحق بموسى منكم).\rخامساً: رسول الله ﷺ يربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فعن أبي ذر ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، فقلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصله، فإن الفضل فيه).\rرواه البخاري.\rوعلى هذا فبناء سليمان ﵇ لبيت المقدس إنما هو تجديد لمسجدٍ بُني قبله، وليس كبناء إبراهيم ﵊ للكعبة.\rوهكذا تتفق مدرسة الأنبياء، فهي مدرسة عقيدة واحدة تتبعها شريعة يأتي بها كل نبي، فكل شريعة أتى بها نبي فهي تابعة لعقيدته، حتى ختمت الشرائع بشريعة محمد ﷺ، فصار لا يقبل من أي أحد شريعة إلا الشريعة التي جاء بها محمد ﵊.\rأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534815,"book_id":2827,"shamela_page_id":604,"part":"31","page_num":6,"sequence_num":604,"body":"امتداح النبي ﷺ ليوسف ﵇ بالتقوى والصبر\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.\rوبعد: وتستمر هذه المدرسة.\rسادساً: ويمتدح النبي ﷺ موقفاً عظيماً من مواقف يوسف ﵊ وهو في السجن، حيث إنه ﵊ سجن ظلماً بمكيدة امرأة العزيز التي راودته عن نفسه، وصرحت للنسوة اللاتي تحدثن عنها، فاحتالت عليهن حتى رأينه فقطعن أيديهن، وقالت لهن بعد ذلك كما ذكر الله عنها: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٢ - ٣٣] فسجنوه، ومكث في السجن بضع سنين، وجرى له في السجن مع بقية المسجونين ما قصه الله علينا، ثم رأى ملك مصر رؤياه وطلب تعبيرها، فتذكر أحد أصحاب يوسف الذين خرجوا من السجن يوسف وتعبيره للرؤى، فطلب مقابلته في السجن، فقابله وعبر له رؤيا الملك، وكان تعبيره لها ذا أثر عظيم في اقتصاد مصر في ذلك الوقت لسنين طويلة، فأعجب الملك هذا التعبير للرؤيا وأمر بالإفراج عنه، بل وأمر أن يأتوا به إليه ليقابله فوراً، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٠]، لكن هيهات أن يقبل يوسف الخروج من السجن إلا بعد أن تكشف الحقيقة في سبب سجنه؛ لأن المعلن للناس أمر عظيم يتعلق بالعرض، حيث اتهم بمراودة امرأة العزيز، وسجن لأجل ذلك، ولهذا أبى يوسف أن يخرج مع أنه ذاق السجن وأهواله بضع سنين، قال الله تعالى عن يوسف: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠]، وإنما قال يوسف: ما بال النسوة؛ لأنهن شواهد على تصريح امرأة العزيز وكشفها للحقيقة أمامهن، حيث ذكرت لهن أنها راودته عن نفسه، وأنه استعصم عنها، وأنه إن لم ينفذ هذه الجريمة فسيكون مصيره السجن.\rواستدعى الملك النسوة، وكشفن الحقيقة كاملة كما قص الله ذلك، واعترفت امرأة العزيز بفعلتها واعتذرت، فلما كُشفت الحقيقة وظهرت براءة يوسف خرج يوسف ﵇ من السجن معززاً مكرماً، قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤] إلى آخر الآيات حيث مكن الله ليوسف كما هو معلوم من قصته.\rولقد امتدح النبي ﷺ موقف يوسف ﵊ بأسلوب يدل على مبلغ التواضع الذي بلغه نبينا محمد ﷺ، وبأسلوب يدل على امتداحه لهذا الموقف الكريم من يوسف ﵊، حيث أبى يوسف ﵇ أن يخرج من السجن إلا بعد إثبات البراءة، فقال النبي ﷺ كما روى عنه البخاري: (يرحم الله لوطاً! لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي).\rقال ابن حجر ﵀: أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدمت طلب البراءة، فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج، وهذا قاله ﷺ تواضعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534816,"book_id":2827,"shamela_page_id":605,"part":"31","page_num":7,"sequence_num":605,"body":"امتداح النبي ﷺ لموسى ﵇\rأما حديثه ﷺ عن موسى ﵊ فكثير، ومنه هذا الحديث الذي قاله ﷺ في صيام يوم عاشوراء: (نحن أحق بموسى منكم).