{"page_id":1186973,"book_id":1236,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"منذ خمسين عاما أريد أن أتحدث إلى الإخوان\r\rبقلم\rالداعية الإسلامى\rأبو الحسن على الحسنى الندوى\rرئيس ندوة العلماء لكهنوء \" الهند \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186974,"book_id":1236,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"مقدمة\r\rإنها صبغة الله.. ومن أحسن من الله صبغة؟\rعندما قرأنا للداعية الاسلامى الجليل العلامة أبى الحسن على الحسنى الندوى رسائله التى سبقت مقدمه الى مصر ثم عندما قرت عيوننا برؤيته وطابت نفوسنا بعشرته تأكدت لنا هذه الحقيقة الكريمة وزدنا بها إيمانا وهى أن الإسلام على اختلاف الأمكنة والأزمنة يصنع نفوس أتباعه على غرار واحد ويجعل المشابه قريبة جدا بين نطرتهم الى الأشياء وأحكامهم على الأمور. وأن انفجار الوعى الإسلامى فى مصر والشام والهند والمغرب تمخض عن نفر من الرجال الأمجاد أحسنوا فهم الأسلام وأحسنوا العمل له فضمهم ـ من حيث لا يشعرون ـ نهج واحد فى الاصلاح ولفتهم عاطفة واحدة نحو ما يعترض المسلمين من عوائق ويرمون به من مكايد وخصومات..\rأصغينا الى الأستاذ وهو يحدث عن إخواننا المسلمين بالهند ويؤرخ لسير الإسلام هنالك فرأيناه يبصر الأسباب الخفية ولا تخدعه حركة عما وراءها. وأصغينا اليه يصف مشاعره نحو إخوانه المسلمين بمصر خاصة والشرق الأوسط عامة فرأيناه فطنا الى التيارات المتضاربة مقدرا لجهود الدعاة المخلصين ومقدرا كذلك ما يزحم طريقهم من صعاب وهو مع تمسكه الشديد بالاسلام شكلا وموضوعا ـ حتى ليظنه السطحيون متزمتا ـ تراه واسع منادح النظر.مرنا فى مواجهة ما يرضى وما يسخط مرونة الخلق العالى لا مرونة التحلل وقلة الاكتراث.\rوكم يحتاج رؤساء الهيئات الإسلامية عندنا الى هذا المسلك الراشد.\r\rزارنا الأستاذ أبو الحسن ـ ونحن نكافح الأمر العسكرى بحل جماعتنا ـ فتعهدنا الرجل الحصيف بنصحه. وقام بحق الاسلام عليه فى توجيهنا الى مرضاة الله وخدمة دينه وحفظ المقدسات العظيمة التى آلت إلينا من أسلافنا الأمجاد. والثبات ضد أمواج الغزو الصليبى والتبشير الثقافى الذى يرمينا الغرب به بين الحين والحين.\rوتحرى أن نلتزم فى جهادنا للإسلام الأساليب الإسلامية نفسها فإن الخير لا يدرك إلا بالخير. وهيهات أن تصل الى حق بباطل. وقد سجل هذه النصائح فى الرسالة التى نتشرف بتقديمها للإخوان المسلمين.\rونحن إذ نشكر الله سبحانه على ما أتاح لنا من خير عندما ساق لنا الأستاذ أبا الحسن فإنا نعاهده على أن نظل ما حيينا أبناء برره للقرآن الكريم وجنودا مهرة فى تنفيذ أوامره وبلوغ أهدافه.\r\rمحمد الغزالى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186975,"book_id":1236,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"﷽\r\rأيها الإخوان والسادة! كان من أعز الأمانى وأحلى الأحلام عندى أن ألتقى فى مصر بفضيلة الأستاذ الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان ولكن تأخرت زيارتى لمصر لأسباب قاسرة واستأثرت به ﵀ وسبقت له الحسنى ولا أزال طوال عمرى ألوم نفسى على هذا التقصير والتأخير فى السفر على أن ما فات الإنسان من خير لم يكن ليدركه وكان أمر الله قدرا مقدورا وليس لى عزاء عن هذاا لحرمان إلا فى وجودكم والاجتماع بكم والحديث معكم فأريد أن أحييكم تحية كنت أحييها فقيد الإسلام وأبث إليكم بما فى قلبى من خواطر وأفكار وآمال وآلام وما أحمل لهذه الدعوة العظيمة وصاحبها من التقدير والإجلال والحب والإخلاصوما يخامر نفسى فى ذلك من سرور وأمل وما يساور نفسى كذلك من إشفاق ووجل فأرجوكم أن تسمحوا لأخيكم بشىء من التفصيل وتتكرموا عليه بشىء من وقتكم العزيز.\rلستم فى حاجة أيها الإخوان الكرام أن أصور لكم العالم الإسلامى وما تجتاحه الآن من موجات سياسية واقتصادية وخلقية وأصف لكم الأخطار المسلطة على رقاب المسلمين وما أصيب به هذا العالم ويستقبله من نكبات ومصائب فأنتم من أعلم الناس بها ولكن الذى أريد أن أقول لكم أنه فى حيرة عظيمة وارتباك شديد إنه يتأرجح بين عوامل متناقضة وقوى متنافسة.\rإن العالم الإسلامى حائر العالم بين دين لا يسهل عليه العمل به والقيام بمطالبه لعادات نشا عليها وحكومات أفسدته وتعليم أزاغه وشهوات لا تتفق مع عقيدته ورسالته وبين جاهلية لا ينشرح لها صدره لإيمان لا تزال له بقية فيه وقومية عجنت مع الاسلام وحضارة تخمرت مع الدين.\rإن العالم الاسلامى حائر بين شعوب مسلمة بسيطة فى عقليتها ودينها وحكومات داهية لم تنشرح صدور رجالها لهذا الدين ولم تطاوعهم نفوسهم علىا لعمل به ولكنهم يصرون على أن يحكموا هذه الشعوب التى تؤمن بهذا الدين ولا يرون حياتهم وشرفهم إلا فى البقاء فى الحكومة ولا يرون لهم محلا فى الحياة إلا الزعامة والحكومة ولا موضعا فى العالم إلا المجتمع الإسلامى الذى ولدوا ونشأوا فيه فالشعوب فى تعب منهم وهم منها فى بلاء وعناء.