{"page_id":967702,"book_id":1040,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف إعداد\rد. علي بن عبد العزيز بن علي الشبل\rجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\rبسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله , صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما أما بعد:\rفإن الله ﷿ تعبدنا بهذا الدين: الإسلام ولم يرض لنا عنه بديلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] بل لا يقبل - سبحانه - من الناس دينا يدينون به غيره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩] وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967703,"book_id":1040,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"وهذا الإسلام دين وسط بين الأديان , والمسلمون حقا هم الوسط بين الأمم , وكذا أهل السنة والجماعة: أهل الاستقامة هم الوسط بين فرق الإسلام , قال سبحانه في آية البقرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] , فالأمة الوسط الذين هم على العدل والقسط وعلى منهاج الاستقامة والسنة.\rوفي هذا البحث أتحدث عن الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف , والذي اشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول.\rففي المقدمة خطبة البحث , وخطته , وطرف من أهميته في تميِّز هذه الأمة وخصوصية دينها الإسلام بالعدل والوسطية من خلال منهاج السنة والاستقامة التي أبانها لها رسول الله ﷺ.\rوفي التمهيد تحديد لحقيقة مصطلحات البحث:\r١- أولا في معنى الغلو وحقيقته , وما جاء من النصوص الشريفة في الوحيين تحذيرا منه.\r٢ - ثانيا في معنى التطرف وحقيقته.\r٣ - ثالثا في معنى الإرهاب وحقيقته , وتحديد مصطلح الإرهاب المعاصر.\r٤ - رابعا في معنى العنف وأقسامه.\r٥ - خامسا في العلاقة بين الغلو والتطرف والإفراط ونحوهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967704,"book_id":1040,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"٦ - سادسا في الفرق بين الاستقامة والغلو والتطرف والإرهاب.\rثم جاء الفصل الأول: في تاريخ التطرف والغلو الديني , واشتمل على:\r١ - أولا: الغلو في قوم نوح ﵇ وآثاره.\r٢ - ثانيا: الغلو والتطرف لدى اليونان وآثاره.\r٣ - ثالثا: الغلو والتطرف لدى أهل الكتاب وآثاره.\rوذلك من خلال التطرف والغلو الديني المتعلق بالعقيدة والفكر والشريعة.\rثم جاء الفصل الثاني: في نشأة التطرف والغلو في الدين عند المسلمين, تأثرا بمن قبلهم من الأمم والديانات , واشتمل على:\r١- أولا: غلو الخوارج وأهم مظاهره , مع بيان أثر غلو الرافضة، وأثر اليهود فيه.\r٢ - ثانيا: علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة.\r٣ - ثالثا: تطرف المعتزلة وغلوهم , وآثاره.\rثم جاء الفصل الثالث: في التطرف والغلو في باب الأسماء والأحكام وآثاره. مشتملا على خمسة مباحث:\r١- أولا: ما المراد بالأسماء والأحكام وأثرهما.\r٢ - ثانيا: الفرق الغالية في هذا الباب وأقوالها.\r٣ - ثالثا: مناقشة أقوال الغلاة.\r٤ - رابعا: الرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة في استدلالهم بآية النساء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967705,"book_id":1040,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"٥ - خامسا: أثر الغلو في الأسماء والأحكام لدى الوعيدية.\rهذه مضمونات هذا البحث وفصوله ومباحثه , فإن وُفقت للصواب والعدل من القول , فهو من توفيق ربي وهدايته , وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان , وأعوذ بالله من ذلك وأستغفر ربي وأتوب إليه. والله المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجه , ومقربا للزلفى لديه , وهو - سبحانه - الموفق والهادي إلى سواء السبيل , وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967706,"book_id":1040,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"الفصل الأول معنى الغلو وحقيقته وبيان بعض المصطلحات المرادفة معنى الغلو\rبالرجوع إلى المصادر والمعجمات اللغوية وظهر أن الغلو هو: مجاوزة الحد وتعديه.\rقال الجوهري في الصحاح:\r((غلا في الأمر يغلو غلوا , أي جاوز فيه الحد)) .\rوقال الفيروزآبادري في القاموس:\r((غلا غلاء فهو غالٍ وغَلِيّ ضد الرخص. . . وغلا في الأمر غلوا جاوز حدّه)) .\rووافقه الزبيدي في تاج العروس.\rوقال ابن منظور في اللسان:\r((. . . . أصل الغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء. . . . . يقال: غاليت صداق المرأة أي أغليته. ومنه قول عمر ﵁: ((ألا لا تغالوا في صدقات النساء)) وفي رواية: ((لا تغالوا في صداق النساء)) . أي لا تبالغوا في كثرة الصداق.\rوغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حدّه.\rقال: قال بعضهم: غلوت في الأمر غُلوا وغلانية وغلانيا إذا جاوزت في الحد وأفرطت فيه , ويُقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا.\rقال ذو الرمة:\rفما زال يغلو حبُّ ميَّةَ عندنا ... ويزداد حتى لم نجد ما نزيدها\r)) .\rوقال الفيومي في المصباح المنير:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967707,"book_id":1040,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"((. . . . وغلا في الدين غُلوا من باب قعد وتصلب وتشدد حتى جاوز الحد وفي التنزيل: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (١) وغالى في أمره مغالاة بالغ)) (٢) .\rوقال ابن فارس في المعجم:\r((غلوى: الغين واللام المعتل أصل صحيح في الأمر يدل على ارتفاعٍ ومجاوزة قدرٍ, يُقال: غلا السعر يغلو غلا وذلك ارتفاعه , وغلا الرجل في الأمر غُلوا إذا جاوز حدّه)) اهـ. وكذا نحوه في المجمل (٣) .\rومما سبق يتبين أن الغلو في سائر استعمالاته يدل على \" الارتفاع والزيادة ومجاوزة الأصل الطبيعي أو الحد المعتاد \".\rومنه قوله ﷺ في حديث أبي ذر: ((. . . . أي الرقاب أفضل قال: «أغلاها ثمنا وأنفعها عند أهلها» (٤) متفق عليه.\rوحديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل» (٥) متفق عليه.\rفغلا الثمن: إذا ارتفع وزاد سعره.\rوغلت القدر: إذا زادت حرارتها وارتفعت.\rوغلا في مشيه: إذا أسرع وزاد فيه.\rوتغالى اللحم: ارتفع وذهب , ومنه قول لبيد بن أبي ربيعة:","footnotes":"(١) هذا جزء من آية النساء ١٧١، والمائدة ٧٧.\r(٢) كلهم في مادة غلا.\r(٣) في المجمل مادة غلا والمعجم مادة غلوى.\r(٤) رواه البخاري في كتاب العتق باب أي الرقاب أفضل , ورواه مسلم في كتاب الإيمان باب كون الإيمان بالله أفضل الأعمال رقم ٨٤.\r(٥) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار , ومسلم في كتاب الإيمان باب أهون أهل النار عذابا رقم ٢١٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967708,"book_id":1040,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"فإذا تغالى لَحمُها وتحسَّرت ... وتقطَّعت بعد الكلال حِذافها\rوعليه فحقيقة الغلو:\rهو: الزيادة ومجاوزة الحد الشرعي الواجب.\rقال تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]\rوقال سبحانه في آية المائدة: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]\rوقال سبحانه في آيات عديدة جاءت في النهي عن الطغيان \" وهو غلو في الغي \" كما قال تعالى في آخر سورة طه لبني إسرائيل: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] , وقوله عن فرعون وملئه في غير ما آية: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] , وقال عن الخاسر صاحب الجحيم ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: ٣٧ , ٣٨] الآية , وقال في آخر سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967709,"book_id":1040,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"ومما ورد في السنة أيضا: ما رواه أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن شبل قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه , ولا تجفوا عنه , ولا تأكلوا به. . . .» (١) .\rوفي حديث ابن عباس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» , فلقطت له سبع حصيات هن حصى القذف ,فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا , ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» . رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وغيرهم (٢) .\rفمما سبق يتبين أن الكتاب والسنة يخصصان عموم اللغة , وأن الغلو هو: ((الإفراط في مجاوزة المقدار المُعتبر شرعا في أمرٍ من أمور الدين)) .","footnotes":"(١) «الفتح الرباني» ١٨ / ٢٨.