\rومن ذلك حديثه عن إيذاء بني إسرائيل له حين اتهموه بعيب في بدنه، قال ﷺ: (إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لا يُرى من جلده شيئاً استحياءً منه، وآذاه من آذاه من بني إسرائيل فبرأه الله تعالى) وذكر بقية الحديث الذي رواه البخاري.\rولما قسم النبي ﷺ في يوم من الأيام قسماً قال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فلما أخبر عبد الله بن مسعود ﵄ رسول الله ﷺ بقول هذا القائل، قال عبد الله: فغضب رسول الله ﷺ حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال: (يرحم الله موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، فهذا اعتراض من منافق على قسمة قسمها رسول الله، وإنها لكلمة كبرى قالها هذا المنافق في محمد بن عبد الله ﷺ، ولكنه يصبر ويتصبر، ويذكر إخوانه الصابرين من المرسلين، ومنهم موسى، والله تعالى يقول له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥].\rوكم في هذه الأيام من معترض على شريعة الإسلام، وحدودها، وأحكامها، في تحريم الزنا، والربا، والقتل، وشرب الخمر، وفي تشريع الحجاب للمرأة المسلمة، وفي غيرها من أحكام الإسلام التي تشمل جميع نواحي الحياة.\rويدافع النبي ﷺ عن أخيه موسى ﵇، ويمنع من تفضيله عليه إذا كان على وجه الحمية والعصبية وانتقاص المفضول، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئاً فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر! فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه وقال: تقول: لا والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟! فذهب إلى النبي ﷺ فقال: أبا القاسم! إن لي ذمة وعهداً، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لِمَ لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي ﷺ حتى رؤي الغضب في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من أبعث فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي؟).\rفانظروا إلى هذا التواضع من نبي الهدى ﷺ، وهذا الدفاع عن موسى كليم الله عليهم جميعاً أفضل الصلاة والتسليم.\rولا شك أن الأنبياء يتفاضلون كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، ولا شك أن محمداً ﷺ أفضل الأولين والآخرين، وهو سيد ولد آدم، ولكن المفاضلة الخاصة بين نبيين إذا جاءت على وجه الحمية والعصبية والتنقص للمفضول فلا تجوز، والرسول ﷺ هنا يعلمنا دروساً تربوية كبرى، فهو ﵊ يعلم أصحابه كيف يكون احترام أنبياء الله ومعرفة منازلهم.\rوإن بغضنا لليهود أو النصارى لأجل كفرهم وشركهم، وتحريفهم لكتبهم، وكفرهم وتكذيبهم بمحمد ﷺ؛ كل ذلك لا يجعلنا نتعدى أو نظلم فنتكلم بكلام قد يشم منه التنقص لأنبياء الله الصادقين.\rوتلك -والله- دروس تربوية من هذا النبي الكريم ﵊ تعلمنا كيف تكون مدرسة الأنبياء مدرسة واحدة.\rولكن لماذا قال النبي ﷺ لليهود: (نحن أحق بموسى منكم؟) هذا ما سنعرض له إن شاء الله لاحقاً.\rاللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين من اليهود والنصارى والوثنيين وأتباعهم يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك الموحدين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم.\rاللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك أن توفقنا إلى الإيمان، اللهم إنا نسألك أن تثبتنا على الإيمان، اللهم أعذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح أولادنا، وبيوتنا، وجميع المسلمين يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534817,"book_id":2827,"shamela_page_id":606,"part":"32","page_num":1,"sequence_num":606,"body":"نحن أحق بموسى منكم [٢]\rإن هذه الأمة يوم أن تؤمن بالله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتستقيم على أمر الله، فهنالك تكون أحق بالأنبياء من الأمم التي كذبتهم، وأعرضت عما جاءوا به.\rوإن الناظر في حال اليهود مع أنبيائهم ليرى عجباً! فقد عصوهم، واعترضوا على كثير مما جاءوا به، وطلبوا منهم ما لا يجوز طلبه، وأدى بهم الأمر إلى أن قتلوا بعضهم، وحرفوا دينهم؛ لذلك حلت عليهم اللعنة والغضب، فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، وفرقهم أمماً في بقاع الأرض، فمثل هؤلاء لا حق لهم بالانتساب إلى الأنبياء ﵈، إلا من آمن منهم بنبيه، وآمن بنبينا محمد خاتم الرسل ﵊.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534818,"book_id":2827,"shamela_page_id":607,"part":"32","page_num":2,"sequence_num":607,"body":"أحقية النبي ﷺ وهذه الأمة بموسى من اليهود\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! موضوعنا في هذه الخطبة هو: لماذا كان رسول الله ﷺ وصحبه وأمته أحق بموسى من اليهود؟ وما الذي صنعه اليهود حتى لم يكونوا أهلاً للانتساب إلى نبي الله موسى وغيره من الأنبياء؟ إن اليهود الذين بعث فيهم رسول الله محمد ﷺ قد رفضوا الهدى بحجة اتباع الآباء والأجداد، فقد ورد أنه لما دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام ورغبهم فيه، وحذرهم من عذاب الله ونقمته، قال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف -وهما من أحبار يهود بني قينقاع-: بل نتبع -يا محمد- ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] فهذا هو التقليد الأعمى الذي يقوده الهوى والتعصب لقوميتهم وعرقهم، وهو التاريخ الممتد لهؤلاء اليهود منذ عهد يعقوب ﵇ وإلى أن يخرجوا مع الدجال حين يخرج، حيث يخرج معه سبعون ألفاً من يهود أصبهان كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن الصادق المصدوق ﷺ، ويستثنى منهم المؤمنون الصادقون أتباع أنبيائهم، ومن آمن منهم بمحمد ﷺ واتبعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534819,"book_id":2827,"shamela_page_id":608,"part":"32","page_num":3,"sequence_num":608,"body":"اليهود وكفرهم ومكرهم وما حل بهم\rحتى لا يطول بنا المقام -فالحديث عنهم طويل- نجيب عن التساؤل السابق بما يلي: أولاً: أن قول النبي ﷺ لليهود: (نحن أولى بموسى منكم) قائم على أدلة جاءته من ربه ﵎، فيها ذم اليهود، والحديث عن طبيعتهم، ومكرهم، وكيدهم، وكفرهم، وتكذيبهم بأنبيائهم، بل وقتلهم لهم إلى آخر ما ورد فيهم في كتاب رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.\rفالعداء معهم ليس سببه قضية أو أزمة معينة إذا انتهت زال العداء، واسمعوا إلى قول الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧] وهذا التأذن -وهو: الإعلام- مبني على ما علمه الله من طبيعة هؤلاء.\rيقول ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه الآية: وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة؛ ولهذا تلقيت باللام في قوله: (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ) أي: على اليهود (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه، واحتيالهم على المحارم، ويقال: إن موسى ﵇ ضرب عليهم الخراج سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج.\rثم كانوا -أي: اليهود- في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، ثم صاروا في قهر النصارى وإذلالهم إياهم، وأخذهم منهم الجزية والخراج.\rثم جاء الإسلام ومحمد عليه أفضل الصلاة والسلام فكانوا تحت صغاره وذمته يؤدون الخراج والجزية.\rقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: هي المسكنة وأخذ الجزية منهم.\rوقال علي بن أبي طلحة عنه -أي: عن ابن عباس -: هي الجزية، والذين يسومونهم سوء العذاب هم: محمد رسول الله ﷺ وأمته إلى يوم القيامة.\rقلت -القائل ابن كثير -: ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصاراً للدجال، فيقتلهم المسلمون مع عيسى بن مريم ﵇، وذلك آخر الزمان.\rفهذا خبر الله عن ملاحمنا مع اليهود، فهل نعي -أمة الإسلام- هذه الحقائق القرآنية التي لا يتطرق إليها شك ولا ريب أبداً؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534820,"book_id":2827,"shamela_page_id":609,"part":"32","page_num":4,"sequence_num":609,"body":"خيرية هذه الأمة\rاسمعوا إلى هذه الآيات التي تبين الفرق بين أمة محمد ﷺ وبين أهل الكتاب من اليهود وغيرهم، وكيف يكون الصراع بينهم: قال الله ﵎ عن المؤمنين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] انظروا إلى هذا الوصف: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١١٠ - ١١٢].\rفخيرية هذه الأمة في نفسها، وخيريتها للناس حين تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله ﵎، ومن ثم فإن خيريتها المتعدية تصل حتى إلى أهل الكتاب، وإلى الكفار، وإلى غيرهم ممن يقع في أسر المسلمين؛ لأن أسرهم بيد المسلمين خير، فقد يكون سبباً لإسلامهم، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال: (خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام)، ورواه البخاري مرفوعاً بلفظ: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل) قال العلماء: هؤلاء قوم كفار أسرهم المؤمنون المجاهدون في سبيل الله، فعرفوا بعد ذلك صحة الإسلام، فدخلوا فيه، فيدخلون في الجنة يوم القيامة، والسبب الأول أنهم أُتي بهم أسارى مقيدين.\rفأنتم خير أمة في أنفسكم حينما تؤمنون بالله، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، ثم تنتقل هذه الخيرية لتتعدى إلى العالمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا كان يوم كنا نقوم بما أمر الله، ونحقق مدلول هذه الآية.\rلقد انتقل المسلمون وعلى رأسهم الصحابة والتابعون إلى مشارق الأرض ومغاربها يبينون للناس، ويدلونهم إلى الهدى والحق حباً لنشر دين الله ورغبة في هداية الخلق أينما كانوا.\rفهذه هي أمة محمد ﷺ، وأما أهل الكتاب فمن آمن منهم -وهم قلة- فهم إلى خير وفلاح، أما من فسق منهم وكفر -وهم الأكثرون- فقد كتب الله عليهم الهزيمة حين يقابلهم المؤمنون الصادقون، قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) قال ابن عباس ﵄ وغيره: أي: بعهد من الله، وعهد من الناس.\rوقال ابن كثير ﵀: أي: ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون إلا (بحبل من الله) أي: بذمة من الله، وهو عقد الذمة، وضرب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة، (وحبل من الناس) أي: أمان منهم لهم كما في المهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين ولو امرأة وكذا عبد على أحد قولي العلماء.\r(وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي: ألزموا فالتزموا بغضب من الله، وهم يستحقونه.\r(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) أي: ألزموها قدراً وشرعاً؛ ولهذا قال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي: إنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد، فأعقبهم ذلك الذل والصغار والمسكنة أبداً متصلاً بذلة الآخرة.