\rإن العالم الإسلامى حائر بين فطرته التى تنزعه الى الدين وتاريخه الذى يدفعه الىالإيمان والجهاد والكتاب الذى يقبل به إلى الآخرة ويبعث فى نفسه الثورة على المجتمع الفاسد والحياة الزائفة وبين التربية العصرية التى تزين له المادية وتطبعه على الجبن والضعف والزعامة التى تفرض عليه الاتكال على الغير والاعتماد علىالعدو والفرار من الزحف.\rإن العالم الإسلامى حائر بين شباب ثائر ودم فائر وذهن متوقد وأزهار تريد أن تتفتح وبين قيادة شائخة شائبة قد أفلست فى العقلية والحياة وحرمت الإبتكار والإبداع والشجاعة والمغامرة.\rإن العالم الإسلامى حائر بين مواد خام من أقوى المواد وأفضلها فى الإيمان والقوة والشجاعة وبين موجهين وصانعين لا يعرفون قيمة هذه المواد ولا يعرفون أين يضعونها وماذا يصنعون منها.\rهذا هو العالم الإسلامى الذى يواجهه العالم اليوم فلا يجد فيه غناءه ولا يجد فيه غوثا ومعقلا عن لصوص العالم المنظمين وذئاب الإنسانية التى تحكمت وعاثت فيها.\rثم هذا هوالعالم العربى الذى تعيشون فيه أيها السادة وهو اليوم مع كل أسف أضعف أعضاء جسم العالم الإسلامى وقد كان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186976,"book_id":1236,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"واجبا أن يكون أقوها وأصحها وأن يكون فى العالم الإسلامى بمنزلة الرأس أو القلب فى البدن وقد تضافرت عليه عوامل الإفساد والضعف فأحدثت فيه عللا كثيرة قد ولد فيه ضعف الحكم التركى وغفلته عت تعليم الشعوب وتربيتها وإنفاقه الأموال فى غير موضع والاحترام فى غير وقت وعسفة فى غير هوادة أورث كل هذا البطالة وسقوط الهمة والجهل المطبق فى كثير من البلاد العربية وجاء الإستعمار الأوربى فأورث التفسخ فىالأخلاق والانحلال فى الدين والاندفاع المتهور الى المادية والتهالك علىا لشهوان وقامت الحكومات الشخصية فأورثت التملق وكثرة المجاملات والنفاق والخنوع للقوة والمادة ثم جنى عليهقربة من أوربا فكان هدفا لتياراتها المدنية ومنتجاتها الصناعية وأفكارها المتطرفة وأساء اليه موقعه الجغرافى وأهميته السياسية والاستراتيجية فلج به الغرب وطمع فيه الاستعمار وطوقته الجنود الأجنبية وكان من بقايا الحضارة الشرقية والنظام الإقطاعى والحكم الشخصى الترف والبذخ والتفاوت الشديد بين الطبقات فى المعيشة ثم كان أن خفت فى العالم العربى صوت الدعوة الدينية من زمان وانقرض الرجال الذين كانوا يكافحون المادية ويكبحون جماحها ويلطفون من حدتها بدعوتهم إلى الله وإلى الآخرة وإلى الزهد والاعتدال فى الحياة وقمع الشهوات ويشعلون جمرة الإيمان واستسلم العلماء ورجال الدين أمام تيار الغرب وتغيرات العصر فوضعوا أوزارهم للمدنية الغربية وهجم عليه الأدب الشهوانى والصحافة الماجنة فحلت العقد ونفخت فى الشهوات واجتمع بعض ذلك الى بعض حتى أصبح هذا العالم منحلا منهارا متداعيا لا يمسكه الإيمان ولا تحفه القوة المعنوية ولا تقف فى طريق اندفاعه دعوة قوية.\rفى مثل هذه الفترات المظلمة والسحب المتراكمة كان الله يبعث الأنبياء والمرسلين فى الزمن السابق ولكن نبوءة محمد ﷺ لم تكسف شمسها ولم يتوار نورها وإن دينه لا يزال حيا وإن الكتاب الذى جاء به لا يزال محفوظا وإن أمته التى أرسلت معه لتبليغ رسالته والقيام بدعوته لا تزال فيها الحياة والروح.\rلقد أغنانا الله بفضل دينه المحفوظ وكتابه المتلو ونبوءة محمد ﷺ الخالدة عن رسالة جديدة ورسول جديد ولكن لا بد من تجديد واسع ودعوة صارخة وكفاح شديد يغير هذا الوضع الجاهلى الذى تورط فيه العالم الاسلامى تورطا قبيحا وأمعن فيه العالم العربى إلى أبعد الحد وقد وعد الله وأخبر رسوله باستمرار هذه الدعوة الإسلامية وبقاء التجديد الدينى ودوام الكفاح فى تاريخ الإسلام ضد الجاهلية التى ترفع عبقريتها زمنا بعد زمن وحينا بعد حين وقد أصبح خطب العالم الإسلامى وفساد أحوال المسلمين وانحرافهم عن جادة الاسلام وطغيان بحر المادية أعظم وأوسع من أن يتدارك بجهود فردية وخطب منبرية ودروس دينية ورسائل دورية مباحثات فقهية ومسائل جزئية ومحاربة الأفراد والأشخاص إن السبيل لا يمسكه إلا سبيل مثله والتيار لا يدفعه إى تيار أقوى منه فلا بد من كفاح عنيف وصراع شديد يغير مجرى الزمن ويقلب تيار الحياة من جهة الى جهة ويحدث أنقلابا فى المجتمع والحياة وفى الأذواق والرغبات وفى قيم الأشياء وموازينها.