\r(٢) رواه أحمد في المسند كما في «الفتح الرباني» ١٢ / ١٦٩ , كتاب الحج والعمرة باب سبب مشروعية رمي الجمار وحكمها , ورواه النسائي كتاب المناسك باب قدر حصى القذف , وكذا ابن ماجة في باب التقاط الحصى. ورواه الحاكم في «مستدركه» ١ / ٤٦٦ وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخصيه عليه. وقال النووي في «المجموع» ٨ / ١٢٧: صحيح رواه البيهقي بإسناد حسن صحيح وهو على شرط مسلم رواية عبد الله بن عباس عن أخيه الفضل. ورواه النسائي وابن ماجة بإسنادين صحيحين , إسناد النسائي على شرط مسلم. . . . اهـ. وقال شيخ الإسلام في «الوصية الكبرى» : هو حديث صحيح. ونقل عنه الشيخ صالح البليهي ﵀ في ((السلسبيل في معرفة الدليل ١ / ٣٦٧)) أنه قال: على شرط مسلم , ولم أقف عليه! . وذكره ابن حجر في «التلخيص الحبير» ٧ / ٣٨٧حيث حقق من كان رديف النبي ﷺ والتقط له الحصى: عبد الله أم الفضل , وصوّب أنه الفضل وهو تحقيق نفيس , وكذا كلام النووي السابق , وفي فتح الباري ١٣ / ٢٩١:. . . . . وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق أبي العالية عن ابن عباس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967710,"book_id":1040,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"معنى التَطّرف\rالتطّرف هو تفعَّل - بتشديد العين - من طرف يطرف طَرَفا بالتحريك , وهو الأخذ بأحد الطرفين والميل لهما: إما الطرف الأدنى أو الأقصى (١) , ومنه أطلقوه على الناحية وطائفة الشيء. . ومفهوم التطرف في العرف الدارج - في هذا الزمان -: الغلو في عقيدة أو فكرة أو مذهب أو غيره يختص به دين أو جماعة أو حزب.\rولهذا فالتطرف يُوصف به طوائف من اليهود ومن النصارى , فثمة أحزاب يمينية متطرفة أو يسارية متطرفة. فقد وصفت بالتطرف الديني والحركي والسياسي.\rووصف الغلو بالتطرف له وجهه المسوغ له بأخذ أحد الطرفين , كما قال الأول:\rلا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ\rولكن الوصف الشرعي للتشدد في الدين والغلو فيه يجب أن يكون مرجعه إلى الشرع نفسه لا اصطلاح الناس ومفاهيمهم وإطلاقاتهم , كما دل عليه حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال في الحج: «أمثال هؤلاء فارموا , وإياكم والغلو في الدين , فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه. (٢) .","footnotes":"(١) «القاموس المحيط , و» شرحه تاج العروس «و» لسان العرب «و» معجم مقاييس اللغة «, و» الصحاح «و» المصباح المنير «مادة (طرف) .\r(٢) مضى تخريجه في أول التمهيد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967711,"book_id":1040,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"معنى الإرهاب\rالإرهاب لغة: مصدر مأخوذ من رَهب كعلم يرهب رهبا ورهبابا وأرهابا بالفتح والكسر , وهو الإخافة والتخويف (١) .\rويدور معنى الإرهاب شرعا على شدة الخوف والتخويف الواقع على الفرد أو على الجماعة وهو في حقيقته وحكمه نوعان:","footnotes":"(١) انظر: «القاموس» و «شرحه تاج العروس» , و «لسان العرب» , و «الصحاح» , و «المصباح المنير» , و «معجم مقاييس اللغة» . مادة (رهب) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967712,"book_id":1040,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"(١) إرهاب مشروع بصريح القرآن في آية الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦٠-٦١] .\rفإن إخافة العدو الكافر المعاند لدعوة الله بالجهاد في سبيل الله وإرجافه بالعدة والقوة من مقاصد الجهاد الإسلامي , ليكف شره , وينتهي عن ظلمه , ولعله أن يهتدي إلى دين الله ﷿. وهذا الحكم خاص بالمحاربين من الكفار أو البغاة.\r(٢) إرهاب غير مشروع , بل هو محرم وممنوع: في تخويف الآمنين وإدخال الرعب والفزع عليهم , سواء كانوا مسلمين أو مستأمنين أو معاهدين أهل ذمة أو غيرهم. فهو على المسلمين حرابة وعلى غيرهم ظلم! وهو في الجميع إفساد في الأرض جاء النهي عنه صريحا في القرآن والسنة وفي إجماع العلماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967713,"book_id":1040,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"فمناط ذلك على الظلم , حيث تخويف الآمن وإرهابه ظلم واعتداء , وهو محرم بإجماع الملل والشرائع السماوية. فقد روى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عن أبي ذر ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: قال الله ﷿:\r«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» .\rوفي صريح القرآن قوله تعالى من سورة يونس: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤] وقوله في سورة الممتحنة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] .\rهذا فضلا عما ورد من أدلة شريفة في وجوب الوفاء بالعهد وإيفاء الوعد , وتحريم قتل النفس بغير حق, وتحريم قتل المرأة والوليد والراهب والشيخ الكبير من الكفار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967714,"book_id":1040,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"تحديد مصطلح الإرهاب المعاصر\rوقد صدر في تحديده بيان عن مجمع الفقه الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي بمكة في دورته السادسة عشرة , المنعقدة في شوال من عام ١٤٢٣هـ بمكة المكرمة , حيث حدَّدوا الإرهاب بتحديد سبقوا به جهات عالمية عديدة غالطت في معناه ودلالاته , وجاء في بيانهم أن:\r((الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان في دينه , ودمه , وعقله , وماله , وعرضه , ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق , وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق , وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي , ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس , أو ترويعهم بإيذائهم , أو تعريض حياتهم , أو حريتهم , أو أمنهم, أو أقوالهم للخطر , ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد مرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة , أو تعريض أحد الموارد الوطنية , أو الطبيعية للخطر.\rفكل هذا من صور الفساد في الأرض التي نهى الله - سبحانه تعالى - المسلمين عنها قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] (١) .","footnotes":"(١) ينظر البيان الصادر من مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة في دورته ١٦, المنشور في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967715,"book_id":1040,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"والإرهاب في المصطلح العربي المعاصر: لا يفرق بين المحقق والمبطل - فمقاومة المحتل والرد عليه تسمى إرهابا عندهم والاستسلام له يسمى سلاما وتعاونا. بل ولو طال بهم زمان لسموا كل مسلم إرهابيا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967716,"book_id":1040,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"معنى العنف\rبالرجوع إلى المعجمات اللغوية في مادة العنف وجد أنها مثلثة العين: بالرفع والفتح والكسر وهو ضد الرفق. وهو الشديد في القول والفعل.\rوحقيقة العنف: أنه الشدة في قول أو رأي أو فعل أو حال! وهو ما يُولد ما يسمى بالعنف العقدي , والعنف العلمي والعنف الفكري في الرأي والفهم والتصور؟! إذا العنف نتيجة للغلو والتطرف. .\rومما جاء في ذم العنف والشدة قوله ﷺ: «ليس الشديد بالسرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب» .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967717,"book_id":1040,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"العلاقة بين الغلو والتطرف والإفراط ونحوهما\rالغلو - في الحقيقة - أعلى مراتب الإفراط في الجملة. فالغلو في الكفن مثلا هو المغالاة في ثمنه والإفراط فيه.\rوالغلو أخصّ من التطرف؛ إذ إن التطرف هو مجاوزة الحدِّ , والبعد عن التوسط والاعتدال إفراطا أو تفريطا , أو بعبارة أخرى: سلبا أو إيجابا , زيادة أو نقصا , سواء كان غلوا أم لا , إذ العبرة ببلوغ طرفي الأمر , وهو الغلو في قول القائل:\rلا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ\rفالغلو أخص من التطرف باعتبار مجاوزة الحد الطبيعي في الزيادة والنقص , في حال النقص يسمى غلوا إذا بالغ في النقص , فيقال: غلا في النقص , كما في قول اليهود جفاء في حق المسيح ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. وكذلك في الزيادة إذا بالغ فيها كقول النصارى في المسيح ابن مريم غلوا.\rوالتطرف: الانحياز إلى طرفي الأمر , فيشمل الغلو , لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة , ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف.\rأو بمعنى آخر: كل غلو فهو تطرف, وليس كل تطرفٍ غلوا.