\rإن من يحارب الله ورسوله وعباده المؤمنين، فلابد أن يكتب الله عليهم الهزيمة والذلة والصغار، ولهذا عاش اليهود في ذلة وصغار، وسيعيشون -إن شاء الله- في ذلة وصغار إلى أن يقتلهم عيسى بن مريم ومن معه من أمة محمد ﷺ في آخر الزمان، حتى أن الشجر والحجر في تلك الملاحم لينطق ويقول: يا أيها المسلم! إن ورائي يهودياً فتعال فاقتله.\rلقد ابتلى الله تعالى اليهود بسبب خبثهم ففرقهم، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف:١٦٨].\rأيها الإخوة المؤمنون! إن هذه الحقائق ثابتة لا تتغير أبداً؛ لأنها لم تستق من كلام بشر، ولا من معاهدة ولا من غيرها، وإنما استُقيت هذه الحقائق من كلام رب العالمين ﵎، وسواء منها ما يتعلق بدين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد سواه كائناً من كان، أو ما يتعلق بطبائع أهل الكتاب عموماً واليهود خصوصاً، فنحن -والحمد لله- أحق بموسى وداود وسليمان وعيسى وغيرهم من أنبياء الله ﵎ من هؤلاء الذين كفروا وأشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطاناً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534821,"book_id":2827,"shamela_page_id":610,"part":"32","page_num":5,"sequence_num":610,"body":"عصيان اليهود وانحرافهم مع وجود أنبيائهم بين أظهرهم\rإن اليهود قد برزت انحرافاتهم الخطيرة واعتراضاتهم على شرع الله وأمره حتى وأنبياؤهم بين ظهرانيهم! فكيف بهم بعد موت أنبيائهم، وتحريف أحبارهم ورهبانهم لكتب الله المنزلة عليهم؟! وهذه نماذج مختصرة أشير إليها مع أنكم تعلمونها، لكنها من باب الذكرى؛ لأننا في زمن نخاف فيه أن تتغير الحقائق.\rحينما نجى الله موسى وبني إسرائيل من فرعون الطاغية بمعجزة عظيمة باهرة، وهي تحويل البحر إلى يبس يمرون عليه، ثم إغراق فرعون بعد ذلك؛ طلب بنو إسرائيل من موسى حين رأوا قوماً يعبدون الأوثان أن يجعل لهم إلهاً كما لهؤلاء آلهة، ولكن موسى نصحهم وبين لهم عقيدة التوحيد وخطر الشرك، وبين لهم بطلان ما يفعله هؤلاء؛ فكفوا عن ذلك مؤقتاً، فلما غاب عنهم موسى لمناجاة ربه عند جبل الطور سرعان ما عبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري.\rوهذا أمر عجيب! نبي الله بين أيديهم يأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الشرك ويبينه لهم في قصة واقعية رأوها من هؤلاء القوم العاكفين على أصنام لهم، ثم يطلبون آلهة؟! ولكن سرعان ما نسوا هذا ليكونوا عبدة للعجل عندما غاب موسى عنهم، مع أن نبي الله هارون كان بين أظهرهم ﵊.\rوتعنتوا على موسى فقالوا له يوماً من الأيام: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] فأخذتهم الصاعقة بكفرهم، ثم بعثهم الله من بعد موتهم، ورجعوا إلى الطاعة.\rوقد كانوا أهل شهوة وعبادة مال، قالوا لموسى وقد منّ الله عليهم بأطيب الطعام المن والسلوى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة:٦١] ماذا تريدون؟ يريدون البقل والفوم.\rولما حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت احتالوا على ذلك بما قصه الله عنهم.\rولما حرم الله عليهم الشحوم احتالوا فأذابوه وباعوه وأكلوا ثمنه.\rولما سار بهم موسى إلى الأرض المقدسة لفتحها، وتقدموا إليها واستطلعوا أحوالها وأخبارها؛ قالوا لموسى: يا موسى! إن الأرض المقدسة تدر لبناً وعسلاً إلا أن سكانها من الجبارين.