\rمن هنا كان سرورنا عظيما لما رأينا نورا جديدا على أفق العالم العربى ظهرت دعوة الإخوان من مصر ـ زعيمة العالم العربى ومصدر الخير والشر للشرق الأدنى ـ فتجدد الأمل فى مستقبل الاسلام واعتقدنا أنها هى الدعوة المنتظرة لإحياء المسلمين وهى التى ستحقق آمال المصلحين وأحلامهم وتتدارك هذا العالم المنهار وتمسك به وما لبثت أن تحولت هذه الدعوة الى سيل متدفق وتيار جارف فأمسك سيول الإباحية والتحلل والإلحاد واللادينية وصد تيارات المدنية الغربية التى كانت تجرف بالبقية الباقية من الغيرة الاسلامية والحياة الدينية وأصبحت تؤثر فى حياة البلاد تأثيرا قويا كاد يغير اتجاه البلاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186977,"book_id":1236,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"خصائص دعوة الإخوان:\r\rوقد اجتمع لهذه الدعوة خصائص كثيرة لم تجتمع على ما علمنا منذ أمد بعيد لحركة دينية وإصلاحية فى هذا البلد.\r\r١ـ منها شخصية الداعى الأول وهو فضيلة الأستاذ الشيخ حسن البنا ﵀ عليه فقد كانت ـ كما بلغنا ـ شخصية فريدة يظهر من حياة صاحبها ونشأته أنها قد أعدت لهذا الأمر العظيم إعدادا وقد كان ﵀ يجمع بين الفهم الواسع للإسلام والغيرة الملتهبة عليه والنشاط الدائم والعمل المتواصل لإعلائه والخطابة الساحرة والشخصية الجذابه والنفوذ العميق فى نفوس أصحابه وأخوانه أو بلفظه هو نفسه \" الفهم الدقيق والإيمان العميق والحب الوثيق \" ولابد للزعيم المسلم وقائد الدعوة الدينية أن يجمع بين هذه الصفات.\r٢ـ اجتمع لهذه الدعوة ما قلما تجتمع للحركات الدينية من قوة الإيمان وقوة العمل والعلم العصرى والتنظيم الحديث والأدب والصحافة والصناعة والتجارة مما جعل هذه الدعوة دعوة شعبية عصرية عامة يجتمع فيها العالم الدينى مع المثقف المدنى مع التاجر الكبير مع العامل الصغير مع الكاتب الأديب مع الصحافى البارع مع الصانع الماهر مع الفلاح القوى مع الطالب الشاب مع المعلم الوقور مع الموظف المسئول مع الطبيب النطاسى مع المحامى الكبير مع السياسى المحنك تجمع بينهم رابطة الإخوان وتربطهم شخصية الداعى الكبير.\r٣ ـ لقد بعثت تربية الداعى والاشتغال بالدعوة ورد الفعل ضد التحلل والتفسخ حماسة عظيمة وتماسكا عجيبا فى نفوس الدعاة وجعلت من الشعب \" الرخو الرقيق \" ـ كما قال زعيم من زعماء الإخوان ـ شبابنا أثبتوا بطولتهم فى حرب فلسطين وجددوا ذكريات تاريخ الجهاد الإسلامى وأثبتوا رجولتهموعصاميتهم فى عهد الإعتقال والمحنة والتعذيب.\r٤ـ امتاز الداعى الأول والدعاة بدورهم بالتصريح بالحقائق الإسلامية والظهور فى المظاهر الدينية التى كان الناس يخجلون منها فتشجع الناس وأصبح الدين فى هذا البلد شيئا لا يخجل منهالمثقفون والمتظرفون وبدأ الناس يصلون فى المقاهى والنوادى والولائم وقارعة الطريق بعد ما كانوا يستحيون من ذلك وأصبح الخطباء والكتاب يطالبون بالحكم الإسلامى وتطبيق أحكام الإسلام الإجتماعية ويثيرون موضوعات دينية كانت وقفا على رجال الدين ولم تكن تتجاوز دائرة البحث العلمى ولا شك أن ذلك من نتائج الحركةالاسلامية القوية.\rكان كل ذلك ولو طالت حياة المرشد العام وجرت المياه فى مجاريها لكان أكثر من هذا لتغير الوضع الإجتماعى والخلقى للبلاد وماتت بدع كثيرة وعاشت سنن ميته وأقفرت الحانات وعمرت المساجد وتوارى الفجار والدعاة الى الإباحية والخلاعة وكسد الأدب السافر الفاجر واحتجبت المجلات الماجنة والصحف الخليعة وخف السفور الوقح واختلاط الرجال بالنساء الى غير ذلك من العيوب الخلقية والإجتماعية التى يعانيها المجتمع.\rولكن البلاد لم تستطع أن تقدر هذه النهضة قدرها كما أن المعدة الضعيفة المريضة لا تستطيع أن تهضم الغذاء الصالح القوى فتتخم فى بعض الأحيان. فكان كل ما يعلمه الجميع وكانت كارثة إسلامية لم يخسر فيها الإخوان فقط بل خسر فيها الإسلام ورزىء بها العالم الإسلامى.\rولكنى أعتقد أيها السادة أن الله ﷾ قد أراد بهذه الدعوة خيرا إذ ردها قسرا الى مرحلة الدعوة الأولى لتزداد هذه الدعوة نضجا وليزداد رجالها تربية وحنكه ومبادئها رسوخا وقوة وأخذ بنواصى العاملين الدعاة ليفكروا فى مستقبل هذه الدعوة ويرسموا خطتها ويحكموا وضعها وأسلوبها.\rليس خطب الدعوة الدينية والتجديد الإسلامى بهين أيها الإخوان الكرام فليست رسالتها ومهمتها قلب نظام فقط أو تغيير وضع سياسى بوضع سياسى آخر ونظام إقتصادى بنظام إقتصادى آخر ولا نشر الثقافة والعلم ومكافحة الأمية والجهل أو محاربة البطالة والتعطل أو معالجة عيوب اجتماعية أو خلقية الى غير ذلك مما يقوم به الدعاة والمصلحون فى أوربا وفى الشرق وإنما هى دعوة \" الإسلام \" التى تشمل العقيدة والأخلاق والأعمال والسياسة والعبادة والسلوك الفردى والإجتماعى وتتناول العقل والقلب والروح والجسم وتعتمد على تغير عميق فى القلب والنفسية والعقيدة والعقلية وتنبع من القلب قبل أن تنبع من القلم أو صحيفة كتاب أو منصه خطاب وتنفذ على جسم الداعى وحياته قبل أن يطالب بتنفيذها على المجتمع والأمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186978,"book_id":1236,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"سيرة الأنبياء مع الدعوة إلى الله\r\rهذه الدعوة كانت جديرة فى الحقيقة بالأنبياء ومواهبهم وقواهم ورسالتهم وإيمانهم وجهادهم وثباتهم وفقههم وحكمتهم وإخلاصهم ولكنها ليست خاصة بالأنبياء بل هى دعوة خلفائهم وأتباعهم كذلك ودعوة كل عصر ومصر وحاجة الإنسانية كلها والعصور كلها فلابد أن تجدد فى كل زمان وفى كل محيط وتكون على أساس دعوتهم مطابقة لسيرتهم مقتبسة من مشكاتهم فلنرجع الى هذا المصدر ولندرسه دراسة عميقة واسعة.