{"page_id":354606,"book_id":264,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":1,"body":"مُقَدِّمَة\rالحمدُ للهِ القائلِ في كِتَابِهِ الكَريمِ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ القائلِ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (¬١)، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الغُرِّ المَيامينِ، وعلى مَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ. أمَّا بعدُ:\rفهذا الجزءُ الثَّاني مِن «مكتبة المبتدئِ في طَلَبِ العِلْمِ»، وقد كانَ الجزءُ الأوَّلُ في «العقيدةِ»، وهو شرحٌ لمتن «أصول السنة»؛ للإمام أحمد بن حنبل ﵀، سَمَّيْتُه «لطائفُ المِنَّةِ بشرحِ أُصُولِ السُّنَّةِ».\rوبَعْدَ أن انتهيتُ مِنه بِحَوْلِ اللهِ وقُوَّتِه؛ شَرَعْتُ فِي الجزءِ الثَّاني، وهو في الفِقْهِ، وقد اخترتُ مَتْنَ «الغاية والتَّقريب» في الفقهِ الشَّافعيِّ، ووشَّيْتُه بشرحٍ لطيفٍ سمَّيْتُه: «إتحافُ الأريبِ بشرحِ الغايةِ والتَّقريبِ».\rومِن المَعْلُومِ أنَّ الفقهَ دلائلُ ومسائلُ، ولذا كانت المتونُ المصنَّفةُ فيه على نوعين:","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354607,"book_id":264,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":2,"body":"النَّوعُ الأوَّلُ: متونُ الدلائل، وفيها يعتني المُصَنِّفُ بأدِلَّةِ الأحكامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّة، مِثْلُ: «عُمدة الأحكامِ»، و «مُنتقى الأخبارِ»، و «بلوغ المَرامِ»، وغَيْرِها.\rالنَّوعُ الثَّاني: متون المسائل، وفيها يعتني المُصَنِّفُ بذكرِ المسائلِ الفقهيَّةِ مُجَرَّدَةً عن دلائلِها، مثلُ: «مِنهاج الطَّالبين»، و «عُمدة السالِك»، و «الغاية والتَّقريبُ».\rوقد أحببتُ أن أَجْمَعَ بينَ الحُسْنَيَيْنِ فأذْكُرُ الأدِلَّةَ الشَّرعيَّةَ على المسائلِ المذكورةِ فِي هذا المتنِ المبارَكِ؛ لِيَكونَ القارئُ على بَصيرةٍ بأدلَّةِ الأحكامِ الفِقْهِيَّة، عِنْدَ السَّادَةِ الشَّافِعِيَّة.\rولما كان هذا الشرحُ مقصودًا به طالب الفقه في أُولى مراحله، رغبتُ عن ذِكْرِ الخلافِ وتحريرِ الراجحِ من الأقوال، وأنصحُ الطالبَ في هذه المرحلةِ أن لا يشغلَ نفسَهُ بالخلافِ والرَّدِّ على المخالفين، فإنَّ ذلك يَقْطَعُهُ عَنِ الطَّلَبِ غالبًا.\r\rوالمتأمِّلُ في متنِ «الغاية والتَّقريب» يجدُ أنَّه مِن أَجْمَعِ وَأَبْدَعِ وأَخْصَرِ ما صُنِّفَ في فقهِ الإمامِ الشَّافعيِّ ﵀، ولذلك حَظِيَ باعتناءِ العلماءِ قديمًا وحديثًا، فقاموا بشرحِه، ونَظْمِه، وعملِ الحواشي على شُروحِه، فمنْ شُرَّاحِهِ:\r١ - أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤْمنِ الحُسينيُّ، الحصنيُّ، المُتوفَّى سنةَ (٨٢٩ هـ)، واسمُ شرحِه «كفايةُ الأخيارِ في حَلِّ غايةِ الاختصارِ».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354608,"book_id":264,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":3,"body":"٢ - محمَّدُ بنُ قاسمٍ الغَزِّيُّ المُتوفَّى سنةَ (٩١٨ هـ)، واسمُ شَرْحِه «فتحُ القريبِ المجيبِ في شرحِ ألفاظِ التَّقريبِ»، أو «القولُ المختارُ في شرحِ غايةِ الاختصارِ».\rوعلى هذا الشَّرحِ حَوَاشٍ، من أشهرها: حاشيةُ الشَّيْخِ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ البَيْجوريِّ المُتوفَّى سنةَ (١٢٧٧ هـ)، واسمُ حاشيتِه «توضيحُ البَيْجوريِّ على شرحِ ابنِ قاسمٍ لمتنِ أبي شُجاعٍ».\r٣ - وَلِيُّ الدِّينِ البصيرُ المُتوفَّى بعدَ سنةِ (٩٧٢ هـ)، واسمُ شرحِه «النهايةُ في شرحِ الغايةِ».\r٤ - محمَّدٌ الخطيبُ الشِّربينيُّ المُتوفَّى سنةَ (٩٧٧ هـ)، واسمُ شرحِه «الإقناعُ في حَلِّ ألفاظِ أبي شُجاعٍ».\rوعلى هذا الشَّرحِ حَوَاشٍ، من أشهرها: حاشيةُ الشَّيْخِ سُليمانَ بنِ محمَّدِ بنِ عمرَ البُجَيْرِمِيِّ المصريِّ الشَّافعيِّ المُتوفَّى سنةَ (١٢٢١ هـ)، واسمُ حاشيتِه «تحفةُ الحبيبِ على شرحِ الخطيبِ».\r٥ - أحمدُ بنُ القاسمِ العبَّاديُّ المُتوفَّى سنةَ (٩٩٤ هـ)، واسمُ شرحِه «فتحُ الغفَّارِ بكشفِ مخبَّآتِ غايةِ الاختصارِ».\r٦ - مُصطفى دِيب البغا، وذكرتُه وهو مِن المعاصرين؛ لكثرةِ استفادتِي منه، واسمُ شَرْحِهِ «التذهيبُ في أدِلَّةِ مَتْنِ الغايةِ والتَّقريب».\rوممن نَظَمَهُ؛ شَرَفُ الدِّينِ العِمْرِيطيُّ المُتوفَّى سنةَ (٨٩٠ هـ)، وسمَّاهُ «نهايةُ التدريبِ في نَظْمِ غايةِ التَّقريبِ».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354609,"book_id":264,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":4,"body":"أسألُ اللهَ تَعَالَى أنْ يَنْفَعَ بهذا العملِ، وأنْ يَجْعَلَه خالصًا لوجهِه الكريمِ إنَّه بكلِّ جميلٍ كفيلٌ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوكيلُ، وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ وباركَ على نَبِيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِه أَجْمَعينَ.\rكتبه\rالشبراوي بن أبي المعاطي المصري الحسني\rالسنبلاوين - دقهلية - بمصر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354610,"book_id":264,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":5,"body":"تَرْجَمَةُ أبِي شُجَاعٍ الأصْبَهَانِيُّ ﵀\rاسْمُه ونَسَبُه:\rهو الإمامُ الفَقيهُ العلَّامةُ شِهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ أحمدَ، أبو شجاعٍ الأصبهانيُّ الشَّافعيُّ (¬١).\rوُلِدَ والدُه بعبَّادانَ وجَدُّه بأَصبهانَ، أمَّا هو فقد وُلِدَ بالبصرةِ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وأربَعِمِائة، قال ياقوتٌ الحَمَويُّ في الكلامِ على عبَّادانَ: وإليها يُنْسَبُ «القاضي أبو شجاعٍ أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ أحمدَ الشَّافعيُّ العبَّادانيُّ، روى عنه السِّلفيُّ وقال: هو من أفرادِ الدَّهرِ، درَّسَ بالبصرةِ أَزْيَدَ مِن أَربعينَ سنةً في مَذهبِ الشَّافعيِّ» (¬٢).\rوقد عُمِّرَ أبو شُجاعٍ طويلًا حتى إنَّ العلَّامةَ الدَّرديريَّ قال: «إنَّه عاشَ مائةً وسِتِّينَ سنةً، وعلى الرَّغمِ مِن ذلك فإنَّه لم يَخْتَلَّ له عضوٌ مِن أعضائِهِ، وعندما سُئِلَ عن ذلك قال: «ما عصيتُ اللهَ تَعَالَى بعضوٍ منها في الصِّغَرِ، فحَفِظَها اللهُ عليَّ في الكِبَرِ» (¬٣).\rواشْتُهِرَ صِيتُ أبي شُجاعٍ في الآفاقِ بعِلْمِهِ وورَعِه ووَلِيَ","footnotes":"(¬١) «ديوان الإسلام» للغَزِّيِّ (٣/ ١٥٣).\r(¬٢) «مُعْجم البلدانِ» (٤/ ٧٤)، و «طبقات الشَّافعيَّة الكبرى» (٦/ ١٥).\r(¬٣) «تُحْفة الحبيب على شرحِ الخطيب» (١/ ٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354611,"book_id":264,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":6,"body":"القَضاءَ سنةَ سبعٍ وأربعين وأربَعِمِائة، فكانَ مِثالًا للقاضي العادلِ الَّذي لا يَخْشَى في اللهِ لومةَ لائمٍ.\rوقد اسْتَوْطَنَ المدينةَ النَّبويَّةَ في آخِرِ حياتِه وعَمِلَ في خِدمةِ الحَرَمِ النَّبويِّ الشَّريفِ، حتَّى توفِّيَ سنةَ (٥٩٣ هـ) رَحِمَهُ اللهُ تعالى (¬١).\r\rمن مؤلَّفاتِه:\r«شرحُ الإقناعِ» للماوَرْديِّ.\r«الغايةُ والتَّقريب» (¬٢).","footnotes":"(¬١) المصدر السَّابق.\r(¬٢) «طبقات الشَّافعيَّة» للسُّبكيِّ (٦/ ١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354612,"book_id":264,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":7,"body":"مُقَدِّمِةُ صَاحِبِ الْمَتْن\rقال أبو شجاع ﵀: «سَأَلَنِي بَعْضُ الْأَصْدِقَاءِ حَفِظَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنْ أَعْمَلَ مُخْتَصَرًا فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ فِي غَايَةِ الِاخْتِصَار، وَنِهَايَةِ الْإِيجَازِ، لِيَقْرُبَ عَلى الْمُتَعَلِّمِ دَرْسُهُ، وَيَسْهُلَ عَلَى الْمُبْتَدِئِ حِفْظُهُ، وَأَنْ أُكْثِرَ فِيهِ مِنَ التَّقْسِيمَاتِ، وَحَصْرِ الْخِصَالِ، فَأَجَبْتُهُ إِلَى ذَلِكَ طَالِبًا لِلثَّوَابِ، رَاغِبًا إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي التَّوْفِيقِ لِلصَّوَابِ، إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»، بَيَّنَ أبو شُجاعٍ ﵀ أنَّه إنَّما أَلَّفَ هذا المُختصَرَ في الفقهِ استجابةً لبعضِ الأصدقاءِ، رغبةً في ثوابِ اللهِ تعالى.\rوالمُختصَرُ: هو ما قَلَّ لفظُه وكَثُرَ مَعناهُ.\rوالفِقْهُ لغةً: الفَهْمُ، واصطلاحًا: العِلمُ بالأحكامِ الشَّرعيَّةِ العمليَّةِ المُكتسَبِ مِن أدلَّتِها التَّفصيليَّةِ.\rوالإمامُ الشَّافعيُّ: هو محمَّدُ بنُ إدريسَ بنِ العبَّاسِ بنِ عُثمانَ بنِ شافعِ بنِ السَّائبِ بنِ عُبيدِ بنِ عبدِ يَزيدَ بنِ هِشامِ بنِ المطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيِّ بنِ غالبٍ، الإمامُ، عالِمُ العصرِ، ناصرُ الحَديثِ، فقيهُ المِلَّةِ، أبو عبدِ اللهِ القُرشيُّ، ثُمَّ المُطَّلِبيُّ، المكِّيُّ، الغَزِّيُّ المَولِدِ، نَسيبُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354613,"book_id":264,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":8,"body":"رسولِ اللهِ ﷺ وابنُ عَمِّه، فالمُطَّلِبُ هو أخو هاشمٍ والدِ عبدِ المُطَّلِبِ.\rوقد وَصَفَ أبو شُجاعٍ ﵀ هذا المتنَ بأنَّه في غايةِ الاختصارِ ونهايةِ الإيجازِ، والغايةُ والنِّهايةُ مُتقارِبانِ، وكذا الاختصارُ والإيجازُ.\rثم وَصَفَ أبو شُجاعٍ ﵀ هذا المُخْتصَرَ بأنَّه يَقْرُبُ على المتعلِّمِ دَرْسُه، ويَسْهُلُ على المبتدئِ حِفْظُه، أيِ: استحضارُه على ظَهرِ قلبٍ لمَن يَرْغَبُ في حفظِ مُخْتَصَرٍ في الفقهِ.\rثُمَّ بَيَّنَ -أيضًا- أنَّ مَن طَلَبوا منه عَمَلَ هذا المُختصرِ أرادوا أنْ يُكْثِرَ فيه مِنَ التَّقسيماتِ وحَصْرَ الخِصالِ، والسَّببُ في ذلك أنَّه أَسْهَلُ في الحِفْظِ.\rواللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354614,"book_id":264,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":9,"body":"كتابُ الطَّهارة\rالكِتابُ في اللُّغةِ: مُشْتَقٌّ مِنَ الكَتْب، وهو الضَّمُّ والجَمْعُ، ومنه الكَتيبةُ إذا اجْتَمَعَ فُرسانُها، وسُمِّيَ كِتابًا لجمْعِه الحُروفَ والكلماتِ والجُمَلَ.\rوفي الاصطلاحِ: اسمٌ لجُملةٍ مِنَ العِلْمِ مُشْتَمِلةٍ على أبوابٍ وفصولٍ ومَسائلَ.\rوالطَّهارةُ في اللُّغةِ: النَّظافةُ.\rوفي الاصطلاحِ: فِعْلُ ما تُستباحُ به الصَّلاةُ، مِن وُضوءٍ وغُسْلٍ، وتَيَمُّمٍ، وإزالةِ نجاسةٍ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أنواع المِياهِ وأقسامِها\rقال أبو شجاع ﵀: «الْمِيَاهُ الَّتِي يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهَا سَبْعُ مِيَاهٍ»، المياهُ جَمْعُ ماءٍ، وَجَمَعَهُ وهو اسمُ جنسٍ يُطْلَقُ على القليلِ والكثيرِ؛ لاختلافِ أنواعِه، والجادَّةُ أنْ يَقولَ: «سبعةُ مِياهٍ»؛ لأنَّ مياه جَمْعُ ماءٍ، وهو مُذَكَّرٌ، والعددُ من ثلاثةٍ إلى تسعةٍ يخالِفُ المعدودَ؛ كما هو معلومٌ.\r١ - «مَاءُ السَّمَاءِ»؛ أي: المطر؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354615,"book_id":264,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":10,"body":"مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وغَيْرِها مِنَ الآياتِ.\r٢ - «وَمَاءُ الْبَحْرِ»؛ أي: المالح؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رجلًا سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّا نَرْكَبُ البحرَ، ونَحْمِلُ معنا القليلَ مِنَ الماءِ، فإنْ تَوَضَّأْنا به عَطِشْنا، أَفَنَتَوَضَّأُ بماءِ البحرِ؟ فقالَ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (¬١).\r٣ - «وَمَاءُ النَّهْرِ»؛ أي: العذب، كالنيل والفرات وغيرهما؛ للإجْمَاع على جواز التَّطَهُّرِ به.\r٤ - «وَمَاءُ الْبِئْرِ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّه قيلَ للنَّبيِّ ﷺ: أنتوضَّأُ مِن بئرِ بُضاعَةَ، وهي بئرٌ يُطْرَحُ فيها الحِيَضُ ولحمُ الكلابِ والنَّتْنُ؟ فقالَ ﷺ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (¬٢).\r٥ - «وَمَاءُ الْعَيْنِ»، كالنَّابعةِ مِنَ الأرضِ أو الجبلِ، والأصلُ فيه الحديثُ السَّابقُ، والقياسُ على ماءِ البئرِ، وهو طاهرٌ بالإجماعِ.\r٦ - «وَمَاءُ الثَّلْجِ»؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا كبَّرَ في الصَّلاةِ سَكَتَ بَيْنَ التَّكبيرِ والقراءةِ هُنَيَّةً، فقالَ أبو هُريرةَ بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ سُكوتَكَ بَيْنَ التَّكبيرِ والقِراءةِ، ما تَقولُ؟ قالَ ﷺ أَقولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٨٧٢٠)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٢) رواه أحمد (١١٢٧٥)، وأبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حَسَن»، و «الحِيَضُ»: جمع حِيضة، وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض لتمسحه بها، أو لتشد فرجها بها لتمنع سيلان الدم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354616,"book_id":264,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":11,"body":"بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ» (¬١).\r٧ - «وَمَاءُ الْبَرَدِ»؛ للحديثِ السَّابقِ.\rولو قالَ المصنِّفُ ﵀: ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، أو نَبَعَ مِنَ الأرضِ؛ لكانَ أَخْصَرَ مِن ذلك وأَعَمَّ، ولعلَّ عذرَهُ الوفاءُ بما سُئِلَ مِنْ أنْ يُكْثِرَ مِنَ التَّقسيماتِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «ثُمَّ الْمِيَاهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:\r١ - طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ»؛ أيْ: طاهرٌ في نَفْسِه مطهِّرٌ لغَيْرِه، غيرُ مكروهٍ فِي سائرِ الاستعمالات، كالوُضوءِ والغُسلِ، وإزالةِ النَّجاسةِ مِن بَدَنٍ، أو ثوبٍ أو بُقْعَةٍ.\rوالماءُ المُطْلَقُ: هو ما يُطْلَقُ عليه ماءٌ؛ مِن غيرِ زيادةٍ على هذه الكلمةِ، فالماءُ الَّذي لم يُذْكَرْ معه لفظٌ آخَرُ، أو ذُكِرَ معه لَفْظٌ آخَرُ لكنَّه يُمْكِنُ الاستغناءُ عنه؛ كماءِ البحرِ، وماءِ البئرِ؛ إذْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في كلٍّ منهما: ماءٌ، مِن غيرِ حاجةٍ إلى ذِكرِ كلمةِ بحرٍ، أو بئرٍ، فهذا يُسَمَّى ماءً مُطْلَقًا، أمَّا الماءُ الَّذي يُذْكَرُ معه لفظٌ آخَرُ لا يُمْكِنُ حَذْفُه؛ كماءِ الوَرْدِ، وماءِ العِنَبِ؛ فلا يُعْتَبَرُ ماءً مُطْلَقًا؛ إذْ لا يُمكِنُ أنْ يُقالَ في كلٍّ منهما: ماءٌ مِن غيرِ لفظِ الوَرْدِ أو العِنَبِ.\r٢ - «وَطَاهِرٌ مُطَهِّرٌ مَكْرُوهٌ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُشَمَّسُ»، أيْ طاهرٌ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354617,"book_id":264,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":12,"body":"في نَفْسِه، مطهِّرٌ لغيرِه، مكروهٌ استعمالُه في البَدَنِ، وُضوءًا وغُسلًا، وإزالةَ نجاسةٍ عنه، لا في الثَّوبِ ونحوِه، والمشمَّسُ: أيِ المسخَّنُ بِحَرِّ الشَّمسِ، ويَكونُ مكروهًا بثلاثةِ شُروطٍ:\rأ- أنْ يَكونَ ببلادٍ حارَّةٍ.\rب- أنْ يَكونَ موضوعًا بأوانٍ قابلةٍ للطَّرْقِ، كالحديدِ والنُّحاسِ؛ لأنَّ الشَّمسَ إذا أَثَّرَتْ فيها خَرَجَ منها زُهومةٌ تعلو على وجهِ الماءِ، يُخْشَى إذا لاقتِ البدنَ أن تُسَبِّبَ البرص على ما قيل، ولا يَتأتَّى ذلك في إناءِ الذَّهبِ والفِضَّةِ؛ لصفاءِ جوهرِهِما، لكنَّهُ يَحْرُمُ استعمالُهُما على ما سيَأتِي ذِكْرُه إن شاء اللهُ تعالى.\rجـ- أنْ يَكونَ استعمالُه في البَدَنِ.\rودليل كراهَتِه ما رُوِيَ عن عائشةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ ﷺ وقد سَخَّنْتُ ماءً في الشَّمسِ فقال: «لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (¬١).\r٣ - «وَطَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَالْمُتَغَيِّرُ بِمَا خَالَطَهُ مِنَ الطَّاهِرَاتِ»؛ أيْ: طاهرٌ في نَفْسِه غَيْرُ مطهِّرٍ لغَيْرِه، وهو الماءُ المُسْتَعْمَلُ في رَفْعِ حَدَثٍ، كماءِ الوُضوءِ والغُسلِ؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ»، فسئل أبو هريرة ﵁، كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولًا (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه الدَّارقُطْنِي (٢)، وضَعَّفَه، والبيهقي (١٥)، وقال: «لا يصح».\r(¬٢) رواه مسلم (٢٨٣)، وأفاد الحديث: أن الاغتسال في الماء يخرجه عن طهوريته؛ وإلا لم ينه عنه؛ وهو محمول على الماء القليل. وحكم الوضوء في هذا حكم الغسل، لأن المعنى فيهما واحد، وهو رفع الحدث.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354618,"book_id":264,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":13,"body":"والمتغيِّرُ بما خالَطَهُ مِنَ الطَّاهراتِ: أيِ الَّذي تَغَيَّرَ أَحَدُ أوصافِه مِن لونٍ أو طَعْمٍ أو ريحٍ بشيء من الطاهرات، كالمِلحِ والعَسَلِ والزَّعفرانِ ونحوِ ذلك، مما لا يُمْكِنُ فَصْلُها عنه بعدَ المخالَطةِ، أمَّا المتغيِّرُ بطُولِ المُكْثِ، أو بمخالِطٍ لا يَسْتَغْني عنه، كطُحْلَبٍ وغَيْرِه؛ فإنَّه باقٍ على طَهُورِيَّتِه.\r٤ - «وَمَاءٌ نَجِسٌ وَهُوَ الَّذي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَتَغَيَّرَ، وَالْقُلَّتَانِ: خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ تَقْرِيبًا فِي الْأَصَحِّ»، الماءُ النَّجِسُ: أيِ المُتَنَجِّسُ بما حَلَّ فيه مِنَ النَّجاسةِ، وهو دُونَ القُلَّتينِ؛ لحديثِ ابنِ عُمرَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الماءِ يَكونُ بالفَلاةِ مِنَ الأرضِ، وما يَنُوبُه مِنَ السِّباعِ والدَّوابِّ، فقال: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (¬١).\rوفي رواية: «لَا يَنْجُسُ» (¬٢).\rو «الفَلاةُ»: الصَّحْراءُ ونحوُها، و «يَنُوبُهُ»: أيْ يَرِدُ عليه، و «السِّباعُ»: كُلُّ حيوانٍ له نابٌ يَفْتَرِسُ به.\rو «القُلَّةُ»: الجَرَّةُ الكبيرةُ، وجمعُها قُلَلٌ، وقِلَالٌ، والمقصودُ قِلالُ هَجَرَ -وهي قريةٌ قريبةٌ مِنَ المدينةِ النَّبويَّةِ- و «الخَمْسُمائةِ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٤٩٦١)، وأبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٥٢)، وابن ماجه (٥١٧)، وابن حبَّان (١٢٤٩)، والحاكم (٤٥٨)، وصَحَّحَه، وأَقَرَّه الذَّهبي.\r(¬٢) رواه أبو داود (٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354619,"book_id":264,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":14,"body":"رِطلٍ»: ما يُساوي (١٩٠) لِترًا تقريبًا، أو سِعةَ مُكَعَّبٍ طُولُ حَرْفِه (٥٨) سَنتيمترًا، وبالمساحةِ سِعةَ ذراعٍ ورُبُعٍ طُولًا وعَرْضًا وعُمْقًا بذراعِ الآدميِّ، وهو شِبرانِ تقريبًا.\rومفهومُ الحديثِ: أنَّه إذا كانَ أَقَلَّ مِن قُلَّتَيْنِ فإنَّه يَنْجُسُ ولو لم يَتَغَيَّرْ، ودَلَّ على هذا المفهومِ حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (¬١).\rفقد نَهى المستيقِظَ مِن نومِه عنِ الغَمْسِ؛ خَشيةَ تلوُّثِ يَدِه بالنَّجاسةِ غيرِ المرئيَّةِ، ومعلومٌ أنَّ النَّجاسةَ غيرَ المرئيَّةِ لا تُغَيِّرُ الماءَ، فلولا أنَّها تنجِّسُه بمجرَّدِ المُلاقاةِ لم يَنْهَهُ عن ذلك.\rوقولُه: «أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَتَغَيَّرَ»، قال النَّوَوِيُّ ﵀: «أَجْمَعُوا أنَّ الماءَ القليلَ أو الكثيرَ، إذا وَقَعَتْ فيه نجاسةٌ، فغَيَّرَتْ طَعمًا أو لونًا أو ريحًا، فهو نَجِسٌ» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ المَيتةِ وبيانِ ما يَطْهُرُ بالدِّباغ\rالمَيْتَةُ في اللُّغَة: ما فارقته الحياة.\rوفي الاصطلاح: ما زالت حياتُه بغير ذكاة شرعية.\rفالحيوانُ إما أن يكونَ مِن جنس ما يؤكل لحمه، كالإبلِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٧٨).\r(¬٢) «المجموع شَرْح المهذَّب» (١/ ١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354620,"book_id":264,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":15,"body":"والبقرِ والغنمِ وغيرِ ذلك، فهذا يحل أكله بعد تذكيته بطريقة شرعية، فإن مات بغير تذكية شرعية -كأن مات مخنوقًا مثلًا، أو مُتَرَدِّيًا من على جبل- أو مات بتذكية غير شرعية -كأن قام بذبحه وثنيٌّ أو مجوسيٌّ- فهو ميتة، وأما ما لا يحل أكله من الحيوان فلا تُفِيدُهُ التَّذْكِية؛ لأنه يعدُّ ميتة في جميع الأحوال.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَجُلُودُ الْمَيْتَةِ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، إِلَّا جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا»، الدِّباغُ: هو نَزعُ فُضولِ الجِلدِ مما يُعَفِّنُه مِن دَمٍ ونحوِه بشيءٍ حِرِّيفٍ، أيْ: لاذعٍ، بحيثُ لو وَقَعَ عليه الماءُ لم يَعُدْ إليه النَّتنُ والفَسادُ، يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» (¬١).\rفجلودُ المَيْتَةِ تَطْهُرُ بالدِّباغِ؛ سواءٌ في ذلك ما يُؤْكَلُ لَحْمُه، وما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه؛ باستثناءِ الكلبِ والخِنزيرِ وما تَوَلَّدَ مِنْهُمَا ولو مع حيوانٍ طاهر؛ لأنَّهما نَجِسَانِ في حالِ الحياةِ، والدِّباغُ إنَّما يُطَهِّرُ ما نَجُسَ بالموتِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَعَظْمُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا نَجِسٌ إِلَّا الْآدَمِيَّ»، عَظْمُ المَيْتَةِ وشَعْرُها نَجِسٌ؛ لأنَّه مِن أجزائِها، ولقولِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وتحريمُ ما ليس بحرامٍ ولا ضَرَرَ في أَكْلِه يَدُلُّ على نجاسَتِه، أمَّا الآدميُّ فلا تَنْجُسُ مَيْتَتُهُ؛ لقولِه تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٣٦٦)، والإهاب: الجلد، والمراد جلد الميتة؛ لأن جلد المذكاة وجميع أجزائها طاهر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354621,"book_id":264,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":16,"body":"«فَصْلٌ»\rفي استعمالِ الأواني\rالأواني: جمع الجمع، والجمع آنية، والمفرد إناء.\rوعلاقةُ فَصْلِ استعمالِ الآنية بكتاب الطهارة أن الماء لا بد له من إناء يوضع فيه، ثم يستعمل هذا الماء من هذا الإناء، فالترتيب الطبيعي أن يأتي بأحكام الأواني.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَوَانِي»، يَحْرُمُ استعمالُ أواني الذَّهَبِ والفِضَّةِ في الأكلِ أو في الشُّرْبِ؛ لحديثِ حُذيفةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (¬١).\rولحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (¬٢).\r«فَصْلٌ»\rفي السِّوَاك\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالسِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ حَالٍ، إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ»، السِّواكُ يُطْلَقُ ويُرادُ به الفِعلُ، ويُطْلَقُ ويُرادُ به العُودُ الَّذي يُستاكُ به، وتَحْصُلُ السُّنَّةُ باستعمالِ كلِّ خَشِنٍ يُزيلُ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥١١٠)، ومسلم (٢٠٦٧).\r(¬٢) رواه البخاري (٥٣١١)، ومسلم (٢٠٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354622,"book_id":264,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":17,"body":"الوَسَخَ، وعُودُ الأراكِ المعروفُ بالسِّواكِ أَفْضَلُ، والسِّواكُ سببٌ لتطهيرِ الفمِ، موجِبٌ لمَرضاةِ الرَّبِّ، كما جاء في حديث عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (¬١).\rولا يُسْتَحَبُّ السِّواكُ بعدَ الزَّوالِ للصَّائِمِ؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهُوَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا:»؛ أي: يَتَأَكَّدُ استحبابُه في هذه الأوقاتِ الثلاثَةِ:\r١ - «عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ مِنْ أَزْمٍ وَغَيْرِهِ»، الأَزْمُ: هو السُّكوتُ الطَّويلُ، وقِيلَ: تَرْكُ الأكلِ.\r٢ - «وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ»؛ لحديثِ حُذيفةَ ﵁: «كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا قامَ مِنَ اللَّيلِ يَشُوصُ فاهُ بالسِّواكِ» (¬٣).\r٣ - «وَعِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ»؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي؛ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٤٢٤٩)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٢٨٩)، والبخاري معلَّقًا مجزومًا به (٢/ ٦٨٢).\r(¬٢) رواه البخاري (١٧٩٥)، ومسلم (١١٥١)، والخُلوفُ تَغَيُّرُ رائحةِ الفمِ، ولا يَحْصُلُ غالبًا للصَّائمِ إلَّا بعدَ الزَّوالِ.\r(¬٣) رواه البخاري (٢٤٢)، ومسلم (٢٥٥)، ويَشُوصُ: أي يَدْلُكُ.\r(¬٤) رواه البخاري (٨٤٧)، ومسلم (٢٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354623,"book_id":264,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":18,"body":"وفي روايةٍ: «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» (¬١).\rأيْ لأَمَرْتُهم أَمْرَ إيجابٍ، وهذا دليلٌ على الاستحبابِ المؤكَّدِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي فروضِ الوُضوءِ وسُنَنِه\rالوُضوءُ في اللُّغةِ: مِنَ الوَضاءةِ، وهي الحُسْنُ والنَّظافةُ، والوُضُوءُ بالضَّمِّ: الفِعْلُ، وبالفَتْحِ: الماءُ المُعَدُّ له.\rوفي الاصطلاحِ: استعمالُ الماءِ في أعضاءٍ مخصوصةٍ مُفْتَتَحًا بِنِيَّةٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فُرُوضُ الْوُضُوءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ:\r١ - النِّيَّةُ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ»، وهو مأخوذٌ مِنْ قولِه تَعَالَى في آيةِ الوُضوءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].\rفهذا يَقتضي أنَّ الوُضوءَ مأمورٌ به للصَّلاةِ، وهذا مَعنى النِّيَّةِ.\rولحديثِ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٩٩٣٠)، وصححه ابنُ خُزَيْمَة (١٤٠).\r(¬٢) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354624,"book_id":264,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":19,"body":"٢ - «وَغَسْلُ الْوَجْهِ»، وهو مأخوذٌ مِنَ الآيةِ -أيضًا- في قولِه تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\r٣ - «وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ»، وهو مأخوذٌ مِنَ الآيةِ -أيضًا- في قولِه تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].\rوالمِرْفَقُ: هو مُجْتَمَعُ السَّاعدِ مع العَضُدِ، ويَدْخُلُ في وُجوبِ الغَسْلِ، وقد دَلَّ على ذلك حديثُ أبي هُريرةَ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الوُضوءَ، ثم غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى حتَّى أَشْرَعَ في العَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ اليُسْرى حتَّى أَشْرَعَ في العَضُدِ، ثم مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَه اليُمْنَى حتَّى أَشْرَعَ في السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَه اليُسْرَى حتَّى أَشْرَعَ في السَّاقِ، ثُمَّ قال: «هكذا رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ» (¬١).\r٤ - «وَمَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ»، وهو مأخوذٌ مِنَ الآيةِ -أيضًا- في قولِه تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\rولحديثِ المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بناصِيَتِهِ، وعلى العِمامةِ» (¬٢).\rوالنَّاصيةُ مُقَدَّمُ الرَّأسِ، وهي جُزءٌ منه، والاكتفاءُ بالمَسْحِ عليها دليلٌ على أنَّ مَسْحَ الجُزءِ هو المفروضُ.\r٥ - «وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»، وهو مأخوذٌ مِنَ الآيةِ -أيضًا- في قولِه تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٤٦).\r(¬٢) رواه مسلم (٢٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354625,"book_id":264,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":20,"body":"والكَعْبانِ: هما العَظْمانِ النَّاتئانِ مِنَ الجانِبَيْنِ عند مَفْصِلِ السَّاقِ مع القَدَمِ، ويَدْخُلانِ في وُجوبِ الغَسْلِ، وقد دَلَّ على ذلك حديثُ أبي هُريرةَ ﵁ السَّابقُ.\r٦ - «وَالتَّرْتِيبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا»؛ لأنَّ آيةَ الوُضوءِ جاءتْ مُرَتَّبَةً، ولفعلِ النَّبيِّ ﷺ الثَّابتِ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَسُنَنُهُ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - التَّسْمِيَةُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» (¬١).\r٢ - «وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ»؛ لحديثِ حُمْرانَ مَوْلَى عُثمانَ بنِ عَفَّانَ أنَّه رأى عُثمانَ ﵁ دعا بإناءٍ فَأَفْرَغَ على كَفَّيْهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ فَغَسَلَهُما، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ في الإناءِ؛ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَه ثلاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ","footnotes":"(¬١) قال النَّوويُّ في «الأذكار» (ص: ١١٢): «ورَوَيْنا في سُننِ أبي داودَ وابنِ ماجَهْ، ومُسندِ أبي عَوانةَ الإسفرايينيِّ المُخْرَجِ على صحيحِ مسلمٍ ﵏، عن أبي هريرةَ ﵁، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: (كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلهِ أَقْطَعُ)، وفي روايةٍ (بِحَمْدِ اللهِ)، وفي روايةٍ: (بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَقْطَعُ)، وفي روايةٍ (كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلهِ فَهُوَ أَجْذَمُ)، وفي روايةٍ: (كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ)، رَوَيْنا هذه الألفاظَ كلَّها في كتابِ الأربعينَ للحافظِ عبدِ القادرِ الرَّهاويِّ، وهو حديثٌ حسنٌ ... ومعنى أَقْطَعُ: أيُ ناقصٌ قليلُ البَرَكةِ، وأجذمُ: بمعناه».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354626,"book_id":264,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":21,"body":"لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (¬١).\r٣ - «وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﵁ عندما قِيلَ له: تَوَضَّأْ لنا وُضوءَ رسولِ اللهِ ﷺ، فَدَعا بإناءٍ فَأَكْفَأَ منها عَلَى يديْهِ فَغَسَلَهُمَا ثلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِن كَفٍّ واحدةٍ فَفَعَلَ ذلك ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قال: «هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (¬٢).\r٤ - «وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذِ بنِ عَفْرَاءَ، أنَّها رأتِ النَّبيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ، قالتْ: «مَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ منه وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ، وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً واحدةً» (¬٣).\r٥ - «وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا بِمَاءٍ جَدَيدٍ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «مَسَحَ أُذنيْهِ بغيرِ الماءِ الَّذي مَسَحَ به رأسَه» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٥٨)، ومسلم (٢٢٦).\r(¬٢) رواه البخاري (١٨٤)، ومسلم (٢٣٥).\r(¬٣) رواه أحمد (٢٧٠٦١)، وأبو داود (١٢٦)، والترمذي (٣٤)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٤) رواه الحاكم (٥٣٩)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354627,"book_id":264,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":22,"body":"٦ - «وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ»؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا تَوَضَّأَ أَخَذَ كفًّا مِن ماءٍ، فَأَدْخَلَهُ تحتَ حَنَكِه فَخَلَّلَ به لِحْيَتَه، وقال: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي ﷿» (¬١).\r٧ - «وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ»؛ لحديثِ لَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (¬٢).\r٨ - «وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤوا بِمَيَامِنِكُمْ» (¬٣).\rولحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تنعُّلِه وتَرَجُّلِه وطُهورِه وفي شأنِه كُلِّه» (¬٤).\r٩ - «وَالطَّهَارَةُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا»؛ لحديثِ عُثمانَ ﵁ قال: «ألا أريكم وُضوءَ رسولِ اللهِ ﷺ؟»، ثم تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثلاثًا (¬٥).\r١٠ - «وَالْمُوَالَاةُ»، وهي التَّتابُعُ في التَّطهيرِ بينَ الأعضاءِ، بحيثُ لا يَجِفُّ الأوَّلُ قَبْلَ الشُّروعِ في الثَّاني، ودليلُها ما سَبَقَ مِن","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (١٤٥)، وصَحَّحه ابنُ القَطَّانِ؛ كما في «التَّلْخيص الحبير» (١/ ١٤٩).\r(¬٢) رواه أحمد (١٧٨٧٩)، وأبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (١١٤)، وابن ماجه (٤٤٨)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٣) رواه أحمد (٨٦٣٧)، وأبو داود (٤١٤١)، وابن ماجه (٤٤٨)، وابنُ خُزيمة (١٧٨)، وابن حبَّان (١٠٩٠).\r(¬٤) رواه البخاري (١٦٦)، ومسلم (٢٦٨).\r(¬٥) رواه مسلم (٢٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354628,"book_id":264,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":23,"body":"حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﵁ وحديثِ عثمانَ ﵁ وغيرِهِما في صِفةِ وُضوءِ النَّبيِّ ﷺ.\rتنبيهٌ: كلُّ ما وَرَدَ في سُننِ الوُضوءِ ممَّا يوهِمُ ظاهرُه الوُجوبَ؛ دَلَّ على عَدَمِ الوُجوبِ؛ آيةُ الوُضوءِ الَّتي نَصَّتْ على الفرائِضِ.\rويُسْتَحَبُّ الذِّكْرُ عندَ الوُضوءِ، ومِنَ الأذكارِ الثَّابتةِ حديثُ عُقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (¬١).\rوزادَ في روايةٍ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي الاستنجاء\rالاستنجاءُ في اللُّغةِ: القَطْعُ، مأخوذٌ مِن نَجَوْتُ الشَّجرةَ، وأَنْجَيْتُها إذا قطعتَها، فكأنَّه يَقْطَعُ الأذى عنه.\rوفي الاصطلاحِ: إزالةُ ما يَخْرُجُ مِنَ السَّبيلينِ؛ سواءٌ بالغَسلِ، أو المَسحِ بالحِجارةِ ونحوِها عن مَوْضِعِ الخُروجِ وما قَرُبَ منه.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٣٤).\r(¬٢) رواه الترمذي (٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354629,"book_id":264,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":24,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْأَحْجَارِ ثُمَّ يُتْبِعَهَا بِالْمَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يُنْقِي بِهِنَّ الْمَحَلَّ، فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَالْمَاءُ أَفْضَلُ»، الأفضلُ في الاستنجاءِ أنْ يَكونَ بالأحجارِ ثُمَّ إتباعُها بالماءِ؛ لما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قال: «نَزَلَتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُباءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فَسَأَلَهُم رسولُ اللهِ ﷺ، فقالوا: إنَّا نُتْبِعُ الحِجارةَ الماءَ (¬١).\rويَجوزُ أنْ يَقْتَصِرَ على ثلاثةِ أحجارٍ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» (¬٢).\rوقالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: أتى النَّبيُّ ﷺ الغائطَ فَأَمَرَني أنْ آتِيَهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فوجدْتُ حَجَرَيْنِ، والتمستُ الثَّالثَ فلم أَجِدْهُ، فأخذتُ رَوْثةً، فأتيتُه بها، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وألقى الرَّوْثةَ، وقال: «هَذَا رِكْسٌ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البَزَّار، كما في «كَشْف الأستارِ عن زوائِدِ البَزَّار» (٢٤٧)، وقال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزَّوائِد» (١/ ٤٩٨): «رواه البَزَّارُ وفيه محمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ عمرَ الزُّهريُّ، ضَعَّفَه البخاري والنَّسائيُّ وغيرُهما، وهو الَّذي أشارَ بجَلْدِ مالكٍ».\r(¬٢) رواه أحمد (٢٥٠٥٦)، وأبو داود (٤٠)، والنسائي (٤٤)، والدَّارقُطْنِي (١٤٦)، وقال: «إسنادُه صحيح».\r(¬٣) رواه البخاري (١٥٥)، وقال الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٥٨): «(هَذَا رِكْسٌ)؛ بكسر الراء، وإسكان الكاف، قيل: هي لغة في رجس، بالجيم، ويدل عليه رواية ابن ماجه وابن خزيمة في هذا الحديث، فإنها عندهما بالجيم، وقيل: الركس: الرجيع، رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة، قاله الخطابي وغيره، والأولى أن يقال: رد من حالة الطعام إلى حالة الروث»، وقال ابن الأثير في «النهاية» (٢/ ٢٥٩): «(إِنَّهُ رِكْسٌ)، هو شبيه المعنى بالرجيع، يقال: ركست الشيء وأركسته إذا رددته ورَجَعته».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354630,"book_id":264,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":25,"body":"وقالَ سَلْمانُ الفارسيُّ ﵁: «نَهَانَا النَّبيُّ ﷺ أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبلةَ لغائطٍ، أو بولٍ، أو أنْ نستنجيَ باليَمينِ، أو أنْ نَستنجيَ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ، أو أنْ نَستنجيَ برَجِيعٍ أو بعَظْمٍ» (¬١).\rفإذا اقْتُصِرَ على أَحَدِهِما فالماءُ أَفْضَلُ؛ لأنَّه يُزيلُ عَينَ النَّجاسةِ وأَثَرَهَا، ولحديثِ أنسٍ ﵁ قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَجَ لحاجَتِه أَجيءُ أنا وغُلامٌ ومعنا إداوةٌ مِن ماءٍ يَستنجي به» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجْتَنِبُ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، وَيَجْتَنِبُ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَتَحْتَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ، وَالثَّقْبِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمَا»، ثَبَتَ في الصَّحيحَيْنِ عن أبي أيُّوبَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»، قالَ أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنا الشَّامَ فَوَجَدْنا مَراحيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلةِ، فَنَنْحَرِفُ ونَسْتَغْفِرُ اللهَ تعالى (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٦٢)، والرَّجِيع: العَذِرة والرَّوث، سُمِّيَ رَجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو عَلَفًا.\r(¬٢) رواه البخاري (١٤٩)، ومسلم (٢٧١)، و «الإداوةُ»: إناءٌ صغيرٌ من جِلْدٍ.\r(¬٣) رواه البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٢٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354631,"book_id":264,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":26,"body":"قال المُزَنِيُّ ﵀: «وذلك في الصَّحارى؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد جَلَسَ على لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بيتِ المَقْدِسِ، فدَلَّ أنَّ البِناءَ مُخالفٌ للصَّحارى» (¬١).\rوالحديثُ الَّذي اسْتَشْهَدَ به المُزَنِيُّ هو حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ» (¬٢).\rويُجْتَنَبُ البولُ في الماءِ الرَّاكدِ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «نَهى أنْ يُبالَ في الماءِ الرَّاكدِ» (¬٣).\rوالتَّغَوُّطُ أَقْبحُ وأَوْلى بالنَّهْيِ.\rوكذلك تحتَ الشَّجَرةِ المُثْمرةِ، صِيانةً للثمرة عن التَّلويثِ عندَ الوقوعِ فتعافُها النَّفْسُ.\rوكذلك في الطَّريقِ، والظِّلِّ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قالوا وما اللَّعَّانانِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (¬٤).\rوكذلك في الثَّقْبِ؛ لحديثِ قَتادةَ عن عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ ﵁ قال: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُبالَ في الجُحْرِ»، قالوا لقَتادةَ ﵀: ما","footnotes":"(¬١) «مُخْتَصر المُزَنِي» (ص: ١٠).\r(¬٢) رواه البخاري (١٤٧)، ومسلم (٢٦٦).\r(¬٣) رواه مسلم (٢٨١).\r(¬٤) رواه مسلم (٢٦٩)، وقولُه: «اللَّعَّانَيْنِ»؛ أي: الأمْرَيْنِ الجالِبَيْنِ لِلَّعنِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354632,"book_id":264,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":27,"body":"يُكْرَهُ من البولِ في الجُحْرِ؟ قال: كانَ يُقالُ: إنَّها مَساكنُ الجِنِّ (¬١).\rويُجْتَنَبُ الكلامُ على البولِ والغائِطِ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللهَ ﷿ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» (¬٢).\rولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ رَجُلًا مَرَّ ورسولُ اللهِ ﷺ يَبولُ، فَسَلَّمَ، فلمْ يَرُدَّ عليه» (¬٣).\rوقولُهُ: «وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمَا»، اسْتَدَلُّوا له بحديثِ: «نَهى أنْ يَبولَ الرَّجلُ، وفَرْجُه بادٍ إلى الشَّمسِ والقمرِ» (¬٤).\rفائدةٌ: يُسْتَحَبُّ لقاضي الحاجَةِ أنْ يَقولَ قبلَ الدُّخولِ إلى الخَلاءِ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» (¬٥)، ويَقولَ بعدَ الخُروجِ: «غُفْرَانَكَ» (¬٦)؛ لثُبوتِ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٠٧٩٤)، وأبو داود (٢٩)، والنسائي (٣٤)، والحاكم (٦٦٦)، (٦٦٧)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبيُّ، و «الجُحْرُ»: هو الثَّقبُ في الأرض.\r(¬٢) رواه أحمد (١١٣٢٨)، وأبو داود (١٥)، وابن ماجه (٣٤٢)، وابن حبَّان (١٤٢٢)، والحاكم (٥٦٠)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبيُّ.\r(¬٣) رواه مسلم (٣٧٠).\r(¬٤) رواه الحكيمُ الترمذي في «المَنْهِيَّات» (ص: ٣٣)، وقالَ ابنُ حَجَرٍ في «التَّلْخيص الحَبِير» (١/ ١٨٠): «هو حديثٌ باطلٌ لا أَصْلَ له».\r(¬٥) رواه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، من حديثِ أنسٍ ﵁، و «الخُبُثُ»: جمعُ خبيثٍ، و «الخبائثُ»: جمعُ خبيثةٍ، والمرادُ ذكورُ الشَّياطينِ وإناثُهم.\r(¬٦) رواه أحمد (٢٥٢٦١)، والبخاري في «الأدب المُفْرَد» (٦٩٣)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٣٠٠)، وابن حبَّان (١٤٤٤)، من حديثِ عائشة ﵂.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354633,"book_id":264,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":28,"body":"«فَصْلٌ»\rفي نواقِضِ الوُضوء\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ:\r١ - مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ»، السَّبيلانِ: الطَّريقانِ، والمَقصودُ بهما؛ القُبُلُ والدُّبُرُ، فكلُّ ما خَرَجَ منهما يَنْقُضُ الوُضوءَ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، فقالَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ: ما الحَدَثُ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ قال: فُساءٌ أو ضُراطٌ (¬١).\rونَبَّهَ أبو هُرَيْرَةَ ﵁ بالأخَفِّ على الأغلظِ؛ لأنَّه أجابَ سائلًا سألَه عن المصلِّي يُحْدِثُ في صلاتِه، فَخَرَجَ جوابُه على ما يَسْبِقُ المصلِّيَ مِنَ الأحْدَاثِ في صلاتِه، ولأنَّ البولَ والغائطَ والمُلامسةَ غيرُ معهودةٍ في الصَّلاةِ، ولعِلْمِه أنَّ السَّائلَ يَعْلَمُ ما عدا ذلك، وأمَّا باقي الأحداثِ المُخْتَلَفِ فيها بَيْنَ العلماءِ؛ فلعَلَّ أبا هُرَيْرَةَ ﵁ كانَ لا يَرَى النَّقْضَ بشيءٍ منها، ولذلك قالَ البُخاريُّ ﵀: «وقالَ أبو هُرَيْرَةَ لا وُضوءَ إِلَّا مِن حَدَثٍ»، وبَوَّبَ عليه بابًا، فقال: «بابُ مَن لم يَرَ الوُضوءَ إلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ» (¬٢).\r٢ - «وَالنَّوْمُ عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الْمُتَمَكِّنِ»، المتمكِّنُ هو الَّذي ينامُ مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَه مِنَ الأرضِ، فلا يَنْتَقِضُ وُضوؤُه لأنَّهُ يُحِسُّ بما","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).\r(¬٢) «صحيح البخاري» (١/ ٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354634,"book_id":264,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":29,"body":"يَخْرُجُ منه، يَقولُ أَنَسٌ ﵁: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (¬١).\rوفي روايةٍ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (¬٢).\rأمَّا النَّومُ مع عَدِمِ تَمْكِينِ الْمَقْعَدَةِ مِن الأرضِ فإنَّه يَنْقُضُ الوضوء، لحديثِ معارويةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ انْطَلَقَ الْوِكَاءُ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (¬٣).\rقال البيضاوي ﵀: «الوكاء: ما يُشَدُّ به الشيء, والسَّه: الدُّبُر, وأصله: سَتَهٌ لجمعه على أسْتَاه، وتصغيره على: سُتَيْهَة, والمعنى: أنَّ الإنسانَ إذا تَيَقَّظَ أمسكَ مَا فِي بَطْنِهِ, فإذا نام زال اختياره، واسترخت مفاصِلُه, فَلَعَلَّه يخرجُ مِنها ما يَنْقُضُ طُهْرَهُ, وذلك إشارة إلى أنَّ نقضَ الطهارةِ بالنَّوْمِ وسائرِ ما يزيلُ العقل؛ ليس لأنفسها, بل لأنَّها مَظِنَّةُ خُرُوجِ ما يَنْتَقِضُ الطُّهْرُ بِه، ولذلك خُصَّ نومُ مُمَكِّنِ الْمَقْعَدَةِ مِن الأرضِ في حديثِ أنس» (¬٤).\r٣ - «وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِسُكْرٍ أَوْ مَرَضٍ»، قياسًا على النَّومِ.\r٤ - «وَلَمْسُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، [المائدة: ٦]، فقد قرَأَهَا","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٣٧٦).\r(¬٢) رواه أبو داود (٢٠٠).\r(¬٣) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٨٧٥).\r(¬٤) «تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة» (١/ ١٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354635,"book_id":264,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":30,"body":"حمزةُ والكِسائيُّ وخَلَفٌ: (لَمَسْتُمْ)؛ بغيرِ أَلِفٍ، وقرأ الباقونَ بالألِفِ.\rفعَطَفَ اللَّمسَ على المجيءِ مِنَ الغائطِ ورَتَّبَ عليهما الأمْرَ بالتَّيَمُّمِ عندَ فَقْدِ الماءِ (¬١).\r٥ - «وَمَسُّ فَرْجِ الْآدَمِيِّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ»؛ لحديثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفوانَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (¬٢).\rوفي روايةٍ لعمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» (¬٣).\rوفي روايةٍ لأبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ، فَلْيَتَوَضَّأْ» (¬٤).\r٦ - «وَمَسُّ حَلْقَةِ دُبُرِهِ عَلَى الْجَدِيدِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ السَّابقِ، ولحديثِ أمِّ حَبيبةَ ﵂ -أيضًا- أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (¬٥).\rوهذا عامٌّ، فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى، كما يَشْمَلُ القُبُلَ والدُّبُرَ.","footnotes":"(¬١) «النَّشْر في القراءاتِ العَشْرِ» (٢/ ٢٥٠).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٧٣٣٦)، وأبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٧)، وابن ماجه (٤٧٩)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٣) رواه أحمد (٧٠٧٦).\r(¬٤) رواه ابن حبَّان (١١١٨).\r(¬٥) رواه ابن ماجه (٤٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354636,"book_id":264,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":31,"body":"وقولُه: «عَلَى الْجَدِيدِ»، أيِ المَذْهَبِ الجديدِ، وهو ما قاله الشَّافعيُّ ﵀ في مِصْرَ، تصنيفًا أو إفتاءً، وهو المعمولُ به.\r\r«فَصْلٌ»\rفي موجِباتِ الغُسْل\rالغُسلُ في اللُّغة: سيلانُ الماءِ على الشيء.\rوفي الاصطلاحِ: سيلانُ الماءِ على جَمِيعِ البَدَنِ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَة.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ سِتَّةُ أَشْياءَ: ثَلَاثَةٌ تَشْتَرِكُ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَهِيَ:\r١ - الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (¬١).\rولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ» (¬٢).\rوفي روايةٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٣٤٩)، وقولُه: «الخِتَانَيْنِ»، مُثَنَّى خِتانٍ، وهو موضعُ الخَتْنِ، وهو عندَ الصَّبيِّ: الجِلدةُ التي تُغَطِّي رأسَ الذَّكرِ قبلَ الخَتْنِ، وعندَ الأنثى: جِلدةٌ في أعلى القُبلِ مجاورةٌ لمَخْرَجِ البولِ، والمرادُ بـ «التقاءِ الختانينِ»؛ تحاذيهما، حتَّى يكونَ الخِتانُ الَّذي خَلْفَ الحَشَفةِ حَذْوَ خِتانِ المرأةِ، وهو كِنايةٌ عن الجِماعِ.\r(¬٢) رواه البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٤٨)، و «شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ»، اليدانِ والرِّجْلانِ.\r(¬٣) رواه مسلم (٣٤٨) و «جَهَدَهَا»؛ أي: كدَّها بحركتِه، وهو كِنايةٌ عن الجِماعِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354637,"book_id":264,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":32,"body":"وهو دليلٌ على وُجوبِ الغُسلِ بمجرَّدِ الجِماعِ، وإنْ لم يُنْزِلْ.\r٢ - «وَإِنْزَالُ الْمَنِيِّ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (¬١).\rولحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قالتْ: جاءتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ لا يَسْتَحِي مِنَ الحقِّ، فهل على المرأةِ مِنْ غُسلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» (¬٢).\r٣ - «وَالْمَوْتُ»؛ لحديثِ أُمِّ عطيَّةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ علينا النَّبيُّ ﷺ ونحن نَغْسِلُ ابنَتَه، فقال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، فلمَّا فَرَغْنا آذَنَّاه فألقى إلينا حَقْوَه، فقال: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَثَلَاثَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا النِّسَاءُ، وَهِيَ:\r١ - الْحَيْضُ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٣٤٣)، والمرادُ بالماءِ الأوَّلِ ما يُغْسَلُ به، والثَّاني ماء المَنيِّ.\r(¬٢) رواه البخاري (٢٧٨)، ومسلم (٣١٣)، و «احْتَلَمَتْ»؛ أي: رأت في نومِها أنها تُجامَعُ؛ فَأَنْزَلَتْ.\r(¬٣) رواه البخاري (١١٩٥)، ومسلم (٩٣٩)، وقولُه ﷺ: «فِي الْآخِرَةِ»، أيْ: في الغَسلةِ الأخيرةِ، و «آذِنَّنِي»، أيْ: أَعْلِمْنني، و «حَقْوَه»، بفتحِ الحاءِ وكسرِها لغتانِ، يَعني إزارَه، وأصلُ الحَقوِ مَعْقِدُ الإزارِ، وسُمِّيَ به الإزارُ لأنه يُشَدُّ فيه، و «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ»، أيِ: اجْعَلْنه شِعارًا لها، وهو الثَّوبُ الَّذي يلي الجسدَ، وسُمِّيَ شِعارًا لأنه يلي شَعْرَ الجسدِ، والحكمةُ من ذلك التَّبَرُّكُ بإزارِه ﷺ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354638,"book_id":264,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":33,"body":"تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وَ ﴿تَطَهَّرْنَ﴾، يعني: اغْتَسَلْنَ.\r٢ - «وَالنِّفَاسُ»؛ قِياسًا على الحيضِ.\r٣ - «وَالْوِلَادَةُ»؛ لأنها مظنةُ خروجِ الدَّم، والحكمُ يُدَارُ على المَظَان؛ كما في الانتقاضِ بالنَّومِ على غيرِ هيئةِ المُتَمَكِّن.\r\r«فَصْلٌ»\rفي فرائِضِ الغُسْلِ وسُنَنِه\rقال أبو شجاع ﵀: «وَفَرَائِضُ الْغُسْلِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - النِّيَّةُ»؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (¬١).\r٢ - «وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ إِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ»؛ لحديثِ مَيمونةَ ﵂ قالتْ: «سَتَرْتُ النَّبيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الحَائِطِ أَوِ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» (¬٢).\r٣ - «وَإِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كانَ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354639,"book_id":264,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":34,"body":"يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَسُنَنُهُ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - التَّسْمِيَةُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» (¬٢).\r٢ - «وَالْوُضُوءُ قَبْلَهُ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ السَّابقِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «كانَ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الجنابةِ بَدَأَ فغَسَلَ يديهِ، ثم يَتَوَضَّأُ كما يَتَوَضَّأُ للصَّلاةِ» (¬٣).\r٣ - «وَإِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْجَسَدِ»، وهو ما يُسَمَّى بالدَّلْكِ.\r٤ - «وَالْمُوَالَاةُ»، وهي التَّتابُعُ في غَسلِ الأعضاءِ، وقد سَبَقَتِ الأحاديثُ التي تَدُلُّ على المُوالاةِ، وإمرارِ اليدِ على الجسدِ -أيضًا- حيثُ كانَ النَّبيُّ ﷺ قَبْلَ غُسْلِه يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ، ويُخَلِّلُ بَيْنَ الأصابعِ، ويُوَصِّلُ الماءَ إلى أُصولِ شَعْرِه حتَّى يَرْوِيَ بَشَرَتَهُ.\r٥ - «وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٣١٦).\r(¬٢) رواه عبد القادر الرَّهاويُّ في «الأربعين»، وهو حديثٌ حسنٌ؛ كما قالَ النَّوويُّ ﵀ في «الأذكار» (ص: ١١٢).\r(¬٣) رواه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٣١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354640,"book_id":264,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":35,"body":"النَّبيَّ ﷺ: «كانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه وطُهُورِه وفي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي الاغتسالاتِ المَسْنُونَة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالِاغْتِسَالاتُ الْمَسْنُونَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ غُسْلًا:\r١ - غُسْلُ الْجُمُعَةِ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» (¬٢).\rوفي روايةٍ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (¬٣).\r٢ - «وَالْعِيدَيْنِ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كَانَ يَغْتَسِلُ يومَ الفِطرِ ويَومَ الأضْحى» (¬٤).\rوقال نافعٌ مَوْلَى ابنِ عُمرَ: «كانَ ابنُ عُمرَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطرِ قبلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصلَّى» (¬٥).\r٣ - «وَالِاسْتِسْقَاءِ»؛ لأنَّه مَحَلٌّ يُشْرَعُ فيه اجتماعُ النَّاسِ فيُقاسُ على الجُمعةِ، ومِثْلُه الخسوفُ والكسوفُ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٦٦)، ومسلم (٢٦٨).\r(¬٢) رواه البخاري (٨٥٤)، ومسلم (٨٤٤).\r(¬٣) رواه مسلم (٨٤٤).\r(¬٤) رواه ابن ماجه (١٣١٥).\r(¬٥) رواه مالكٌ في الموطَّأ (٤٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354641,"book_id":264,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":36,"body":"٤ - «وَالْخُسُوفِ»، الخُسوفُ للقمرِ، وهو ذَهابُ نُورِه، والكُسوفُ للشَّمسِ، وهو ذَهابُ ضَوْئِها، ويُسَنُّ الاغتسالُ لهما؛ لأنَّهما صلاتانِ يُشْرَعُ الاجتماعُ لهما فيُسْتَحَبُّ الاغتسالُ لهما قِياسًا على الجُمُعةِ.\r٥ - «وَالْكُسُوفِ»؛ لما ذُكِرَ في الفِقرةِ السَّابقةِ.\r٦ - «وَالْغُسْلُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَلْيَغْتَسِلْ» (¬١).\r٧ - «وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ»؛ لحديثِ قيسِ بنِ عاصمٍ ﵁ قال: «أتيتُ النَّبيَّ ﷺ أُريدُ الإسلامَ، فَأَمَرَني أنْ أَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ» (¬٢).\r٨، ٩ - «وَالْمَجْنُونُ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالتْ: ثَقُلَ رَسولُ اللهِ ﷺ فقال: «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، فقلنا: لا، هم يَنتظرونَك يا رسولَ اللهِ، فقال: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا، فاغْتَسَلَ، ثم ذَهَبَ ليَنُوءَ فأُغْمِيَ عليه، ثم أفاقَ فقالَ، «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، فقلنا: لا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رسولَ اللهِ، فقال: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»، ففَعَلْنَا، فاغْتَسَلَ، ثم ذَهَبَ لينُوءَ فَأُغْمِيَ عليه، ثم أفاقَ، فقال: «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، فقلنا لا، وهم يَنْتَظِرُونَكَ يا رسولَ اللهِ، قالتْ: والنَّاسُ عُكُوفٌ في المسجِدِ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٩٥٩٩)، وابن ماجه (١٤٦٣) وابن حبَّان (١١٦١).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٠٦٣٠)، وأبو داودَ (٣٥٥)، والترمذي (٦٠٥)، والنسائي (١٨٨)، وقالَ الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ، لا نَعْرِفُه إلا من هذا الوجهِ، والعملُ عليه عندَ أهلِ العلمِ: يَسْتَحِبُّونَ للرَّجُلِ إذا أَسْلَمَ أنْ يَغتسلَ ويَغْسِلَ ثيابَه».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354642,"book_id":264,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":37,"body":"ينتظرونَ رسولَ اللهِ ﷺ لصلاةِ العِشاءِ الآخِرةِ، قالتْ: فَأَرْسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى أبي بكرٍ أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ (¬١).\rويُقاسُ المجنونُ على المُغْمَى عليه مِن بابِ أَوْلى.\r١٠ - «وَالْغُسْلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ»؛ لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ ﵁ أنَّه: «رأى النَّبيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإهلالِهِ واغْتَسَلَ» (¬٢).\r١١ - «وَلِدُخُولِ مَكَّةَ»؛ لحديثِ نافعٍ، أنَّ ابنَ عُمَرَ: «كانَ لا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا باتَ بذي طُوًى حتَّى يُصْبِحَ، ويَغْتَسِلَ، ثم يَدْخُلُ مَكَّةَ نهارًا، ويَذْكُرُ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه فَعَلَه» (¬٣).\r١٢ - «وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ»؛ لحديثِ نافعٍ، أنَّ ابنَ عُمَرَ ﵁: «كانَ يَغْتَسِلُ لإحرامِهِ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ، ولدخولِهِ مَكَّةَ، ولوقوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ» (¬٤).\r١٣ - «وَلِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ»؛ لاجتماعِ النَّاسِ له، فكانَ كالجُمُعةِ.\r١٤ - «وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ»؛ لما ذُكِرَ في الفِقرةِ السَّابقةِ.\r١٥ - «وَلِلطَّوَافِ»؛ لاجتماعِ النَّاسِ له، فكانَ كالجُمعةِ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٥٥)، ومسلم (٤١٨)، وقولُها: ثَقُلَ: أيْ مِن شِدَّةِ المرضِ، والمِخْضبُ: وعاءٌ تُغْسَلُ فيه الثِّيابُ، ينوءُ: ينهضُ بجهدٍ ومشقَّةٍ.\r(¬٢) رواه الترمذي (٨٣٠)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ»، وقولُه: «لإهلالِه»؛ أي: لإحرامِه، والإهلالُ: رفعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ.\r(¬٣) رواه البخاري (١٤٩٨)، ومسلم (١٢٥٩).\r(¬٤) رواه مالكٌ في «الموطَّأ» (٩٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354643,"book_id":264,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":38,"body":"١٦ - «وَلِلسَّعْيِ»؛ لما ذُكِرَ في الفِقرةِ السَّابقةِ.\r١٧ - «وَلِدُخُولِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ»؛ لزيارتِهِ ﷺ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي المَسْحِ على الخُفَّيْن\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:\r١ - أَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ»؛ لحديثِ المغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ قال: كنتُ مع النَّبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ في مَسِيرٍ، فقالَ لي: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟»، قلتُ: نعم، فَنَزَلَ عن راحِلَتِه، فمشى حتى توارى في سَوادِ الليلِ، ثم جاءَ فَأَفْرَغْتُ عليه مِنَ الإداوةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وعليه جُبَّةٌ مِن صوفٍ، فلم يَسْتَطِعْ أن يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ منها حتَّى أَخْرَجَهُما مِن أَسْفَلِ الجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذراعيهِ، ومَسَحَ برأسِهِ، ثم أهويتُ لأنزِعَ خُفَّيْهِ، فقال: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، ومَسَحَ عليهما (¬١).\rوأمَّا كيفيَّةُ المسحِ؛ فقد قالَ الشِّيرازيُّ ﵀ في «المُهَذَّبُ»: «والمُسْتَحَبُّ أنْ يَمْسَحَ أعلى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ فيَغْمِسَ يَدَيْهِ في الماءِ ثُمَّ يَضَعَ كَفَّهُ اليُسْرى تَحْتَ عَقِبِ الخُفِّ وكَفَّهُ اليُمْنَى على أطرافِ أصابِعِه ثم يُمِرَّ اليُمْنى إلى ساقِه واليُسرى إلى أطرافِ أصابِعِهِ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥٤٦٣)، ومسلم (٢٧٤).\r(¬٢) «المهذَّب» (١/ ٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354644,"book_id":264,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":39,"body":"قال النوويُّ ﵀ في «شَرْحُ الْمُهَذَّبِ»: «وكَيْفِيَّتُهُ كما ذَكَرَ المُصَنِّفُ ﵀؛ لكونِهِ أَمْكَنَ وَأَسْهَلَ، ولأنَّ اليدَ اليُسْرى لمباشَرَةِ الأقذارِ والأذى، واليُمنى لغيرِ ذلك، فكانتِ اليُسرى أَلْيَقَ بِأَسْفَلِه واليُمْنى بأعلاه» (¬١).\r٢ - «وَأَنْ يَكُونَا سَاتِرَيْنِ لِمَحَلِّ غَسْلِ الْفَرْضِ مِنَ الْقَدَمَيْنِ»؛ لأنَّهما إنْ لم يَكونا ساتريْنِ، فَسَيَكُونُ ما ظَهَرَ مِنَ القَدَمِ حُكْمُهُ الغَسْلُ، وما اسْتَتَرَ مِنَ القَدَمِ حُكْمُهُ المَسْحُ، ولا قائلَ بالجَمْعِ بَيْنَهُما.\r٣ - «وَأَنْ يَكُونَا مِمَّا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ عَلَيْهِمَا»، أي يَكونا قويَّيْنِ بحيثُ يَمنعانِ نُفوذَ الماءِ إلى القَدَمَيْنِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ، وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ يُحْدِثُ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ؛ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ»؛ لحديثِ شُرَيْحِ بنِ هانئٍ، قال: أتيتُ عائشةَ ﵂ أَسْأَلُها عن المسحِ على الخُفَّيْنِ، فقالتْ: عليكَ بابنِ أبي طالبٍ، فَسَلْهُ فإنَّه كانَ يُسافِرُ مع رسولِ اللهِ ﷺ فسألناه فقال: «جَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثةَ أيَّامٍ ولَيَالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا وليلةً للمُقيمِ» (¬٢).