\rوأبوا الجهاد، بل قالوا -ويا عظم ما قالوا! -: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] فابتلاهم الله ﵎ بالتيه أربعين سنة يتيهون في الأرض، قيل: إنهم كانوا يسيرون يوماً وليلة أو أكثر يبحثون عن مكان أو مدينة يأوون إليها، فإذا انتبهوا وجدوا أنفسهم في مكانهم الأول.\rفهذه حالهم ونبي الله موسى ﵊ بين أظهرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534822,"book_id":2827,"shamela_page_id":611,"part":"32","page_num":6,"sequence_num":611,"body":"تعاظم انحراف اليهود بعد موت موسى ﵊\rلقد استمرت انحرافاتهم الخطيرة، بل وعظمت وطمت بعد موسى ﵊، فقتلوا عدداً كبيراً من أنبيائهم قال الله تعالى عنهم: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة:٧٠]، وممن قتلوا يحيى وزكريا ﵉، وآخر من حاولوا قتله عيسى الذي نجاه الله ورفعه، ومحمد ﷺ الذي نجاه الله منهم وسلمه.\rوحرفوا دين اليهودية والنصرانية، فأما تحريفهم لدين اليهود وللتوراة فأمر معلوم، وأما تحريفهم لدين النصارى فبسبب بولس الذي يعظمه النصارى إلى اليوم، وقد كان له الدور الأكبر في تحريف الديانة النصرانية وتحويلها إلى التثليث والشرك، وهو يهودي من الفريسيين، وكان من ألد أعداء عيسى ﵇، فلما رفع دخل بولس في النصرانية، وادعى أن عيسى أوحى إليه أن يدعو إلى الديانة المسيحية، فنشط في الدعوة إليها، وزعم أنه يتلقى التعاليم من عيسى ومن الله إلهاماً، وصار أحد الرسل السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقاد النصارى، وصار بولس هذا معلماً لـ مرقس ولوقا صاحبي الأناجيل المعروفة المحرفة عند النصارى إلى اليوم، وهكذا بعد تحريف اليهود لديانتهم حرفوا الديانة والملة التي جاء بها رسولهم عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534823,"book_id":2827,"shamela_page_id":612,"part":"32","page_num":7,"sequence_num":612,"body":"من عجائب استدلالات اليهود\rمن أعجب ما رأيت من تعلق اليهود بموسى وبما جاء به أمران: أحدهما: تعلقهم بما أخبر الله عنهم وامتن عليهم به من أن الله اصطفاهم على العالمين، فصاروا يزعمون أنهم شعب الله المختار، مع أن الله كتب عليهم الذلة والصغار وسوء العذاب إلى يوم القيامة، وإنما فضلهم الله تعالى على عالمي زمانهم فقط لما آمنوا واتبعوا موسى ﵊، وهكذا نشأت هذه العقيدة العرقية العنصرية عندهم تحريفاً وتكذيباً بما أخبر الله ﵎.\rالثاني: احتجاجهم على عنصريتهم لبني جنسهم، وجواز الاعتداء على غيرهم بقصة موسى حينما وكز المصري الفرعوني حين استنصر به الإسرائيلي الذي كان يختصم معه، فلما وكزه موسى قضى عليه، ولم يكن يقصد قتل الرجل وإنما أراد أن يدفع هذا الفرعوني عن الإسرائيلي بضربة تكفه عن الأذى، ولكن هذه الضربة -لقوة موسى- أدت إلى قتله، فلما رآه موسى قتيلاً ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥]، ثم أخذ يستغفر الله مما فعل، فغفر الله له، وكل ذلك كان قبل النبوة.\rلكن اليهود يحتجون بهذا على ما هو معروف من طبيعتهم ومواقفهم من غير اليهود، من جواز الاعتداء عليهم، وأكل أموالهم، وقتلهم ونحو ذلك، وليس هذا بغريب منهم فتلك طبيعتهم، وهذا منهجهم مع كتب الله، ومع أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534824,"book_id":2827,"shamela_page_id":613,"part":"32","page_num":8,"sequence_num":613,"body":"موقف اليهود من نبينا محمد ﷺ\rأما موقفهم من صاحب الرسالة الخاتمة محمد ﷺ فهو معروف، فهم يعلمون علم اليقين أنه نبي ورسول إلى العالمين، ومع ذلك كفروا به، وآذوه، وحاربوه، وحاربوا أتباعه، ولا يزالون يحاربوهم.