\rإذا تتبعنا أيها الإخوان سيرة الأنبياء ﵈ فى دعوتهم رأينا فيها جوانب كثيرة تمتاز بها سيرتهم وتقوم عليها دعوتهم وأريد أن أشارككم فى دراسة هذه السيرة وطبيعة هذه الدعوة فأعرض عن إذنكم بعض النقط المهمة التى تفرق بين سيرتهم ودعوتهم وبين سيرة القادة والمصلحين من عامة البشر منها:\r\r١ـ الإلتجاء الى الله فى جميع مراحل الدعوة والجهاد بل فى جميع مراحل الحياة والإطراح على عتبة عبوديته إطراح الفقير الكسير والإرتماء فى أحضان رحمته إرتماء الطفل الصغيير فى احضان أمه والايمان القوى بأنه هو النافع الضار والناصر الخاذل وأن لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ولا كاشف لضره ولا ممسك لرحمته ولا سهل إلا ما جعله سهلا وهو يجعل الحزن سهلا وينصر الضعيف على القوى والقليل على الكثير والضعيف مع نصرة قوى والقليل مع رحمته كثير هذا الإيمان كان يوحى إليهم بالإبتهال فى الدعاء وإطالة الوقوف ببابه وشدة الإلتزام بأعتابه والإلحاف فى المسألة ويلهم المعانى العجيبة والتعبيرات الرقيقة انظروا أيها الإخوان الى قول سيد الأنبياء وسيد الدعاه الى الله الى يوم القيامة وهو يمثل خير تمثيل لإيمانه وشعوره بفقره وضعفه وافتقاره الى رحمة الله \" اللهم إنك\rتسمع كلامى وترى مكانى وتعلم سرى وعلانيتى لا يخفى عليك شىء من أمرى وأنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وابتهل اليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير ودعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرتهوذل لك جسمه ورغم لك أنفه اللهم لا تجعلنى بدعائك شقيا وكن لى رءوفا رحيما يا خير المسئولين ويا خير المعطين \" واذكروا دعاءه ﷺ فى الطائف \" اللهم إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يأرحم الراحمين الى من تكلنى الى عدو يتجهمنى أم الى قريب ملكته أمرى إن لم تكن ساخطا على فلا أبالى غير أن عافيتك أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والآخرة من أن يحل بى غضبك أو ينزل على سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك \" واذكروا موقفه فى بدر قال ابن اسحاق:\r\" ثم عدل رسول الله ﷺ الصفوف ورجع الى العريش فدخله ومعه فيه أبو بكر وليس معه غيره ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقوله: \" اللهم إن تهلك هذهالعصابة اليوم لا تعبد \".\rهذه كانت عدة الأنبياء عليهمالسلام وقوتهم ومفتاح دعوتهم فقد امتازت دعوتهم بتقديم الدعاء والاهتمام به والابتهال فيه وليس الدعاء إلا رمزا للإنابة الى الله والاعتماد عليه والاعتزاز به فامتازت دعوتهم وجهادهم فى سبيلها بطابعهما الروحى والإيمانى وقد روى أنه كان ﷺ إذا حزبه أمر فزع الى الصلاة وقال الله تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ٤٥] ولا شك أن مهمة الدعوة أعظم من أن يضطلع بها الإنسان بقوته الجسدية وعدته المادية وكفايته العلمية والعقلية لا يستقبل بها إلا بالقوة الروحية ونصر الله ومعونته وإن هذه الصخور العظيمة بل الأطواد الشامخة التى تقف فى سبيل الدعوة وتهجم على رؤوس الدعاة وتصطدم بجهودهم لا تذوب إلا بنصر الله الذى يستنزل بالدعاء والإلتجاء اليه.\r\r٢ـ امتازت دعوة الأنبياء وجهودهم بتجردها من التفكير فى المنافع المادية والثمرات العاجلة فكانوا لا يبتغون بدعوتهم وجهادهم إلا وجه الله وامتثال أوامره وتأدية رسالته تجردت عقولهم وأفكارهم من العمل للدنيا ونيل الجاه وكسب القوة لأسرتهم أو أتباعهم والحصول على الحكومة حتى لم يخطر ذلك ببال أصحابهم وأتباعهم وكانت هذه الحكومة التى قامت لهم فى وقتها والقوة التى حصلت لهم فى دورها لم تكن إلا جائزة من الله ووسيلة للوصول الى أهداف الدين وتنفيذ أحكامه وتغيير المجتمع وتوجيه الحياة كما قال الله تعالى: ﴿الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ [الحج: ٤١] ولم تكن هذه الحكومة قط غاية من غاياتهم أو هدفا من أهدافهم أو حديثا من أحاديثهم أو حلما من أحلامهم. إنما كانت نتيجة طبيعية للدعوة والجهاد كالثمرة التى هى نتيجة طبيعية