\rوابتداءُ مُدَّةِ المسح تُحسبُ من حين يحدث؛ لا من وقت","footnotes":"(¬١) «المَجْموع شَرْح المُهَذَّب» (١/ ٥١٨).\r(¬٢) رواه مسلم (٢٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354645,"book_id":264,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":40,"body":"المسح، ولا من ابتداء اللبس، فإن مَسَحَ الشَّخْصُ فِي الحَضَرِ ثُمَّ سافر أو مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أقام قبل مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَتَمَّ مسحَ مُقِيم، قال الغزي ﵀: «والسُّنَّةُ فِي مَسْحِهِ أن يكون خُطُوطًا، بِأَنْ يُفَرِّجَ الماسِحُ بين أَصَابِعِهِ ولا يَضُمَّهَا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَبْطُلُ الْمَسْحُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:\r١ - بِخَلْعِهِمَا»، إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ أو أَحَدَهُمَا أو انْخَلَعَ الخُفُّ بِنَفْسِه أو خَرَجَ الخُفُّ عن صلاحيَةِ المَسْحِ عليه لتخَرُّقِه أو ضَعْفِه أو غَيْرِ ذلك فإنَّه لا يَمْسَحُ عليه.\r٢ - «وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ»، إذا مَضَى يومٌ وليلةٌ للمُقِيمِ أو ثلاثةُ أيَّامٍ للمُسافرِ بَطَلَ مَسْحُهُ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ صَفوانَ ﵁ الآتي.\r٣ - «وَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ»؛ لحديثِ صَفوانَ بنِ عَسَّالٍ ﵁ قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنا إذا كنَّا مُسافِرِينَ أنْ نَمْسَحَ على خِفافِنا ولا نَنْزِعَها ثلاثةَ أيَّامٍ مِن غائطٍ وبولٍ ونومٍ إلَّا مِن جنابةٍ» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي التَّيمُّم\rالتَّيَمُّمُ في اللُّغةِ: القصدُ، ومنه قولُه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].","footnotes":"(¬١) «فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب» (ص: ٤٩).\r(¬٢) رواه أحمد (١٨١١٦)، والترمذي (٩٦)، والنسائي (١٢٧)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354646,"book_id":264,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":41,"body":"وفي الاصطلاحِ: مَسحُ الوجهِ واليدينِ بترابٍ طَهورٍ على وجهٍ مخصوصٍ بنِيَّةِ التَّعَبُّدِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «شَرَائِطُ التَّيَمُّمِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - وُجُودُ الْعُذْرِ، بِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].\r٢ - «وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلاةِ»؛ لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» (¬١).\rوفي روايةٍ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسَاجِدَ وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ» (¬٢).\rوروى عِمرانُ بنُ حُصَيْنٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلًا مُعْتزِلًا لم يُصَلِّ في القومِ فقال: «يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا؟»، فقال يا رسولَ اللهِ أصابتْني جَنابةٌ ولا ماءَ، قال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٢٨)، ومسلم (٥٢١).\r(¬٢) رواه أحمد (٧٠٦٨).\r(¬٣) رواه البخاري (٣٤١)، ومسلم (٦٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354647,"book_id":264,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":42,"body":"٣ - «وَطَلَبُ الْمَاءِ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، ولا يُقالُ: لم يَجِدْ؛ إلا بَعْدَ الطَّلَبِ.\r٤ - «وَتَعَذُّرُ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِعْوَازُهُ بَعْدَ الطَّلَبِ»، تَعَذُّرُ اسْتِعْمالِه، كأنْ يَكونَ لمَرَضٍ يُخافُ معه الضَّرَرُ، أو إعوازُهُ بَعْدَ الطَّلَبِ؛ أيْ: لاحتياجِهِ إليه، كأنْ يَخَافَ العَطَشَ على نَفْسِه، أو على رفيقِه أو على دابَّتِه، أو يحتاجَه لطعامِهِ مِن عَجْنِ خُبْزٍ أو غَيْرِه.\r٥ - «وَالتُّرَابُ الطَّاهِرُ، وَلَهُ غُبَارٌ، فَإِنْ خَالَطَهُ جَصٌّ أَوْ رَمْلٌ لَمْ يُجْزِ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، قالَ الشَّافعيُّ ﵀: ترابٌ له غُبارٌ، والشَّافعيُّ ﵀ حُجَّةٌ في اللُّغةِ، ويؤيِّدُهُ قولُه تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵄: «تَيَمَّمْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ فَضَرَبْنا بأيدينا على الصَّعيدِ الطَّيِّبِ، ثم نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا فَمَسَحْنا بها وجوهَنا، ثُمَّ ضَرَبْنَا ضَربةً أخرى الصَّعيدَ الطَّيِّبَ، ثُمَّ نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا، فَمَسَحْنا بأيدينا مِنَ المِرْفَقِ إلى الكَفِّ على نابِتِ الشَّعْرِ مِن ظاهرٍ وباطنٍ» (¬١).\rقال النَّوَوِيُّ ﵀: «وقد صَحَّ عن ابنِ عُمَرَ مِن قولِهِ وفِعْلِه: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ؛ ضَرْبَةٌ للوجهِ، وضَرْبَةٌ لليدينِ إلى المِرْفَقَيْنِ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَفَرَائِضُهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - النِّيَّةُ»؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه الحاكم (٦٣٥).\r(¬٢) «المجموع شرح المهذَّب» (٢/ ٢١٢).\r(¬٣) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354648,"book_id":264,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":43,"body":"٢ - «وَمَسْحُ الْوَجْهِ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\r٣ - «وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ»، قياسًا على الوُضوءِ في الآيةِ.\r٤ - «وَالتَّرْتِيبُ»، كما جاءَ -أيضًا- في الآيةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَسُنَنُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - التَّسْمِيَةُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» (¬١).\r٢ - «وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «كانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه وطُهورِه وفي شأنِه كُلِّه» (¬٢).\r٣ - «وَالْمُوَالَاةُ»، وهي التَّتابُعُ في التَّطهيرِ بينَ الأعضاءِ، ودليلُها القِياسُ على الوُضوءِ، وقد سَبَقَتْ أَدِلَّتُه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ ثَلاثةُ أَشْيَاءَ:\r١ - كُلُّ مَا أَبْطَلَ الْوُضُوءَ»؛ لأنه بَدَلُه، والبَدَلُ له حُكْمُ المُبْدَلِ مِنْهُ.\r٢ - «وَرُؤْيَةُ الْمَاءِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ»؛ أيْ: في غيرِ حالِ","footnotes":"(¬١) رواه عبدُ القادرِ الرَّهاويُّ في «الأربعين»، وهو حديثٌ حسن؛ كما قال النوويُّ ﵀ في «الأذكار» (ص: ١١٢).\r(¬٢) رواه البخاري (١٦٦)، ومسلم (٢٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354649,"book_id":264,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":44,"body":"الصَّلاةِ، وقَبْلَ الدُّخولِ فيها؛ لأنَّه لم يَشْرَعْ في المقصودِ، فصارَ كما لو رآه في أثناءِ التَّيَمُّمِ، ولحديثِ أبي ذَرٍّ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» (¬١).\r٣ - «وَالرِّدَّةُ»، لأنَّها مُحبِطةٌ للعملِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَصَاحِبُ الْجَبَائِرِ يَمْسَحُ عَلَيْهَا، وَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ إِنْ كَانَ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ»، الجبائر جمع جبيرة، وهي خشبةٌ أو قَصَبَةٌ أو نحو ذلك، توضع على الكسر، ويُشَدُّ عليها لينجبرَ الكسر، وصاحبُ الجبيرة يمسح عليها بالماء إذا عسر نزعها؛ لخوف محذور، ويتيمم وُجُوبًا لحديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منَّا حجرٌ فَشَجَّهُ في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخْبِرَ بذلك، فقال: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ يَعْصِبَ علَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢١٤٠٨)، وأبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٢) رواه أبو داود (٣٣٦)، وابن خزيمة (٢٧٣)، وابن حبان (٥٥٩٥)، والحاكم (٥٨٥)، وصححه، وأقره الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354650,"book_id":264,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":45,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَيَتَيَمَّمُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَيُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ»؛ لحديثِ نافعٍ أنَّ ابنَ عمرَ ﵄ قال: «يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ وإنْ لم يُحْدِثْ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي بيانِ النَّجاساتِ وإزالتِهَا\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَائِعٍ خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ نَجِسٌ إِلَّا الْمَنِيَّ»، كلُّ مائعٍ خَرَجَ مِنَ السَّبيليْنِ مُعتادًا كانَ كالبولِ والغائطِ، أو نادرًا، كالدَّمِ والقَيْحِ؛ نَجِسٌ؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: أتى النَّبيُّ ﷺ الغائطَ فأمَرَني أنْ آتِيَهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فوجدتُ حَجَرَيْنِ، والتمستُ الثَّالثَ فلم أَجِدْهُ، فأخذتُ رَوْثَةً، فأتيتُه بها، فأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وألقى الرَّوثةَ، وقال: «هَذَا رِكْسٌ» (¬٢).\rولحديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ أعرابيًّا بالَ في المسجِدِ، فقامَ إليه بعضُ القومِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ»، قال: فلمَّا فَرَغَ دعا بدلوٍ مِن ماءٍ فصَبَّه عليه (¬٣).\rولحديثِ عليٍّ ﵁ قال: كنتُ رجلًا مَذَّاءً، فاستحييتُ أنْ أسألَ رسولَ اللهِ ﷺ، فأمرتُ المِقْدادَ بنَ الأسودِ فَسَأَلَه، فقال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٩٩٤)، وقال: «إسنادُه صحيح».\r(¬٢) رواه البخاري (١٥٥).\r(¬٣) رواه البخاري (٥٦٧٩)، ومسلم (٢٨٤).\r(¬٤) رواه البخاري (٢٦٦)، ومسلم (٣٠٣)، وقولُه: «مَذَّاءٌ»: كثيرُ خروجِ المَذْيِ، وهو ماءٌ أصفرُ رقيقٌ يَخْرُجُ عندَ ثورانِ الشَّهوةِ، بسببِ الملاعَبَةِ والتقبيلِ ونحوِ ذلك، وفي حكمِه الوَدْيُ، وهو ماءٌ أبيضُ ثخينٌ يخرجُ عقيبَ البولِ أو عندَ حملِ شيءٍ ثقيلٍ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354651,"book_id":264,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":46,"body":"فدَلَّتْ هذه الأحاديثُ على نجاسةِ الأشياءِ المذكورةِ، لغَسْلِهِ ﷺ لها أو الأمرِ بغَسْلِها أو التَّصريحِ بنجاسَتِها، ويُقاسُ ما لم يُذْكَرْ فيها ممَّا يَخْرُجُ مِنَ السَّبيلَيْنِ، على ما ذُكِرَ.\rوقولُهُ: «إِلَّا الْمَنِيَّ»؛ أيْ: إلَّا المَنيَّ فإنَّه طاهرٌ، وليس بنَجِسٍ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «لقد رأيتُني أَفْرُكُهُ مِن ثوبِ رسولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا فيصلِّي فيه» (¬١)، فلو كانَ نجِسًا لم يَكْفِ فَرْكُه.\rوأمَّا روايةُ الغَسلِ، وهي قولُ عائشةَ ﵂: كنتُ أَغْسِلُ الجنابةَ مِن ثوبِ النَّبيِّ ﷺ فَيَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ وإنَّ بُقَعَ الماءِ في ثَوْبِه» (¬٢)، فمحمولةٌ على النَّدْبِ والاستحبابِ.\rيَقولُ ابنُ حِبَّانَ ﵀: «كانت عائشةُ ﵂ تَغْسِلُ المَنِيَّ مِن ثوبِ رسولِ اللهِ ﷺ إذا كانَ رَطْبًا؛ لأنَّ فيه استطابةً للنَّفْسِ، وتَفْرُكُه إذا كانَ يابسًا، فيصلِّي ﷺ فيه، فهكذا نقولُ ونختارُ: إنَّ الرَّطْبَ منه يُغْسَلُ لطِيبِ النَّفْسِ، لا أنَّه نَجِسٌ، وإنَّ اليابسَ منه يُكْتَفى منه بالفَرْكِ اتبِّاعًا للسُّنَّةِ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَغَسْلُ جَمِيعِ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٨٨)\r(¬٢) رواه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٨٩)\r(¬٣) «صحيح ابن حبَّان» (٤/ ٢٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354652,"book_id":264,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":47,"body":"وَاجِبٌ، إِلَّا بَوْلَ الصَّبِيِّ الَّذي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ»، سَبَقَ الكلامُ على الأبوالِ والأرواثِ، وأمَّا بولُ الصَّبِيِّ الَّذي لم يَأْكُلِ الطَّعامَ؛ فإنَّه يَطْهُرُ بِرَشِّ الماءِ عليه؛ فلحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في بولِ الغلامِ الرَّضيعِ: «يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ» (¬١).\rولحديثِ أُمِّ قيسِ بنتِ مِحْصَنٍ ﵂: «أنَّها أتتْ بابنٍ لها صغيرٍ لم يَأْكُلِ الطَّعامَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فَأَجْلَسَهُ رسولُ اللهِ ﷺ في حِجْرِهِ، فبالَ على ثَوْبِه، فدعا بماءٍ، فَنَضَحَه ولم يَغْسِلْه» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِلَّا الْيَسِيرَ مِنَ الدَّمِ وَالْقَيْحِ»، كَدَمِ البراغيثِ، ونحوِه؛ ممَّا تَعُمُّ به البلوى ويَشُقُّ الاحترازُ منه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ؛ إِذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ وَمَاتَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ»؛ أي: لا دَمَ لها سائلٌ؛ كذُبابٍ ونحلٍ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٥٦٣)، وأبو داود (٣٧٧)، والترمذي (٦١٠)، وابن ماجه (٥٢٥)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن».\r(¬٢) رواه البخاري (٢٢١)، ومسلم (٢٨٧)، ونَضَحَهُ: أي رشَّه.\r(¬٣) رواه البخاري (٣١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354653,"book_id":264,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":48,"body":"ووجهُ الاستدلالِ: أنَّه لو كانَ يُنَجِّسُه لم يَأْمُرْ بِغَمْسِه، ويُقاسُ على الذُّبابِ كلُّ ما في معناه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ طَاهِرٌ إِلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا»؛ أيْ: جميعُ الحيواناتِ طاهرةُ العينِ حالَ الحياةِ، إلَّا الكلبَ والخِنزيرَ؛ لأنَّ كلًّا منهما نَجِسُ العينِ؛ لقولِه تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وللحديثِ الآتي، والذي فيه الأمرُ بالتَّطهيرِ مِن وُلوغِ الكلبِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَيْتَةُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ إِلَّا السَّمَكَ، وَالْجَرَادَ، وَالْآدَمِيَّ»، أيْ جميعُ المَيْتاتِ نَجِسَةٌ إلا ما اسْتُثْنِيَ، وطهارةُ مَيْتَةِ السَّمكِ والجرادِ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أُحِلَّتْ لكم مَيْتتانِ ودَمَانِ، فأمَّا المَيْتتانِ، فالحوتُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمَانِ، فالكَبِدُ والطِّحالُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَيُغْسَلُ مِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ مَرَّةً تَأْتِي عَلَيْهِ، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ»، غَسْلُ الإناءِ مِن وُلوغِ الكلبِ سبعَ مرَّاتٍ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٥٧٢٣) وابن ماجه (٣٣١٤) عن ابنِ عمرَ ﵄ مرفوعًا، ورواه البيهقيُّ في «السُّننِ الكبرى» (١٨٧٧٦) موقوفًا على ابنِ عمرَ، وقال: «هذا هو الصَّحيحُ»، وهو في حكمِ المرفوعِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354654,"book_id":264,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":49,"body":"بِالتُّرَابِ» (¬١).\rويُقاسُ الخِنزيرُ على الكلبِ؛ لأنَّ نجاسَتَهُ أَغْلَظُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا تَخَلَّلَتِ الْخَمْرَةُ بِنَفْسِهَا طَهُرَتْ»؛ لأنَّ عِلَّةَ النَّجاسةِ الإسكارُ، وقد زالت بالتَّخَلُّلِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا لَمْ تَطْهُرْ»؛ لأنَّ ما يُطْرَحُ فيها يَتَنَجَّسُ بملاقاتِها، ويَبقى متنجِّسًا، فإذا انقلبتْ خَلًّا وهو فيها نَجَّسَها.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الحيضِ والنِّفاسِ والاستحاضة\rقال أبو شجاع ﵀: «يَخْرُجُ مِنَ الْفَرْجِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ: دَمُ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَالِاسْتِحَاضَةِ»؛ أيِ: الَّذي يَخْرُجُ مِن قُبُلِ المرأةِ مما تَتَعَلَّقُ به الأحكامُ الشَّرعيَّةُ مِنَ الدِّماءِ ثلاثةٌ، ولكلٍّ منها حدٌّ يُمَيِّزُه.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَالْحَيْضُ هُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْوِلَادَةِ، وَلَوْنُهُ أَسْوَدُ مُحْتَدِمٌ لَذَّاعٌ»، مُحْتَدِمٌ: أيِ اشتَدَّتْ حُمْرَتُه حتى اسْوَدَّ، ولذَّاعٌ: أي مُوجِعٌ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالنِّفَاسُ هُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِبَ الْوِلَادَةِ»، أيْ بَعْدَ فَراغِ الرَّحِمِ مِنَ الحَمْلِ.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354655,"book_id":264,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":50,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَالِاسْتِحَاضَةُ هُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ»؛ لمرضٍ، أو فسادٍ مِن عِرْقٍ، تَقولُ عائشةُ ﵂: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إني امرأةٌ أُسْتحاضُ فلا أَطْهُرُ، أفأدعُ الصَّلاةَ؟ فقالَ ﷺ: «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، وَأَقَلُّ النِّفَاسِ لَحْظَةٌ، وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وَغَالِبُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ، وَأَقَلُّ زَمَنٍ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ، وَأَقَلُّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَغَالِبُهُ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ»، استُدِلَّ لأقلِّ الحملِ بقولِه تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]؛ مع قولِه تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فإذا كانَ مجموعُ الحمْلِ والفِصالِ ثلاثينَ شهرًا، والفِصالُ -الذي هو الفِطامُ- وَحْدَه عامَيْنِ، كانَ الحملُ سِتَّةَ أشهرٍ.\rوباقي هذه التَّقاديرِ في الحيضِ والنِّفاسِ والطُّهْرِ مَبناها الاستقراءُ، أيْ: تَتَبُّعُ الحوادثِ، وقد وُجِدت وقائعُ أَثْبَتَتْها.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٠٠)، ومسلم (٣٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354656,"book_id":264,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":51,"body":"وأمَّا حديثُ أمِّ سَلمةَ ﵂: «كانتِ النُّفَساءُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفاسِها أربعينَ يومًا»، فمحمولٌ على الغالِبِ، وهو لا يَنفي الزِّيادةَ (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - الصَّلَاةُ»؛ لحديثِ فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيْشٍ السَّابقِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ» (¬٢).\rوالنِّفاسَ كالحيضِ فِي غالبِ الأحكامِ مما يَحِلُّ أو يَحْرُمُ، وما يُكْرَهُ أو يُنْدَبُ.\r٢ - «وَالصَّوْمُ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ»، فقلْنَ: وبم يا رسولَ اللهِ؟ قال: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، قُلْنَ: وما نُقصانُ دينِنا وعَقْلِنا يا رسولَ اللهِ؟ قال: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ»؟ قُلْنَ: بلى، قال: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ»؟ قُلْنَ: بلى، قال: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» (¬٣).","footnotes":"(¬١) حديثُ أمِّ سلمةَ رواه أحمد (٢٦٦٠٣)، وأبو داود (٣١١)، والترمذي (١٣٩)، وابن ماجه (٦٤٨)، والحاكم (٦٢٢)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.\r(¬٢) انظر: السَّابقَ.\r(¬٣) رواه البخاري (٢٩٨)، ومسلم (٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354657,"book_id":264,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":52,"body":"وتَقضي الحائضُ والنُّفَساءُ الصَّومَ ولا تَقضي الصَّلاةَ؛ لحديثِ مُعاذةَ بنتِ عبدِ اللهِ العَدَوِيَّةِ امرأةِ صِلَةَ بنِ أَشْيَمَ قالت: سألتُ عائشةَ ﵂ فقلتُ: ما بالُ الحائضِ تَقضي الصَّومَ ولا تَقضي الصَّلاةَ؟ قالت: «كانَ يُصِيبُنا ذلك، فنؤمَرُ بقضاءِ الصَّومِ، ولا نُؤْمَرُ بقضاءِ الصَّلاةِ» (¬١).\r٣ - «وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»؛ لحديثِ إسماعيلَ بنِ عَيَّاشٍ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» (¬٢).\r٤ - «وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].\rولحديثِ عمرِو بنِ حَزْمٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (¬٣).\r٥ - «وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣١٥)، ومسلم (٣٣٥).\r(¬٢) رواه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٦)، وقالَ الترمذي: «وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ، والتَّابعينَ، ومَن بَعْدَهم مثل: سفيانَ الثَّوريِّ، وابنِ المبارَكِ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ ... وسمعتُ محمَّدَ بنَ إسماعيلَ، يقولُ: «إنَّ إسماعيلَ بنَ عيَّاشٍ يروي عن أهلِ الحجازِ، وأهلِ العراقِ أحاديثَ مَنَاكيرَ، كأنَّه ضَعَّفَ روايتَه عنهم فيما يَتفرَّدُ به».\r(¬٣) رواه ابن حبَّان (٦٥٥٩).\r(¬٤) رواه أبو داود (٢٣٢)، وابنُ خُزيمة (١٣٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354658,"book_id":264,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":53,"body":"ولحديثِ عائشةَ ﵂ -أيضًا- قالت: قال لي رسولُ اللهِ ﷺ: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ»، فقلتُ: إني حائضٌ، فقال: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» (¬١).\r٦ - «وَالطَّوَافُ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: خَرَجْنا لا نرى إلا الحَجَّ، فلمَّا كنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فدَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ وأنا أبكي: قال: «مَالَكِ أَنُفِسْتِ؟»، قلتُ: نعم، قال: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»، في روايةٍ: «حَتَّى تَطْهُرِي» (¬٢).\r٧ - «وَالْوَطْءُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\rوالمرادُ باعتزالِهِنَّ؛ تَرْكُ الوطءِ.\r٨ - «وَالِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ»؛ لحديثِ حَرامِ بنِ حكيمٍ، عن عَمِّه ﵁، أنَّه سألَ النَّبيَّ ﷺ: ما يَحِلُّ لي من امرأتي وهي حائضٌ؟ قال: «لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» (¬٣).\rأيْ: فوقَ ما يَسْتُرُهُ الإزارُ، والإزارُ: الثَّوبُ الَّذي يَسْتُرُ وَسَطَ الجِسْمِ، وهو بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكبةِ غالبًا.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٩٨).\r(¬٢) «صحيح البخاري» (٢٩٠)، و «صحيح مسلم» (١٢١١)، وقولُها ﵂: «بسَرِفَ»، هو مكانٌ قُربَ مكَّةَ، وقولُه ﷺ: «أَنُفِسْتِ؟»، يَعني: حِضْتِ؟، وقولُه ﷺ: «فَاقْضِ مَا يَقْضِي الْحَاجُّ»؛ أي: افعلي ما يَفْعلُه الحاجُّ من المَنَاسكِ.\r(¬٣) رواه أبو داود (٢١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354659,"book_id":264,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":54,"body":"«فَصْلٌ»\rفي ما يَحْرُمُ على الجُنُبِ والمُحْدِثِ فِعْلُه\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - الصَّلَاةُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» (¬١).\r٢ - «وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» (¬٢).\r٣ - «وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].\rولحديثِ عمرِو بنِ حَزْمٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (¬٣).\r٤ - «وَالطَّوَافُ»؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ لعائشةَ ﵂ عندما حاضت وهُمْ في طريقِهِم للحَجِّ: «اقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (¬٤).\rولحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» (¬٥).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٢٤).\r(¬٢) رواه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٦).\r(¬٣) رواه ابن حبَّان (٦٥٥٩).\r(¬٤) رواه البخاري (٢٩٠)، ومسلم (١٢١١).\r(¬٥) رواه الترمذي (٩٦٠)، والحاكم (٣٠٥٦)، وصَحَّحه وأَقَرَهَّ الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354660,"book_id":264,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":55,"body":"٥ - «وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، والمرادُ بالصَّلاةِ هنا مَواضِعُها؛ لأنَّ العُبورَ لا يَكونُ في الصَّلاةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - الصَّلَاةُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» (¬١).\r٢ - «وَالطَّوَافُ»، لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» (¬٢).\r٣ - «وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].\rولحديثِ عمرِو بنِ حزمٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (¬٣).\rواللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٢٤).\r(¬٢) رواه الترمذي (٩٦٠)، والحاكم (٣٠٥٦)، وصَحَّحه وأَقَرَّه الذَّهبي.\r(¬٣) رواه ابن حبَّان (٦٥٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354661,"book_id":264,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":56,"body":"كِتابُ الصَّلاة\rالصَّلاةُ في اللُّغةِ: الدُّعاءُ، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، أيِ: ادعُ لهم.\rوفي الاصطلاحِ: أقوالٌ وأفعالٌ مُفْتتَحَةٌ بالتَّكبيرِ مُختتَمَةٌ بالتَّسليمِ.\rوقد فُرِضَتِ الصَّلاةُ في ليلةِ الإسراءِ والمِعراجِ قَبْلَ الهجرةِ بسَنَةٍ ونصفِ سنةٍ، وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّها أحدُ أركانِ الإسلامِ.\rوالأصلُ في مشروعيَّةِ الصَّلاةِ مِنَ الكِتابِ قولُه تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].\rومِنَ السُّنَّةِ حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (¬١).\rوجاءَ في حديثِ الإسراءِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً ... فَرَاجَعْتُهُ فقال: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\r(¬٢) رواه البخاري (٣٤٢)، ومسلم (١٦٣)، وقولُه ﷺ: «هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ»، يعني خمسٌ من حيثُ الفعلُ، وخمسون من حيثُ الأجرُ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354662,"book_id":264,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":57,"body":"«فَصْلٌ»\rفي مَواقيتِ الصَّلاة\rقال أبو شجاع ﵀: «الصَّلاةُ الْمَفْرُوضَةُ خَمْسَةٌ:\r١ - الظُّهْرُ، وَأَوَّلُ وَقْتِهَا زَوَالُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مَثْلَهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ»، يقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّنِي جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ يَعْنِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقال: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» (¬١).\rقالَ الشَّافعيُّ ﵀: «وأوَّلُ وقتِ الظُّهرِ إذا اسْتَيْقَنَ الرَّجُلُ بزوالِ الشَّمسِ عن وَسَطِ الفَلَكِ، وظِلُّ الشَّمسِ في الصَّيْفِ يَتَقَلَّصُ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٣٠٨١)، وأبو داود (٣٩٣)، والحاكم (٦٩٥)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي، و «الشِّرَاك»، سير من سيور النعل التي تكون على وجهها، وقدره هنا ليس على معنى التحديد، ولكن زوال الشمس لا يبين إلا بأقل ما يرى من الظل وكان حينئذ بمكة هذا القدر، و «الشَّفَق»، هو الحُمرةُ الَّتي تَظْهَرُ بعدَ غروبِ الشَّمسِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354663,"book_id":264,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":58,"body":"حتَّى لا يَكونَ لشيءٍ قائمٍ مُعتدِلٍ نِصْفَ النَّهارِ ظِلٌّ بحالٍ، وإذا كانَ ذلك فَسَقَطَ للقائمِ ظِلٌّ، ما كانَ الظِّلُّ فقد زالتِ الشَّمسُ وآخِرُ وَقْتِها في هذا الحينِ إذا صارَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَهُ فإذا جاوَزَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه بشيءٍ ما كانَ فقد خَرَجَ وقتُها ودَخَلَ وقتُ العصرِ لا فَصْلَ بيْنهما إلا ما وَصَفْتُ» (¬١).\r٢ - «وَالْعَصْرُ: وَأَوَّلُ وَقْتِهَا الزِّيَادَةُ عَلَى ظِلِّ الْمِثْلِ، وَآَخِرُهُ فِي الِاخْتِيَارِ إِلَى ظِلِّ الْمِثْلَيْنِ، وَفِي الْجَوَازِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (¬٢).\rقال الغزي ﵀: «وللعصرِ خمسةُ أوقات، أحدها: وقت الفضيلة، وهو فعلُها أوَّلِ الوقت؛ والثاني: وقت الاختيار، وأشار له بقوله: (وَآخِرُهُ فِي الِاخْتِيَارِ إِلَى ظِلِّ الْمِثْلَيْنِ)، والثالث: وقت الجواز، وأشار له بقوله: (وَفِي الْجَوَازِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ)؛ والرابع وقت جواز بلا كراهة، وهو مِن مصيرِ الظِّلِّ مثلين إلى الاصفرار؛ والخامس: وقت تحريم، وهو تأخيرها إلى أن يبقى مِن الوقتِ ما لا يسعها» (¬٣).","footnotes":"(¬١) «الأُم» (٢/ ١٥٧).\r(¬٢) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٠٨).\r(¬٣) «فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب» (ص: ٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354664,"book_id":264,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":59,"body":"٣ - «وَالْمَغْرِبُ: وَوَقْتُهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ: غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَبِمِقْدَارِ مَا يُؤَذِّنُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ السَّابقِ وفيه: أنَّ جبريلَ ﵇ صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ المَغْرِبَ في اليوميْنِ حينَ أَفْطَرَ الصَّائمُ.\r٤ - «وَالْعِشَاءُ: وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا غَابَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ، وَآخِرُهُ فِي الِاخْتِيَارِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَفِي الْجَوَازِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي»؛ لحديثِ أبي قَتادةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى» (¬١).\rفدلَّ على أنَّ وقتَ الصَّلاةِ لا يَخْرُجُ إلَّا بدُخولِ وقتِ غيْرِها، وَخَرَجَتِ الصُّبحُ مِن هذا العمومِ بدليلٍ فَبَقِيَ الحديثُ على مقتضاهُ في غَيْرِها.\rوقالَ النَّوويُّ ﵀: «للعِشاءِ أربعةُ أوقاتٍ: فضيلةٌ، واختيارٌ، وجَوازٌ، وعُذْرٌ، فالفضيلةُ؛ أوَّلُ الوقتِ، والاختيارُ؛ بَعْدَهُ إلى ثُلُثِ اللَّيلِ في الأصحِّ، وفي قولٍ؛ نِصْفَهُ، والجَوازُ؛ إلى طلوعِ الفجرِ الثَّاني، والعُذرُ وقتُ المَغْرِبِ لمَنْ جَمَعَ بِسَفَرٍ أوْ مَطَرٍ» (¬٢).\r٥ - «وَالصُّبْحُ: وَأَوَّلُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَآخِرُهُ فِي","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٦٨١).\r(¬٢) «المجموع» (٣/ ٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354665,"book_id":264,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":60,"body":"الِاخْتِيَارِ إِلَى الْإِسْفَارِ، وَفِي الْجَوَازِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ»، الفجرُ الثَّاني: هو المُنْتَشِرُ ضَوْؤُه مُعْتَرِضًا بالأفقِ، وهذا يُسَمَّى بالفجرِ الصَّادقِ، أمَّا الفجرُ الأوَّلُ؛ فإنَّهُ يَطْلُعُ قبلَ ذلك مستطيلًا ذاهبًا في السَّماءِ، وله ضوءٌ طويلٌ كذَنَبِ الذِّئبِ، ثُمَّ تَعْقُبُه ظُلْمَةٌ، وهذا يُسَمَّى الفجرَ الكاذبَ.\rقال الغزي ﵀: وللصبحِ «خمسةُ أوقات: أحدها: وقت الفضيلة، وهو أول الوقت؛ والثاني: وقت الاختيار، وذكره المصنف في قوله: (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَآخِرُهُ فِي الِاخْتِيَارِ إِلَى الْإِسْفَارِ)، وهو الإضاءة؛ والثالث: وقت الجواز، وأشار له المصنف بقوله: (وَفِي الْجَوَازِ)؛ أي: بكراهة، (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ)؛ والرابع: جواز بلا كراهة إلى طلوع الحُمرة؛ والخامس: وقت تحريم، وهو تأخيرها إلى أن يبقى من الوقت ما لا يسعها.\r\r«فَصْلٌ»\rفي شروطِ وجوبِ الصَّلاة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - الْإِسْلَامُ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثَ مُعاذًا ﵁ إلى اليَمنِ فقال: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354666,"book_id":264,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":61,"body":"أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» (¬١).\r٢ - «وَالْبُلُوغُ»؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬٢)، والاحتلامُ إحدى علَاماتِ البلوغِ؛ فإنَّ للبلوغِ أربعَ علَاماتٍ؛ ثلاثٌ منها يشترِكُ فيها الذَّكرُ والأنثى، وهي: الاحتلامُ، ونباتُ الشَّعرِ الخشِنِ حوْلَ العانةِ، وبلوغُ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، وتَزيدُ الأنثى بعلَامةٍ رابعةٍ، وهي: نزولُ دمِ الحيضِ.\r٣ - «وَالْعَقْلُ وَهُوَ حَدُّ التَّكْلِيفِ»، ودليلُه الحديثُ السَّابقُ، فإذا اجتمعتْ هذه الأمورُ الثَّلاثةُ المذكورةُ وُجِدَ التَّكليفُ بالصَّلاةِ وغيرِها مِن فروعِ الشَّريعةِ، وإذا لم تَجتمعِ انتفى التَّكليفُ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الصَّلواتِ المَسْنُونَات\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالصَّلَوَاتُ الْمَسْنُونَاتُ خَمْسٌ: الْعِيدَانِ، وَالْكُسُوفَانِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ»، الصَّلواتُ المسنوناتُ تَنقسمُ إلى قِسمينِ؛ قسمٍ تُسَنُّ فيه الجماعةُ، وهو هذه الخمسُ المذكورةُ،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).\r(¬٢) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابنُ خُزَيْمَةَ (١٠٠٣)، وابنُ حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصَحَّحَه، وأَقَرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354667,"book_id":264,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":62,"body":"ورَتَّبْتُها في الأفضليَّةِ على حكمِ ترتيبِها المذكورِ، ولها أبوابٌ تُذْكَرُ فيها إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالسُّنَنُ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً»، هذا القِسمُ الَّذي لا تُسَنُّ فيه الجماعةُ، وهو:\r١ - «رَكْعَتَا الْفَجْرِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «لم يَكُنِ النَّبيُّ ﷺ على شَيءٍ مِنَ النَّوافلِ أَشَدَّ منه تعاهدًا على ركعَتَيِ الفَجْرِ» (¬١).\r٢ - «وَأَرْبَعٌ قَبَلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يصلِّي في بيتي قبْلَ الظُّهرِ أربعًا، ثمَّ يَخْرُجُ فيصلِّي بالنَّاسِ، ثمَّ يَدْخُلُ فيصلِّي ركعتينِ» (¬٢).\r٣ - «وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» (¬٣).\rوكانَ يصلِّيها ركعتينِ ركعتينِ كما في حديثِ عليٍّ ﵁ قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يصلِّي قبْلَ العصرِ أربعَ ركعاتٍ يَفْصِلُ بينهنَّ بالتَّسليمِ» (¬٤).\r٤ - «وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ»؛ لحديثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١١١٦)، ومسلم (٧٢٤).\r(¬٢) رواه مسلم (٧٣٠).\r(¬٣) رواه أحمد (٥٩٨٠)، وأبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠)، وابن حبَّان (٢٤٥٣).\r(¬٤) رواه الترمذي (٤٢٩)، وقال: «حديثٌ حسن».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354668,"book_id":264,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":63,"body":"قَالَ: «حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ» (¬١).\r٥ - «وَثَلَاثٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ، يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ»، الواحدةُ هي أقلُّ الوِتْرِ، وأكثرُه؛ إحدى عشْرةَ ركعة؛ لحديثِ عائشةَ ﵂: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يصلِّي باللَّيلِ إحدى عشْرةَ ركعة، يوتِرُ منها بواحدة» (¬٢).\rووقتُه بينَ صلاةِ العِشاءِ وطلوعِ الفجرِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَثَلَاثُ نَوَافِلَ مُؤَكَّدَاتٌ:\r١ - صَلَاةُ اللَّيْلِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ؛ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» (¬٣).\r٢ - «وَصَلَاةُ الضُّحَى»، وأقلُّها ركعتانِ؛ لحديثِ أبي ذَرٍّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١١٢٦)، ومسلم (٧٢٩).\r(¬٢) رواه مسلم (٧٣٦).\r(¬٣) رواه مسلم (١١٦٣).\r(¬٤) رواه مسلم (٧٢٠)، وقولُه: «عَلَى كُلِّ سُلَامى»، قالَ النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» (٥/ ٢٣٣): «هو بضمِّ السِّينِ وتخفيفِ اللَّامِ، وأصلُه عظامُ الأصابعِ وسائرُ الكَفِّ، ثم اسْتُعْمِلَ في جميعِ عظامِ البدنِ ومفاصِله ... وقولُه ﷺ: (وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى)، ضبطناه (وَيَجْزِي) بفتحِ أوَّلِه وضَمِّه، فالضَّمُّ من الإجزاءِ، والفتحُ مِن جزى يَجْزِي؛ أي: كَفى».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354669,"book_id":264,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":64,"body":"وأَفْضَلُها ثماني ركعاتٍ؛ لحديثِ أمِّ هانئٍ ﵂ قالت: «قامَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى غُسْلِه، فسترتْ عليه فاطمةُ ثم أَخَذَ ثوبَه فالتحفَ به، ثم صلَّى ثمانيَ ركعاتٍ سُبْحَةَ الضُّحى» (¬١).\rوفي روايةٍ أنَّه ﷺ: «يومَ الفتحِ صلَّى سُبحةَ الضُّحَى ثَمَانيَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِن كلِّ ركْعَتَينِ» (¬٢).\rووقتُها مِن ارتفاعِ الشَّمسِ حتَّى الزَّوال، والأفضلُ فعلُها عندَ مُضيِّ رُبُعِ النَّهَارِ؛ لحديثِ زيدِ بنِ أَرْقَمَ ﵁ قال: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ على أهلِ قُباءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الضُّحى، فقال: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ» (¬٣).\r٣ - «وَصَلَاةُ التَّرَاوِيحِ»، وهي عِشرونَ ركعةً بعَشْرِ تسليماتٍ في كلِّ ليلةٍ مِن رمضانَ، وجُملتُها خمسُ ترويحاتٍ، وسُمِّيَتْ تراويحَ لاستراحةِ القومِ بعدَ كلِّ أربعِ ركعاتٍ، وتُسَمَّى -أيضًا- قيامَ رمضانَ، ووقتُها بينَ صلاةِ العِشاءِ وصلاةِ الفجرِ، وتُصَلَّى قَبْلَ الوِترِ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٣٣٦).\r(¬٢) رواه أبو داود (١٢٩٠)، وابنُ خزيمةَ (١٢٣٤).\r(¬٣) رواه مسلم (٧٤٨)، و «الْأوَّابِينَ»، جمعُ أوَّابٍ، وهو المطيعُ الرَّاجعُ إلى الطَّاعةِ، و «تَرْمِضُ»، مِن الرمضاءِ، وهي الرِّمالُ إذا اشْتَدَّتْ حرارتُها بالشَّمسِ؛ أي: حِينَ تَحترقُ أخفافُ الفِصالِ، و «الْفِصَالُ»، هي الصِّغارُ من أولادِ الإبلِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354670,"book_id":264,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":65,"body":"يقولُ السَّائبُ بنُ يَزيدَ ﵁: «كانوا يَقومونَ على عهدِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ في شهرِ رمضانَ بعِشرينَ ركعةً» (¬١).\rوقال يَزيدُ بنُ رومانَ ﵁: «كانَ النَّاسُ يَقومونَ في زمانِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ في رمضانَ بثلاثٍ وعِشرينَ ركعةً» (¬٢).\rويُمْكِنُ الجمعُ بَيْنَ الرِّوايتينِ بأنَّهم كانوا يَقومونَ بعِشرينَ، ويُوتِرونَ بثلاثٍ» (¬٣).\r\r«فَصْلٌ»\rفي شروطِ الصَّلاةِ قبلَ الدُّخولِ فيها\rالشَّرطُ في اللُّغةِ: العَلَامةُ.\rوفي الاصطلاحِ: ما تتوقَّفُ صِحَّةُ الصَّلاةِ عليه وليس جزءًا منها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - طَهَارَةُ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْحَدَثِ، وَالنَّجَسِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].","footnotes":"(¬١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٤٣٩٣).\r(¬٢) المصْدرُ السَّابقُ (٤٣٩٤).\r(¬٣) «السُّنن الكبرى» (٤٣٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354671,"book_id":264,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":66,"body":"٢ - «وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ بِلِبَاسٍ طَاهِرٍ»؛ لقولِه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، ولقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].\r٣ - «وَالْوُقُوفُ عَلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ»؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ قال: «جاءَ أعرابيٌّ فبالَ في طائفةِ المسجدِ، فزَجَرَه النَّاسُ، فنهاهمُ النَّبيُّ ﷺ، فلمَّا قضى بولَه أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِن ماءٍ فأهريقَ عليه» (¬١).\r٤ - «وَالْعِلْمُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].\r٥ - «وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ تَرْكُ الْقِبْلَةِ فِي حَالَتَيْنِ:\r١ - فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فَيَجوزُ في حالةِ القِتالِ أنْ يصلِّيَ الصَّلاةَ فرضًا كانت أو نفلًا؛ راجلًا -يعني ماشيًا على رِجْلَيْه- أو راكبًا على الدَّابَّةِ حيثما تَوَجَّهَتْ به.\r٢ - «وَفِي النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي على راحلتِه حيثُ تَوَجَّهَتْ، فإذا","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢١٩)، ومسلم (٢٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354672,"book_id":264,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":67,"body":"أرادَ الفريضةَ نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ القِبلةَ» (¬١).\rولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُسَبِّحُ على راحلتِهِ قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويُوتِرُ عليها، غَيْرَ أنَّه لا يصلِّي عليها المكتوبةَ» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أركانِ الصَّلاة\rالرُّكنُ في اللُّغة: جانبُ الشَّيءِ.\rوفي الاصطلاحِ: هو ما تَتَوَقَّفُ عليه صِحَّةُ العبادةِ وهو جزءٌ منها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رُكْنًا»، وأجمعُ أدِلَّةِ أركانِ الصَّلاة؛ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ المسجدَ، فَدَخَلَ رجلٌ فصلَّى، ثمَّ جاءَ فَسَلَّمَ على رسولِ اللهِ ﷺ، فَرَدَّ رسولُ اللهِ ﷺ السَّلامَ، وقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ الرَّجلُ فصلَّى كما كانَ صلَّى، ثم جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ»، ثمَّ قال: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، حتَّى فَعَلَ ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ، فقال الرَّجلُ: والَّذي بعثَكَ بالحقِّ ما أُحْسِنُ غيْرَ هذا، عَلِّمْني، فقال ﷺ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٩١).\r(¬٢) رواه البخاري (١٠٤٧)، ومسلم (٧٠٠)، وقوله: «يسبح»؛ أي: يصلي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354673,"book_id":264,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":68,"body":"الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (¬١).\rويُطلِقُ العلماءُ على هذا الحديثِ: «حديثُ المسيءِ صلاتَه».\r١ - «النِّيَّةُ»، لحديثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (¬٢).\r٢ - «وَالْقِيَامُ مَعَ الْقُدْرَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].\rولحديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵁ قال: كانَ بي بواسيرُ، فسألتُ النَّبيَّ ﷺ عنِ الصَّلاةِ فقال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (¬٣).\r٣ - «وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبيرِ ... وكانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بالتَّسليمِ» (¬٤).\r٤ - «وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْهَا»؛ لحديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (¬٥).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٧٢٤)، ومسلم (٣٩٧).\r(¬٢) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).\r(¬٣) رواه البخاري (١٠٦٦).\r(¬٤) رواه مسلم (٤٩٨).\r(¬٥) رواه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٣٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354674,"book_id":264,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":69,"body":"ولحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَفْتَتِحُ صلاتَه بـ ﴿بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ﴾ [الفاتحة: ١]» (¬١).\r٥ - «وَالرُّكُوعُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\r٦ - «وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ»، لقولِهِ ﷺ للمسيءِ في صلاتِه: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا».\r٧ - «وَالرَّفْعُ وَالِاعْتِدَالُ»، لقولِهِ ﷺ للمسيءِ في صلاتِه: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا».\r٨ - «وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ»، لقولِهِ ﷺ، وهو يُكَرِّرُ على المسيءِ في صلاتِه رُكْنَ الطُّمأنينةِ: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا».\r٩ - «وَالسُّجُودُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\r١٠ - «وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ»، لقولِهِ ﷺ للمسيءِ في صلاتِه: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا».\r١١ - «وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ»، لقولِهِ ﷺ للمسيءِ في صلاتِه: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا».\r١٢ - «وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ»، سَبَقَ في الفِقرةِ السَّابقةِ.\r١٣ - «وَالْجُلُوسُ الْأَخِيرُ»، وهو القُعودُ الَّذي يَعْقُبُه السَّلامُ.\r١٤ - «وَالتَّشَهُّدُ فِيهِ»، وقد وَرَدَ في صِيغتِه رواياتٌ صحيحةٌ","footnotes":"(¬١) رواه الترمذي (٢٤٥)، وقال: «ليس إسنادُه بذاك»، ورواه العُقَيليُّ في «الضُّعفاء الكبير» (١/ ٨٠)، وقال: «ولا يَثْبُتُ في الجهرِ بها حديثٌ مُسْنَدٌ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354675,"book_id":264,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":70,"body":"عِدَّةٌ، والرِّوايةُ المفضَّلةُ عندَ الشَّافعيِّ ﵀ المذكورةُ في «مختصَر الْمُزَنِي»، هي الَّتي في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعلِّمُنا التَّشَهُّدَ كما يُعلِّمُنا السُّورةَ مِنَ القرآنِ، فكانَ يقولُ: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ للهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» (¬١).\r١٥ - «وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ فِيهِ»، وقد وَرَدَ في صيغتِه رواياتٌ صحيحةٌ عِدَّةٌ -أيضًا- والروايةُ المفضَّلةُ عندَ الشَّافعيِّ ﵀، والمذكورةُ في «مختصَر المُزَنِيِّ»؛ هي الَّتي في حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلى ﵀ قال: لَقِيَني كعبُ بنُ عُجْرَةَ ﵁، فقال: ألَا أُهدي لك هديَّةً سَمِعْتُها مِنَ النَّبيِّ ﷺ؟ فقلتُ: بلى، فأَهْدِها لي، فقال: سَأَلْنا رسولَ اللهِ ﷺ فقلنا: يا رسولَ اللهِ، كيفَ الصَّلاةُ عليكم أهلَ البيتِ، فإنَّ اللهَ قد عَلَّمَنَا كيف نسلِّمُ عليكم؟ قال: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٤٠٣)، وقولُه: «التَّحيُّاتُ المبارَكاتُ الصَّلواتُ الطَّيِّباتُ»، تقديرُه: والمبارَكاتُ، والصَّلواتُ، والطَّيِّباتُ، لكن حُذِفَتِ الواوُ اختصارًا، وهو جائزٌ معروفٌ في اللُّغةِ؛ كما قالَ النَّوويُّ ﵀ في «شرح صحيح مسلم» (٤/ ١١٦).\r(¬٢) رواه البخاري (٣١٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354676,"book_id":264,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":71,"body":"يَقولُ الشَّافعيُّ ﵀: «ولو لم يَزِدْ رَجلٌ في التَّشهُّدِ على أنْ يقولَ: التَّحيَّاتُ للهِ، أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالحينَ، وصلَّى على رسولِ اللهِ؛ كَرِهْتُ له ذلك، ولم أرَ عليه إعادةً» (¬١).\r١٦ - «وَالتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالتْ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبيرِ ... وكانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بالتَّسليمِ» (¬٢).\r١٧ - «وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ»، مقرونةٌ بالتَّسليمةِ الأُولى.\r١٨ - «وَتَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا»، لخبرِ المسيءِ في صلاتِه، وفيه عَطَفَ النَّبيُّ ﷺ الأركانَ على بَعْضِها بـ «ثُمَّ»، وهي للتَّرتيبِ، وأيضًا لفعلِ النَّبيِّ ﷺ المنقولِ في الأحاديثِ الثابتةِ الصَّحيحةِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي سُننِ الصَّلاة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَسُنَنُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا شَيْئَانِ:\r١ - الْأَذَانُ»، وهو في اللُّغةِ: الإعلامُ، وفي الاصطلاحِ: ذِكْرٌ مخصوصٌ للإعلامِ بدخولِ وقتِ صلاةٍ مفروضةٍ.","footnotes":"(¬١) «الأُم» (١/ ١٤١).\r(¬٢) رواه مسلم (٤٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354677,"book_id":264,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":72,"body":"وألفاظُه: مَثنى إلَّا التكبيرَ أَوَّلَه فأربعٌ، وإلَّا التَّوحيدَ آخِرَه فواحدٌ، ويُضيفُ في أذانِ الفجرِ بعدَ «حيَّ على الفلاحِ» الثَّانيةِ: «الصَّلاةُ خيرٌ مِنَ النَّومِ»، يقولُ محمَّدُ بنُ عبدِ الملِكِ بنِ أبي مَحذورةَ، عن أبيه، عن جَدِّه ﵁ قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ، علِّمْني سُنَّةَ الأذانِ، قال: فمَسَحَ ﷺ مُقَدَّمَ رأسي، وقال: «تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَإِنْ كَانَ صَلَاةُ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (¬١).\r٢ - «وَالْإِقَامَةُ»، وهي ذِكْرٌ مخصوصٌ للإعلامِ بإقامةِ الصَّلاةِ.\rيقولُ عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ ﵁ لمَّا أَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّاقوسِ يُعْمَلُ ليُضْرَبَ به للنَّاسِ لجمعِ الصَّلاةِ طافَ بي وأنا نائمٌ رَجلٌ يَحْمِلُ ناقوسًا في يدِه، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ أتبيعُ النَّاقوسَ؟ قال: وما تَصْنَعُ به؟ فقلتُ: ندعو به إلى الصَّلاةِ، قال: أفلا أدلُّكَ على ما هو خيرٌ مِن ذلك؟ فقلتُ له: بلى، قال: تقولُ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٥٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354678,"book_id":264,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":73,"body":"إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، أَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفَلَاحِ، حيَّ على الفَلَاحِ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، قال: ثمَّ اسْتَأْخَرَ عنِّي غيرَ بعيدٍ، ثمَّ، قال: وتقولُ إذا أقمتَ الصَّلاةَ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفَلَاحِ، قد قامتِ الصَّلاةُ، قد قامتِ الصَّلاةُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، فلمَّا أصبحتُ، أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فأخبرتُه، بما رأيتُ فقال: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ»، فقمتُ مع بلالٍ، فجعلتُ أُلْقيهِ عليه، ويؤذِّنُ به، قال: فَسَمِعَ ذلك عمرُ بنُ الخطَّابِ وهو في بيتِه فخَرَجَ يَجرُّ رداءَه ويقولُ: والَّذي بَعَثَكَ بالحقِّ يا رسولَ اللهِ، لقد رأيتُ مِثْلَ ما رأى، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» (¬١).\rومِنَ الأذكارِ الثَّابتةِ عندَ سماعِ الأذانِ؛ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٦٥٢٥)، وأبو داود (٤٩٩)، وابن حبَّان (١٦٧٩).\r(¬٢) رواه مسلم (٣٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354679,"book_id":264,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":74,"body":"وحديثُ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (¬١).\rويُستثنى مِن موافَقةِ السَّامعِ للمؤذِّنِ قولُه: «حيَّ على الصَّلاةِ»، و «حيَّ على الفَلَاحِ»، فيَقولُ: «لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ»؛ لثبوتِهِ عنِ النَّبيِّ ﷺ (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَبَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا شَيْئانِ:\r١ - التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ بُحَيْنَةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهمُ الظُّهرَ، فقامَ في الرَّكعتينِ الأُولييْنِ لم يَجْلِسْ، فقامَ النَّاسُ معه حتَّى إذا قضى الصَّلاةَ وانتظرَ النَّاسُ تسليمَه؛ كَبَّرَ وهو جالسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، ثمَّ سَلَّمَ» (¬٣).\rفالسُّجودُ لترْكِ التَّشهُّدِ الأوسطِ سهوًا؛ دليلُ سُنِّيَّتِه.\r٢ - «وَالْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ، وَفِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ»، أمَّا القُنوتُ في الصُّبحِ؛ فلحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: «ما زالَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْنُتُ في الفجرِ حتَّى فارَقَ الدُّنيا» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥٨٩).\r(¬٢) رواه البخاري (٥٨٨)، ومسلم (٣٨٥).\r(¬٣) رواه البخاري (٧٩٥).\r(¬٤) رواه أحمد (١٢٦٧٩)، والبَزَّار كما في «كَشْف الأستارِ» (٥٥٦)، وقال الهيثميُّ في «المجمع» (٢/ ٣٣١): «رواهُ أحمدُ والبَزَّارُ بنحوِه، ورجالُه مُوَثَّقونَ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354680,"book_id":264,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":75,"body":"وأمَّا القنوتُ في الوِترِ في النِّصفِ الثَّاني مِن شهرِ رمضانَ؛ فلحديثِ الحسَنِ بنِ عليٍّ ﵄ قال: عَلَّمَني رسولُ اللهِ ﷺ كلماتٍ أقولُهنَّ في الوِترِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» (¬١).\rقالَ التِّرمذيُّ بعدَ روايتِه لهذا الحديثِ: «وقد رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنَّه كانَ لا يَقْنُتُ إلَّا في النِّصفِ الآخِرِ مِن رَمضانَ، وكانَ يَقْنُتُ بعدَ الرُّكوعِ» (¬٢).\rوقال أبو داودَ: «ويُروى أنَّ أُبَيًّا، كانَ يَقْنُتُ في النِّصفِ مِن شهرِ رمضانَ» (¬٣).\r\r«فَصْلٌ»\rفي هيئاتِ الصَّلاةِ\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهَيْآتُهَا خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً:\r١ - رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرامِ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكبيرَ في","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٧١٨)، وأبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنَّسائي، (١٧٤٥)، وابن ماجه (١١٧٨)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن».\r(¬٢) «سُنن الترمذي» (٢/ ٣٢٨).\r(¬٣) «سُنن أبي داودَ» (٢/ ٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354681,"book_id":264,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":76,"body":"الصَّلاةِ، فرَفَعَ يديه حينَ يُكَبِّرُ حتَّى يجعلَهما حذوَ مَنْكِبَيْهِ، وإذا كَبَّرَ للرُّكوعِ فَعَلَ مِثْلَه، وإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» فَعَلَ مِثْلَه، وقالَ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ولا يَفْعَلُ ذلك حينَ يسجدُ ولاحينَ يَرفعُ رأسَه مِنَ السُّجودِ (¬١).\r٢ - «وَوَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ»؛ لحديثِ وائلِ بنِ حُجْرٍ ﵁ قال: «رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ واضعًا يمينَهُ على شِمالِه في الصَّلاةِ» (¬٢).\rوفي روايةٍ: «كنتُ فيمن أتى النَّبيَّ ﷺ، فقلتُ: لأنْظُرَنَّ إلى صلاةِ رسولِ اللهِ كيفَ يصلِّي، فرأيتُهُ حينَ كَبَّرَ رَفَعَ يديهِ حتَّى حاذتا أُذُنَيْهِ، ثمَّ ضَرَبَ بيمينِه على شِمالِه فأَمْسَكَها» (¬٣).\r٣ - «وَالتَّوَجُّهُ»، وهو أنْ يقولَ بعدَ التَّكبيرِ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]؛ ولحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قال: «﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٣٩٠).\r(¬٢) رواه أحمد (١٨٨٦٦)، والنسائي (٨٨٧).\r(¬٣) رواه ابنُ خُزيمة (٤٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354682,"book_id":264,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":77,"body":"الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ»، وإذا ركَعَ قال: «اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي»، وإذا رَفَعَ قال: «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»، وإذا سَجَدَ قال: «اللهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»، ثمَّ يَكونُ مِن آخِرِ ما يقولُ بينَ التَّشهُّدِ والتَّسليمِ:\r«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (¬١).\r٤ - «وَالاسْتِعَاذَةُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].\r٥ - «وَالْجَهْرُ فِي مَوْضِعِهِ»، يُسَنُّ لغيرِ المأمومِ أن يجهرَ بالقراءةِ فِي الصُّبْحِ، وأولتي العشاءين، والجُمُعَةِ، والعيدينِ، وخسوفِ القمرِ، والاستسقاءِ، والتراويح، ووتر رمضان (¬٢).\r٦ - «وَالْإِسْرَارُ فِي مَوْضِعِهِ»، وهو غيرُ ما ذكر؛ إلَّا في نافلةِ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٧٧١).\r(¬٢) «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» (١/ ١٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354683,"book_id":264,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":78,"body":"الليلِ المُطْلَقَة، فيتوسطُ فيها بين الإسرارِ والجهر (¬١).\r٧ - «وَالتَّأْمِينُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا تلا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: «آمِينَ»، حتَّى يَسْمَعَ مَن يليه مِنَ الصَّفِّ الأوَّلِ (¬٢).\rوفي روايةٍ: فَيَرْتَجُّ بها المسجدُ (¬٣).\rويَكونُ تأمينُ المأمومِ مع تأمينِ الإمامِ، يقولُ أبو هُرَيْرَةَ ﵁: قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إِذَا قالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (¬٤).\rوفي روايةٍ أنَّه ﷺ قال: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (¬٥).\r٨ - «وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ»؛ أيْ: في الرَّكعتينِ الأُوليَيْنِ؛ لحديثِ أبي قَتادةَ ﵁ قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يصلِّي بنا فيقرأُ في الظُّهرِ والعصرِ في الرَّكعتينِ الأُوليَيْنِ بفاتحةِ الكِتابِ وسُورتينِ، ويُسْمِعُنا الآيةَ أحيانًا، وكانَ يُطَوِّلُ الرَّكعةَ الأُولى مِنَ الظُّهرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانيةَ، وكذلك في الصُّبحِ» (¬٦).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق.\r(¬٢) رواه أبو داود (٩٣٤).\r(¬٣) رواه ابن ماجه (٨٥٣).\r(¬٤) رواه البخاري (٧٤٩).\r(¬٥) رواه مسلم (٤١٠).\r(¬٦) رواه البخاري (٧٢٥)، ومسلم (٤٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354684,"book_id":264,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":79,"body":"ولا يقرأُ المأمومُ غيرَ الفاتحةِ في الصَّلاةِ الجهريَّةِ؛ لحديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ ﵁ قال: كنَّا خَلْفَ رسولِ اللهِ ﷺ في صلاةِ الفجرِ فقرأَ رسولُ اللهِ ﷺ فثَقُلَتْ عليه القراءةُ، فلمَّا انصرفَ قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ»، قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ، إي واللهِ، فقالَ ﷺ: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (¬١).\r٩ - «وَالتَّكْبِيرَاتُ عِنْدَ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّه كانَ يصلِّي لهم فيكبِّرُ كلَّما خَفَضَ ورَفَعَ، فلمَّا انصرفَ قال: «واللهِ إني لأَشْبَهُكُم صلاةً برسولِ اللهِ ﷺ» (¬٢).\r١٠ - «وَقَوْلُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» (¬٣).\r١١ - «وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»؛ لحديثِ حذيفةَ ﵁ أنَّه صلَّى مع النَّبيِّ ﷺ، فكانَ يقولُ في ركوعِه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٢٧٩٧)، والبخاري في القراءةِ خَلْفَ الإمامِ (١٥٨)، وأبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١)، وقال: «حديثٌ حسن».\r(¬٢) رواه البخاري (٧٥٢)، ومسلم (٣٩٢)، وقولُه: «خَفَضَ ورَفَعَ»، أيْ: نَزَلَ للرُّكوعِ أو السُّجودِ أو قامَ منهما، و «انصرفَ»؛ أي: انتهى من صلاتِه.\r(¬٣) رواه البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٤١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354685,"book_id":264,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":80,"body":"الْعَظِيمِ»، وفي سجودِه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، وما مرَّ بآيةِ رحمةٍ إلَّا وَقَفَ عندها فَسَأَلَ، ولا بآيةِ عذابٍ إلَّا وَقَفَ عندها فَتَعَوَّذَ (¬١).\r١٢ - «وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ فِي الْجُلُوسِ، يَبْسُطُ الْيُسْرَى وَيَقْبِضُ الْيُمْنَى، إِلَّا الْمُسَبِّحَةَ، فَإِنَّهُ يُشِيرُ بِهَا مُتَشَهِّدًا»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كانَ إذا جلسَ في الصَّلاةِ وَضَعَ كفَّه اليُمنى على فَخِذِه اليُمنى، وقَبَضَ أصابعَه كلَّها وأشارَ بإصبعِه الَّتي تلي الإبهامَ، ووَضَعَ كفَّه اليُسرى على فَخِذِه اليُسرى» (¬٢).