\rالفرق بين الاستقامة و (الغلو والتطرف والإرهاب) :","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967718,"book_id":1040,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"في الواقع لا تلازم بين التمسك بالنصوص والغلو؛ فقد كان الصحابة ﵃ أشدَّ الناس تمسكا واقتضاء لنصوص الشريعة , ومع هذا لم يحصل منهم غلو أو تشديد , خلا في قضايا عينية في حياة النبي ﷺ أرشد ﵊ أصحابه إليها (١) وعلَّمهم وبيّن لهم طريق العبادة المعتدل , فانتهوا. وسببه هو موافقة هذا الاستمساك منهم ﵃ لعلم صحيح, وفهم سليم , وهمة حريصة على العلم والبصيرة , فنجوا من الغلو فضلا عن الاستمرار فيه , لكن لما بعد الناس عن زمان الأفاضل , وصار الدين غريبا , وأطبق الجهل على كثير من أهل الإسلام , صار المتمسك بسنة المصطفى ﷺ العاضُّ عليها بنواجذه منبوذا مُستهزءا به في تلك المجتمعات , وأطلقوا عليه عبارات النبز كالمتزمتين والغالين والمتطرفين والأصوليين والإرهابيين. . . . ونحوها من الألقاب التي روجتها بعض وسائل الإعلام عن أعداء الإسلام!","footnotes":"(١) كما في خبر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ في إطالة الصوم , المتفق على صحتها. رواها البخاري في كتاب فضائل القرآن , باب كم يقرأ من القرآن , ومسلم في كتاب الصيام , باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به , رقم (١١٥٩) , وحديث عبد الله بن الشخير في وفد بني عامر وفيه ((فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله ﵎) . فقلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا فقال: ((قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان)) رواه أبو داود والنسائي بأسانيد جيدة. وما قوله ﵇ ذلك إلا سد لطريق الغلو فيه , انظر: فتح المجيد ٥١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967719,"book_id":1040,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"والواقع أن التمسك بنصوص الكتاب والسنة , وفهمها فهما صحيحا يعد عند هؤلاء المتهاونين بأحكام الشريعة الغافلين عنها , غلوا وتطرفا , وذلك بالنظر إلى ما هم عليه من تفريط ظاهر , وقصور في إظهار منهج الإسلام.\rولنأخذ مثالا يوضح ما سبق: فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية اتهمت من كثير من الناس - بتكفير الناس - الذي هو مظهر من مظاهر الغلو البارزة - أو أنهم خوارج. . . . . . ونحوها من ألقاب تفيد مجاوزة اعتدال الإسلام وسماحته , وينبزونهم بألفاظ هي في الشريعة وصف لأقوام متشددين لا فقه لهم ولا نظر (١) وهي من ذلك براء براءة الذئب من دم يوسف ﵇ , لكن ما حيلة من شرق بها إلا ذلك. والملحوظ أن المتمسكين بمدلولات النصوص الشرعية يكونون غلاة متشددين بنسبتهم إلى المفرطين الذين يحملون الإسلام وصفا , وعند نسبتهم إلى ميزان الشريعة لا نجد عندهم معنى التمسك المطلوب , وهو الاستقامة على أحكام الكتاب والسنة.","footnotes":"(١) انظر الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفيها بحث د. عبد الرحمن عميرة وغيره في: أسبوع الشيخ محمد. المجلد الثاني. وكذا ((دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)) للدكتور العبد اللطيف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967720,"book_id":1040,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"فالمقصرون يلمزون المتمسكين بالغلو والتطرف والإرهاب أو التشدد , على أن ما هم عليه هو اعتدال الإسلام وتوسطه , وما أظهروه هو الاعتدال , وهو في الحقيقة ليس كذلك؛ إذ هو التقصير والتفريط في بعض شعائر الإسلام وأحكامه. أما الاعتدال والتوسط فهو في دين الله ومنهاج دينه , ولا يخفى أن من يتهم أحدا بالتطرف أو الغلو ونحوهما , غايته التنفير والتحذير منهم وليس لكونهم متجاوزين لحدود الشريعة ووسطية الإسلام , كما هو الحال فيمن اتهم دعوة الشيخ السلفية الإصلاحية بذلك؟!\rأعني أن هذه الدعاوى ليست من باب الأسماء والأحكام , أو لتبين معاني شرعية بقدر ما هي لأغراض وأهواء ذاتية أو محدودة. فتكون بذلك من تحميل مصطلحات الشارع ما لا تحتمل , ومن استعمال المعاني الشرعية في الأغراض الشخصية الضيقة والغايات السياسية المحدودة!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967721,"book_id":1040,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"أولا - الغلو في الصالحين من قوم نوح ﵇\rوذلك أن سبب بعثة نوح ﵇ إلى قومه وجود الغلو فيهم بالصالحين , حيث كان الغلو سببا في كفرهم وشركهم مع الله في عبادته غيره , فلقد غلا قوم نوح قبل مجيئه إليهم في رجال كانوا صالحين فغلوا في محبتهم حتى عبدوهم من دون الله , ثم إنهم صوَّروا لهم أصناما تكون رمزا لعبادتهم حتى ظهرت بدعتهم إلى جاهلية العرب قبل مجيء الرسول ﷺ. كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967722,"book_id":1040,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"حيث أخرج البخاري بسنده إلى ابن عباس ﵄ , قال في هذه الآية: ((صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ , أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل , وأما سواع فكانت لهذيل , وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطفان. . . , وأما يعوق فكانت لهمذان , وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح , فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم , ففعلوا فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلمُ عُبدت)) اهـ (١) والأنصاب جمع نصب وهو الصنم يُنصب للميت لتخليد ذكراه. هذه في الحقيقة تمثل مظهرا جليا من الغلو , في باب الغلو في الأشخاص.","footnotes":"(١) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه باب قوله تعالى: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّا وَلا سُوَاعا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرا [نوح: ٢٣] الآية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967723,"book_id":1040,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"ثانيا - الغلو والتطرف لدى اليونان\rلماذا الوثنية اليونانية بالذات لتاريخ التطرف والغلو بها قديما؟\rإن إيراد هذا السؤال مهم , فلماذا العناية ببيان وثنية هؤلاء القوم؟ إنه انقداحُ ذهن وتلمسٌ من قوله تعالى في سورة براءة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] .\rفذكر سبحانه في هذه الآية مشابهة قول اليهود والنصارى في دعواهم البنوة لله ﷿ مَن قبلهم مِن الكافرين الذين قالوا مقالات هي أصل لهذه المضاهاة.\rقال ابن كثير ﵀ على قوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾\rأي: يشابهون من قبلهم من الأمم , ضلوا كما ضل هؤلاء. (١) .\rونقل ابن الجوزي في تفسيره \"زاد المسير\" (٢) .","footnotes":"(١) انظر «تفسير ابن كثير» ٢ / ٣٤٨.\r(٢) انظر «زاد المسير» ٣ / ٢٨٩, و «معاني القرآن» لأبي جعفر النحاس ٣ / ٢٠٠ بنحو ما ذكره ابن الجوزي , وانظر: «التسهيل لعلوم التنزيل» لابن الجزري ٢ / ٧٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967724,"book_id":1040,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"وفي قوله تعالى: (يُضاهِئُونَ) قراءتان: بالهمزة وهي لعاصم وحده , وبقية السبعة ((يضاهون)) بلا همز: وانظر: \" السبعة \" لابن مجاهد ٣١٤ , و\" القراءات العشر المتواترات \" ١٩٢ , \" النشر \" ١ / ٤٠٦ , و\" التيسير \" ١١٨ عن الزجاج قوله: (يُضَاهِئُونَ) يشابهون قول من تقدمهم من كفرتهم , فإنما قالوه اتباعا لمتقدميهم.\rثم قال ابن الجوزي: وفي قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هاهنا ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنهم عبدة الأوثان , والمعنى أن أولئك قالوا: الملائكة بنات الله , قاله ابن عباس.\rالثاني: أنهم اليهود , فالمعنى أن النصارى في قولهم: المسيح ابن الله , شابهوا اليهود في قولهم: عزير ابن الله. قاله قتادة والسدي.\rوالثالث: أنهم أسلافهم ,تابعوهم في أقوالهم تقليدا ,قاله الزجاج وابن قتيبة. ا. هـ.\rونحوه ما حكاه القرطبي والشوكاني في تفسيرهما عند هذه الآية (١) وقبلهما الحافظ ابن جرير الطبري على آية براءة. وعلى كلٍ فالأقوال الثلاثة ليست متعارضة , وليس الخلاف بينها اختلاف تضاد , بل هو من قبيل اختلاف التنوع , إذ المعنى يحتمل أحد الأقوال كما يحتملها جميعا.","footnotes":"(١) «تفسير القرطبي» ٨ / ١١٨-١١٩ , و «فتح القدير» ٢ / ٣٥٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967725,"book_id":1040,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"ومما يدخل في معنى الذين كفروا من قبل اليهود والنصارى: مَن سبقهم من الأمم , التي شابهت مقالة اليهود والنصارى في دعوى البنوة لله مقالتهم.\rوهذه المقالة - بتولّد الآلهة وكون لها أبناء - عقيدة وثنية صريحة واضحة عند الأمة اليونانية القديمة!\rفلذا دخل اليونانيون الوثنيون في مفهوم الآية ومنطوقها من هذا الاعتبار فهم ممن كفر قبلُ. وهو أيضا مظهر جلي للغلو والتطرف الديني الذي أورث العنف والتكفير والإرهاب لمن لم يوافقهم في العقيدة الوثنية.\rهذا فضلا عن تأثير الوثنية اليونانية على من بعدها من الأمم حيث ظهر تأثيرهم الوثني على اليهود والنصارى وفرق وعلى بعض الفرق الضالة من الجهمية والمعتزلة والمتكلمين وقبلهم الفلاسفة. . . , فضلا عن تأثيرهم في غيرهم من الأمم الوثنية المشركة من المجوس والهندوس والرومان. . . . إلخ.\rفإذن في تجلية الغلو والتطرف والانحراف الوثني في العقيدة اليونانية بيان للذين كفروا من قبل ومبلغ معرفتهم بربهم , المتمثل في أدنى دركات الجهل , والعمى عن رب العالمين ,وإن بلغوا مبلغا متقدما في العمران المادي للدنيا بما خلفوه من تراث مادي بارز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967726,"book_id":1040,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"والموضوع أيضا من دلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ , وقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ , وقوله ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ , وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967727,"book_id":1040,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ .\rوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ .\rوقوله تعالى في آخر السورة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .\rولا شك أن اليونانيين وغيرهم من متقدمي الغلاة والمتطرفين في دينهم داخلون في مطلوب التفكر والاعتبار والاتعاظ ومحاذرة طريقهم ومناهجهم في الآيات. (١) .","footnotes":"(١) ينظر بحث الفقير إلى الله: «الانحرافات الوثنية في العقيدة اليونانية وآثارها» ط دار المسير بالرياض , ط , ١٤١٧هـ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967728,"book_id":1040,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"ثالثا - التطرف والغلو لدى أهل الكتاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967729,"book_id":1040,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":28,"body":"ثم وجد بعد ذلك نوع من الغلو عند بني إسرائيل من يهود ونصارى كما سبق في قوله تعالى في سورتي النساء والمائدة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ . . . . . . . . . [النساء: ١٧١ , المائدة: ٧٧] , كما وجد الغلو في التكفير عند كل من اليهود للنصارى والعكس قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ , حتى أدى بهم الأمر إلى استباحة دماء وأعراض كل منهما الآخر (١) فاليهود تُقرُّ مبدأ القتال لأنه مرتبط بوجودهم وبقائهم وأنهم أبناء الله وأحباؤه وما سواهم أميون يجوز أن يفعلوا بهم ما شاؤوا على مبدئهم الخبيث أنهم شعب الله المختار وكما قصَّ الله عنهم في قولهم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وخدم لهم مسخرون لأجلهم","footnotes":"(١) تفاصيل هذا في مقال علمي في مجلة الفيصل عدد ١٣٤ شعبان ١٤٠٨هـ تحت عنوان ((التطرف الديني عند بني إسرائيل)) لعبد الرحمن عبد المحسن عزز أقواله بنقول من العهدين القديم والحديث ص ٨٧-٩١ , وانظر بحث «الإلحاد وعلاقته باليهود والنصارى» د. محمد الشويعر في مجلة البحوث عدد ١٤عام ١٤٠٥هـ ص ٢٠٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967730,"book_id":1040,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":29,"body":"والنصارى تقرر أنها وارثة اليهودية بشريعة عيسى ﷺ, كما ونقموا على اليهود لأنهم صلبوا عيسى ﷺ كما يظنون.\r﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ . . . . . . . . الآية [المائدة: ١٨]\rفأهل الكتاب - ولا سيما اليهود - عندهم مظاهر الغلو والتطرف واضحة جلية في مناحٍ شتى في التغالي والكبر والعجب والتيه على الناس جميعا مسلمين ونصارى وغيرهم.\rوأيضا في عقيدتهم وتميزهم عن الناس بالدعاوى الباطلة من كونهم أبناء الله وأحباءه, وزعمهم أنهم شعب الله المختار , وأنه ليس عليهم فيما يفعلون في غيرهم من الظلم والبغي والاعتداء حرج وسبيل.\rوأعظم مظاهر تطرفهم وغلوهم ما كان في جناب الله ﷿ من وصفه ﷾ بالنقائص , وإضافة العيوب إليه , ومما فضحهم الله به في القرآن:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967731,"book_id":1040,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":30,"body":"١ - قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء , كما في آخر سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨١-١٨٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967732,"book_id":1040,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":31,"body":"٢ - ووصفهم الله بالبخل والطمع , كما في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] .\r٣ - وعيبهم الله بالتعب والإعياء في خلق السماوات والأرض في ستة أيام , مما أكذبهم الله بقوله في سورة ق ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967733,"book_id":1040,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":32,"body":"٤ - ومن إرهابهم: قتلهم أنبياء الله ورسله إليهم وفسادهم وإفسادهم في الأرض وفي حكم الله , مما تواردت عليه آيات كثيرة في القرآن من أولها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967734,"book_id":1040,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":33,"body":"أولا - غلو الخوارج\rوذلك أنهم سعو بالفتنة والخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ , بدء بخروج قوليٍّ عليه بالسعاية الفتنة والبغي عليه , ثم خرجوا عليه بالفعل بحصاره وشتمه وذمه ثم بقتله ﵁ , ولمَّا قتل عثمان ﵁ ظلما وعدوانا وغدرا ظهرت الفتن , وثارت أعاصير الشبهات , وأقبلت الفتن مهرولة يحمل رايتها الغلو والتطرف والإرهاب الممنوع للآمنين المطمئنين من المسلمين خصوصا , فكان غلو الخوارج وتشددهم وخاصة في التكفير وموقفهم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ , فكانت مظاهر تطرف الخوارج وإرهابهم يتمثل في غلوهم في دينهم من خلال أصولهم العقدية التي اشتهرت عنهم بعد هذه المرحلة التأريخية , حيث تأصلت أصولهم , وظهرت قواعدهم في عقيدتهم وفي تعاملهم مع المسلمين من خلال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967735,"book_id":1040,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":34,"body":"التكفير للمسلمين: ولاة وعلماء وعامة بمجرد حصول الذنب من أيٍ منهم , ومنه حكموا على علي بن أبي طالب وقبله عثمان بن عفان وعلى معاوية ومن معهم ﵃ بالكفر في أعيانهم , ثم أفرد هذا عندهم إلى كل صاحب ذنب من المسلمين. فإنه بمجرد حصول الذنب منه يكفر عينا ويخرج من الملة إلا أن يتوب فعليه الدخول في الدين مجددا.\rترتب على التكفير الخروج على المُكفرين بالسيف , وبالقتال , وهو استحلال دماء المُكفرين وأعراضهم وأموالهم.\r(وسيأتي لهذين الأصلين مزيد بيان ومناقشة في الفصل الثالث: الغلو التطرف في باب الأسماء والأحكام) .\rهذا وزادوا في أواخر المائة الأولى وأوائل الثانية بإنكار السنة والتعويل على القرآن فقط بزعمهم , فأنكروا حدَّ الرجم لعدم وروده في القرآن , وإلزام المرأة الحائض بقضاء الصلاة أثناء عذرها بالحيض أو النفاس كما تقضي الصوم!\rتنبيه:\rحصل تلاقح عقدي بين المعتزلة والخوارج في مسائل الحكم على الناس بالإيمان والكفر , كما حصل تلاقح عقدي بينهما في باب أسماء الله وصفاته , حيث فشى بين طوائف الخوارج ولا سيما الإباضية القول بخلق القرآن , وإنكار رؤية الله في الدار الآخرة , وفي الجنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967736,"book_id":1040,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":35,"body":"حصل هذا بتتبع كتب القوم , واستقراء مصادر العقيدة مما يضيق المقام عن تعدادها ولشيخ الإسلام ابن تيمية قصب التميز والتنويه عن هذا.\rثم ظهرت غالية السبائية - نسبة إلى عبد الله بن سبأ الصنعاني اليهودي ابن السوداء أول من أوقد الزندقة في الإسلام - في ذات علي ﵁ , فقد قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في مختصر سيرة الرسول ﷺ (١) .\r((وفي أيامه - يعني عليا - خرجت المغالية وادعوا أن في علي الإلهية , قال الحافظ ابن حجر: ورد من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل علي: إنَّ هنا قوما على باب المسجد يزعمون أنَّك ربهم , فدعاهم عليّ وقال لهم:\rويلكم إنما أنا مثلكم آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون , إن أطعت الله أثابني وإن عصيته خشيت أن يعذبني فاتقوا الله وارجعوا! فأبوا! فلما كان الغد غَدَوا عليه , فجاءه قُنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام. فسأل فأدخلهم. فقالوا كذلك , فلما كان اليوم الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة. فأبوا إلا ذلك.","footnotes":"(١) مختصر سيرة الرسول ﷺ ص ٤٣٤ , وما نقله عن الحافظ فهو في «فتح الباري» ١٢ / ٢٨٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967737,"book_id":1040,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":36,"body":"فقال: يا قنبر ائتني بفَعَلة معهم مرورهم - عمالا معهم أدوات حفرهم - فخدَّ لهم أخدودا بين المسجد والقصر وقال لهم: احفروا فأبعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه في النار في الأخدود وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا. فأبوا أن يرجعوا. فقذف بهم حتى احترقوا وقال:\rلما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قُنبرا\rوإسناده حسن.\rوفي الصحيح أن ابن عباس لما بلغه تحريقهم قال:\rلو كنت أنا لم أحرقهم لقول النبي ﷺ: «لا تعذبوا بعذاب الله» . ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» (١) . فبلغ ذلك عليا فقال: صدق ابن عباس)) . اهـ.\rوهذه المحاولة مشهورة في التاريخ ذكرها جمع من أهل المقالات، ولولا الإطالة لأحلت إلى كتبهم، وقد وقفت على قول لبعض المعاصرين (٢) وهذا القول ظهر أخيرا من أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم , ولا يبعد أن يكون النفي له أصل متقدم معتمد على نفي الرافضة له , مع أن النوبختي مؤرخ الرافضة وسارد فرقهم قد ذكر ابن سبأ , وذكر فرقته السبئية في كتابه: فرق الشيعة، ص ٢٢, ٢٣. ينكر فيه هذه القصة ويدَّعي أنها:","footnotes":"(١) رواه البخاري في كتاب الجهاد باب لا يعذب بعذاب الله. وانظر النقل عن الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ٦ / ١٧٥ وفي كتاب «استتابة المرتدين» ١٢ / ٢٨٢.