\rإن رسول الله ﷺ حينما يقول لليهود: (نحن أحق بموسى منكم) إنما يقرر قاعدة عقدية كبرى لهذه الأمة الإسلامية، إن هذه القضية قضية كبرى بالنسبة لنا نحن المسلمين وخاصة في هذه العصور المتأخرة، فهل نعي حقيقة ديننا؟ وهل نعي حقيقة أعدائنا؟ اللهم إنا نسألك أن تبصرنا بديننا، اللهم إنا نسألك أن تبصرنا بديننا يا رب العالمين! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534825,"book_id":2827,"shamela_page_id":614,"part":"32","page_num":9,"sequence_num":614,"body":"أحقية المؤمنين الصادقين بكل حق وخير ممن ادعاه كذباً وزوراً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534826,"book_id":2827,"shamela_page_id":615,"part":"32","page_num":10,"sequence_num":615,"body":"أحقية المؤمنين بعيسى من النصارى\rالحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على صاحب الرسالة الخاتمة محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجهم، واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.\rأما بعد: إن القاعدة التي هي نص حديث رسول الله ﷺ: (نحن أحق بموسى منكم) خطاباً لليهود، نستطيع أن نطبقها على غير اليهود من أهل الملل والنحل والفرق، فنطبقها على النصارى فنقول لهم: نحن المسلمين أحق بعيسى منكم، فهو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو نبي رفعه الله إليه إلى السماء، وسينزل في آخر الزمان ليحكم بالقرآن، ويدعو إلى الإسلام وإلى الشريعة التي جاء بها محمد بن عبد الله ﷺ، ولن يقبل من اليهود ولا من النصارى جزية ولا عهداً ولا ذمة، وإنما سيقرر لهم ما يقرره المسلمون مع الكفار الوثنيين: إما الإسلام، وإما السيف، وذلك حين يقوم سوق الجهاد إذا نزل عيسى ﵊.\rفنحن أحق بعيسى من هؤلاء النصارى، ونحن نبرأ إلى الله ممن عبده من دون الله، أو من زعم أنه قتل وصلب، أو من حرف هذه الديانة وتلك الشريعة التي جاء بها هذا النبي الكريم، ومن ثم فنحن نبرأ إلى الله من الاعتراف بدينهم، أو تصديقهم به، ونؤمن ونصدق أن هؤلاء الكفار خالدون مخلدون في النار، ولا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً حتى يؤمنوا بمحمد ﷺ، حتى ولو وحدوا الله، ولو عملوا بما عندهم من التوراة أو الأناجيل، فهي منسوخة بالقرآن، ولن يكون أحد منهم مسلماً مؤمناً موحداً حتى يتبع ما جاء به رسول الله ﷺ.\rووالله! إني لأقرر هذه القضية من هذا المكان وأنا خجل؛ لأنها قضية بدهية، ولكن ماذا نصنع وبعض المسلمين اليوم بدأت تتغير عندهم هذه المفاهيم حتى في قضية تكفير اليهود أو النصارى، ولقد سمعنا من يقول: هؤلاء أهل كتاب، هؤلاء يدينون بكتابهم، هؤلاء أهل دين محترم، ونحن نقول: إن هؤلاء من الكفار، ولم يتميزوا عن الملحدين والوثنيين إلا بشيء واحد وهو: أنه تقبل منهم الجزية والأمان، وذلك رحمة بهم؛ حتى يدخلوا في دين الله ﵎.\rأيها الإخوة في الله! إن ضرب الجزية والصغار على أهل الكتاب هو منهج دعوي عظيم إلى الإسلام؛ لأن هؤلاء لما كانوا بين ظهراني المسلمين، وكانت تفرض عليهم شروط الجزية والذلة والصغار، كان الواحد منهم يشعر بذلك، فإذا أراد أن ينتقل إلى عزة وكرامة فلا طريق له إلى ذلك إلا أن يدخل في الإسلام، فكان ذلك سبباً في دخول كثير منهم في دين الله ﵎.