\r١٣ - «وَالِافْتِرَاشُ فِي جَمِيعِ الْجَلَسَاتِ»، هو أنْ يَجْلِسَ الشَّخصُ على كعبِ اليُسرى، جاعلًا ظَهْرَها للأرضِ، ويَنْصِبَ قَدَمَه اليُمنى ويَضَعَ بالأرضِ أطرافَ أصابِعِها لجهةِ القِبلةِ، ويَكونُ الافتراشُ في جميعِ الجلساتِ؛ خلا الجلسةِ الَّتي هي للتَّشهُّدِ الأخيرِ، يَقولُ أبو حُمَيْدٍ السَّاعديُّ ﵁ وهو يصفُ صلاةَ النَّبيِّ ﷺ: «فإذا جلسَ في الرَّكعتينِ؛ جَلَسَ على رِجلِه اليُسرى ونَصَبَ اليُمنى، وإذا جَلَسَ في الرَّكعةِ الآخرةِ؛ قدَّمَ رِجْلَه اليُسرى ونَصَبَ الأُخرى وقَعَدَ على مَقْعَدَتِه» (¬٣).\r١٤ - «وَالتَّوَرُّكُ فِي الْجَلْسَةِ الأَخِيرَةِ»، للحديثِ السَّابقِ،","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٣٢٨٨)، وأبو داود (٨٧١)، والترمذي (٢٦٢)، والنسائي (١٠٠٨)، وابن ماجه (٨٨٨)، وأصلُ الحديثِ في «صحيح مسلم» (٧٧٢).\r(¬٢) رواه مسلم (٥٨٠).\r(¬٣) رواه البخاري (٧٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354686,"book_id":264,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":81,"body":"فالتَّورُّكُ وهو مِثْلُ الافتراشِ إلَّا أنَّه يُفضي بوَرِكِه إلى الأرضِ ويَجعلُ يُسراهُ مِن جهةِ يُمناهُ، ويَقعدُ على مَقْعَدَتِه؛ ووَجْهُ الفرقِ بينَ الجلوسِ الأخيرِ وغيرِه؛ أنَّ الجلوسَ الأوَّلَ خفيفٌ، وللمصلِّي بَعْدَه حركةٌ، فناسَبَ أنْ يَكونَ على هيئةِ المستوفِزِ، بخلافِ الأخيرِ؛ فليس بَعْدَه عملٌ، فناسَبَ أنْ يكونَ على هيئةِ المستقِرِّ.\r١٥ - «وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ»؛ لحديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁ قال: «كنتُ أرى رسولَ اللهِ ﷺ يُسَلِّمُ عن يمينِه وعن يَسارِه، حتَّى أرى بَياضَ خَدِّه» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي ما تُخَالِفُ المرأةُ فيه الرَّجُلَ في الصَّلاة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَرْأَةُ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ؛ فَالرَّجُلُ:\r١ - يُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مالكِ بنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كانَ إذا صلَّى فَرَّجَ بينَ يديْهِ، حتَّى يَبْدُوَ بَياضُ إِبْطَيْهِ» (¬٢).\rوفي روايةٍ لأبي حُمَيْدٍ السَّاعديِّ ﵁: «نحَّى يديْهِ عن جَنْبَيْهِ، ووَضَعَ كفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٥٨٢).\r(¬٢) رواه البخاري (٣٨٣)، ومسلم (٤٩٥).\r(¬٣) رواه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٧٠)، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354687,"book_id":264,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":82,"body":"٢ - «وَيُقِلُّ بَطْنَهَ عَنْ فَخِذَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»؛ لحديثِ أبي حُمَيْدٍ السَّاعديِّ ﵁ وهو يصفُ صلاةَ النَّبيِّ ﷺ قال: «وإذا سَجَدَ فَرَّجَ بينَ فَخِذَيْهِ غيرَ حاملٍ بَطْنَهُ على شيءٍ مِن فَخِذَيْهِ» (¬١).\r٣ - «وَيَجْهَرُ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ»، تَقَدَّمَ بيانُه في الفصلِ السَّابقِ.\r٤ - «وَإِذَا نَابَهُ شَيْءٌ فِي الصَّلاةِ سَبَّحَ»؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» (¬٢).\r٥ - «وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتَيْهِ»؛ لحديثِ أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا فَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنَ الْعَوْرَةِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنَ السُّرَّةِ مِنَ الْعَوْرَةِ» (¬٣).\rوَالْمَرْأَةُ:\r١، ٢ - «تَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ»؛ لأنَّه أَسْتَرُ للمرأةِ، ولحديثِ يَزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على امرأتينِ تصلِّيانِ، فقال: «إِذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٧٣٥).\r(¬٢) رواه البخاري (٦٥٢)، ومسلم (٤٢١)، وقولُه ﷺ: «رَابَهُ»، أيْ: شَكَّ في أمرٍ يُحتاجُ فيه إلى تنبيهِ الإمامِ، فيقولُ: سبحانَ الله، وقولُه: «وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»؛ أي: أنَّ النِّساءَ إذا رابَهُنَّ شيءٌ في الصَّلاةِ؛ فيضربْنَ باليدِ اليمنى على ظَهْرِ اليُسرى.\r(¬٣) رواه الدَّارقطني (٨٩٠)، والبيهقي (٣٠٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354688,"book_id":264,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":83,"body":"لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» (¬١).\r٣ - «وَتَخْفِضُ صَوْتَهَا بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ»، دفعًا للفِتنةِ.\r٤ - «وَإِذَا نَابَهَا شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ؛ صَفَّقَتْ»، بأنْ تَضْرِبَ باليدِ اليُمنى على ظَهْرِ اليُسرى، وقد سَبَقَ الكلامُ عليه.\r٥ - «وَجَمِيعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ؛ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَالْأَمَةُ كَالرَّجُلِ»، وعورةُ الحُرَّةِ في الصَّلاةِ جميعُ بَدَنِها ما عدا الوجهَ والكَفَّيْنِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النُّور: ٣١]، والمشهورُ عندَ الجمهورِ على أنَّ ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، المقصودُ به: «الوجهُ والكفَّانِ» (¬٢).\rوأمَّا الأمَةُ فعورتُها كالرَّجلِ؛ ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبةِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي مُبطِلاتِ الصَّلاة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يُبْطِلُ الصَّلَاةَ أَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا:\r١ - الْكَلَامُ الْعَمْدُ»؛ لحديثِ زيدِ بنِ أَرْقَمَ ﵁ قال: «كنَّا نتكلَّمُ في الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صاحبَه وهو إلى جَنْبِه في الصَّلاةِ، حتَّى نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود في «المراسيل» (٨٧).\r(¬٢) «تفسير ابنِ كَثير» (٦/ ٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354689,"book_id":264,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":84,"body":"لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بالسُّكوتِ، ونُهِينَا عنِ الكلامِ» (¬١).\r٢ - «وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ»، بخلافِ العملِ القليلِ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «جئتُ ورسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي في البيتِ، والبابُ عليه مُغْلَقٌ، فمشى حتَّى فَتَحَ لي، ثمَّ رَجَعَ إلى مكانِه»، وَوَصَفَتِ البابَ في القِبلةِ (¬٢).\rولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ» (¬٣).\rولحديثِ أبي قتادةَ الأنصاريِّ ﵁ قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي وهو حاملٌ أمامَةَ بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ ولأبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ بنِ عبدِ شمسٍ فإذا سَجَدَ وَضَعَهَا وإذا قامَ حَمَلَها» (¬٤).\rولحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَلَعَ نعليْهِ وهو في الصَّلاةِ، عندما أَخْبَرَهُ جبريلُ ﵇ أنَّ بهما أذًى، فَوَضَعَهما عن يَسارِهِ، وسيأتي قريبًا إنْ شاءَ اللهُ تعالى.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١١٤٢)، ومسلم (٥٣٩).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٤٠٧٣)، وأبو داود (٩٢٢)، والترمذي (٦٠١)، والنسائي (١٢٠٦)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريب».\r(¬٣) رواه أحمد (٧١٧٨)، وأبو داود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، والنسائي (١٢٠٣)، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٤) رواه البخاري (٤٩٤)، ومسلم (٥٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354690,"book_id":264,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":85,"body":"فالعملُ القليلُ يُباحُ للحاجَة، وأمَّا الكثيرُ فيُبْطِلُ الصَّلاةَ، والمَرْجِعُ في معرفةِ القلَّةِ والكثرةِ هو العُرْفُ والعادةُ، فما يَعُدُّهُ النَّاسُ قليلًا فقليلٌ، وما يَعُدُّونَهُ كثيرًا فكثيرٌ، فالخَطوتانِ المتوسِّطتانِ، والضَّربتانِ، ونحوُهُما قليل، والثَّلاثُ مِن ذلك أو غَيْرِه كثيرٌ إنْ توالت، سواءٌ أكانتْ مِن جنسِ الخَطواتِ، أمْ أجناسٍ؛ كخَطوةٍ، وضَرْبةٍ، وخلعِ نعل، وسواءٌ أكانتِ الخَطواتُ الثَّلاثُ بقدرِ خَطوةٍ واحدةٍ أمْ لا، كما تَبْطُلُ الصَّلاةُ بالفعلةِ الفاحشةِ؛ كالوثبةِ لمنافاتِها للصَّلاةِ، ويُستثنى مِن ذلك صلاةُ الخوفِ في القِتالِ فيُحْتَمَلُ فيها الرَّكضُ والعَدْوُ عندَ الحاجَةِ؛ كما سيأتي إنْ شاءُ اللهُ تعالى.\r٣ - «وَالْحَدَثُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (¬١).\r٤ - «وَحُدُوثُ النَّجَاسَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، ولأنَّ إزالةَ النَّجاسةِ مِنَ الطَّهارةِ الَّتي هي شرطٌ لصحَّةِ الصَّلاةِ؛ كما سَبَقَ، فإنْ وَجَدَ نَجاسةً فَأَزالَها في الحالِ صحَّتْ صلاتُه؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: بينما رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي بأصحابِه إذ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُما عن يسارِه، فلمَّا رأى ذلك القومُ أَلْقَوْا نعالَهُم، فلمَّا قضى رسولُ اللهِ ﷺ صلاتَه، قال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟»، قالوا: رأيناك أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فأَلْقَيْنَا نِعالَنا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354691,"book_id":264,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":86,"body":"فِيهِمَا قَذَرًا»، أو قال: «أَذًى»، وقال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» (¬١).\r٥ - «وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ»؛ لأنَّ سَتْرَ العورةِ شرطٌ في صحَّةِ الصَّلاةِ؛ كما سَبَقَ، فإنْ كَشَفَها عمدًا بَطَلَتْ صلاتُه، أمَّا إنْ كَشَفَتْها الرِّيحُ أو انْحَلَّ الإزارُ أو غيرُ ذلك؛ فاستترَ في الحالِ فلا تَبْطُلُ صلاتُه، كما ذَكَرْنا في إزالةِ النَّجاسةِ، ولأنَّهُ لم يَتَعَمَّدِ الكشفَ، وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التَّغابن: ١٦].\r٦ - «وَتَغْيِيرُ النِّيَّةِ»؛ لقولِهِ ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (¬٢).\r٧ - «وَاسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ»؛ لأنَّ استقبالَ القِبلةِ من شروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ؛ كما سَبَقَ، قالَ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].\r٨ - «وَالْأَكْلُ»؛ لأنَّه عملٌ من غيرِ جِنسِ الصَّلاةِ.\r٩ - «وَالشُّرْبُ»، للسَّببِ السَّابقِ.\r١٠ - «وَالْقَهْقَهَةُ»، وهي الضَّحِكُ بالصَّوْتِ، ومنافاتُها للصَّلاةِ أَشَدُّ مِن منافاةِ الكلامِ، فكانت بالإبطالِ أَوْلى.\r١١ - «وَالرِّدَّةُ»، لأنَّها محبِطةٌ للأعمالِ.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١١١٦٩)، وأبو داود (٦٥٠)، وابنُ خُزيمة (١٠١٧)، وابن حبَّان (٢١٨٥)، والحاكم (٩٥٥)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.\r(¬٢) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354692,"book_id":264,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":87,"body":"«فَصْلٌ»\rفي ما تَشْتَمِلُ عليه الصَّلاة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَرَكَعَاتُ الْفَرَائِضِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فِيهَا: أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَجْدَةً، وَأَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ تَكْبِيرَةً، وَعَشْرُ تَسْلِيمَاتٍ، وَمِائَةٌ وَثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ تَسْبِيحَةً، وَجُمْلَةُ الْأَرْكَانِ فِي الصَّلَاةِ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَعِشْرُونَ رُكْنًا: فِي الصُّبْحِ ثَلَاثُونَ رُكْنًا، وَفِي الْمَغْرِبِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رُكْنًا، وَفِي الرُّبَاعِيَّةِ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ رُكْنًا، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ صَلَّى جَالِسًا، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْجُلُوسِ صَلَّى مُضْطَجِعًا»؛ لحديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي سجودِ السَّهْو\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَتْرُوكُ مِنَ الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: فَرْضٌ، وَسُنَّةٌ، وَهَيْئَةٌ:\r١ - فَالْفَرْضُ: لَا يَنُوبُ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ، بَلْ إِنْ ذَكَرَهُ وَالزَّمَانُ قَرِيبٌ أَتَى بِهِ، وَبَنَى عَلَيْهِ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: صلَّى بنا النَّبيُّ ﷺ الظُّهْرَ أو العصرَ، فسَلَّمَ فقالَ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٠٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354693,"book_id":264,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":88,"body":"له ذو اليدينِ: الصَّلاةُ يا رسولَ اللهِ أَنَقَصَتْ؟ فقال النَّبيُّ ﷺ لأصحابِه: «أَحَقٌّ مَا يَقُولُ»؟ قالوا: نعم، فصلَّى ركعتينِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ (¬١).\r٢ - «وَالسُّنَّةُ: لَا يَعُودُ إِلَيْهَا بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْفَرْضِ؛ لَكِنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَنْهَا»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ بُحَيْنَةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهم الظُّهْرَ فقامَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لم يَجْلِسْ، فقامَ النَّاسُ معه، حتَّى إذا قضى الصَّلاةَ وانْتَظَرَ النَّاسُ تسليمَه كبَّرَ وهو جالسٌ؛ فسجدَ سجدتينِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، ثم سَلَّمَ» (¬٢).\r٣ - «وَالْهَيْئَةُ: لَا يَعُودُ إِلَيْهَا بَعْدَ تَرْكِهَا وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَنْهَا»، الهيئاتُ هي الأمورُ المسنونةُ غيرُ الأبعاضِ كالتَّسبيحِ وتكبيرِ الانتقالاتِ والتَّعَوُّذِ ونَحْوِه، فلا يُسْجَدُ لها، سواءٌ ترَكَهَا عمدًا أو سهوًا؛ لأنَّها ليست أصلًا، ولعدمِ ورودِ سجودِ السَّهْوِ فيها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ مَا أَتَى بِهِ مِنَ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ؛ وَهُوَ الْأَقَلُّ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَسُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ، وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١١٦٩)، ومسلم (٥٧٣).\r(¬٢) رواه البخاري (٧٩٥)، ومسلم (٥٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354694,"book_id":264,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":89,"body":"كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» (¬١).\rوفي روايةٍ: «فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً، وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً» (¬٢).\rفمَن صلَّى العِشاءَ -مثلًا- فشكَّ هل صلَّى ثلاثًا أو أربعًا، بنَى على اليقينِ، وهو الثَّلاثةُ الَّتي تَيقَّنَ من أنَّه أتى بها؛ ولكنَّه يَشُكُّ في الرَّابعةِ؛ فيَطْرَحُ الَّتي شَكَّ فيها، ويبني على الَّذي تَيَقَّنَ منه، وهو الثَّلاثةُ، ويأتي بالرَّكعةِ ثم يَسْجُدُ للسَّهْوِ قبلَ التَّسْليمِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الأوقاتِ الَّتي تُكْرَهُ فيها الصَّلاة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَخَمْسَةُ أَوْقَاتٍ لَا يُصَلِّى فِيهَا إِلَّا صَلَاةً لَهَا سَبَبٌ:\r١ - بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (¬٣).\r٢ - «وَعِنْدَ طُلُوعِهَا حَتَّى تَتَكَامَلَ وَتَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ»؛ لحديثِ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٥٧١)، وقولُه ﷺ: «شَفَعْنَ»؛ أي: جَعَلْنَها زوجًا كما ينبغي أنْ تَكونَ، وقولُه: «تَرْغِيمًا»؛ أي: إغاظةً وإذلالًا.\r(¬٢) رواه ابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» (٤٤٠٣)، وابن حبَّان في «صحيحِه» (٢٦٦٤).\r(¬٣) رواه البخاري (١١٣٩)، ومسلم (٨٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354695,"book_id":264,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":90,"body":"عُقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ قال: «ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينهانا أنْ نُصَلِّيَ فيهن، أو أنْ نَقْبِرَ فيهن موتانا: حينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازغةً حتَّى تَرْتَفِعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظَّهيرةِ حتَّى تميلَ الشَّمْسُ، وحينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ للغروبِ حتَّى تَغْرُبَ» (¬١).\r٣ - «وَإِذَا اسْتَوَتْ حَتَّى تَزُولَ»، للحديثِ السَّابقِ، وجاءَ في روايةٍ: «وحينَ يَقومُ قائمُ الظَّهيرةِ حتَّى تَزولَ الشَّمْسُ» (¬٢).\r٤ - «وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ السَّابقِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» (¬٣).\r٥ - «وَعِنْدَ الْغُرُوبِ حَتَّى يَتَكَامَلَ غُرُوبُهَا»؛ لحديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ السَّابقِ: «وحينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ للغروبِ حتَّى تَغْرُبَ» (¬٤).\rهذا كلُّهُ في الصَّلاةِ الَّتي ليس لها سببٌ، أمَّا الصَّلاةُ الَّتي لها سببٌ فلا كراهةَ فيها، كـ «تحيَّةِ المسجدِ»، و «ركعتيِ الطَّوافِ»، و «الصَّلاةِ الفائتةِ»، فرضًا كانت أو نفلًا؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٨٣١)، وقولُه: «بازغةً»، يَطْلُعُ قُرْصُها، و «قائمُ الظَّهيرةِ»، اشتدادُ الحَرِّ، وأصلُه أنَّ البعيرَ إذا كانَ باركًا قامَ من شِدَّةِ الحَرِّ، و «تَزولُ»، تَميلُ عن وَسَطِ السَّماءِ، و «تُضيفُ»، تَميلُ حالَ اصفرارِها، وقولُه في المتنِ: «قَدْرَ رُمْحٍ»، أيْ: في نظرِ العَيْنِ.\r(¬٢) رواه النَّسائي (٢٠١٣).\r(¬٣) رواه البخاري (١١٣٩)، ومسلم (٨٢٧).\r(¬٤) رواه مسلم (٨٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354696,"book_id":264,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":91,"body":"إِلَّا ذَلِكَ» (¬١).\rولحديثِ أمِّ سلمةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى ركعتينِ بعدَ العصرِ، فسألَتْهُ عن ذلك، فقال: «أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي صلاةِ الجماعة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ»، لمواظَبَتِه ﷺ عليها، ولحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (¬٣).\rولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (¬٤).\rولا تَعَارُضَ بينَ الحديثَيْنِ؛ لأنَّ الكثيرَ لا ينفي القليلَ، أو أنَّ ذلك يَخْتَلِفُ باختلافِ أحوالِ المصلِّينَ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَنْوِيَ الِائْتِمَامَ دُونَ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٨٤).\r(¬٢) رواه البخاري (١١٧٦)، ومسلم (٨٣٤).\r(¬٣) رواه البخاري (٦١٩)، و «الفَذُّ»؛ أي: المنفرِدُ.\r(¬٤) رواه البخاري (٦٢١)، ومسلم (٦٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354697,"book_id":264,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":92,"body":"الْإِمَامِ»، لا بُدَّ للمأمومِ أنْ ينويَ أنه مُؤْتَمٌّ، فإنْ لم يَفْعَلْ كان مُنْفَرِدًا، ولم تَنْعَقِدْ جماعتُه، ولا يُشْتَرَطُ نيَّةُ الإمامِ ليصحَّ الاقتداءُ به، فلو صلَّى خَلْفَه جَمْعٌ ولم يَعْلَمْ بهم انعقدتْ جماعتُهم، ولم يَحْصُلْ له هو فضلُ الجماعةِ؛ إلَّا إذا نواها؛ لقولِهِ ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالْبَالِغُ بِالْمُرَاهِقِ»، أمَّا جوازُ الاقتداءِ بالعبدِ فلِمَا وَرَدَ أنَّ عائشةَ ﵂: «كانَ يَؤُمُّها عبدُها ذَكْوانُ» (¬٢).\rوأمَّا جوازُ الاقتداءِ بالصبي المُمَيِّز، أو المراهِقِ -وهو مَنْ قارب سِنَّ الاحتلامِ- فلحديثِ عمرِو بنِ سَلَمَةَ ﵁ أنَّه كانَ يؤمُّ قومَه وهو: «ابنُ سِتِّ أو سبعِ سِنينَ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ، وَلَا قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ»، لا يصحُّ اقتداءُ الرَّجلِ بالمرأةِ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].\rولقولِ ابنِ مسعودٍ ﵁: «أَخِّرُوهنَّ من حيثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ» (¬٤).\rولأنَّ «الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ»؛ كما في الحديثِ، وفي إمامتِها بالرِّجالِ فتنةٌ (¬٥).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).\r(¬٢) رواه البخاري (١/ ٢٤٥).\r(¬٣) رواه البخاري (٤٠٥١).\r(¬٤) رواه عبدُ الرَّزَّاقِ في «المصنَّف» (٥١١٥)، وابنُ خُزيمةَ في «صحيحِه» (١٧٠٠).\r(¬٥) حديثُ: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ»، رواه الترمذي (١١٧٣)، من حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ مرفوعًا، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354698,"book_id":264,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":93,"body":"وأمَّا اقتداءُ القارئِ بالأمِّيِّ؛ فلا يَجوزُ كما قالَ المصنِّفُ، والمقصودُ بالقارئِ: مَنْ يُحْسِنُ قراءةَ الفاتحةِ، والأُمِّيُّ: الَّذي لا يُحْسِنُ قراءةَ الفاتحةِ، ولم تصحَّ القدوةُ به؛ لأنَّ قراءتَها كاملةً ركنٌ كما سَبَقَ، وإنما صحَّتْ صلاةُ الأُمِّيِّ لنفْسِه لعدمِ قدرتِه على التَّعلُّمِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَيُّ مَوْضِعٍ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِيهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِصَلَاتِهِ أَجْزَأَهُ؛ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ»، إذا كانَ الإمامُ والمأمومُ في المسجدِ فأيُّ موضعٍ صلَّى فيه المأمومُ بصلاةِ الإمامِ؛ جازَ بشرطيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يكونَ عالمًا بصلاةِ الإمامِ؛ كأنْ يَسْمَعَه، أو يراه، أو يرى بعضَ الصَّفِّ، والثَّاني: أنْ لا يَتَقَدَّمَ عليه، فإذا جَمَعَهُما مسجدٌ أو جامعٌ صحَّ الاقتداءُ سواءٌ انقطعتِ الصُّفوفُ بَيْنَهُما أو اتَّصلتْ وسواءٌ حالَ بينهما حائلٌ أم لا وسواءٌ كانَ الإمامُ أعلى من المأمومِ أو أسفلَ؛ لأنَّه كُلَّه مكانٌ واحدٌ وهو مبنيٌّ للصَّلاةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَأْمُومُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِصَلَاتِهِ وَلَا حَائِلَ هُنَاكَ؛ جَازَ»، إذا كانَ الإمامُ في المسجدِ والمأمومُ خارجَ المسجدِ وليس بينهما حائلٌ يَمْنَع الاستماعَ أو المشاهَدةَ؛ جازَ الاقتداءُ به؛ لحصولِ الاتِّصالِ، فإنْ حالَ جدارٌ لا بابَ فيه، أو بابٌ مُغْلَقٌ؛ مُنِعَ الاقتداءُ لعدمِ الاتِّصالِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354699,"book_id":264,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":94,"body":"«فَصْلٌ»\rفي صلاةِ المسافر\rهذا الفصلُ في جوازِ قَصْرِ الصَّلاةِ للمُسافرِ، ودليلُ مَشْرُوعِيَّتِه مِنَ الكتابِ قولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، يَقولُ يَعْلى بنُ أُمَيَّةَ: قلتُ لعمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: قد أَمِنَ النَّاسُ؟! فقال: عجبتُ مما عَجِبْتَ منه، فسألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (¬١).\rوهذا يدلُّ على أنَّ قَصْرَ الصَّلاةِ ليس خاصًّا بحالةِ الخوفِ.\rومعنى قولِه تَعَالَى: ﴿ضَرَبْتُمْ﴾، أيْ: سافرْتُم.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ قَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِخَمْسِ شَرَائِطَ:\r١ - أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ»؛ لأنَّ القَصْرَ رخصةٌ وإنما جُعِلَتِ الرُّخصةُ لمن لم يَكُنْ عاصِيًا، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].\r٢ - «وَأَنْ تَكُونَ مَسَافَتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا»، أيْ ما يقاربُ (٨١) كيلو مترًا تقريبًا، يقولُ البخاريُّ ﵀: «كانَ ابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ ﵄ يَقْصُرَانِ ويُفْطِرَانِ في أَرْبعَةِ بُرُدٍ، وهي ستةَ عشرَ فرسخًا» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٦٨٦).\r(¬٢) «صحيح البخاري» (١/ ٣٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354700,"book_id":264,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":95,"body":"وهذا لا يكونُ إلَّا بتوقيفٍ مِنَ النَّبيِّ ﷺ.\r٣ - «وَأَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ»؛ أيْ: يَقْصُرُ الصَّلاةَ الرُّباعيَّةَ، وهي الظُّهْرُ، والعصرُ، والعِشاءُ، ولا قَصْرَ في الفجرِ ولا في المغرِبِ، فيؤدِّي الرُّباعيَّةَ اثنتينِ حالَ السَّفَرِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ مؤدِّيًا للصَّلاةِ لا قاضيًا، أمَّا إذا كان قاضيًا لفائتةِ الحضرِ في السَّفَرِ؛ فلا يَقْصُرُ، وكذلك إذا قضى فائتةَ السَّفَرِ في الحَضَرِ.\r٤ - «وَأَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ مَعَ الْإِحْرَامِ»، لا يَجوزُ القصرُ حَتَّى يَنْوِيَ القصرَ عندَ الإحرامِ لأنَّ الأصلَ التَّمامُ فإذا لم ينوِ القصرَ انعقدَ إحرامُه على التَّمامِ؛ ولم يَجُزْ له القصرُ.\r٥ - «وَأَنْ لَا يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ»؛ لحديثِ موسى بنِ سَلَمَةَ قال: كنَّا مع ابنِ عبَّاسٍ ﵄ بمكَّةَ فقلتُ: إنَّا إذا كنَّا معكم صَلَّيْنا أربعًا، وإذا رَجَعْنا إلى رحالِنا صَلَّيْنا ركعتينِ، قال: «تلك سُنَّةُ أبي القاسمِ ﷺ» (¬١).\rفمَن توافرتْ فيه هذه الشُّروطُ؛ جازَ له القَصْرُ والجَمْعُ إلى أنْ يَحْصُلَ واحدٌ مِنَ الأمورِ الآتيةِ:\rالأوَّلُ: أنْ يَنْوِيَ الإقامةَ المُطْلَقَةَ في المكانِ الَّذي وَصَلَ إليه، أو ينويَ الإقامةَ أربعةَ أيَّامٍ فأَكْثَرَ غيرَ يَوْمَيِ الدُّخولِ والخروجِ؛ فهذا يَنْقَطِعُ سفرُه بمجرَّدِ وصولِهِ إلى المكانِ الَّذي نوى فيه الإقامةَ، وينتهي في حَقِّه القصرُ والجمعُ.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٨٦٢)، وأصلُه في «صحيح مسلم» (٦٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354701,"book_id":264,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":96,"body":"الثَّاني: أنْ ينويَ الإقامةَ أقلَّ من أربعةِ أيَّامٍ غيرَ يومَيِ الدُّخولِ والخروجِ؛ فله أنْ يَقْصُرَ ويَجْمَعَ، فإذا اضْطُرَّ إلى تمديدِ إقامتِه أكثرَ من ذلك، فينقطعُ سَفَرُه بمضيِّ اليومِ الثَّالثِ؛ فلا يجوزُ له القصرُ والجمعُ بعدَ ذلك.\rودليلُ التَّحديدِ بثلاثةِ أيَّامٍ؛ حديثُ العلاءِ بنِ الحَضْرميِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا»، كأنَّه يقولُ لا يَزيدُ عليها (¬١).\rوقد نَهى عُمرُ بنُ الخطاب ﵁ عن مُكْثِ تجَّارِ اليهودِ والنصارى بالمدينةِ فوقَ ثلاثٍ (¬٢).\rقال الشَّافعيُّ ﵀: «فأَشْبَهَ ما قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: من مُقامِ المهاجِرِ ثلاثًا حَدُّ مُقامِ السَّفرِ، وما جاوَزَه كانَ مُقامَ الإقامةِ، وليس يُحْسَبُ اليومُ الَّذي كان فيه سائرًا ثمَّ قَدِمَ، ولا اليومُ الَّذي كانَ فيه مُقِيمًا ثم سارَ، وأَجْلَى عمرُ ﵁ أهلَ الذِّمَّةِ من الحجازِ وضربَ لمن يَقْدَمُ منهم تاجرًا مُقامَ ثلاثٍ، فأَشْبَهَ ما وصَفْتُ مِنَ السُّنَّةِ، وأقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى ثلاثًا يَقْصُرُ، وقَدِمَ في حَجَّتِهِ فأقامَ ثلاثًا قبْلَ مَسِيرِه إلى عَرَفَةَ يَقْصُرُ، ولم يَحْسِبِ اليومَ الَّذي قَدِمَ فيه مكَّةَ؛","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٧١٨)، ومسلم (١٣٥٢)، قال ابنُ حَجَرٍ في «فتحِ الباري» (٧/ ٢٦٧): «وفِقْهُ هذا الحديثِ أنَّ الإقامةَ بمكَّةَ كانت حرامًا على من هاجر منها قبلَ الفتحِ، لكنْ أُبِيحَ لمن قَصَدَهَا منهم بحجٍّ أو عمرةٍ أنْ يُقيمَ بعدَ قضاءِ نُسُكِه ثلاثةَ أيَّامٍ لا يَزيدُ عليها ... ويُستنبَطُ من ذلك أنَّ إقامةَ ثلاثةِ أيَّامٍ لا تُخْرِجُ صاحبَها عن حُكمِ المسافرِ».\r(¬٢) رواه ابنُ أبي شيبةَ في «المصنَّف» (٣٢٩٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354702,"book_id":264,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":97,"body":"لأنَّه كانَ فيه سائرًا، ولا يومَ التَّرويةِ لأنَّه خارجٌ فيه، فلمَّا لم يكنِ النَّبيُّ ﷺ مُقِيمًا في سفرٍ قَصَرَ فيه الصَّلاةَ أَكْثَرَ من ثلاثٍ لم يَجُزْ أنْ يَكونَ الرَّجُلُ مُقِيمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ إلَّا مُقامَ مسافرٍ؛ لأنَّ المعقولَ أنَّ المسافرَ الَّذي لا يُقيمُ، فكانَ غايةَ مُقامِ المسافرِ ما وَصَفْتُ استدلالًا بقولِ رسولِ اللهِ ﷺ ومُقامِه» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ أَيِّهِمَا شَاءَ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كانَ يَجْمَعُ بينَ صلاةِ الظُّهرِ والعصرِ إذا كانَ على ظَهْرِ سيرٍ، ويَجْمَعُ بينَ المغربِ والعِشاءِ» (¬٢).\rولحديثِ مُعاذٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كانَ في غزوةِ تَبوكَ إذا ارْتَحَلَ قبْلَ أنْ تَزيغَ الشَّمسُ أَخَّرَ الظُّهرَ حتَّى يَجْمَعَها إلى العصرِ؛ فيصلِّيَهُما جميعًا، وإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ زيغِ الشَّمسِ صَلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، ثم سارَ، وكانَ إذا ارْتَحَلَ قبْلَ المَغْربِ أَخَّرَ المغربَ حتَّى يُصَلِّيَها مع العِشاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ المَغْربِ عجَّلَ العِشاءَ فصلَّاها مع المَغْربِ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لِلْحَاضِرِ فِي الْمَطَرِ أَنْ يَجْمَعَ","footnotes":"(¬١) انظر: «الأُم» (١/ ٢١٥).\r(¬٢) رواه البخاري (١٠٥٦)، وقولُه: «على ظهرِ سيرٍ»؛ أي: مسافرًا سائرًا.\r(¬٣) رواه أحمد (٢٢١٤٧)، وأبو داود (١٢٢٠)، والترمذي (٥٥٣)، وابن حبَّان (١٤٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354703,"book_id":264,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":98,"body":"بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا»؛ أي: جَمْعَ تقديمٍ؛ لحديثِ جابرِ بنِ يزيدَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بالمدينةِ سبعًا، وثمانيًا؛ الظُّهْرَ والعصرَ، والمغربَ والعِشاءَ»، فقالَ أيُّوبُ: لعلَّه في ليلةٍ مطيرةٍ؟ قال: عسى (¬١).\rويُشْتَرطُ لهذا الجَمْعِ استدامةُ المطرِ أوَّلَ الصَّلاتينِ، ولا يكْفي وُجودُه في أثناءِ الأُولى منهما، بل لا بُدَّ مِن وجودِه عندَ السَّلامِ مِنَ الأُولَى؛ سواءٌ استمرَّ المطرُ بعدَ ذلك أمْ لا.\rويُشترطُ -أيضًا- أنْ تَكونَ الصَّلاةُ جماعةً بمسجدٍ بعيدٍ عُرفًا ويتأذَّى المسْلمُ بالمطرِ في طريقِهِ إليه.\rولا يَجوزُ جَمْعُهما في وقتِ الثَّانيةِ؛ لأنَّه ربَّما انقطعَ المطرُ، فيكونُ أَخْرَجَ الصَّلاةَ عن وقتِها بغيرِ عُذْر.\r\r«فَصْلٌ»\rفي صلاةِ الجُمُعة\rالأصلُ في وجوبِ صلاةِ الجُمعةِ قولُه تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجُمُعة: ٩].\rوما رواه مسْلمٌ عن ابنِ عمرَ وأبي هُرَيْرَةَ ﵄ أنَّهما سمِعا النَّبيَّ ﷺ يقولُ على أعوادِ مِنبرِه: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥١٨)، ومسلم (٧٠٥)، وأيُّوبُ، هو: السَّخْيتانيُّ، والمقولُ له: جابرُ بنُ زيدٍ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354704,"book_id":264,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":99,"body":"الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - الْإِسْلَامُ»، فلا تَجِبُ على الكافِرِ.\r٢ - «الْبُلُوغُ»، فلا تَجِبُ على الصَّبيِّ.\r٣ - «وَالْعَقْلُ»، فلا تَجِبُ على المجنونِ، وهذه الشُّروطُ الثَّلاثةُ لغيرِ الجُمعةِ مِنَ الصَّلواتِ -أيضًا- وقد تَقَدَّمَ الكَلامُ عليها في أوَّلِ كتابِ الصَّلاةِ.\r٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تَجِبُ على العبدِ المملوكِ؛ لحديثِ طارقِ بنِ شهابٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» (¬٢).\r٥ - «وَالذُّكُورِيَّةُ»، فلا تَجِبُ على المرأةِ؛ للحديثِ السَّابقِ.\r٦ - «وَالصِّحَّةُ»، فلا تَجِبُ على المريضِ؛ للحديثِ السَّابقِ.\r٧ - «وَالِاسْتِيطَانُ»، فلا تَجِبُ على المسافرِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ فِعْلِهَا ثَلَاثَةٌ:\r١ - أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ مِصْرًا أَوْ قَرْيَةً»، تَنْعَقِدُ الجُمُعةُ في","footnotes":"(¬١) «صحيح مسلم» (٧٠٥)، وقولُه ﷺ: «وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ»؛ أي: تَرْكِهِم.\r(¬٢) رواه أبو داود (١٠٦٧)، والحاكم (١٠٦٢)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.\r(¬٣) رواه الطَّبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (٨١٨)، عن ابنِ عمرَ ﵄ مرفوعًا، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٥٤٢٩)، موقوفًا، وقال: «هذا هو الصَّحيحُ؛ موقوفٌ»، قلتُ: وله حكمُ الرَّفعِ؛ إذ لا يُقالُ من قِبَلِ الرأيِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354705,"book_id":264,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":100,"body":"الأمصارِ، والقرى المجتمِعةِ البناءِ، ووجهُ اشتراطِ ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه ﵃ لم يُصَلُّوها إلَّا هكذا، وكانت قبائلُ الأعرابِ مُقِيمينَ حَوْلَ المدينةِ وما كانوا يُصَلُّونها، ولم يَأْمُرْهُمُ النَّبيُّ ﷺ بها، ولو جازت في غيرِ ذلك لفُعِلَتْ ولو مَرَّةً، ولو فُعِلَتْ لنُقِلَ.\rيقولُ عطاءٌ ﵀: «إذا كنتَ في قريةٍ جامعةٍ فنُودِيَ بالصَّلاةِ من يومِ الجُمُعةِ؛ فحقٌّ عليك أنْ تَشْهَدَها، سَمِعْتَ النِّداءَ أو لم تَسْمَعْه» (¬١).\r٢ - «وَأَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْجُمَعَةِ»؛ لحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁: أنَّ أَوَّلَ مَن جَمَّعَ بهم أسعدُ بنُ زُرارةَ ﵁، وكانوا يَوْمَئِذٍ أربعينَ (¬٢).\rوقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ ﵀: «كلُّ قريةٍ فيها أَرْبعونَ رجلًا فعليهم الجمعةُ» (¬٣).\rوقالَ أبو المَليحِ الرَّقِّيُّ ﵀: أتانا كتابُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: «إذا بَلَغَ أهلُ القريةِ أربَعِينَ رجلًا فَلْيُجَمِّعُوا» (¬٤).\r٣ - «وَأَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ عُدِمَتِ الشُّرُوطُ؛ صُلِّيَتْ ظُهْرًا»، من شروطِ صحَّةِ الجمعةِ أنْ تَقَعَ في","footnotes":"(¬١) «صحيح البخاري» (١/ ٣٠٦).\r(¬٢) رواه أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢)، وابنُ خُزيمةَ (١٧٢٤)، وابن حبَّان (٧٠١٣)، والحاكم (١٠٣٩)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.\r(¬٣) رواه الشَّافعيُّ في «مُسندِه» (٣٨٦).\r(¬٤) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٥٤٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354706,"book_id":264,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":101,"body":"الوقتِ، ووقتُها وقتُ الظُّهرِ، لما جاءَ في حديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كانَ يصلِّي الجُمُعةَ حينَ تَميلُ الشَّمسُ» (¬١).\rأيْ: تَميلُ إلى جهةِ الغربِ، وتَزولُ عن وَسَطِ السَّماءِ، وهو وقتُ صلاةِ الظُّهرِ؛ كما سَبَقَ، وكذلك حديث سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ قال: «كنَّا نصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ الجُمعةَ، ثمَّ نَنْصَرِفُ وليس للحيطانِ ظلٌّ نستظلُّ فيه» (¬٢).\rوفي روايةٍ: «كنَّا نُجَمِّعُ مع رسولِ اللهِ ﷺ إذا زالتِ الشَّمسُ، ثم نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ» (¬٣).\rوقال سهلُ بنُ سعدٍ ﵁: «ما كنَّا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إلَّا بعدَ الجُمُعةِ» (¬٤).\rفإنْ خَرَجَ الوقتُ أو ضاقَ عنها بحيثُ لم يبقَ منه ما يكفي خُطْبَتَيْها ورَكْعَتَيْها، أو عُدِمتِ الشُّروطُ أو بعضُها؛ كأنْ فُقِدَ العددُ، أو الاستيطانُ؛ صُلِّيَتْ ظُهرًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَفَرَائِضُهَا ثَلَاثَةٌ:\r١ - خُطْبَتَانِ يَقُومُ فِيهِمَا»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُما» (¬٥).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٨٦٢).\r(¬٢) رواه البخاري (٣٩٣٥)، ومسلم (٨٦٠).\r(¬٣) «صحيح مسلم» (٨٦٠).\r(¬٤) رواه البخاري (٨٩٧)، ومسلم (٨٥٩).\r(¬٥) رواه البخاري (٨٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354707,"book_id":264,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":102,"body":"وأركانُ الخُطبةِ خمسةٌ؛ وهي: حَمْدُ اللهِ تعالى، والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ، والوصيَّةُ بالتَّقوى، وقراءةُ آيةٍ في إحدى الخُطْبَتَيْنِ، والدُّعاءُ للمؤْمنينَ والمؤْمناتِ في الخُطبةِ الثَّانيةِ (¬١).\r٢ - «وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا»، للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ -أيضًا- أنَّه قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخْطُبُ قائمًا، ثمَّ يَقْعُدُ، ثمَّ يَقومُ؛ كما تَفْعَلونَ الآنَ» (¬٢).\r٣ - «وَأَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ»؛ لحديثِ عمرَ ﵁ قال: «صلاةُ الجُمُعةِ ركعتانِ ... على لسانِ محمَّدٍ ﷺ» (¬٣).\rوكونُها في جماعةٍ؛ لحديثِ طارقِ بنِ شهابٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ» (¬٤).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهَيْئَاتُهَا أَرْبَعُ خِصَالٍ:\r١ - الْغُسْلُ وَتَنْظِيفُ الْجَسَدِ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» (¬٥).\r٢ - «وَلُبْسُ الثِّيَابِ الْبِيضِ»؛ لحديثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبِيَاضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ","footnotes":"(¬١) «روضة الطَّالبين» (١/ ٥٢٩).\r(¬٢) رواه البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٦١).\r(¬٣) رواه أحمد (٢٥٧)، والنسائي (١٤٢٠)، وابن ماجه (١٠٦٤)، وابنُ خُزيمةَ (١٤٢٥)، وابن حبَّان (٢٧٨٣).\r(¬٤) رواه أبو داود (١٠٦٧)، والحاكم (١٠٦٢)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.\r(¬٥) رواه البخاري (٨٣٧)، ومسلم (٨٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354708,"book_id":264,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":103,"body":"وَأَطْيَبُ» (¬١).\r٣ - «وَأَخْذُ الظُّفُرِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «كانَ يُقَلِّمُ أظفارَه، ويَقُصُّ شاربَه يومَ الجُمعةِ قبلَ أنْ يَخْرُجَ إلى الصَّلاةِ» (¬٢).\r٤ - «وَالطِّيبُ»؛ لحديثِ سَلمانَ الفارسيِّ ﵁ قال: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ الْإِنْصَاتُ فِي وَقْتِ الْخُطْبَةِ»، للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» (¬٤).\rوفي روايةٍ: «وَمَنْ لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ شَيْءٌ» (¬٥).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٠٢٣١)، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (١٨٩٦)، وابن ماجه (٣٥٦٧)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٢) رواه البَزَّارُ (٨٢٩١)، والطَّبرانيُّ في «الأوسط» (٨٤٢)، وقال الهيثميُّ في «المَجْمَع» (٢/ ٣٨٤): «رواه البَزَّارُ والطَّبرانُّي في الأوسطِ، وفيه: إبراهيمُ بنُ قُدامةَ، قال البَزَّارُ: ليس بحُجَّةٍ إذا تَفَرَّدَ بحديثٍ، وقد تَفَرَّدَ بهذا، قلتُ: ذَكَرَه ابن حبَّان في الثِّقاتِ».\r(¬٣) رواه البخاري (٨٤٣).\r(¬٤) رواه البخاري (٨٩٢)، ومسلم (٨٥١)، واللَّغوُ ما لا يَحْسُنُ منَ الكلامِ.\r(¬٥) رواه أبو داود (١٠٥١)، وفيه راوٍ لم يُسَمَّ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354709,"book_id":264,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":104,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْلِسُ»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي صلاةِ العِيدين\rالعِيدُ في اللُّغةِ: مُشتقٌّ مِنَ العَوْدِ، وهو الرُّجوعُ والمعاوَدةُ سُمِّيَ بذلك لأنه يَعُودُ ويَتكرَّرُ، وقِيلَ: مشتقٌّ مِنَ العادةِ؛ لأنَّ النَّاسَ اعتادوه.\rوفي الاصطلاحِ: اسمٌ لما يَعودُ مِنَ الاجتماعِ العامِّ على وجهٍ مُعتادٍ (¬٢).\rوهو يومانِ: يومُ الفطرِ من رمضانَ، وهو أوَّلُ يومٍ من شوَّال، ويومُ الأضحى، وهو اليومُ العاشرُ من ذي الحِجَّةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ»؛ لحديثِ أمِّ عطيَّةَ ﵂ قالت: «أَمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نُخْرِجَهُنَّ في الفطرِ والأضحى، العواتقَ، والحُيَّضَ، وذواتِ الخدورِ، فأمَّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاةَ، ويَشْهَدْنَ الخيرَ، ودعوةَ المسْلمينَ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٨٧٥)، وقولُهُ: «وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا»؛ أي: يُخَفِّفْهما.\r(¬٢) «عون المعبود شرح سنن أبي داود» (٦/ ٣٢).\r(¬٣) رواه البخاري (٣١٨)، ومسلم (٨٩٠)، «العواتق»: جمع عاتق وهي التي قاربت البلوغ، وقيل: الشابة أول ما تبلغ، و «الحُيَّض»: جمع حائض، مثل رُكَّع وراكع، و «الخدور»: البيوت، وقيل: الخدر ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354710,"book_id":264,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":105,"body":"والأمر يقتضي الوجوب؛ ولكنْ دليلُ عدمِ الوجوبِ؛ حديثُ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ ﵁ أنَّ أعرابيًّا جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْني ماذا فَرَضَ اللهُ عليَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ فقالَ ﷺ: «الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» (¬١).\rووقتُها يبدأُ مِن ارتفاعِ الشَّمسِ قِيدَ رُمْحٍ إلى الزَّوالِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ: رَكْعَتَانِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ»، يقولُ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «صلاةُ الفطرِ ركعتانِ، وصلاةُ الأضحى ركعتانِ ... على لسانِ محمَّدٍ ﷺ» (¬٢).\rوقال عمرُو بنُ عوفٍ المُزَنِيُّ ﵁: «كبَّر النَّبيُّ ﷺ في العيدينِ: في الأُولى سبعًا قبْلَ القراءةِ، وفي الآخرةِ خَمسًا قبْلَ القراءةِ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى تِسْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعًا»، يقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «خرجتُ مع النَّبيِّ ﷺ يومَ فطرٍ أو أضحى، فصلَّى ثمَّ خَطَبَ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٥٥٦).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٥٧)، والنسائي (١٤٢٠)، وابن ماجه (١٠٦٤)، وابنُ خُزيمة (١٤٢٥)، وابن حبَّان (٢٧٨٣).\r(¬٣) رواه الترمذي (٥٣٦)، وقال: «حديثٌ حسن».\r(¬٤) رواه البخاري (٩٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354711,"book_id":264,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":106,"body":"وقال أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يوَم الفطرِ والأضحى إلى المصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يبدأُ به الصَّلاةُ، ثم يَنصرفُ، فيقومُ مقابلَ النَّاسِ، والناسُ جلوسٌ على صفوفِهِم، فيَعِظُهم ويوصيهم ويَأْمُرُهُم» (¬١).\rوروى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ يومَ فطرٍ أو أضحى، فَخَطَبَ قائمًا، ثم قَعَدَ قَعدةً، ثم قامَ» (¬٢).\rوروى الشَّافعيُّ عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ ﵀ قال: «السُّنَّةُ في التَّكبيرِ يومَ الأضحى والفطرِ على المنبرِ قبْلَ الخطبةِ أنْ يبتدئَ الإمامُ قبْلَ أنْ يَخْطُبَ، وهو قائمٌ على الِمنبرِ؛ بتسعِ تكبيراتٍ تترى، لا يَفْصِلُ بينها بكلامٍ، ثمَّ يَخْطُبُ، ثم يَجْلِسُ جَلسةً، ثمَّ يَقومُ في الخُطبةِ الثَّانيةِ؛ فَيَفْتَتِحُها بسبعِ تكبيراتٍ تَتْرَى؛ لا يَفْصِلُ بينها بكلامٍ ثمَّ يَخْطُبُ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُكَبِّرُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ، إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الْأَضْحَى: خَلْفَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٩٣١)، ومسلم (٨٨٩).\r(¬٢) رواه ابن ماجه (١٢٨٩)، وقال: شمسُ الحقِّ العظيم آبادي في «عَوْن المعبود» (٤/ ٤): «وسَنَدُه ضعيفٌ، فيه إسماعيلُ بنُ مُسْلِمٍ، وأبو بحرٍ؛ وهما ضعيفان، قال النَّوويُّ في الخلاصةِ: وما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: السُّنَّةُ أنْ يَخْطُبَ في العيدِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بينهما بجلوسٍ ضعيفٍ؛ غيرَ متَّصلٍ، ولم يَثْبُتْ في تكريرِ الخُطبةِ شيءٌ، والمعتمَدُ فيه القياسُ على الجُمعةِ».\r(¬٣) «الأُم» (١/ ٢٧٣)، و «تترى»؛ أي: متتالية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354712,"book_id":264,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":107,"body":"التَّشْرِيقِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا في تكبيرِ عيدِ الفطرِ؛ كما هو معلومٌ، وقِيسَ عليه عيدُ الأضحى، وأيَّامُ التَّشريقِ هي: الحاديَ عشرَ والثَّانيَ عشرَ والثالثَ عشرَ من ذي الحِجَّةِ.\rيقولُ عمير بن سعيد ﵀: «قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَكَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» (¬١).\rقالَ الشَّافعيُّ ﵀: «يقولُ: (اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ)، حتَّى يقولَها ثلاثًا، وإن زادَ تكبيرًا فَحَسَنٌ، وإنْ زادَ فقال: (اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كثيرًا، وسبحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلًا، اللهُ أكبرُ، ولا نَعْبُدُ إلَّا اللهَ، مُخْلِصِينَ له الدِّينَ، ولو كَرِهَ الكافرونَ، لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحزابَ وَحْدَهُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ)، فحَسَنٌ، وما زادَ مع هذا مِن ذِكرِ اللهِ أَحْبَبْتُه» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي صلاةِ الكسوفِ\rالكُسُوفُ في اللُّغة: التغيُّرُ إلى سوادٍ، ومنه: كَسَفَ وَجْهُه؛ إذا تَغَيَّرَ. والخُسوفُ: في اللُّغةِ النُّقصانُ قاله الأصمعيُّ، والخَسْفُ -أيضًا-: الذُّلُّ، ومنه: «سامَه خُطَّةَ خَسْفٍ»؛ أي: ذُلٍّ، فكسوفُ","footnotes":"(¬١) رواه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (١١١٥).\r(¬٢) «الأُم» (١/ ٢٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354713,"book_id":264,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":108,"body":"الشمسِ والقمرِ وخسوفُهُما: تغيُّرهما، ونُقصانُ ضَوْئِهِما، فهما بمعنًى واحدٍ، والمشهورُ في استعمالِ الفقهاءِ أنَّ الكسوفَ للشَّمسِ والخُسوفَ للقمرِ.\rوفي الاصطلاحِ: هو انحجابُ ضوءِ الشَّمسِ أو القمرِ كلِّه أو بَعْضِه بسببٍ غيرِ معتادٍ.\rوالكسوفُ آيةٌ من آياتِ اللهِ يُخَوِّفُ به عبادَهُ لِيَفْزَعوا إلى التَّوبةِ والاستغفارِ، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وصلاةُ الكسوفِ مشروعةٌ باتفاقِ المُسلمينَ، وقد تواترتْ بها السُّنَنُ الصَّحيحةُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَإِنْ فَاتَتْ لَمْ تُقْضَ، وَيُصَلِّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا، وَرُكُوعَانِ يُطِيلُ التَّسْبِيحَ فِيهِمَا دُونَ السُّجُودِ، وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ، وَيُسِرُّ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَيَجْهَرُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ»، تقولُ أمُّ المؤْمنينَ عائشةُ ﵂: خَسَفَتِ الشَّمسُ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فصلَّى رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّاسِ، فقامَ فأطالَ القيامَ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكوعَ، ثم قامَ فأطالَ القِيامَ، وهو دُونَ القيِامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكوعَ، وهو دُونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ سَجَدَ فأطالَ السُّجودَ، ثمَّ فَعَلَ في الرَّكعةِ الثَّانيةِ مِثْلَ ما فَعَلَ في الأُولَى، ثمَّ انْصَرَفَ وقدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فخَطَبَ النَّاسَ؛ فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه، ثم قال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354714,"book_id":264,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":109,"body":"فَادْعُوا اللهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» (¬١).\rوقال سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ ﵁: «صلَّى بنا النَّبيُّ ﷺ في كسوفٍ لا نَسْمَعُ له صوتًا» (¬٢).\rوقالت عائشةُ ﵂: «جَهَرَ النَّبيُّ ﷺ في صلاةِ الخسوفِ بقراءتِه» (¬٣).\rفَحُمِلَ الأوَّلُ على صلاةِ كسوفِ الشَّمسِ؛ لأنَّها نهاريَّةٌ، والثَّاني على صلاةِ خسوفِ القمرِ لأنَّها ليليَّةٌ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي صلاةِ الاستسقاء\rالاستسقاءُ في اللُّغةِ: طلبُ السُّقْيَا، أيْ طلبُ إنزالِ الغيثِ.\rوفي الاصطلاحِ: طلبُ إنزالِ المطرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى بكيفيَّةٍ مخصوصةٍ عندَ الحاجَةِ إليه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ مَسْنُونَةٌ، فَيَأْمُرُهُمُ الْإِمَامُ بِالتَّوْبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَمُصَالَحَةِ الْأَعْدَاءِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ، وَاسْتِكَانَةٍ وَتَضَرُّعٍ، وَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ»، الاستسقاءُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ عندَ الحاجَةِ إليه، فإذا أَجْدَبَتِ الأرضُ، أو انْقَطَعَتِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٩٩٧)، ومسلم (٩٠١).\r(¬٢) رواه الترمذي (٥٦٢)، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٣) رواه البخاري (١٠١٦)، ومسلم (٩٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354715,"book_id":264,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":110,"body":"المياهُ، أو قلَّتْ؛ وَعَظَ الإمامُ النَّاسَ وأَمَرَهُم بالتَّوبةِ والصَّدقةِ ومصالَحَةِ مَن كانَ بينهم وبين أحدٍ مِنَ المسْلمينَ عداوةٌ دنيويَّةٌ، ويَأْمُرُهم بالصِّيامِ ثلاثةَ أيَّامٍ، كما نَقَلَه الشَّافعيُّ ﵀ عن بعضِ أئِمَّةِ السَّلَفِ، فقال: «وَبَلَغَنا عن بعضِ الأئمَّةِ أنَّه كانَ إذا أرادَ أنْ يَسْتَسْقِيَ أَمَرَ النَّاسَ فصاموا ثلاثةَ أيَّامٍ متتابِعَةٍ، وتَقَرَّبوا إلى اللهِ ﷿ بما استطاعوا مِن خيرٍ ثمَّ خرَجَ في اليومِ الرَّابعِ فاستسقى بهم، وأنا أُحِبُّ ذلك لهم، وآمُرُهُم أنْ يَخْرُجُوا في اليومِ الرَّابعِ صيامًا مِنْ غيرِ أنْ أُوجِبَ ذلك عليهم، ولا على إمامِهِم» (¬١).\rوكذلك يَخْرُجُونَ في ثيابِ بِذْلَةٍ، وهي ثيابُ المهنةِ والخدمةِ؛ ليَكونوا على هيئةِ السَّائلِ، وعليهم السَّكينةُ في مِشيتِهِم، وكلامِهِم وجلوسِهِم.\rيقولُ إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كِنانَةَ: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ في الاستسقاءِ، فقال: «خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ متواضعًا متبذِّلًا متخشِّعًا مترسِّلًا متضرِّعًا، فصلَّى رَكْعَتَيْنِ كما يصلِّي في العيدِ» (¬٢).\rوقالَ عبدُ اللهِ بنُ زيدِ بنِ عاصمٍ الأنصاريُّ ﵁: «خَرَجَ","footnotes":"(¬١) «الأُم» (١/ ٢٨٣).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٠٣٩)، وأبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٨)، والنسائي (١٥٠٨)، وابن ماجه (١٢٦٦)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح»، وقولُه: «مترسِّلًا»؛ أي: متأنِّيًا، يقال: ترسَّلَ الرَّجُلُ في كلامِهِ ومَشْيِه إذا لم يُعَجِّلْ، وقولُه: «كما يصلِّي العيدَ»؛ أي: في التَّوقيتِ والكيفيَّةِ، فوقتُها يبدأُ من ارتفاعِ الشَّمسِ قِيدَ رمحٍ إلى الزَّوالِ، ويُكبِّرُ في الرَّكعِة الأولى سبعًا، وفي الثانيةِ خمسًا؛ كما سَبَقَ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354716,"book_id":264,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":111,"body":"النَّبيُّ ﷺ يَستسقي فَتَوَجَّهَ إلى القِبلةِ يدعو وحوَّلَ رداءَهُ ثم صلَّى ركعتينِ جَهَرَ فيهما بالقراءةِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَهُمَا، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: «خرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ يومًا يَستسقي، فصلَّى بنا ركعتينِ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، ثم خَطَبَنا، ودعا اللهَ، وحَوَّلَ وَجْهَهُ نحوَ القِبلةِ رافعًا يديْهِ، ثُمَّ قَلَبَ رداءَهُ؛ فَجَعَلَ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ» (¬٢).\rويستغفرُ في خُطْبَتَيْهِ بَدَلَ التَّكبيراتِ الَّتي في خُطبتيِ العيدينِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١].\rو ﴿مِدْرَارًا﴾؛ أي: متواصِلةَ الأمطارِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَدْعُو بِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلَا تَجْعَلْهَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا مَحْقٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ وبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مُرِيعًا، سَحًّا عَامًّا، غَدَقًا طَبَقًا مُجَلِّلًا، دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٩٧٨)، ومسلم (٨٩٤).\r(¬٢) رواه أحمد (٨٣١٠)، وابن ماجه (١٢٦٨)، وابنُ خُزيمة (١٤٢٢)، وقولُه: «قَلَبَ رداءَه فَجَعَلَ الأيمنَ على الأيسرِ والأيسرَ على الأيمنِ»، تفاؤلًا أنْ يَقْلِبَ اللهُ تعالى الحالَ من جَدْبٍ إلى خِصَبٍ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354717,"book_id":264,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":112,"body":"وَالْبِلَادِ مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُو إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ؛ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» (¬١).\rقال الشافعي ﵀: وأحب أن يدعو الإمام بهذا، ولا وقت في الدعاء، ولا يجاوزه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَغْتَسِلُ فِي الْوَادِي إِذَا سَالَ»؛ لحديثِ يَزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهادِ ﵁ قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا سالَ السَّيْلُ يقولُ: «اخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الَّذي جَعَلَهُ اللهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ، وَنَحْمَدُ اللهَ عَلَيْهِ» (¬٢).\rوقالَ أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: أصابَنا ونحنُ مع رسولِ اللهِ ﷺ مطرٌ، فحَسَرَ رسولُ الله ﷺ ثوبَهُ حتى أصابه من المطرِ، فقلنا: يا","footnotes":"(¬١) رواه الشَّافعُّي في «الأُم» (١/ ٢٨٦)، وهو مُرْسَلٌ؛ كما قالَ البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٦٤٤٣)، و «الظِّرابُ»، جمعُ ظَرِبٍ، وهي صغارُ الجبالِ، و «الآكامُ»، جمعُ أَكَمَةٍ، وهي التَّلُّ المرتفعُ مِنَ الأرضِ، و «غيثًا»، مطرًا، و «مُغيثًا»، منقِذًا مِنَ الشِّدَّةِ، و «هنيئًا»، طيِّبًا لا يُنَغِّصُه شيءٌ، و «مَريئًا»، محمودَ العاقبةِ منمِّيًا، و «مَريعًا»، مُخَصِّبًا، و «سَحًّا»، شديدَ الوقوعِ على الأرضِ، و «غدَقًا»، كثيرًا، و «طبَقًا»، مستوعِبًا لنواحي الأرضِ، و «مُجلِّلًا»، يُجَلِّلُ الأرضَ ويَعُمُّها، و «دائمًا»، مستمرًّا نَفْعُه، و «القانطينَ»، الآيسينَ بتأخيرِ المطرِ، و «الجَهدُ»، المشقَّةُ، و «الضَّنْكُ»، الضِّيقُ والشِّدَّةُ، و «مِدْرارًا»، متواصلةَ الأمطارِ.\r(¬٢) رواه الشَّافعيُّ في «الأُمّ» (١/ ٢٨٩)، والبيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٦٢٤٩)، وقال: «مُنْقَطِعٌ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354718,"book_id":264,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":113,"body":"رسولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هذا؟ قال: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَبِّحُ لِلرَّعْدِ وَالْبَرْقِ»، أي يُسَبِّحُ اللهَ تعالى عِنْدَهُما؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أنَّه كانَ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الحديثَ وقال: «سبحانَ الَّذي ﴿يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرَّعد: ١٣]» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي صلاةِ الخوف\rقال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الْخَوْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:\rأَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَيُفَرِّقُهُمُ الْإِمَامُ فِرْقَتَيْنِ؛ فِرْقَةً تَقِفُ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَفِرْقَةً خَلْفَهُ، فَيُصَلِّى بِالْفِرْقَةِ الَّتِي خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ تُتِمُّ لِنَفْسِهَا، وَتَمْضِي إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً، وَتُتِمُّ لِنَفْسِهَا، وَيُسَلِّمُ بِهَا»، هذه الصُّورةُ نَقَلَها صالحُ بنُ خَوَّاتٍ عمَّن شَهِدَ رسولَ اللهِ ﷺ «يومَ ذاتِ الرِّقاعِ صلَّى صلاةَ الخوفِ؛ أنَّ طائفةً صَفَّتْ معه، وطائفةً وِجاهَ العَدُوِّ، فصلَّى بالَّتي معه ركعةً، ثمَّ ثَبَتَ قائمًا وأتَمُّوا لأنْفُسِهم، ثمَّ انْصَرَفُوا","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٩٨٩)، وقال النَّوويُّ ﵀ في «شرح صحيح مسلم» (٦/ ١٩٥): «(حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ)؛ أي: بتكوينِ ربِّه إيَّاه، ومعناه أنَّ المطرَ رحمةٌ، وهي قريبةُ العهدِ بخلقِ اللهِ تعالى لها؛ فَيُتَبَرَّكُ بها».\r(¬٢) رواه مالكٌ في «الموطَّأ» (٢٨٣٩)، وأحمدُ في «الزُّهد» (١١١٥)، والبخاري في «الأدب المفْرَد» (٧٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354719,"book_id":264,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":114,"body":"فصفُّوا وِجاهَ العدُوِّ، وجاءتِ الطَّائفةُ الأخرى فصلَّى بهم الرَّكعةَ الَّتي بَقِيَتْ مِن صلاتِه، ثمَّ ثَبَتَ جالسًا، وأتَمُّوا لأنْفُسِهم، ثمَّ سَلَّمَ بهم» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَيَصُفُّهُمُ الْإِمَامُ صَفَّيْنِ وَيُحْرِمُ بِهِمْ، فَإِذَا سَجَدَ؛ سَجَدَ مَعَهُ أَحَدُ الصَّفَّيْنِ، وَوَقَفَ الصَّفُّ الْآخَرُ يَحْرُسُهُمْ، فَإِذَا رَفَعَ سَجَدُوا وَلَحِقُوهُ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قال: «قامَ النَّبيُّ ﷺ وقامَ النَّاسُ معه، فكَبَّرَ، فكَبَّروا معه، وركَعَ، ورَكَعَ ناسٌ منهم، ثم سَجَدَ وسَجَدُوا معه، ثمَّ قامَ للثَّانيةِ، فقامَ الَّذينَ سَجَدُوا وحَرَسُوا إخوانَهُم، وأتتِ الطَّائفةُ الأخرى فَرَكَعُوا وسجدُوا معه، والنَّاسُ كُلُّهم في الصَّلاةِ ولكنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بعضًا» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْتِحَامِ الْحَرْبِ، فَيُصَلِّي كَيْفَ أَمْكَنَهُ؛ رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لَهَا»؛ لقولِه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩]، قال ابنُ عمرَ ﵄: «فإنْ كانَ خوفٌ هو أشدُّ من ذلك، صَلَّوْا رِجالًا قِيامًا على أقدامِهِم، أو رُكبانًا، مستقبِلي القِبلةِ أو غيرَ مستقبِلِيها» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٩٠٠)، ومسلم (٨٤٢).\r(¬٢) رواه البخاري (٩٠٢).\r(¬٣) رواه البخاري (٤٢٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354720,"book_id":264,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":115,"body":"«فَصْلٌ»\rفي اللِّباسِ والزِّينة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ، وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ، وَقَلِيلُ الذَّهَبِ وَكَثِيرُهُ فِي التَّحْرِيمِ سَوَاءٌ»، يقولُ حذيفةُ ﵁: سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ» (¬١).\rوقال أبو هُرَيْرَةَ ﵁: «نَهى النَّبيُّ ﷺ عن خاتَمِ الذَّهبِ» (¬٢).\rوقال أبو موسى الأشعريُّ ﵁: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الثَّوْبِ إِبْرَيْسَمًا، وَبَعْضُهُ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا؛ جَازَ لُبْسُهُ مَا لَمْ يَكُنِ الْإِبْرَيْسَمُ غَالِبًا»، وإذا كانَ بعضُ الثَّوبِ إِبْرَيْسَمًا، أيْ: حريرًا، وكانَ بعضُه الآخَرُ قُطنًا أو كَتَّانًا أو غَيْرَه ممَّا يُباحُ استعمالُه جازَ تغليبًا لجانبِ الأكثرِ، يقولُ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «نَهى النَّبيُّ ﷺ عنِ الحريرِ إلَّا هكذا»، وأشارَ بإصبعيْهِ اللَّتَيْنِ تَليانِ الإبهامَ (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥١١٠)، ومسلم (٢٠٦٧)، و «الدِّيباجُ»؛ هو: صِنْفٌ نَفيسٌ من الحريرِ، وعطفُه عليه من بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ.\r(¬٢) رواه البخاري (٥٥٢٦)، ومسلم (٢٠٨٩).\r(¬٣) رواه أحمد (١٩٥٣٣)، والترمذي (١٧٢٠)، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٤) رواه البخاري (٥٤٩٠)، ومسلم (٢٠٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354721,"book_id":264,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":116,"body":"ويُستثنى من ذلك عندَ الضَّرورةِ، لمرضٍ ونحوِه لحديثِ أنسٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَخَّصَ لعبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ والزُّبيرِ في قميصٍ مِن حريرٍ مِن حكَّةٍ كانت بهما» (¬١).