\r(٢) هو: د. كامل مصطفى الشيبي في كتابه الصلة بين التشيع والتصوف، ص ٩٠-٩١؛ بل تعدى إلى أبعد من هذا , فادعى أن ابن سبأ هو عمار بن ياسر ﵁ , وحاول التوفيق بين صفات ابن سبأ الموجودة في كتب التاريخ وصفات عمار وموافقتها , انظر: ص ٣٨-٥٤ , ٨٤-٩٢ ومناقشة هذا الزعم يحتاج إلى بسط في غير هذه المناسبة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967738,"book_id":1040,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":37,"body":"((خبر مختلق من أساسه ولم يرد على صورة فيها ثقة , في كتاب معتبر من كتب التاريخ. . . . وينتهي بنا المطاف إلى فائدة عظيمة هي أن السبئية ركام من التهم أُلقيت على جماعة. . . . . إن عن قصد أو عن غير قصد)) (١) .\rوالجواب عليه: من فمك أدينك؛ فهذه القصة ليست مختلقة بل توارد عليها جمع من المؤرخين وكُتَّاب المقالات - كما ذكرت بعضا منهم في كتابك. والأعجب من هذا أن رويت بإسناد حسن كما قاله الحافظ ابن حجر.\rبل حديث ابن عباس في البخاري قرينة واضحة على وقوع تلك الحادثة. وعليه فلا مدخل من هنا على تكذيب هذه الحادثة لمن نظر وتعقل.\rوبعد هذا ندرك كيف كانت هذه الطغمة الفاسدة - من الخوارج والسبئية - أول مظاهر الغلو والتطرف الحقيقي وأكثرها رواجا على غلاة الرافضة خاصة , وباقي الفرق الإسلامية عامة. وحسبك أن تنظر إلى كتاب واحد من كتب الملل والمقالات لترى أثر ذلك!\rولم نعتد بغلو الخوارج وحده فقط على أنه أول مظاهر التطرف والغلو الديني للآتي:\r١- أن غلوهم أخف بكثير من غلو هؤلاء السبئية بعلي ﵁ ديانة وعقيدة وأثرا؟!","footnotes":"(١) كما في ص ٨٧-٩٠. اهـ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967739,"book_id":1040,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":38,"body":"٢- الخوارج وقعوا فيما وقعوا فيه عن سفه ونقص في عقولهم وبصيرتهم وعلومهم (١) . فلم يكن قصدهم إفساد الدين والمسلمين - قطعا - كما هو الحال عند غلاة الرافضة. فعليه فأجلى مظاهر الغلو والتطرف , ومنشؤه عند المسلمين هو غلو السبئية نسبة إلى عبد الله بن سبأ الهمذاني اليهودي الصنعاني المكنى بابن السوداء - الذي أسلم في عهد عثمان وقاد الفتنة بين الصحابة وبين علي ومن معه , وكان ناشر مقولة الغلاة في تأليه عليّ - وقد نفاه عليّ إلى ساباط المدائن حيث لم يصرح أمامه بقوله بإلهيته.\rإذن يمكن القول بأن أول نشأة الغلو والإرهاب الممنوع والتطرف في الإسلام بهذا الفكر , وتلك العقائد؛ إنما كان بسبب عبد الله بن سبأ اليهودي أبعده الله. كأثر بولس اليهودي في إفساد ملة النصارى؟!","footnotes":"(١) بدليل أنه لما حاجهم ابن عباس في دلائلهم وأتي بنظائر ما توهموه: في ثلاث مسائل: ١ مسألة تحكيم الرجال في آية النساء , ٢ وسبي أم المؤمنين , ٣ واستحلال مال ودم المسلمين , رجع منهم كثير اختلفوا في عدده ورفض الباقون مناظرة ابن عباس لأنه من قريش ولأنهم بزعمهم كما قال تعالى: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) (الزخرف: ٥٨) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967740,"book_id":1040,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":39,"body":"ثانيا: علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة\rإذا تقرر أن أول غلو نشأ عند المسلمين , وأثر في القرون اللاحقة هو غلو عبد الله بن سبأ في ذات علي ﷺ , وأن ابن سبأ شخصية حقيقية تكاد مصادر العقائد تجمع على أنه أول من دعا إلى فكرة تقديس علي ثم آل بيته (١) ؛ وإنه يهودي أصلا - وكانت بعض العقائد القديمة موجودة عند فرق الإسلام والغلاة , خاصة الرافضة - لما كان هذا موجودا جعل بعض المعاصرين يبحث في نظريات الغلو والتطرف الديني عند المسلمين من أين جاءت؟\rفمن قائل: إنها من أصل هندي أو مجوسي أو يهودي أو نصراني أو من أصل عربي (٢) .\rوالواقع أن ما عند الغلاة هو حصيلة أغلب تلك العقائد - مع التأثر الملحوظ باليهود - خاصة أنه دين أول فرقة غالية في الإسلام (٣) .","footnotes":"(١) كما في «نشأة الفكر الفلسفي» ١ / ٦٨.\r(٢) بحث هذه القضية جمع من المعاصرين. منهم د. عرفان عبد الحميد في «دراسات في العقائد الإسلامية» ٣٤-٤٣ , والسامرائي في «الغلو والفرق الغالية» ٧٩-٨٠ , ١٢٥١٨٠ , ود. علي النشار في «نشأة الفكر الفلسفي» ١ / ٦٨ والجزء الثاني من أثر اليهود على مذهب الرافضة , ونظلة الجبوري في «حركة الغلو وأصولها الفارسية» . وكامل الشيبي في «الصلة بين التصوف والتشيع» ص ١٢٨ , وأحمد أمين في «ضحى الإسلام» ٣ / ٢٧٨ , ومحمد أبو زهرة في «تاريخ المذاهب الإسلامية» ١ / ٣٧-٣٨. وغيرهم.\r(٣) طبعت أخيرا أطروحة دكتوراه حول هذا الموضوع في مجلدين عنوانها «بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود» .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967741,"book_id":1040,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":40,"body":"وإليك قول أعرف الناس بالرافضة وهو الإمام الشعبي التابعي الجليل (١٠٤هـ) . فقد روى أبو القاسم اللالكائي الطبري بسنده إلى عبد الرحمن بن مالك بن مِغول عن أبيه قال: ((قال الشعبي: يا مالك لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا أو أن يملؤوا بيتي ذهبا - يعني الرافضة - على أن أكذب لهم على عليّ لفعلوا , ولكن والله لا أكذب عليه أبدا. يا مالك: إنني قد درست هذه الأهواء كلها فلم أر قوما هم أحمق من الخشبية - من فرق الرافضة - لو كانوا من الدواب لكانوا حُمرا , ولو كانوا من الطير لكانوا رخما. وقال: أحذرك الأهواء المضلة وشرها الرافضة؛ وبذلك أن من يهود من يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم , كما غمص بولس بن شاؤول ملك اليهود دين النصرانية , لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله , ولكن مقتا لأهل الإسلام , وطعانا عليهم , فأحرقهم علي بن أبي طالب بالنار , ونفاهم من البلدان: منهم عبد الله بن سبأ نفاه إلى ساباط , وعبد الله بن يسار نفاه إلى خازر وأبو الكَروَّس وابنه إلى الجابية.\rوذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود , قالت اليهود: لا يصلح الملك إلاَّ في آل داود , وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في آل علي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967742,"book_id":1040,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":41,"body":"وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال , أو ينزل عيسى من السماء. وقالت الرافضة: لا جهاد حتى يخرج المهدي , ثم ينادي مناد من السماء.\rواليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم , وكذلك الرافضة.\rوالحديث عن رسول الله ﷺ: «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» .\rواليهود يولون عن القبلة شيئا , وكذلك الرافضة.\rواليهود تسدل أثوابها , وكذلك الرافضة.\rوقد أمر رسول الله ﷺ برجل قد سدل ثوبه فَقمَّصه عليه أو عطفه عليه.\rواليهود حرفوا التوراة , وكذلك الرافضة حرفوا القرآن.\rواليهود يستحلون دم كل مسلم , وكذلك الرافضة.\rواليهود لا يرون الطلاق ثلاثا شيئا , وكذلك الرافضة.\rواليهود لا يرون على النساء عدة , وكذلك الرافضة.\rواليهود يبغضون جبريل ويقولون: هو عدونا من الملائكة , وكذلك صنف من الرافضة - هم الغرابية - يقولون: غلط بالوحي على محمد (١) .\rوفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين:\rسئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى.\rوسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواريو عيسى.","footnotes":"(١) وهم الغرابية قالوا: إن عليا يشبه محمدا , كما يشبه الغراب الغراب , فاختلط ذلك على جبريل فغلط , حيث بدل أن ينزل الوحي على علي , أعطاه محمدا؟ قبحهم الله! والله يقول: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967743,"book_id":1040,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":42,"body":"وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد.\rأُمروا بالاستغفار لهم فسبوهم , فالسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة لا يثبت لهم قدم ولا تقوم لهم راية ولا تجتمع لهم كلمة , دعوتهم مدحوضة وجمعهم متفرق , كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ﷿) اهـ (١) .\rوإليك ما قاله أبو بكر الباقلاني في كتابه فضائح الباطنية - يسر الله بعثه - بواسطة شرح الطحاوية (٢) قال فيه:\r((ولهذا كان الرفض باب الزندقة كما حكاه القاضي أبو بكر الطيب عن الباطنية وكيفية إفسادهم لدين الإسلام قال: فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المتصل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم الحسين والتبري من تيم وعدي - قبيلتي أبي بكر وعمر - وبني أمية وبني العباس مع أنهم من آل البيت. وقل بالرجعة وأن عليا يعلم الغيب يُفوض إليه خلق العالم! . وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم , فإذا أنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا , أوقفته على مثالب عليّ وولده ﵃. . . . .)) اهـ (٣) .","footnotes":"(١) ذكر ابن تيمية لهذا الأثر طريقين في «منهاج السنة» ؛ أحدهما عن ابن شاهين بسنده إلى الشعبي , والآخر من طريق أبي عمرو الطلمنكي إليه , وساق لفظيهما بتمامهما. وأشار إلى رواية اللالكائي هذه وقال بعدها: فهذا الأثر روي من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا , وبعضها يزيد على بعض , كعن عبد الرحمن بن مالك , ضعيف , ثم قال: وذم الشعبي لهم ثابت من طرق أخرى ا. هـ. «المنهاج» ١ / ٢٢-٣٦. وقال محقق كتاب اللالكائي في رقم ٢٨٢٣: إنه رواه الخلال بلفظ أطول من رواية اللالكائي.