لنمو الشجرة وقوة إثمارها وقد قال كاتب هذه السطور فى رسالته \" بين الهداية والجباية \" ما يحسن نقله هنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186979,"book_id":1236,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"\" بعث محمد ﷺ فدعا الناس الى الأسلام فالتف حوله ﴿فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾ [الكهف: ١٣ـ١٥] وكان هؤلاء الفتيان هدف كل قسوة وظلم واضطهاد وبلاء وعذاب وقد قيل لهم من قبل ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ [العنكبوت ٢،٣] فصمدوا لكل ما وقع لهم وثبتوا كالجبال وقالوا: ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله﴾ [الأحزاب: ٢٢]\rحتى أذن الله فى الهجرة ولم تزل الدعوة تشق طريقها وتؤتى أكلها حتى قضى الله أن يحكم رجالها فى العالم ويقيموا القسط ويخرجوا الناس من الظلمات الى النور ومن عبادة العباد الى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا الى سعتها فقد عرف انهم إذا تولوا وسادوا ﴿أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ [الحج:٤١] .\rوهكذا جاءت الدعوة بالحكومة كما تأتى الأمطار بالخصب والزرع وكما تأتى الأشجار بالفاكهة والثمر فلم تكن هذه الحكومة إلا ثمرة من ثمرات هذه الدعوة الإسلامية ولم تكن هذه العزة والقوة إلا نتيجة ذلك العذاب الذى تحملوه من قريش وغيرهم وذلك الهوان الذى لقوه فى مكة وغيرها.\rوفرق كبير ـ أيها السادة ـ بين الغاية التى تقصد والنتيجة التى تظهر ويظهر هذا الفرق فى نفسية العامل والساعى فالذى يقصد الحكومة يتوانى ويقعد إذا لم ينلها أو انقطع أمله فيها ويشتغل بها عن الدعوة ويطغى إذا نالها وخطر على كل جماعة تتكون عقليتها بحب الحكومة والسعى لها أن تقعد عن الجهاد فى سبيل الدعوة أو تنحرف وتزيغ فى قصدها لأن أساليب الوصول الى الحكومة تخالف أساليب الدعوة. فيجب علينا أن ننقى عقولنا ونفوسنا ونجردها للدعوة وللدعوة فحسب والخدمة والتضحية والإيثار وإخراج الناس بإذن الله من الظلمات الى النور ومن الجاهلية الى الإسلامية ومن ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الأديان المحرفة والنظم الجائرة والمذاهب الغاشمة الى عدل الاسلام وظله ولا يكون دافعنا الى العمل والجهاد إلا امتثال أمر الله والفوز فى الآخرة وما أعد الله لعبادة من الأجر والثواب ثم الشفقة علىا لخلق والرحمة بالانسانية المعذبة والحرص على نجاة الإنسان فإذا كان ذلك لا يمكن فى مرحلة من مراحل الدعوة أو فى فترة من فترات التاريخ ـ بعد تغلغل مبادىء الدعوة فى نفوس الدعاة ورسوخ العقيدة فيهم ـ إلا بالحكومة سعينا لها لمصلحة الدعوة والدين كما نسعى الى الماء للوضوء ونجتهد لهذا السبب بنفس العقلية وبنفس السيرة وبنفس العفة والنزاهة والصدق والأمانة والخشوع والتجرد الذى نجتهد معه لواجبات الدين وأركانه والعبادات الأخرى فلا فرق للمؤمن بين الحكومة وبين العبادات الأخرى فلا فرق للمؤمن بين الحكومة وبين العبادا ت إذا حصل الإخلاص وصحت النية فكل فى رضا الله وكل فى سبيل الله وكل عبادة يتقرب بها العبد الى الله.\r\r٣ـ ومما امتازت به حياة الأنبياء ﵈ وسيرتهم النبوية المثابرة على الدعوة والصبر عليها فلا يتخطون هذه المرحلة التى هى الأساس بسرعة وعجلة ولا يطفرون منها طفرا الى مرحلة أخرى بل يقضون فيها سنين طوالا ولا يشتغلون بغيرها ولا يطمئنون الى أن المجتمع قد عقل دعوتهم واستساغها ولا الى الدعاة أنهم قد بلغوا رسالتهم وأدوا مهمتهم والى النفوس أنها قبلت هذه الدعوة وهضمتها هضما صحيحا وأحلتها منها محلا لائقا ومردت النفوس على اتباع الأحكام وانقاد لها جماحها ولانت لها قناتها لا يطمئنون الى كل هذا حتى يتحققوه ويختبروه مرة بعد مرة فلا يخدعون عن أنفسهم ولا تغرهم بهرجة الكلام فتكون نتيجة هذه التربية المتينة والدعوة الطويلة أنها تؤتى أكلها ناضجة شهية ولا تخدع الدعوة نتاجها فإذا قامت الحكومة قامت على أساس متين من الأخلاق وعلى أكتاف رجال أقوياء أقوياء فى عقيدتهم أقوياء فى سيرتهم أقوياء فى خلقهم أقوياء فى عبادتهم أقوياء فى سياستهم لا يندفعون مع التيار ولا تجرف بهم المدنية ولا يلعب بعقولهم الغنى بعد الفقر واليسر بعد العسر والقوة بعد الضعف ولا تميل بهم المحسوبيات والآرحام والصدقات ولا تستهويهم المطامع والمنافع هذا كان شأن الخلافة الراشدة وهذه كانت سيرة الخلفاء الراشدين وهنا أنقل مرة ثانية ما قلته فى رسالتى \" بين الجباية والهداية \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186980,"book_id":1236,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"\" تأسست دولة الاسلام وفتحت فارس وبلاد الروم والشام ونقلت الى عاصمة الإسلام ـ المدينة المنورة