\rوقال عَرْفَجَةُ بنُ أَسْعَدَ ﵁: «أُصيبَ أنفي يومَ الكُلَابِ في الجاهليَّةِ، فاتَّخذتُ أنفًا من وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عليَّ فأمَرَني رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أَتَّخِذَ أنفًا مِن ذهبٍ» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي صلاةِ الجِنازةِ\rالجِنازةُ بالكسرِ والفتحِ: الميِّتُ بسريرِه، وقِيل: بالكسرِ السَّريرُ، وبالفتحِ المَيِّتُ، وقال النَّوويُّ ﵀: «الجِنازةُ مُشْتَقَّةٌ مِن جَنَزَ إذا سَتَرَ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَلْزَمُ فِي الْمَيِّتِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: غَسْلُهُ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ»، أَجْمَعَ المسْلمونَ على وجوبِ هذه الأمورِ الأربعةِ وجوبًا كِفائيًّا، والدَّليلُ على لزومِها الإجماعُ المستنِدُ إلى ما وَرَدَ مِنَ الأحاديثِ، والَّتي سيأتي بعضُها إنْ شاءَ اللهُ تعالى.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٧٦٢)، ومسلم (٢٠٧٦)، و «الحِكَّةُ»، داءٌ يَكونُ بالجِلْدِ.\r(¬٢) رواه أحمد (٢٠٢٨٣)، وأبو داود (٤٢٣٢)، والترمذي (١٧٧٠)، والنسائي (٥١٦١)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن»، و «الكُلَابُ»، اسمُ ماءٍ للعربِ مشهورٍ, ويومُه؛ يومُ الوقْعةِ الَّتي كانت عليه.\r(¬٣) «شرح النَّووي على صحيح مُسْلِم» (٦/ ٢١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354722,"book_id":264,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":117,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَاثْنَانِ لَا يُغَسَّلَانِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمَا:\r١ - الشَّهِيدُ فِي مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ في قَتْلى أُحُدٍ بدفْنِهِم في دمائِهم، ولم يُغَسَّلُوا ولم يُصَلَّ عليهم» (¬١).\r٢ - «وَالسُّقْطُ الَّذي لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ، وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ» (¬٢).\rوقال جابرٌ ﵁ قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوُرِثَ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُغْسَلُ الْمَيِّتُ وِتْرًا، وَيَكُونُ فِي أَوَّلِ غُسْلِهِ سِدْرٌ، وَفِي آخِرِهِ شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ»؛ لحديثِ أمِّ عطيَّةَ الأنصاريَّةِ ﵂ قالت: دَخَلَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحن نُغَسِّلُ ابنَتَهُ فقال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ؛ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، قالت: فلمَّا فَرَغْنا آذنَّاهُ، فألقى إلينا حَقْوَهُ، فقال: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ»، قالت: فَضَفَّرْنا شَعْرَها ثلاثةَ قرونٍ وأَلْقَيْنَاها","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٢٧٨).\r(¬٢) رواه الترمذي (١٠٣٢)، و «يَسْتَهِلُّ»، من الاستهلالِ، وهو الصِّياحُ، أو العُطاسُ، أو حركةٌ يُعْلَمُ بها حياتُه.\r(¬٣) رواه ابن ماجه (١٥٠٨)، والحاكم (٨٠٢٣)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354723,"book_id":264,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":118,"body":"خَلْفَها» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: كُفِّنَ رسولُ اللهِ ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ يَمانيَّةٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ، مِن كُرْسُفٍ، ليس فيها قَمِيصٌ ولا عِمَامةٌ (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُكَبَّرُ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَعى النَّجاشيَّ في اليوم الَّذي ماتَ فيه، خَرَجَ إلى المصلَّى فصفَّ بهم وكَبَّرَ أربعًا» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ الْأُولَى»؛ لحديثِ طلحةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عوفٍ قال: صلَّيتُ خَلْفَ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ على جِنازةٍ، فقرأَ بفاتحةِ الكِتابِ، فقال: «لِيَعْلموا أنَها سُنَّةٌ» (¬٤).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُصَلِّي عَلَى النَّبيِّ ﷺ بَعْدَ الثَّانِيَةِ»؛ لحديثِ أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيْفٍ ﵁ قال: أَخْبَرَنِي","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١١٩٥)، ومسلم (٩٣٩)، وجاءَ في روايةٍ: «وابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا»، وقولُه ﷺ: «فِي الْآخِرَةِ»، أيْ: في الغَسلةِ الأخيرةِ، و «آذِنَّنِي»؛ أي: أَعْلِمْنَني، و «حَقْوَه»، بفتحِ الحاءِ وكسرِها لغتان، يَعني إزارَه، وأصلُ الحَقْوِ مَعْقِدُ الإزارِ، وسُمِّيَ به الإزارُ؛ لأنَّه يُشَدَّ فيه، و «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ»؛ أي: اجْعَلْنه شِعارًا لها، وهو الثَّوبُ الَّذي يلي الجسدَ، وسُمِّيَ شِعارًا؛ لأنَّه يلي شعرَ الجسدِ، والحكمةُ من ذلك التَّبَرُّكُ بإزارِه ﷺ.\r(¬٢) رواه البخاري (١٢٠٥)، ومسلم (٩٤١)، و «سَحُوليَّةٌ»، أيْ: بِيضٌ نقيَّةٌ، و «كُرْسُفٌ»؛ أي: قُطْنٌ.\r(¬٣) رواه البخاري (١١٨٨)، ومسلم (٩٥١).\r(¬٤) رواه البخاري (١٢٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354724,"book_id":264,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":119,"body":"رجالٌ منْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في الصَّلاةِ على الجِنازةِ، «أنْ يُكَبِّرَ الإمامُ، ثم يُصَلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ، ويُخْلِصَ الصَّلاةَ في التَّكبيراتِ الثَّلاثِ، ثم يُسَلِّمَ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَدْعُو لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ، خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا وَسَعَتِهَا، وَمَحْبُوبُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ فِيهَا؛ إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَمَا هُوَ لَاقِيهِ، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا؛ اللَّهُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتِكَ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ رَاغِبِينَ إِلَيكَ شُفَعَاءَ لَهُ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا؛ فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا؛ فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِكَ، حَتَّى تَبْعَثَهُ آمِنًا إِلَى جَنَّتِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ»، هذه الأدعيةُ الْتَقَطَها الشَّافعيُّ ﵀؛ من مجموعِ الأحاديثِ، وربَّما ذَكَرَ بَعْضَها بالمعنى (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَقُولُ فِي الرَّابِعَةِ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا صلَّى على جِنازةٍ يقولُ: «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه الشَّافعيُّ (٥٨١)، والحاكم (١٣٣١)، وقال: «صحيحٌ على شرطِ الشَّيخين».\r(¬٢) قاله ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «نتائج الأفكارِ» (٤/ ٤٠٠)، وانظر: «الأُم» (١/ ٣٢٣).\r(¬٣) رواه أبو داود (٣٢٠١)، والنَّسائي في «السُّنن الكبرى» (١٠٨٥٢)، وابن ماجه (١٤٩٨)، وابن حبَّان (٣٠٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354725,"book_id":264,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":120,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَلِّمُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ»؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفْعَلُ التَّسليمَ على الجِنازةِ مِثْلَ التَّسليمِ في الصَّلاةِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُدْفَنُ فِي لَحْدٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ»؛ لحديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁ أنه قالَ في مَرَضِ مَوْتِه: «الْحَدُوا لي لَحْدًا، وانْصِبُوا عليَّ اللَّبِنَ نَصبًا؛ كما صُنِعَ برسولِ اللهِ ﷺ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ»؛ لحديثِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ أنَّ الحارثَ أوصى أنْ يُصَلِّيَ عليه عبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ الخَطْميُّ الصَّحابيُّ ﵁، فصلَّى عليه، ثمَّ أَدْخَلَه القبرَ مِن قِبَلِ رِجْلَيِ القَبْرِ، وقال: «هذا مِنَ السُّنَّةِ» (¬٣).\rفيكونُ رأسُ الميِّتِ عندَ رِجْلِ القبرِ، ثم يُسَلُّ في القبرِ مِن قِبَلِ رأسِه سَلًّا رفيقًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَقُولُ الَّذي يُلَحِّدُهُ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا وَضَعَ الميِّتَ في القبرِ قال: «بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٦٧٨٠)، وسندُه جيِّدٌ؛ كما قال النَّوويُّ ﵀ في «خُلاصة الأحكام» (٣٥٠٧).\r(¬٢) رواه مسلم (٩٦٦)، و «اللَّحدُ»، هو: الشَّقُّ في جانبِ القبرِ.\r(¬٣) رواه أبو داود (٣٢١١)، والبيهقيُّ (٦٨٤٤)، وقال: «هذا إسنادٌ صحيح».\r(¬٤) رواه أحمد (٤٨١٢)، وأبو داود (٣٢١٣)، والترمذي (١٠٤٦)، وابن ماجه (١٥٥٠)، وابن حبَّان (٣١٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354726,"book_id":264,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":121,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَيُضْجَعُ فِي الْقَبْرِ بَعْدَ أَنْ يُعَمَّقَ قَامَةً وَبَسْطَةً»؛ لحديثِ هشامِ بنِ عامرٍ ﵁ قال: قُتِلَ أبي يومَ أُحُدٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَحْسِنُوا» (¬١).\rوقال عمرُ ﵁: «عَمِّقُوا إلى قَدْرِ قَامَةٍ وبَسْطَةٍ» (¬٢).\rولم يُنْكِرْه أَحدٌ مِنَ الصَّحابةِ، وقَدَّرَه العلماءُ بثلاثةِ أذرعٍ ونِصْف، وهو قَدْرُ ما يَقُومُ الرَّجلُ، وَيَبْسُطُ يَدَه مرفوعةً.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَطَّحُ الْقَبْرُ وَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ وَلَا يُجَصَّصُ»؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّه قالَ لأبي الهَيَّاجِ الأسديِّ: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» (¬٣).\rولحديثِ جابرٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُجَصَّصَ القبرُ، وأن يُقْعَدَ عليه، وأنْ يُبنى عليه» (¬٤).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ؛ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ وَلَا شَقِّ جَيْبٍ»؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ بكى على ولدِه إبراهيمَ لمَّا رآهُ يَجودُ بنفْسِه، وقال: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٦٣٠٠)، وأبو داود (٣٢١٥)، والترمذي (١٧١٣)، والنسائي (٢٠١٨)، وابن ماجه (١٥٦٠)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٢) رواه ابنُ أبي شيبةَ في «المصنَّف» (١١٦٦٣).\r(¬٣) رواه مسلم (٩٦٩).\r(¬٤) رواه مسلم (٩٧٠)، والتجصيص: هو البناء بالجص، وهو النورة البيضاء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354727,"book_id":264,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":122,"body":"لَمَحْزُونُونَ» (¬١).\rفلا بأسَ بالبكاءِ؛ لكنْ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ، وَلا شَقِّ جَيْبٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُعَزَّى أَهْلُهُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِن دَفْنِهِ»؛ لأنَّ قُوَّةَ الحزنِ لا تَزيدُ عليها في الغالبِ، وفي حديثِ أمِّ حبيبةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (¬٣).\rولا يُعَزَّى بعدَ ثلاثةِ أيَّامٍ إلَّا لمسافرٍ؛ لأنَّ الحزنَ ينتهي بها غالبًا فلا يُسْتَحْسَنُ تجديدُه، والأَوْلى أنْ تَكونَ بعدَ الدَّفنِ لاشتغالِ أهلِ الميِّتِ بتجهيزِهِ، إلَّا إنِ اشتدَّ حُزْنُهم فتقديمُها أَوْلى مواساةً لهم.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ إِلَّا لِحَاجَةٍ»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِن قَتلى أُحُدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثمَّ يقولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟»، فإذا أُشيرَ له إلى أَحَدِهِما؛ قَدَّمَه في اللَّحْدِ، وقال: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٢٤١)، ومسلم (٢٣١٥).\r(¬٢) رواه البخاري (١٢٩٤)، و «الجيوب»: جمع جيب، وهو فتحة الثوب من أعلاه؛ ليدخل فيه الرأس.\r(¬٣) رواه البخاري (١٢٢١)، ومسلم (١٤٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354728,"book_id":264,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":123,"body":"هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وأَمَرَ بدَفْنِهِم في دمائِهِم، ولم يُغَسَّلُوا، ولم يُصلَّ عليهم (¬١).\rواللهُ تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٢٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354729,"book_id":264,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":124,"body":"كتابُ الزَّكاة\rالزَّكاةُ في اللُّغةِ: النَّماءُ والزِّيادةُ، يُقالُ: زَكَا الزَّرعُ: إذا نَمَا وزادَ.\rوفي الاصطلاحِ: اسمٌ لمالٍ مخصوصٍ، يُؤخَذُ من مالٍ مخصوصٍ؛ على وجهٍ مخصوصٍ، يُصرَفُ لطائفةٍ مخصوصةٍ.\rوقد فُرِضَتِ الزَّكاةُ في السَّنةِ الثَّانيةِ مِنَ الهجرةِ، وقُرِنت في القرآنِ بالصَّلاةِ في اثنينِ وثمانينَ موضعًا، وهذَا دليلٌ على كمالِ الاتصالِ بينهما، وأجمعت الأمةُ على أنَّها أحدُ أركانِ الإسلامِ.\rوالأصلُ في وجوبِ الزَّكاةِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].\rوأحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (¬١).\rقال أبو شجاعٍ ﵀: «تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ؛","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354730,"book_id":264,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":125,"body":"وَهِيَ: الْمَوَاشِي وَالْأَثْمَانُ وَالزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ»، أدلةُ وُجوبِ هذه الأشياءِ المذكورةِ ستأتي في مواضِعِها إن شاء الله تعالى وقد ذكرَها هنا مجملةً ثمَّ فصَّلَها فقالَ:\r١ - «فَأَمَّا الْمَوَاشِي فَتَجِبُ الزَّكاة فِي ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ مِنْهَا؛ وَهِيَ: الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ. وَشَرَائِطُ وُجُوبِهَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمِلْكُ التَّامُّ، وَالنِّصَابُ، وَالْحَوْلُ، وَالسَّوْمُ»، الأصلُ في وجوبِ الزَّكاةِ في هذه الأجناسِ وشروطِها حديثُ أنسٍ ﵁ أنَّ أبا بكرٍ ﵁ كتبَ له كتابًا لما وَجَّهَهُ إلى البحرينِ، وفيه: «بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذه فريضةُ الصَّدقةِ التي فرضَ رسولُ اللهِ ﷺ على المسلمينَ، والتي أمرَ اللهُ بها رسولَه، فمَن سُئِلَها من المسلمينَ على وجهِها فليُعْطِها، ومَن سُئِل فوقَها فلا يُعْطِ ... » (¬١)، ثمَّ ذَكرَ فيه هذه الأجناسَ الثَّلاثةَ: الإبلَ، والبقرَ، والغنمَ، وبيانَ أنصبتِها، وما يجبُ فيها، وسيأتِي ذلك في مواضعِه إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\rويُشترطُ لهذا الوجوبِ ستةُ أشياءَ، وهي:\rأ- الإسلامُ؛ لأنَّ الكافرَ عملُه مُحْبَطٌ.\rب- الحريَّةُ؛ لأنَّ العبدَ ومالَه لسيدِه.\rجـ- المِلْكُ التَّامُّ للقدرةِ على التَّصرُّفِ.\rد- بلوغُ المالِ النِّصابَ، وهو القَدْرُ الذي تجبُ فيه الزَّكاُةُ، فلا زكاةَ فيما دُونَهُ، وستأتِي أنصبةُ الأموالِ التي تجبُ فيها الزَّكاُةُ؛","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354731,"book_id":264,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":126,"body":"من المواشِي، والأثمانِ، والزُّروعِ، والثِّمارِ، وعروضِ التِّجارةِ؛ في مواضِعِها بالتَّفصيلِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\rهـ- مرورُ الحولِ: وهو أنْ يمضِي على تملُّكِ هذا المالِ عامٌ قمَريٌّ؛ لحديثِ عليٍّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (¬١).\rو- السَّوْمُ: وهو الرَّعْيُ للماشيةِ في كلإٍ مباحٍ، كلَّ الحولِ أو أكثرَه، بخلافِ المعلوفةِ معظمَ الحَوْلِ، فلا زكاةَ فيها؛ لكثرةِ المُؤْنَةِ.\r٢ - «وَأَمَّا الْأَثْمَانُ فَشَيْئَانِ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمِلْكُ التَّامُّ، وَالنِّصَابُ، وَالْحَوْلُ»، الأصلُ في وجوبِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفضَّةِ أدلَّةٌ كثيرةٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤]، قال ابنُ عمرَ ﵄: «مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ» (¬٢).\rوحديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (١٥٧٣)، وحسنه ابن حجر في «بلوغ المرام» (ص: ١٧٤).\r(¬٢) رواه البخاري (١٣٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354732,"book_id":264,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":127,"body":"جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (¬١).\rوستأتي أنصبتُها، وما يجبُ فيها؛ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\r٣ - «وَأَمَّا الزُّرُوعُ فَتَجِبُ الزَّكاةُ فِيهَا بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ، وَأَنْ يَكُونَ قُوتًا مُدَّخَرًا، وَأَنْ يَكُونَ نِصَابًا وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَا قِشْرَ عَلَيْهَا»، تجبُ الزَّكاةُ في الزُّروعِ بشرطِ أنْ تكونَ مما يَزرعُ جنسَه الآدميُّونَ؛ مما يُقتاتُ في حالِ الاختيارِ، ويمكنُ ادخارُه دونَ أنْ يَفسدَ؛ كالقمحِ والشَّعيرِ والأرزِ والذُّرةِ والفولِ والْحِمَّصِ واللُّوبْيَا والْعَدَسِ وما أشبهَ ذلك، وستأتِي أنصبتُها، وما يجبُ فيها في موضعِها إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\rومن أدلةِ الوجوبِ قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثمرِهِ إِذَا أَثمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].\rقال الشافعيُّ ﵀: «أمرَ اللهُ ﷿ أنْ يُؤتَى حقُّه يومَ حصادِه، وهذا دَلالةٌ على أنَّه إنَّما جعلَ الزَّكاةَ على الزَّرعِ» (¬٢).\r٤ - «وَأَمَّا الثِّمَارُ فَتَجِبُ الزَّكاة فِي شَيْئَيْنِ مِنْهَا: ثَمَرَةُ النَّخْلِ،","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٩٨٧)، و «حقَّها»؛ أي: زكاتها.\r(¬٢) «الأم» (٢/ ٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354733,"book_id":264,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":128,"body":"وَثَمَرَةُ الْكَرْمِ، وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمِلْكُ التَّامُّ، وَالنِّصَابُ»، مَن مَلَكَ مِن ثمرِ النَّخلِ والكَرْمِ -وهو العِنبُ- ما تجبُ فيه الزَّكاةُ، وتوفرتْ فيه هذه الشُّروط؛ وجبتْ عليه الزَّكاةُ، ومن الأدلَّةِ على ذلك حديثُ عتَّابِ بنِ أَسيدٍ ﵁ قال: «أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ كما يُخْرَصُ النَّخلُ، وتُؤخَذُ زَكاتُه زَبيبًا، كما تُؤخذُ زكاةُ النَّخلِ تمرًا» (¬١).\rوقدْرُ النِّصابِ سيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ووجهُ اختصاصِ التَّمرِ والزَّبيبِ أنَّهما مما يُقْتَاتُ ويُدَّخَرُ.\r٥ - «وَأَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ: فَتَجِبُ الزَّكاة فِيهَا بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَثْمَانِ»، سبقَ الكلامُ عن الشُّروطِ، ومن الأدلَّةِ على وجوبِ الزَّكاةِ في عروضِ التِّجارةِ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛\rقال مُجاهدٌ ﵀: «نزلت في التِّجارةِ» (¬٢).\rوَبَوَّبَ البخاريُّ ﵀ بابًا في «صحيحِه»، فقال: «بابُ صدقةِ الكسبِ والتِّجارةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (١٦٠٣)، والترمذي (٦٤٤)، والنسائي (٢٦١٨)، وابن خزيمة (٢٣١٦)، وابن حبَّان (٣٢٧٩)، وقوله: «يُخْرَصُ»، الخَرصُ: تقديرُ ما يكونُ من الرُّطبِ تمرًا، ومن العنبِ زبيبًا.\r(¬٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٢١٩٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧٣٨٧).\r(¬٣) «صحيح البخاري» (٢/ ٥٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354734,"book_id":264,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":129,"body":"وقال سمُرةُ بنُ جُنْدُبٍ ﵁: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي نِصَابِ الإبِل\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَوَّلُ نِصَابِ الْإِبِلِ خَمْسٌ، وَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ، وَفِى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ»، الـ «شاة» المأخوذةُ في «خمسٍ مِنَ الإبلِ»؛ هي الْجَذَعَةُ من الضَّأنِ، وهي ما أتمَّت سنةً ودخلت في الثَّانيةِ، أو الثَّنِيَّةُ من المعزِ، وهي ما أتمَّت سنتينِ ودخلتْ في الثَّالثةِ؛ إذ الشَّاةُ تصدقُ على الغَنَمِ والمعزِ، وله أن يتخيَّرَ بينهما، و «بنتُ المخاضِ» المأخوذةُ في «خمسٍ وعشرينَ»؛ ما لها سنةٌ ودخلت في الثَّانيةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أمَّها غالبًا صارت مخاضًا بأخرى؛ أي: حاملًا، والمخاضُ آلامُ الولادةِ، و «بنتُ اللَّبُونِ» المأخوذةُ في «ستٍّ وثلاثينَ»؛ ما لها سنتانِ ودخلت في الثَّالثةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أمَّها صار فيها لبنٌ غالبًا بولادةِ أخرى، و «الحِقَّةُ»، المأخوذة في","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (١٥٦٢)، والمرادُ بالصدقة: الزكاة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354735,"book_id":264,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":130,"body":"«ستٍّ وأربعينَ»؛ ما لها ثلاثُ سنينَ ودخلت في الرَّابعةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها استحقَّت أنْ تُركَب ويُحملَ عليها، وقيل: لأنَّها استحقت أنْ يَطرُقَها الفَحلُ، و «الجَذَعَةُ»، المأخوذةُ في «إحدى وستِّين»؛ ما لها أربعُ سنينَ ودخلت في الخامسةِ،\rوسُمِّيت جَذعةً؛ لأنَّها تجذَعُ مقدَّم أسنانِها؛ أي: تُسقطُ أسنانُ اللبنِ.\rودليلُ هذه الأنصبةِ حديثُ أنسٍ ﵁ أنَّ أبا بكرٍ ﵁ كتب له هذا الكتابَ لما وجَّهَه إلى البحرينِ: بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ هذه فريضةُ الصَّدقةِ التي فرضَ رسولُ اللهِ ﷺ على المسلمينَ، والتي أمر اللهُ بها رسولَه، فمَن سُئِلَها من المسلمينَ على وجهِها، فليُعْطِها، ومَن سئل فوقَها فلا يُعْطِ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، فَفِيهَا شَاةٌ» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٨٦)، وقوله: «إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا»؛ يعني: صاحبُها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354736,"book_id":264,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":131,"body":"«فَصْلٌ»\rفي نِصَابِ البَقَر\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَوَّلُ نِصَابِ الْبَقَرِ ثَلَاثُونَ وَفِيهَا تَبِيعٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا فَقِسْ»، التَّبِيعُ: ما له سنةٌ ودخلَ في الثَّانيةِ، والمُسِنَّةُ: ما لها سنَتانِ ودخلَتْ في الثَّالثةِ.\rودليلُ هذه الأنصبةِ حديثُ معاذِ بنِ جبلٍ ﵁ قال: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي نِصَابِ الغَنَم\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَوَّلُ نِصَابِ الْغَنَمِ أَرْبَعُونَ؛ وَفِيهَا شَاةٌ جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنَيَّةٌ مِنَ الْمَعْزِ، وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَانِ، وَفِي مِائَتِينِ وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي أَرْبَعِمَائَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ»، الجَذَعَةَ من الضَّأْنِ: هي التي أتمَّتْ سنةً ودخلَت في الثَّانيةِ، والثنيَّةُ من المعزِ: هي التي أتمَّتْ سنتينِ ودخلَت في الثَّالثةِ، والشَّاةُ تصدُقُ على الغنَمِ والمعزِ، وله أن يَتخيَّرَ بينهما.\rودليلُ هذه الأنصبةِ حديثُ أبي بكرٍ ﵁ قبلَ السَّابقِ، حيث","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٢٠٦٦)، وأبو داود (١٥٧٦)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٢٤٥٠)، وابن ماجه (١٨٠٣)، وابن خزيمة (٢٢٦٨)، وابن حبَّان (٤٨٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354737,"book_id":264,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":132,"body":"جاء فيه: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ؛ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي زكاةِ الخَلِيطَيْن\rالخليطانِ: الرَّجُلانِ يتَخالطانِ بماشيتِهما؛ وإنْ عرَف كلُّ واحدٍ منهما ماشيتَه، ولا يكونانِ خليطَينِ إلا بشروطٍ سبعةٍ، سيذكرُها المصنِّفُ؛ فإذا توفَّرت زكَّيَا زكاةَ الرَّجلِ الواحدِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْخَلِيطَانِ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْوَاحِدِ بِسَبْعَةِ شَرَائِطَ:\r١ - إِذَا كَانَ الْمُرَاحُ وَاحِدًا»، المُراحُ: اسمٌ لموضعِ مبيتِ الماشيةِ.\r٢ - «وَالْمَسْرَحُ وَاحِدًا»، المسرحُ: هو الذي تسرَحُ إليه الماشيةُ؛ لتجتمعَ وتُساقَ إلى المرعَى.\r٣ - «وَالْمَرْعَى وَاحِدًا»، المرعَى: الموضعُ الذي تَرعى فيه.\r٤ - «وَالْفَحْلُ وَاحِدًا»، أنْ تكونَ الفحولُ مرسلةً في ماشيتِهما","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٨٦)، وقوله: «إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا»؛ أي: صاحبُها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354738,"book_id":264,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":133,"body":"لا يختصُّ أحدُهما بفحلٍ؛ سواءٌ كانت الفحولُ مشتركةً، أو لأحدِهما، أو مُستعارةً؛ إلَّا إذا اختلف النَّوعُ، كضأنٍ ومعزٍ وخلَطَاهما، ولكلِّ واحدٍ فحْلٌ يَطرُقُ ماشيتَه، فالخُلطةُ صحيحةٌ؛ إذْ لا يمكنُ اختلاطُهما في الفحلِ، كما لو كان مالُ أحدِهما ذكورًا ومالُ الآخر إناثًا من جنسِه، فإنَّ الخلطةَ صحيحةٌ بلا خلافٍ.\r٥ - «وَالْمَشْرَبُ وَاحِدًا»، المشرَبُ: موضعُ شُربِ الماشيةِ الذي تشربُ منه، سواءٌ كان نهرًا، أو عينًا، أو حوضًا، أو غيرَ ذلك.\r٦ - «وَالْحَالِبُ وَاحِدًا»، الحالِبُ: الشَّخصُ الذي يحلِبُ اللَّبنَ، فلا ينفردُ أحدُهما بحالبٍ يمنعُ عن حَلْبِ ماشيةِ الآخَرِ.\r٧ - «وَمَوْضِعُ الْحَلْبِ وَاحِدًا»، موضِعُ الحَلْبِ: هو المكانُ الذي يُحْلَبُ فيه، فلا ينفردُ أحدُهما بمكانٍ دونَ الآخرِ.\rفإذا اكتمَلت هذه الشُّروطُ، فالشَّريكانِ يزكِّيانِ كما لو كان المالُ كلُّه لواحدٍ منهما.\rثمَّ اعلمْ أنَّ الخُلطةَ قد تُوجِبُ الزَّكاةَ؛ وإنْ كان عندَ الانفرادِ لا تجبُ، كما لو كان لواحدٍ عشرونَ شاةً، ولآخرَ عشرونَ شاةً، فخلَطَا وجبَ شاةٌ، ولو انفردَ كلُّ واحدٍ لم يجبْ شيءٌ.\rوقد تُقلِّلُ الخُلطةُ الزَّكاةَ، كرجلينِ خلطَا هذا أربعين شاةً، وهذا أربعينَ شاة، فيجبُ عليهما شاةٌ، ولو انفردَ كلُّ واحدٍ وجبَ عليه شاةٌ.\rوقد تُكثِرُ الخُلطةُ الزَّكاةَ، كما لو خلطَ رجلانِ هذا مائةَ شاةٍ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354739,"book_id":264,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":134,"body":"وشاةً، وهذا مائةَ شاةٍ وشاةً، فيجبُ على كلِّ واحدٍ شاةٌ ونصفُ شاةٍ، ولو انفردَ كلُّ واحدٍ وجبَ عليه شاةٌ، ولذلك جاء في حديثِ أبي بكرٍ الصِّديقِ ﵁ السَّابقِ: «وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» (¬١).\rفلا يجوزُ لصاحبِ المالِ الجمعُ بين متفرِّقٍ، ولا التَّفرقةُ بينَ مجتمعٍ؛ ليُسقِطَ الزَّكاةَ عن نفسِه، أو يقلِّلَها، وكذلك لا يجوزُ للعاملِ على جمعِ الزَّكاةِ فعلُ ذلك؛ لإيجابِ الزَّكاةِ على صاحبِ المالِ إذا كانت لا تلزمُه، أو لتكثيرِها على صاحبِ المالِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي زكاةِ الذَّهَبِ والفِضَّة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، وَفِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَفِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ، وَنِصَابُ الْوَرِقِ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَفِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَهُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَفِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ»؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ (يَعْنِي: فِي الذَّهَبِ)؛ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٨٢).\r(¬٢) رواه أبو داود (١٥٧٣)، وحسنه ابن حجر في «بلوغ المرام» (ص: ١٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354740,"book_id":264,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":135,"body":"ولحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» (¬١).\rوالأواقِي: جمع أُوقِيَّةٍ، وهي تُساوِي أربعينَ درهمًا من الفضَّةِ الخالصةِ، فتكونُ خمسُ الأواقي مساويةً مائتَي درهمٍ، وهي تُساوِي بالوزنِ (٥٩٥) جرامًا.\rوأما نِصابُ الذَّهبِ فعشرونَ مثقالًا؛ أي: عشرونَ دينارًا؛ كما في الحديثِ، وهي تساوِي بالوزنِ (٨٥) جرامًا.\rوالآنَ بعدَ أن حلَّ الوَرَقُ النَّقديُّ محلَّ النَّقدينِ من الذَّهبِ والفضَّةِ؛ أي: الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، صار حكمُ هذا الورَقِ النَّقديِّ حكمَ النَّقدينِ: الذَّهبِ والفضَّةِ في التَّعاملِ، فالحكمُ مَنوطٌ به بجامعِ الثمنيَّةِ، فمَن كان يملكُ من النُّقودِ ما يشترِي (٨٥) جرامًا من الذَّهبِ، أو (٥٩٥) جرامًا من الفضَّةِ بحسَبِ الثَّمَنِ عندَ ملكِ النِّصابِ، وحال عليه الحولُ؛ وجبتْ عليه الزَّكاةُ، ومقدارُها فى كلِّ عشرينَ دينارٍ ربعُ دينارٍ، وفى كل مائتَي درهمٍ خمسةُ دراهمَ؛ أي: ربعُ العُشْرِ؛ كما ذُكِرَ في المتْنِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَجِبُ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ زَكَاةٌ»، أمَّا إنْ نوَى كنزَه، أو قصَدَ بذلك عدمَ تزكيتِه فيحرُمُ، والحليُّ المباحُ كخَاتمِ الفضَّةِ للرَّجلِ، أو سِوارِ الذَّهبِ ونحوِه للمرأةِ، يقولُ التِّرمذيُّ ﵀: «قال بعضُ أصحابِ النبيِّ ﷺ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٤٠)، ومسلم (٩٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354741,"book_id":264,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":136,"body":"(منهم: ابنُ عمرَ، وعائشةُ، وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ، وأنسُ بنُ مالكٍ): ليس في الحُلِيِّ زَكاةٌ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي زكاةِ الزُّرُوعِ والثِّمَار\rقال أبو شجاع ﵀: «وَنِصَابُ الزُّرُوعِ وَالثِّمارِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَهِيَ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ، وَفِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ»، هذا هو نصابُ الزُّروعِ والثِّمارِ، كما في حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (¬٢).\rوفي روايةٍ: «لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ» (¬٣).\rوالأوْسُقُ: جمعُ وَسْقٍ، وهو ستُّونَ صاعًا، والصَّاعُ: أربعةُ أمدادٍ، والمُدُّ: ملءُ كفَّيِ الإنسانِ المعتدلِ إذا ملأَهُما ومَدَّ يدَه بهما، وبه سُمِّيَ مُدًّا، وهو رِطْلٌ وثلُثٌ وزيادةٌ يسيرةٌ. يقولُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: «والوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بإجماعٍ من العلماءِ بصَاعِ النبيِّ ﷺ، وَالصَّاعُ أربعةُ أمدادٍ بمُدِّه ﷺ، ومُدُّه زِنةُ رِطْلٍ وثلُثٍ وزيادةِ شيءٍ لَطيفٍ بالرِّطْلِ البَغْدادِيِّ، وهو رِطْلُ النَّاسِ في آفاقِ الإسلامِ اليومَ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) «سنن الترمذي» (٣/ ٢٠).\r(¬٢) رواه البخاري (١٣٧٨)، ومسلم (٩٧٩).\r(¬٣) «صحيح مسلم» (٩٧٩).\r(¬٤) «الاستذكار» (٣/ ١٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354742,"book_id":264,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":137,"body":"وقال النَّوويُّ ﵀: «قد يُسْتَشْكلُ ضبطُ الصَّاعِ بالأرطالِ، فإنَّ الصَّاعَ المُخْرَجَ به في زمنِ رسولِ اللهِ ﷺ مكيالٌ معروفٌ، ويختلِفُ قدرُه وزنًا باختلافِ جنسِ ما يَخرُجُ، كالذُّرةِ والحِمِّصِ وغيرِهما» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَفِيهَا إِنْ سُقِيَتْ بِمَاءِ السَّمَاءِ أَوْ السَّيْحِ الْعُشْرُ، وَإِنْ سُقِيَتْ بِدُولَابٍ أَوْ نَضْحٍ نِصْفُ الْعُشْرِ»، وفيها: أي: خمسةِ الأوسقِ وما زاد عليها؛ إنْ سُقِيت بماءِ السماءِ، وهو المطرُ، ونحوُه كالثَّلجِ، أو سُقِيت بماءِ السَّيْحِ (وهو الماءُ الجاري على الأرضِ بسببِ سيلٍ، أو قنواتٍ محفورةٍ من الأنهارِ)، أو ما شَرِبت بعروقِها لقُرْبِها من الماءِ؛ فزكاتُها العُشْرُ كاملًا، وذلك لخفَّةِ المُؤْنَةِ، أمَّا إنْ سُقِيت بدولابٍ -وهو السَّاقيةُ- سواءٌ كان يُدِيرُه حيوانٌ أو آدميٌّ، أو سُقِيت بنضْحٍ، وهو في اللُّغةِ الرَّشُّ، والنَّواضحُ الإبلُ التي يُستقَى عليها، والمقصودُ نقلُ الماءِ من محلِّه إلى الزَّرعِ بواسطةِ حيوانٍ، أو من قِبَلِ الآدميِّ، أو بواسطةِ آلةٍ، أو بماءٍ اشترَاه، فهذا زكاتُه نصفُ العُشْرِ، وذلك لارتفاعِ المُؤْنَةِ.","footnotes":"(¬١) «روضة الطالبين» (٢/ ١٦٢)، ومن المعلومِ أن ضبطَ الصَّاعِ بالأرطالِ في زمانِنا متعسِّرٌ جدًّا، حيثُ إنَّ كلَّ شيءٍ تقريبًا أصبح يُقدَّر بالوزنِ، وقد قدَّر بعضُ العلماءِ الصَّاعَ بكيلوينِ وربعٍ، وعلى هذا فخمسةُ الأوسقِ في ستِّينِ صاعًا تُساوي ثلاثَمائةِ صاعٍ، في كيلوينِ وربعٍ تساوى (٦٧٥) كيلو غرامٍ تقريبًا.\rويجب التنبيهُ على أن الصاعَ وحدةٌ لقياسِ الحجمِ، والكيلو وحدةٌ لقياسِ الوزنِ، فالصاعُ من التمرِ ليس وزنُه كالصاعِ من الأرزِ، كما أشار النوويُّ ﵀، فلكلِّ واحدٍ منهما وزنٌ يختلف عن الآخرِ، ولذلك الصوابُ أن يُقالَ: الصاعُ من البُرِّ يساوي كذا بالكيلو، والصاعُ من التمرِ يساوي كذا بالكيلو، وهكذا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354743,"book_id":264,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":138,"body":"يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا؛ العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ؛ نِصْفُ العُشْرِ» (¬١).\rوفي روايةٍ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي، أَوِ النَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» (¬٢).\rوقال جابرٌ ﵁: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: «فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ» (¬٣).\rوتخرجُ زكاةُ الثِّمارِ بعدَما يصبحُ العنبُ زبيبًا والرُّطبُ تمرًا، وزكاةُ الزُّروعِ عندَ الحصولِ عليها؛ لقولِه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٤١٢)، و «عَثَرِيًّا»؛ أي: ما يُسقى بالسَّيلِ الجاري في حفرٍ، وتُسمى الحفرةُ عاثوراءَ؛ لتعثُّرِ المارِّ بها إذا لم يعلمْها.\r(¬٢) رواه أبو داود (١٥٩٦)، والنسائي (٢٤٨٨)، وابن ماجه (١٨١٧)، والبعلُ: ما يَشْرَبُ من الشجرِ بعروقِه، قال ابنُ الأثيرِ ﵀ في «شرح مسند الشافعي» (٣/ ٦١): «وهذا الصِّنفُ من النخيلِ رأيتُه بالباديةِ، وهو ينبتُ من النَّخلِ في الأرضِ تقربُ ماؤُها، فرسخَت عروقُها في الماءِ واستغنت عن ماءِ السماءِ والسيولِ وغيرِها من الأنهارِ، يُقالُ: قد استعبلَ النخلُ»، والسَّواني: جمعُ سانيةٍ، وهي البعيرُ الذي يُسنى عليه؛ أي: يُستقى.\r(¬٣) رواه مسلم (٩٨١)، ومن محاسنِ الشريعةِ أنها جعلت زكاةَ ما خفَّت مؤنتُه وكثرت منفعتُه على التضعيفِ؛ توسعةً على الفقراءِ، وجعلت ما كثرت مؤنتُه على التنصيفِ؛ رفقًا بأربابِ الأموالِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354744,"book_id":264,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":139,"body":"«فَصْلٌ»\rفي زكاة عروض التجارة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتُقَوَّمُ عُرُوضُ التِّجَارَةِ عِنْدَ آخِرِ الْحَوْلِ بِمَا اشْتُرِيَتْ بِهِ، وَيُخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ رُبْعُ الْعُشْرِ»؛ أي: تُقَوَّمُ عُروضُ التِّجارةِ عندَ آخرِ الحَولِ بما اشتُرِيت به، سواءٌ كان ثمنُ مالِ التِّجارةِ نصابًا أم لا، فإن بلَغَت قيمةُ العروضِ آخرَ الحولِ نصابًا زكَّاها، وإلَّا فلا، ويُخرِجُ من ذلك بعدَ بلوغِ قيمةِ مالِ التِّجارةِ نصابًا ربعَ العُشرِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي زكاة المَعْدِن والرِّكاز\rالمَعْدِنُ: وهو اسمٌ للمكانِ الذي خلَق اللهُ تعالى فيه الجواهرَ؛ من الذَّهبِ والفضةِ والحديدِ والنُّحاسِ ونحوِ ذلك، وسُمِّي بذلك لإقامةِ ما أنبته اللهُ فيه، تقولُ: عَدَنَ بالمكانِ إذا أقام به، ومنه جنَّاتُ عدْنٍ.\rوالرِّكازُ: بمعنى المرْكوزِ؛ كالكتابِ بمعنَى المكتوبِ، وهو دفينُ الجاهليَّةِ، والمرادُ بالجاهليَّة ما قبلَ الإسلامِ؛ أي: قبلَ مبعثِ النبيِّ ﷺ، سُمُّوا بذلك لكثرةِ جَهالاتِهم، ويُعرفُ بأنْ يكونَ عليه اسمُ مَلِكٍ من ملوكِهم، أو صليبٌ، أو نحوُ ذلك.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَا اسْتُخْرِجَ مِنْ مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُخْرِجُ مِنْهُ رُبْعَ الْعُشْرِ فِي الْحَالِ، وَمَا يُوجَدُ مِنَ الرِّكَازِ فَفِيهِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354745,"book_id":264,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":140,"body":"الْخُمْسُ»، قال الشَّافعيُّ ﵀: «لا زكاةَ في شيءٍ ممَّا يخرجُ من المعادنِ إلَّا ذَهَبًا أو وَرِقًا، فإذا خرَج منها ذهبٌ أو وَرِقٌ فكان غيرَ متميزٍ حتى يُعالجَ بالنَّارِ أو الطَّحنِ، أو التَّحصيل؛ فلا زكاةَ فيه حتى يصيرَ ذهبًا أو ورِقًا» (¬١).\rفإذا استخرجَ مسلمٌ حرٌّ من مَعْدِنٍ في أرضٍ مَواتٍ أو أرضٍ يملكُها نصابًا من الذَّهبِ أو الفِضَّةِ؛ وجبَت عليه الزَّكاةُ، وإنْ وجدَه في أرضٍ مملوكةٍ لغيرِه، فهو لصاحبِ الأرضِ، ويجبُ دفعُه إليه، فإذا أخذَه مالكُه وجبتْ عليه زكاتُه، وإنْ وُجِد دونَ النِّصابِ لم يلزمْه الزَّكاةُ؛ لعمومِ الأدلَّةِ التي اشترطَتِ النِّصابَ؛ ووجهُ عدمِ وجوبِ الحولِ أنَّ وجوبَه في غيرِ المعدِنِ لأجلِ تكاملِ النَّماءِ، والمستخرَجُ من المعدِن نماءٌ في نفسِه؛ فأشبهَ الثِّمارَ والزُّروعَ، وزكاةُ المعدِنِ ربعُ العُشْرِ؛ لعمومِ الأدلَّةِ السابقةِ في النقدين.\rوأما الركاز: فيجبُ فيه الخمسُ؛ لحديثِ أبي هريرَةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» (¬٢).\rولا يشترطُ فيه الحولُ -أيضًا- لأنَّ الحولَ لأجلِ تكاملِ النَّماءِ وهو كلُّه نماءٌ، ولا مشقَّةَ فيه غالبًا، ويشترطُ النِّصابُ والنَّقدُ؛ لأنَّه مستفادٌ من الأرضِ فاختُصَّ بما يجبُ فيه الزَّكاةُ قدرًا ونوعًا كالمَعْدِن، وإنَّما خالفَ المعدِنَ في المُخْرَجِ منه؛ لأنَّه لا مُؤْنةَ في تحصيلِه، أو مؤنتُه قليلةٌ فكثُرَ واجبُه، ويصرَفُ هو والمعدِنُ","footnotes":"(¬١) «مختصر المزني» (ص: ٧٨).\r(¬٢) رواه البخاري (١٤٢٨)، ومسلم (١٧١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354746,"book_id":264,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":141,"body":"مصرِفَ الزَّكاةِ؛ لأنَّه حقٌّ واجبٌ في المستفادِ من الأرضِ، فأشبهَ الواجبَ في الزُّروعِ والثِّمارِ، فَتُخْرَجُ زكاتُه فورَ الحصولِ عليه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي زكاةِ الفِطْر\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:\r١ - الْإِسْلامُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «فَرَضَ رَسُولَ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، على الْعَبْدٍ والْحُرِّ والذَّكَرٍ والأُنْثَى والصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» (¬١).\r٢ - «وَغُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ»؛ لأنَّها مضافةٌ إلى الفِطْرِ، والفِطرُ منه، كما سبق في لفظِ الحديثِ.\r٣ - «وَوُجُودُ الْفَضْلِ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي ذَلَكَ الْيَوْمِ»، كلُّ مَن لم يفضلْ عن قوتِه وقوتِ مَن في نفقتِه ليلةَ العيدِ ويومَه ما يُخرجُه في الفِطرةِ؛ فهو معسرٌ، غيرُ قادرٍ، والمعسرُ لا زكاةَ عليه، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ صَاعًا مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ، وَقَدْرُهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٤٣٢)، ومسلم (٩٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354747,"book_id":264,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":142,"body":"بِالْعِرَاقِيِّ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: «كنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ والأَقِطَ والتَّمْرَ» (¬١).\rولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «أمرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي مصارف الزكاة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتُدْفَعُ الزَّكَاةُ إِلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وَإِلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ»، ذكرت الآيةُ مُستحقِّي الزَّكاةِ، وهم:\rالفقراءُ: وحدُّ الفقيرِ ألَّا يكونَ له مالٌ ولا كسْبٌ، أو له مالٌ أو كسبٌ ولكن لا يقعُ موقعًا من حاجتِه، كمن يحتاجُ إلى عشَرةٍ -مثلًا- ولا يملكُ إلا درهمينِ، وملْكُ الدَّارِ التي يسكنُها والثَّوبِ الذي يتجمَّلُ به لا يسلبُه اسمَ الفقرِ.\rوالمساكينُ: وحدُّ المسكينِ أن يكونَ له شيءٌ يسدُّ مسدًّا مِن","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٤٣٩).\r(¬٢) رواه الدارقطني (٢٠٧٨)، و «تمونون»؛ أي: تلزمُكم مئونتُهم ونفقتُهم، وقد سبق الكلامُ عن الصاعِ، وقدرِه بالوزنِ، وأنَّه يختلفُ باختلافِ الأنواعِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354748,"book_id":264,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":143,"body":"حاجتِه، ويقعُ موقعًا من كفايتِه، ولكنَّه لا يكفِيه، كمَن يحتاجُ إلى عشَرةٍ فلا يجدُ إلا ثمانيةً.\rوالعاملون عليها: وهم العمالُ والجُبَاةُ الذين يستعينُ بهم الإمامُ في جمْعِ الزَّكاةِ وتوزيعِها.\rوالمؤلفةُ قلوبهم: وهم المسلمون حديثُو العهدِ بالإسلامِ، والذين يُتوقَّعُ بإعطائِهم أنْ يقوَى إسلامُهم.\rوفي الرِّقابِ: وهم المكاتَبونَ الذين تعاقدوا مع المالِكين لهم على أنْ يجلِبوا إليهم أقساطًا من المالِ، فإذا أدَّوها صاروا أحرارًا.\rوالغارمون: وهم الذين أثقلتْهم الديونُ، وعجزوا عن وفائِها، وأدائِها.\rوفي سبيلِ اللهِ: وهم الغزاةُ المتطوعون بالجهادِ دفاعًا عن الإسلامِ، وليس لهم عطاءٌ من بيتِ المالِ.\rوابنُ السبيلِ: وهو المسافرُ يريدُ أنْ يرجعَ إلى بلدِه، وقد فقَدَ نفقتَه التي تُبلِّغُه مقصِدَه.\rوالمرادُ بالصدقاتِ: الزَّكاةُ المفروضةُ، بدليلِ قولِه تعالى في آخرِ الآيةِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إِلَّا الْعَامِلَ»، يجبُ استيعابُ الأصنافِ الثَّمانيةِ عندَ القدرةِ، فإنْ فرَّقَ بنفسِه أو فرَّقَ الإمامُ وليس هناك عاملٌ فرَّقَ على سبعةٍ، وأقلُّ ما يُجزِئُ أنْ يدفعَ إلى ثلاثةٍ من كلِّ صِنفٍ؛ لأنَّ اللهَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354749,"book_id":264,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":144,"body":"تعالى ذكرَهم بلفظِ الجمعِ، إلَّا العاملَ، فإنَّه يجوزُ أنْ يكونَ واحدًا، يعني: إذا حصلت به الكفايةُ، ولو لم يجدْ إلَّا دُونَ الثلاثةِ من كلِّ صِنفٍ أعطَى مَن وَجَد.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَخَمْسَةٌ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيْهِمْ:\r١ - الْغَنِيُّ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» (¬١).\rوفي روايةٍ لعبدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ ﵁: «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (¬٢).\r٢ - «وَالْعَبْدُ»؛ لأنَّ نفقتَه على سيدِه، وأيضًا لأنَّه لا يملكُ.\r٣ - «وَبَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ»؛ لحديثِ عبدِ المطلبِ بنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» (¬٣).\rولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ الحسنَ بنَ عليٍّ ﵄ أخذَ تمرةً من تمرِ الصَّدقةِ، فجعلها في فِيهِ، فقال النبيُّ: «كَخْ (¬٤) كَخْ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٦٥٣٠)، وأبو داود (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢)، وقال: «حديث حسن»، والمِرَّة: القوةُ والقدرةُ على الكسبِ.\r(¬٢) رواه أحمد (١٨٠٠١)، وأبو داود (١٦٣٣)، والنسائي (٢٥٩٨).\r(¬٣) رواه مسلم (١٠٧٢)، والمراد بآل محمد ﷺ بنو هاشم وبنو المطلب، ومقابل تحريم الزَّكاة عليهم؛ يُعطَون خُمسَ الخمسِ من الغنيمةِ، كما سيأتي في كتابِ الجهادِ.\r(¬٤) وقوله ﷺ: «كَخْ كَخْ»؛ هي بفتحِ الكافِ وتسكينِ الخاءِ، ويجوزُ كسرُها مع التَّنوينِ، وهي كلمةٌ يُزْجرُ بها الصبيانُ عن المستقذراتِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354750,"book_id":264,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":145,"body":"-ليطرَحَها، ثمَّ قال-: ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟!» (¬١).\r٤ - «وَالْكَافِرُ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لمعاذٍ ﵁ لما أرسلَه إلى اليمنِ: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» (¬٢).\rوالمرادُ أغنياءُ المسلمينَ وفقراؤُهم، فكما أنَّها لا تؤخذُ من أغنياءِ غيرِ المسلمينَ، فلا تدفعُ لفقراءِ غيرِهم.\r٥ - «وَمَنْ تَلْزَمُ الْمُزَكِّي نَفَقَتُهُ لَا يَدْفَعُهَا إِلَيْهِمْ بِاسْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ»؛ أي: لا يجوزُ دفعُها لهم إنْ كانوا فقراءَ ومساكينَ؛ لأنَّهم يستغُنون بالنَّفقةِ الواجبةِ لهم على المزكِّي، ويجوزُ دفعُها لهم بغيرِ هذينِ الوصفينِ، كما إذا كانوا غارمينَ، أو مجاهدين، وانظر فيمن تلزمُ نفقتُهم فصلَ النَّفقاتِ في النِّكاحِ.\rواللهُ تعالى أعلمُ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٤٢٠)، ومسلم (١٠٦٩).\r(¬٢) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354751,"book_id":264,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":146,"body":"كتابُ الصِّيام\rالصِّيامُ في اللُّغة: الإمساكُ، يُقالُ للسَّاكتِ: صائمٌ؛ لإمساكِه عن الكلامِ، ومنه قولُه تعالى حكايةً عن مريمَ ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].\rوفي الاصطلاحِ: إمساكٌ عن المُفطِّرَاتِ من طُلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشَّمسِ مع النيَّةِ.\rوقد فُرضَ صومُ رمضانَ في السَّنةِ الثَّانيةِ من الهجرةِ، فصام النبيُّ ﷺ تسعَ رمضاناتٍ إجماعًا.\rوالأصلُ في فرضيَّةِ الصَّومِ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].\rوأحاديثُ، منها حديثُ ابنِ عمرَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (¬١).\rوأجمعتِ الأمَّةُ على أنَّ الصيامَ أحدُ أركانِ الإسلامِ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354752,"book_id":264,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":147,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الصَّوْمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - الْإِسْلامُ»؛ لأنَّه لا يصحُّ من الكافرِ، ولو أسلمَ في أثناءِ الشَّهرِ لم يلزمْه قضاءُ الأيامِ السابقةِ لإِسلامِه.\r٢ - «وَالْبُلُوغُ»؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬١).\rوالاحتلامُ أحدُ علاماتِ البلُوغِ؛ فإنَّ للبلوغِ أربعَ علاماتٍ؛ ثلاثٌ منها يشتركُ فيها الذَّكرُ والأنثَى، وهي: الاحتلامُ، ونباتُ الشَّعرِ الخشِنِ حولَ العانةِ، وبلوغُ خمسَ عشْرةَ سنةً، وتزيدُ الأنثَى بعلامةٍ رابعةٍ، وهي نزولُ دمِ الحيضِ.\r٣ - «وَالْعَقْلُ»؛ للحديثِ السَّابقِ.\r٤ - «وَالْقُدْرَةُ عَلَى الصَّوْمِ»، فلا يجبُ على غيرِ القادرِ؛ لقولِه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَفَرَائِضُ الصَّوْمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - النِّيَّةُ»؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» (¬٢).\r٢ - «وَالْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ»؛ من طلوع الفجر إلى","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصححه، وأقره الذهبي.\r(¬٢) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354753,"book_id":264,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":148,"body":"غروب الشمس؛ لقولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\r٣ - «وَالْجِمَاعُ»؛ للآيةِ السابقةِ، ولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال مُبلِّغًا عن ربِّه ﵎ يمدحُ الصَّائمَ: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (¬١).\r٤ - «وَتَعَمُّدُ الْقَيْءِ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي مفسداتِ الصوم\rقال أبو شجاع ﵀: «وَاَلَّذِي يَفْطُرُ بِهِ الصَّائِمُ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - مَا وَصَلَ عَمْدًا إِلَى الْجَوْفِ»، إذا صحَّ الصَّومُ بشروطِه فلبطلانِه أسبابٌ، منها: ما وصل إلى الجوفِ من غذاءٍ وغيرِه،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٧٩٥).\r(¬٢) رواه أحمد (١٠٤٦٨)، وأبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، وقال الترمذي: قال محمد: «لا أراه محفوظًا».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354754,"book_id":264,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":149,"body":"حتى لو ابتلع خردلةً أو حصاةً؛ أفطرَ بها، إلَّا أنْ يكونَ ناسيًا، فيكون على صومِه، وأراد صاحبُ المتنِ بالجوفِ البطنَ، ولهذا ذكرَه مُعرفًا، فساغَ له بعدَ ذلك ذكْرُ الرأسِ والحقنةِ في أحد السبيلينِ.\r٢ - «أَوْ الرَّأْسِ»، كمن كانت برأسِه شَجَّةٌ فأدخل دواءً إلى باطنِ الرَّأسِ؛ أفطر، وإنْ لم يصلْ إلى باطنِ الأمعاءِ؛ لأنَّه جَوْفٌ.\r٣ - «وَالْحُقْنَةُ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ»، المراد: ما يُحقَنُ به المريضُ في قُبُلٍ أو دبُرٍ، وهو من المفطِّراتِ -أيضًا- لأنَّه جوفٌ.\r٤ - «وَالْقَيْءُ عَمْدًا»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» (¬١).\r٥ - «وَالْوَطْءُ عَمْدًا فِي الْفَرْجِ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال مُبلِّغًا عن ربِّه ﵎ يمدحُ الصَّائمَ: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (¬٢).\r٦ - «الْإِنْزَالُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ»؛ للحديثِ السَّابقِ.\r٧ - «وَالْحَيْضُ»؛ لحديثِ معاذةَ بنت عبد الله العدوية قالت: سألْتُ عَائِشَةَ ﵂: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: «أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟»، قلتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي","footnotes":"(¬١) المصدر السابق.\r(¬٢) رواه البخاري (١٧٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354755,"book_id":264,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":150,"body":"أَسْأَلُ، قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» (¬١).\r٨ - «وَالنِّفَاسُ»؛ قياسًا على الحيضِ.\r٩ - «وَالْجُنُونُ»؛ لرفْعِ القلمِ عمَّن تلبَّسَ به.\r١٠ - «وَالرِّدَّةُ»؛ لأنَّها محبطةٌ للعملِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ فِي الصَّوْمِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - تَعْجِيلُ الْفِطْرِ»؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (¬٢).\rولحديثِ أبي ذرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» (¬٣).\r٢ - «وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ»؛ للحديثِ السَّابقِ.\r٣ - «وَتَرْكُ الْهُجْرِ مِنَ الْكَلَامِ»، الهُجْرُ: الفُحْشُ من الكلامِ، فيصونُ المسلمُ لسانَه، وخاصَّةً الصائمَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (¬٤).\rولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ -أيضًا- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣١٥)، ومسلم (٣٣٥).\r(¬٢) رواه البخاري (١٨٥٦)، ومسلم (١٠٩٨).\r(¬٣) رواه أحمد (٢١٣٥٠).\r(¬٤) رواه البخاري (١٨٠٥)، ومسلم (١١٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354756,"book_id":264,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":151,"body":"لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ صِيَامُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ: الْعِيدَانِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ: «نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الأَضْحَى، ويَوْمِ الْفِطْرِ» (¬٢).\rولحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً لَهُ»، يومُ الشكِّ: يومُ الثلاثينِ من شعبانَ، الذي يَشُكُّ فيه النَّاسُ: هل هو مِن شَعْبانَ أو مِن رمضَانَ؟ يقولُ عمارُ بنِ ياسرٍ ﵁: «مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ» (¬٤).\rوتنتفِي حرمةُ صومِ الشَّكِّ إذا وافق عادةً له؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ» (¬٥).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٨٠٤).\r(¬٢) رواه مسلم (١١٣٨).\r(¬٣) رواه مسلم (١١٤٢)\r(¬٤) رواه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٢١٨٨)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».\r(¬٥) رواه مسلم (١٠٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354757,"book_id":264,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":152,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا فِي الْفَرْجِ؛ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَهِيَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ قال: بينما نحن جلوسٌ عندَ النبيِّ ﷺ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، هلكتُ، قال: «مَالَكَ؟» قال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فقال رسول اللهِ ﷺ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟»، قال: لا، قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قال: لا، فقال: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟»، قال: لا، قال: فمكَثَ النبيُّ ﷺ، فبينا نحنُ على ذلكَ، أُتِيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ -والعَرَقُ الْمِكْتَل- قال: «أَيْنَ السَّائِلُ؟»، فقَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا -يُرِيدُ الحرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ من أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النبيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (¬١).\rوجاء في روايةٍ لسلمانَ بنِ صخرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاه مِكْتَلًا فيه خمسةَ عشرَ صاعًا، فقال: «أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١١١١)، وقوله: «وقعت على امرأتي»؛ أي: جامعتها، و «المكتل»: وِعاءٌ يُنسجُ من ورقِ النخلِ، و «الحرتين»: مثنى حرَّةٍ، وهي أرضٌ ذاتُ حجارةٍ سوداءَ، و «بدت أنيابُه»؛ أي: ظهرت من ضحكِه ﷺ.\r(¬٢) رواه الطبراني في «الكبير» (٦٣٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354758,"book_id":264,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":153,"body":"قال الشافعيُّ ﵀: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتي بِعَرَقِ تَمْرٍ فدفعَه إلى رجلٍ، وأمرَه أنْ يُطعِمَه ستينَ مسكينًا، والعَرَقُ فيما يقدَّرُ خمسةَ عشرَ صاعًا، وذلكَ ستُّونَ مُدًّا لكلِّ مسكينٍ مدٌّ» (¬١).\rويكونُ المُدُّ من غالبِ قُوتِ أهلِ البلدِ، وهو يُساوي بالوزنِ (٦٠٠) جرامًا تقريبًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ أَطْعَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدًّا»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» (¬٢).\rوفي رواية: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَعَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مُدٌّ لِمِسْكِينٍ» (¬٣).\rوقال ابنُ عباسٍ ﵄: «إذا مرِضَ الرَّجلُ في رمضانَ، ثمَّ ماتَ ولم يَصُمْ؛ أُطْعِمَ عنه» (¬٤).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالشَّيْخُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا»، يقول عطاءٌ ﵀: سمعتُ ابنَ عباسٍ ﵄ يقرأُ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، قال:","footnotes":"(¬١) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (١٠/ ٥٤).\r(¬٢) رواه الترمذي (٧١٨)، وقال: «لا نعرفُه مرفوعًا إلا من هذا الوجهِ، والصحيحُ عن ابنِ عمرَ موقوفٌ».\r(¬٣) رواه الطبراني في «الأوسط» (٤٥٣١).\r(¬٤) رواه أبو داود (٢٤٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354759,"book_id":264,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":154,"body":"«ليست بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الكبيرةُ، لا يستطيعان أنْ يصومَا، فيُطعِمانِ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَلَيْهِمَا الْقضَاءُ، فَإِنْ خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ»؛ إذا خافت الحاملُ أو المرضعُ على أنفسِهما ضررًا بَيِّنًا من الصومِ، مثلَ الضررِ الناشئِ للمريضِ من المرضِ؛ أفطرتَا، وعليهما القضاءُ كالمريضِ، وسواءٌ تضرَّرَ الولدُ أم لا، ولا فديةَ كالمريضِ، وإنْ خافتَا على ولديْهما -بسببِ إسقاطِ الولدِ في الحاملِ، وقلةِ اللبنِ في المرضعِ- أفطرتَا وعليهما القضاءُ للإفطارِ، والفديةُ على أظهرِ الأقوالِ لكلِّ يومٍ مدٌّ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ ﵄ في قولِه تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]، «كانت رخصةً للشيخِ الكبيرِ، والمرأةِ الكبيرةِ، وهما يُطِيقانِ الصيامَ أنْ يُفطِرَا، ويُطعِمَا مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، والحُبْلَى والمرضعُ إذا خافتَا»؛ قال أبو داودَ: «يعنِي على أولادِهما أفطرتَا وأَطْعمَتَا» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ سَفَرًا طَوِيلًا يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٢٣٥).\r(¬٢) رواه أبو داود (٢٣١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354760,"book_id":264,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":155,"body":"والمعنى: أنَّ مَن كان مريضًا مرضًا لا يستطيعُ معه الصومَ خلالَ شهرِ رمضانَ، أو كان مسافرًا، فإنَّه يُفطِرُ إن شاءَ، وليصُمِ الأيامَ التي أفطرَها بعدَ رمضانَ عندَ زوالِ العذرِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الاعتكاف\rالاعتكافُ في اللُّغةِ: الإقامةُ على الشيءِ والملازمةُ له.\rوفي الاصطلاحِ: اللُّبْثُ في المسجدِ بِنِيَّةٍ مخصوصةٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالاعْتِكَافُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَلَهُ شَرْطَانِ:\r١ - النِّيَّةُ»؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» (¬١).\r٢ - «وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ كان النبيُّ ﷺ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ حتى توفَّاه اللهُ، ثمَّ اعتكفَ أزواجُه مِن بعدِه» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، أَوْ عُذْرٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُمْكِنُ الْمُقَامُ مَعَهُ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «كان النبيُّ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ؛ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).\r(¬٢) رواه البخاري (١٩٢٢)، ومسلم (١١٧٢).\r(¬٣) رواه البخاري (١٩٢٥)، ومسلم (٢٩٧)، و «أُرَجِّلُهُ»؛ أي: أُسرِّحُ شعرَه ﷺ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354761,"book_id":264,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":156,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَيَبْطُلُ بِالْوَطْءِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ أي: لا تجامِعوا زوجاتِكم حالَ اعتكافِكم في المساجدِ.\rواللهُ تعالى أعلمُ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354762,"book_id":264,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":157,"body":"كتابُ الحَج\rالحجُّ في اللُّغةِ: القصدُ، يُقالُ: حَجَّ إلينا فلانٌ؛ أي: قَدِمَ، وحجَّهُ يحُجُّهُ حجًّا: قصدَه، وحَجَجْتُ فلانًا؛ أي: قصدته، ورجلٌ محجوجٌ؛ أي: مقصودٌ، وقد حجَّ بنو فلانٍ فلانًا: إذا أطالوا الاختلافَ إليه.\rوفي الاصطلاحِ: القصدُ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ؛ لأداءِ عبادةٍ مخصوصةٍ بشروطٍ مخصوصةٍ.\rوقد فُرضَ الحجُّ سنةَ ستٍّ من الهجرةِ، وحجَّ النبيُّ ﷺ حَجَّةً واحدةً سنةَ عشرٍ، وهي حَجَّةُ الوداعِ، وتُوفِّي ﷺ إحدَى عشْرةَ.\rوالأصلُ في وجوبِ الحجِّ قولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\rوأحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354763,"book_id":264,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":158,"body":"وأجمعت الأمةُ على أنَّ الحجَّ أحدُ أركانِ الإسلامِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْحَجِّ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - الْإِسْلامُ»؛ لأنَّه لا يصحُّ من الكافرِ.\r٢ - «وَالْبُلُوغُ»؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬١).\r٣ - «وَالْعَقْلُ»؛ للحديثِ السَّابقِ.\r٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»؛ لأنَّ الحجَّ لا يجبُ إلا بوجودِ الزَّادِ والرَّاحلةِ، والعبدُ لا يملكُ شيئًا.\r٥ - «وَوُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، يقولُ أنسٌ ﵁: قِيل: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (¬٢).\rوقال: ابنُ عمرَ ﵄: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولُ اللهِ، ما يُوجِبُ الحجَّ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (¬٣).\r٦ - «وَتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ»، حتى يكونَ آمنًا على نفسِه وعلى من","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصححه، وأقره الذهبي.\r(¬٢) رواه الحاكم (١٦١٣)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين».\r(¬٣) رواه الترمذي (٨١٣)، وقال: «هذا حديثٌ حسن، والعملُ عليه عندَ أهلِ العلمِ، أنَّ الرجلَ إذا ملك زادًا وراحلةً وجب عليه الحج».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354764,"book_id":264,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":159,"body":"معَه في ثلاثةِ أشياءَ، وهي: النَّفسُ والعِرضُ والمالُ.\r٧ - «وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ»؛ أي: بقاءُ زمنٍ يتَّسِعُ لوصولِه عادةً.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْكَانُ الْحَجِّ أَرْبَعَةٌ:\r١ - الْإِحْرَامُ مَعَ النِّيَّةِ»، الإحرامُ: هو نيَّةُ الدخولِ في النُّسكِ، يُقالُ: أحرمَ الشَّخصُ؛ أي: نوى الدخولَ في حجٍّ أو عمرةٍ أو فيهما معًا، فحرُم عليه به ما كان حلالًا له، والمرادُ بالإحرامِ هنا الفعلُ؛ لذِكْرِ المصنفِ النيةَ معه.\r٢ - «وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ»؛ لحديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ يعمرَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (¬١).\r٣ - «وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ»، والمقصودُ به طوافُ الإفاضةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿ثمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والتَّفَثُ: القذرُ والوسخ، تقول العرب لمن تستقذره: ما أتفثك؛ أي: أوسخك، وقضاءُ التفث: إنهاؤُه وإزالتُه، والمراد ما يفعله المحرم عند تحلله من إزالة الشعث والوسخ والحلق وقلم الأظفار ونحوها، ثم يطوف بالبيت بعد ذلك طواف الإفاضة.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٨٧٩٦)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠٤٤)، وابن ماجه (٣٠١٥)، وابن خزيمة (٢٨٢٢)، والحاكم (٣١٠٠)، وقال: «هذا حديث صحيح»، و «جمع»: مزدلفة، سُمِّيَتْ بذلك لاجتماعِ الناسِ فيها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354765,"book_id":264,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":160,"body":"٤ - «وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].\r\r«فَصْلٌ»\rفي العمرة\rالعمرةُ في اللُّغةِ: الزِّيارةُ، يُقَال: أَتَانَا فلَانٌ مُعْتَمِرًا؛ أي: زَائِرًا.\rوفي الاصطلاحِ: القصدُ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ، في غيرِ وقتِ الحجِّ؛ لأداءِ عبادةٍ مخصوصةٍ بشروطٍ مخصوصةٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ أَرْبَعَةٌ:\r١ - الْإِحْرَامُ»، سبقَ الكلامُ عن الإحرامِ، وأنَّه نيَّةُ الدخولِ في النُّسكِ.\r٢ - «وَالطَّوَافُ»؛ لعمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].\rولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي أَوْفَى ﵁ قال: «كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حينَ اعْتَمَرَ فَطَافَ ... وسَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ» (¬١).\r٣ - «والسَّعْيُ»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢/ ٦٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354766,"book_id":264,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":161,"body":"٤ - «وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ»؛ لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. والحلقُ أو التقصيرُ في العمرة رُكنٌ، وهو واجبٌ في الحجِّ، كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى. والحلقُ أفضلُ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اللهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصِّرينَ يا رسولَ اللهِ، قال: «اللهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصِّرينَ يا رسولَ اللهِ، قال: «وَالْمُقَصِّرِينَ» (¬١).\rفالحلقُ للرجالِ أفضلُ من التقصيرِ، والتقصيرُ للنساءِ أفضلُ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَوَاجِبَاتُ الْحَجِّ غَيْرُ الْأَرْكَانِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ»، الفرقُ بينَ الواجباتِ والأركانِ أنَّ الواجباتِ يُجبَرُ تركُها بإراقةِ دمٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ أمَّا الأركانُ فهي ما لا يتمُّ ماهيَّةُ الحجِّ إلا به، ولا يُجبَرُ تركُه بإراقةِ دمٍ.\rوالمقصودُ بالميقاتِ هنا الميقاتُ بنوعَيه الزَّمانيِّ: وهو شهرُ شوالٍ، وشهر ذي القَعدةِ، وعشرِ ليالٍ من ذي الحجَّةِ؛ والميقاتِ المكاني: وهو الذي حدَّده النبيُّ ﷺ لأهلِ كلِّ جهةٍ، فيُحرِمون قبلَ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٣٠١).\r(¬٢) رواه أبو داود (١٩٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354767,"book_id":264,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":162,"body":"أن يتجاوزوه، إذا أتَوا مكةَ قاصدينَ الحجَّ أو العمرةَ.\rوقد وقَّت النبيُّ ﷺ؛ كما قال ابنُ عباسٍ ﵄: «لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» (¬١).\rوقال ابنُ عمرَ ﵄: لما فُتِحَ هذان الْمِصْرَانِ أتَوا عمرَ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حدَّ لأهلِ نجدٍ قرنًا، وهو جَوْرٌ عن طريقِنا، وإنِّا إنْ أردْنا قرنًا شقَّ علينا، قال: فانظروا حَذْوَها من طريقِكم، فحدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ» (¬٢).\rوهذه المواضعُ المذكورةُ في الأحاديثِ تُعْرَفُ للحجيجِ الآنَ بواسطةِ سكَّانِها، أو بوسائلَ أخرى.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٤٥٤)، ومسلم (١١٨١) وقوله ﷺ: «فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ»، فلو مرَّ الشاميُّ على ذي الحليفةِ؛ لزمه الإحرامُ منها وليس له مجاوزتُها إلى الجحفةِ التي هي ميقاتُه، وقولُه ﷺ: «فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ»؛ أي: إنَّ مَن كان مسكنُه بين مكةَ والميقاتِ فميقاتُه مسكنُه، ولا يلزمُه الذَّهابُ إلى الميقاتِ، ولا يجوزُ له مجاوزةُ مسكنِه بغيرِ إحرامٍ، ولذلك جاء في رواية: «فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ»، و «مُهَلُّهُ»؛ مكانُ إحرامِه، مأخوذٌ من الإهلالِ، وهو رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ عند الإحرامِ، و «أهله»، يعني: مسكنه وموضعه.\r(¬٢) رواه البخاري (١٤٥٤)، و «الْمِصْرَانِ»؛ البصرةُ والكوفةُ، «جَوْرٌ»؛ أي: مائلٌ بعيدٌ، «حذوها»؛ أي: ما يحاذيها ويقابلُها، «فحدَّ لهم»؛ أي: عيَّن لهم، وهو لا يكونُ إلا بتوقيفٍ من النبيِّ ﷺ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354768,"book_id":264,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":163,"body":"٢ - «وَرَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ»؛ أي: في أيامِ التَّشريقِ، وهي الحاديَ عشرَ، والثَّانيَ عشرَ، والثَّالثَ عشرَ؛ من ذي الحجَّةِ، يبدأُ بالصُّغرى التي تلي مسجدَ الخَيفِ، ثمَّ الوُسطى، ثمَّ جمرةِ العقبةِ الكبرى، كما يجبُ على الحاجِّ أنْ يرميَ جمرةَ العقبةِ وحدَها يومَ النَّحرِ، وهو اليومُ العاشرُ من ذي الحجَّةِ، ويكونُ الرَّميُ يومَ النَّحرِ بعدَ طلوعِ الشمسِ، وأيامَ التشريقِ بعدَ الزوالِ.\rيقولُ جابرٌ ﵁: «رمَى رسولُ اللهِ ﷺ يومَ النَّحرِ ضُحًى، وأمَّا بعدُ، فإذا زالتِ الشمسُ» (¬١).\rوقالت عائشةُ ﵂: «أفاضَ رسولُ اللهِ ﷺ من آخرِ يومِه حين صلَّى الظهرَ، ثمَّ رجعَ إلى منًى، فمكَثَ بها لياليَ أيامِ التَّشريقِ يَرمي الجمرةَ، إذا زالت الشمسُ، كلَّ جمرةٍ بسبعِ حصياتٍ، يكبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويقفُ عندَ الأولى، والثَّانيةِ فيُطيلُ القيامَ، ويتضرَّعُ، ويرمِي الثَّالثةَ ولا يقفُ عندَها» (¬٢).\rوكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: «يرمي الجمرةَ الدُّنيا بسبعِ حصياتٍ، ثمَّ يكبرُ على إثْرِ كلِّ حصاةٍ، ثمَّ يتقدَّمُ فَيُسْهِلُ، فيقومُ مستقبلَ القبلةِ قيامًا طويلًا، فيدعو ويرفعُ يدَيه، ثمَّ يرمي الجمرةَ الوسطى كذلك، فيأخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، ويقومُ مُستقبِلَ القِبلةِ قيامًا طويلًا، فيدعُو ويرفعُ يدَيه، ثمَّ يرمِي الجمرةَ ذاتَ العقبةِ مِن","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٢٩٩).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٤٦٣٦)، وأبو داود (١٩٧٣)، وابن خزيمة (٢٩٥٦)، والحاكم (١٧٥٦)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354769,"book_id":264,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":164,"body":"بطنِ الوادي، ولا يقفُ عندَها، ويقولُ: «هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يفعلُ» (¬١).\rوإذا عجَزَ شخصٌ عن الرَّمِي بنفسِه لمرضٍ أو حَبْسٍ أو عُذرٍ، فله أنْ يستنيبَ مَن يرمِي عنه، لكنْ لا يصحُّ رميُ النَّائبِ عن المستنيبِ إلَّا بعدَ رميِ النائبِ عن نفسِه، ويُشترطُ في جوازِ النيابةِ -أيضًا- أن يكونَ العذرُ ممَّا لا يُرجَى زوالُه قبلَ خروجِ وقتِ الرمْيِ.\r٣ - «وَالْحَلْقُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ النبيَّ ﷺ حلَقَ رأسَه في حَجَّةِ الوَداعِ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَسُنَنُ الْحَجِّ سَبْعٌ:\r١ - الْإِفْرَادُ وَهُوَ: تَقْدِيمُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ»، ومن المعلومِ أنَّ الإحرامَ له ثلاثةُ وجوهٍ: الإفرادُ، والتَّمتعُ، والقِرانُ، وصورةُ الإفرادِ أنَّ يُحرِمَ بالحجِّ وحدَه ويفْرُغَ منه، ثمَّ يُحرِمَ بالعمرةِ؛ وصورةُ التمتُّعِ أنْ يُحرِمَ بالعمرةِ من ميقاتِ بلدِه ويفرغَ منها، ثمَّ يُحرِمَ بالحجِّ من مكةَ، وسُمي متمتعًا؛ لأنَّه يتمتعُ بينَ الحجِّ والعمرةِ بما كان مُحرَّمًا عليه؛ وصورةُ القِرانِ الأصليةُ أن يُحرِمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا، فتندرجُ أعمالُ العمرةِ في أعمالِ الحجِّ، ويتحدُ الميقاتُ والفعلُ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٦٦٥)، وقوله: «فَيُسْهِلَ»؛ أي: ينزلَ إلى السهلِ، و «بطن الوادي»، وسطه.\r(¬٢) رواه البخاري (٤١٤٨)، ومسلم (١٣٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354770,"book_id":264,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":165,"body":"والأفضلُ في مذهبِ الشافعيِّ ﵀ الإفرادُ، ويليه التمتُّعُ، ثمَّ القِرانُ، وشرطُ كونِ الإفرادِ أفضلَ منهما أنْ يعتمرَ في تلك السنةِ، فيُحرِمَ أوَّلًا بالحجِّ من ميقاتِه ويفرغَ منه، ثمَّ يخرجَ عن مكةَ إلى أدنى الحِلِّ فيُحرِمَ بالعمرةِ، ويأتيَ بعملِها، فلو أخَّرَ العمرةَ عن سَنَتِهِ فكلٌّ من التمتعِ والقِرانِ أفضلُ من الإفرادِ؛ لأنَّ تأخيرَ العمرةِ عن سَنَةِ الحجِّ مكروهٌ.\rتقولُ عائشةُ ﵂: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٤٨٧)، ومسلم (١٢١١)، وقولها: «فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ»، تريدُ أنَّ مَن نسَكَ منهم كان على هذه الوجوهِ الثلاثةِ: التمتُّعِ، والقِرانِ، والإفرادِ، وهي كلُّها مشروعةٌ جائزةٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أقرَّ عليها جميعًا، ولكنَّ الخلافَ في الأفضلِ.\rوقد أهلَّ النبيُّ ﷺ بالحجِّ مفردًا، ثمَّ أتاه جبريلُ ﵇ فأمرَه أن يُدْخِلَ عليه العمرةَ، فصار قارنًا؛ كما في «صحيح البخاري» (١٥٣٤)، من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ».\rقال مجدُ الدين أبو السعاداتِ ابنُ الأثيرِ ﵀ في «شرح مسند الشافعي» (٣/ ٤٢٠): «إن الفسخَ إنما وقع لأنَّ العربَ كانوا يحرِّمون العمرةَ في أشهرِ الحجِّ، فأمرهم بذلك صرفًا لهم عن سُنةِ الجاهليةِ».\r\rوقال أبو ذر ﵁ -كما في «صحيح مسلم» (١٢٢٤) -: «كانت المتعةُ في الحجِّ لأصحابِ محمدٍ ﷺ خاصةً».\rقال البيهقيُّ ﵀ في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٢): «وإنما أراد -واللهُ أعلمُ- فسخَهم الحجَّ بالعمرةِ وهو أنَّ بعضَ أصحابِ النبيِّ ﷺ أهلَّ بالحجِّ ولم يكن معهم هديٌ، فأمرَهم رسولُ اللهِ ﷺ أن يجعلوه عمرةً، لينقضن -واللهُ أعلم- بذلك عادتَهم في تحريمِ العمرةِ في أشهرِ الحجِّ».\rيقول جابر بن عبد الله ﵄ -كما في البخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٨) -: «أهلَّ النبيُّ ﷺ هو وأصحابُه بالحجِّ، وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غيرَ النبيِّ ﷺ وطلحةَ، وقَدِمَ عليٌّ من اليمنِ ومعه هديٌ، فقال: أهللْتُ بما أهلَّ به النبيُّ ﷺ فأمر النبيُّ ﷺ أصحابَه أن يجعلوها عمرةً ويطوفوا، ثم يقصِّروا ويحلُّوا؛ إلا من كان معه الهديُ، فقالوا: ننطلقُ إلى منًى وذكرُ أحدِنا يقطُرُ؟! فبلغ النبيَّ ﷺ فقال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ».\rوفي روايةٍ لمسلمٍ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354771,"book_id":264,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":166,"body":"وقال عمرُ ﵁: «افصِلوا حجَّكم من عمرتِكم؛ فإنَّه أتمُّ لحجِّكم، وأتمُّ لعمرتِكم» (¬١).\r٢ - «وَالتَّلْبِيَةُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ لما استوت به راحلتُه قائمةً عندَ مسجدِ ذي الحُلَيفةِ؛ أهلَّ فقال: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» (¬٢).\r٣ - «وَطَوَافُ الْقُدُومِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂: «أنَّ أولَ شيءٍ بدأَ به النبيُّ ﷺ حين قدِمَ أنَّه توضَّأَ، ثمَّ طافَ» (¬٣).\r٤ - «وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ»، عن جابرٍ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ أتى المزْدلِفَةَ، فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ، ولم يُسبِّحْ بينهما شيئًا، ثمَّ اضطجعَ حتى طلع الفجرُ، وصلَّى الفجرَ،","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٢١٧).\r(¬٢) رواه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١١٨٤).\r(¬٣) رواه البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١٢٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354772,"book_id":264,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":167,"body":"حين تبيَّن له الصُّبحُ، بأذانٍ وإقامةٍ» (¬١).\r٥ - «وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «قَدِمَ رسولُ الله ﷺ، فطاف بالبيتِ سبعًا، ثمَّ صلَّى خلفَ المقامِ ركعتينِ» (¬٢).\r٦ - «وَالْمَبِيتُ بِمِنًى»، هذا فيمَن لا عُذر له, أمَّا المعذورُ كأهلِ السِّقايةِ والرُّعاءِ؛ فلهم إذا رمَوا جَمْرةَ العقبةِ يومَ النَّحرِ أنْ ينفِروا، ويدَعوا المبيتَ بمنًى؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ العباسَ بنَ عبدِ المطلبِ ﵁ استأذن رسولَ اللهِ ﷺ أنْ يبيتَ بمكةَ لياليَ منًى؛ من أجلِ سقايتِه، فأذن له» (¬٣).\r٧ - «وَطَوَافُ الْوَدَاعِ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّاسَ كانوا ينْصرفونَ في كلِّ وَجْهٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (¬٤).\rوفي روايةٍ: «حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ» (¬٥).\rويسقطُ عن الحائضِ والنُّفساءِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ» (¬٦).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٢١٨).\r(¬٢) رواه البخاري (١٥٤٤).\r(¬٣) رواه البخاري (١٥٥٣)، ومسلم (١٣١٥).\r(¬٤) رواه مسلم (١٣٢٧).\r(¬٥) رواه أبو داود (٢٠٠٢)، وابن حبَّان (٣٨٩٧).\r(¬٦) رواه البخاري (١٦٦٨)، ومسلم (١٣٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354773,"book_id":264,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":168,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمَخِيطِ وَيَلْبَسُ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ انطلق من المدينةِ، بعدَ ما ترجَّلَ وادَّهن، ولبِس إزارَه ورداءَه، هو وأصحابُه، فلم ينهَ عن شيءٍ من الأرديَةِ والأُزُرُ تُلبَسُ» (¬١).\rوكونُها بيضاءَ؛ فَلِحَدِيثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ» (¬٢).\rويستحبُ له أنْ يغتسلَ، ثمَّ يتطيَّبَ، ويلبسُ ثيابَ الإحرامِ، ثمَّ يصلِّي ركعتينِ، ثمَّ يُحرِمُ؛ لحديثِ نافعٍ أنَّ ابنَ عمرَ ﵄ كان إذا أراد الخروجَ إلى مكَّةَ ادَّهَن بدُهْنٍ ليس له رائحةٌ طيبةٌ، ثمَّ يأتي مسجدَ ذي الحُليفةِ فيُصلِّي، ثمَّ يركبُ، وإذا استوت به راحلتُه قائمةً أحرمَ، ثمَّ قال: «هكذا رأيتُ النبيَّ ﷺ يفعلُ» (¬٣).\rوقالت عائشةُ ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٤٧٠)، و «ترجل»؛ أي: سرَّح شعرَه، و «ادَّهن»؛ أي: وضعَ الطِّيبَ ونحوَه.\r(¬٢) رواه أحمد (٢٠٢٣١)، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (١٨٩٦)، وابن ماجه (٣٥٦٧)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».\r(¬٣) رواه البخاري (١٤٧٩).\r(¬٤) رواه البخاري (١٤٦٥)، ومسلم (١١٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354774,"book_id":264,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":169,"body":"«فَصْلٌ»\rفي محظوراتِ الإحرام\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - لُبْسُ الْمَخِيطِ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ: ما يلبسُ المحرمُ من الثِّيابِ؟ فقال: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» (¬١).\r٢ - «وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ مِنَ الرَّجُلِ، وَالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ»، يَحْرُمُ على الرَّجلِ تغطيةُ رأسِه حالَ إحرامِه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ قال: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرمٍ ناقتُهُ فقتلته، فَأُتِيَ به رسولُ اللهِ ﷺ فقال: «اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ» (¬٢).\rوأمَّا المرأةُ؛ فلحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (١١٧٧)، و «القمُص»: جمعُ قميصٍ، و «السَّراويلات»: جمعُ سراويل وهي ما يسترُ النِّصفَ الأسفلَ من الجسمِ مِنَ الثيابِ المخِيطةِ، و «البرانس»: جمعُ بُرْنُس، وهو كلُّ ثوبٍ ملتصقٍ به غطاءُ الرأسِ، و «الخفاف»: جمعُ خفٍّ، وهو حذاءٌ يسترُ القدمَ، و «الزَّعفرانُ»: نبتٌ صِبغيٌّ، و «الوَرْسُ»: نبتٌ أصفرُ يُصبغُ به.\r(¬٢) رواه البخاري (١٧٤٢)، وقوله: «وَقَصَت»؛ أي: كسَرت رقبتَه، و «يُهِلُّ»؛ أي: يرفعُ صوتَه بالتلبيةِ على الحالةِ التي مات عليها. وقد جاء في رواية مسلم (١٢٠٦): «فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354775,"book_id":264,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":170,"body":"تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ» (¬١).\rفالمرأةُ تفارقُ الرَّجلَ فيكونُ إحرامُها في وجهِها، وإحرامُ الرَّجُلِ في رأسِه، وللمرأةِ إذا أرادت سَتْرَ وجهِها مِنَ الرِّجالِ أنْ تُرْخِيَ جلبابَها أو بعضَ خمارِها أو غيرَ ذلك من ثيابِها من فوقِ رأسِها وتُجافِيه عن وجهِها حتى تُغطيَ وجهَها، كما يجوزُ لها سَتْرُ يدَيْها بغيرِ القُفَّازَيْنِ؛ كَكُمِّ الجِلبابِ ونحوِه.\r٣ - «وَتَرْجِيلُ الشَّعْرِ»، وهو محمولٌ على ما إذا علِمَ أنَّ التَّسريحَ ينتفُ الشَّعر؛ لتلبُّدٍ ونحوِه.\r٤ - «وَحَلْقُهُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: مكانَ ذبحِه، وهو منًى يومَ النَّحرِ.\r٥ - «وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ»؛ قياسًا على الشَّعرِ، ولما فيه من الترفُّهِ.\r٦ - «وَالطِّيبُ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ قال: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحرمٍ ناقتُهُ فقتلته، فَأُتِيَ به رسولُ الله ﷺ فقال: «اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ» (¬٢).\r٧ - «وَقَتْلُ الصَّيْدِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]؛ أي: مُحرِمِينَ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٧٤١)، و «تتنقب»: تغطِّي وجهَها، و «القُفَّازين»: تثنيةُ قُفَّاز، وهو ما يُلبَسُ في اليدين، ويُزَرُّ على السَّاعدين.\r(¬٢) رواه البخاري (١٧٤٢)، وقوله: «وقصت»: أي: كسَرت رقبتَه، و «يُهل»: أي: يرفعُ صوتَه بالتلبيةِ على الحالةِ التي مات عليها. وقد جاء في رواية مسلم (١٢٠٦): «فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354776,"book_id":264,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":171,"body":"٨ - «وَعَقْدُ النِّكَاحِ»؛ لحديثِ عثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ» (¬١).\r٩ - «وَالْوَطْءُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والرَّفثُ: الجِمَاع، ويُطلقُ على مقدِّماتِه من المُباشرةِ ونحوِها.\r١٠ - «وَالْمُبَاشَرَةُ بِشَهْوَةٍ»؛ للآيةِ السابقةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَفِي جَمِيعِ ذَلَكَ الْفِدْيَةُ إِلَّا عَقْدَ النِّكَاحِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ»؛ أي: لا يصحُّ، فلا يجبُ فيه شيءٌ؛ لأنَّه لم يحصلْ به المقصودُ، وسيأتي الكلامُ عنِ الفديةِ قريبًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُفْسِدُهُ إِلَّا الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ»، فيجبُ عليه أنْ يستمرَّ في حجِّه، ويتمَّه وإنْ كان فاسدًا؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ويجبُ مع ذلك القضاءُ ولو كان الحجُّ تطوعًا، يقولُ مَالِكٌ ﵀: إنَّه بلغَه، أن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَه وهو مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ؟ فقالوا: يَنْفُذانِ يمضِيان لوجهِهما حتى يقضِيا حَجَّهُمَا، ثمَّ عَلَيْهِما حَجُّ قَابِلٍ، وَالْهَدْيُ»، وَقَالَ عَلِيُّ بنُ أبِي طالبٍ ﵁: «وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامِ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٤٠٩).\r(¬٢) «الموطأ» (١١٢٦)، وقوله: «أصاب أهلَه»؛ أي: جامَعَ زوجتَه، و «ينفذان»؛ أي: يستمرَّان في أعمال الحج، و «قابِلٍ»؛ أي: العامِ التالي لعامِه الذي أفسَدَ فيه حجَّه، وأماَّ «الهَدْيُ» فسيأتي بيانُه في الفصلِ التالي إن شاء اللهُ تعالى.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354777,"book_id":264,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":172,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ؛ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ, وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ؛ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (¬١).\rوجاء هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ ﵁ يومَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ؛ كُنَّا نُرَى أَنَّ هذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: «اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ، فَطُفْ أَنْتَ، وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْيًا، إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثمَّ احْلِقُوا، أَوْ قَصِّرُوا، وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا، وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَأْتِي بِهِ»؛ أي: غيرَ الوقوفِ بعرفةَ، وأمَّا عرفةُ فقد سبقَ حكمُه، فأركانُ الحجِّ لا تُجبرُ بدمٍ، بل يتوقفُ الحجُّ عليها؛ لأنَّ ماهيَّةَ الحجِّ لا تحصُلُ إلا بجميعِ أركانِه، وقد لزِمَه الحجُّ بالشُّروعِ، فلا يتحلَّلُ منه حتى يأتيَ بالأركانِ؛ وغيرُ الوقوفِ بعرفةَ ليس له وقتٌ محدَّدٌ، فيمكنُ الإتيانُ به.","footnotes":"(¬١) رواه الدارقطني (٢٥١٨)، وقال: «رحمة بن مصعب ضعيف , ولم يأت به غيرُه».\r(¬٢) رواه مالك في «الموطأ» (١١٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354778,"book_id":264,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":173,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا لَزِمَهُ الدَّمُ»؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أو تَرَكَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا» (¬١).\rوالمرادُ بالنُّسُكِ هنا الواجبُ، وأقلُّه شاةٌ تُجزِئُ في الأُضْحيةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ»، كالسُّننِ في غيرِ الحجِّ والعمرةِ، مَن ترَكَها لم يلزمْه شيءٌ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الدِّماءِ الواجبةِ في الإحرام\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ فِي الْإِحْرَامِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:\rأَحَدُهَا: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِتَرْكِ نُسُكٍ، وَهُوَ عَلَى التَّرْتِيبِ: شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، ثَلَاثَةٌ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: اعتمر أوَّلًا، ثمَّ أحرمَ بالحجِّ من مكَّةَ ولم يخرجْ إلى الميقاتِ، والإحرامُ من الميقاتِ واجبٌ كما سبقَ، فوجبَ بتركِه دمٌ على ما ذُكِرَ، وقِيسَ به غيرُه.\r«وَالثَّاني: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْحَلْقِ وَالتَّرَفُّهِ، وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ: شَاةٌ، أَوْ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ التَّصَدُّقُ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ عَلَى سِتَّةِ","footnotes":"(¬١) رواه مالك في «الموطأ» (١٢٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354779,"book_id":264,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":174,"body":"مَسَاكِينَ»؛ لحديثِ كعبِ بنِ عُجْرةَ ﵁ قال: أتَى عليَّ النَّبيُّ ﷺ زمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ ﷺ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟»، قلت: نعم، قال: «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ»، ففيَّ نَزَلَتْ هذه الآيةُ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةٌ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قَالَ ﷺ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ» (¬١).\rوقِيسَ بحلقِ الشَّعرِ ما في معناه من بقيَّةِ الاستمتاعاتِ المحرَّمةِ، كالطِّيبِ والأدْهانِ واللِّباسِ وقصِّ الأظفارِ ومقدماتِ الجماعِ على الأصحِّ لاشتراكِ الكلِّ في التَّرَفُّه.\r«وَالثَّالث: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْإِحْصَارِ، فَيَتَحَلَّلُ، وَيُهْدِي شَاةً»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].\rو ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾؛ أي: مُنِعْتُم من المُضِيِّ لأداءِ الحجِّ أو العمرةِ.\rوحُصِرَ؛ أي: أُحِيطَ به ومُنع مِن بلوغِ قصدِه، وقد تحلَّلَ النبيِّ ﷺ بالحديبيةِ لما صدَّه المشرِكونَ عن البيتِ الحرامِ، وكان مُحرِمًا بِعُمْرةٍ.\rيقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: «خَرَجْنَا مَعْ النَّبيِّ ﷺ مُعْتَمِرِينَ فَحَالُ كَفَّارُ قُرَيْشٍ دَوْنَ البَيْتِ، فنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُدْنَه","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٧١٩)، ومسلم (١٢٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354780,"book_id":264,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":175,"body":"وحلَقَ رأسَه» (¬١).\rولا بدَّ مِن تقديمِ الذَّبحِ على الحَلْقِ؛ لقولِه تعالى في الآيةِ السابقةِ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].\r«وَالرَّابِعُ: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ، وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ: إِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ أَخْرَجَ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ، أَوْ قَوَّمَهُ وَاشْتَرَى بِقِيمَتِهِ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ أَخْرَجَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا»، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥].\rوقولُه تعالى: ﴿حرم﴾؛ أي: مُحرِمون بحجٍّ أو عُمرةٍ، وقولُه: ﴿متعمدا﴾؛ أي: ذاكرًا لإحرامِه قاصدًا لقتلِ الصَّيدِ؛ وقولُه: ﴿فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾؛ أي: شبهُه في الخلقةِ، أو ما يقاربُه في الصُّورةِ لا في الجنسِ، فمثلًا في صيدِ النعامةِ بدَنةٌ، وفي بقرِ الوحشِ وحمارِه بقرةٌ، وفي الغزالِ عنزٌ، وهكذا، وقولُه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾؛ أي: يقدره ويبين ما هو الواجبُ، وقوله: ﴿هَدْيًا﴾، هو: ما يساقُ من المواشِي ليُذبحَ في الحرمِ؛ وقولُه:","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٧١٧)، و «بدنه»: جمع بدنة، وهي ما يُساقُ إلى الحَرمِ من الإبلِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354781,"book_id":264,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":176,"body":"﴿بالغ الكعبة﴾؛ أي: يُذْبَحُ في الحرمِ، ويُتَصَدَّقُ باللَّحمِ أو الطَّعامِ على مساكينِ الحرمِ: مقيمينَ أو طارئِينَ؛ وقولُه: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾؛ أي: صيامَ أيامٍ تعادلُ بعددِها قيمةَ الهدْيِ، أو الطعامِ كما ذُكِرَ في المتنِ.\rويُستثْنى صيدُ البحرِ، فلا يَحْرمُ على المحرمِ صيدُه.\r«وَالْخَامِسُ: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ عَلَى التَّرْتِيبِ: بَدَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَسَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا؛ قَوَّمَ الْبَدَنَةَ وَاشْتَرَى بِقِيمَتِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا»، سُئِلَ ابنُ عباسٍ ﵄ عن رجلٍ وقعَ بأهلِه وهو بمنًى، قبلَ أنْ يُفِيضَ، فأمرَه أنْ ينْحرَ بدنةً (¬١).\rوالرُّجوعُ إلى البقرةِ، والسَّبعِ من الغَنَمِ؛ لأنَّهما في الْأُضْحِيَّةِ كالبَدَنَةِ، والرُّجوعُ إلى الإطعامِ، ثمَّ الصِّيامِ؛ لأنَّ الشرعَ عَدَلَ في جزاءِ الصَّيدِ من الحيوانِ إليهما على التَّخييرِ، فَرُجِعَ إليهما هنا عندَ العُذرِ على التَّرتيبِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُجْزِئُهُ الْهَدْيُ وَلَا الْإِطْعَامُ إِلَّا بِالْحَرَمِ، وَيُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ»؛ لقولِه تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فيجبُ صرفُ اللَّحمِ والطَّعامِ إلى مساكينِ الحرَمِ، مقيمينَ أو طارئينَ؛ كما سبقَ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَا","footnotes":"(¬١) رواه مالك في «الموطأ» (١١٣٦)، وقوله: «يُفِيضَ»؛ أي: يطوفُ طوافَ الإفاضةِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354782,"book_id":264,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":177,"body":"قَطْعُ شَجَرِهِ، وَالْمُحِلُّ وَالْمُحْرِمُ فِي ذَلَكَ سَواءٌ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، فقال العبَّاسُ ﵁: إِلَّا الإذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا، فقال: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (¬١).\rوقولُه ﷺ: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»؛ أي: لا يُقطعُ، «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا»؛ أي: لا يُزعجُ من مكانِه، ولا يحلُّ صيدُه، «وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»؛ أي: لا تُؤخذُ، إلا لمَن أرادَ أنْ يُعِرِّفَها ويَنادِيَ عليها حتى يجيءَ صاحبُها ليأخذَها.\rوقولُه: «إِلَّا الْإِذْخِرَ»؛ أي: باستثناءِ الإذخرِ، وهو نباتٌ عشبيٌّ من فصيلةِ النجيلياتِ، ينبتُ في السُّهولِ وفي المواضعِ الجافَّةِ الحارَّةِ، ويُقالُ له: حلفاءُ مكةَ، له رائحةٌ ليمونيَّةٌ عطِرَة، أزهارُه تُستَعملُ منقوعًةً كالشَّايِ، ويُقالُ له -أيضًا-: طيبُ العربِ.\rوقولُه: «لِصَاغَتِنَا»، جمعُ صائغٍ، فيستعملونَه لحاجتِهم في الصِّياغةِ، وجاء في روايةٍ: «لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ»؛ أي: لحَدَّادِهِمْ؛ لأنَّه يَحتاجُ إليه في إيقادِ النَّارِ، وكذلك يُحتاجُ إليه في سقوفِ البيوتِ فيجعلُ فوقَ الخشبِ، وكذلك يُحتاجُ إليه في القبورِ لتُسدَّ به فُرجُ اللَّحدِ المتخللةُ بينَ اللبناتِ.\rوالله تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (١٣٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354783,"book_id":264,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":178,"body":"كتابُ البُيُوعِ وغيرِها مِنَ المُعامَلات\rالبُيُوع في اللُّغةِ: جمعُ بَيعٍ، وهو إعطاءُ شيءٍ في مقابلةِ شيءٍ.\rوفي الاصطلاحِ: مقابلةُ مالٍ بمالٍ قابلَينِ للتَّصرُّفِ بإيجابٍ وقَبولٍ على الوجهِ المأذونِ فيه.\rوالأصلُ فيه آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\rوأحاديث، منها ما رواه أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «الْبُيُوعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - بَيْعُ عَيْنٍ مُشَاهَدَةٍ، فَجَائِزٌ»؛ أي: بيعُ عينٍ مرئيةٍ للمتبايِعَين، وهو جائزٌ؛ لانتفاءِ الغَرَرِ.\r٢ - «وَبَيْعُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، فَجَائِزٌ إِذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ»، يُسَمَّى بيعُ الشيءِ الموصوفِ في الذِّمةِ «السَّلَمَ»، وهو جائزٌ إذا وُجِدَت الصِّفةُ المشروطُ ذِكْرُها فيه على ما","footnotes":"(¬١) رواه ابن ماجه (٢١٨٥)، وابن حبَّان (٤٩٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354784,"book_id":264,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":179,"body":"وُصفت به العينُ المُسْلَمُ فيها مع بقيَّةِ شروطِه الآتيةِ في بابِ السَّلَمِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\r٣ - «وَبَيْعُ عَيْنٍ غَائِبَةٍ لَمْ تُشَاهَدْ، فَلَا يَجُوزُ»، بيعُ العينِ الغائبةِ التي لم تُشاهدْ للعاقِدَيْنِ لا يجوزُ؛ لحديثِ أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ بَيْعُ كُلِّ طَاهِرٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ مَمْلُوكٍ»؛ أي: يصحُّ البيعُ إذا تحقَّقت فيه هذه الشُّروطُ، من كونِ المبيعِ طاهرًا، منتفعًا به، مملوكًا، مقدُورًا على تسليمِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ عَيْنٍ نَجِسَةٍ، وَلَا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ»، لا يصحُّ بيعُ عينٍ نجسةٍ، كالخمرِ والخنزيرِ، ولا ما لا منفعةٌ فيه، كالأصنامِ والميتةِ، ونحوِها، يقولُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ عامَ الفتحِ وهو بمكةَ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ»، فقِيل: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ شحومَ الميتةِ، فإنَّه يُطلى بها السفنُ، ويُدهَنُ بها الجلودُ، ويَستصْبِحُ بها النَّاسُ، فقال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثمَّ قال رسولُ اللهِ ﷺ عندَ ذلك: «قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللهَ ﷿ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) روى مسلم (١٥١٣).\r(¬٢) رواه البخاري (٢١٢١)، ومسلم (١٥٨١)، وقولهم: «يُطلَى»؛ أي: يُدهَنُ، و «يستصبح»؛ أي: يجعلونها في مصابيحِهم ويوقدون فتيلًا فيها ليستضيئوا بها، و «قَاتَلَ»؛ أي: لعَنَ، و «شُحُومَهَا»؛ أي: شحومَ الميتيةِ، أو شحومَ البقرِ والغنمِ، كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]، و «أجَمَلُوهُ»؛ أي: أذابوه واستخرجوا دُهْنَه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354785,"book_id":264,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":180,"body":"«فَصْلٌ»\rفي الرِّبَا\rالرِّبا في اللُّغةِ: الزِّيادةُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]؛ أي: يَزِيدُها ويُنَمِّيها.\rوفي الاصطلاحِ: الزِّيادةُ في أشياءَ مخصوصةٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَطْعُومَاتِ»، التَّعاملُ بالرِّبا مُحَرَّمٌ، وهو من كبائرِ الذنوبِ، والأصلُ في تحريمِه آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].\rوأحاديثُ، منها حديثُ جابرٍ ﵁ قال: «لَعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَهُ، وكاتِبَهُ، وشاهِدَيْهِ»، وقال: «هُمْ سَوَاءٌ» (¬١).\rويكونُ الرِّبا في: «الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَطْعُومَاتِ»؛ كما قال المصنِّفُ ﵀؛ لحديثِ عبادةَ بنِ الصامتِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٥٩٨)، وقوله: «هُمْ سَوَاءٌ»؛ أي: يستوون في فعلِ المعصيةِ والإثمِ.\r(¬٢) رواه مسلم (١٥٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354786,"book_id":264,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":181,"body":"فدلَّ الحديثُ على ما ذكرَه المصنِّفُ في بيعِ الذَّهبِ بالذَّهبِ والفضَّةِ بالفضَّةِ من اشتراطِ التَّماثلِ، والحلولِ، والقبضِ في المجلسِ، وكما تُشترطُ هذه الثَّلاثةُ في الذَّهبِ والفضَّةِ؛ كذلك تُشترطُ في المتماثلاتِ من الأطعمةِ، ويُقاسُ على هذهِ الأشياءِ الستَّةِ ما شارَكها في العلَّةِ.\rوالعلَّةُ في «الذَّهبِ والفضَّةِ» هي النَّقديَّةُ أو الثمنيَّةُ، فيُقاسُ عليهما كلُّ ما جُعِلَ أثمانًا، كالأوراقِ النَّقديَّةِ المستعملةِ في هذه الأزمنةِ، فيَحرمُ فيها التفاضلُ إذا بِيع بعضُها ببعضٍ مع اتَّحادِ الجنسِ، وما سِوَى الذَّهبِ والفضَّةِ من الموزوناتِ، كالحديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والقُطنِ والكَتانِ والصُّوفِ والغَزلِ وغيرِها؛ فلا رِبَا فيها، فيجوزُ بيعُ بعضِها ببعضٍ متفاضلًا ومؤجَّلًا.\rوالعِلَّةُ في بقيَّةِ الأصنافِ الستَّةِ، وهي: «البُرُّ، والشَّعِيرُ، والتَّمرُ، والمِلْحُ»؛ هي الطُّعْمُ؛ أي: كونُها تُطْعَمُ وتُؤْكَلُ، ويَدُلُّ عليه حديثُ مَعْمَرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵁ قال: كنتُ أسمعُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (¬١).\rسواءٌ كان هذا الطعامُ للتَّقوُّتِ أو التَّفكُّهِ أو الإصلاحِ أو التَّداويِ، وقد جاء في حديثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁ السَّابقِ: «الْبُرُّ والشَّعِيرُ»، والمقصودُ بهما التَّقَوُّتُ، فأُلْحِقَ بهما ما في معناهما، كالأرزِ والذُّرةِ، وكذلك «التَّمْرُ»، والمقصودُ منه التَّفَكُّهُ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٥٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354787,"book_id":264,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":182,"body":"والتَّأَدُّمُ، فأُلْحِقَ به ما في معناه، كالزَّبيبِ والتِّينِ، وكذلك «الْمِلْحُ»، والمقصودُ منه الإصلاحُ، فأُلْحِقَ به ما في معناه كالمصطكَى والزَّنجبيلِ، ولا فرقَ بين ما يُصلِحُ الغذاءَ، وما يُصلِحُ البدنَ؛ فإنَّ الأغذيةَ تحفظُ الصحَّةَ، والأدويةُ تَرُدُّ الصِّحةَ.\rفيَحرُمُ التَّفاضلُ في الجنسِ الواحدِ من أموالِ الرِّبَا إذا بِيعَ بعضُه ببعضٍ، كبيعِ درهمٍ بدرهمين، أو دينارٍ بدينارينِ، أو صاعِ تمرٍ بصاعَينِ، وهو لا يكونُ إلا في الذَّهبِ والفِضَّةِ -كما سبق- ولو غيرَ مضروبَينِ، وكذلك في المطْعوماتِ.\rوالرِّبا على أنواعٍ:\rالأول: «رِبَا الْفَضْلِ»، وهو بيعُ المالِ الرِّبويِّ أو مبادلتُه بجنسِه مع زيادةٍ في أحدِ العِوضَينِ على الآخرِ، مثالُه: بيعُ صاعِ تمرٍ جيِّدٍ أو مبادلتُه بصاعَينِ من الرَّدِيء، أو مائةِ جرامٍ ذهبًا قديمًا بمائةٍ وعشرةٍ جديدًا، وهو محرَّمٌ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ وأبي هريرةَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ استعمل رجلًا على خيبرٍ، فجاءه بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال النبيُّ ﷺ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قال: لا والله يا رسولَ اللهِ، إنَّا لنأخذُ الصَّاعَ من هذا بالصَّاعَينِ، والصاعَينِ بالثَّلاثةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٠٨٩)، ومسلم (١٥٩٣)، و «الجنيب»: نوعٌ جيدٌ من أنواعِ التمرِ، «الجمعَ»: الرديءَ أو الخليطَ من التمرِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354788,"book_id":264,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":183,"body":"ولحديثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامتِ ﵁: أنَّه غزَا مع معاويةَ ﵁ أرضَ الرومِ، فنظرَ إلى النَّاسِ وهم يتبايعونَ كسرَ الذَّهبِ بالدَّنانيرِ، وكسرَ الفضَّةِ بالدَّراهمِ، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّكم تأكلونَ الرِّبا، سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لَا تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، لَا زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا نَظِرَةً» (¬١).\rالثَّاني: «رِبَا النَّسِيئَةِ»، وهو بيعُ المالِ الربويِّ بجنسِه مؤجلًا، مثالُه: إعطاءُ شخصٍ لآخرَ ألفَ دينارٍ ليردَّه بعدَ عامِ ألفًا ومائةً، وهذا النَّوعُ من الرِّبا هو الأشهرُ والأكثرُ شيوعًا قديمًا وحديثًا، وهو الرِّبا الذي كانت العربُ في الجاهليَّةِ يتعاملُونَ به, وجميعُ الآياتِ القرآنيةِ التي تحدَّثَت عن تحريمِ الرِّبَا المرادُ فيها ربَا النَّسيئةِ الذي هو ربَا الجاهليةِ، وهو الرِّبَا الذي أُنشِئَت على أسَاسِه المصارفُ الرِّبويَّةُ، والمحورُ الرئيسُ لمعاملاتِها، فجميعُ السُّلَفِ, أو القُرُوضِ التي تُقَدِّمها المصارفُ الرِّبويَّةُ إلى أجَلٍ في مقابلِ الزِّيادةِ السنويَّةِ -كسبعةٍ في المائةِ أو نحوِ ذلك- تمثِّلُ صورةً من صورِ ربَا النَّسيئةِ.\rالثَّالث: «رِبَا الْيَدِ»، وهو بيعُ الربويِّ أو مبادلتُه بجنسِه أو بغيرِ جنسِه مع تأخيرِ قبضِ أحدِ البدلَينِ أو كليهما عن مجلسِ العقْدِ، مثالُه: مبادلةُ القمحِ أو الشَّعيرِ بالتَّمرِ مع تأخيرِ قبضِ أحدِ البَدَلَينِ أو كلَيهما، ومنه صرفُ النُّقودِ بجنسِها أو بغيرِ جنسِها مع تأخيرِ التَّقابضِ لأحدِهما أو كليهما، كصرفِ عددٍ من الجنيهاتِ","footnotes":"(¬١) رواه ابن ماجه (١٨)، وأصله في «صحيح مسلم»، وقد سبق قريبًا، وقوله: «وَلَا نَظِرَةً»؛ أي: لا انتظارَ ولا تأخيرَ من أحدِ الطَّرفين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354789,"book_id":264,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":184,"body":"بالدُّولارِ، أو قطعةِ نقدٍ من فئةِ العشرينَ بجنيهاتٍ من فئةِ الجنيهِ الواحدِ، ففي جميعِ هذه الحالاتِ يُشترطُ التَّقابضُ في مجلسِ العَقْدِ، فإذا تأخَّرَ القبضُ لأحدِهما أو كلَيهما وقع المتبادلانِ في الرِّبا، والدَّليلُ على ذلك حديثُ عبادةَ ﵁ المتقدِّمُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْفِضَّةِ كَذَلِكَ إِلَّا مُتَمَاثِلًا نَقْدًا»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا» (¬٢).\rوفي روايةٍ لأبي سعيدٍ ﵁: «يَدًا بِيَدٍ» (¬٣)؛ أي: نقدًا، بتقابضِ البدلَينِ في المجلسِ، بغيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا بَيْعُ مَا ابْتَاعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٥٨٧).\r(¬٢) رواه مسلم (١٥٨٨).\r(¬٣) رواه مسلم (١٥٨٤).\r(¬٤) رواه البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١٥٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354790,"book_id":264,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":185,"body":"ولحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ: «نهَى أنْ تُباعَ السِّلَعُ حيثُ تُبَتاعُ حتى يحوزُها التُّجَّارُ إلى رحالهم» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ»؛ لحديثِ سمرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ: «نهَى عن بيعِ الشَّاةِ باللَّحمِ» (¬٢).\rولحديثِ سعيدِ بنِ المسيبِ ﵀ أنَّ النبيَّ ﷺ: «نهَى عنْ بيعِ الحيوانِ باللَّحمِ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا نَقْدًا»؛ لحديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (¬٤)؛ أي: نقدًا، حالًّا، مقبوضًا بيدِ كلٍّ منهما قبلَ تفرُّقِهما.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكَذَلِكَ الْمَطْعُومَاتُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهَا بِمِثْلِهِ إِلَّا مُتَمَاثِلًا نَقْدًا»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ وأبي هريرةَ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ استعمل رجلًا على خَيْبَرَ، فجاءه بتمر جَنِيبٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «أَكُلُّ تَمْرِ","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٣٤٩٩)، والحاكم (٢٢٧٠)، وصححه، وأقرَّه الذهبي.\r(¬٢) رواه الحاكم (٢٢٥١)، وقال: «هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ، رواتُه عن آخرِهم أئمةٌ حفَّاظٌ ثقاتٌ».\r(¬٣) رواه مالك في «الموطأ» (١٩١٢)؛ مرسلًا.\r(¬٤) رواه مسلم (١٥٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354791,"book_id":264,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":186,"body":"خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قال: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، إنَّا لنأخذُ الصَّاعَ من هذا بالصَّاعَينِ، والصَّاعَينِ بالثَّلاثةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهَا بِغَيْرِهِ مُتَفَاضِلًا نَقْدًا»؛ أي: يجوزُ بيعُ الجنسِ من المطعوماتِ بغيرِه، كالحِنطةِ بالشَّعيرِ؛ مُتفاضلًا، بشَرطِ أنْ يكونَ نقدًا،؛ أي: حالًّا مقبوضًا بيدِ كلٍّ منهما قبلَ التَّفرُّقِ، ودليلُه حديثُ عُبَادَةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، وقد تقدَّمَ مِرارًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَرَرِ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (¬٢).\rوالنَّهيُ عن بيعِ الغررِ أصلٌ عظيمٌ من أصولِ كتابِ البيوعِ، ويَدخلُ فيه مسائلُ كثيرةٌ غيرُ منحصرةٍ، كبيعِ الآبقِ، والمعدومِ، والمجهولِ، وما لا يُقدَرُ على تسلِيمِه، وما لم يتمُّ ملكُ البائعِ عليه، وبيعِ السَّمكِ في الماءِ الكثيرِ، واللَّبنِ في الضَّرْعِ، وبيعِ الحَمْلِ في البَطنِ، ونظائرَ ذلك، وكلُّ ذلك بيعُه باطلٌ؛ لأنَّه غَرَرٌ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٠٨٩)، ومسلم (١٥٩٣)، و «الجنيب»: نوعٌ جيدٌ من أنواعِ التَّمرِ، «الجمعَ»: الرديءَ أو الخليطَ من التمرِ.\r(¬٢) رواه مسلم (١٥١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354792,"book_id":264,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":187,"body":"من غيرِ حاجةٍ، ومعنى الغَررِ: الخطرُ والغُرُورُ والخداعُ، واعلمْ أنَّ بيعَ الملامسةِ، وبيعَ المنابذةِ، وبيعَ حبَلِ الحَبَلَةِ، وبيعَ الحَصاةِ، وعَسْبِ الفحْلِ، وأشباهِها من البُيوعِ التي جاء فيها نصوصٌ خاصَّةٌ؛ هي داخلةٌ في النَّهيِ عن الغَرَرِ، ولكن أُفرِدت بالذِّكرِ ونُهِيَ عنها؛ لكونِها من بياعاتِ الجاهليَّةِ المشهورةِ (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي الخِيَار\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»، بالخيارِ؛ أي: له أنْ يفسخَ العقدَ ويردَّ البيعَ؛ ما لم يتفرَّقَا؛ أي: يغادرُ أحدُهما مجلسَ العقدِ، فإنْ غادرَ أحدُهما لَزِمَ العقدُ، وهذا ما يُسمَّى بـ «خيار المجلسِ»، ودليلُه حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (¬٢).","footnotes":"(¬١) «بَيْعُ الْمُلَامَسَةُ»؛ هو أنْ يقولَ البائعُ للمشترِي: إذا لمستَ المبيعَ فقد وجبَ البيعُ بيننا بكذا، و «بَيْعُ الْمُنَابَذَةُ»؛ من هذا المعنى -أيضًا- وهو أنْ يقولَ البائعُ للمشتري: إذا نبذَتُ إليك الثَّوبَ فقد وجبَ البيعُ، وليس له الخيارُ بعدَ ذلك، و «بَيْعُ حَبَلِ الحَبَلَةِ»: هو نتاجُ النِّتاجِ؛ أي: ولَدُ الجنينِ، فقد كانوا في الجاهليةِ يتبايعون الجزورَ أو غيرَها إلى أنْ تُنتجَ الناقةُ، ثم تنتجَ التي في بطنِها، و «بَيْعُ الْحَصَاةِ»: هو أنْ يقولَ البائعُ للمشتري: ارمِ هذه الحصاةَ؛ فعلى أي سلعةٍ وقعت فهي لك بكذا، و «بَيْعُ عَسْبِ الْفَحْلِ»؛ أي: مائِه؛ فرسًا كان أو بعيرًا أو غيرَهما، وعسْبُه -أيضًا-: ضِرَابُه، يُقالُ: عَسَبَ الفحلُ الناقةَ يعْسِبُهَا عَسْبًا، وإنَّما نُهِي عنه؛ لأنَّه يكونُ بيعًا لشيءٍ ما وُجِد بعدُ.\r(¬٢) رواه البخاري (١٩٧٣)، ومسلم (١٥٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354793,"book_id":264,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":188,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَلَهُمَا أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»، وهذا ما يُسمَّى بـ «خيار الشَّرطِ» وهو أنْ يشترطَ أحدُ المتعاقدينَ أنَّ له الخيارَ خلالَ مدَّةٍ معلومةٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ رجلًا ذكرَ للنَّبيِّ ﷺ أنَّه يُخْدَعُ في البيوعِ، فقال: «إِذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ» (¬١).\rوفي روايةٍ: «إِذَا أَنْتَ بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا وُجِدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ»، وهذا ما يُسمَّى بـ «خيارَ العيبِ»، ودليلُه حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا؛ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٠١١)، ومسلم (١٥٣٣).\r(¬٢) رواه ابن ماجه (٢٣٥٥)، وقوله ﷺ: «بَايَعْتَ»؛ أي: بعتَ واشتريتَ، و «لَا خِلَابَةَ»؛ أي: لا غشَّ ولا خداعَ.\r(¬٣) رواه البخاري (٢٠٤١)، ومسلم (١٥١٥)، وقوله ﷺ: «لَا تُصَرُّوا»، على وزن «لَا تُزَكُّوا»، من التَّصريةِ، وهي: الجمعُ، ومنه قولُ العربِ: صرَّيت الماءَ في الحوضِ؛ أي: جمعتُه، والمرادُ: لا تجمعوا اللبنَ في ضروعِ البهيمةِ عندَ إرادةِ بيعِها حتى يعظمَ، فيظنُّ المشتري أنَّ كثرةَ لبنِها عادةٌ لها مستمرةٌ، وجوَّز البعضُ: «لَا تَصُرُّوا» بفتح التَّاءِ وضمِّ الصادِ وتشديدِ الراءِ، من الصرِّ؛ بمعنى: الشدِّ والربطِ؛ أي: لا تشُدوا الضُّروعَ وتربطوها لأجلِ ذلك، فمن اشتراها بعد أن فُعِلَ بها التصريةُ، فله أن يختارَ أنفعَ الرأيين له: إن شاء أمسك ورضي بالبيعِ، وإنْ شاء ردَّها وصاعًا من تمرٍ؛ ليكونَ بدلًا عن اللبنِ الذي كان في الضَّرعِ حين اشتراها، وخصَّ النبيُّ ﷺ التمرَ؛ لأنَّه كان يومئذٍ غالبَ قوتِهم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354794,"book_id":264,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":189,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ مُطْلَقًا إِلَّا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» (¬١).\rوفي روايةٍ أنَّه ﷺ قال: «لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا بَيْعَ مَا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ رَطْبًا إِلَّا اللَّبَنَ»، لا يجوزُ بيعُ شيءٍ فيه الرِّبا بجنسِه من المطعوماتِ حالَ كونِه رطبًا؛ لأنَّ المماثلةَ شرطٌ في بيعِ الربويِّ بجنسِه، ووقتُ اعتبارِ المماثلةِ هو الوقتُ الذي يبلغُ فيه الرِّبويُّ حالَ الكمالِ، فـ «البلحُ» -مثلًا- حالَ كونِه رُطَبًا لم يبلغْ حالَ الكمالِ، فلا يجوزُ بيع «البلحِ» رُطَبًا بجنسِه؛ سواءٌ كان رُطَبًا برُطَبٍ، أو رُطَبًا بيابسٍ، ويُقاسُ على ذلك، فلا يُباعُ عِنَبٌ بِعِنَب، ولا عِنَبٌ بزبيبٍ؛ لأنَّ حالَ الكمالِ في العنبِ أنْ يصلَ إلى مرحلةِ الزَّبيبِ؛ فيباعُ الزَّبيبُ بالزَّبيبِ، وكذلك أجناسُ الفاكهةِ؛ كالمُشمُشِ والتِّينِ، فلا يُباعُ شيءٌ منها بجنسِه حتى ييْبسَ، فلا يُباعُ منه رَطْبٌ بِرَطْبٍ ولا رَطْبٌ بيابسٍ، يقولُ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ ﵁ سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٠٨٢)، ومسلم (١٥٣٤)، وقوله: «حتى يبدوَ صلاحُها»: يظهرَ نضجُها.\r(¬٢) رواه مسلم (١٥٣٤)، وقوله ﷺ: «وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفةُ»؛ أي: العاهةُ التي تصيبُ الزرعَ أو الثمرَ ونحوَه فتفسدُه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354795,"book_id":264,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":190,"body":"شِرَاءِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ، فقال لِمَنْ حَوْلَهُ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟»، قالوا: نعم، فنَهَى عن ذلكَ (¬١).\rوأما استثناؤُه اللَّبنَ، فلأنَّ حالَ كونِه لبنًا هي حالُ كمالٍ له، فيُباعُ الحليبُ بالحليبِ، والرَّائبُ بالرائبِ، وكذلك يُباعُ الرَّائبُ بالحليبِ، والمعيارُ في اللَّبنِ الكيلُ وإنْ تفاوتَ الوزنُ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي السَّلَم\rالسَّلَمُ في اللُّغةِ: الاستعجالُ والتَّقديمُ، ويُقالُ: السَّلَمُ والسَّلَفُ؛ السَّلمُ لغةٌ حجازيةٌ، والسَّلفُ لغةٌ عراقيَّةٌ، وأسلَم في الشَّيْءِ وسلَّم وأسلَفَ بمعنًى واحدٍ، وسُمِّيَ سَلَمًا لتَسليمِ رأسِ المالِ في المجلسِ، وسلفًا لتقديمِ رأسِ المالِ وحدَه.\rوفي الاصطلاحِ: بَيْعُ موصوفٍ في الذِّمةِ مؤجلٍ بثمنٍ مقبوضٍ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قال ابنُ عباسٍ ﵄: نزلتْ في السَّلَمِ، في كَيْلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ (¬٢).\rوقال ابنُ عباسٍ ﵄: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدينةَ وَهُمْ يُسْلِفُون","footnotes":"(¬١) رواه مالك في «الموطأ» (١٨٢٦)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٥)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وابن حبَّان (٥٦١٦).\r(¬٢) «تفسير الطبري» (٦٣١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354796,"book_id":264,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":191,"body":"بالتَّمرِ السَّنتينِ والثلاثَ، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ السَّلَمُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا فِيمَا تَكَامَلَ فِيهِ خَمْسُ شَرَائِطَ:\r١ - أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِالصِّفَةِ»؛ أي: أنْ يكونَ المسْلَمُ فيه مضبوطًا بالصِّفَةِ التي لا يعزُّ وجودُها، كالحبوبِ والثِّمارِ والثِّيابِ والدوابِّ والأخشابِ والأحجارِ والحديدِ والرَّصاصِ ونحوِ ذلك من الأموالِ التي تُضْبَطُ بالصِّفاتِ بحيثُ تنتفي عنها الجهالةُ.\r٢ - «وَأَنْ يَكُونَ جِنْسًا لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ غَيْرُهُ»، كعلفٍ مخلوطٍ من شعيرٍ وغيرِه -مثلًا- أو طيبٍ مخلوطٍ من مسكٍ وعنبرٍ وغيرِهما، فلا يصحُّ ذلك، لأنَّ نسبةَ كلِّ جنسٍ في الخليطِ مجهولةٌ.\r٣ - «وَلَمْ تَدْخُلُهُ النَّارُ لِإِحَالَتِهِ»، فلا يصحُّ السَّلمُ في مطبوخٍ أو مشوِيٍّ؛ لاختلافِ الغرضِ باختلافِ تأثيرِ النارِ فيه، وتعذُّرِ الضَّبطِ؛ أمَّا إذا دخلتْه النارُ للتَّمْيِيزِ؛ كالعسلِ والسَّمنِ فيصحُّ فيه السَّلَمُ.\r٤ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ مُعَيَّنًا»؛ أي: عَيْنًا حاضرةً، بل يُشْتَرطُ أنْ يكونَ دَيْنًا؛ لأنَّ لفظَ السَّلمِ مَوْضُوعٌ له، فلو قال: أسلمتُ إليك هذا الثوبَ لم ينعقدْ سَلَمًا.\r٥ - «وَلَا مِنْ مُعَيَّنٍ»؛ أي: لا يكونُ المُسْلَمُ فيه من موضعٍ معيَّنٍ لا يؤمَنُ انقطاعُه فيه، فلو أسلمَ في تَمْرِ قريةٍ صغيرةٍ، أو","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢١٢٤)، ومسلم (١٦٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354797,"book_id":264,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":192,"body":"بستانٍ، أو ضيعةٍ -أي: في قَدْرٍ معلومٍ منها- لم يصحَّ؛ لأنَّه قد ينقطعُ بجائحةٍ ونحوِها.\rقال أبو شجاع ﵀: «ثمَّ لِصِحَّةِ السَّلَمِ فِيهِ ثَمَانِيَةُ شَرَائِطَ، وَهُوَ:\r١ - أَنْ يَصِفَهُ بَعْدَ ذِكْرِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ»؛ أي: يذكرُ جنسَ المُسْلَمِ فيه، فيقولُ -مثلًا-: قمحٌ، أو شعيرٌ، وهذا ليس من الصِّفاتِ، فإنَّ الجنسَ أصلُ الشَّيءِ، وأصلُ الشَّيءِ لا يكونُ صفةً له، ثمَّ يذكرُ النَّوعَ من هذا الجنسِ، فيقولُ -مثلًا-: قمحٌ مِصريٌّ، أو شاميٌّ، والصِّفةَ كأنْ يذكرَ لونَه أو شكلَه، ورقَّتَه أو ثُخونتَه، وكذلك الإبلُ والبقرُ والغنمُ والخيلُ والبغالُ والحميرُ من الذُّكورةِ والأنوثةِ والسِّنِّ واللَّونِ والنَّوعِ؛ وكذلك الطَّيرُ من الصِّغرِ والكبَرِ والذكورةِ والأنوثةِ والسنِّ إنْ عُرفَ؛ وكذلك الثِّيابُ من قُطْنٍ أو كَتَّانٍ أو حريرٍ أو غيرِه؛ ويذكرُ النَّوعَ، كمصريٍّ أو عِراقيٍّ، والطولَ والعَرضَ والغِلظةَ والدقةَ والصَّفاقةَ والرِّقةَ والنُّعومةَ والخشونةَ، وهكذا.\r٢ - «وَأَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ بِمَا يَنْفِي الْجَهَالَةَ عَنْهُ»؛ أي: أنْ يكونَ المُسْلَمُ فيه معلومَ القدرِ كيلًا في مكيلٍ، ووزنًا في موزونٍ، وعدًّا في معدودٍ، وذرعًا في مذروعٍ.\r٣ - «وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا ذُكِرَ وَقْتُ مَحِلِّهِ»؛ أي: وقتُ حُلُولِ الأجل، فيجبُ أنْ يَذْكُرَ العاقدُ أجلًا معلومًا، والأجلُ المعلومُ ما يعرفه النَّاس؛ كشهورِ العربِ، أو الفرسِ، أو الرُّومِ؛ لأنَّها معلومةٌ مضبوطةٌ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354798,"book_id":264,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":193,"body":"٤ - «وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الاسْتِحْقَاقِ فِي الْغَالِبِ»، فلو أسلمَ فيما ينقطعُ وجودُه غالبًا وقتَ حلولِ الأجل؛ كرطب في الشِّتاءِ؛ لم يصحَّ.\r٥ - «وَأَنْ يَذْكُرَ مَوْضِعَ قَبْضِهِ»؛ أي: من الأمكنةِ الممكنةِ؛ لا سيَّما فيما لنقلِه مُؤنةٌ.\r٦ - «وَأَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا»؛ أي: بالقدرِ أو بالمشاهدةِ.\r٧ - «وَأَنْ يَتَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ»؛ أي: أن يقبضَ البائعُ المالَ من المشتري في مجلسِ العقدِ.\r٨ - «وَأَنْ يَكُونَ عَقْدُ السَّلَمِ نَاجِزًا لَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ»، ناجزًا: أي ماضيًا نافذًا؛ لما فيه من غرَرِ إيرادِ عقدِه على معدومٍ، فلا يضمُّ إليه غررَ خيارِ الشَّرطِ، ولهما خيارُ المجلسِ ما لم يتفرَّقَا؛ لعمومِ قولِه ﷺ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي الرَّهْن\rالرَّهنُ في اللُّغة: الحبسُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، وقولُه تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]؛ أي: محبوسةٌ بكسْبِها وعَملِها.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٩٧٣)، ومسلم (١٥٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354799,"book_id":264,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":194,"body":"وفي الاصطلاح: جَعْلُ عينٍ ماليَّةٍ وثيقةً بِدَيْنٍ يُستوفَى منها عندَ تعذُّرِ الوفاءِ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\rويصحُّ الرَّهنُ في الحضرِ كما يصحُّ في السَّفرِ، تقولُ عائشةُ ﵂: «اشترى النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» (¬١).\rوقد أجمعتِ الأمَّةُ على مشروعيَّةِ الرَّهنِ وتعاملت به، ولم ينكرْه أحدٌ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ رَهْنُهُ فِي الدُّيُونِ إِذَا اسْتَقَرَّ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ»؛ لأنَّ المقصودَ من الرَّهنِ أنْ يباعَ ويُستوفَى الحقُّ منه إذا تعذَّرَ استيفاؤُه من ذمَّةِ الرَّاهنِ، وهذا يتحقَّقُ في كلِّ عينٍ جازَ بيعُها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلِلرَّاهِنِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ»؛ أي: للرَّاهنِ الرُّجوعُ عن الرَّهنِ ما لم يقبضِ المرتهنُ العينَ المرهونةَ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فلا يلزمُ الرَّهنُ قبلَ القبضِ، فإنْ قبضَه لزِمَ الرَّهنُ وامتنعَ على الرَّاهنِ الرُّجوعُ فيه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي»، المرهونُ أمانةٌ في يدِ المرتهَنِ؛ لأنَّه قبضَه بإذنِ الرَّاهنِ، فكان","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٩٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354800,"book_id":264,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":195,"body":"كالعينِ المستأجَرةِ فلا يضمنُه إلا بالتَّعدِّي؛ كسائرِ الأماناتِ، فلو تلفَ المرهُونُ بغيرِ تعدٍّ لم يضمنْه، ولم يَسقطْ من الدَّينِ شيءٌ؛ لأنَّه وثيقةٌ في دينٍ فلا يسقطُ الدَّيْنُ بتلفِه.\rوليس للمرتَهِنِ في المرهونِ إلا حقُّ الاستيثاقِ؛ فيمنعُ مِن كلِّ تصرُّفٍ أو انتفاعٍ بالعينِ المرهونةِ، أمَّا الرَّاهنُ فله عليها كلُّ انتفاعٍ لا يُنقصُ القيمةَ كالرُّكوبِ ودرِّ اللَّبونِ، والسُّكنى والاستخدامِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (¬١).\rأي: لا يمنعُ الرَّهنُ المرهونَ من مالكِه الذي رهنَه, لينتفعَ به, «لَهُ غُنْمُهُ»؛ أي: فوائدُه ونماؤُه, «وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»؛ أي: نفقتُه ومُؤْنتُه, فإنَّه إذا تلِفَ تلِفَ عليه (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا قَضَى بَعْضَ الْحَقِّ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَهُ»؛ أي: إذا قبض المرتهنُ بعضَ الدَّينِ الذي على الرَّاهنِ لم ينفكَّ شيءٌ من الرَّهنِ حتى يقضيَ الرَّاهنُ الدَّينَ الذي عليه كاملًا.","footnotes":"(¬١) رواه الشافعي في «مسنده» (ص: ١٤٨)، وأبو داود في «المراسيل» (١٨٦)؛ عن سعيد بن المسيب ﵀ مرسلًا، ووصله ابن حبَّان (٤٠٩٤)، والحاكم (٢٣١٥)، وصححه، وأقره الذهبي.\r(¬٢) وقيل: «لَا يَغْلَقُ»؛ هو من غَلِقَ الرهنُ يَغْلَقُ غُلُوقًا إذا بقِي في يدِ المرتهِنِ؛ لا يقدر راهنُه على تخليصِه، والمعنى: أنه لا يستحقُّه المرتهِنُ إذا لم يستفكَّه صاحبُه، وكان هذا من فعلِ الجاهليةِ؛ أنَّ الراهنَ إذا لم يُؤدِّ ما عليه في الوقتِ المعينِ ملَكَ المرتهِنُ الرهنَ، فأبطلَه الإسلامُ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354801,"book_id":264,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":196,"body":"«فَصْلٌ»\rفي الحَجْر\rالحَجْرُ في اللُّغةِ: المنعُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]؛ أي: لذي عقلٍ، وسُمِّيَ العقلُ حِجْرًا؛ لأنَّه يمنعُ صاحبَه من فعلِ القبائح، وما يضرُّ في العاقبةِ.\rوفي الاصطلاحِ: المنعُ من التصرُّفِ في المالِ لأسبابٍ مخصوصةٍ.\rوالحَجْرُ على الإنسانِ نوعانِ: حجرٌ لمصلحةِ نفسِه، وحجرٌ لمصلحةِ الغيرِ، فالذي لمصلحةِ نفسِه ثلاثةٌ، وهم: «الصبيُّ، والمجنونُ، والسفيهُ»، والذي لحقِّ الغيرِ ثلاثةٌ، وهم: «المفلسُ والمريضُ والعبدُ»، وسيأتي تفصيلُ ذلك إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْحَجْرُ عَلَى سِتَّةٍ:\r١ - الصَّبِيُّ»، وهو مَن لم يبلغْ، وللبلوغِ أربعُ علاماتٍ؛ ثلاثٌ منها يشتركُ فيها الذَّكرُ والأنثى، وهي: الاحتلامُ، ونباتُ الشعرِ الخَشِنِ حولَ العانةِ، وبلوغُ خمسَ عشرةَ سنةً، وتزيدُ الأنثى بعلامةٍ رابعةٍ، وهي الحيضُ.