\r(٢) «شرح الطحاوية» ص ٩٠.\r(٣) استفاد من كتاب الباقلاني الغزالي أبو حامد في «فضائح الباطنية» وهو مطبوع في مجلد لطيف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967744,"book_id":1040,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":43,"body":"وأخذ الغلاة من الرافضة عن المجوس أهل فارس - كما في حديث أبي هريرة في الموقف من الغلو - حيث صرَّح النبي ﷺ أنهم يأخذون عن فارس والروم.\rومن العقائد التي تأثر بها الغلاة القول بالوصيَّة أتى بها ابن سبأ حيث قال: إن عليا وصي رسول الله من عقائد يهود أنهم يقولون: إن يوشع بن نون وصيٌ لموسى ﵇.\rوأخذوا من اليهود التشبيه - تشبه الخالق بالمخلوق - حيث قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] , وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] . ومتقدمو الرافضة مشبهة مجسمة ومن أشهرهم هشام بن الحكم الرافضي, والجواليقي.\rوقالوا برفع عليّ إلى السماء وكذَّب ابن سبأ من قال بموته , وأنه لو أُتي بدماغه في صرة أو بسبعين صرة لم يصدق بموته , وأنه سينزل إلى الأرض. كقول أهل الكتاب في إيليا - عيسى - عليه وسلم - وهو عقيدة الرجعة.\rوقالوا: إنه فوق السحاب , وإن الرعد صوته , والبرق سوطه يضرب به السحاب.\rوأخذوا القول بنفي القدر وأن العبد يخلق فعل نفسه , وهو قول فرقة من اليهود تسمى الفروشيم (١) .\rوأخذوا من النصارى والهنود الحلول والتناسخ (٢) .","footnotes":"(١) كما في «تاريخ المذاهب الإسلامي» ١ / ١٢٥ نقلا عن أحمد أمين من «فجر الإسلام» وترجمة هذه الكلمة المعتزلة.\r(٢) هذا باستقراء كتب الفرق والمقالات التي وقفت عليها وما ذكرت إلا أهم العقائد ويراجع على سبيل الخصوص الكلام على فرق غلاة الروافض الذين ظهر تأثرها جليا بالعقائد القديمة والوثنية كالسبائية الكيسائية البيانية الخطابية النصيرية. . . . . وانظر فيها: «الملل والنحل» ٢ / ١٢-١٣ , و «الفصل» لابن حزم ٥ / ١٣٧-١٤٤ , و «دراسات العقائد الإسلامية» ٣٥-٤١ , و «مقالات الإسلاميين» ١ / ٦٦-٨٨ , و «الزينة» للرازي ٣٠٣-٣٠٧ , و «اعتقادات فرق المسلمين» ٧٠-٧١ , و «الفرق بين الفرق» ١٧٧ , وما بعدها و «نشأة الفكر الفلسفي» ١ / الفصل الأول والثاني والرابع , و «البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان» ٦٧-٨٥ , و «التبصير في الدين» الباب الثالث عشر ١٢٣-١٢٤ , و «تاريخ المذاهب الإسلامية» ١ / ٣٨-٤٣و ٥٨-٥٩ , و «الفوائد المجتمعة في بيان الفرق الضالة المبتدعة» , ورسالة ((بيان الفرق الضالة)) لليازجي و «النواقص لظهور الروافض» للبرزنجي وكلاهما خطيتان ومصورة عندي , و «الفرق المفترقة» للأفندي , والباكورة السليمانية وغيرها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967745,"book_id":1040,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":44,"body":"وغيرها من العقائد التي أفسدت عليهم دينهم , ولا أخص بذلك غلاة الشيعة بل كل من أتى بفكر غالٍ , كالمعتزلة وغلاة القدرية والحلولية والاتحادية والباطنية وعموم الزنادقة قبحهم الله!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967746,"book_id":1040,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":45,"body":"ثالثا - تطرف المعتزلة وغلوهم , وأثره\rوظهر غلوهم في ثلاثة مناحٍ في باب الأسماء والصفات حيث أنكروها على الله , وعطلوها سبحانه منها مشابهة منهم للجهمية , وهو أصلهم المسمى عندهم ((بالتوحيد)) وفي باب القدر بإنكار قدر الله ومشيئته لأفعال خلقه , كما على أصلهم المسمى عندهم ((بالعدل)) .\rوالمنحى الثالث وهو أخطر ما عندهم ما يتعلق بالأسماء والأحكام من جهة أسماء الناس في الدنيا هل هم مسلمون أو فاسقون أو كفار؟ وأحكامهم في الآخرة هل هم في الجنة أو النار؟\rوهو ما تحور حول أصولهم:\r١ - الأصل الثالث وهو ((إنفاذ الوعد والوعيد)) بجعل صاحب الكبيرة مخلدا في النار.\r٢- الأصل الرابع وهو ((المنزلة بين المنزلتين)) يكون صاحب الذنب في الدنيا ليس بمسلم ولا كافر , بل بمنزلة بينهما , يطلقون عليها اصطلاحا خاصا بهم هو الفاسق. (١) .\r٣ - الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\rويقف هذا الأصل عندهم على الخروج على السلاطين وولاة الأمور إذا وقعوا في معصية , خروجا باليد وبالسيف إذا قدروا عليه. (٢) .\rوهو ثمرة مذهب الخوارج في إعمال السيف على صاحب الذنب مما صدق عليهم جميعا وصف الوعيدية.","footnotes":"(١) ينظر في هذا الأصول عند المعتزلة , «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار الهمداني المتزلي (٤١٥هـ) و «المغني في أبواب العدل والتوحيد له» , و «المحيط بالتكليف» له أيضا , و «مقالات الإسلاميين» لأبي الحسن الأشعري ٢ / ٢١٨وما بعدها.\r(٢) انظر «شرح الأصول الخمسة» ١٤٤ , و «مقالات الإسلاميين» ١ / ٢٧٨, و «الانتصار» للخياط المعتزلي ١١٧ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967747,"book_id":1040,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":46,"body":"هذا والفصل القادم , وهو الثالث يوضح تطرف المعتزلة وغلوهم في هذه الأصول وآثارها , مما يضرب بالتكفير والقتال في تاريخ المسلمين من خلالهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967748,"book_id":1040,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":47,"body":"الفصل الثالث التطرف والغلو في باب الأسماء والأحكام وآثاره أولا - ما الأسماء والأحكام؟\rهذا المصطلح حادث لم يكن معروفا عند الرعيل الأول من السلف الصالح, وإن كان موجودا بمعناه وأحكامه.\rفالأسماء: هو ما يسمى العبد به في الدنيا من الأسماء الدينية: مؤمن , كافر , فاسق , عاصٍ , منافق. . . . .\rوالأحكام: هو ما يُحكم عليه به في الآخرة: في الجنة أو مخلد في النار أو غير مخلد فيها.\rوهذا المبحث هو ثمرة الخلاف في مسمى الإيمان وحقيقته , ومسمى الكفر وحقيقته فكل من كان له قول في الإيمان تجد له في نهاية قوله تقريرا في حكم العبد في الآخرة , واسمه في الدنيا.\rلأجل هذا سيكون الكلام ابتداء على الغلو في باب الإيمان بين الطوائف ويتضمن الأسماء والأحكام كنتيجة له.\rفأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان يكون بثلاثة أمور:\r١- قول باللسان.\r٢- اعتقاد بالقلب والجنان.\r٣- عمل بالجوارح والأركان.\rمع زيادته بطاعة الرحمن , ونقصانه بالمعصية , وأصل هذا القول مستفاد من استقراء الكتاب والسنة , وفهم الصحابة لهما , ودلالة لغة العرب لألفاظهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967749,"book_id":1040,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":48,"body":"وعليه فالعبد عند أهل السنة بمقتضى النصوص اسمه في الدنيا مؤمن ما لم يكن صاحب كبيرة مُفسِّقة أو مُكفِّرة.\rفإن كانت له مُفسقة فيسمونه مؤمنا ناقص الإيمان بحسب معصيته , أو مؤمنا فاسقا, ويعامل معاملة المسلمين إلا في الشهادة ونحوها , وهو يوم القيامة من أهل الجنة تحت مشيئة الله إن شاء عذبه بكبيرته أو غفر له برحمته , وإن عذبه بها فإنه لا يخلد في نار جهنم لأنه مسلم معه أصل الإيمان.\rوإن كانت بدعة مُكفرة فيقام عليه حكمُ الردة , ويسمونه كافرا لإجراء أحكام الكافر عليه , وهو يوم القيامة - أي الكافر - مخلد في النار , لكنهم لا يشهدون لمعين - ولو أقيم عليه حدُّ الردة - أنه من أهل النار المخلدين فيها؛ لعدم اطلاعهم على ما ختم الله به عمله من توبة نصوح.\rوكذلك الشهادة بالإيمان؛ لا يشهدون لمعين بأنه من أهل الجنة , إلا من نصَّ عليهم الدليل كالعشرة المبشرين بالجنة وعكاشة بن محصن ونحوهم ﵃ أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967750,"book_id":1040,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":49,"body":"ثانيا - الفرق الغالية في هذا الباب\rاتفق الخوارج والمعتزلة وهم الوعيدية , مع أهل السنة على تعريف الإيمان وفارقوهم في تطبيقه حتى غلو أو تطرفوا في الأسماء والأحكام.\rفغلت الخوارج وقالت: صاحب الكبيرة اسمه في الدنيا كافر حلال الدم والمال, وحكمه يوم القيامة أنه مخلد في نار جهنم.\rوقالت المعتزلة: هو - أي صاحب الكبيرة - في منزلة بين المنزلتين ليس بمؤمن ولا كافر , هذا في الدنيا وربما يسمونه فاسقا , لكن على غير معناه عند أهل السنة والجماعة؛ بل فسقا ينقله عن مرتبة الإيمان ولا يدخله إلى دركة الكفر , وحكمه يوم القيامة أنه خالد مخلد في النار.\rفاختلافهم مع الخوارج في اسمه في الدنيا , فلم يصرحوا بقول الخوارج مع أنهم وافقوهم في الحكم الأخروي الذي يكون نتيجة لما قبله من عمل؛ ولهذا سُموا ((مخانيث الخوارج)) ؟! .