ـ كنوز كسرى وقيصر وانصبت عليها خيرات المملكتين العظيمتين وانهال على رجالها من أموال هاتين الدولتين وطرفها وزخارفها ما لم يدر قط بخلدهم وقد انقضى على إسلامهم ربع قرن وهم فى شدة وجهد من العيش وفى خشونة المطعم وخشونة الملبس لا يجدون من الطعام إلا ما يقيم صلبهم ولا من اللباس إلا ما يقيهم من البرد والحر فإذا بهم اليوم يتحكمون فى أموال الأباطرة والآكاسرة فإذا أراد الواحد منهم أن يلبس تاج كسرى وينام على بساط قيصر لفعل لقد كانت والله هذه محنة عظيمة تزول فيها الجبال الراسيات وتطير لها القلوب من جوانحها وتعمش العيون ولكنهم سرعان ما فطنوا أنهم ما وقفوا بين الفقر والغنى فحسب بل إنهم خيروا بين أن يتنازلوا عن دعوتهم وإمامتهم ومبادئهم وينفضوا منها يدهم فلا يطمعوا فيها أبدا وبين أن يحافظوا على روح هذه الدعوة النبوية وعلى سيرة رجالها اللائقة بخلفاء النبياء والمرسلين وحملة الدعوة المؤمنين المخلصين.\rكان لهم أن يؤسسوا ملكا عربيا عظيما على أنقاض الدولة الرومية والفارسية وينعموا كما نعم ملوكها وأمراؤها من قبل فقد ورثوا امبراطوريتين: الفارسية والرومانية وجمعوا بين موارد دولتين فإذا كان كسرى يترفه بموارد فارس فقط وإذا كان هرقل يبذخ بموارد الروم فقط فهذا عمر بن الخطاب يمكنه أن يترفه بموارد الإمبراطوريتين ويبذخ بذخالم يبذخه أحدهما.\rكان له ولأصحابه كل ذلك بكل سهولة ولكنهم سمعوا القرآن يقول: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾ [القصص:٨٣] وكأنهم يسمعون نبيهم ﷺ يقول قبل وفاته: \" لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم \" فهتفوا عن آخرهم قائلين: \" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة \".\rوهكذا حافظوا على روح الدعوة الإسلامية وسيرة الأنبياء والمرسلين وعاشوا فى الحكومة كرجال الدعوة وفى الدنيا كرجال الآخرة وملكوا أنفسهم فى هذا التيار الجارف الذى سال قبلهم بالمدنيات والحكومات والشعوب والأمم وسال بالمبادىء والآخلاق والعلوم والحكم.\rمازال الناس يعدون اقتحام المسلمين دجلة بخيلهم وجندهم ـ تحت قيادة سعد بن أبى وقاص ووصولهم الى الشط الثانى من غير أن يصابوا فى نفس أو مال أو متاع ـ حادثا غريبا من أغرب ما وقع فى التاريخ إن الحادث لغريب ولكن أشد منه غرابة وأدعى للعجب أن المسلمين فى عهد الخلافة الراشدة وعصر الفتوح الإسلامية الأولى خاضوا فى بحر مدنية الروم وفارس وهو هائج مائج وعبروه ولم يفقدوا شيئا من أخلاقهم ومبادئهم وعاداتهم ووصلوا الى الشط الثانى ولم تبتل ثيابهم ولم يزل الخلفاء الراشدون وأمراء الدولة الإسلامية من أصحاب النبى ﷺ محتفظين بروحهم ونفسيتهم وزهدهم وبساطتهم فى المعيشة وتخشنهم فى أوج الفتوح الإسلامية.\r\r٤ـ ومن مزايا الأنبياء والدعاة الى الله التجرد للدعوة والتفرغ لها بالقلب والقالب والنفس والنفيس والوقت والقوة فمن شأنهم أنهم يركزون جهودهم ومواهبهم ويوفرون أوقاتهم وقواهم لهذه الدعوة ونشرها والجهاد فى سبيلها ويعطونها كلهم ولا يضنون عليها بشىء مما عندهم ولا يحتفظون بشىء ولا يؤثرون عليها شيئا لا وطنا ولا أهلا ولا عشيرة ولا هوى ولا مالا حتى تثمر جهودهم وقد لا تثمر فى الدنيا وقد تثمر بعد حياتهم فهذا هو النبى ﷺ يخاطب بقوله تعالى: ﴿وإما نرينكك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾ [يونس: ٤٦] فهذا إذا كان شأن الدعوة بعد ما أعطاها الأنبياء كل ما عندهم فكيف بها إذا أعطيناها بعض ما عندنا وكانت الدعوة تملك عليهم عقولهم ومشاعرهم وتملك عليهم تفكيرهم وصحتهم فمازال القرآن يسلى النبى ﷺ ويقول له: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾ [الكهف:٦] .\r\r٥ ـ ومن مزايا الأنبياء ﵈ ومن كان على طريقهم فى الدعوة الى الله أن هذه الدعوة إلى الله وإلى الدار الآخرة تسرى فى حياتهم كما يسرى الماء فى عروق الشجر والكهرباء فى الأسلاك وتظهر فى أخلاقهم وعبادتهم فترق قلوبهم وتخشع نفوسهم وتزداد رغبتهم فى العبادة ويشتد اهتمامهم بها وحرصهم عليها وإيفاؤهم لحقوقها فعن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال قام النبى ﷺ حتى تورمت قدماه فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا \" (١) . وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قام النبى ﷺ بآية من القرآن ليلة والآية ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186981,"book_id":1236,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"وانتقلت هذه اللذة بالعبادة والاهتمام بها الى الصحابة رضى الله عنهم فى أشد الأوقات شغلا وأقلها خاطرا حتى كان أعداؤهم يعرفون ذلك عنهم وقد وصفهم رجل من الروم بقوله: \" هم فرسان بالنهار رهبان بالليل \" ويقول قائل \" لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر \".\r\r٦ ـ ومن مزايا الأنبياء ﵈ ومن كان على قدمهم أنهم يأخذون بالعزيمة فى الدين ولا يأخذون بالرخصة ـ إلا بينا للحكم الشرعى وشكرا لنعمة الله ـ ورفعا للحرج عن الأمة ولا يعفون أنفسهم ولا يتساهلون فى العبادات لأن اتباع الناس للدين وعملهم به بمقدار تصلب هؤلاء السادة فى الدين وتمسكهم به فإذا اهتم هؤلاء بالنوافل اهتم الناس بالفرائض وإذا اكتفى القادة بالفرلاائض استرسل الناس الى تركها والاستهانة بحقها لذلك كان الصحابة رضى الله عنهم وقادة هذه ألأمة يشمرون عن ساق الجد فى العبادات والمحافظة على الجماعات والعمل بالسنن الدقيقة والاهتمام بالآداب ولا يكتفون بالأدنى ولا يقفون عند الفريضة وبذلك استطاعوا ان يورثوا الدين هذا الجيل موفورا غير منقوص وهو أمانة عند هذا الجيل فلينظر كيف يورثه الأجيال الآتية.\r\r٧ ـ ومما يمتاز به الأنبياء والمرسلون عن الحكماء والمؤلفين والعلماء المحققين أنهم يعنون بتربية النفوس والأشخاص الذين يضطلعون بأعباء الدعوة بعدهم وينفذون تعاليمهم ورسالاتهم علما وعملا ومعلوم أن دعوتهم العظمى لا تقوم إلا على أكتاف الأصحاء الأقوياء الحنفاء المخلصين فى إيمانهم والمخلصين فى تفكيرهم والمخلصين فى نياتهم الذين قد تنقت رءوسهم وصدورهم من ألواث الجاهلية والذين هضموا الاسلام هضما صحيحا وانقطعت كل صلة فى حياتهم عن الجاهلية بأوسع معانيها وخلقوا فى الآسلام خلقا جديدا.\rونرى ذلك واضحا فى حياة سيدنا موسى ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ فلما كان بنو إسرائيل قد نشأوا فى حياة العبودية والذل والاضطهاد والسخرة الظالمة وماتت رجولتهم وإباؤهم ومردوا على الخنوع والاستكانة والخضوع للقوى الغالب وعلىا لجبن والحرص الشديد على الحياة والخوف الشديد من الموت وأسبابه حتى لما قال لهم نبيهم: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾ ولم يشجعهم على التقدم والقتال قول موسى ﵇: ﴿كتب الله لكم﴾ مع أنه كان ضامنا لانتصارهم وأخيرا قالوا بكل صراحة ووقاحة: ﴿يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤] فظهر أن نشأتهم الأولى تأبى عليهم أن يخوضوا فى معركة ويدخلوا فى امتحان ويعرضوا أنفسهم للخطر وقطع موسى من هذا الجيل الفاسد الرجاء وقال: ﴿رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ [المائدة:٢٥] هنالك أمره الله بالاعتزال مع قومه (لا عن قومه) فى بيداء سيناء حيث الشظف وخشونة الحياة وهنالك ينقرض هذا الجيل الفاسد الذى شب على الجبن والضعف وشاب عليه وينشأ الأولاد والشباب الاسرائيلى الذين لا يزالون فى مقتبل العمر على التخشن والجلادة وتحمل شدائد الحياة ومكارهها وينشأ جيل جديد يولد فى هذه العزلة والبداوة على معانى الرجولة والفروسية وهكذا تتكون أمة جديدة تقوم بدعوة النبى وتطبيق تعاليمه ومبادئه وتجاهد فى سبيلها.\r\rوذلك أيها السادة معنى بليغ من معانى الهجرة النبوية فقد استطاع سيد الأنبياء وسيد الدعاة الى الله ﵊ بانتقاله مع أصحابه من ضيق مكة الى سعة المدينة وحريتها أن يكمل تربية أصحابه وأن ينشىء الجيل الاسلامى الجديد الذى لم يلبث أن اضطلع بأعباء الدعوة المحمدية ومثل الاسلام تمثيلا كاملا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186982,"book_id":1236,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"كذلك الدعوة الاسلامية التى تكلفتم بها والجهاد الذى أخذتموه على عواتقكم يفرض عليكم ـ أيها السادة ـ إنشاء جيل جديد للإسلام جديد فىقوة إيمانه جديد فى حماسته وثقته جديد فى أخلاقه جديد فى تفكيره وعقليته جديد فى كفايته العلمية واستعداده العقلى وإن نجاحكم فى هذا الانتاج البشرى مقياس نجاحكم فى مهمتكم ودعوتكم فكلما كان نجاكم كبيرا فى إيجاد هذا الجيل وتكوين هذا الشباب كان نجاحكم باهرا فى دعوتكم ورسالتكم ومعلوم عند حضراتكم أن إنشاء الجيل الجديد أو تقويم الجيل المعاصر ـ الذى لم يفقد صلاحيته ونموه ـ ليس بالأمر الهين إنها مهمة لتنوء بالعصبة أولى القوة إنها تحتاج الى تكريس الجهود وتركيز القوى على هذه الغاية والتفكير العميق الواسع والتعاون الشامل والتصميم الحكيم إنها تتطلب أساليب التربية الحكيمة العميقة الأثر وجهود عملية فى ميدان الدعوة والاصلاح إنها تتطلب حركة التأليف والانتاج الواسعة ومقدارا كبيرا من الابتكار إنها تتطلب وضع منهاج جديد على أساس جديد للدراسات ومثالا جديدا من المدارس والكليات والجامعات ومؤلفات ومنشورات جديدة فى شرح الدين الاسلامى وعرض الفكرة الاسلامية وتأليفات جديدة فى السيرة النبوية وتدوينا جديدا للتاريخ الاسلامى وسبكا جديدا للعلوم الاسلامية وتفسيرا جديدا للعلوم الكونية وتلقيحا علميا جديدا وطرازا جديدا للصحافة والادب والروايات والشعر إنكم ايها السادة أمام أنقاض عقلية وركام بشرى وخامات مهملة تبنون بها بيتا جديدا وتصنعون بها سفينة جديدة تمخر عباب الحوادث والموانع إنكم ستبدأون فى عمل جديد وجهاد جديد يستغرق منكم وقتا طويلا ويستنفد جهودا عظيمة وذلك وإن كان عملا شاقا طويلا متعبا مملا متشعبا ولكن لا بد من أنجاز هذا العمل ومن مواجهة هذه الحقيقة والتغلب على العقبات التى تعترض سبيلها.