\rودليلُ الحَجرِ على الصبيِّ قولُه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].\rواليتيمُ: مَن مات أبوه قبلَ بلوغِه؛ سواءٌ كانت أمُّه باقيةً أم لا.\r٢ - «وَالْمَجْنُونُ»، وهو فاقدُ التَّمييزِ؛ سواءٌ كان بشكلٍ جزئيٍّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354802,"book_id":264,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":197,"body":"أو كليٍّ، ودليلُ الحَجرِ عليه الآيةُ السابقةُ؛ فإنَّ اللهَ تعالى دفعَ المالَ إليهم على شرطَين؛ وهما: البلوغُ، والرُّشدُ.\r٣ - «وَالسَّفِيهُ الْمُبَذِّرُ لِمَالِهِ»، وهو الذي ينفقُه فيما لا يعودُ عليه بمنفعةٍ عاجلةٍ أو آجلةٍ؛ كأنْ ينفقَه في اللَّذاتِ المحرَّمةِ الضَّارةِ بالبدنِ والعِرْضِ والدينِ؛ كالزِّنا وشربِ الخمرِ، أو يضيِّعَه بسوءِ تصرُّفِه؛ كأنْ يبيعَ ويشتريَ بالغبنِ الفاحشِ.\rودليلُ الحَجرِ على السَّفيهِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، والمرادُ بقولِه تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾؛ أي: «أموالهم»، وهو كقولِه تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]؛ أي: أموالَ بعضِكم، وبدليلِ أمرِهِ تعالى بالإنفاقِ عليهم منها، ولا يجبُ الإنفاقُ عليهم من غيرِ أموالِهم.\r٤ - «وَالْمُفْلِسُ الَّذِي ارْتَكَبَتْهُ الدُّيُونُ»، وهو الذي لا يفِي مالُه بديونِه، ودليلُه حديثُ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ ﵁ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ» (¬١).\r٥ - «وَالْمَرِيضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ»، وهو ثُلثَا التَّركةِ؛ لأجلِ حقِّ الورثةِ، ودليلُه حديثُ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعُودُني عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِن","footnotes":"(¬١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٥٩٣٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢٣٤٨)، وصححه، وأقره الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354803,"book_id":264,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":198,"body":"وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهَ، قَد بَلَغَ بي مِن الوجَعِ ما تَرَى، وأنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ لي، أفَأَتَصَدُّقُ بثُلُثَي مَالِي؟ قال: «لَا»، فقلت: بالشَّطْرِ؟ فقال: «لَا، الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (¬١).\r٦ - «وَالْعَبْدُ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ»؛ لأنَّ مالَ العبدِ لسيدِه، ولا يجوزُ له التصرُّفُ بغيرِ إذنِه، فإذا أَذِنَ له سيِّدُه صحَّ تصرُّفُه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ»؛ أي: في الأمورِ الماليةِ، فلا يصحُّ منهم بيعٌ ولا شراءٌ ولا هبةٌ، ولا عِتْقٌ، ولا غيرُ ذلك من التَّصرفاتِ الماليَّةِ، وكذلك نكاحُ السفيهِ بدونِ إذْنِ وليِّهِ لا يَصحُّ؛ لأنَّه يتضمنُ وجوبَ المالِ، فإذا تزوَّجَ السَّفِيهُ بدونِ إذنِ وليِّه فإنَّ نكاحَه يكونُ باطلًا، ويفرَّقُ بينهما، ولا يلزمُه شيءٌ؛ وإنْ لم تعلمِ الزوجةُ أنَّه سفيهٌ؛ لأنَّها قصَّرت في عدمِ السُّؤالِ عنه، فإذا تزوَّجَ امرأةً بإذنِ وليِّها وأمهرَها مهرَ المثلِ فإنَّ العقدَ يصحُّ؛ فإذا زادَ على مهرِ المثلِ فإنَّ النِّكاحَ يصحُّ وتُلغى الزيادةُ، ويصحُّ طلاقُ السَّفيهِ ومراجعتُه؛ كما يصحُّ خلعُه، ويجبُ دفعُ عوضِ الخُلعِ إلى وليِّه، وحكمُ السفيهِ في العباداتِ الماليَّةِ الواجبةِ كالزَّكاةِ ونفقةِ الزَّوجةِ والأولادِ ونحوِ ذلك كالرَّشيدِ؛ بخلافِ المندوبةِ كصدقةِ التَّطوعِ، والهبةِ ونحوِ ذلكَ،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (١٦٢٨)، وقوله: «عالةً»؛ أي: فقراءَ، و «يتكفَّفون»؛ أي: يسألون بأكفِّهم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354804,"book_id":264,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":199,"body":"فليس هو فيها كالرَّشيدِ، ولا يُفَرِّقُ الزَّكاةَ بنفسِه؛ لأنَّه تصرُّفٌ ماليٌّ، فإذا أذِنَ له ولِيُّه وعيَّنَ له المدفوعَ صحَّ تصرُّفُه، وكذلك الصبيُّ المميِّزُ.\rووليُّ هؤلاءِ الثَّلاثةِ -الصبيِّ والمجنونِ والسَّفيهِ- الأبُ، ثمَّ الجَدُّ لأبٍ، ثمَّ وصيُّهما -ويُشترطُ فيه العدالةُ- ثمَّ القاضِي أو من ينصِّبُه؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (¬١).\rولا ولايةَ للأمِّ إلَّا إذا أقامَها الأبُ أو الجدُّ أو القاضِي، والأولَى تقديمُها على الأجنبيِّ إذا كانت صالحةً.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ يَصِحُّ فِي ذِمَّتِهِ دُونَ أَعْيَانِ مَالِهِ»، تصرُّفُ المفْلسِ المحجورِ عليه يصحُّ فيما يتعلقُ بذمتِه دونَ أعيانِ مالِه، فلو باعَ على وجهِ السَّلَمِ، أو اشترَى بثمنٍ في ذمتِه، أو اقترضَ أو استأجرَ صحَّ؛ إذْ لا ضررَ على الغرماءِ، كما يصحُّ نكاحُه؛ ويبقَى المَهرُ دينًا في ذمَّتِه لا في المالِ الذي تحتَ يدِه، وكذلك يصحُّ خُلْعُه وطلاقُه ورجعتُه وما أشبهَ ذلك، أمَّا التصرفُ في أعيانِ مالِه بالبيعِ والشِّراءِ والعتقِ والرَّهنِ والهبةِ والإيجارِ وغيرِ ذلكَ من التَّصرُّفاتِ الماليةِ العينيةِ فإنَّه لا يصحُّ؛ لتضرُّرِ الغُرماءِ.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٤٢٥١)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥٣٧٣)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن «.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354805,"book_id":264,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":200,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ مِنْ بَعْدِهِ»، فإنْ أجازُوا الزائدَ على الثُّلثِ صحَّ؛ وإلَّا فلا، وإجازةُ الورثةِ حالَ المرضِ لا تُعْتَبَر، وإنَّما تعتبرُ بعدَ موتِ المريضِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الْعَبْدِ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ»، تصرُّف العبدِ بغيرِ إذنِ سيدِه فيما يتوقفُ على إذنٍ؛ كالبيعِ والشِّراءِ ونحوِ ذلكَ يكونُ في ذمَّتِه؛ فيستردُّه البائعُ سواءٌ كان في يدِ العبدِ أو في يدِ سيدِه، فإنْ تلفَ في يدِ العبدِ فإنَّه يكونُ في ذمَّتِه يُتبعُ به إذا عتقَ؛ لثبوتِه برضَا مالكِه وعدمِ إذنِ السَّيدِ فيه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الصُّلح\rالصُّلحُ في اللُّغةِ: قطعُ النزاعِ والتوفيقُ بينَ الخصومِ.\rوفي الاصطلاحِ: عقدٌ يحصلُ به التوفيقُ ورفعُ النزاعِ.\rوالصلحَ في الشَّريعةِ يجرِي في خمسةِ أنواعٍ:\rالأول: صلحٌ بينَ المسلمينَ والكفارِ، قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [الأنفال: ٦١].\rالثَّاني: صلحٌ بينَ أهلِ العدلِ من المسلمينَ وأهلِ البغيِ منهم، قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].\rالثَّالث: صلحٌ بينَ الزوجينِ عندَ حصولِ النزاعِ بينهما، قال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354806,"book_id":264,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":201,"body":"تعالى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨].\rالرابع: صلحٌ بينَ المتخاصمَينِ في الأمورِ غيرِ الماليَّةِ، وليس منهم بغاةٌ، كما في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ أنَّ أهلَ قُبَاءٍ اقتتلوا حتى تَرامَوْا بالحجارةِ، فأُخْبِرَ رسولُ اللهِ ﷺ بذلك فقال: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ» (¬١).\rالخامس: صلحٌ في المعاملاتِ الماليَّةِ، وهو المقصودُ في هذا الفصلِ، وهو مرادُ الفقهاءِ عندَ عنونتِهم لـ «الصلحِ».\rوالأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].\rومِنَ السُّنَّةِ حديثُ عمرِو بنِ عوفٍ المُزَنِيِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ الصُّلْحُ مَعَ الْإِقْرَارِ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا أَفْضَى إِلَيْهَا»، الصلحُ مع الإقرارِ جائزٌ؛ بخلافِ الصُّلحِ مع الإنكارِ، فإنَّه يكونُ باطلًا؛ لأنَّ المدَّعِيَ إنْ كان كاذبًا فقد","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٥٤٧).\r(¬٢) رواه الترمذي (١٣٥٢)، وابن ماجه (٢٣٥٣)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354807,"book_id":264,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":202,"body":"استحلَّ مالَ المدَّعَى عليه بهذا الصلحِ؛ وهو حرامٌ، وإنْ كان صادقًا فقد حرَّم على نفسِه بعضَ مالِه الحلالِ؛ لأنَّه يستحقُّ جميعَ ما يدَّعِيه لا بعضَه، فدخلَ في قولِه ﷺ: «إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (¬١).\rفإذا أقرَّ المُدَّعَى عليه بالمُدَّعَى به في الأموالِ، أو ما أفضَى إليها؛ كمَن ثبتَ له على شخصٍ قِصاصٌ، فصالَحَه عليه على مالٍ؛ فإنَّه يصحُّ فيه الصلحُ، أمَّا ما لا يؤولُ إلى مالٍ؛ كحدِّ القذْفِ -مثلًا- فلا يصحُّ الصلحُ عليه بِعِوَضٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهُوَ نَوْعَانِ: إِبْرَاءٌ، وَمُعَاوَضَةٌ»؛ أي: الصُّلحُ فِي المعاملاتِ الماليَّةِ ينقسمُ إلى هذين النَّوْعَيْن؛ الإبراء والمعاوضة.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَالْإِبْرَاءُ: اقْتِصَارُهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَى بَعْضِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ»، هذا هو النَّوعُ الأولُ من أنواعِ الصُّلحِ في المعاملاتِ الماليَّةِ، ويُسمَّى «صلحَ الحَطِيطَةِ»، وهو إسقاطُ الدَّائنِ عن المَدِينِ بعضَ دَيْنِه، كأنْ يقولَ الدَّائنُ للمدينِ -مثلًا-: صالحتُك في «الألْفِ» الذي عليك لي على «خمسِمائةٍ»، ودليلُ صحَّتِه حديثُ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ عندما طلبَ من عبدِ اللهِ بنِ أبي حدردٍ ﵁ دينًا له عليه، فارتفعت أصواتُهما في المسجدِ حتى سمِعَهما النبيُّ ﷺ وهو في بيتِه، فخرج إليهما، ونادَى: «يَا كَعْبُ»، فقال: لبَّيك يا رسولَ اللهِ، فأشارَ بيدِه أنْ ضَعِ الشَّطرَ مِن دَيْنِك،","footnotes":"(¬١) المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354808,"book_id":264,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":203,"body":"فقال: قد فعلتُ يا رسولَ اللهِ، فقال ﷺ: «قُمْ فَاقْضِهِ» (¬١).\rويصحُّ بلفظِ الإبراءِ، والحطِّ، والإسقاطِ، ونحوِ ذلك؛ كـ «أبرأتُك من خمسِمائةٍ من الألفِ الذي لي عليك»، أو «حطَطْتُها عنك»، أو «أسقَطْتُها عنك»، ولا يصحُّ بلفظِ البيعِ؛ كأنْ يقولَ: «بعتُكَ الألفَ بخمسِمائةٍ»، كما أنَّه لا يصحُّ تعليقُه على شرطٍ؛ كأنْ يقولَ: «أبرأتُك على أنْ تؤجِّرَني دارَك»، أو «أبرأتُك على أنْ تُعِيرَني دابتَك»؛ بل لا بدَّ أنْ يكونَ مُنجَّزًا؛ لأنَّ في الإبراءِ معنى التَّمليكِ، والتَّمليكاتُ لا تقبلُ التَّعليقَ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُعَاوَضَةُ: عُدُولُهُ عَنْ حَقِّهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْبَيْعِ»، هذا هو النَّوعُ الثَّاني من أنواعِ الصُّلحِ في المعاملاتِ الماليَّةِ، وهو صلحُ المعاوضةِ، وهو الذي يجرِي على غيرِ العينِ المُدَّعاةِ، كما إذا ادَّعى رجلٌ على آخرَ دارًا فأقرَّ له بها، ثمَّ صالَحَه منها على قطعةِ أرضٍ أو دابَّةٍ، وهذا النَّوعُ من الصُّلحِ حكمُه حكمُ البيعِ، وتتعلقُ به جميعُ أحكامِ البيعِ، من ثبوتِ خيارِ المجلسِ والشَّرطِ، والردِّ بالعيوبِ، وغيرِ ذلك، وإنَّما جرتْ عليه أحكامُ البيعِ؛ لأنَّ هذا النَّوعَ من الصُّلحِ بيعٌ للعينِ المُدَّعاةِ مِن المُدَّعِي للمُدَّعَى عليه بلفظِ الصُّلحِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُشْرِعَ رَوْشَنًا فِي طَرِيقٍ نَافِذٍ بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ الْمَارُّ بِهِ»، الرَّوشَنُ: هو الجزءُ الممتدُّ مِن السَّقْفِ فوقَ الجدارِ، الخارجُ عنه إلى الطَّريقِ، والذي يُطِلُّ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٤٥)، ومسلم (١٥٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354809,"book_id":264,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":204,"body":"على ما حولَه، سواءً كان من الخشبِ أو الحجَرِ؛ والطريقُ النافذُ هو المفتوحُ من الجانبينِ، يدخلُ النَّاسُ من بدايتِه ويخرجُون من نهايتِه، والطَّريقُ غيرُ النَّافذِ هو المفتوحُ من جهةٍ واحدةٍ، ومسدودٌ من الجهةِ الأُخرَى فلا يستطيعُ المارُّ أنْ يخرجَ منه؛ لأنَّه مغلقٌ.\rوالأصلُ في جوازِ إشْراعِ الرَّوْشَنِ في الطريقِ النَّافذِ حديثُ هشامِ بنِ سعدٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عباسٍ ﵄ أنَّه قال: «كان للعباسِ ميزابٌ على طريقِ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁، فَلَبِسَ عُمَرُ ثِيابَه يومَ الجُمُعَة، وقد كان ذُبِحَ للعباسِ فَرْخانِ، فلمَّا وافَى الميزابَ، صُبَّ ماءٌ بدمِ الفرخينِ، فأصابَ عمرَ وفيه دمُ الفرخَينِ، فأمرَ عمرُ بِقَلْعِهِ، ثمَّ رجعَ عمرُ، فطرحَ ثيابَه، ولبس ثيابًا غيرَ ثيابِه، ثمَّ جاء فصلَّى بالنَّاسِ، فأتاه العباسُ، فقال: واللهِ إنَّه لَلْمَوْضِعُ الذي وضعَه النبيُّ ﷺ، فقال عمرُ للعباسِ: وأنا أَعْزِمُ عليك لمَا صعِدْتَ على ظَهْرِي حتَّى تضعَه في الموضِعِ الذي وضَعهُ رسولُ اللهِ ﷺ، ففعلَ ذلك العباسُ ﵁» (¬١).\rفلمَّا ورد النصُّ في الميزابِ قِيسَ عليه غيرُه.\rوعليه فيجوزُ للمسلمِ الانتفاعُ بذلك إذا كان في طريقٍ نافذٍ بين الدورِ والمساكنِ، بشرطِ ألَّا يتضررَ النَّاسُ منه، فَيُرْفَعُ بحيثُ يمرُّ المارُّ من تحتِه مُنْتَصِبًا وعلى رأسِه الحُمُولَةُ المعتادةُ من غيرِ احتياجٍ إلى طأطأةِ رأسِه، وإنْ كان الطريقُ النافذُ مَمَرَّ فُرسَانٍ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٧٩٠)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٣٧٤): «رواه أحمد ورجاله ثقات؛ إلَّا أن هشام بن سعد لم يسمعْ من عبيد الله».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354810,"book_id":264,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":205,"body":"وقوافِلَ فَيُرْفعُ الرَّوشنُ بحيثُ يمرُّ من تحتِه المَحْمِلُ على البعيرِ مع أخشابِ المِظَلَّةِ الكائنةِ فوقَ المَحْمِل (¬١).\rفإن أخلَّ صاحبُ الرَّوشنِ بشيءٍ من ذلك فللمتضرِّرِينَ المطالبةُ بإزالتِه؛ وعلى الحاكمِ هدمُه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ فِي الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ إِلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ»، المقصودُ بـ «الدربِ المشتركِ» الطريقُ غيرُ النافذِ، وهو المسدودُ من آخرِه -كما سبقَ- ويُقالُ له: «الزُّقاقُ»، وهذا الطريقُ يكونُ مِلْكًا لأهلِه، فلا يجوزُ لغيرِهِم التَّصَرُّفُ فيه إلَّا برضاهم؛ لأنَّه مِلْكُهُم، فأشبَه الدُّورَ، وأهلُه مَنْ لهم حقُّ المرورِ فيه إلى مِلْكِهِم؛ من دارٍ، أو بئرٍ، أو فُرْنٍ، أو حانوتٍ؛ أمَّا البناءُ فيه وإخراجُ رَوْشَنٍ أو نحوِه فلا يجوزُ لأحدٍ منهم إلَّا برضَا الباقينَ؛ كسائرِ الأملاكِ المشتركةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْبَابِ فِي الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ»، الدَّربُ المشتركُ مِلْكٌ لأهلِه، ويستحقُّ كلُّ واحدٍ من بابِ دارِه إلى رأسِ الدَّربِ؛ أي: إلى آخِرِ الطريقِ من الجهةِ المفتوحةِ، دونَ ما يلي آخرَ الدربِ","footnotes":"(¬١) المَحْمِلُ: الهودجُ الكبيرُ.\r(¬٢) رواه أحمد (٢٨٦٧)، وابن ماجه (٢٣٤١)، وللحديثِ طرقٌ وشواهدُ كثيرةٌ تصلُ به إلى درجةِ الصحَّة؛ كما قال ابنُ دقيقِ العِيد ﵀ في «الإلمام بأحاديث الأحكام» (ص: ٢٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354811,"book_id":264,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":206,"body":"من الجهةِ المقفولةِ؛ لأنَّ ذلك القدرَ هو محلُّ تردُّدِه، وما عدَا ذلك فهو فيه كالأجنبيِّ، فإذا أرادَ أنْ يؤخرَ بابَه إلى رأسِ الدَّربِ فله ذلك لأنَّه تركَ بعضَ حقِّه؛ بشرطِ أنْ يَسُدَّ الأوَّلَ، أمَّا إذا أرادَ نقلَه إلى داخلِه من الجهةِ المقفولةِ مُنع إلا برضى الشُّركاءِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الحَوَالَة\rالحَوَالَةُ في اللُّغةِ: الانتقالُ، يُقالُ: تحوَّلُ من مكانِه إذا انتقلَ عنه.\rوفي الاصطلاحِ: عقدٌ يقتضِي نقلَ دَيْنٍ مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ أُخرى.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ الْحَوَالَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - رِضَا الْمُحِيلِ»، وهو مَن عليه الدَّيْنُ، ووجهُ اشتراطِ رضا المُحِيلِ أنَّ الحقَّ الذي عليه له قضاؤُه من حيث شاء.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢١٦٦)، ومسلم (١٥٦٤)، والمطلُ منعُ قضاءِ ما اسْتُحِقَّ أداؤه، فمطلُ الغنيِّ ظلمٌ وحرامٌ، ومطلُ غيرِ الغنيِّ ليس بظلمٍ ولا بحرامٍ؛ لأنَّه معذورٌ، وأيضًا إذا كان غنيًّا ولكنه ليس متمكنًا من الأداءِ؛ لغَيبةِ المالِ أو لغيرِ ذلك، ويجوزُ له التأخيرُ إلى الإمكانِ، وقولُه ﷺ: «وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»؛ أي: إذا أُحِيلَ بالدَّينِ الذي له على موسِرٍ، فليقْبلِ الحَوَالةَ وليأخذْ دينَه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354812,"book_id":264,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":207,"body":"٢ - «وَقَبُولُ الْمُحْتَالِ»، وهو مستحِقُّ الدَّينِ من المُحِيلِ، ووجهُ اشتراطِ رضا المحتالِ أنَّ حقَّه في ذمَّةِ المُحِيلِ فلا ينتقلُ إلى غيرِه إلَّا برضاه.\r٣ - «وَكَوْنُ الْحَقِّ مُسْتَقِرًّا فِي الذِّمَّةِ»، الحقُّ المستقرُّ هو الذي لا يكونُ عرضةً للسُّقوطِ بحالٍ، فالثمنُ في زمنِ الخيارِ ليس مستقرًّا في ذمَّةِ المشترِي؛ لأنَّه قد يفسخُ البيعَ في زمنِ الخيارِ، وإذا فسخَ بَطَلَ ما يترتَّبُ عليه من ثمنٍ، وكذلك المهرُ قبلَ الدخولِ، والأجرةُ قبلَ استيفاءِ المنفعةِ، والثمنُ قبلَ قبضِ المبيعِ، وما شاكلَ ذلك، كلُّها ديونٌ لازمةٌ؛ لكنَّها غيرُ مستقرَّةٍ وعُرْضَةٌ للسُّقوطِ بفواتِ مقابلِها، كَرِدَّةِ الزوجةِ، وموتِ الأجيرِ، وتلفِ المبيعِ.\r٤ - «وَاتِّفَاقُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الْجِنْسِ، وَالنَّوْعِ، وَالْحُلُولِ، وَالتَّأْجِيلِ»؛ أي: اتفاقُ الدَّيْنَيْنِ: المحالِ به والمحالِ عليه، وذلك في الجنسِ، فلا تصحُّ الحوالةُ بالدَّارهمِ على الدَّنانيرِ؛ وفي النَّوعِ، فلا تصحُّ بالدَّراهمِ المضروبةِ على الدَّارهمِ غيرِ مضروبةٍ؛ وفي القدْرِ، فلا تصحُّ بعشرةِ -مثلًا- على خمسةٍ؛ والحلولِ والتأجيلِ، فلا تصحُّ حوالةُ دَيْنٍ حالٍّ على دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَبْرَأُ بِهَا ذِمَّةُ الْمُحِيلِ»؛ أي: تبرأُ ذِمَّةُ المحيلِ من المُحْتالِ، ويبرأُ -أيضًا- المُحالُ عليه من دَيْنِ المُحِيلِ، ويتحوَّلُ حقُّ المُحْتَالِ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354813,"book_id":264,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":208,"body":"«فَصْلٌ»\rفي الضَّمَان\rالضَّمانُ في اللُّغةِ: الالتزامُ.\rوفي الاصطلاحِ: التزامُ حقٍّ ثابتٍ في ذِمَّةِ الغيرِ.\rوالأصلُ في مشروعيتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].\rومن السُّنَّةِ حديثُ سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ قال: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بجنازةٍ ليُصَلِّي عليها، فقال ﷺ: «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قالُوا: ثلاثةُ دنانيرَ، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فقال أبو قَتَادَةَ ﵁ صَلِّ عليه يا رسولَ اللهِ وعَلَيَّ دَيْنُهُ، فصلَّى عليه (¬١).\rوحديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: تُوُفِّي رجلٌ فغسلنَاه وحنَّطنَاه وكفَّناه، ثمَّ أتَينا به رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عليه، فقُلنا: تُصلِّي عليه؟ فخَطا خُطًى، ثمَّ قال: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قلنا: دينارانِ، فانصرفَ، فتحمَّلهما أبو قتادةَ، فأتيناهُ، فقال أبو قتادةَ: الدينارانِ عليَّ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «أُحِقَّ الْغَرِيمُ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟»، قال: نعم، فصلَّى عليه، ثمَّ قال بعدَ ذلكَ بيومٍ: «مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟»، فقال: إنَّما ماتَ أمسِ، قال: فعادَ إليهِ مِنَ الغدِ فقال: قد قضيتُهما، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢١٦٨).\r(¬٢) رواه أحمد (١٤٥٧٦)، وأصله في «صحيح البخاري»؛ من حديثِ سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ بلفظٍ قريبٍ (٢١٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354814,"book_id":264,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":209,"body":"وقال أبو أمامةَ ﵁: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» (¬١).\rقال ابنُ حجَرٍ ﵀: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ؛ أي: الضَّامِنُ» (¬٢).\rوقال محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ المبَارَكْفُورِي ﵀: «والغُرْمُ أداءُ شيءٍ يَلْزَمُهُ، والمعنى: ضَامنٌ، ومَن ضَمِنَ دَيْنًا لَزِمَه أدَاؤُه» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ ضَمَانُ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِي الذِّمَّةِ إِذَا عُلِمَ قَدْرُهَا»، يُشْتَرَطُ لصحَّةِ الضمانِ أنْ يكونَ الدَّيْنُ مستقرًّا وقتَ ضمانِه، وقد سبقَ تعريفُ معنَى «المستقر» في الفصلِ السَّابقِ؛ كما يُشْتَرطُ لِصِحَّةِ الضَّمانِ -أيضًا- أن يَعْرِفَ الضامنُ قدرَ الدَّيْنِ الذي سيضمنُه، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وكان حملُ البعيرِ معلومًا عندَهم كالْوَسْقِ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا؛ ما لم يَرِدْ في شَرْعِنا ما يُخالِفُه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنَ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مَا بَيَّنَّا»، لصاحبِ الحقِّ مطالبةُ مَن شاءَ مِن الضَّامنِ والمضمونِ عنه بجميعِ الدَّيْنِ، أو يطالبُ أحدَهما ببعضِه والآخرَ بباقيه؛ أمَّا الضَّامنُ فلحديثِ:","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٢٣٤٨)، وأبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥)، وابن ماجه (٢٤٠٥)، وقال الترمذي: «حديث حسن».\r(¬٢) «فتح الباري» (٢/ ٥٥٥).\r(¬٣) «تحفة الأحوذي» (٦/ ٣١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354815,"book_id":264,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":210,"body":"«الزَّعِيمُ غَارِمٌ»، وأمَّا المضمونُ عنه فلأنَّ الدَّيْنَ باقٍ عليه، ولا ينتقلُ من ذمَّةِ المضمونِ عنه إلا بالأداءِ، وقد حثَّ النبيُّ ﷺ أبا قتادةَ ﵁ على قضاءِ ما ضمِنه، فلمَّا قضَاه، قال له: «الْآنَ بَرَّدتَّ عَلَيْهِ جِلْدَهُ»، فدلَّ على أنَّ الميِّتَ لم يبرأْ منه إلَّا بالقضاءِ.\rوقولُ المصنف ﵀: «إِذَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مَا بَيَّنَّا»؛ أي: فيما تقدَّمَ من كونِ الدينِ مُسْتَقِرًّا معلومَ القدرِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا غَرِمَ الضَّامِنُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا كَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ بِإِذْنِهِ»، إذا غرِمَ الضَّامنُ الحقَّ لصاحبِه رجَع بما غرِمَه على المضمونِ عنه إذا كان الضَّمانُ والقضاءُ للدَّينِ بإذنِ المضمونِ عنه، أمَّا إذا ضمِن بغيرِ إذنِه وقضَى بغيرِ إذنِه لم يرجعْ عليه؛ لأنَّه تبرَّعَ بالقضاءِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمَجْهُولِ، وَلَا مَا لَمْ يَجِبْ؛ إِلَّا دَرْكَ الْمَبِيعِ»، لا يجوزُ ضمانُ الدينِ المجهولِ قدرُه، أو قيمتُه، أو صفتُه؛ لأنَّه غَرَرٌ، والغررُ منهيٌّ عنه كما سبق، وكذلك لا يصحُّ ضمانُ ما لم يجبْ؛ كأنْ يقولَ رجلٌ لآخرَ: «ما تُداينُ به فلانًا فأنا ضامنٌ له»؛ لأنَّ الضَّمانَ وثيقةٌ بالحقِّ، فلا يَسْبِقُ وجُوبَه كالشَّهادةِ، ويُسْتَثْنَى من ذلك «ضمانُ دَرْكِ المبيعِ»، والدَّرْكُ في اللغةِ: اللَّحاقُ والوصولُ إلى الشيءِ، يُقالُ: أدركتُه إدراكًا؛ أي: لحِقتُه، وفي الاصطلاحِ: هو أنْ يضمنَ للمشتري الثمنَ إذا خرجَ المبيعُ مستحقًّا لغيرِ البائعِ، أو معيبًا، ونحوَ ذلك، واسْتُثْنِيَ هذا النَّوْعُ؛ لأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إليه، فالمعاملةُ مع مَن لا يُعْرَفُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354816,"book_id":264,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":211,"body":"كثيرةٌ، ويَخَافُ المشتري أنْ يكونَ المبيعُ مستحقًّا أو معيبًا أو غيرَ ذلك كما سبق، ولا يظفرَ بالبائعِ، فيفوتَ عليه ما بذله من الثَّمَنِ، فاحتاج إلى التوثيقِ بذلك.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الكَفَالَة\rالكفالةُ في اللُّغةِ: الضمُّ والالتزامُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]؛ أي: أمرَه أنْ يَضُمَّها إليه، وألزمَهُ برعايتِها.\rوفي الاصطلاحِ: الالتزامٌ بإحضارِ بدنِ مَن عليه حقٌّ مِن مالٍ أو عينٍ أو عقوبةٍ تتعلَّقُ بحقِّ آدميٍّ.\rوالفرقُ بين الضَّمانِ والكفالةِ أنَّ الضَّمانَ الالتزامُ بإحضارِ الحقِّ، والكفالةُ الالتزامُ بإحضارِ الذي عليه الحقُّ، فالكفالةُ أدنى من الضَّمانِ؛ لأنَّها متعلقةٌ بالبدنِ لا بالمالِ، فإذا أحضرَ الكفيلُ المكفولَ وسلَّمه لصاحبِ الحقِّ فقد برِئ منه، سواءٌ وفَّاه أو لم يُوَفِّه.\rوالأصلُ في مشروعيتها من الكتاب قوله تعالى حكايةً عن يعقوبَ ﵇ عندما طلب منه أبناؤُه أنْ يرسلَ معهم أخاهم الصغيرَ فقال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: ٦٦]، والموثِقُ الكفيلُ، فامتنعَ يعقوبُ ﵇ من إرسالِ ولدِه مع إخوتِه إلَّا بكفيلٍ.\rومن السنَّةِ حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄: أنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354817,"book_id":264,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":212,"body":"بِعَشَرةِ دنانيرَ، فقال: ما عندي شيءٌ أعطيكَه، فقال: لا واللهِ لا أفَارِقُكَ حتَّى تَقْضِيَنِي، أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ، فجرَّه إلى النبيِّ ﷺ فقال له النبيُّ ﷺ: «كَمْ تَسْتَنْظِرُه؟»، فقال: شهرًا، فقال ﷺ: «فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ»، فجاءه بِقَدْرِ ما وَعَدَهُ، فقال له النبيُّ ﷺ: «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ؟»، قال: مِن مَعْدِنٍ، فقال ﷺ: «فَاذْهَبْ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ»، وقضاها عنه (¬١).\rوالكفالةُ بالبدنِ مما تمسُّ إليه الحاجةُ، فقد يشتري إنسانٌ سلعةً هو في حاجةٍ إليها، ولا يجدُ الثَّمَنَ، ولا يطئمنُّ البائعُ إليه فلا يرضى بإنظارِه، فيحتاجُ في هذه الحالِ إلى كفيلٍ، وقد يستقرضُ مالًا هو في حاجةٍ إليه، ويطلبُ المقرِضُ كفيلًا، وقد يقعُ في جنايةٍ يُعاقَبُ عليها، وهو بعيدٌ عن بلدِه، وعليه حقوقٌ وتَبِعاتٌ يُضطرُّ إلى أجَلٍ للقيامِ بها، فيحتاجُ إلى مَن يكفلُه حتى يذهبَ ويعودَ، وقد يُضطرُّ إنسانٌ إلى استعارةِ عينٍ، ولا يرضى صاحبُها بإعارتِها له إلا بكفيلٍ يضمنُ له ردَّها سالِمةً، وقد تكونُ في يدِه عينٌ مغْصوبةٌ، يحتاجُ إلى أجلٍ لإحضارِها، فيأبى صاحبُها أنْ يفلتَه إلا بكفيلٍ، وهكذا، فالمصلحةُ في تشريعِ الكفالةِ واضحةٌ،","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٣٣٢٨)، وابن ماجه (٢٤٠٦)، والحاكم (٢١٦١)، وصححه، وأقره الذهبي، و «الحميلُ»؛ أي: الكفيلُ. وردُّه ﷺ للذَّهبِ الذي استخرجَه المكفولُ من المعدنِ، وقولُه له: «لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ»؛ لأنَّ الذي تحمَّله ﷺ عنه كان دنانيرَ مضروبةً، والذي جاء به كان ذهبًا غيرَ مضروبٍ، وليس بحضرتِه ﷺ من يضربُه دنانيرَ، وإنما كانت تُحْمَلُ الدَّنَانِيرُ إليهم من بلادِ الرومِ، وأوَّلُ من ضربَ الدَّنَانِيرَ في الإسلامِ هو عبدُ الملكِ بنُ مروانَ، كما في «معالم السنن» للخطابي (٣/ ٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354818,"book_id":264,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":213,"body":"والحاجةُ إليها أكيدةٌ، وشرْعُ اللهِ تعالى إنَّما جاءَ لرعايةِ مصالحِ العبادِ، وتخليصِهم من الحرجِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ»، تجوزُ الكفالةُ بإحضارِ بدنِ مَن عليه حقٌّ من مالٍ، أو عقوبةٍ متعلِّقَةٍ بحقِّ آدميٍّ، كالقصاصِ وحدِّ القذفِ؛ لأنَّه حقٌّ لازمٌ فأشبه المالَ، وأمَّا الكفالةُ ببدنِ مَن عليه حدٌّ من حدودِ اللهِ تعالى؛ كحدِّ الزِّنا وشربِ الخمرِ لم تصحَّ، لأنَّا مأمورونَ بسَترِها، والسَّعيِ في إسقاطِها ما أمكنَ.\rويبرأُ الكفيلُ بتسليمِ المكفولِ في مَحِلِّ التَّسليمِ، وإنْ مضتِ المدَّةُ ولم يُحضِرْه حُبِسَ إلَّا أنْ يتعذَّرَ إحضارُ المكفولِ بموتٍ أو غيرِه، أو يُوَفِّيَ الدَّينَ، فإنْ وفَّاه ثمَّ حضرَ المكفولُ فله الاستردادُ، ولا يُطالبُ كفيلٌ بمالٍ ولا عقوبةٍ وإنْ فات التسليمُ بموتٍ أو غيرِه؛ لأنَّه لم يلتزمْهُ، ولو شرَطَ أنَّه يغرمُ المالَ إنْ فات التَّسليمُ للمكفولِ لم تصحَّ الكفالةُ؛ لأنَّ ذلك خلافُ مقتضاها.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الشَّرِكَة\rالشَّركةُ في اللُّغةِ: الاختلاطُ والامتزاجُ.\rوفي الاصطلاحِ: ثبوتُ الحقِّ في الشيءِ الواحدِ لشخصينِ فصاعدًا على جهةِ الشيوعِ (¬١).","footnotes":"(¬١) الشُّيُوعُ: مُشْتَرَكُ المِلْكِيَّةِ مِن غيرِ تقسيمٍ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354819,"book_id":264,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":214,"body":"والأصلُ في مشروعيتِها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» (¬١).\rومعناه أنَّ اللهَ ﵎ معهما في الحفظِ والرعايةِ والإمدادِ بمعونتِهما في مالِهما وإنزالِ البركةِ في تجارتِهما ما لم يَخُنْ أحَدُهُمَا صاحبَه، فإذا حصلت الخيانةُ نُزِعَتْ البركةُ مِن مالِهما، وفي الحديثِ الحثُّ على التَّشاركِ مع عدمِ الخيانةِ، والتحذيرُ منها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلِلشَّرِكَةِ خَمْسُ شَرَائِطَ:\r١ - أَنْ يَكُونَ عَلَى نَاضٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ»، النَّاضُّ: ما كان نقدًا من الدَّراهمِ والدَّنانيرِ خاصةً.\r٢ - «وَأَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ»، فلا تصحُّ الشركةُ في الذَّهبِ والدَّراهمِ، ولا في صحاحٍ ومكسَّرةٍ.\r٣ - «وَأَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ»؛ أي: يَخلِطَا المالينِ بحيثُ لا يتميَّزانِ.\r٤ - «وَأَنْ يَأْذَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ»، بعدِ خلطِ المالينِ يجبُ أنْ يأذنَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه في التَّصرُّفِ؛ لأنَّ المالَ المشتركَ لا يجوزُ لأحدِ الشَّرِيكينِ التَّصرفُ فيه إلا بإذنِ صاحبِه، فإذا أَذِنَ له فيه تصرَّفَ بلا ضررٍ؛ فلا يبيعُ كل منهما نسيئةً، ولا بغيرِ نقدِ البلدِ، ولا بغبنٍ فاحشٍ، ولا يسافرُ بالمالِ المشتركِ إلا","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٣٣٨٣)، والحاكم (٢٣٢٢)، وصححه، وأقره الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354820,"book_id":264,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":215,"body":"بإذنِ شريكِه، فإنْ فعلَ أحدُ الشريكينِ ما نُهِي عنه لم يصحَّ تصرُّفه في نصيبِ شريكِه؛ وَيَصِحُّ فِي نصيبِه، فتنفسخُ الشَّرِكَةُ في الْمُشْتَرَى أو في المبيعِ ويصيرُ مُشْتَرَكًا بينَ البائعِ أو المشترِي والشَّريكِ، فإنِ اشترى بالغبنِ في الذِّمةِ اختَصَّ الشراءُ به؛ فيزنُ الثَّمَنَ من مالِه.\r٥ - «وَأَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ»، يكونُ الرِّبحُ والخسرانُ في الشِّركةِ على قدرِ المالين، سواءٌ تساوى الشَّريكان في العملِ وفي المالِ المشتركِ أو تفاوتَا فيه، فإنِ اشترطَا التَّساوِيَ في الرِّبحِ مع تفاوتِ المالينِ أو عكسَه لم يصحَّ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ»، الشَّركةُ عقدٌ جائزٌ من الطرفينِ، وحينئذٍ لكلِّ واحدٍ من الشَّريكينِ فسخُها متى شاءَ، وينعزلانِ عن التَّصرفِ بفسْخِ كلٍّ منهما.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَتَى مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَتْ»، متى ماتَ أحدُ الشَّريكينِ أو جُنَّ، أو أُغمِي عليه بَطَلَتْ الشَّركةُ؛ لخروجِه عن أهليَّةِ التَّصَرُّفِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الوَكَالَة\rالوَكالةُ في اللغةِ: التَّفويضُ.\rوفي الاصطلاحِ: تفويضُ شخصٍ ما له فعلُه مما يقبلُ النِّيابةَ إلى غيرِه ليفعلَه في حياتِه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354821,"book_id":264,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":216,"body":"والأصلُ في مشروعيَّتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩].\rومن السُّنَّةِ حديثُ عروةَ بنِ أبي الجعدِ البارقيِّ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاةً، فاشترى له به شاتينِ، فباع إحداهما بدينارٍ، وجاءه بدينارٍ وشاةٍ، فدعَا له بالبركةِ في بيعِه، وكان لو اشترَى التُّرابَ لربحِ فيه» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا جَازَ لِلْإِنْسَانِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِنَفْسِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ أَوْ يَتَوَكَّلَ فِيهِ»، كل ما جاز للإنسان التصرف فيه بنفسه بملك أو ولاية جاز له أن يوكل فيه غيره؛ لأنه إذا لم يقدر على التصرف بنفسه فبنائبه أولى.\rوكما يُشترطُ في صحَّةِ التَّوكيلِ صحَّةُ مباشرةِ الموكِّلِ فكذلك الوكيلُ يشترطُ أنْ يكونَ ممن يصحُّ تصرُّفُه فيه لنفسِه، فلا يصحُّ توكيلُ الصبيِّ والمجنونِ ومَن فِي معناهما؛ لِتَعَذُّرِ مُبَاشَرَتِهِمُ العملَ لأنفسهم فلغيرِهما أوْلى.\rويُشترَطُ -أيضًا- في الموكَّلِ فيه أنْ يكونَ قابلًا للنِّيابةِ؛ فلا يصحُّ التَّوكيلُ في العباداتِ البدنيَّةِ؛ لأنَّ المقصودَ منها الابتلاءُ والاختبارُ، وهو لا يحصلُ بفعلِ الغيرِ، ويُستثنى من ذلك مسائلُ؛ كالحجِّ والعمرةِ، وذبحِ الأضاحِي، وتفرقةِ الزَّكاةِ، وصومِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٤٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354822,"book_id":264,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":217,"body":"الكفَّاراتِ، وأُلحِقَ بالعباداتِ الشَّهاداتُ والأيمانُ؛ ومن الأيمانِ: الإيلاءُ، واللِّعانُ، والظِّهارُ، وكذلك ما في معنَى الأيمانِ؛ كالنَّذرِ، وتعليقِ الطَّلاقِ؛ فلا يصحُّ التَّوكيلُ في شيءٍ منها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ، وَتُفْسَخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا»، الوكالةُ غيرُ لازمةٍ من جانبِ الموكِّلِ والوكيلِ، فيجوزُ لكلِّ واحدٍ منهما فسخُها متى شاء، وكذلك تنفسخُ بموتِ أحدِهما أو جنونِه، أو إغمائِه؛ لخروجِه عن أهليَّةِ التَّصرُّفِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ فِيمَا يَقْبِضُهُ وَفِيمَا يَصْرِفُهُ، وَلَا يَضْمَنُ إِلَّا بِالتَّفْرِيطِ»، والوكيلُ أمينٌ فيما يقبضُه لموكِّلِه وفيما يصرفُه من مالِ موكِّلِه عنه، ولا يضمنُ ما تلفَ في يدِه من مالِ موكِّلِه إلا بالتَّفريطِ في حقِّه كسائرِ الأمناءِ، ويُصَدَّقُ بيمينِه في دعوى التَّلفِ، فإذا فرَّطَ أو تعدَّى ضَمِنَ كسائرِ الأمناءِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِي إِلَّا بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:\r١ - أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ»؛ أي: لا يبيعُ الوكيلُ بدونِ ثمنِ المثلِ، ولا بغبنٍ فاحشٍ، وهو ما لا يُحتملُ في الغالبِ.\r٢ - «وَأَنْ يَكُونَ نَقْدًا»؛ أي: لا يبيعُ الوكيلُ نسيئةً.\r٣ - «وَبِنَقْدِ الْبَلَدِ»؛ أي: لا يبيعُ إلا بنقدِ بلدِ البيعِ؛ لا بلدِ التَّوكيلِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354823,"book_id":264,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":218,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ»؛ أي: ليس للوكيلِ في البيعِ أن يبيعَ لنفسِه؛ لأنَّ الإنسانَ حريصٌ بطبعِه على أنْ يشتريَ لنفسِه رخيصًا، وغرضُ المُوَكِّلِ الاجتهادُ في الزِّيادةِ، وبين الغرضينِ مضادَّةٌ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُقِرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ»؛ أي: لا يملكُ الوكيلُ الإقرارَ على الموكِّل، وكذلك الإبراءُ من الدَّينِ، والصُّلحُ عنه وإنْ لم ينهْه الموكِّلُ؛ لأنَّ التوكيلَ في الخصومةِ يقتضي إثباتَ الحقِّ، والإقرار يقتضِي إسقاطَه؛ أمَّا إذا أذِنَ الموكِّلُ فيجوزُ؛ لأنَّه قولٌ يلزمُ به حقٌّ فأشبهَ الشِّراءَ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الإقْرَار\rالإقرارُ في اللُّغةِ: الإثباتُ، مِن قرَّ الشيءُ إذا ثبتَ.\rوفي الاصطلاحِ: إخبارُ الشَّخصِ بحقٍّ عليه، فإنْ كان بحقٍّ له على غيرِه فدعوى، أو لغيرِه على غيرِه فشهادةٌ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].\rومن السنَّةِ حديثُ أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ ﵄ أنَّهما قالا: إنَّ رجلًا من الأعرابِ أتَى رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ اللهَ إلَّا قضيتَ لي بكتابِ اللهِ، فقال الخَصمُ الآخرُ -وهو أفقهُ منه-: نعم، فاقضِ بيننا بكتابِ اللهِ وَأْذَنْ لي،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354824,"book_id":264,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":219,"body":"فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «قُلْ»، قال: إنَّ ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأتِه، وإني أُخْبِرْتُ أنَّ على ابني الرَّجمَ، فافتديتُ منه بمائةِ شاةٍ ووليدةٍ، فسألتُ أهلَ العلمِ، فأخبروني أنَّما على ابني جلدُ مائةٍ، وتغريبُ عامٍ، وأنَّ على امرأةِ هذا الرجمَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمرَ بها رسولُ اللهِ ﷺ فرُجِمت (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُقَرُّ بِهِ ضَرْبَانِ: حَقُّ اللهِ تعالى، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ، فَحَقُّ اللهِ تعالى يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ لَا يَصِّحُ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِ»، المُقَرُّ به من الحقوقِ ضربان: أحدُهما: حقُّ اللهِ تعالى، كحدِّ الردَّةِ، والزِّنا، وشربِ الخمرِ؛ والثَّاني: حقُّ الآدميِّ؛ كحدِّ القَذْفِ.\rفحقُّ اللهِ تعالى يصحُّ الرُّجوعُ فيه عن الإقرارِ به؛ لأنَّ مبناه على الدَّرءِ والسَّترِ، ودليلُه حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لماعزٍ ﵁ عندما اعترفَ بالزِّنا: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ» (¬٢).\rوفي روايةٍ لجابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ ماعزًا ﵁ لما وجدَ مسَّ الحجارةِ فرَّ، فأدركوه ورجَموه حتى مات، فلما أُخبِر بذلك","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢١٩٠)، ومسلم (١٦٩٧).\r(¬٢) رواه البخاري (٦٤٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354825,"book_id":264,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":220,"body":"النبيُّ ﷺ قال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ» (¬١).\rوللقاضي أنْ يُعَرِّضَ له بذلك؛ لما ذُكِرَ في الحديثِ، ولا يقولُ له: ارجع؛ فيكونُ آمرًا له بالكذبِ، وخرجَ بالإقرارِ ما لو ثبتَ بالبيِّنةِ؛ فلا يصحُّ الرُّجوعُ فيه.\rوأمَّا حقُّ الآدميِّ فإذا أقر به لا يصحُّ الرُّجوعُ فيه؛ لتعلُّقِ حقِّ المقَرِّ له به.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ إِلَى ثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:\r١ - الْبُلُوغُ»، فلا يصحُّ إقرارُ مَن هو دونِ البلوغِ ولو كان مُمَيِّزًا؛ لرفعِ القلمِ عنه.\r٢ - «وَالْعَقْلُ»، فلا يصحُّ إقرارُ مجنونٍ، ولا مغمًى عليه؛ لامتناعِ تصرُّفِهم.\r٣ - «الْاخْتِيَارُ»، فلا يعتدُّ بإقرارِ المكرَه؛ لأنَّ الإكراهَ على الكفرِ مع طمأنينةِ القلبِ بالإيمانِ لا يضرُّ، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]؛ فجعل اللهُ ﷾ الإكراهَ مُسقِطًا لحكمِ الكفرِ، فلا اعتبارَ للإقرارِ بغيرِه من بابِ أولى.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ كَانَ بِمَالٍ اعْتُبِرَ فِيهِ شَرْطٌ رَابِعٌ وَهُوَ الرُّشْدُ»، فلا يصحُّ إقرارُ السفيهِ بدينٍ، أو إتلافِ مالٍ، أو نحوِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٩٧٠)، ومسلم (١٦٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354826,"book_id":264,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":221,"body":"ذلك قبلَ الحجرِ أو بعدَه؛ وإذا لم يصحَّ فلا يطالبُ ولو بعدَ فكِّ الحجرِ، والمرادُ أنَّه لا يطالبُ في الظَّاهرِ، أمَّا فيما بينَه وبينِ اللهِ تعالى فيجبُ عليه الوفاءُ بعد فكِّ الحَجرِ إنْ كان صادقًا، وهذا فيما يتعلَّقُ بالمالِ، أمَّا إذا أقرَّ بغيرِ المالِ فيُقبلُ إقرارُه بما يُوجِبُ الحدَّ والقِصاصَ، وكذا يُقبلُ إقرارُه بالطَّلاقِ والخُلعِ والظِّهارِ؛ لأنَّ هذه الأمورَ لا تعلُّقَ لها بالمالِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ رُجِعَ إِلَيْهِ فِي بَيَانِهِ»، الإقرارُ بمجهولٍ هو أن يُقِرَّ شخصٌ لغيرِه بحقٍّ من غيرِ تحديدٍ لهذا الحقِّ، كأنْ يقولَ: له عليَّ مبلغٌ من المالِ، أو له عليَّ دَيْنٌ أو نحوُ ذلك، فيُطَالَبُ المُقِّرُ بالبيانِ لما أقرَّ به: ما هو؟ وكم هو؟ فإذا امتنعَ عن البيانِ اعتُبِرَ ناكلًا، فيؤمرُ المُقَرُّ له بالبيانِ، ويُصَدَّقُ بيمينِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِقْرَارِ إِذَا وَصَلَهُ بِهِ»، يصحُّ الاستثناءُ في الإقرارِ إذا وصلَ المُقِرُّ المستثنى بالمستثنى منه؛ فإنْ فصلَ بينَهما بسكوتٍ طويلٍ أو كلامٍ كثيرٍ أجنبيٍّ لا يصحُّ، أمَّا السُّكوتُ اليسيرُ كسكتةِ تنفُّسٍ فلا يضرُّ، ويشترطُ -أيضًا- في الاستثناءِ أنْ لا يستغرقَ المستثنى منه؛ فإن استغرَقَه نحوُ قولِه: «له عليَّ عشرةٌ إلا عشرةً»؛ لا يصحُّ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهُوَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ»، الإقرارُ في حالِ الصِّحَّةِ وفي حالِ المرضِ ولو مَخُوفًا سواءٌ في الحكمِ بصحَّتِه، فلو أقرَّ في صحتِه بدينٍ لإنسانٍ، وفي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354827,"book_id":264,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":222,"body":"مرضِه بدينٍ لآخرَ، لم يُقدَّمِ الأولُ على الثَّاني، بل يتساويانِ كما لو ثبتَا بالبيِّنةِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي العارِيَّة\rالعاريَةُ في اللُّغةِ: مشتقةٌ من التَّعاوُرِ, وهو التَّناوُبُ والتَّداوُل.\rوفي الاصطلاحِ: إباحةُ الانتفاعِ بما يحلُّ الانتفاعُ به مع بقاءِ عينِه.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، وهو ما يستعيرُه بعضُ الجِيْرَانِ من بعضٍ؛ كالدلوِ، والفأسِ، والقِدْرِ، والإبرةِ، ونحوِ ذلك.\rومِن السنَّةِ حديثُ صفوانَ بنِ أميَّةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَدْرَاعًا، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ فقال ﷺ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ»، فَضَاعَ بَعْضُهَا فَعَرَضَ عَلَيْهِ النبيُّ ﷺ أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ، قَالَ: أَنَا الْيَوْمَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي الْإِسْلَامِ أَرْغَبُ (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ جَازَتْ إِعَارَتُهُ إِذَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ آثَارًا»، يُشترطُ في المستعارِ أنْ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٧٦٧٧)، وأبو داود (٣٥٦٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥٧٤٧)، والحاكم (٢٣٠٠)، وأورد له شاهدًا من حديث ابن عباس ﵄ (٢٣٠١)، وصححه، وأقره الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354828,"book_id":264,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":223,"body":"يكونَ مُنْتَفَعًا به انتفاعًا مباحًا مع بقاءِ عينِه؛ كالثَّوبِ والدَّابةِ ونحوِ ذلك، أمَّا ما كانت منفعتُه في ذَهابِ عينِه؛ كالأطعمةِ وما في معناها فلا تصحُّ فيها الإعارةُ؛ لأنَّ منفعتَها في استهلاكِها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَجُوزُ الْعَارِيَةُ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ»، تجوزُ العاريةُ مطلقةً من غيرِ تقييدٍ بوقتٍ وكذلك مقيدةً، كأنْ يقولَ: أعَرتُك هذا الثَّوبَ شهرًا، وللمُعِيرِ الرُّجوعُ في كلٍّ منهما متى شاء؛ لأنَّ العاريةَ عقدٌ جائزٌ فله رفعُه متى شاء، ولأنَّه لو مُنِعَ المالكُ مِنَ الرُّجوعِ لامتنعَ النَّاسُ من هذه المكرُمةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا»، العاريَةُ إذا تَلِفَتْ في غيرِ الاستعمالِ المأذونِ فيه -ولو بلا تقصيرٍ-، فإنَّها تكونُ مضمونةً على المستعيرِ، ويضمنُها بقيمتِها يومَ تَلَفِها؛ لا بقيمتِها يومَ طلبَها، فإنْ تلفَتْ باستعمالٍ مأذونٍ فيه؛ كاللُّبسِ والرُّكوبِ المعتادِ لم يضمنْ شيئًا؛ لحصولِ التَّلفِ بسببٍ مأذونٍ فيه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الغَصْب\rالغَصْبُ في اللُّغةِ: هو أخذُ الشيءِ ظلمًا مجاهرةً، فإنْ أخذَهُ سرًّا مِن حرزٍ سُمِّيَ سرقةً، وإنْ أخذَه مكابرةً في صحراءَ سُمِّيَ محاربةً، وإنْ أخذَه استيلاءً واعتمدَ الهربَ سُمِّيَ اختلاسًا، وإنْ أخذَه مِن ما كان مُؤْتَمَنًا عليه سُمِّيَ خيانةً.\rوالغصبُ في الاصطلاحِ: هو الاستيلاءُ على حقِّ الغيرِ عُدوانًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354829,"book_id":264,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":224,"body":"وهو من كبائرِ الذنوبِ، والأصلُ في تحريمِه آياتٌ؛ منها: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].\rوأحاديثُ منها: حديثُ أبي بكرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال في خطبةِ الوداعِ بمنًى: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ غَصَبَ مَالًا لِأَحَدٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ»، مَن غصبَ مالًا لأحدٍ لزِمَه ردُّه على الفورِ لمالكِه ولو غَرِمَ على ردِّه أضعافَ قيمتِه؛ لحديثِ سمُرةَ بنِ جندبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ» (¬٢).\rوكذلك يلزمُه أرشُ نقصِه؛ سواءٌ كان النَّقصُ في العَينِ أو في الصِّفةِ، ومثالُ نقْصِ العينِ أنْ يغصِبَ -مثلًا- خُفَّيْنِ قيمتُهما عشرةُ دراهمَ، فيضيعُ أحدُهما أو يتلفُ، وصار قيمةُ الباقِي درهمين؛ فعليه قيمةُ التَّالفِ وهو خمسةٌ، وأَرْشُ النَّقصِ وهو ثلاثةٌ؛ فيلزمُه ثمانيةٌ؛ لأنَّ الأرشَ حصلَ بالتَّفريقِ الحاصلِ عندَه، وأمَّا نقصُ الصِّفةِ فمثالُه أنْ يغصِبَ -مثلًا- دابةً سمينةً فتهزِلَ عندَه؛ فإنَّه يردُّها وأَرْشَ السِّمَن، وكذلك يلزمُه أجرةُ ما غَصَبَهُ مدةَ غَصْبِهِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ تَلِفَ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٠٠٩٨)، وأبو داود (٣٥٦١)، والترمذي (١٢٦٦)، وابن ماجه (٢٤٠٠)، والحاكم (٢٣٠٢)، وصححه، وأقره الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354830,"book_id":264,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":225,"body":"مِثْلٌ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ؛ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إِلَى يَوْمِ التَّلَفِ»، إنْ كان الذي اغتصبَه له مِثْلٌ وتَلِفَ عندَه ضمِنه بمثلِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فإنْ لم يكنْ له مِثْلٌ ضمِنَه بقيمتِه أكثرَ ما كان من يومِ الغصبِ إلى يومِ التَّلفِ، فلو كان عندَ الغصبِ قيمتُه ألفٌ ونزل سعرُه بعدَ ذلك؛ وجبَ على الغاصبِ ألفٌ، ولو كان عندَ الغصبِ قيمتُه خمسُمائةٍ، وارتفعَ في يومٍ من الأيامِ إلى ألفٍ، ثُمَّ نزلَ إلى سبعِمائةٍ وجب الألفُ -أيضًا- وهكذا، والسَّببُ في وجوبِ القيمةِ بأقصَى ما بلغتْ إليه؛ لأنَّه كان غاصبًا له في وقتِ زيادةِ سعرِه فلزِمَه الضَّمانُ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الشُّفْعَة\rالشفعة في اللُّغةِ: الضَّمُّ والزِّيادةُ؛ لأنَّ الشَّفيعَ يضمُّ ما يشفعُ فيه إلى نصيبِه، فكأنَّه كان وترًا فصارَ شفعًا.\rوفي الاصطلاحِ: حقُّ تملُّكٍ قهرِيٍّ يثبتُ للشَّريكِ القديمِ على الشَّريكِ الحادثِ فيما ملِكَ بعوضٍ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِها حديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: «قضَى رسولُ اللهِ ﷺ بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢١٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354831,"book_id":264,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":226,"body":"وفي روايةٍ له أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ بِالْخُلْطَةِ دُونَ الْجِوَارِ، فِيمَا يَنْقَسِمُ دُونَ مَا لَا يَنْقَسِمُ، وَفِي كُلِّ مَا لَا يُنْقَلُ مِنَ الْأَرْضِ -كَالْعَقَارِ وَغَيْرِهِ- بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ»، الشُّفْعَةُ واجبةٌ للشَّرِيكِ بخُلطةِ الشُّيوعِ دونَ خُلطةِ الجوارِ، فلا تَثبتُ للجارِ ولو كان مُلاصقًا، وأمَّا حديثُ أبي رافعٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» (¬٢)، فالمرادُ به الشَّريكُ، للجمعِ بين هذا الحديثِ والحديثِ السَّابقِ، وهو قولُه ﷺ: «فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ»، فهذا مُفَسِّر، والسابقُ مُجْمَلٌ، والمفسَّرُ يبينُ المجمَلَ.\rفإذا قُسِّمَ وتميَّزتِ الحقوقُ ووقعتِ الحدودُ وصرفتِ الطُّرقُ؛ بأنْ تعدَّدَتْ وحصلَ لكلِّ نصيبٍ طريقٌ مخصوصٌ لم يبقَ للشُّفعةِ مجالٌ.\rوإذا كانت الشُّفعةُ تثبتُ للشَّريكِ، فإنَّها تثبتُ فيما يقبلُ القِسْمةَ، ويُجْبَرُ الشَّريكُ فيها على القِسْمةِ بشَرْطِ أنْ يُنْتَفَعَ بالمقْسُومِ على الوجهِ الذي كان ينتفعُ به قبلَ القسمةِ، ولهذا لا تثبتُ الشُّفعةُ في الشَّيءِ الذي لو قُسِّمَ بطَلَت منفعتُه المقصودةُ؛ كالحمَّامِ الصغيرِ، والرَّحَى، والبئرِ، فإنَّها لا شفعةَ فيها؛ يقولُ أميرُ المؤمنينَ عثمانُ بنُ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٦٠٨)، والرَّبْعُ: المنزلُ، والحائطُ: البستانُ.\r(¬٢) رواه البخاري (٢١٣٩)، وقولُه ﷺ: «بِسَقَبِهِ»؛ أي: ما قرُبَ من دارِه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354832,"book_id":264,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":227,"body":"عفَّانَ ﵁: «لا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ، وَلا فَحْلِ نَخْلٍ» (¬١).\rوذلك لأنَّ الشُّفْعةَ إنَّما شُرِعت لرَفْعِ ضررِ مُؤْنَةِ القِسمةِ، ومَا لا تجبُ قسمتُه ليس فيه هذا الضَّررُ، ولأنَّه لو وَجَبتِ الشُّفْعةُ فيما لا يقبلُ القِسْمةَ لتضررَ الشَّريكُ؛ فإنَّه إنْ باعَه لم يرغبِ النَّاسُ في الشراءِ؛ لخوفِهم من انتزاعه بالشفعةِ، وإنْ طلب القِسْمةَ لم تجبْ إجابتُه؛ فلا يمكنُه البيعُ ولا القسمةُ، فلا يقدرُ أنْ يتخلصَ من ضررِ شَريكِه، فلو ثبتَتْ فيه الشُّفعةُ لِرَفْعِ ضررِ الشَّريكِ الذي لم يَبعْ لزمَ إضرارُ الشَّريكِ البائعَ، والضَّررُ لا يُزَالُ بالضَّررِ.\rوقولُه: «وَفِي كُلِّ مَا لا يُنْقَلُ كَالْعَقَارِ وَغَيْرِهِ»؛ احترزَ به عن المنقولاتِ، فلا تثبتُ الشُّفعةُ في المنْقولِ؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ السَّابقِ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ؛ فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ» (¬٢).\rفتثبتُ الشُّفعةُ في كلِّ ما لا يُنقَلُ؛ كالأرضِ، والربوعِ، والبَساتينِ، وإذا ثبتتْ في الأرضِ تبِعَها الأشجارُ والأبنيةُ؛ لأنَّ الحديثَ فيه لفظُ «الرَّبعِ»، وهو يتناولُ الأبنيةَ، ولفظُ «الحائطِ»، وهو يتناولُ الأشجارَ، وكما تَتَبْعُ الأشجارُ الأرضَ؛ كذلك تَتَبْعُ الأبوابُ والرفوفُ المسمَّرةُ البِنَاءَ.\rوقولُه: «بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ»؛ أي: يأخذُ الشَّفيعُ","footnotes":"(¬١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٤٤٢٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٢٠٧١) والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١٢٠٤٧).\r(¬٢) رواه مسلم (١٦٠٨)، والرَّبْعُ: المنزلُ، والحائطُ: البستانُ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354833,"book_id":264,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":228,"body":"المبيعَ بمثلِ الثَّمَنِ الذي وقع عليه البيعُ إن كان الثَّمَنُ مثليًّا، كحَبٍّ أو نَقْدٍ، فإن كان مُتقوَّما كعبدٍ وثوبٍ أخذَه بقيمتِه يومَ البيعِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بَطَلَتْ»، طلبُ الشُّفعةِ يكونُ على الفورِ، وعلى الشَّفيعِ أنْ يبادرَ بطلبِ الشُّفعةِ إذا علِمَ بالبيعِ، والمبادرةُ في طلبِ الشُّفعةِ تكونُ على العادةِ؛ فلا يُكَلَّفُ الإسراعَ على خلافِ عادتِه بعَدْوٍ أو غيرِه، بل الضَّابطُ في ذلك أنَّ ما عُدَّ توانيًا في طلبِ الشُّفعةِ أسقَطَها، وإلَّا فلَا، فإنْ أخَّرَها مع القدرةِ عليها بطَلت، فلو كان مريدُ الشُّفعةِ مريضًا أو غائبًا عن بلدِ المشترِي أو محبوسًا أو خائفًا من عَدُوٍّ فليُوَكِّلْ إنْ قدَرَ، وإلا فليُشهِدْ على الطلبِ، فإنْ تركَ المقدورَ عليه من التوكيلِ أو الإشهادِ بطلَ حقُّه، ولو قال: «لم أعلمْ أنَّ حقَّ الشُّفعةِ على الفَورِ»، وكان ممَّن يخفَى عليه ذلك صُدِّقَ بيمينِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى شِقْصٍ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ»، إذا تزوَّجَ شخْصٌ امرأةً على شِقْصٍ، وهو النَّصيبُ في العينِ المشتركةِ من كلِّ شيءٍ، والمرادُ: قطعةٌ من أرضٍ، أو سهمٌ من عقارٍ -مثلًا- فللشفيعِ أخذُه بمهرِ المثلِ لتلك المرأةِ، ووجهُه أنَّ البُضعَ متقوَّمٌ، وقيمتُه بمهرِ المثلِ؛ لأنَّه بدلُ الشِّقصِ، فالبُضعُ هو ثمنُ الشِّقصِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ كَانَ الشُّفَعَاءُ جَمَاعَةً اسْتَحَقُّوهَا عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ»، إذا كان الشُّفعاءُ جماعةً استحقُّوا الشُّفعةَ على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354834,"book_id":264,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":229,"body":"قدرِ حِصَصِهم من الأملاكِ، فلو كان لأحدِهم نصفُ عقارٍ وللآخرِ ثلثُه وللآخرِ سدسُه فباعَ صاحبُ النِّصفِ حصَّتَه أخذَها الآخرانِ أثلاثًا؛ أي: أخذَ صاحبُ الثُّلثِ ثُلثَي المبيعِ من العقارِ، والآخرُ ثلثَه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي القِرَاض\rالقِراضُ في اللُّغةِ: مشتقٌّ من القَرضِ وهو القَطْعُ؛ لأنَّ المالكَ يقطعُ للعاملِ قطعةً من مالِه يتصرَّفُ فيها، وقطعةً من الرِّبحِ، ومنه المقراضُ -آلةٌ للقطعِ- ويُسمى -أيضا- مضاربةً؛ لاشتمالِه غالبًا على الضربِ في الأرضِ، وهو السفرُ، سُمِّيت به هذه الشركةُ؛ لأنَّ الغالبَ فيها السفرُ لجلبِ البضاعةِ وتسويقِها وجلْبِ الرِّبحِ ونحوِ ذلك، والمقارضةُ لغةُ أهلِ الحجازِ، والمضاربةُ لغةُ أهلِ العراقِ.\rوالقِراضُ في الاصطلاحِ: عقدٌ على نقْدٍ ليتصرَّفَ فيه العاملُ بالتِّجارةِ فيكونُ الرِّبحُ بينهما على حسبِ الشَّرطِ من مساواةٍ أو مفاضلةٍ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وفي القِراضِ ابتغاءُ فضلِ الله وطلبُ نماءٍ.\rومن السنَّةِ حديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354835,"book_id":264,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":230,"body":"«دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (¬١).\rوقد ضاربَ النبيُّ ﷺ لخديجةَ بأموالِها إلى الشَّامِ، وأنفذَت لخدمتِه عبدًا لها يقالُ له: ميْسرةٌ (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلِلْقِرَاضِ أَرْبَعَةُ شَرَائِطَ:\r١ - أَنْ يَكُونَ عَلَى نَاضٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ»، يُشترطُ لصحةِ عقدِ القِراضِ أن يكونَ على ناضٍّ، وهو ما ضُرِبَ من الدَّراهمِ والدَّنانِيرِ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ شرطَ المالِ أنْ يكونَ نقدًا خالصًا، ولا بدَّ أنْ يكونَ معلومًا جنسًا وقدرًا وصفةً.\r٢ - «وَأَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ فِي التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي مَا لَا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ غَالِبًا»، يشترطُ في عقدِ القِراضِ أن لا يكونَ العاملُ مُضَيَّقًا عليه، والتَّضييقُ تارةً يكونُ بمنعِ التصرُّفِ مطلقًا؛ بأنْ يقولَ: لا تشترِ شيئًا حتى تشاورَني، وكذلك لا تبِعْ إلَّا بمشورتِي؛ لأنَّ ذلك يؤدِي إلى فواتِ مقصودِ العقدِ، فقد يجدُ شيئًا يربَحُ فيه، ولو راجعَه لفاتَ، وكذا البيعُ، فيؤدِّي إلى فواتِ مقصودِ القِراضِ، وهو الرِّبحُ، وتارةً يكونُ التَّضييقُ بأنْ يَشْتَرِطَ عليه شراءَ متاعٍ مُعَيَّنٍ، كهذه الحنطةِ، أو هذه الثيابِ، أو يَشْتَرِطَ عليه شراءَ نوعٍ يَنْدُرُ وجودُه؛ كالخيلِ البُلْقِ (¬٣) ونحوِ ذلكَ، أو يشترطَ عليه معاملةُ شخصٍ معيَّنٍ، فيقولَ: لا تشترِ إلَّا من فلانٍ،","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٥٢٢).\r(¬٢) «السيرة النبوية» لابن هشام (٢/ ٦).\r(¬٣) البُلْقُ: جمعُ أبلقَ، وهو الذي أخذَ فيه البياضُ مع لونٍ غيرِه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354836,"book_id":264,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":231,"body":"أو لا تَبِعْ إلا له، فهذه الشروطُ كلُّها مفسدةٌ لعقدِ القراضِ؛ لأنَّ المتاعَ المعيَّنَ قد لا يبيعُه مالكُه، وعلى تقديرِ بيعِه قد لا يربحُ، وأمَّا الشخصُ المعيَّنُ فقد لا يعاملُه، وقد لا يجدُ عندَه ما يظنُّ فيه ربحًا، وقد لا يبيعُه إلا بثمنٍ غالٍ، وكلُّ هذه الأمورِ تُفَوِّتُ مقصودَ عقدِ القراضِ، فلا بدَّ من عدمِ اشتراطِها، حتَّى لو شرَطَ ربُّ المالِ أنْ يكونَ رأسُ المالِ معه ويُوفِّيَ الثَّمَنَ إذا اشترَى العاملُ فسدَ عقدُ القِراض؛ لوجودِ التَّضييقِ المُنَافِي له، وكذلك لا يَصحُّ عقدُ القِراضِ على شِراءِ بُرٍّ يطحنُه ويخبزُه، أو غزلٍ ينسِجُه ويبيعُه؛ لأنَّ الطَّحْنَ وما معه من أعمالٍ لا تُسمَّى تجارةً، بل أعمالًا مضبوطةً يُسْتَأْجَرُ عليها.\r٣ - «وَأَنْ يَشْتَرِطَ لَهُ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنَ الرِّبْحِ»، يُشترطُ في عقدِ القِراضِ اشتراكُ ربِّ المالِ والعاملِ في الرِّبحِ؛ ليأخذَ هذا بمالِه وذاك بعملِه، كما يُشترطُ أنْ يكونَ الرِّبحُ بينهما معلومًا بالجزئيَّةِ، ككونِ الرِّبحِ بيننا نصفينِ أو أثلاثًا ونحوِ ذلك، فلو قال: على أنَّ لك نصيبًا أو جزءًا فهو فاسدٌ؛ للجهلِ بالعِوضِ، ولو اشترطَ للعاملِ قدرًا معلومًا كمائةٍ -مثلًا- أو ربحِ نوعٍ، كربحِ هذه البضاعةِ فسدَ؛ لأنَّ الربحَ قد ينحصرُ في المائةِ، أو في ذلك النَّوعِ؛ فيؤدِّي إلى اختصاصِ العاملِ بالرِّبحِ، وقد لا يربحُ ذلك النَّوعُ ويربحُ غيرُه، فيؤدِّي إلى أنَّ عملَه يضيعُ، وهو خلافُ مقصودِ العَقدِ.\r٤ - «وَأَنْ لَا يُقَدَّرَ بِمُدَّةٍ»، يُشتَرطُ في عقدِ القِراضِ أنْ لا يُقدَّرَ بمدَّةٍ؛ لاحتمالِ عدمِ حصولِ الرِّبحِ في هذه المدَّةِ، فإنْ قدَّرَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354837,"book_id":264,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":232,"body":"مدةً فسدَ العقدُ، كما أنَّه لا يصحُّ قسْمِ الربحِ إلا بعدَ بيعِ جميعِ السلعِ، ورجوعِها مالًا، وإذا استردَّ المالكُ شيئًا من مالِه قبلَ ظهورِ الربحِ والخَسارةِ، رجع رأسُ المالِ إلى الباقي؛ لأنَّه لم يَتركْ في يدِه غيرَه، فصار كما لو اقتصرَ في الابتداءِ على إعطائِه له.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ إِلَّا بِعُدْوَانٍ»؛ أي: لا ضمانَ على العاملِ بتلفِ المالِ أو بعضِه؛ لأنَّه أمينٌ، فلا يضمنُ إلا بعدوانٍ منه؛ كتفريطٍ، أو سفرٍ في برٍّ أو بحرٍ بغيرِ إذنِ المالكِ، ويُقبلُ قولُه في التَّلفِ إذا أطلقَ ولم يذكرْ سببًا، أو ذكرَ سببًا خفيًّا؛ كسرقةٍ ونحوِها، ويُصَدَّقُ بيمينِه، فإذا ذكرَ سببًا ظاهرًا فلا يُقبلُ إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّ إقامةَ البَيِّنَةِ على السَّببِ الظَّاهرِ غيرُ متعذِّرةٍ، ولو ادَّعى ردَّ رأسِ المالِ قُبِلَ منه؛ لأنَّه مؤتمنٌ، وكذلك لو اختلفَا في جنسِ رأسِ المالِ صُدِّقَ العاملُ، فإذا اختلفَا في القدرِ المشروطِ تحالفَا، وبمجردِ التَّحالفِ ينفسخُ العقدُ، ويأخذُ المالكُ الرِّبحَ كلَّه، وللعاملِ أجرةُ المثلِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا حَصَلَ رِبْحٌ وَخُسْرَانٌ جُبِرَ الْخُسْرَانُ بِالرِّبْحِ»، إذا حصلَ ربحٌ وخسرانٌ؛ كأنْ ربِحَ ثمَّ خسِر، أُخِذت الخَسارةُ من الرِّبحِ ما دامتِ المضَاربةُ مستمرَّةً، فإذا حصل خسرانٌ فقط فعلى صاحبِ المالِ، ولا شيءَ على العاملِ، وذلك لكي لا يخسرَ العاملُ مرتينِ: الأولى بضياعِ جهدِه وعملِه وفواتِ الرِّبحِ الذي كان يسعَى لتحقيقِه, والثَّانيةُ بتحمُّلِ خَسارةِ رأسِ المالِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354838,"book_id":264,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":233,"body":"«فَصْلٌ»\rفي المُسَاقَاة\rالمساقاةُ في اللغةِ: مأخوذةٌ من السَّقْيِ، وهو الرَّيُّ.\rوفي الاصطلاحِ: دفعُ شجرِ النَّخِيلِ والعنبِ إلى مَن يعملُ فيه بجزءٍ مِن ثمرِه.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِها حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ: «دَفَعَ إِلَى يَهُودَ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا, عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَطْرُ ثمرِهَا» (¬١).