\rإن هذه القضية تحتاج إلى بسط وبيان، لكنني أشير إليها هنا إشارة: إن اليهود أو النصارى ليسوا بمؤمنين ولا مسلمين، وليسوا من أهل الجنة حتى يؤمنوا بهذا النبي الخاتم ﷺ الذي بشر به أنبياؤهم من قبل، والذي نسخت شريعته شرائع الأنبياء من قبله، قال الله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":2534827,"book_id":2827,"shamela_page_id":616,"part":"32","page_num":11,"sequence_num":616,"body":"أحقية المؤمنين الصادقين بآل البيت من الرافضة\rيحق لنا أن نطبق هذه القاعدة: [نحن أولى بموسى منكم] على الرافضة الذين يلتقون مع اليهود في أشياء كثيرة منها: أنهم في يوم عاشوراء يقيمون المآتم لأن الحسين ﵁ قتل في هذا اليوم، ونحن نقول للرافضة: نحن أولى بـ الحسين وبآل بيت رسول الله ﷺ منكم، فنحن نحبهم، ونترضى عنهم، ونشهد لهم بما شهد الله، وبما أخبر به رسول الله ﷺ، فنحب فاطمة وعلياً والحسن والحسين، ونحب خديجة أم فاطمة وبقية أولاد الرسول ﷺ، ونحب عائشة أم المؤمنين، ونحب بقية زوجاته الطيبات الطاهرات، فحب آل بيت رسول الله ﷺ هو من منهاج أهل السنة والجماعة واقرءوا أي كتاب من كتب العقيدة التي تنهج نهج أهل السنة والجماعة، فستجدون فيها التصريح بموالاة آل بيت رسول الله ﷺ من غير تفريط ولا إفراط، ومن هنا: فنحن أولى بآل بيت رسول الله من صحابته الكرام وغيرهم من هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله، ونحن أولى بهم من هؤلاء الذين غلوا فيهم غلو اليهود والنصارى في أنبيائهم.\rأيها الإخوة في الله! يجب علينا -أهل السنة والجماعة- أن نعرف لأصحاب رسول الله، ولآل بيته الطيبين الطاهرين حقهم وقدرهم وقرابتهم من رسول الله ﵌، فنحبهم، ونترضى عنهم، وندافع عنهم، ونكافح، ومن ذلك أن نبعد عنهم كل غلو أو تفريط.\rإن هذه الأمة وسط، وهي أحق بأنبياء الله؛ لأنهم آمنوا بجميع الأنبياء، وقد رفع الله هذه الأمة بالإسلام، ورفعها الله بالقرآن، ولا يكون ذلك إلا إذا عرفت قدر نفسها، وقدر دينها، واستيقظت من سباتها، وعلمت يقيناً حقائقها وعقائدها الثابتة التي لا تتغير ولن تتغير أبداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها.\rإنها حقيقة كبرى يجب أن نعيها وعياً عملياً لا نظرياً، ويجب أن نربي عليها أنفسنا وأولادنا والمسلمين جميعاً، ويجب أن نقررها، وأن ندعو إليها.\rإن عقيدة أهل السنة والجماعة ومنهاجهم مما يجب في هذه الأيام خاصة أن يقوم الداعون إلى الله بدور كبير في نشره بين العالمين بشتى الوسائل.\rاللهم إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك المؤمنين الموحدين في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم -يا إلهنا- نسألك أن تنصر كل مؤمن ومؤمنة في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أنزل على المستضعفين منهم السكينة والنصر المبين يا رب العالمين! اللهم انصر المؤمنين المجاهدين في بلاد البوسنة، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك -يا إلهنا- أن تدمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم إنا نسألك أن ترينا فيهم عجائب قدرتك يا قوي يا عزيز! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، اللهم أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا، ولوالدينا، ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الثبات في الدنيا والآخرة، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة يا كريم! اللهم إنا نسألك أن تعيذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.\rأيها الإخوة المؤمنون! يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].\rاللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأخص منهم الأربعة الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين، وآل بيته الطيبين الطاهرين، وبقية الصحابة أجمعين، ومن سار على منهاجهم يا رب العالمين! اللهم واسلكنا في سبيلهم غير مفرطين يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}