\rهذه مزايا الدعوة النبوية أيها السادة ومزايا الدعوة التى تكون على قدم النبوة وواجباتها وبذلك تمتاز دعوتكم عن الحركات القومية والاصلاحات الاجتماعية والثورات السياسية والاقتصادية.\rومن هذه المنابع تستمد دعوتكم القوة والروح وتستحق من الله النصر وتجلب الرحمة فلنحافظ عليها محافظتنا على الشعائر والعقيدة ولنحرص عليها حرصنا على الحياة والقوة.\rعندكم أيها السادة ثروة ضخمة من الصدق والايمان والحب والاخلاص ليست عند الدول الكبيرة والامم العظيمة عند كم أمانة مقدسة جدا أمانة القلوب التى تجتمع على حبكم وتدين بولائكم وتثق بقيادتكم هذه الأمانة التى خلفها لكم الإمام الراحل فأحسنوا القيام عليها واخلفوه فيها.\rإن نكبة الدعوة بفقد داعيها الأول ومؤسسها العظيم كانت ـ من غير شك ـ نكبة عظيمة وخسارة فادحة ولكن كل نكبة أيسر وكل خسارة أهون من وفاة رسول الله ﷺ وقد أصيب بها المسلمون بما لم يصب به جماعة أو فرد لشدة تعلق قلوبهم برسولهم ﷺ واجتمعت لهم يومئذ مصائب لم تجتمع قبل ولن تجتمع بعد فلننظر كيف تلقاها الصحابة رضى الله تعالى عنهم.\rلقد أعد الله ﷾ لهذه المرحلة القاسية والمحنة الشديدة الصحابة رضى الله تعالى عنهم من قبل سنين فلما طار فى الناس يوم أحد أن رسول الله ﷺ قد قتل سقط فى أيديهم وفقد كثير منهم شعورهم وخذلتهم قواهم ولم يستطيعوا أن يتحملوا هذه الصدمة ثم تحقق أن الشائعة كانت غير صحيحة ورسوله الله ﷺ حى فانتعشت قواهم ولكن الله تعالى قد أعدهم فى ذلك الوقت ليتلقوا نبأ وفاة الرسول ﷺ فى صبر وجلد وربطهم بالدعوة وذكر أن الداعى ﷺ تجرى عليه سنة الله فى خلقه فيرحل عن هذا العالم كما رحل من قبله من المرسلين فقال: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين﴾ [آل عمرآن:١٤٤]\rوكان ذلك فلما حدث برسول الله ﷺ حادث الوفاة تماسك المسلمون وعلى رأسهم خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق فما وهنوا وما استكانوا ولم ينقلبوا على أعقابهم ولم يخذلوا الاسلام ولم يخذلوا الدعوة واجتمعت على الاسلام محن وخطوب لم تجتمع من قبل ولن تجتمع من بعد \" فقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة فى كل قبيلة ونجم النفاق وارأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم فى الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم ﷺ وقلتهم وكثرة عددهم \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1186983,"book_id":1236,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"ولم يكن مسجد لله تعالى فى بسيط الأرض إلا ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس فى البحرين فى قرية جواثى وكثر المتنبئون ومنع الناس الزكاة وقصد المرتدون المدينة وسرح أبو بكر فى هذه الحال جيش أسامة الى الشام تنفيذا لوصية رسول الله ﷺ ورغبته وكلمة فى ذلك عمر وكبار الصحابة وأرادوا أن يمنعوه من ذلك فلم يمتنع وقال ك ط لو ظننت أن السباع تخطفنى لأنفذت بعث أسامة كما أمر رسول الله ﷺ ولو لم يبق فى القرى غيرى لأنفذته \".\rاستحضروا أيها الإخوان هول الموقف وغربة الاسلام وضعف المسلمين فقد أشرفت الدعوة الاسلامية على أثر وفاة نبيها صلى اللهعليه وسلم على الانقراض واجتمع للمسلمين حادثان حادث وفاة الرسول ﷺ وحادث ارتداد أمتهم وقومهم ولكن ذلك بالعكس أثار فيهم روح المقاومة والجهاد وألهب غيرتهم وقال أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه: \" أينقص الدين وأنا حى \" وأبى المسلمون أن يستسلموا لهذه الحوادث ويخذلوا الدعوة فلم يحافظوا على وضع الاسلام وتراثه فقط بل فتحوا فارس والروم والامبراطوريتين اللتين كانتا تحكمان العالم وأضافوهما الى ثروة الاسلام جزاهم الله عن نبيه ودعوته وعن المسلمين خير ما جزى خلفاء الأنبياء وقادة الدعوة الاسلامية الأمناء الأقوياء.\r\rوفى الأخير تفضلوا بقبول تحية صادقة من محب مخلص تجمعه بكم وحدة العقيدة الاسلامية وجامعة الفكرة الدينية على بعد الدار ومن وراء البحار ويتمنى لكم ولكل داع مخلص ومجاهد صادق السداد والتوفيق\r\rوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\r\rأبو الحسن على الحسني الندوى\r(لكهنؤ ـ الهند) ـ نزيل القاهرة\r٩/٦/١٣٧٠هـ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}