\rقال الشَّافعيُّ ﵀: «والمساقاةُ جائزةٌ في النَّخلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أخذَ فيهما بالخَرْصِ، وساقَى على النَّخلِ، وثمرُها مجتمِعٌ لا حائلَ دونَه، وليس هكذا شيءٌ من الثَّمرِ كلِّه دونَه حائلٌ، وهو متفرِّقٌ غيرُ مجتمعٍ، ولا تجوزُ المساقاةُ في شيءٍ غيرِ النَّخلِ والكَرْمِ (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ عَلَى النَّخْلِ وَالْكَرْمِ، وَلَهَا شَرْطَانِ:\rأَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدِّرَهَا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ»، الشَّرطُ الأولُ من شروطِ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٥٥١).\r(¬٢) «الأم» (٤/ ١١)، وقوله: «لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أخذ فيهما بالخَرْصِ، وساقَى على النَّخلِ»؛ أراد حديثَ عَتَّابِ بنِ أَسِيدٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال في زكاةِ الكَرْمِ: «تُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا»، والحديثُ رواه الشافعيُّ في «مسنده» (٦٦١)، وابنُ خزيمةَ في «صحيحه» (٢٣١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354839,"book_id":264,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":234,"body":"المساقاةِ التَّوقيتُ؛ لأنَّها عقدٌ لازمٌ فأشبَهَ الإجارةَ ونحوَها؛ بخلافِ القِراضِ، والفرقُ أنَّ لخروجِ الثِّمارِ غايةً معلومةً يسهُلُ ضبطُها، بخلافِ القراضِ، فإنَّ الربحَ ليس له وقتٌ مضبوطٌ، فقد لا يحصلُ الرِّبحُ في المدَّةِ المقدَّرةِ.\r«وَالثَّاني: أَنْ يُعَيِّنَ لِلْعَامِلِ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنَ الثَّمَرَةِ»، الشَّرطُ الثَّاني من شروطِ المساقاةِ أنْ يكونَ للعاملِ جزءٌ معلومٌ مِن الثمرةِ، ويكونَ الجزءُ معلومًا بالجزئيَّةِ، كالنِّصفِ والثُّلثِ والرُّبعِ فلو شرَطَ له ثمرَ نخلاتٍ معينةٍ لم تصحَّ؛ لمخالفةِ النَّصِّ، ولأنَّه قد لا تثمرُ هذه النَّخلاتُ فيضيعَ عملُه، أو لا يثمرُ غيرُها فيضيعُ حقُّ المالكِ، ولأنَّه -أيضًا- غررٌ، وعقدُ المساقاةِ غررٌ؛ لأنَّه عقدٌ على معدومٍ جُوِّزَ للحاجةِ، وغررانِ على شيءٍ يمنعانِ صحَّتَه.\rقال أبو شجاع ﵀: «ثمَّ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:\r١ - عَمَلٌ يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الثَّمَرَةِ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ»، كلُّ عمَلٍ يعودُ نفعُه إلى الثَّمرةِ، من حرثٍ، وسقْيٍ، وتلقيحٍ، وإصلاحِ طرقِ الماءِ، وحصادٍ، ونحوِه يكونُ على العاملِ.\r٢ - «وَعَمَلٌ يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ»، كلُّ عملٍ يعودُ نفعُه إلى الأرضِ، كنصبِ الدولابِ، وحفرِ الأنهارِ، وبناءِ حيطانِ البستانِ، فهذا مختصٌّ بالمالكِ.\rوإذا اختلف العاملُ وصاحبُ الشَّجرِ في العِوَضِ المشْروطِ، فقال المالكُ: شرطتُ لك ثُلُثَ الثمرةِ، وقال العاملُ: نصفَها، يحلفُ كلٌّ منهما، فإذا تحالفَا انفسخَ عقدُ المساقاةِ، وكان الثَّمَرُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354840,"book_id":264,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":235,"body":"كلُّه للمالكِ، وللعاملِ أجرةُ مثلِه؛ لأنَّ كلًّا منهما مُنْكِرٌ لدعوَى الآخرِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الإجَارَة\rالإجارةُ في اللُّغةِ: مشتقةٌ من الأجرِ، وهو العِوَضُ، ومنه سمِّي الثوابُ أجرًا.\rوفي الاصطلاح: عقدٌ على منفعةٍ مقصودةٍ معلومةٍ، قابلةٍ للبذلِ والإباحةِ بعوضٍ معلومٍ.\rوالأصلُ في مشروعيتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\rومن السنُّةِ حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «قَالَ اللهُ تعالى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ الانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ صَحَّتْ إِجَارَتُهُ إِذَا قُدِّرَتْ مَنْفَتَعُهُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: بِمُدَّةٍ أَوْ عَمَلٍ»، كلُّ ما أمكنَ الانتفاعُ به مع بقاءِ عينِه مدةَ الإجارةِ صحَّتْ إجارتُه بصيغة؛ كآجرتُك هذا الثُّوبَ -مثلًا- فيقولُ المستأجرُ: قبلتُ،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢١١٤)، وقوله: «أَعْطَى بِي»؛ أي: عاهَد باللهِ تعالى، وقوله: «فَاسْتَوْفَى مِنْهُ»؛ أي: العملَ الذي استأجرَه عليه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354841,"book_id":264,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":236,"body":"وتنعقدُ -أيضًا- بقولِ المؤَجِّرِ لدارٍ -مثلًا- أجَّرْتُك مَنْفَعَتَها سنةً -مثلًا-، فيقولُ المستأجرُ: قبِلْتُ، وإنَّما تصحُّ إجارةُ ما أمكنَ الانتفاعُ به إذا قُدِّرَتْ منفعتُه في العقدِ بأحدِ أمرينِ:\rالأولُ: أنْ يكونَ بتعيينِ مدَّةٍ في المنفعةِ المجهولةِ القدرِ؛ كالسُّكنَى، والرَّضَاع، وسقْيِ الأرضِ، ونحوِ ذلك؛ إذ السُّكنَى، وما يُشْبِعُ الصَّبِيَّ من اللبن، وما تُرْوَى به الأرضُ من السَّقْيِ يختلفُ ولا ينضبطُ، فاحْتِيجَ في منفعتِهِ إلى تقديرِهِ بمدَّةٍ.\rوالثَّاني: بتعيينِ محلِ عملٍ في المنفعةِ المعلومةِ القدرِ في نفسِها؛ كخياطةِ الثَّوبِ، والرُّكوبِ من مكانٍ إلى مكانٍ، فتعيينُ العملِ فيها طريقُ إلى معرفتِها، فلو قال: لتخِطْ لي ثوبًا لم يصحَّ، بل يُشْتَرَطُ أن يُبَيِّنَ ما يريدُ مِنَ الثَّوبِ؛ من قميصٍ أو غيرِه، وأن يُبَيِّنَ نوعَ الخياطةِ: أهي روميَّةٌ، أو فارسيَّةٌ؛ إلَّا أنْ تَطَّرِدَ عادةً بنوعٍ فيُحْمَلُ المطلقُ عليه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِطْلَاقُهَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ التَّأْجِيلُ»، تجبُ الأجرةُ في الإجارةِ بنفسِ العقدِ، كما يملكُ المستأجرُ بالعقدِ المنفعةَ، ولأنَّ الإجارةَ عقدٌ لو شُرِطَ في عوضِه التَّعجيلُ أو التأجيلُ اتُّبع، فكان مُطلَقُه حالًّا؛ كالثَّمَنِ في البيعِ، فإذا شرَطَ فيه التأجيلَ اتُّبِع؛ لأنَّ المؤمنين عندَ شروطِهم.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ»، إذا مات أحدُ المستأجرينَ والعينُ المستأجرةُ باقيةٌ لم يبطلِ العقدُ؛ لأنَّ الإجارةَ عقدُ معاوضةٍ على شيءٍ يقبلُ النَّقلَ،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354842,"book_id":264,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":237,"body":"وليس لأحدِ المتعاقدينَ فسخُه بلا عذرٍ، فلا تبطلُ بموتِ أحدِ المتعاقدينَ كالبيعِ، فإذا مات المستأجرُ قام وارثُه مقامَه في استيفاءِ المعقودِ عليه، وإنْ ماتَ المؤجِّرُ تُرِكَ المأجورُ في يدِ المستأجرِ إلى انقضاءِ المدَّةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَبْطُلُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ»، تنقسمُ الإجارةُ من حيثُ تعيينُ المحلِّ وعدمُ تعيينِه إلى قسمينِ:\rالأول: إجارةُ العينِ، وتكونُ المنفعةُ المعقودُ عليها متعلِّقةً بنفسِ العينِ المستأجرةِ لا بغيرِها، كما إذا استأجرَ شخصٌ دارًا بعينِها ليسكنَها، أو دابةً بعينِها ليركبَها، وكذلك لو استأجرَ شخصًا معيَّنًا لبناءِ بيتٍ، أو لخياطةِ ثوبٍ، أو حَمْلِ متاعٍ أو نحوِ ذلك.\rالثَّاني: إجارةُ الذِّمةِ، وتكونُ المنفعةُ المعقودُ عليها موصوفةً بصفاتٍ محدَّدةٍ يتمُّ الاتفاقُ عليها مع التزامِها في الذمَّةِ، كما إذا استأجرَ دابةً ذاتَ أوصافٍ محددةٍ للرُّكوبِ أو الحملِ إلى مكانٍ ما، أو استأجرَ شخصًا بصفاتٍ محددةٍ على عملٍ معلومٍ في الذِّمةِ مضبوطٍ بصفاتٍ، كبناءِ بيتٍ أو خياطةٍ ثوبٍ أو حملِ متاعٍ أو نحوِ ذلك.\rفإذا تلفتِ العينُ المستأجرةُ بأنْ كانت دابَّة فماتت، أو أرضًا فغرِقت، أو ثوبًا فاحتَرقَ؛ نُظِرَ: هل كان التَّلفُ قبلَ القبضِ أو بعدَه؟ وهل مضتْ عليها مدَّةٌ يكونُ لمثلِها أجرةٌ؛ أم لم تمضِ عليها مدَّةٌ يكونُ لمثلِها أجرةٌ؟ فإن كان قبلَ القبضِ، أو لم تمضِ عليها مدَّةٌ يكونُ لمثلِها أجرةٌ انفسختِ الإجارةُ، وإن تلفتْ بعدَ القبضِ،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354843,"book_id":264,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":238,"body":"وقد مضَى عليها مدَّةٌ يكونُ لمثلِها أجرةٌ انفسختِ الإجارةُ في المستقبلِ لفواتِ الْمَعْقُودِ عليه، ولا تنفسخُ في الماضي؛ لاستقرارِه بالقبضِ، وهذا كلُّه في إجارةِ العينِ، كقولِه: استأجرتُ منك هذه الدَّابةَ.\rأمَّا إذا وقعت الإجارةُ على الذمةِ؛ كما لو قال: ألزمتُك حملَ متاعِ كذا إلى موضعِ كذا، فسلَّمه المؤجِّرُ دابةً ليستوفيَ منها فهلكت؛ لم تنفسخ الإجارةُ، بل يُطالبُ المؤجِّرُ بإبدالِها؛ لأنَّ المعقودَ عليه وهو نقلُ المتاعِ باقٍ في الذِّمَّةِ، بخلافِ إجارةِ العينِ؛ فإنَّ المعقودَ عليه نفسَه فاتَ بفواتِ العينِ المستوفَى منها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ إِلَّا بِعُدْوَانٍ»، الأجيرُ أمينٌ على ما في يدِه؛ لأنَّه يعملُ فيه، فإذا استأجرَ شخصٌ أجيرًا لغسلِ ثوبٍ ونحوِه فتلِف في يدِه؛ فإنَّه لا يضمنُه؛ لأنَّه أمينٌ ولم يتعدَّ، فإن تعدَّى لزِمه الضمانُ، كما لو استأجرَ شخصٌ أجيرًا لِلْخَبْزِ فأسرفَ في إيقادِ النارِ، أو ترك المخبوزَ حتى احترقَ، فإنه يلزمُه الضمانُ لتعدِّيه، وكذلك لا يضمنُ المستأجرُ العينَ المستأجرةَ إذا تلِفت في يدِه من غيرِ فعلِه، لأنَّها عينٌ قبضَها ليستوفيَ منها ما ملكَه فلم يضمنْها بمجردِ القبضِ، فإن تلِفت بفعلِه يُنظرْ: إن كان بغيرِ عدوانٍ؛ كضربِ الدابةِ، وكبحِها باللِّجامِ للاستصلاحِ وبما جرت به العادةُ، لم يضمنْ؛ لأنَّها هلكت من فعلٍ مُستَحقٍّ، وكذلك لو هلكت تحتَ الحملِ المعتادِ، فإن تلِفت بعدوانٍ، كالضربِ من غيرِ حاجةٍ، أو حمَّلَها فوق المعتادِ،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354844,"book_id":264,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":239,"body":"لزِمه الضمانُ؛ لأنَّه جنايةٌ على مالِ الغيرِ؛ فلزِمه ضمانُه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الجعَالَة\rالجَعالةُ في اللُّغةِ: بفتحِ الجيمِ وكسرِها وضمِّها، وهي اسمٌ لما يجعلُه الإنسانُ لغيرِه على شيءٍ يفعلُه، ويُقالُ لها: جُعْلٌ وجَعِيلة.\rوفي الاصطلاحِ: هي التزامُ عوضٍ معلومٍ على عملٍ معينٍ معلومٍ أو مجهولٍ، بمعينٍ أو مجهولٍ.\rأي: يحصلُ هذا العملُ من عاملٍ معينٍ أو مجهولٍ، كأنْ يقولَ شخصٌ: مَن ردَّ علي دابتِي فله كذا، ولا يعرفُ مَن يقومُ بردِّها.\rفلا يشترطُ في العملِ لاستحقاقِ الجُعلِ أنْ يكونَ العملُ معلومًا كما في الإجارةِ، التي لا بدَّ من أنْ تحدَّدَ بزمنٍ أو عملٍ، فتصحُّ الجعالةُ ولو كان العملُ مجهولًا؛ أي: غيرَ محدَّدٍ بفعلٍ أو زمنٍ، نحوُ: ردِّ ضالةٍ، أو تعليمِ صبيٍّ، أو معالجةِ مريضٍ، ونحوِ ذلك، فقد يستغرقُ ردُّ الضالَّةِ أو تعليمُ الصبيِّ أو معالجةُ المريضِ زمنًا طويلًا، وقد يستغرقُ وقتًا قصيرًا، وقد يكلِّفُه الكثيرَ من الجهدِ وقد لا يكلِّفُه، فكلُّ ذلك جهالةٌ في العملِ، وهي مغتفرةٌ للحاجةِ إلى ذلك.\rوالأصلُ في مشروعيتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354845,"book_id":264,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":240,"body":"صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، فجعل لمن يأتيه بـ «صواع الملك»، «حمل بعير»؛ جائزةً له، وكان حملُ البعيرِ معلومًا عندهم كالْوَسْقِ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا؛ ما لم يَرِدْ في شَرْعِنا ما يُخالِفُه.\rومن السنة حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ فِيكُمْ دَوَاءٌ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءٍ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بأُمِّ الْقُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْهُمْ بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبيَّ ﷺ، فَسَأَلُوه فَضَحِكَ ﷺ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْجَعَالَةُ جَائِزَةٌ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي رَدِّهِ ضَالَّتَهُ عِوَضًا مَعْلُومًا، فَإِذَا رَدَّهَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْعِوَضَ الْمَشْرُوطَ»، الجعالةُ عقدٌ جائزٌ، غيرُ لازمٍ، بل هو قابلٌ للفسخِ من صاحبِ العملِ متى شاءَ، كما أنَّ للعاملِ أنْ يرجعَ عن عملِه متى شاء، رضِي الطَّرفُ الآخرُ أو لم يرضَ، وذلك لأنَّها عقدٌ على عملٍ مجهولٍ بعوضٍ، فجاز لكلِّ واحدٍ من المتعاقدَين فسخُه، فإن فسخَه العاملُ لم يستحقَّ شيئًا، ولو قام بشيءٍ من العملِ؛ لأنَّه لا","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥٤٠٤)، ومسلم (٢٢٠١)، وقوله ﷺ: «اضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ»؛ أي: اجعلوا لي نصيبًا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354846,"book_id":264,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":241,"body":"يستحقُّ الجُعْلَ إلَّا بالفراغِ من العملِ، وقد ترَكه، فسقطَ حقُّه، وإنْ فسخَه صاحبُ العملِ فله حالانِ:\rالأول: أنْ يكونَ قبلَ الشُّروعِ في العملِ فلا يلزمُه شيءٌ؛ لأنَّه فسخَه قبلَ أنْ يستهلكَ شيئًا من منفعةِ العاملِ، فلا يلزمُه شيءٌ.\rالثَّاني: أنْ يكونَ بعدَ الشُّروعِ في العملِ فلزِمَه أجرةُ المثْلِ لما عمِلَ؛ لأنَّه استهلك شيئًا من منفعتِه بشرطِ العوضِ، فلزمتْه أُجرتُه.\rولا يستحقُّ العاملُ الجُعْلَ إلا بإذنِ صاحبِ العملِ، كأنْ يقولَ صاحبُ العملِ: مَن وَجَدَ لي ضالَّتي الفلانيَّةَ فله كذا، فإذا عمِلَ العاملُ بدونِ إذنٍ لم يستحقَّ شيئًا، كما إذا وجدَ إنسانٌ ضالةً لآخرَ فردَّها عليه، أو علَّم وَلَدَهُ دونَ إذنٍ منه؛ لأنَّه بذلَ منفعتَه من غيرِ عوضٍ، فلم يستحقَّه، فإنْ أَذِن له بالعملِ ولم يَشْرِطْ له جُعلًا، فلا يستحقُّ شيئًا -أيضًا-.\rوإنْ أَذِن لشخصٍ بالعملِ، فعمِلَ غيرُه فلا شيءَ له، وإنْ كان معروفًا بالقيامِ بهذا العملِ بعوضٍ؛ لأنَّه لم يلتزمْ له بعوضٍ، فوقعَ عملُه تبرُّعًا.\rولا يستحقُّ العاملُ الجُعْلَ إلَّا بالفراغِ من العملِ، كالبُرءِ من المرض إن كان الجُعلُ على الشفاءِ، أو الحِذْقِ بالقراءةِ والكتابةِ إن كان على التعليمِ، أو تسليمِ الضالةِ إن كان على ردِّها، وهكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354847,"book_id":264,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":242,"body":"وإذا اختلف العاملُ وصاحبُ المالِ في شرطِ الجُعلِ، فقال العاملُ: شرطتَ جعلًا على هذا العملِ، وقال صاحبُ المالِ: لم أشرِطْ، فيُقبلُ قولُ صاحبِ المالِ بيمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الشَّرطِ، ولأنَّ العاملَ يَدَّعى عليه الضمانَ والالتزام، والأصلُ عدمُه، وكذلك لو اختلفَا في العملِ الذي شُرِط له الجُعلُ: كأنْ يقولَ صاحبُ المالِ: شرطْتُ الجعلَ لردِّ دابتي الضالةِ، ويقولَ العاملُ: بل شرطتَه لردِّ متاعِك الفلانيِّ، أو اختلفَا فيمن قام بالعملِ: فقال شخصٌ: أنا الذي قمتُ بهذا، وقال صاحبُ العملِ: بل قام به شخصٌ آخرُ، ففي الصورتينِ يُصدِّق صاحبُ العملِ بيمينِه؛ لأنَّ العاملَ يَدَّعى عليه شرطَ الجُعلِ في عقدٍ الأصلُ عدمُه، كما أنَّه يَدَّعي عليه شغلَ ذمَّتِه، والأصلُ براءةُ ذِمَّتِه.\rوإن اختلفَا في قدْرِ الجُعلِ أو صفتِه أو جنسِه، كأنْ قال العاملُ: شرطتَ لي ألفَ درهمٍ، فقال صاحبُ المالِ: بل شرطتُ خمسَمائةٍ، أو قال: العاملُ شرطتَ عشَرةَ دنانيرَ، فقال صاحبُ المالِ: بل عشَرةَ دراهمَ، ونحوُ ذلك، تحالفَا؛ أي: حلَف كل منهما على إثباتِ قولِه ونفيِ قولِ الآخرِ، فإذا حلفَا تساقطَت أقوالُهما، واستحقَّ العاملُ أجرةَ المثلِ.\rوكذلك لو اختلفَا في العملِ، فقال العاملُ: شرطتَ لي كذَا على هذا العملِ وحدَه، وقال صاحبُ العملِ: بل شرطتُه على هذا العملِ وذاك، تحالفَا، فإذا حلفَا تساقطَت أقوالُهما، واستحقَّ العاملُ أجرةَ المثلِ -أيضًا-.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354848,"book_id":264,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":243,"body":"«فَصْلٌ»\rفي المُزَارَعَة\rالمزارعةُ في اللُّغةِ: مِن زَرَعَ الحبَّ زَرْعًا وزراعةً: بذَرَه، وزرعَ اللهُ الحرثَ أنبتَه وأنماه، وزَارَعَهُ مُزَارَعةً عاملَه بالمزارعةِ، والمزارعةُ: المعاملةُ على الأرضِ ببعضِ ما يخرجُ منها.\rوفي الاصطلاحِ: تسليمُ الأرضِ لرجلٍ ليزرعَها ببعضِ ما يخرجُ منها، والبذرُ من المالكِ، والمخابرةُ كالمزارعةِ لكنَّ البذرَ من العاملِ.\rوالمزارعةُ غيرُ جائزةٍ، والأصلُ في عدمِ مشروعيَّتِها حديثُ رافعِ بنِ خَديجٍ ﵁ قال: كنَّا نُحَاقِلُ الأرضَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فَنُكْرِيهَا بالثلُثِ والرُّبعِ والطعامِ المسمَّى، فجاءنا ذاتَ يومٍ رجلٌ من عُمومتي، فقال: نهانا رسولُ اللهِ ﷺ عن أمرٍ كانَ لنا نافعًا، وطَواعِيَةُ اللهِ ورسولِه أنفعُ لنا: نهانَا أنْ نُحَاقِلَ بالأرضِ فنكريَها على الثلثِ والربعِ والطعامِ المسمَّى، وأمرَ ربَّ الأرضِ أن يَزْرَعَهَا أو يُزْرِعَها، وكرِه كِراءَها وما سوِى ذلك» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «إِذَا دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا وَشَرَطَ لَهُ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ رِيعِهَا لَمْ يَجُزْ»، إذا أُفرِدت المزارعةُ أو المخابرةُ بأن دفعَ شخصٌ إلى رجلٍ أرضًا ليزرعَها، وكان البذرُ من","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٥٤٨)، والمرادُ بـ «الطعامِ المسمَّى»؛ الجزءُ المعينُ مما يخرجُ من الأرضِ، وقولُه: «وكره كراءَها»؛ أي: بجزءٍ مما يخرجُ منها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354849,"book_id":264,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":244,"body":"المالكِ، وشَرَطَ له جزءًا معلومًا؛ كالثُّلثِ أو الرُّبعِ من زرعِها، وهو المسمَّى بالمزارعَةِ، أو كان البذرُ مِن العاملِ وشَرَطَ للمالكِ جزءًا معلومًا؛ كالثُّلثِ أو الرُّبعِ، وهو المسمَّى بالمخابرَةِ لم يجزْ في الصورتينِ؛ للنَّهيِ عن الأولى؛ كما في حديثِ رافعِ بنِ خَديجٍ ﵁ السَّابقِ، وعن الثَّانيةِ في حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ: «نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا الْعَرَايَا» (¬١).\rولأنَّ تحصيلَ منفعةِ الأرضِ ممكنةٌ بالإجارةِ، فلم يجزِ العملُ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٢٥٢)، ومسلم (١٥٤٨)، و «المحاقلة»: مأخوذةٌ من الحقلِ، وهو الزرعُ إذا تشعَّبَ قبلَ أن يغلظَ سوقُه، والمرادُ بها: بيعُ الزرعِ القائمِ بالحبِّ كيلًا، و «المزابنةُ»: مأخوذةٌ من الزَّبنِ، وهو الدَّفعُ، ولذلك يقال لبعضِ ملائكةِ العذابِ: زبانيةٌ؛ لأنَّهم يدفعونَ أهلَ النَّارِ إلى النَّارِ، والمرادُ بها: بيعُ الرُّطبِ على نخلِه بتمرٍ في الأرضِ، وسُمِّي بيعُ الرطبِ بالتمرِ مزابنةً؛ لأنَّه دفعُ التمرِ بالرطبِ، وهو لا يجوزُ؛ لعلةِ الرِّبَا بعدمِ تماثلِه، و «العرايا»: جمع عريَّة، وهي في اللغةِ ما انفردَ بذاتِه وتميَّزَ عن غيرِه، يُقالُ: عرِي الرجلُ إذا تجرَّد عن ثيابِه، والمرادُ بها: بيعُ الرطبِ على النخلِ بتمرٍ في الأرضِ، أو عنبٍ في الشجرِ بزبيبٍ، خرصًا -أي: تقديرًا- فيما دون خمسةِ أوسقٍ .. وجاء في حديثِ سهلِ بنِ أبي حثمةَ ﵁ -كما في البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١٥٤٠) -: «نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ الثمرِ بالتمرِ، وقال: «ذَلِكَ الرِّبَا، تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ»، إلا أنه رخَّص في بيعِ العرِيَّةِ، النخلةِ والنخلتينِ، يأخذُها أهلُ البيتِ بخرصِها تمرًا يأكلونَها رُطَبًا»، فهذا النوعُ مستثنى من بيعِ المزابنةِ المنهيِّ عنه، فمن أدرك الرطبَ ولا نقدَ بيدِه ليشتريَ لعيالِه، ولا نخلَ له يطعمُهم منه، ويكونُ قد فضَلَ له من قوتِه تمرٌ، فيجيءُ إلى صاحبِ النخلِ فيقولُ له: بعني ثمرَ نخلةٍ أو نخلتين بخرصها من التمرِ، فيعطيه ذلك الفاضلَ من التمرِ بثمرِ تلك النخلاتِ؛ ليصيبَ من رطبِها مع الناسِ، ولما كانت العريَّةُ مستثناةً من بيع المزابنةِ فتقتصرُ الإباحةُ على ما وردَ به الشرعُ، وهو ما دُونَ خمسةِ أوْسُقٍ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354850,"book_id":264,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":245,"body":"فيها ببعضِ ما يخرجُ منها، بخلافِ الشجرِ؛ فإنه لا يمكنُ عقدُ الإجارةِ عليه، فجُوِّزت المساقاةُ للحاجةِ.\rتنبيه: لو دفَع لشخصٍ أرضًا فيها نخلٌ كثيرٌ أو قليلٌ، فساقَاه عليه، وزارعَه على الأرض، فتجوزُ هذه المزارعةُ تبعًا للمساقاةِ، وتكونُ غلَّتُها في المزارعةِ للمالكِ؛ لأنَّه نماءُ ملكِه، وعليه للعاملِ أجرةُ مثلِ عملِه، وفي المخابرةِ للعاملِ؛ لأنَّ الزرعَ يتبعُ البذرَ، وعليه للمالكِ مثلُ أجرةِ الأرضِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ أَكْرَاهُ إِيَّاهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ شَرَطَ لَهُ طَعَامًا مَعْلُومًا فِي ذِمَّتِهِ جَازَ»؛ أي: إنْ أَكْرَاهُ الأرضَ للمزارعةِ بذهبٍ أو فضةٍ، أو شرَطَ له طعامًا معلومًا في ذِمَّتِه جاز؛ لحديثِ ثابتِ بنِ الضحاكِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن المزارعةِ وأمرَ بالمؤاجرةِ، وقال: «لَا بَأْسَ بِهَا» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي إحياءِ المَوَات\rالإحياءُ في اللُّغةِ: جعْلُ الشَّيءِ حيًّا، والمَواتُ: ما لا رُوحَ فيه؛ والمرادُ به: الأرضُ التي لم تُعمَّرْ، ولا مالكَ لها.\rوفي الاصطلاح: عمارةُ الأرضِ الخَرِبَةِ التي لا مالكَ لها، ولا ينتفعُ بها أحدٌ.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٥٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354851,"book_id":264,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":246,"body":"الأصلُ في مشروعيَّتِه حديثُ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» (¬١).\rوحديثُ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ جَائِزٌ بِشَرْطَيْنِ:\r١ - أَنْ يَكُونَ الْمُحْيِي مُسْلِمًا»، كلُّ مَن جاز له أن يتملَّكَ الأموالَ جاز له الإحياءُ، ويملِكُ به المُحيَا؛ لأنَّه ملكَ بفعلٍ، فأشبهَ الاصطيادَ والاحتطابَ، ولا فرقَ في حصولِ المِلكِ له بين أن يأذنَ الإمامُ أم لا؛ اكتفاءً بإذنِ سيدِ الأولينِ والآخرينِ محمدٍ ﷺ، ويُشترطُ أن يكونَ المُحيِي مسلمًا، فلا يجوزُ الإحياءُ للكافرِ الذِّميِّ الذي يُقيمُ في دارِ الإسلامِ؛ لأنَّه نوعُ تمليكٍ ينافيه الكفرُ، كالإرثِ من المسلمِ.\r٢ - «وَأَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ حُرَّةً لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكٌ لِمُسْلِمٍ»،","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وقد رواه بعضُهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا»، وروى البخاري في «صحيحه» (٢/ ٨٢٢)؛ معلقًا بصيغةِ الجزمِ عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ قال: «مَن أحيَا أرضًا ميتةً فهي له»، قال البخاري ﵀: «ويُروَى عن عمرَ وابنِ عوفٍ عن النبيِّ ﷺ قال: (فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ)، ويُروَى فيه عن جابرٍ عن النبيِّ ﷺ»، والمرادُ بـ «ابنِ عوفٍ»؛ عمرُو بنُ عوفٍ المزنيُّ ﵁، وقولُه ﷺ: «وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ»؛ «العرقُ» أربعةٌ: الغراسُ والبناءُ والنَّهرُ والبئرُ، والمرادُ أنه ليس لمن غرسَ أو بنَى أو شقَّ نهرًا أو حفر بئرًا في أرض غيره بدون إذنِه حقٌّ في إبقاءِ ما فعلَه لأنَّه ظالمٌ ومتعدٍّ على حقِّ غيرِه.\r(¬٢) رواه البخاري (٢٢١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354852,"book_id":264,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":247,"body":"يُشترطُ في الأرضِ التي يرادُ تملُّكُها بالإحياءِ أن تكونَ حرَّةً؛ أي: لم يَجرِ عليها ملكٌ لمسلمٍ، فإن جرى ذلك حرُم التعرُّضُ لها بالإحياءِ وغيرِه؛ إلا بإذنٍ شرعيٍّ، ففي حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (¬١).\rولا يجوزُ إحياءٌ في عرفةَ ولا المزدلفةِ ومنًى؛ لتعلُّقِ حقِّ الوقوفِ بالأولِ والمبيتِ بالآخرَيْنَ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَصِفَةُ الْإِحْيَاءِ: مَا كَانَ فِي الْعَادَةِ عِمَارَةً لِلْمُحْيَا»، صفةُ الإحياءِ التي يُملَكُ به المواتُ شرعًا تختلفُ بحسبِ الغرضِ المقصودِ من الأرضِ، ويُرجَعُ فيها إلى العرفِ، والضابطُ: التهيئةُ للمقصودِ.\rفإنْ أراد إحياءَ المواتِ مَسكنًا؛ اشْتُرِطَ فيه تحويطُ البقعةِ بآجُرٍّ أو لَبِنٍ أو قصبٍ بحسبِ عادةِ ذلك المكانِ، والمعتمدُ أنه لا يكتفى بالتحويطِ من غيرِ بناءٍ، بل لا بدَّ من البناءِ، ويُشتَرطُ سَقْفُ بعضِ الأرضِ؛ ليتهيأَ للسُّكنَى، ونصبُ بابٍ؛ لأنَّ العادةَ في المنازلِ أن يكونَ لها أبوابٌ، ولا تصلحُ الأرضُ للسُّكنَى بما دونَ ذلك.\rوإن أراد إحياءَ المواتِ زريبةَ دوابَّ أو نحوَها، كحظيرةٍ لجمعِ ثمارٍ وغلَّاتٍ وغيرِها، فيُكتفَى بالتحويطِ بالبناءِ بحسبِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٣٢٠)، ومسلم (١٦١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354853,"book_id":264,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":248,"body":"العادةِ، ولا يُشترطُ سقْفُ شيءٍ؛ لأنَّ العادةَ فيها عدمُه، ولا بدَّ فيه من تركيبِ بابٍ مع البناءِ.\rوإن أراد إحياءَ المواتِ مزرعةً، فيُطلَبُ جمعُ الترابِ حولَها، وتسويةُ الأرضِ، وترتيبُ ماءٍ لها بشقِّ ساقيةٍ من نهرٍ، أو بحفرِ بئرٍ أو قناةٍ أو نحوِها، إنْ لم يكفِها المطرُ المعتادُ.\rوإن أراد إحياءَ المواتِ بُستانًا، فيُشترطُ جمعُ الترابِ حولَ الأرضِ كالمزرعةِ، والتحويطُ حيث جرت العادةُ به عملًا بها، وتهيئةُ ماءٍ كما تقرَّرَ في المزرعةِ، ويُشترطُ -أيضًا- في البستان غرسُ البعضِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ بَذْلُ الْمَاءِ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:\r١ - «أَنْ يَفْضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ»، تجبُ التخليةُ بين الماءِ وبين طالبِه بشروطٍ ثلاثةٍ، الأولُ: أن يفْضُلَ عن حاجتِه لنفسِه وماشيتِه وشجرِه وزرعِه؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ» (¬١).\rولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ -أيضًا- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٢٣٠)، ومسلم (١٠٨)، وتمامُ الحديثِ: «وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَ: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ»، ثمَّ قرأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354854,"book_id":264,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":249,"body":"تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» (¬١).\rومعنى الحديثِ أنَّ الماشيةَ إنَّما تَرعَى بِقُرْبِ الماءِ، فإذا منع الماءَ وليس هناك ماءٌ آخرُ فقد منَع من الكلإِ وحازه لنفسِه، وفوَّتَهُ على النَّاسِ.\r٢ - «وَأَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَهِيمَتِهِ»، الشَّرطُ الثَّاني من شروطِ وجوبِ بذلِ الماءِ الفاضلِ عن حاجتِه: أنْ يحتاجَ إليه غيرُه، إمَّا لنفسِه، أو لبهائمِه، ولا يجبُ بذلُه للزَّرعِ، وإنَّما وَجبَ بذلُه للبهائمِ دون الزرعِ لحرمةِ الرُّوحِ.\r٣ - «وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسْتَخْلَفُ فِي بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ»، الشَّرطُ الثَّالثُ من شروطِ وجوبِ بذلِ الماءِ الفاضلِ عن حاجتِه: أن يكونَ الماءُ الفاضلُ عن حاجتِه مما يُسْتَخْلَفُ؛ أي: يَخلفُه ماءٌ غيرُه، سواءٌ كان في بئرٍ أو عينٍ، أو غيرِ ذلك، وأما الذي لا يَخلُفُه غيرُه؛ كالمستقرِّ في إناءٍ، أو في حوضٍ مسدودٍ؛ فلا يجبُ بذلُ فضلِه، والفرقُ أنه في صورةِ الاستخلافِ لا يلحقُه ضررٌ بالاحتياجِ إليه في المستقبلِ بخلافِه في ما لا يُسْتَخْلَفُ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الوقف\rالوقفُ في اللُّغةِ: الحبسُ والمنعُ، يُقالُ: وَقفْت كذا؛ أي: حبَسْتُه.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٢٢٧)، ومسلم (١٥٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354855,"book_id":264,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":250,"body":"وفي الاصطلاح: حبسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عينِه، بقطعِ التصرفِ في رقبتِه، وتُصرَفُ منافعُه في وجوهِ البرِّ؛ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى.\rوالأصلُ في مشروعيتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].\rومن السُّنةِ حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «إنَّ عمرَ بنَ الخطابِ أصاب أرضًا بخيبرَ، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمرُه فيها، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصبتُ أرضًا بخيبرَ لم أُصِبْ مالًا قطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تأمرُ به؟ قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، قال: فتصدَّقَ بها عمرُ؛ أنَّه لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُورثُ، وتَصدَّقَ بها في الفقراءِ، وفي القُربَى، وفي الرقابِ، وفي سبيلِ اللهِ، وابنِ السبيلِ، والضيفِ، لا جناحَ على مَن ولِيها أنْ يأكلَ منها بالمعروفِ، ويطعمَ غيرَ مُتَمَوِّلٍ (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَقْفُ جَائِزٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:\r١ - أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ»، يجوزُ الوقفُ بشروطٍ ثلاثةٍ؛ أولُها: أنْ يُنْتَفَعَ به مع بقاءِ عينِه، فيدخلُ فيه الأراضي والعَقارُ، ونحوُ ذلك؛ مُفْرَزًا كان أو مَشاعًا، واحتُرِزَ به عمَّا لا يُنتَفعُ به مع بقاءِ عينِه، كالطعامِ ونحوِه؛ لأنَّه لا يُنتَفعُ به إلا باستهلاكِ عينِه.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٣٢)، و «غيرَ متموِّلٍ»؛ أي: غيرَ جامعٍ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354856,"book_id":264,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":251,"body":"٢ - «وَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ وَفَرْعٍ لَا يَنْقَطِعْ»، الشَّرطُ الثَّاني من شروطِ جوازِ الوقفِ: أنْ يكونَ على «أصلٍ مَوْجُودٍ»؛ لأنَّ الوقفَ نقلُ ملكِ المنافعِ إلى الموقوفِ عليه، وتمليكُ المعدومِ باطلٌ، وكذلك تمليكُ من لا يملكُ، ومثالُ تمليكِ المعدومِ أنْ يُوقِفَ على من سيُولَدُ، أو على مسجدٍ سيُبنى، ومثالُ تمليكِ من لا يَمْلِكُ الوقفُ على الحمْلِ، أو على العبدِ، فهذا وأشباهُه باطلٌ؛ لأنَّ الوقفَ تمليكٌ منجزٌ، فلا يصحُّ على مَن لا يملكُ؛ كالبيعِ وسائرِ التَّمليكاتِ، وهذا النَّوعُ يعبرُ عنه الفقهاءُ بقولِهم: منقطعُ الأولِ، وكذلك يُشتَرطُ في جوازِ الوقفِ أن يكونَ «على فرعٍ لا ينقطعُ»، كالوقفِ على الفقراءِ والعلماءِ والمجاهدينَ والمساجدِ، فإن قال: وَقفْتُ على الفقيرِ فلانٍ، أو عليه وعلى أولادِه؛ لم يصحَّ، وهو ما يعبِّرُون عنه بقولِهم: منقطعُ الآخِرِ، فإذا قال: أوقفتُ على أولادِه، ثمَّ الفقراءِ من بعدِهم، صحَّ الوقفُ.\r٣ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْظُورًا»، الشَّرطُ الثَّالثُ من شروطِ جوازِ الوقفِ: أنْ لا يكونَ محظورًا؛ كالوقفِ على البيعِ، والكنائسِ، وكذلك كتبُ التوراةِ والإنجيلِ؛ لأنَّها محرَّفةٌ، وذلك لأنَّ الوقفَ معروفٌ وبِرٌّ، والمعصيةُ على عكسِ ذلك.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهُوَ عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مِنْ تَقْدِيمٍ، أَوْ تَأْخِيرٍ، أَوْ تَسْوِيَةٍ، أَوْ تَفْضِيلٍ»، مبنَى الوقفِ على اتباعِ شرطِ الواقفِ من تقديمٍ أو تأخيرٍ أو تسويةٍ أو تفضيلٍ، فمثالُ التقديمِ والتأخيرِ، كقولِه: وقفتُ على أولادِي بشرطِ أنْ يُقدَّمَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354857,"book_id":264,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":252,"body":"الأورعُ منهم، فإنْ فضَلَ شيءٌ كان للباقينَ، ومثالُ التسويةِ كقولِه: بشرطِ أنْ يُصرفَ لكلِّ واحدٍ منهم مائةُ درهمٍ، ومثالُ التَّفضيلِ كقولِه: بشرطِ أنْ يُصرفَ لزيدٍ مائةٌ ولعمرٍو خمسونَ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الهِبَة\rالهبةُ في اللُّغةِ: العطيةُ التي لم يسبقْها استحقاقٌ.\rوفي الاصطلاحِ: تمليكُ عينٍ بلا عوضٍ حالَ الحياةِ تطوُّعًا.\rوالأصلُ في مشروعيتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤]؛ أي: إنْ طابتْ أنفسُهن لكم عن شيءٍ من الصَّداقِ فوهبنَه لكم فكُلوه حلالًا طيبًا.\rومن السُّنةِ حديثُ أبي هريرة ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أُتِي بطعامٍ سأل عنه، فإنْ قِيل: هديةٌ، أكلَ منها، وإنْ قِيل: صدقةٌ، لم يأكلْ منها» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ»، كلُّ ما جاز بيعُه جازت هبتُه، وكلُّ ما لا يجوزُ بيعُه لا تجوزُ هبتُه؛ كالآبقِ والضَّالِّ والمجهولِ، نحوُ: وهبتُك أحدَ عَبيدِي؛ فلا يصحُّ، وتجوزُ هبةُ المشاعِ للشَّريكِ وغيرِه، وكذا تجوزُ هبةُ أرضٍ يزرعُها، وهبةُ الدَّينِ للمَدِينِ إبراءٌ، ولا يحتاجُ إلى قَبولٍ، ولغيرِه باطلٌ، ولو","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٤٣٧)، ومسلم (١٠٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354858,"book_id":264,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":253,"body":"وهب لفقيرٍ دينًا عليه بنيَّةِ الزَّكاةِ لم يقعْ عنها، ولو قال: تصدَّقت بمالي عليك برِئَ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ إِلَّا بِالْقَبْضِ»، لا تخرجُ العينُ الموهوبةُ من مِلْكِ الواهبِ وتدخلُ في ملكِ الموهوبِ له قبلَ أن يقبضَها، وللواهبِ أنْ يرجِعَ عن الهبةِ قبل القبضِ، وقد دلَّ على ذلك حديثُ أم كلثومَ بنتِ أبي سلمةَ عن أمِّ سلمةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلَّا قَدْ مَاتَ، وَلَا أَرَى إِلَّا هَدِيَّتِي مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ»، قالت: وكان كما قال رسولُ اللهِ ﷺ، ورُدَّت عليه هديتُه، فأعطى كلَّ امرأةٍ من نسائِه أوقيَّةَ مسكٍ، وأعطى أمَّ سلمةَ بقيَّةَ المسكِ والحُلَّةَ (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا»، يقولُ ابنُ عباسٍ ﵄ قال النبيُّ ﷺ: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ ثمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (¬٢).\rوروى طاوسٌ عن ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ ﵃ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٧٣١٧)، وابن حبَّان في «صحيحه» (٥٥٥٠)، والطبراني في «الكبير» (٨٢٦)، وحسنه ابن حجر في «فتح الباري» (٥/ ٢٢٢).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٤٤٩)، ومسلم (١٦٢٢).\r(¬٣) رواه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (١٢٩٩)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354859,"book_id":264,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":254,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ كَانَ لِلْمُعْمَرِ أَوْ لِلْمُرْقَبِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ»، العُمْرَى: هي أنْ يقولَ للشخصِ: أعمرتُك هذا العقارَ؛ أي: جعلتُه لك مدةَ عمْرِك، فإذا مِتَّ رجعَ إليَّ، وأمَّا الرُّقْبَى فأنْ يقولَ له: أرْقَبْتُكَ هذا الشيءَ، فإذا متَّ قبلِي عاد إليَّ، وإنْ متُّ قبلَك استقرَّ لك، وهذه الهبةُ صحيحةٌ والشَّرطُ باطلٌ لاغٍ، وتبقى للمُعْمَرِ أو للمُرْقَبِ حَيًّا أو مَيِّتًا، ودليلُه حديثُ جابرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا وَعَقِبَكَ مَا بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّهَا لِمَنْ أُعْطِيَهَا، وَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ» (¬١).\rوعن جابرٍ -أيضًا- ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي اللقطة\rاللُّقَطَةُ في اللُّغةِ: هي الشيءُ الملتَقطُ من الأرضِ.\rوفي الاصطلاحِ: هي ما وُجِدَ من حقٍّ محترمٍ غيرِ مُحْرَزٍ، لا يَعْرِفُ الواجدُ مستحِقَّه.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٦٢٥)، وقوله ﷺ: «مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ»؛ أي: دخل في حكمِ ما يُورثُ، وثبتَ فيه حقِّ الورثةِ.\r(¬٢) رواه أحمد (١٤٢٩٣)، وأبو داود (٣٥٥٨)، والترمذي (١٣٥١)، والنسائي (٣٧٣٩)، وابن ماجه (٢٣٨٣)، وابن حبَّان (٢٦٠٤)، وقولُه ﷺ: «جَائِزَةٌ»؛ أي: نافذةٌ وماضيةٌ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354860,"book_id":264,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":255,"body":"والأصلُ في مشروعيتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وفي أخذِ اللقطةِ وردِّها على صاحبِها معاونةٌ على البرِّ والتقوَى.\rومن السُّنةِ حديثُ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن اللُّقطةِ، الذَّهَبِ، أو الوَرِقِ؟ فقال: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»؛ وسُئل عن ضالَّةِ الإبلِ، فقال: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا؛ فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا»؛ وسُئل عن الشاةِ، فقال: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا وَجَدَ لُقَطَةً فِي مَوَاتٍ أَوْ طَرِيقٍ فَلَهُ أَخْذُهَا وَتَرْكُهَا، وَأَخْذُهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا إِنْ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ مِنَ الْقِيَامِ بِهَا»، إذا وَجَدَ شخصٌ لُقَطَةً في مواتٍ أو طريقٍ، سواء كان هذا الشَّخصُ بالغًا أو غير بالغ، وسواء كان عدلًا أو فاسقًا؛ فله أخذُها أو تركُها؛ ولكنَّ أخذَها أولَى من تركِها إنْ كان الآخِذُ لها","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٢٩٦)، ومسلم (١٧٢٢)، و «الورِق»؛ الفضَّة، و «وِكَاءَهَا»؛ ما يُربَطُ به فمُ الكيسِ ونحوِه، و «عِفَاصَهَا»؛ الوعاءَ الذي تكونُ فيه، و «لَمْ تَعْرِفْ»؛ أي: مالكَها، «فَاسْتَنْفِقْهَا»؛ أي: تَمَلَّكْها، أو استهلِكها، و «لْتَكُنْ»؛ أي: هي أو قيمتُها، «وَدِيعَةً عِنْدَكَ»؛ أي: مضمونةً عليك كالوديعةِ، «فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا»؛ أي: تقوي بخُفِّها على قطعِ الصحراءِ، كما أنها تملأُ كرشَها بما يكفيها أيامًا، «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ»؛ أي: إمَّا أن تأخذَها أنت، وإما أن يأخذَها غيرُك، وإما أن يأكلَها الذئبُ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354861,"book_id":264,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":256,"body":"على ثِقةٍ من القيامِ بها، فلو تركَها من غيرِ أَخْذٍ لم يضمنْها، ولا يجبُ الإشهادُ على التقاطِها، ويَنْزِعُ القاضِي اللُّقطةَ من الفاسقِ، ويضعُها عندَ عَدْلٍ، ولا يُعْتَمَدُ تعريفُ الفاسقِ للُّقطةِ، بل يضمُّ القاضي إليه رقيبًا عَدْلًا يمنعُه من الخيانةِ فيها، ويَنْزِعُ الوليُّ اللقطةَ من يدِ الصبيِّ ويُعرِّفُها، ثمَّ بعدَ التعريفِ يتملكُ اللقطةَ للصبيِّ إنْ رأى المصلحةَ في تملُّكِها له.\rفإنْ لم يثقِ المُلْتَقِطُ بأمانةِ نفسِه مستقبلًا كُرِه له التقاطُها، وإنْ علِم من نفسِه الخيانةَ، وأنَّه إنِ التقَطَها فسيلتقطُها لنفسِه لا ليحفظَها على مالكِها، حرُمَ عليه التقاطُها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَخَذَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ سِتَّةَ أَشْيَاءَ:\r١ - وِعَاءَهَا»، وهو ما هي فيه من جلدٍ أو غيرِه.\r٢ - «وَعِفَاصَهَا»، وهو الجلدُ الذي يُلْبَسُ رأسَ القارورةِ.\r٣ - «وَوِكَاءَهَا»، ما تُربَطُ به من خيطٍ أو غيرِه.\r٤ - «وَجِنْسَهَا»، من نقدٍ أو غيرِه.\r٥ - «وَعَدَدَهَا»، كاثنينِ فأكثرَ.\r٦ - «وَوَزْنَهَا»، كدرهمٍ فأكثرَ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْفَظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا»، يجبُ على مَن أخذَ اللقطةَ أن يحفظَها في حِرْزِ مثلِها؛ لأنَّها أمانةٌ، فأشبهَت سائرَ الأماناتِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354862,"book_id":264,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":257,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «ثمَّ إِذَا أَرَادَ تَمَلُّكَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ»، إذا أراد الملتقطُ تملُّكَ اللقطةِ عرَّفها سنةً على أبوابِ المساجدِ، وكذلك في الموضعِ الذي وجدَها فيه، وفي الأسواقِ ونحوِها من مجامعِ النَّاسِ، ويكونُ التعريفُ على العادةِ زمانًا ومكانًا؛ وابتداءُ السَّنةِ يُحسَبُ من وقتِ التعريفِ، لا من وقتِ الالتقاطِ، ولا يجبُ استيعابُ السنةِ بالتعريفِ، بل يُعرِّفُ أولًا كلَّ يومٍ مرتينِ طرفَي النهارِ، لا ليلًا، ولا وقتَ القيلولةِ، ثمَّ يُعَرِّفُ بعدَ ذلك كلَّ أسبوعٍ مرةً أو مرتين، وهكذا، ومَن التقطَ شيئًا حقيرًا لا يُعرِّفه سَنةً، بل يعرِّفُه زمنًا يظنُّ أنَّ فاقدَه يُعْرِضُ عنه بعدَ ذلك الزمنِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِشَرْطِ الضَّمَانِ»، إذا وجد شخصٌ لقطةً ولم يجد صاحبَها بعد تعريفِها سنةً؛ كان له أن يتملَّكها بشرطِ الضمانِ لها، فإنْ تملَّكها وظهر مالكُها وهي باقيةٌ واتفقَا على ردِّ عينِها أو بدلِها، فالأمرُ فيه واضحٌ؛ وإنْ تنازعَا فطلبَها المالكُ وأراد الملتقِطُ العدولَ إلى بدلِها أُجيب المالكُ، وإنْ تَلِفَت اللقطةُ بعدَ تملُّكِها غرِمَ الملتقطُ مثلَها إنْ كانت مثليَّةً، أو قيمتَها إنْ كانت متقوَّمةً يومَ التملُّكِ لها، وإنْ نقصت بعيبٍ فله أخذُها مع الأرشِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَاللُّقَطَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:\rأَحَدُهَا: مَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، فَهَذَا حُكْمُهُ»، واللُّقطةُ -أي: بالنَّظرِ إلى ما يُفْعَلُ فيها- على أربعةِ أضربٍ: أحدُها ما يبقَى على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354863,"book_id":264,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":258,"body":"الدَّوامِ؛ كالذَّهبِ والفِضَّةِ فحكمُه ما ذكرناه من التَّخييرِ بينَ تملُّكِها وبين إدامةِ حفظِها إذا عرَّفها ولم يجدْ مالِكُها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّاني: مَا لَا يَبْقَى، كَالطَّعَامِ الرَّطْبِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَغُرْمِهِ، أَوْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثمنِهِ»، الضَّربُ الثَّاني من أضربِ اللُّقطةِ ما لا يبقَى على الدَّوامِ، بل يفسدُ بالتَّأخيرِ، كالطَّعامِ الرَّطبِ، نحوُ الرُّطَبِ الذي لا يَتَتَمَّرُ، والبقولِ، فالملتقطُ مخيَّرٌ فيه بينَ تملُّكِه ثمَّ أكلِه وغُرْمِ بدلِه من مِثْلٍ أو قيمةٍ، أو بيعِه بثمنِ مثلِه وحفظِ ثمنِه لمالكِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّالثُ: مَا يَبْقَى بِعِلَاجٍ، كَالرُّطَبِ: فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ مِنْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، أَوْ تَجْفِيفِهِ وَحِفْظِهِ»، الضَّربُ الثَّالثُ من أضربِ اللُّقطةِ ما يبقى على الدَّوامِ لكن بعلاجٍ، كالرُّطبِ الذي يتجفَّفُ، فيفعلُ الملتقطُ ما فيه المصلحةُ لمالكِه، من بيعِه بثمنِ مثلِه، وحفظِ ثمنِه له، أو تجفيفِه وحفظِه لمالكِه إن تبرَّع الملتقطُ بالتجفيفِ، وإلا فيبيعُ بعضَه بإذنِ الحاكمِ إنْ وجدَه وينفقُه على تجفيفِ الباقي.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالرَّابِعُ: مَا يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ، كَالْحَيَوَانِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: حَيَوَانٌ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ: فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَغُرْمِ ثَمَنِهِ، أَوْ تَرْكِهِ وَالتَّطَوُّعِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، أَوْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَحَيَوَانٌ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ: فَإِنْ وَجَدَهُ فِي الصَّحَرَاءِ تَرَكَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ»، الضرب الرابع ما يحتاج إلى نفقة كالحيوان، وهو ضربانِ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354864,"book_id":264,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":259,"body":"الضربُ الأولُ: حيوانٌ لا يمتنعُ بنفسِه من صغارِ السِّباعِ، كشاةٍ وعجلٍ وفصيلٍ والكسيرِ من الإبلِ والخيلِ ونحوِ ذلك، مما إذا تركه يضيعُ بكاسرٍ من السِّباعِ، أو بخائنٍ من النَّاسِ، فإن وجدَه بمفازةٍ فهو مخيَّرٌ فيه بينَ تملُّكِه ثمَّ أكْلِهِ وغُرْمِ ثَمَنِهِ لمالكِه، أو إمساكِه عندَه والتَّطوعِ بالإنفاقِ عليه، فإنْ لم يتطوَّعْ وأراد الرُّجوعَ فلينفقْ بإذنِ الحاكمِ، فإنْ لم يجدْه أشهدَ على ذلك، أو يبيعُه بثمَنِ مثلِه ويحفظُ ثمنَه لمالكِه، ثمَّ يعرِّفُه ثمَّ يتملَّكُ الثَّمَنَ.\rالضربُ الثَّاني: حيوانٌ يمتنعُ بنفسِه من صغارِ السِّباعِ، كذئبٍ ونَمِرٍ وفَهدٍ؛ إمَّا بفضلِ قوةٍ، كالإبلِ والخيلِ والبغالِ والحميرِ، وإمَّا بشدَّةِ عَدْوِه كالأرانبِ والظِّباءِ المملوكةِ، وإمَّا بطيرانِه كالحمامِ، فإنْ وجدَه الملتقطُ في الصحراءِ الآمنةِ تركَه وجوبًا؛ لأنَّه مصونٌ بالامتناعِ من أكثرِ السِّباعِ مستغنٍ بالرَّعيِ إلى أنْ يجدَه صاحبُه لطلبِه له، ولأنَّ طروقَ النَّاسِ فيها لا يعمُّ، وإنْ وجدَه في الحضرِ ببلدةٍ أو قريةٍ أو قريبٍ منهما كان له أخذُه للتَّملُّكِ، وحينئذٍ فهو مخيَّرٌ فيه بينَ الأشياءِ الثَّلاثةِ التي تقدَّمَ ذكرُها في الذي لا يمتنعُ بنفسِه، وهي أنَّه «مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَغُرْمِ ثَمَنِهِ، أَوْ تَرْكِهِ وَالتَّطَوُّعِ بِالإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، أَوْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ»، وإنَّما جاز أخذُ هذا الحيوانِ في العمرانِ دونِ الصَّحراءِ الآمنةِ للتَّملكِ؛ لئلَّا يضيعَ بامتدادِ الأيدي الخائنةِ إليه بخلافِ الصحراءِ الآمنةِ فإنَّ طروقَ النَّاسِ بها نادرٌ.\rولا تحلُّ لُقَطَةُ حَرَمِ مكةَ إلا للحفظِ والتَّعريفِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ لَا يُعْضَدُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354865,"book_id":264,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":260,"body":"شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا» (¬١).\rويلزمُ اللاقطَ الإقامةُ للتَّعريفِ أو دفعُها إلى الحاكمِ، والسِّرُّ في ذلك أنَّ حرَمَ مكَّةَ مثابةٌ للنَّاسِ يعودونَ إليهِ المرَّةَ بعدَ الأخرى، فربَّما يعودُ مالكُها من أجلِها أو يبعثُ في طلبِها.\r\r«فَصْلٌ»\rفي اللَّقِيط\rاللَّقيطُ في اللُّغةِ: هو ما يلقَطُ، واللَّقطُ: أخذُ الشيءِ من الأرضِ، فهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، مثلُ: قتيلٍ بمعنى مقتولٍ، وجريحٍ بمعنى مجروحٍ، والصبيُّ المنبوذُ يجدُه إنسانٌ فهو اللَّقيطُ عندَ العربِ، والأنثى اللَّقيطةُ، والذي يأخذُ الصبيَّ أو الصبيَّةَ يُقالُ له: الملتقطُ.\rوفي الاصطلاحِ: كلُّ صبيٍّ ضائعٍ لا كافلَ له.\rوالأصلُ في مشروعيتِه من الكتابِ عمومُ قولِه تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقولِه تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وغيرُ ذلك من الآياتِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَأَخْذُهُ وَتَرْبِيَتُهُ وَكَفَالَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ»، إذا وُجِدَ لقيطٌ بقارعةِ الطريقِ، فأخْذُه وحفظُه وتربيتُه وتوليةُ أمرِه بما يصلحُه واجبةٌ على","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٧٣٧)، ومسلم (١٣٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354866,"book_id":264,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":261,"body":"الكفايةِ؛ لأنَّه آدميٌّ محترمٌ، فوجَب حفظُه. وفارَقَ اللقطةَ حيث لا يجبُ لقطُها بأنَّ المغلبَ فيها الاكتسابُ، والنَّفسُ تميلُ إليه. ويجبُ الإشهادُ على اللقيطِ، وإنْ كان اللَّاقطُ ظاهرَ العدالةِ؛ خوفًا من أنْ يسترقَه، وفارقَ الإشهادَ على لقطِ اللُّقطةِ بأنَّ الغرضَ منها المالُ؛ والإشهادُ في التَّصرُّفِ الماليِّ مستحبٌّ، والغرضُ من اللَّقيطِ حفِظُ حُرِّيتِه ونسَبِه، فوجبُ الإشهادُ كما في النِّكاحِ، ويجبُ الإشهادُ -أيضًا- على ما معه تبعًا، ولئلَّا يتملَّكَه اللَّاقطُ، فلو تركَ الإشهادَ لم تثبتْ له ولايةُ الحفظِ، وجاز نزعُه منه، وإنَّما يجبُ الإشهادُ على اللَّاقطِ بنفسِه، أمَّا مَن سلَّمَه له الحاكمُ فالإشهادُ مستحَبٌّ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُقَرُّ إِلَّا فِي يَدِ أَمِينٍ»، لا يُتركُ اللَّقيطُ إلَّا في يدِ أمينٍ، وهو الحُرُّ الرَّشيدُ العدلُ، فلو لقطَه غيرُه مِمَّنْ به رِقٌّ أو كفْرٌ أو فُسوقٌ لم يصحَّ، ويجبُ أنْ يُنزعَ منه؛ لأنَّ حقَّ الحضانةِ ولايةٌ، وليس هو من أهلِها، ولو ازدحمَ اثنانِ أهلانِ لِلَّقْطِ على لقيطٍ قَبْلَ أخْذِه بأنْ قال كلٌّ منهما: أنا آخذُه عَيَّنَ الحاكمُ مَن يراه، ولو مِن غيرِهما، وإنْ لقطَاهُ معًا قُدِّم غنيٌّ على فقيرٍ؛ لأنَّه قد يُواسيه ببعضِ مالِه، فإنِ استويَا أقرعَ بينهما.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ وُجِدَ مَعَهُ مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَالٌ فَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ»، إنْ وُجِدَ مع اللَّقيطِ مالٌ عامٌّ كوقفٍ على اللُّقطاءِ أو الوصيةِ لهم، أو مالٌ خاصٌّ، كثيابٍ ملفوفةٍ عليه، أو ملبوسةٍ له، أو مغطًّى بها، أو تحتَه مفروشةً، ودنانيرُ عليه، أو تحتَه، ولو منثورةً، أنْفَقَ عليه الحاكمُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354867,"book_id":264,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":262,"body":"منها، فإنْ لم يوجدْ معه مالٌ، ولا عُرِف له مالٌ؛ فنفقتُه حينئذٍ من بيتِ المالِ، وللاقِطِه استقلالٌ بحفظِ مالِه كحفظِه، وإنَّما يمونُه منه بإذنِ الحاكمِ؛ لأنَّ ولايةَ المالِ لا تثبتُ لغيرِ أبٍ وُجَدٍّ من الأقاربِ فالأجنبيُّ أَوْلى، فإنْ لم يَجِدِ الحاكمَ أنفقَ عليه بإشهادٍ، فإن أنفقَ بدونِ ذلك ضمِنَ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الوَدِيعَة\rالوَديعةُ في اللُّغةِ: تركُ الشَّيءِ عندَ غيرِ صاحبِه ليحفَظَه، مأخوذةٌ منَ الوَدْعِ وهو التَّركُ. ومنه حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ ﵃ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (¬١).\rوالمرادُ بقولِه ﷺ: «وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ»: تركُهم.\rوالوديعةُ في الاصطلاحِ: هي المالُ الموضوعُ عندَ الغيرِ ليحفظَه.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِها مِنَ الكتابِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].\rومن السُّنَّةِ حديثُ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٨٦٥).\r(¬٢) رواه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، والحاكم (٢٢٩٦)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354868,"book_id":264,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":263,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ قَبُولُهَا لِمَنْ قَامَ بِالْأَمَانَةِ فِيهَا»، مَنْ عُرِضَ عليه شيءٌ ليُستودَعَه، نَظَرَ إلى حالِ نفْسِه؛ إنْ كانَ يعجِزُ عن حفظِها حَرُمَ عليه قبولُها، وإنْ كانَ أمينًا قادرًا على حفظِها اسْتُحِبَّ له أن يَقْبَلَها؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَضْمَنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي»، الوديعةُ أمانةٌ في يدِ المودَعِ، فلا يَضْمَنُ إلَّا بالتَّعدِّي. ومن صُوَرِ التَّعدِّي أنْ يَنْقُلَها من محلَّةٍ ودارٍ لأخرى دُونَها حِرْزًا، أو يُودِعَها غيرَه بلا إذنٍ مِنَ المودِعِ ولا عُذْرَ له، بخلافِ ما لو أَوْدَعَها غيرَهُ لعذرٍ، كمرضٍ أو سَفَرٍ، وله استعانةٌ بمن يَحْمِلُها لحِرْزٍ، أو يَعْلِفُها، أو يَسقيها؛ لأنَّ العادةَ جرت بذلك، وعليه ردُّها لمالكِها أو وكيلِه لعذرٍ، كإرادةِ سفرٍ أو مَرضٍ، فإن فَقَدَهُما رَدَّها للقاضي، وعليه أخذُها، فإن فَقَدَه ردَّها لأمينٍ، ولا يُكَلَّفُ تأخيرَ السَّفرِ، ويُغني عن الرَّدِّ إلى القاضي أو الأمينِ الوصيَّةُ بها إليه، فهو مخيَّرٌ عندَ فقدِ المالكِ ووكيلِه بينَ ردِّها للقاضي والوصيَّةِ بها إليه، وعندَ فقدِ القاضي بينَ ردِّها للأمينِ والوصيَّةِ بها إليه، فإنْ لم يَرُدَّها ولم يُوصِ بها لمن ذُكِرَ؛ كما ذُكِرَ ضَمِنَ إنْ تَمَكَّنَ من ردِّها أو الإيصاءِ بها؛ لأنَّه عرَّضَها للفَوَاتِ، وكذلك يَضْمَنُ بمخالَفةِ حفظِ مأمورٍ به، كقولِ المالكِ له: لا تَرْقُدْ على الصُّندوقِ الذي فيه الوديعةُ فَرَقَدَ وانكسرَ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٦٩٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354869,"book_id":264,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":264,"body":"بثِقَلِه وتَلِفَ ما فيه بانكسارِه؛ أمَّا إذا تَلِفَ بغيرِ ذلك كسرِقةٍ فلا يَضْمَنُ، وكذلك يَضْمَنُ إذا خالَفَ مالكَها فيما أمَرَه به في حفظِها، وتَلِفَتْ بسببِ المخالَفةِ؛ أو خَلَطَها بمالِ نفْسِه، أو انتَفعَ بها كأنْ كانت دابَّةً فركِبَها، أو ثيابًا فلَبِسَها بغيرِ عذرٍ، أو سافرَ بها مع وجودِ مالكِها أو وكيلِه، ثمَّ الحاكمِ، ثمَّ الأمينِ، وكذلك يَضْمَنُها بالمَطْلِ في تخلِّيه بيْنَها وبيْنَ مالكِها من بعدِ طَلَبِها من غيرِ عذرٍ ظاهرٍ؛ فإنْ ماطلَ في تخليتِها لعذرٍ ظاهرٍ؛ كصلاةٍ أو طهارةٍ أو أكلٍ، أو لقضاءِ حاجةٍ أو حمَّامٍ، أو ملازمةِ غريمٍ يَخافُ هربَه، أو نحوِها ممَّا لا\rيَطولُ زمنُه، أو لغيرِ عذرٍ ولكن لم يَطْلُبْها مالكُها لم يَضْمَنْها؛ لعدمِ تقصيرِه، ولو أَعْلَمَ بالوديعةِ من يُصَادِرُ أموالَ المالكِ ويأخذُها ضَمِنَ، ولو أخذَ الوديعةَ ظالمٌ لم يَضْمَنْ؛ كما لو سُرِقَتْ ولو طَالَبَ ظالمٌ المودَعَ بالوديعةِ لَزِمَه دفعُه بالإنكارِ والإخفاءِ بكلِّ قُدرتِه، فإن تَرَكَ الدَّفعَ مع القدرةِ ضَمِنَ؛ لتقصيرِه، وإن أَنْكَرَ فحَلَّفه الظَّالمُ جازَ له أن يَحْلِفَ لمَصلحةِ حفْظِ الوديعةِ، وتَلْزَمُه الكفَّارةُ، وإن أَكْرَهَه على الحلِفِ بالطَّلاقِ تَخَيَّرَ بينَ الحلِفِ وبينَ الاعترافِ، فإنِ اعْتَرَفَ وسلَّمَ ضَمِنَ؛ لأنَّه فدَى زوجتَه بالوديعةِ، وإنْ حَلَفَ بالطَّلاقِ طُلِّقَتْ زوجتُه على المَذْهَبِ؛ لأنَّه فدى الوديعةَ بزوجتِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَقَوْلُ الْمُودَعِ مَقْبُولٌ فِي رَدِّهَا عَلَى الْمُودِعِ»، قولُ المودَعِ مقبولٌ في ردِّها على المودِعِ بيمينِه، وإنْ أَشْهَدَ عليه بها عندَ دفعِها؛ لأنَّه ائتمنَه، وما ذكَرَه المصنِّفُ يَجري في كلِّ أمينٍ، كوكيلٍ وشريكٍ وعاملِ قراضٍ. وضابطُ الذي يُصَدَّقُ بيمينِه في الرَّدِّ هو كلُّ أمينٍ ادَّعى الرَّدَّ على من ائتمنَه صُدِّقَ بيمينِه؛","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354870,"book_id":264,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":265,"body":"إلَّا المرتهِنَ والمستأجِرَ فإنَّهما لا يُصَدَّقَانِ في الرَّدِّ؛ لأنَّهما أَخَذَا العينَ لغرضِ أنفسِهما، فإن ادَّعى الرَّدَّ على غيرِ من ائتمنَه كَوَارِثِ المالكِ أو ادَّعى وارثُ المودَعِ ردَّ الوديعةِ على المالكِ أو أَوْدَعَ المودعُ عندَ سفرهِ أمينًا فادَّعى الأمينُ الرَّدَّ على المالكِ طُولبَ كلٌّ ممن ذُكِرَ بِبَيِّنَةٍ بالرَّدِّ على من ذَكَرَ؛ إذِ الأصلُ عدمُ الرَّدِّ، ولم يَأْتَمِنْه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا»، إذا قَبِلَ شخصٌ وديعةً لَزِمَه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها، فتوضَعُ الدَّراهمُ في الصُّندوقِ، والأثاثُ في البيتِ، والغَنمُ في صحنِ الدَّارِ ونحوُ ذلك، وضابطُ حِرْزِ المِثْلِ عُرفيٌّ؛ أيْ: بحسَبِ عادةِ النَّاسِ وما يَرَوْنَه مناسبًا لحفظِ الأشياءِ بحسَبِ نَفاستِها ودناءتِها، وكثرتِها وقِلَّتِها، وهذه الأمورُ تَختلفُ بحسَبِ الأقاليمِ والحواضرِ والبوادي، وباعتبارِ الأزمنةِ والأمكنةِ، وكثرةِ السَّرقةِ في البلدِ أو نُدرتِها ونحوِ ذلك منَ الاعتباراتِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا طُولِبَ بِهَا فَلَمْ يُخْرِجْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا حَتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَ»، إذا طالَبَ المالكُ الوديعَ بردِّ الوديعةِ فلم يردَّها عليه مع القدرةِ عليها وقتَ طَلَبِها حتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَها بِبَدَلِها منْ مِثْلٍ إن كانت مِثْلِيَّةً، أو قيِمةٍ إن كانت متقوَّمَةً؛ لتركِه الواجبَ عليه، وليس المرادُ بردِّ الوديعةِ حمْلَها إلى مالكِها، بل يَحْصُلُ بأن يخلِّيَ بيْنَه وبَيْنَها، وليس له أن يُلزِمَ المالكَ الإشهادَ، وإن كانَ أَشْهَدَ عليه عندَ الدَّفعِ فإنَّه يُصَدَّقُ في الدَّفعِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354871,"book_id":264,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":266,"body":"بيمينِه؛ بخلافِ ما لو طَلَبَها وكيلُ المودعِ؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ قولُه في دفعِها إليه، ولو قال مَن عندَه وديعةٌ لمالكِها: خذْ وديعتَك لَزِمَه أخذُها، وعلى المالكِ مؤنةُ الرَّدِّ.\rواللهُ تعالى أَعْلَمُ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354872,"book_id":264,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":267,"body":"كتابُ الفَرَائِضِ والوَصَايَا\rالفرائضُ في اللُّغةِ: جمعُ فريضةٍ، من الفَرْضِ، وهو التَّقديرُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: قَدَّرْتُمْ، فهي فَعيلةٌ بمعنى مفعولةٍ، نحوَ: ربيبةٍ؛ بمعنى مَربوبةٍ، ووديعةٍ؛ بمعنى مودوعةٍ.\rوفي الاصطلاحِ: هو عِلْمٌ بقواعدَ فقهيَّةٍ وحسابيَّةٍ يُعْرَفُ بها نَصيبُ كلِّ وارثٍ منَ التَّرِكةِ.\rوالوصايا في اللُّغةِ: جمعُ وصيَّةٍ، وهي الإيصالُ، مأخوذةٌ من وَصَّى الشَّيءَ بكذا؛ أيْ: وَصَلَه به، ولأنَّ المُوصيَ وَصَلَ خيرَ دنياهُ بخيرِ عُقباهُ.\rوفي الاصطلاحِ: تَبَرُّعٌ بحقٍّ مضافٍ لما بعدَ الموتِ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِها قبلَ الإجماعِ آياتُ المواريثِ، وأحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (¬١).\rوأسبابُ الميراثِ ثلاثةٌ، وهي: النِّكاحُ، والنَّسَبُ، والوَلاءُ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (١٦١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354873,"book_id":264,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":268,"body":"وموانعُه ثلاثةٌ - أيضًا - وهي: الرِّقُّ، والقتلُ، واختلافُ الدِّينِ، وستأتي قريبًا إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَارِثُونَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ:\r١ - الابْنُ»، وهو معروفٌ.\r٢ - «وَابْنُ الابْنِ وَإِنْ سَفَلَ»؛ أيْ: نَزَلَ، وهو بتثليثِ الفاءِ.\r٣ - «وَالْأَبُ»، وهو معروفٌ.\r٤ - «وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا»، والمرادُ بالجَدِّ أبو الأبِ، بخلافِ الجَدِّ من جهةِ الأمِّ فإنَّه من ذوي الأرحامِ (¬١).\r٥ - «وَالْأَخُ»، والمرادُ به: الأخُ لأبوينِ أو من أحدِهِما.\r٦ - «وَابْنُ الْأَخِ وَإِنْ تَرَاخَى»، والمرادُ ابنُ الأخِ للأبوينِ، أو لأبٍ فقط؛ ليَخْرُجَ ابنُ الأخِ لأمٍّ، فلا يَرِث؛ لأنَّه من ذوي الأرحامِ، وقولُه: «وَإِنْ تَرَاخَى»؛ أيْ: وإن بَعُدَ، كابنِ ابنِ الأخِ.\r٧ - «وَالْعَمُّ»، والمرادُ به: العمُّ لأبوينِ أو لأبٍ فقط؛ ليَخْرُجَ العمُّ للأمِّ فلا يَرِث؛ لأنَّه من ذوي الأرحامِ.\r٨ - «وَابْنُ الْعَمِّ وَإِنْ تَبَاعَدَا»؛ أيِ: العمُّ المذكورُ وابنُه، فلا فَرْقَ في العمِّ بَيْنَ القريبِ كعمِّ الميِّتِ، والبعيدِ كعمِّ أبيه، وعمِّ جَدِّه إلى حيثُ ينتهي وكذلك ابنُه.","footnotes":"(¬١) المرادُ بذوي الأرحامِ: كلُّ قريبٍ ليس بذي فرضٍ ولا عَصَبَةٍ، وهم عشَرةُ أصنافٍ؛ أبو الأمِّ وكلُّ جَدٍّ وجَدَّةٍ ساقطيْنِ، وأولادُ البناتِ، وبناتُ الإخوةِ، وأولادُ الأخواتِ، وبناتُ الإخوةِ للأمِّ، والعمُّ للأمِّ، وبناتُ الأعمامِ، والعمَّاتُ، والأخوالُ، والخالاتُ، والمدلونَ بهم، كما في «منهاج الطَّالبين» للنَّوويِّ (ص: ٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354874,"book_id":264,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":269,"body":"٩ - «وَالزَّوْجُ»، ولو كانَ في عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ.\r١٠ - «وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ»؛ أيِ: السَّيِّدُ الذي صَدَرَ منه الإعتاقُ.\rوطريقُ البسطِ هنا يقالُ: الوارثون مِنَ الذُّكورِ خمسةَ عشرَ: الأبُ، وأبوه وإن علا، والابنُ، وابنُه وإن سَفَلَ، والأخُ الشَّقيقُ، والأخُ للأبِ، والأخُ للأمِّ، وابنُ الأخِ الشَّقيقِ، وابنُ الأخِ للأبِ، والعمُّ لأبوينِ، والعمُّ لأبٍ، وابنُ العمِّ لأبوينِ، وابنُ العمِّ لأبٍ، والزَّوجُ، والمعتِقُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ سَبْعٌ:\r١ - الْبِنْتُ»، وهي معروفةٌ.\r٢ - «وَبِنْتُ الابْنِ»، وفي بعضِ النُّسخِ (وإن سَفَلَتْ) وصوابُه وإن سَفَلَ بحذفِ المثنَّاةِ؛ إذِ الفاعلُ ضميرٌ يَعودُ على المضافِ إليه؛ أيْ: وإن سَفَلَ الابنُ، فإنَّ بِنْتَهُ تَرِثُ، وإثباتُ المثنَّاةِ يؤدِّي إلى دخولِ بنتِ بنتِ الابنِ في الإرثِ؛ وهو خطأٌ.\r٣ - «وَالْأُمُّ»، وهي معروفةٌ.\r٤ - «وَالْجَدَّةُ»، والمرادُ بها: المدليةُ بوارثٍ كأمِّ الأبِ وأمِّ الأمِّ وإن عَلَتْ، وخرجَ بالمدليةِ بوارثِ؛ أمُّ أبي الأمِّ فلا تَرِثُ، لأنَّها من ذوي الأرحامِ.\r٥ - «وَالْأُخْتُ»؛ أيْ: لأبوينِ أو مِن أحدِهِما.\r٦ - «وَالزَّوْجَةُ»، ولو في عِدَّةِ رجعيَّةٍ، يقولُ الخطيبُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354875,"book_id":264,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":270,"body":"الشِّربينيُّ ﵀: «الأفصحُ أنْ يقال في المرأةِ: زوجٌ، والزَّوجةُ لغةٌ مرجوحةٌ، قال النَّوويُّ: واستعمالُها في بابِ الفرائضِ متعيِّنٌ ليَحْصُلَ الفرْقُ بيْنَ الزَّوجينِ، والشَّافعيُّ رضيَ اللهُ تعالى عنه يَسْتَعْمِلُ في عِبارتِه المرأةَ وهو حَسَنٌ» (¬١).\r٧ - «وَالْمَوْلَاةُ الْمُعْتِقَةُ»؛ أيِ: السَّيِّدةُ التي صَدَرَ منها الإعتاقُ.