\rوقالت الجهمية , والصالحية - أصحاب أبي الحسن الصالحي المعتزلي - والثوبانية , والغسانية - أتباع يونس بن عون النميري - , والشبيبية - أتباع محمد بن شبيب - , وكذا قال غيلان بن مسلم الدمشقي؛ قالوا:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967751,"book_id":1040,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":50,"body":"الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله ورسوله بالقلب فقط , وإن لم يكن معه قول اللسان أو عمل الجوارح؛ فكل عارف لله بقلبه في الدنيا هو من أهل الجنة. والعكس بالعكس.\rولذا قال ابن القيم في النونية حاكيا مذهب جهم وأضرابه:\rقالوا وإقرار العباد بأنه ... خلاقهم هو منتهى الإيمان\rوالناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان\rوهؤلاء هم المرجئة المحضة.\rوقالت الكرامية - أصحاب محمد بن كرام السجستاني الزاهد , - وقول النجارية - أتباع الحسين بن محمد النَّجار من المعتزلة , - وهم مقاتل بن سليمان وأتباعه؛ قالوا:\rالإيمان هو مجرد النطق بالتوحيد بلسانه.\rفمن نطق بالتوحيد عندهم فهو مؤمن كامل الإيمان وهو في الآخرة في جنان النعيم.\rوالكرامية في المشهور عند العلماء هم من عامة المرجئة , أو قل من عوامهم ومتوسطيهم!\rوقالت الأشاعرة , وهو ظاهر قول الماتريدية:\rإن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط.\rفافترقوا عن المرجئة المحضة بزيادة التصديق على إقرار القلب!\rوعلى قول الأشاعرة والماتريدية يُحمل قول شارح الطحاوية (١) :","footnotes":"(١) ص ٣٣٢ من «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967752,"book_id":1040,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":51,"body":"((فمنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي , وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي ﵀ , ويروى عن أبي حنيفة ﵁)) اهـ.\rقلت: أما قول أبي حنيفة فهو غريب عنه , إذ إن المشهور عنه ﵀ كما في شرح الفقه الأكبر (١) قوله: ((الإيمان هو الإقرار والتصديق , وإيمان أهل السماوات لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به , ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق , والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد , متفاضلون في الأعمال)) اهـ.\rوهذا الذي اشتهر عند الحنفية وذكره شارح الطحاوية هو ما قرره أبو جعفر الطحاوي الحنفي في عقيدته , ولذا يسمون عند أهل العلم ((مرجئة الفقهاء)) .\rأما قول أبي منصور الماتريدي فلم أقف عليه , ولو صح لكان خلافه مع الجهمية - أصحاب المعرفية؛ بأن الإيمان معرفة بالقلب بالله ورسوله - خلافا لفظيا إذ إن اللسان ركن زائد ليس أصليا.\rوعلى هذا فالمرجئة مراتب هي:\r١ - المرجئة المحضة , القائلون بأن الإيمان هو المعرفة بالقلب فقط , والكفر هو الجهل.\r٢- عوام المرجئة ((الكرامية)) القائلون بأن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط.","footnotes":"(١) ص ١٢٤-١٢٩ من «شرح الفقه الأكبر» لأبي حنيفة للملأ علي قارئ الهروي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967753,"book_id":1040,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":52,"body":"٣- الأشاعرة والماتردية: القائلون بأن الإيمان هو التصديق بالجنان.\r٤- مرجئة الفقهاء القائلون بأن الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967754,"book_id":1040,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":53,"body":"ثالثا - مناقشة أقوال الغلاة\rقول الجهمية أظهر من أن يناقش فهو أفسد الأقوال؛ لأن من لوازمه الشهود بالإيمان لأكفر خلق الله , مَن كفرهم الله في كتابه , كإبليس وفرعون وقومه وأمية بن خلف. . فلازم قولهم أنهم مؤمنون؛ لأنهم جميعهم مقرون بالله وبرسوله في قلوبهم , كما حكاه الله عنهم في غير ما آية في كتابه العزيز. كما قال سبحانه عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] , وقال في سورة ص: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] , وقال سبحانه عن فرعون وآله في سورة النمل ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] , وقال سبحانه في آخر سورة الإسراء: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967755,"book_id":1040,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":54,"body":"أما الخوارج والمعتزلة فمن أظهر شبههم التمسك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] .\rفقالوا: هذا مؤمن ارتكب معصية وكبيرة بقتله مؤمنا آخر عدوانا وتعمدا , فالله تعالى جعله مخلدا في ناره , ولا يخلد في النار إلا الكافر؛ فدل على أنه كافر مخلد في النار بكبيرته , وعلى هذا باقي المعاصي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967756,"book_id":1040,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":55,"body":"رابعا - الرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة\rوالرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة في استدلالهم بآية النساء من عدة وجوه: ١- أن الله ذكر الخلود في الآية ولم يذكره على التأبيد كقوله عن أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨] .\rوكقوله عن أهل النار في ثلاثة مواضع من القرآن في أواخر النساء والأحزاب والجن ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ فصرّح سبحانه فيها بالخلود مع التأبيد.\rفعليه يكون المراد بالتخليد في هذه الآية المكث الطويل , خاصة أن معصية قتل النفس التي حرم الله من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله , كما دل عليه حديث أبي هريرة ﵁ في السبع الموبقات وهو عند مسلم , فدل على عظم هذا الجرم وكبره لا على كفر فاعله!\r٢- إن الله تعالى في أحكام القصاص سمى القاتل أخا للمقتول , كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967757,"book_id":1040,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":56,"body":"فلو كان القاتل كافرا لما جاز أن يسميه الله أخا للمؤمن؛ لأن الأخوة مودة ولا تكون إلا للمؤمن ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ . . . . . [المجادلة: ٢٢]\r٣- كما أنه يجوز العفو في القصاص إلى الدية , وإلى لا شيء تكرما وتفضلا, فلو كان القاتل كافرا مرتدا , لم يجز إسقاط الحد عليه بالعفو , للحديث «من بدل دينه فاقتلوه» ولحديث «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني , والنفس بالنفس , والتارك لدينه المفارق للجماعة» .\r٤ - القاتل لو أقيم عليه الحد يُصَليَّ عليه , ويُغَسَّل , ويدفن مع المسلمين في مقابرهم وتجوز الصدقة عنه. . . . وعليه إجماع السلف.\rولو كان كافرا ترتبت عليه أحكام المرتدين ولم يجز له ما سلف من الأحكام المخصوصة بالمسلمين فقط.\r٥ - قال بعض العلماء كابن جرير وغيره: إن الآية خاصة في الذين يستحلون القتل , فإن كان كذلك فهو كافر لا شك فيه , لكن ظاهر الآية يبعد عن هذا التأويل والتفسير!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967758,"book_id":1040,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":57,"body":"٦ - وعلى سبيل التَّنزل فهذه الآية خاصة بمن يقتل مؤمنا متعمدا فلا يدخل معها غيرها من المعاصي كالسرقة والرجم والقذف. . . . . . إلخ.\r٧ - عموم قوله تعالى: في آيتي النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]\rولا شك أن القتل دون الشرك بالله إجماعا؛ فهو داخل تحت المشيئة في هذه الآية.\rأما عن شبهة الكرامية في قولهم: إن الإيمان هو القول باللسان فقط؛ لأن الله دعا الناس إلى الإقرار به , وبالكتب المنزلة , كما في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ . . . . . [البقرة: ١٣٦] , فالله لم يأمرنا هنا إلا بالقول , فدل على أن الإيمان يتوقف عليه.\rفالجواب عنهم: كذلك من وجوه:\r١ - غاية ما تدل عليه الآية الأمر بالإيمان بالله والكتب السماوية والأنبياء من قبل الله , وألا يفرق بين رسله فيُؤمن ببعض ويُكفر ببعض , فليس في الآية دلالة على اقتصار الإيمان على القول فقط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967759,"book_id":1040,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":58,"body":"٢ - الآية اللاحقة لها مباشرة فيها: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] ؛ أي آمن أهل الكتاب وغيرهم بمثل ما آمنتم به أنتم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. . . . وبعضها لا يكون إلا بالقلب فدل على عدم اقتصار الإيمان على القول المجرد.\r٣ - في هذه الآية تنويه بأهم أنواع الإيمان ولم تستغرق الآية جميع أنواع الإيمان ((بالله وملائكته. . . .)) وشعب الإيمان كثيرة , وفي باقي النصوص تكميل لجميع أنواع الإيمان؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ . . . . . . . . [البقرة: ١٧٧] وغيرها , فالقرآن يؤخذ جميعه لا بعضه , وكذلك السنة , حيث وردت نصوص تكفر من اعتقد الإيمان بكل مراتبه الست ثم لا يصلي , أو استحل معصية ظاهرة الحرمة , قطعية الدلالة على حرمتها.\r٤- هذا القول يعارض قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967760,"book_id":1040,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":59,"body":"فنفى الله عن الأعراب الإيمان مع أنهم نطقوا بكلمة التوحيد , لكن لم يدخل الإيمان إلى قلوبهم , إلا إن قصدوا بذلك الإسلام - أي بالإيمان الإسلام - فلا تعارض بين الآيتين.\r٥ - يلزم من قولكم: إن الإيمان مجرد النطق باللسان فقط , الحكم على المنافقين الذين شهدوا بألسنتهم أنهم مؤمنون كاملو الإيمان , وهذا خلاف صريح الكتاب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] , ولغيرها من الآيات الدالة على كفرهم وتكذيبهم وأن مآلهم إلى النار.\r٦ - كما يلزم من هذا القول أن من به عيب كالأخرس , ولا يستطيع أن يتكلم بلسانه - مع تصديق قلبه وإيقانه بالإيمان - يلزم أنه كافر , وهذا خلاف إجماع المسلمين.\rوعلى كل , فإن قصر الإيمان على مجرد النطق به - مع لزومه ابتداء - قول باطل مخالف لظاهر النصوص من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين , وفعل الرسول ﷺ مع من يسلم حديثا.\rأما عند القائلين بأن الإيمان هو التصديق , وهو قول الأشاعرة والماتردية , فهو باطل أيضا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967761,"book_id":1040,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":60,"body":"- لأنه لو كان كذلك لما صح وجوب تلفظ الكافر بالتوحيد - الشهادتين - عند دخوله الإسلام , وهو ما فعله النبي ﷺ وأصحابه والمسلمون بعدهم مع مريد الإسلام من الكفرة.\r- وأيضا لما صح تكفير أحد من الناس , يأتي بناقض من نواقض الإسلام, أو يترك الصلاة عمدا أو تهاونا. . . . ما دام عنده تصديق بالقلب وحده!\rفإن هذين مما يبينا فساد قولهم وبعده عن الصواب.\rوكذلك قول مرجئة الفقهاء بأن الإيمان هو: الإقرار والتصديق , يخالف عمل رسول الله ﷺ والمسلمين بعده من فرضية عمل الإيمان بالصلاة والحج والصوم والجهاد وربط كثير من الأعمال بالإيمان.\rبل هم يعارضون قولهم فيما يقررونه في فقههم بوجوب العمل بدءا من كتاب الطهارة إلى نهاية أبواب الفقه , فلو لم تكن هذه من الإيمان , فما الحاجة من بحثها والعلم والعمل بها؟ كما وأنهم من أوسع المذاهب الأربعة في تقرير أبواب حكم المرتد وبيان الأقوال والأعمال التي يرتد بها المؤمن عن الإسلام. هذا فضلا عن ترتيبهم الجزاءات والعقوبات الشرعية في الدنيا والآخرة على ترك الأعمال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967762,"book_id":1040,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":61,"body":"خامسا - أثر الغلو في الأسماء والأحكام\rمضى قول الخوارج إن الفاسق كافر في الدنيا , مخلد في النار يوم القيامة , يجوز سلب ماله , واستحلال دمه , واسترقاقه , وتطليق زوجته منه ولا تجوز الصلاة عليه أو دفنه مع المسلمين. . . . . , وهو في الآخرة يائس من رحمة الله , للجزم بأنه كافر ومخلد في نار جهنم.\rأما المعتزلة فيوافقونهم في حكم يوم القيامة , وهو الحكم الأخروي , دون حكم الدنيا. فهؤلاء ضيقوا على الناس بمحاسبتهم بكبائرهم ومعاصيهم , فكم يبقى في الدين من رجل بعد هذا التشدد والتعسير؟! حيث من يبرئ نفسه من الوقوع في المعاصي أو ترك الواجبات. .\rولا يزال خطر أولئك الخوارج مستمرا , حتى ظهرت في هذا الزمان طائفة تنادي بأفكارهم , وتؤصل أصولهم , وهي جماعة شكري أحمد مصطفى (١٣٩٨هـ) في بلاد مصر وهي جماعة التكفير والهجرة وقد تأثر بهذه الجماعة وأقوالها طوائف من قليلي العلم والبصيرة من الشباب العاطفي المندفع , وطوائف من الدعوات الحركية وحزب التحرير وغيرهم. ومن أقوال شكري (١) . في مرتكب المعصية:","footnotes":"(١) حرصت على الوقوف على أقوال الجماعة من خلال رسالتيهم: الحجيات وإجمال تأويلاتهم والرد عليها , لكن ضُنَّ بها عليَّ. لهذا اعتمدت على ما نقله منها صاحب ((الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو فيه)) ص ١٦٧ , فقد صرح أنه أخذ من تلك الرسائل مباشرة , ولعل الله يسهل الوقوف عليها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967763,"book_id":1040,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":62,"body":"((لم يحدث أن فرقت الشريعة بين الكفر العملي والكفر القلبي , ولا أن جاء نص واحد يدل أو يشير أدنى إشارة إلى أن الذين كفروا بسلوكهم غير الذين كفروا بقلوبهم واعتقادهم , بل كل النصوص تدل على أن العصيان لله عملا والكفر به سلوكا واقعا , هو بمفرده سبب العذاب والخلود في النار والحرمان من الجنة)) اهـ.\rوحسبي أن أشير إلى آثار تلك الفرقة في الناس:\r١- اعتزال أفرادها المجتمع المصري لأنه كافر؛ ولأنه راضٍ بالكفر.\r٢ - تصفية وقتل كل من خالفهم أو رد عليهم - ومنهم ذهبي مصر - لأن من خالفهم فهو كافر , حيث قامت عليه الحجة فلم يقتنع بها , وتجرى عليه أحكام المرتد.\r٣ - عندهم كل من لم يحكم بغير ما أنزل الله يكون كافرا كفرا مخرجا عن الملة جملة , دون التفصيل , كما هي طريقة المحققين من أهل السنة في وجوب التفصيل.\r٤ - التكفير بالمعاصي والحكم على صاحبها لخلود بها في نار جهنم.\rوهذا من أعظم المسوغات لحصول التكفير والتفجير والقتل واستباحة الدماء والأعراض والأموال والسعي في الأرض فسادا , وتخويف الآمنين , وإشاعة الفوضى والخوف بين المجتمعات الآمنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967764,"book_id":1040,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":63,"body":"٥ - تشويه صورة سماحة الإسلام بين الناس - ووافق ذلك لمزهم بالتطرف, والإرهاب , التشدد وجماعة التكفير والهجرة - وتفرق المسلمين , وبث الفوضى والخوف وعدم الأمن بينهم , وهذا مشاهد في أماكن شتى عند أضراب هؤلاء , ومع الأسف الشديد أنهم يعتقدون أن تصرفهم هذا ديانة لله وجهادا , وجهلا بالعلم والدين ومقاصده!\r٦ - دعواهم بأنهم جماعة المهدي المنتظر , لاتحاد الزمان الذي أخبر عنه النبي ﷺ بوجود المهدي فيه مع زمانهم الذي يعيشون فيه؟!\rوهكذا كل قول أو طائفة تنتحل مثل أفكار الخوارج ومعتقداتهم لا بد أن ينتج عنه نظير ما ينتج عن هذه الطائفة من الآثار غير المحمودة طبعا وعقلا فضلا, عن الشرع الحنيف.\rمع التنبيه إلى أنه لا يستلزم أن من شابه الخوارج - أو غيرهم من الفرق - في بعض أصولها أن يكون منهم أو منتسبا إليهم , ولكن الحكم العدل في هذا أن يقال: إنه شابه الخوارج في أصلهم كذا وكذا.\rوالله أعلم , والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967765,"book_id":1040,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":64,"body":"الخاتمة الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه:\rوبعد هذا التطواف في ثنايا هذا البحث بين تمهيده وفصوله ومباحثه , ومن خلال التنقل في تواريخه بدء من غلو قوم نوح ﵇ إلى وثنيات اليونان إلى غلو أهل الكتاب:\rاليهود والنصارى , ثم تأثيرهم في فرق المسلمين , ونشأة الغلو فيه في الغلو في الأسماء والأحكام , وفي الغلو في الأشخاص والبقاع , تحصلت هذه النتائج مشمولة بتوصيات , كان أهمها الآتي:\rأن الغلو في الدين هو مجاوزة الحد , وهو مذموم في الشريعة , والتطرف معنى عام , والغلو أخص منه.\rوالإرهاب نوعان: مشروع بالجهاد في سبيل الله , وممنوع بتخويف الآمنين من المسلمين وغيرهم. وسبق الشريعة بتحديد معناه من خلال معاني الحرابة والسعي في الأرض فسادا , وتحريم الظلم.\rاستخدام مصطلحات الغلو والتطرف والإرهاب في غير مواضعها , إذا اتهم المسلمون أو الإسلام عقيدة أو شريعة بأنه مصدر لها. وأن هذا من التشويه وتغيير الحقائق.\rالغلو والتطرف الديني قديم في البشرية متمثلا في غلو قوم نوح في صالحيهم , وغلو اليونانيين في آلتهم وغلو أهل الكتاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967766,"book_id":1040,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":65,"body":"تأثير العقائد ممن قبلنا على طوائف من المسلمين في نشئ الغلو فيهم. وظهر هذا واضحا في الرافضة وفي الجهمية والمعتزلة , وفي الخوارج.\rأن الغلو والتطرف المذموم بحمل السلاح على المسلمين ووضع السف فيهم ناشئ مبتدع , ظهر لدى الخوارج ثم تطروهم والمعتزلة من خلال أصولهم الثلاثة:\r١ - إنفاذ الوعيد.\r٢ - والمنزلة بين المنزلتين.\r٣ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\r(٧) آثار الغلو والتطرف بالإرهاب الممنوع العنف , مرده إلى فهم سيء لمسائل الأسماء والأحكام: في اسم الناس في الدنيا من حيث الإسلام أو الفسق والمعصية أو الكفر والنفاق , ثم حكمهم في الآخرة هل هم من أهل الجنة؟ أو من أهل النار؟ أو من يدخل النار ثم يخرج منها إلى الجنة؟ .\r(٨) ثم إن مسائل الغلو مما يولد بعضها بعض , حيث هي دائرة تبدأ ضيقة ثم تتوسع فتنال العقيدة والقول والفعل , ويحصل من جُرَّائها الفساد والإفساد في الدين والحياة , وواقع الغلاة يشهد بكل هذا , ولاحول ولا قوة إلا بالله.\rأهم الأسباب في علاج الغلو والتطرف الديني بالعلم الشرعي الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":967767,"book_id":1040,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":66,"body":"وبمعرفة أسبابه والحذر من الهدى المورث للبغي والظلم والعدوان في الفهم والمعتقد والقول والفعل والله المستعان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}