\rوطريقُ البسطِ هنا أنْ يُقالَ: والوارثاتُ من النِّساءِ عَشْرٌ: الأمُّ، والجَدَّةُ للأبِ، والجَدَّةُ للأمِّ وإن عَلَتْ، والبنتُ، وبنتُ الابنِ وإن سَفَلَ، والأختُ الشَّقيقةُ، والأختُ للأبِ، والأختُ للأمِّ، والزَّوجةُ، والمعتِقةُ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الحَجْب\rالحَجْبُ في اللُّغةِ: هو المنعُ، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؛ أيْ: ممنوعونَ عن رؤيةِ اللهِ تعالى في الآخرةِ.\rوفي الاصطلاحِ: هو مَنْعُ من قامَ به سببُ الإرثِ من الإرثِ بالكلِّيَّةِ، أو من أَوْفَرِ حَظَّيْهِ، وهو قِسمانِ:\rالأوَّلُ: حجبٌ بالوصفِ، وهو حجبُ الشَّخصِ من جميعِ","footnotes":"(¬١) «الإقناع في حلِّ ألفاظ أبي شجاع» (٢/ ٣٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354876,"book_id":264,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":271,"body":"الميراثِ لوجودِ الوصفِ القائمِ به، ككونِه رقيقًا، أو قاتلًا، أو مرتدًّا.\rالثَّاني: حجبٌ بالشَّخصِ، وهو المرادُ عند الإطلاقِ. وهذا على نوعينِ:\r١ - حجبُ نقصانٍ: وهو حجبُ الوارثِ من أَوْفَرِ حَظَّيْهِ، كحجبِ الولدِ الزَّوجَ من النِّصفِ إلى الرُّبُعِ، والزوجةَ من الرُّبُعِ إلى الثُّمُنِ، والأمَّ من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ.\r٢ - حجبُ حرمانٍ: وهو حجبُ الوارثِ من جميعِ الميراثِ، كحجبِ الجَدَّاتِ بالأمِّ، والأجدادِ بالأبِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ خَمْسَةٌ:\r١، ٢ - الزَّوْجَانِ»؛ أيِ: الزَّوجُ والزَّوجةُ.\r٣، ٤ - «وَالْأبَوَانِ»؛ أيِ: الأبُ والأمُّ.\r٥ - «وَوَلَدُ الصُّلْبِ»؛ أيِ: الولدُ المباشِرُ، ذكرًا كانَ أم أُنثى.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ لَا يَرِثُ بِحَالٍ سَبْعَةٌ:\r١ - الْعَبْدُ»، وهو المملوكُ، ذَكَرًا كانَ أو أُنثى.\r٢ - «وَالْمُدَبَّرُ»، وهو المعلَّقُ عتقُه على موتِ سيِّدِه.\r٣ - «وَأُمُّ الْوَلَدِ»، وهي الأَمَةُ التي وَطِئَها سيِّدُها فحَمَلَتْ منه بمولودٍ، سواءٌ كانَ ذَكَرًا أو أُنثى.\r٤ - «وَالْمُكَاتَبُ»، وهو الذي تعاقَدَ مع سَيِّدِه على أن يُعْطِيَه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354877,"book_id":264,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":272,"body":"مقدارًا من المالِ، فإذا أدَّاه أَصْبَحَ حُرًّا، ولا يَرِثُ هذا ومن قَبْلَهُ؛ لأنَّهم لا يَمْلكونَ أصلًا.\r٥ - «وَالْقَاتِلُ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» (¬١).\r٦ - «وَالْمُرْتَدُّ»؛ لحديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (¬٢).\rوالمرتدُّ هو الذي يَكْفُرُ بعدَ إسلامِه.\r٧ - «وَأَهْلُ الْمِلَّتَيْنِ»، والمقصودُ المسلمُ والكافرُ، فلا يَرِثُ مسلمٌ من كافرٍ، ولا كافرٌ من مسلمٍ؛ للحديثِ السَّابقِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أقربِ العَصَباتِ\rالعَصَباتُ في اللُّغةِ: جَمْعُ عَصَبةٍ، وهم جمعُ عَاصبٍ، من العَصْبِ، وهو الشَّدُّ، ومنه عصابةُ الرَّأسِ؛ لأنَّه يُعْصَبُ بها؛ أيْ: يُشَدُّ، والعَصَبُ؛ لأنَّه يَشُدُّ الأعضاءَ، وعصابةُ القومِ لاشتدادِ بعضِهم ببعضٍ، و ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]؛ أيْ: شديدٌ، فسُمِّيَت القرابةُ عَصَبَةً؛ لشدَّةِ الأَزْرِ.\rوالعَصَبةُ في الاصطلاحِ: هم من يَرِثُونَ بغيرِ نصيبٍ مقدَّرٍ،","footnotes":"(¬١) رواه الترمذي (٢١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٤٥)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ لا يصحُّ ... والعملُ على هذا عندَ أهلِ العِلمِ».\r(¬٢) رواه البخاري (٦٣٨٣)، ومسلم (١٦١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354878,"book_id":264,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":273,"body":"بسببِ ارتباطِهِم بالميِّتِ؛ إمَّا بقرابةٍ مباشِرةٍ في النَّسبِ عن طريقِ الذُّكورِ، أو من يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُم بسببِ الولاءِ، فإذا انفردَ أخذَ جميعَ المالِ، وإن كانَ معه صاحبُ فرضٍ أَخَذَ الباقيَ بعدَه، وإن استغرقتِ الفروضُ التَّركةَ سَقَطَ؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (¬١).\rوتنقسمُ العَصَبَاتُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ:\r١ - العَصَبَةُ بالنَّفْسِ: وهم جميعُ الذُّكورِ الوارِثينَ منَ الأصولِ، والفروعِ، والحواشي (¬٢)؛ إلَّا الإِخوةَ من الأمِّ، وكذلك من يَرِثُ بالولاءِ، سواءٌ كانَ ذَكرًا أو أُنثى، كالمعتِقِ والمعتِقةِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» (¬٣).\r٢ - العَصَبَةُ بالغيرِ: وهنَّ البناتُ، وبناتُ الابنِ، والأخواتُ الشَّقيقاتُ، والأخواتُ لأبٍ مع ذَكرٍ مماثلٍ لهنَّ؛ درجةً ووصفًا، مثالُه: تُوُفِّيَ شخصٌ وتركَ زوجةً وابنًا وبنتًا, فإنَّ الزَّوجةَ تأخذُ الثُّمُنَ فَرْضًا، والابنُ والبنتُ يأخذانِ الباقيَ تعصيبًا، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (١٦١٥).\r(¬٢) الأقاربُ: أصولٌ، وفروعٌ، وحواشٍ، فالأصولُ: من تَفَرَّعْتَ منهم من آباءٍ وأمَّهاتٍ، والفروعُ: من تفرَّعوا منك من بنينَ وبناتٍ، والحواشي: من تفرَّعوا من أصولِك، فيدخُلُ فيهم الإخوةُ، والأعمامُ، والأخوالُ.\r(¬٣) رواه الشَّافعيُّ في «مسنده» (٢٣٧)، وابن حبَّان في «صحيحه» (١٨٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354879,"book_id":264,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":274,"body":"٣ - العَصَبَةُ مع الغيرِ: هنَّ الأخواتُ الشَّقيقاتُ، والأخواتُ لأبٍ مع إناثِ الفروعِ، فكلُّ أختٍ شقيقةٍ أو أختٍ لأبٍ تُصْبِحُ العَصَبَةَ مع البنتِ أو بنتِ الابنِ فتُجعلُ الأخواتُ الشَّقيقاتُ بمنزلةِ الإخوةِ الأشقَّاءِ، والأخواتُ لأبٍ بمنزلةِ الإخوةِ لأبٍ، مثالُهُ: تُوُفِّيَ شخصٌ وتَرَكَ زوجةً وبنتًا وأختًا، فإنَّ الزَّوجةَ تأخذُ الثُّمُنَ، والبنتَ تأخذُ النِّصفَ فَرْضًا، والأختَ الشَّقيقةَ تأخذُ الباقيَ تعصيبًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ الابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ، ثُمَّ الْعَمُّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، ثُمَّ ابْنُهُ، فَإِنْ عُدِمَتِ الْعَصَبَاتُ فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ»، أَقْرَبُ العَصَباتِ منَ النَّسبِ هي العَصَبةُ بالنَّفْسِ، وهمُ: الابنُ، ثمَّ ابنُ الابنِ وإنْ سَفَلَ، ثمَّ الأبُ، ثم الجَدُّ وإنْ عَلا، ثمَّ الأخُ الشَّقيقُ، ثمَّ الأخُ لأبٍ، ثمَّ ابنُ الأخِ الشَّقيقِ، ثمَّ ابنُ الأخِ لأبٍ، ثمَّ العمُّ الشَّقيقُ، ثمَّ العمُّ لأبٍ، ثمَّ ابنُ العمِّ الشَّقيقِ، ثمَّ ابنُ العمِّ لأبٍ، فإذا عُدِمَتِ العَصَباتُ منَ النَّسبِ الَّذينَ يتعصَّبونَ بأنفُسِهم فالمَوْلى المعتِقُ، والمعتِقُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأنثى لإطلاقِ حديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: قالَ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (¬١).\rفجهاتُ العُصوبةِ خمسٌ، وهي على التَّرتيبِ: بنوَّةٌ، ثمَّ أُبوَّةٌ، ثمَّ أُخوَّةٌ، ثمَّ عمومةٌ، ثمَّ ولاءٌ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٤٤)، ومسلم (١٥٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354880,"book_id":264,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":275,"body":"فالبنوَّةُ يدخُلُ فيها الأبناءُ وأبناؤُهم وإنْ نزَلوا بمحضِ الذُّكورِ، وكذا البناتُ وبناتُ الابنِ مع ذَكَرٍ مُعَصِّبٍ لهنَّ.\rوالأبوَّةُ يَدْخُلُ فيها الأبُ وآباؤُه وإن عَلَوْا بمحضِ الذُّكورِ.\rوالأُخوَّةُ يَدْخُلُ فيها الإخوةُ لغيرِ أمٍّ وأبناؤُهم وإن نزَلوا بمحضِ الذُّكورِ، وكذا الأخواتُ لغيرِ أمٍّ إذا كنَّ عَصَبَةً بالغيرِ، أو مع الغيرِ.\rوالعمومةُ يَدْخُلُ فيها الأعمامُ لغيرِ أمٍّ، وأبناؤُهم وإن نزَلوا بمحضِ الذُّكورِ.\rوالولاءُ يَدْخُلُ فيه المعتِقُ، وعَصَبَتُه المتعصِّبونَ بأنفُسِهم.\rويُقَدَّمُ في التَّعصيبِ الأسبقُ جهةً، فإنْ كانوا في جهةٍ واحدةٍ، قُدِّمَ الأقربُ مَنزلةً، فإن كانوا في مَنزلةٍ واحدةٍ، قُدِّمَ الأقوى، وهو من يُدْلي بالأبوينِ على الذي يُدْلي بالأبِ وَحْدَه؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (¬١).\rفالابنُ أَوْلى من الأبِ؛ لأنَّه أَسْبَقُ جهةً، والأبُ أَوْلى من الجَدِّ؛ لأنَّهُ أقْربُ مَنزلةً، والأخُ الشَّقيقُ أَوْلى من الأخِ لأبٍ؛ لأنَّه أقوى.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (١٦١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354881,"book_id":264,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":276,"body":"«فَصْلٌ»\rفي الفروضِ المذكورةِ في كتابِ اللهِ تعالى\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْفُرُوضُ الْمَذْكُورَةُ فِي كِتَابِ اللهِ تعالى سِتَّةٌ:\rالنِّصْفُ، وَالرُّبُعُ، وَالثُّمُنُ، وَالثُّلُثَانِ، وَالثُّلُثُ، وَالسُّدُسُ»، الفروضُ جمعُ فَرْضٍ، وهو السَّهمُ المقدَّرُ شرعًا، لا يَزيدُ ولا يَنْقُصُ؛ إلا لعارضٍ، كما سيأتي إن شاءَ اللهُ تَعالى.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَالنِّصْفُ فَرْضُ خَمْسَةٍ:\r١ - الْبِنْتِ»، في حالِ الانفرادِ، وهو: عَدَمُ المماثِلِ؛ أيْ: عدمُ وجودِ أخٍ لها أو أختٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١].\r٢ - «وَبِنْتِ الابْنِ»؛ قياسًا على البنتِ بالإجماعِ، إذا انفَردتْ عن تعصيبٍ وتنقيصٍ، فخَرَجَ بالتَّعصيبِ ما إذا كانَ معها أخٌ في درجتِها، فإنَّه يعصِّبُها، ويَكونُ لها نصفُ ما حَصَلَ له، وبالتَّنقيصِ ما إذا كانَ معها بنتُ صُلْبٍ، فإنَّ لها معها السُّدُسَ تكملةَ الثُّلُثينِ.\r٣ - «وَالْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»، إذا انفَردتْ عن جنسِ البنوَّةِ والأخوَّةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقد أَجْمَعوا على أنَّ المرادَ بها الأختُ الشَّقيقةُ والأختُ من الأبِ.\r٤ - «وَالْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ»، وهذا عندَ عَدَمِ وجودِ الأختِ الشَّقيقةِ؛ للآيةِ السَّابقةِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354882,"book_id":264,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":277,"body":"٥ - «وَالزَّوْجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَلَدٌ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]؛ أيْ: إن لم يكنْ للزوجةِ ولدٌ؛ منه أو من غيْرِه، والمرادُ بالولدِ المولودُ، فيشمَلُ الذَّكَرَ والأنثى، وكذلك ولدُ الابنِ لها وإن سَفَلَ؛ منه أو من غيْرِه، للإجماعِ على أنَّ ولدَ الابنِ كولدِ الصُّلبِ في حجبِ الزَّوجِ من النِّصفِ إلى الرُّبُعِ، وذلك إمَّا لصدقِ اسمِ الولدِ عليه مجازًا، أو قياسًا على الإرثِ والتَّعصيبِ، فإنَّه فيهما كولدِ الصُّلبِ إجماعًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالرُّبُعُ فَرْضُ اثْنَيْنِ:\r١ - الزَّوْجِ مَعَ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ»، الرُّبُعُ فرضُ الزَّوجِ مع الولدِ لزوجتِه؛ منه أو من غيرِه، ذَكَرًا كانَ أو أُنثى، وكذلك مع ولدِ الابنِ لها وإن سَفَلَ؛ منه أو من غيْرِه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾ [النساء: ١٢]، وخرجَ بقيدِ «الابنِ» ولدُ البنتِ، فإنَّه لا يَرِثُ ولا يَحْجُبُ.\r٢ - «وَهُوَ فَرْضُ الزَّوْجَةِ، وَالزَّوْجَاتِ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ»؛ أيِ: الرُّبُعُ فرضُ الزَّوجةِ الواحدةِ، وهو لكلِّ الزَّوجاتِ بالسَّويَّةِ، هذا مع عدمِ الولدِ للزَّوجِ؛ ذَكَرًا كانَ أو أُنثى، وعدمِ ولدِ الابنِ له وإن سَفَلَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، واستُفيدَ من تعبيرِه بـ «الزَّوجاتِ» بعدَ قولِه: «الزَّوجةِ»؛ أنَّ ما فوقَ الواحدةِ إلى انتهاءِ الأربعِ في استحقاقِ الرُّبُعِ كالواحدةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالثُّمُنُ فَرْضُ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَاتِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354883,"book_id":264,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":278,"body":"مَعَ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ»؛ أيِ: الثُّمُنُ وهو فرضُ الزَّوجةِ الواحدةِ، وهو لكلِّ الزَّوجاتِ بالسَّويَّةِ، وهذا مع الولدِ للزَّوجِ، منها أو من غيرِها، أو مع ولدِ الابنِ له وإن سَفَلَ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء: ١٢].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالثُّلُثَانِ فَرْضُ أَرْبَعَةٍ:\r١ - الْبِنْتَيْنِ»، فأَكْثَرَ، أمَّا في البنتينِ فبالإجماعِ المستنِدِ لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: جاءتِ امرأةُ سعدِ بنِ الرَّبيعِ بابنتيْها من سعدٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، هاتان ابنتَا سعدِ بنِ الرَّبيعِ، قُتِلَ أبوهُما معك يومَ أُحُدٍ شهيدًا، وإنَّ عمَّهُما أَخَذَ مالَهما، فلم يَدَعْ لهما مالًا، ولا تُنْكَحَانِ إلا ولهما مالٌ، قالَ: «يَقْضِي اللهُ فِي ذَلِكَ»، فنزلت آيةُ الميراثِ، فبَعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى عمِّهِما، فقالَ: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ» (¬١). وأمَّا في الأكثرِ من ثِنْتَيْنِ فلعمومِ قولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١].\r٢ - «وَبِنْتَيِ الابْنِ»؛ للإجماعِ على أنَّ وَلَدَ البنينَ يَقومونَ مقامَ الأولادِ، ذكورُهُم كذكورِ الأولادِ، وإناثُهُم كإناثِهِم.\r٣ - «وَالْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦].","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٤٨٤٠)، وأبو داود (٢٨٩١)، والترمذي (٢٠٩٢)، وابن ماجه (٢٧٢٠)، قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354884,"book_id":264,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":279,"body":"٤ - «وَالْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأَبِ»، وهذا عندَ فقْدِ الشَّقِيقَتَيْنِ، فإذا وُجِدَتِ الأختانِ: الشَّقيقةُ والأختُ لأبٍ معًا، فلا يُمْكِنُ التَّسويةُ بيْنَهما، فلا تعطَى الأختانِ معًا الثُّلُثينِ مناصَفةً، وإنما تُعطَى الشَّقيقةُ النِّصفَ، ثمَّ تعطَى الأختُ لأبٍ ما بقيَ من الثُّلُثينِ، وهو السُّدُسُ، وهذا بإجماعِ العلماءِ، وسيأتي قريبًا -إن شاءَ اللهُ تَعالى- من كلامِ المصنِّفِ ﵀.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالثُّلُثُ فَرْضُ اثْنَتَيْنِ:\r١ - الْأُمِّ إِذَا لَمْ تُحْجَبْ»، الثُّلُثُ فرضُ الأمِّ إذا لم تُحْجَبْ حجبَ نقصانٍ؛ إن لم يكنْ لميِّتِها ولدٌ، ولا ولدُ ابنٍ وارثٍ، ولا اثنانِ من الإخوةِ والأخواتِ للميِّتِ، سواءٌ أكانوا أشقَّاءَ أم لا، ذكورًا أم لا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وولدُ الابنِ مُلْحَقٌ بالولدِ، والمرادُ بالإخوةِ اثنانِ فأَكْثَرُ.\r٢ - «وَهُوَ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، وهذه الآيةُ نزَلتْ في ولدِ الأمِّ بإجماعِ المفسِّرينَ؛ وكانَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ ﵁ يقرأُ: (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ) (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالسُّدُسُ فَرْضُ سَبْعَةٍ:\r١ - الْأُمِّ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الابْنِ»، السُّدُسُ فرضُ الأمِّ مع","footnotes":"(¬١) رواه سعيد بن منصور في التَّفسير من «سننه» (٥٩٢)، وابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٣١٦٠٤)، والبيهقيّ في «السُّنن الكبرى» (١٢١٠٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354885,"book_id":264,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":280,"body":"الولدِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، وكذلك مع ولدِ الابنِ وإن سَفَلَ؛ للإجماعِ على حجبِها به من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ.\r٢ - «أَوِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ»، والسُّدُسُ فرضُ الأمِّ -أيضًا- إذا كانَ معها اثنانِ فصاعدًا من الإخوةِ والأخواتِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، ولفظُ الإخوةِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنثى.\r٣ - «وَهُوَ لِلْجَدَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأُمِّ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضُ الجَدَّةِ عندَ عَدَمِ الأمِّ، سواءٌ كانت الجَدَّةُ أمًّا لأمٍّ، أو أمًّا لأبٍ؛ لما روى قَبِيصةُ بنُ ذُؤيبٍ قالَ: جاءت الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ ﵁ تسألُه عن ميراثِها، فقالَ: «ما لكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، وما علمتُ لكِ في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ شيئًا، فارجِعي حتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ»، فسألَ، فقال المغيرةُ بنُ شُعبةَ: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أعطاها السُّدُسَ، فقالَ: «هل معكَ غيرُكَ؟»، فقامَ محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ فقالَ مِثْلَه، فأَنْفَذَ لها السُّدُسَ، ثمَّ جاءتِ الجَّدَةُ الأخرى إلى عمرَ ﵁ تَسألُه، فقالَ: ما لكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، وما كانَ القضاءُ الذي قضى به إلَّا لغيرِكِ، وما أنا بزائدٍ في الفرائضِ شيئًا، ولكنْ هو ذلك السُّدُسُ، فإن اجتمعتُما فهو بَيْنَكُما، وأيَتُّكُما خَلَتْ به فهو لها (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٨٠٠٧)، وأبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠٠)، وابن ماجه (٢٧٢٤)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354886,"book_id":264,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":281,"body":"٤ - «وَلِبِنْتِ الابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضُ بنتِ الابنِ مع بنتِ الصُّلْبِ تكملةَ الثُّلُثينِ؛ لحديثِ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ عندما سُئِلَ عن ابنةٍ، وابنةِ ابنٍ، وأختٍ، فقالَ: للابنةِ النِّصفُ، وللأختِ النِّصفُ، وائْتِ ابنَ مسعودٍ فسيتابعُني، فسُئِلَ ابنُ مسعودٍ ﵁ وأُخْبِرَ بقولِ أبي موسى فقالَ: «لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا من المهتدِينَ، أقضي فيها بما قضى النَّبيُّ ﷺ: للابنةِ النِّصفُ، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ تكملةَ الثُّلُثينِ، وما بقيَ فللأختِ»، فأتينا أبا موسى فأخبرْناه بقولِ ابنِ مسعودٍ، فقالَ: لا تسألوني ما دامَ هذا الْحَبْرُ فيكم (¬١).\r٥ - «وَهُوَ لِلْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ مَعَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضٌ للأختِ من الأبِ مع الأختِ من الأبِ والأمِّ؛ تكملةَ الثُّلُثينِ، كما في البنتِ وبنتِ الابنِ.\r٦ - «وَهُوَ فَرْضُ الْأَبِ مَعَ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ، وَفَرْضُ الْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضُ الأبِ مع الولدِ ذكرًا كانَ أو أُنثى، أو مع ولدِ الابنِ وإن سَفَلَ، وهو -أيضًا- فرضُ الجَدِّ للأبِ عند عدمِ الأبِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، وولدُ الابنِ كالولدِ، كما سَبَقَ، وكذلك الجَدُّ كالأبِ.\r٧ - «وَهُوَ فَرْضُ الْوَاحِدِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ»، السُّدُسُ -أيضًا-","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٣٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354887,"book_id":264,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":282,"body":"فرضُ الواحدِ من ولدِ الأمِّ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى-؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَسْقُطُ الْجَدَّاتُ بِالْأُمِّ، وَالْأَجْدَادُ بَالْأَبِ»، تَسْقُطُ الجَدَّاتُ بالأمِّ إجماعًا، وكذلك الأجدادُ بالأبِ، ووجهُ عدمِ إرثِ الجدَّاتِ مع وجودِ الأمِّ أنَّهنَّ إنَّما يأخذْنَ ما تأخذُه الأمُّ حالَ عدمِ وجودِها، فإذا وُجِدَتْ حَجَبَتْهُنَّ، فلا يَرِثْنَ مع وجودهِا، وكذلك الجدُّ مع الأبِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأُمِّ مَعَ أَرْبَعَةٍ»، يَسْقُطُ ولدُ الأمِّ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- مع وجودِ أربعةٍ؛ أي: بواحدٍ منها، وهم:\r١ - «الْوَلَدُ»، ذَكرًا كانَ أو أُنثى.\r٢ - «وَوَلَدُ الابْنِ»، وإن سَفَلَ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى.\r٣ - «وَالْأَبُ»، بالإجماعِ ولآيتي الكَلالةِ المفسَّرةِ بمن لا وَلَدَ له ولا والدَ.\r٤ - «وَالْجَدُّ»؛ لأنَّ حُكمَه حُكمُ الأبِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ مَعَ ثَلَاثَةٍ:\r١ - الابْنِ»، وهو معروفٌ.\r٢ - «وَابْنِ الابْنِ»، وإن سَفَلَ.\r٣ - «وَالْأَبِ»، وهو معروفٌ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354888,"book_id":264,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":283,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَبِالْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ»؛ أيْ: يَسْقُطُ الأخُ للأبِ مع أربعةٍ، هؤلاء الثَّلاثةُ، وَهُمُ الابنُ، وابنُ الابنِ، والأبُ، وكذلك بالأخِ من الأبِ والأمِّ، يعني: الشَّقيقَ؛ لقُوَّتِه بزيادةِ القربِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعَةٌ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ:\r١ - الابْنُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فنصَّ ﷾ على أولادِ الصُّلبِ.\r٢ - «وَابْنُ الابْنِ»؛ لأنَّه لمَّا قامَ مقامَ أبيه في الإرثِ قامَ مقامَه في التَّعصيبِ.\r٣ - «وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].\r٤ - «وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ»؛ للآيةِ السَّابقةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعَةٌ يَرِثُونَ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ، وَهُمُ:\r١ - الْأَعْمَامُ»: لأبوينِ أو لأبٍ.\r٢ - «وَبَنُو الْأَعْمَامِ»: لأبوينِ أو لأبٍ.\r٣ - «وَبَنُو الْأَخِ»: لأبوينِ أو لأبٍ؛ لأنَّ العمَّاتِ وبناتِ الأعمامِ وبناتِ الإخوةِ من ذوي الأرحامِ.\r٤ - «وَعَصَبَاتُ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ»؛ أيِ: الَّذينَ يَتعصَّبونَ بأنفُسِهم لانجرارِ الولاءِ إليهم، فيرثونَ عتيقَ مورِّثِهم بالولاءِ دونَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354889,"book_id":264,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":284,"body":"أخواتِهِم؛ لأنَّ الإناثَ إذا كنَّ لا يَرِثْنَ في النَّسبِ البعيدِ فلا يَرِثْنَ في الولاءِ الذي هوُ أَضْعَفُ منَ النَّسبِ البعيدِ من باب أَوْلى.\r\rتَتِمَّةٌ في تأصيلِ المسائلِ وتصحيحِها:\rتأصيلُ المَسائلِ: هو تحصيلُ أقلِّ عددٍ تَخْرُجُ منه سهامُ المسألةِ بلا كسرٍ.\rوأصولُ مَسائلِ ذوي الفروضِ سبعةٌ: اثنانِ، وثلاثةٌ، وأربعةٌ، وستَّةٌ، وثمانيةٌ، واثنا عشرَ، وأربعةٌ وعشرونَ.\rفالاثنانِ لكلِّ مسألةٍ فيها نصفٌ، كزوجٍ وعمٍّ؛ أو نصفانِ، كزوجٍ وأختٍ شقيقةٍ أو لأبٍ.\r
\r\rوالثَّلاثةُ لكلِّ مسألةٍ فيها ثُلُثٌ، كأمٍّ وعمٍّ؛ أو ثُلثانِ، كبنتينِ وعمٍّ؛ أو ثُلُثانِ وثُلُثٍ، كأختينِ شقيقتينِ أو لأبٍ وأختينِ لأمٍّ.\r
","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354890,"book_id":264,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":285,"body":"والأربعةُ لكلِّ مسألةٍ فيها رُبُعٌ، كزوجٍ وابنٍ؛ أو رُبُعٌ ونصفٌ، كزوجٍ وبنتٍ وعمٍّ.\r
\r\rوالسِّتَّةُ لكلِّ مسألةٍ فيها سُدُسٌ أو سُدُسانِ أو ثلاثةٌ، كأمٍّ وابنٍ، أو أمٍّ وأخٍ لأمٍّ وأخٍ شقيقٍ، أو أمٍّ وأبٍ وبنتٍ وبنتِ ابنٍ؛ أو سُدُسٌ وثُلُثٌ، كأمٍّ وأخٍ لأمٍّ وعمٍّ؛ أو سُدُسٌ ونصفٌ، كأمٍّ وبنتٍ وعمٍّ؛ أو سُدُسٌ وثُلُثانِ، كأمٍّ وابنتينِ وعمٍّ؛ أو نصفٌ وثُلُثٌ، كزوجٍ وأمٍّ وعمٍّ.\r
","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354891,"book_id":264,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":286,"body":"
\r\rوالثَّمانيةُ لكلِّ مسألةٍ فيها ثُمُنٌ، كزوجةٍ وابنٍ؛ أو ثُمُنٌ ونصفٌ، كزوجةٍ وبنتٍ وعمٍّ.\r
\r\rوالاثنا عشرَ لكلِّ مسألةٍ فيها رُبُعٌ وسُدُسٌ، كزوجٍ وأمٍّ وابنٍ؛ أو رُبُعٌ وثُلُثٌ، كزوجةٍ وأمٍّ وعمٍّ؛ أو رُبُعٌ وثُلُثانِ، كزوجةٍ وشقيقتينِ وعمٍّ.\r
","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354892,"book_id":264,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":287,"body":"
\r\rوالأربعةُ والعشرونَ لكلِّ مسألةٍ فيها ثُمُنٌ وسُدُسٌ، كزوجةٍ وأمٍّ وابنٍ؛ أو ثُمُنٌ وثُلثانِ، كزوجةٍ وابنتينِ وعمٍّ.\r
\r\rوالذي يعولُ من الأصولِ ثلاثةٌ: ستَّةٌ، واثنا عشرَ، وأربعةٌ وعشرونَ.\rفالسِّتَّةُ تعولُ إلى سبعةٍ، وثمانيةٍ، وتسعةٍ، وعَشَرةٍ، مِثالُه: أنْ تَهْلِكَ امرأةٌ عن زوجٍ وأختينِ شقيقتينِ، فالمسألةُ من ستَّةٍ: للزَّوجِ النِّصفُ ثلاثةٌ، وللأختينِ الثُّلثانِ أربعةٌ، وتعولُ إلى سبعةٍ، فإن كانَ معهم أمٌّ كانَ لها السُّدُسُ واحدٌ، وتعولُ إلى ثمانيةٍ، فإن كانَ معهم أخٌ لأمٍّ كانَ له السُّدُسُ واحدٌ، وتعولُ إلى تسعةٍ، فإن كانَ معهم أخٌ لأمٍّ آخَرَ كانَ له مع أخيه الثُّلُثُ، وتعولُ إلى عَشَرةٍ.\r
","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354893,"book_id":264,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":288,"body":"
\r\rوالاثنا عَشَرَ تعولُ إلى ثلاثةَ عَشَرَ، وخمسةَ عَشَرَ، وسبعةَ عَشَرَ، مِثالُه: أن يَهْلِكَ هالكٌ عن ثلاثِ زوجاتٍ وثماني أخواتٍ لغيرِ أمٍّ وجَدَّتَيْنِ، فالمسألةُ من اثني عَشَرَ، للزَّوجاتِ الرُّبُعُ ثلاثةٌ لكلِّ واحدةٍ واحدٌ، وللأخواتِ الثُّلثانِ ثمانيةٌ لكلِّ واحدةٍ واحدٌ، وللجَدَّتَيْنِ السُّدُسُ اثنانِ لكلِّ واحدةٍ واحدٌ، وتعولُ إلى ثلاثةَ عَشَرَ، فإن كانَ معهم أختٌ لأمٍّ كانَ لها السُّدُسُ اثنانِ، وتعولُ إلى خمسةَ عَشَرَ، فإن كانت الأخواتُ لأمٍّ أكثرَ من واحدةٍ كأربعٍ -مثلًا- كانَ لهنَّ الثُّلُثُ أربعةٌ، لكلِّ واحدةٍ واحدٌ، وتعولُ إلى سبعةَ عَشَرَ.\r
","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354894,"book_id":264,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":289,"body":"والأربعةُ والعِشرونَ تعولُ إلى سبعةٍ وعِشرينَ فقط، مِثالُه: أن يَهْلِكَ رجلٌ عن زوجةٍ، وابنتينِ، وأبوينِ، فالمسألةُ من أربعةٍ وعِشرينَ؛ للزَّوجةِ الثُّمُنُ ثلاثةٌ، وللبنتينِ الثُّلُثانِ ستَّةَ عشرَ، وللأمِّ السُّدُسُ أربعةٌ، وللأبِ السُّدُسُ أربعةٌ.\r
\r\rفإذا حَصَلَ العولُ في مسألةٍ فإنَّه يَنْقُصُ من نصيبِ كلِّ وارثٍ بقدرِ نسبةِ ما عالت به إليها بعدَ العَولِ، فإذا عالت السِّتَّةُ -مثلًا- إلى سبعةٍ كانَ نقصُ سهمِ كلِّ وارثٍ سُبُعًا؛ لأنَّها عالت بواحدٍ، ونسبةُ الواحدِ إلى السَّبعةِ سُبُعٌ، وإذا عالت إلى عَشَرةٍ كانَ نقصُه الخُمُسَيْنِ؛ لأنَّها عالت بأربعةٍ، ونسبةُ الأربعةِ إلى العَشَرةِ خُمُسَانِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الوَصِيَّة\rسَبَقَ تعريفُ الوصيَّةِ في اللُّغةِ والاصطلاحِ. والأصلُ في مشروعِيَّتِها قبلَ الإجماعِ آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ [النساء: ١١].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354895,"book_id":264,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":290,"body":"وأحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (¬١).\rقال الشَّافعيُّ ﵀: «معنى الحديثِ: ما الحزمُ والاحتياطُ للمُسْلمِ إلَّا أن تَكونَ وصيَّتُه مكتوبةً عندَه، ويُسْتَحَبُّ تعجيلُها، وأن يكتبَها في صحَّتِه، ويُشْهِدَ عليه فيها، ويَكْتُبَ فيها ما يَحتاجُ إليه، فإن تَجَدَّدَ له أمرٌ يَحتاجُ إلى الوصيَّةِ به أَلْحَقَه بها» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ وَالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ»، تَجوزُ الوصيَّةُ بالشَّيءِ المعلومِ، كأن يَقولَ أوصيتُ بهذه الدَّارِ لزيدٍ أو عمرٍو، كما تَجوزُ بالمجهولِ كأن يَقولَ: أوصيتُ بثُلثِ مالي لزيدٍ أو عمرٍو، وهو لا يدري كم سَيَكونُ مالُه عند موتِه، وكذلك تَجوزُ الوصيَّةُ بالموجودِ، سواءٌ كانَ معلومًا أو مجهولًا، كأن يَقولَ: أوصيتُ بهذه النَّاقةِ لزيدٍ أو عمرٍو، أو أوصيتُ بناقةٍ من إبلي لزيدٍ أو عمرٍو، وكذلك تَجوزُ الوصيَّةُ بالمعدومِ، كأن يَقولَ: أوصيتُ بما تَحْمِلُه هذه النَّاقةُ، أو بما يَحملُه شجرُ هذا البستانِ لزيدٍ أو عمرٍو.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ وُقِفَ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ»؛ لحديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁ قالَ: جاءَ النَّبيُّ ﷺ يَعُودُني وأنا بمكَّةَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أُوصي بمالي","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٧).\r(¬٢) «شرح النَّووي على صحيح مسلم» (١١/ ٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354896,"book_id":264,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":291,"body":"كلِّه؟ قالَ: «لَا»، قلتُ: فالشَّطْرُ، قالَ: «لَا»، قلتُ: الثُّلُثُ، قالَ: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (¬١).\rفإذا أرادَ أن يُوصيَ بأكثرَ مِن الثُّلُثِ وُقِفَ على إجازةِ الورثةِ؛ أي: موافقتِهم؛ لأنَّ حقَّهم متعلِّقٌ بالزِّيادةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ»؛ لحديثِ أبي أُمامةَ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (¬٢).\rوفي روايةٍ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ لِكُلِّ مُتَمَلِّكٍ وَفِي سَبِيلِ اللهِ تعالى»، تَجوزُ الوصيَّةُ من كُلِّ حُرٍّ بالغٍ عاقلٍ، لكلِّ متمَلِّكٍ من كبيرٍ أو صغيرٍ ولو كانَ حَمْلًا موجودًا عند الوصيَّةِ، بشرطِ أن ينفصِلَ حيًّا؛ فإن انفصلَ ميِّتًا فلا شيءَ له، كما تَصِحُّ الوصيَّةُ في سبيلِ اللهِ تعالى، فتُصْرَفُ للغزاةِ المجاهِدِينَ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إِلَى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْأَمَانَةُ»،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٥٩١)، ومسلم (١٦٢٨).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٢٣٤٨)، وأبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن».\r(¬٣) رواه الدَّارقطني (٤١٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354897,"book_id":264,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":292,"body":"تَصِحُّ الوصيَّةُ بقضاءِ الدُّيونِ، ورَدِّ المَظالمِ، وتنفيذِ الوصايا، والنَّظرِ في أمرِ الأطفالِ ونحوِ ذلك إلى من اجتمعت فيه خمسُ خصالٍ:\r١ - الْإِسْلَامُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ لكافرٍ؛ لأنَّ الوِصايةَ نوعٌ من الوَلايةِ، ولا وَلايةَ لكافرٍ على مسْلمٍ.\r٢ - الْبُلُوغُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ لصبيٍّ؛ لأنَّ الوصيَّةَ نوعٌ من الوَلايةِ -كما سَبَقَ- والصَّبيُّ ليس من أهلِ الوَلايةِ، ولأنَّه مُوَلًّى عليه، فلا يلي أَمْرَ غَيْرِه.\r٣ - الْعَقْلُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ لمجنونٍ؛ لعجزِه عن التَّصرُّفِ لنفْسِه، فلا يَكونُ متصرِّفًا لغيْرِه.\r٤ - الْحُرِّيَّةُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ للعبدِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ تَستدعي فراغًا، وهو مشغولٌ بخدمةِ سيِّدِه.\r٥ - الْأَمَانَةُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ لفاسقٍ؛ لما في الوصيَّةِ من معنى الوَلايةِ، ومقصودُها الأعظمُ الأمانةُ، والفاسقُ غيرُ مأمونٍ.\rواللهُ تعالى أَعْلَمُ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354898,"book_id":264,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":293,"body":"كتابُ النِّكاحِ وما يَتعلَّقُ بِهِ مِنَ الأحكامِ والقَضَايَا\rالنِّكاحُ في اللُّغةِ: الضَّمُّ والجمعُ، ومنه تَناكحتِ الأشجارُ؛ إذا تمايلت وانضمَّ بعضُها إلى بعضٍ.\rوفي الاصطلاحِ: عَقْدٌ يَتضمَّنُ إباحةَ استمتاعِ كلٍّ من الزَّوجينِ بالآخَرِ على الوجهِ المشروعِ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِه قبْلَ الإجماعِ الكتابُ والسُّنَّةُ أمَّا الكتابُ فقولُه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].\rومن السُّنَّةِ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٧٧٨)، ومسلم (١٤٠٠)، والباءة: فيها أربعُ لغاتٍ: الباءةُ بالمَدِّ والهاءِ، والثَّانيةُ الباةُ بلا مَدٍّ، والثَّالثةُ الباءُ بالمدِّ بلا هاءٍ، والرَّابعةُ الباهةُ بهاءينِ بلا مَدٍّ، وأصلُها في اللُّغةِ الجِماعُ؛ مشتَّقةٌ من المباءةِ، وهي المَنزل، ومنه مباءةُ الإبلِ، وهي مَواطنُها، ثمَّ قيلَ لعقدِ النِّكاحِ: باءةٌ؛ لأنَّ من تزوَّجَ امرأةً بَوَّأَها منزلًا، واختَلفَ العلماءُ في المرادِ بالباءةِ هنا على قولينِ يَرجعانِ إلى معنًى واحدٍ، أصحُّهما أنَّ المرادَ معناه اللُّغويُّ، وهو الجِماعُ، فتقديرُه من استطاع منكم الجِماعَ لقدرتِه على مؤنِه، فليتزوَّجْ، ومن لم يستطِعِ الجماعَ لعجزِه عن مؤنِه فعليه بالصَّومِ؛ ليَقطعَ شهوتَه، كما يقطعُها الوِجاءُ، والوِجاءُ: هو رَضُّ الخُصيتينِ، والمرادُ أنَّ الصَّومَ يَقطعُ الشَّهوةَ كما يَفعلُ الوِجاءُ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354899,"book_id":264,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":294,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَالنِّكَاحُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ»؛ أيْ: بتَوقانِ نفْسِه للوطءِ، وذلك إذا وَجَدَ أُهْبَتَه من مَهرٍ ونفقةٍ، فإن فَقَدَ الأُهبَةَ لم يُستحَبَّ له، ويَكْسِرُ شهوتَه بالصَّومِ؛ للحديثِ السَّابقِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَرْبَعِ حَرَائِرَ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].\rوقال وهبٌ الأسديُّ ﵁: أسلمتُ وعندي ثمانِي نسوةٍ، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ، فقال: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلِلْعَبْدِ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ»؛ لحديثِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّهُ قالَ: «يَنْكِحُ العبدُ امرأتينِ ويُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَنْكِحُ الْحُرُّ أَمَةً إِلَّا بِشَرْطَيْنِ:\r١ - عَدَمِ صَدَاقِ الْحُرَّةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٢٢٤١).\r(¬٢) رواه الشَّافعيُّ في «مسنده» (١٨٧)، وذكَره ابنُ كثيرٍ ﵀ في «مسند الفاروق» (١/ ٤٠٦)، وقالَ: «روى الثَّوريُّ عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عليِّ بن أبى طالبٍ مِثْلَه، وابنِ عوفٍ مِثْلَ قولِهما، ولا يُعْرَفُ لهم مخالِفٌ من الصَّحابةِ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354900,"book_id":264,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":295,"body":"فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، والمرادُ بالطَّوْلِ: الفضلُ والسَّعةُ، والمحصَناتُ: الحرائرُ، والفتياتُ: المملوكاتُ.\r٢ - «وَخَوْفِ الْعَنَتِ»؛ لقولِه تعالى في الآيةِ السَّابقةِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، والمرادُ بالعَنَتِ: الوقوعُ في فاحشةِ الزِّنا، والعياذُ باللهِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَنَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَضْرُبٍ:\rأَحَدُهَا: نَظَرُهُ إِلَى أَجْنَبِيَّةٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَغَيْرُ جَائِزٍ»؛ لقولِه تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].\r«وَالثَّانِي: نَظَرُهُ إِلَى زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا عَدَا الْفَرْجَ مِنْهُمَا»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَنْظُرَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى فَرْجِ زَوْجَتِهِ وَلَا فَرْجِ جَارِيَتِهِ إِذَا جَامَعَهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْعَمَى» (¬١).\r«وَالثَّالِثُ: نَظَرُهُ إِلَى ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، أَوْ أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ، فَيَجُوزُ فِيمَا عَدَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ","footnotes":"(¬١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٣٣١٨)، وقال: «في هذا الحديثِ بعضُ المجهولِينَ، أو بعضُ الضُّعفاءِ». وذكره أبو بكرٍ الحسينيُّ الشَّافعيُّ في «كفايةِ الأخيارِ» (ص: ٣٥٢)، وقال: «الصَّحيحُ أنَّه لا يَحْرُمُ النَّظرُ إلى الفرجِ؛ لأنَّه يَجوزُ الاستمتاعُ به، فالنَّظرُ أَوْلى».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354901,"book_id":264,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":296,"body":"بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].\rولحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إِلَى عَوْرَتِهَا» (¬١).\rوفي روايةٍ: «فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ، وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ» (¬٢).\r«وَالرَّابِعُ: النَّظَرُ لِأَجْلِ النِّكَاحِ فَيَجُوزُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ»؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁: «أنَّ امرأةً جاءت إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ، جئتُ لأهَبَ لك نفْسِي، فنَظَرَ إليها رسولُ اللهِ ﷺ، فصَعَّدَ النَّظرَ إليها وصوَّبَه، ثمَّ طأطأَ رأسَه (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٤١١٣).\r(¬٢) رواه أبو داود (٤١١٤).\r(¬٣) رواه البخاري (٤٧٤٢)، ومسلم (١٤٢٥)، وقولُها: «لأهبَ لك نفْسي»؛ أي: أجعلُ أمْري لك، تتزوَّجُني، أو تُزَوِّجُنِي لمن ترى، «فصَعَّدَ النَّظرَ إليها وصوَّبَه، ثم طأطأَ ﷺ»؛ أيْ: خَفَضَ رأسَه ولم يَعُدْ ينظُرُ إليها .. وفي الحديثِ أنَّ رجلًا من الصَّحابةِ ﵃ قالَ: يا رسولَ اللهِ، إن لم يكن لك بها حاجةٌ فزوِّجْنيها، فقال ﷺ: «فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟»، فقال: لا، واللهِ يا رسولَ اللهِ، فقال ﷺ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟»، فذهبَ ثم رَجَعَ، فقال: لا، واللهِ، ما وجدتُ شيئًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فذهبَ ثم رَجَعَ، فقالَ: لا، واللهِ، يا رسولَ اللهِ، ولا خاتَمًا من حديدٍ، ولكن هذا إزاري -قال سهلٌ: ما له رداءٌ- فلها نصفُه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ»، فجلسَ الرَّجلُ، حتَّى إذا طالَ مجلسُه قامَ، فرآه رسولُ اللهِ ﷺ مولِّيًا، فأمَرَ به فدُعِيَ، فلمَّا جاءَ قالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟»، قال: معي سورةُ كذا وسورةُ كذا -عَدَّدَها- فقالَ: «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟»، قالَ: نَعمْ، قالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»؛ أيْ: على أنْ يعلِّمَها سورًا من القرآنِ، وقد بوَّبَ النَّوويُّ ﵀ عليه بابًا سمَّاه: «بابُ الصَّداقِ، وجوازِ كونِه تعليمَ قرآنٍ، وخاتمَ حديدٍ، وغير ذلك من قليلٍ وكثيرٍ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354902,"book_id":264,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":297,"body":"وقال أبو هريرةَ ﵁: كنتُ عندَ النَّبيِّ ﷺ فأتاه رجلٌ فأَخْبَرَه أنَّه تَزَوَّجَ امرأةً من الأنصارِ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟»، قالَ: لا، قالَ: «فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» (¬١).\rوالمرادُ بقولِه: «تَزَوَّجَ امرأةً من الأنصارِ»؛ أنَّه أرادَ تزوُّجَها بخِطْبَتِها، وقولُه ﷺ: «فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا»؛ أيْ: في أعينِهِنَّ شيءٌ يَختلفُ عن أعينِ غيْرِهنَّ؛ ربَّما لا يُعْجِبُكَ.\rوقال المغيرةُ بنُ شُعبةَ ﵁ خطَبتُ امرأةً، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ: «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟»، قلتُ: لا، قالَ: «فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (¬٢).\rوحُمِلَ النَّظرُ في هذه الأحاديثِ على الوجهِ والكفَّيْنِ فقط؛ لأنَّها تُعَدُّ أجنبيَّةً، ولأنَّ في الوجهِ ما يُسْتَدَلُّ به على الجَمالِ، وفي اليدينِ ما يُسْتَدَلُّ به على خصوبةِ البدنِ ونعومتِه.\rقال الخطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: «وله تكريرُ نظرِه إن احتاجَ إليه؛ ليَتبيَّنَ هيئتَها، فلا يَندمَ بعدَ النِّكاحِ» (¬٣).\r«وَالْخَامِسُ: النَّظَرُ لِلْمُدَاوَاةِ، فَيَجُوزُ إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٤٢٤).\r(¬٢) رواه أحمد (١٨١٧٩)، والترمذي (١٠٨٧)، وقال: «هذا حديثٌ حسن»، وقولُه ﷺ: «أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا»؛ أيْ: أَجْدَرُ أن يُجْمَعَ بينَكما, وتحصُلُ الأُلفةُ والمحبَّةُ, يقالُ: أَدَمَ اللهُ بينهما أدمًا, وآدمَ إيدامًا,: جَمَعَ, ومنه: الإدامُ؛ لأنَّه يُجْمَعُ بَيْنَهُ وبينَ الخبزِ.\r(¬٣) «الإقناع في حلِّ ألفاظِ أبي شجاع» (٢/ ٤٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354903,"book_id":264,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":298,"body":"إِلَيْهَا»؛ لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄: «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْحِجَامَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا» (¬١).\rويُشترطُ أنْ يَكونَ ذلك بوجودِ مَحْرَمٍ أو زوجٍ، وأن لا تُوجدَ امرأةٌ تعالِجُها، وإذا وُجِدَ المسلمُ لا يُعْدَلُ إلى غيْرِه، ولا يُكْشَفُ إلا قَدْرُ الحاجةِ، كما ذَكَرَ المصنِّفُ ﵀.\r«وَالسَّادِسُ: النَّظَرُ لِلشَّهَادَةِ أَوْ لِلْمُعَامَلَةِ، فَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ خَاصَّةً»، يَجوزُ النَّظرُ إلى الأجنبيَّةِ للشَّهادةِ؛ تحمُّلًا وأداءً، ومثالُ التَّحمُّلِ: أن يَشْهَدَ على هذه المرأةِ أنَّها اقتَرضتْ من فلانٍ ألفَ درهمٍ -مثلًا- والأداءُ: هو أن يؤدِّيَ هذه الشَّهادةَ عندَ القاضي، فإذا نظر إليها وتَحَمَّلَ الشَّهادةَ عليها كُلِّفَتِ الكشفَ عن وجهِها عندَ الأداءِ؛ أيْ: أمامَ القاضي. وكذلك يَجوزُ النَّظرُ إلى الأجنبيَّةِ للمعامَلةِ من بيعٍ وغيرِه، فإذا باعَ لامرأةٍ ولم يَعْرِفْها في نِقابِها نَظَرَ لوجهِها خاصَّةً ليَردَّ عليها الثَّمنَ بالعيبِ، أمَّا إذا عَرَفَها في نقابِها لم يَفتقرْ إلى الكشفِ، بل يَحْرُمُ النَّظرُ حينئذٍ.\r«وَالسَّابِعُ: النَّظَرُ إِلَى الْأَمَةِ عِنْدَ ابْتِيَاعِهَا، فَيَجُوزُ إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى تَقْلِيبِهَا»، إذا أرادَ الرَجلُ أن يشتريَ أَمَةً فإنَّه يَجوزُ له النَّظرُ إلى المواضعِ التي يحتاجُ إلى تقليبِها؛ دونَ ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبةِ.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٢٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354904,"book_id":264,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":299,"body":"«فَصْلٌ»\rفي ما يُشْتَرَطُ لصحَّةِ عَقدِ النِّكاح\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ النِّكَاحِ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَفْتَقِرُ الْوَلِيُّ وَالشَّاهِدَانِ إِلَى سِتَّةِ شَرَائِطَ:\r١ - الْإِسْلَامِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوبة: ٧١]، فلا يَجوزُ أن يَكونَ وليُّ المسْلمةِ كافرًا، وكذلك الشَّهادةُ؛ لأنَّه لا تُقْبَلُ شهادةُ الكافرِ على المسْلمِ.\r٢ - «وَالْبُلُوغِ»، فلا يَجوزُ أن يَكونَ الوليُّ صبيًّا؛ لأنَّه مُوَلًّى عليه، فلا يلي أَمْرَ غيرِه، وهو -أيضًا- ليس من أهلِ الشَّهادةِ.\r٣ - «وَالْعَقْلِ»، فلا يَجوزُ أن يَكونَ الوليُّ مجنونًا؛ لاختلالِ نظرِه، ولهذا وُلِّيَ عليه، فأَشْبَهَ الصَّبيَّ، وهو -أيضًا- ليس من أهلِ الشَّهادةِ.\r٤ - «وَالْحُرِّيَّةِ»، فلا يَجوزُ أن يَكونَ العبدُ وليًّا؛ لأنَّه لا يلي أمرَ نفْسِه، فكيف يلي أمرَ غيرِه؟! وكذلك الشَّهادةُ؛ لأنَّه ممنوعٌ من التَّصرُّفِ إلا بإذنِ سيِّدِه.\r٥ - «وَالذُّكُورَةِ»؛ لأنَّ المرأةَ ليس لها تزويجُ نفْسِها، فلا تلي","footnotes":"(¬١) رواه ابن حبَّان في «صحيحه» (١٣٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354905,"book_id":264,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":300,"body":"زواجَ غيْرِها، وكذلك الشَّهادةُ على النِّكاحِ؛ لما قُصِدَ منها من الحياءِ وعدمِ ذِكْرِه أصلًا، ولذلك لا يَنعقدُ النِّكاحُ بشهادةِ النِّساءِ، ولا برجلٍ وامرأتينِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ بقولِهم.\r٦ - «وَالْعَدَالَةِ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» (¬١).\rقال الشَّافعيُّ ﵀: والمرادُ بالمُرشدِ: العدلُ (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «إِلَّا أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ نِكَاحُ الذِّمِّيَّةِ إِلَى إِسْلَامِ الْوَلِيِّ، وَلَا نِكَاحُ الْأَمَةِ إِلَى عَدَالَةِ السَّيِّدِ»، استثنى المصنِّفُ ﵀ بعضَ الشُّروطِ في نكاحِ الذِّمِّيَّةِ والأَمَةِ، فذَكَرَ أنَّ نكاحَ الذِّمِّيَّةِ لا يَفتقرُ إلى إسلامِ الوليِّ، وذلك لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وكذلك نكاحُ الأمَةِ لا يَفتقرُ إلى عدالةِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه يزوِّجُها بالْمِلْكِ لا بالوَلايةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَوْلَى الْوُلَاةِ: الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ ابْنُهُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ»، أحقُّ الأولياءِ بالتَّزويجِ: الأبُ، ثمَّ الجَدُّ أبو الأبِ، ثمَّ أبوه، وهكذا. ويُقَدَّمُ الأقربُ من الأجدادِ على الأبعدِ، ثمَّ الأخُ الشَّقيقُ، ثمَّ الأخُ للأبِ، ثمَّ ابنُ الأخِ الشَّقيقِ وإن سَفَلَ، ثمَّ ابنُ الأخِ للأبِ وإن سَفَلَ، ثمَّ العمُّ الشَّقيقُ، ثمَّ العمُّ للأبِ، ثمَّ ابنُه؛ أيِ: ابنُ كلٍّ","footnotes":"(¬١) رواه الشَّافعيُّ في «مسنده» (١١٣٣).\r(¬٢) نقله الخطيب الشِّربينيُّ في «الإقناع» (٢/ ٤٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354906,"book_id":264,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":301,"body":"منهما وإن سَفَلَ، على هذا التَّرتيبِ؛ أيْ: يُقَدَّمُ ابنُ العمِّ الشَّقيقِ على ابنِ العمِّ للأبِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِذَا عُدِمَتِ الْعَصَبَاتُ فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ، ثُمَّ الْحَاكِمُ»، إذا عُدِمَتِ العَصَباتُ من النَّسبِ، فالمولى المعتِقُ الذَّكَرُ، ثمَّ عَصَباتُه على ترتيبِ الإرثِ، أمَّا المولاةُ المعتِقةُ إذا كانت حيَّةً فيُزَوِّجُ عتيقتَها مَن يزوِّجُ المعتقَةَ بالتَّرتيبِ السَّابقِ في أولياءِ النَّسبِ، فإذا فُقِدَ الأولياءُ من النَّسبِ والولاءِ زوَّجَ الحاكمُ المرأةَ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجوزُ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَرِّضَ لَهَا، وَيَنْكِحَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا»، لا يَجوزُ للرَّجلِ أن يُصَرِّحَ بخِطبةِ المعتدَّةِ؛ سواءٌ كانت في عِدَّةِ وفاةٍ، أو طلاقٍ بائنٍ، أو رجعيٍّ، والتَّصريحُ: كلُّ لفظٍ يَقْطَعُ بالرَّغبةِ في النِّكاحِ: كقولِه: «أريدُ أن أَتَزَوَّجَكِ»، و «إذا حَلَلْتِ تَزَوَّجْتُكِ»، وَيَجوزُ أن يُعَرِّضَ بالخِطْبَةِ إذا كانت في عِدَّةِ وفاةٍ، أو طلاقٍ بائنٍ؛ دونَ الرَّجعيِّ؛ لأنَّ التي في عِدَّةِ طلاقٍ رجعيٍّ زوجةٌ، فلا يَجوزُ التَّعرُّضُ لها تصريحًا ولا تعريضًا، والتَّعريضُ: كلُّ لفظٍ يَحْتَمِلُ الرَّغبةَ في النِّكاحِ وعَدَمِه، كقولِه: «رُبَّ راغبٍ فيكِ»، و «ومَن يجدُ مِثْلَكِ»، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٤٢٥١)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354907,"book_id":264,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":302,"body":"فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقولُه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾؛ أيْ: حتَّى تنقضيَ العِدَّةُ، وهي المُدَّةُ التي فَرَضَها اللهُ تعالى في كتابِه على المرأةِ إذا طَلَّقَهَا زوجُها أو تُوُفِّيَ عنها.\rوتَحِلُّ الخِطبةُ تصريحًا أو تعريضًا إذا كانت المخطوبةُ خَلِيَّةً من نكاحٍ وعِدَّةٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالنِّسَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:\r١ - ثَيِّبَاتٌ»، جمعُ ثَيِّبٍ، وهي: مَن زالت بَكارتُها بوطءٍ حلالٍ أو حرامٍ.\r٢ - «وَأَبْكَارٌ»، جمعُ بِكْرٍ، وهي: من لم تَزُلْ بَكارتُها بوطءٍ لا حلالٍ ولا حرامٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَالْبِكْرُ يَجوزُ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ»؛ أيْ: تزويجُها بغيرِ إذنِها؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا» (¬١).\rوذلك أنَّ البِكْرَ تستحِي مما لا تستحِي منه الثَّيِّبُ من التَّصريحِ بالرَّغبةِ في الأزواجِ, فجُعِلَ سكوتُها إذنًا ورضًا, ولم يُجْعَلْ إذنُ الثَّيِّبِ إلا نطقًا.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٤٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354908,"book_id":264,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":303,"body":"ويُشترطُ لصحَّةِ الإجبارِ:\r١ - أن لا يَكونَ بينها وبيْنَ الوَلِيِّ عداوةٌ ظاهرةٌ (¬١).\r٢ - أن يزوِّجَها من كفءٍ.\r٣ - أن يزوِّجَها بِمَهْرِ مِثْلِها.\r٤ - أن يَكونَ موسِرًا معجِّلًا بالمَهْرِ.\r٥ - أن يَكونَ المَهْرُ من نقدِ البلدِ.\r٦ - أن لا يزوِّجَها بمن تتضرَّرُ بمعاشرتِه، كأعمى أو شيخٍ هَرِم.\rوذَكَرَ الشَّيخُ زكريا الأنصاريُّ ﵀ أنَّ البِكْرَ البالغةَ العاقلةَ لو التمستِ التَّزويجَ من الأبِ -مثلًا- بكفءٍ خَطَبَها وعَيَّنَتْه بشخصِه أو نوعِه، حتَّى لو خَطَبَها أَكْفاء، فالتمستْ منه التَّزويجَ بأحدِهم؛ لَزِمَه الإجابةُ تحصينًا لها، فإن امْتَنَعَ أَثِمَ وزوَّجَها السُّلطانُ (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّيِّبُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَإِذْنِهَا»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ السَّابقِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» (¬٣)، ولأنَّها عَرَفَت مقصودَ النِّكاحِ، فلها أن تَقولَ: نعم، رضيتُ أن أُزَوَّجَ، أو رضيتُ فلانًا زوجًا، ونحوَ ذلك.","footnotes":"(¬١) وقال أبو زُرعةَ العراقيُّ ﵀: «وينبغي أن يُعتبرَ في الإجبارِ -أيضًا- انتفاءُ العداوةِ بينَها وبينَ الزَّوجِ»، ذكرَه الخطيب الشِّربينيّ في «الإقناع» (٢/ ٤١٥).\r(¬٢) «أسنى المطالب في شرح روض الطَّالب» (٣/ ١٢٧).\r(¬٣) رواه مسلم (١٤٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354909,"book_id":264,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":304,"body":"«فَصْلٌ»\rفِي المُحَرَّمَاتِ مِن النِّسَاء\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّصِّ أَرْبَعَ عَشَرَةَ:\rسَبْعٌ بِالنَّسَبِ، وَهُنَّ:\r١ - الْأُمُّ وَإِنْ عَلَتْ»؛ أي: الأمُّ التي ولدتْكَ أو ولدتْ مَن وَلَدَكَ؛ ذَكَرًا كانَ أو أُنثى، كأمِّ الأبِ وإن عَلَت، وأمِّ الأمِّ وإن عَلَت.\r٢ - «وَالْبِنْتُ وَإِنْ سَفَلَتْ»؛ أي: كلُّ بنتٍ من صُلبِكَ، أو وُلِدَتْ ممن وُلِدَ من صُلْبِكَ؛ ذَكَرًا كانَ أو أُنثى، كبنتِ ابنٍ وإن نَزَلَ، وبنتِ بنتٍ وإن سَفَلَتْ.\r٣ - «وَالْأُخْتُ»، وهي: كلُّ مَن وَلَدَها أبواكَ أو أَحَدُهُما.\r٤ - «وَالْخَالَةُ»، وهي: كلُّ أختٍ لأمِّكَ التي وَلَدَتْك؛ سواءٌ كانت مباشرةً أو بواسطةٍ، كخالةِ أمِّك، أو أختِ أمِّ أبيكَ.\r٥ - «وَالْعَمَّةُ»، وهي: كلُّ أختٍ للأبِ؛ سواءٌ كانت مباشرةً، أو بواسطةٍ كعمَّةِ الأبِ، وأختِ أبي الأمِّ.\r٦ - «وَبِنْتُ الْأَخِ»، من جميعِ الجهاتِ؛ سواءٌ كانَ شقيقًا، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، وكذلك بناتُ أولادِه -ذكورًا وإناثًا- وإن سَفَلْنَ.\r٧ - «وَبِنْتُ الْأُخْتِ»، من جميعِ الجهاتِ؛ سواءٌ كانت شقيقةً، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، وكذلك بناتُ أولادِها -ذكورًا وإناثًا- وإن سَفَلْنَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354910,"book_id":264,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":305,"body":"«وَاثْنَتَانِ بِالرَّضَاعِ:\r٨ - الْأُمُّ الْمُرْضِعَةُ»، وهي كلُّ امرأةٍ ارْتَضَعْتَ منها، تصيرُ أُمًّا لكَ في الْمحرميَّةِ، فَتَحْرُمُ عليكَ كما تَحْرُمُ عليك أمُّكَ التي ولدتْكَ.\r٩ - «وَالْأُخْتُ مِنَ الرَّضَاعِ»، وهي كلُّ امرأةٍ ارْتَضَعْتَ من أمِّها، فإنَّها تصيرُ أُختًا لك في المحرميَّةِ.\r«وَأَرْبَعٌ بِالْمُصَاهَرَةِ:\r١٠ - «أُمُّ الزَّوْجَةِ»، سواءٌ دَخَلْتَ بها أمْ لا.\r١١ - «وَالرَّبِيبَةُ إِذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ»، سواءٌ كانَ بعقدٍ صحيحٍ أو فاسدٍ.\r١٢ - «وَزَوْجَةُ الْأَبِ»، وإن علا، فَتَحْرُمُ زوجةُ الأبِ، وكذلك زوجاتُ الأجدادِ؛ سواءٌ كانوا من قِبَلِ الأمِّ أو من قِبَلِ الأبِ.\r١٣ - «وَزَوْجَةُ الاِبْنِ»، وإن نَزَلَ، سواءٌ كانوا من قِبَلِ الأولادِ أو البناتِ.\r«وَوَاحِدَةٌ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ، وَهِيَ:\r١٤ - أُخْتُ الزَّوْجَةِ»، لكن لا يَتَأَبَّدُ تحريمُها؛ بل تَحِلُّ بموتِ أختِها، أو طلاقِها وبينونتِها بينونةً كبرى.\rودليلُ تحريمِ الزَّواجِ من هؤلاء قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354911,"book_id":264,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":306,"body":"فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].\rوقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»، ولو بواسطةٍ، فكما أنَّه لا يَجْمَعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها، ولا بينَ المرأةِ وخالتِها؛ كذلك لا يَجْمَعُ بينَ المرأةِ وخالةِ أحدِ أبويْها، أو المرأةِ وعمَّةِ أحدِ أبويْها؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، وَلَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»؛ أيِ: السَّبْعَةُ المتقدِّمةُ: الأمُّ وإن عَلَت، والبنتُ وإن سَفَلت، والأختُ، والعمَّةُ، والخالةُ، وبنتُ الأخِ، وبنتُ الأختِ. ودليلُه حديثُ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٩٤٩٦)، وأبو داود (٢٠٦٥)، والترمذي (١١٢٦)، وقال: «حديث حسن صحيح»، وأصلُه في البخاري (٤٨٢٠)، ومسلم (١٤٠٨).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٥٠٢)، ومسلم (١٤٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354912,"book_id":264,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":307,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ:\r١ - بِالْجُنُونِ»، وهو: ذَهابُ العَقْلِ مع بقاءِ الحركةِ والقوَّةِ في الأعضاءِ.\r٢ - «وَالْجُذَامِ»، وهو عِلَّةٌ يَحْمَرُّ منها العضوُ ثمَّ يَسْوَدُّ، وربما انتهى إلى تآكُلِ الأعضاءِ وسقوطِها.\r٣ - «وَالْبَرَصِ»، وهو: بياضٌ يَكونُ بالجِلدِ تَذهبُ به دَمَوِيَّتُه.\r٤ - «وَالرَّتْقِ»، وهو: انسدادُ مَحَلِّ الجِماعِ بلحمٍ.\r٥ - «وَالْقَرَنِ»، القَرَنُ: هو انسدادُ محلِّ الجِماعِ بعَظْمٍ.\rودليلُه حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ قالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ وَبِهَا بَرَصٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ قَرَنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَمَسَّهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُرَدُّ الرَّجُلُ بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ:\r١ - بِالْجُنُونِ»، وهو: ذَهابُ العَقْلِ مع بقاءِ الحركةِ والقوَّةِ في الأعضاءِ.\r٢ - «وَالْجُذَامِ»، وهو علَّةٌ يَحْمَرُّ منها العضوُ ثمَّ يَسْوَدُّ، وربما انتهى إلى تآكُلِ الأعضاءِ وسقوطِها.\r٣ - «وَالْبَرَصِ»، وهو: بياضٌ يَكونُ بالجلدِ تَذْهَبُ به دَمَوِيَّتُه.","footnotes":"(¬١) رواه سعيدُ بنُ منصورٍ في التَّفسير من «سننه» (٨٢١)، والبيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٤٠٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354913,"book_id":264,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":308,"body":"٤ - «وَالْجَبِّ»، وهو: قَطْعُ الذَّكَرِ.\r٥ - «وَالْعُنَّةِ»، وهي: عَجْزُ الرَّجلِ عن الوطءِ؛ لعدمِ انتشارِ الذَّكرِ.\rودليلُه القياسُ على حديثِ عليٍّ ﵁ السَّابقِ في ثُبوتِ خِيارِ الرَّدِّ للزَّوجِ، فكذلك الزَّوجةُ، ولكنَّ العِنِّينَ يُؤَجَّلُ سَنَةً من حينِ رفعِها الأمرَ للقضاءِ؛ لحديثِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قال في العِنِّينِ: «يُؤَجَّلُ سَنَةً، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَهَا الْمَهْرُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي تسميةِ المَهر\rالمَهرُ هو اسمٌ للمالِ الواجبِ للمرأةِ على الرَّجلِ بالنِّكاحِ، قال تعالى: ﴿وآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، والصَّدُقَاتُ: جمعُ صَدُقة، وسُمِّيَ المَهرُ صَداقًا؛ لإشعارِه بصدقِ رغبةِ باذلِه في النِّكاحِ الذي هو الأصلُ في إيجابِه عليه. والنِّحلةُ: الهِبةُ والعطيَّةُ، وسُمِّيَ المَهرُ نِحْلَةً؛ لأنَّ المرأةَ تَستمتعُ بالزَّوجِ كما يَستمتعُ بها؛ فجُعِلَ الصَّداقُ لهنَّ كأنَّه عطيَّةٌ من غيرِ عِوَضٍ، وقيلَ: نِحْلَةٌ؛ أيْ: عطيَّةٌ من اللهِ تعالى.\rويُسَمَّى المَهرُ -أيضًا-: أجرًا، وفريضةً، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، وقال تعالى:","footnotes":"(¬١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٤٠٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354914,"book_id":264,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":309,"body":"﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ أيْ: سَمَّيْتُمْ لهنَّ مَهرًا.\rوالأصلُ في وجوبِه قبْلَ الإجماعِ الآياتُ السَّابقةُ، وقولُ النَّبيِّ ﷺ لمريدِ التَّزويجِ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ»؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يعقِدْ إلَّا بمسمًّى، ولأنَّه أَدْفَعُ للخصومةِ والاختلافِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ صَحَّ الْعَقْدُ وَوَجَبَ الْمَهْرُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:\r١ - أَنْ يَفْرِضَهُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْسِهِ»؛ أيْ: قبْلَ الدُّخولِ، ولها حَبْسُ نفْسِها ليَفْرِضَ لها؛ لتَكونَ على بصيرةٍ قبلَ تسليمِ نفْسِها، ولها بعدَ الفرضِ حبسُ نفْسِها لتسليمِ المفروضِ الحالِّ، أمَّا المؤجَّلُ فليس لها حبسُ نفْسِها.\r٢ - «أَوْ يَفْرِضَهُ الْحَاكِمُ»؛ وذلك عندَ امتناعِ الزَّوجِ من الفَرْضِ، أو عندَ التَّنازعِ في القَدْرِ المفروضِ، فيَفْرِضُ الحاكمُ مَهرَ المِثْلِ بنقدِ البلدِ حالًّا لا مؤجَّلًا؛ كما في قِيَمِ المتلَفَاتِ، ويُشترطُ عِلمُ الحاكمِ بقدرِ مَهرِ المِثلِ لا يَزيدُ عليه ولا يَنْقُصُ؛ إلَّا بالتَّفاوتِ اليسيرِ.\r٣ - «أَوْ يَدْخُلَ بِهَا فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَا","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٧٤١)، ومسلم (١٤٢٥)، وقد سبق كاملًا في أوَّلِ كتابِ النِّكاحِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354915,"book_id":264,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":310,"body":"اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ولحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ... فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا» (¬١).\rومَهرُ المِثْلِ؛ أيْ: مَهرُ أمثالِها من النِّساءِ عادةً.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَيْسَ لِأَقَلِّ الصَّدَاقِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، والقِنطارُ: مالٌ كثيرٌ، فدَلَّ على أنَّه لا حَدَّ للمَهرِ في الكثرةِ، وجاءَ في حديثِ عامرِ بنِ ربيعةَ ﵁ أنَّ امرأةً من بَني فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ على نَعْلَيْنِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟»، قالت: نَعَمْ، فأجازَه (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ»، كتعليمِها شيئًا من القرآنِ، أو القيامِ بعملٍ مُعَيَّنٍ، يقولُ سهلُ بنُ سعدٍ ﵁: أتتِ النبيَّ ﷺ امرأةٌ فقالت: إنَّها قد وَهَبَتْ نَفْسَها للهِ ولرسولِه ﷺ، فقالَ: «مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ»، فقال رجلٌ: زَوِّجْنِيها، قالَ: «أَعْطِهَا ثَوْبًا»، قالَ: لا أَجِدُ، قالَ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فاعْتَلَّ له، فقالَ: «مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟»، قالَ: كذا وكذا، قالَ: «فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) «الأم» للشَّافعي (٧/ ٢٤٩).\r(¬٢) رواه أحمد (١٥٧١٧)، والترمذي (١١١٣)، وابن ماجه (١٨٨٨)، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٣) رواه البخاري (٤٧٤١)، ومسلم (١٤٢٥)، وقد سبق كاملًا في أوَّل كتاب النِّكاح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354916,"book_id":264,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":311,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفُ الْمَهْرِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ومعنى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: من قبْلِ أن تَدْخُلوا بهنَّ، ومعنى ﴿فَرَضْتُمْ﴾: سَمَّيْتُمْ لهنَّ مَهرًا.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الوَليمَة\rالوَليمةُ في اللُّغةِ: مُشْتَقَّةٌ من الوَلْمِ وهو الاجتماعُ، ومنه قولُهم: أَوْلَمَ الرَّجُلُ إذا اجْتَمَعَ عَقْلُه وخُلُقُه.\rوفي الاصطلاحِ: طعامُ العُرسِ خاصَّةً، ولا تَقعُ على غيرِه إلا بقيدٍ، فيقالُ: وَليمةُ الوِلادةِ، وَليمةُ الخِتانِ، ونحوُ ذلك.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَلِيمَةُ عَلَى الْعُرْسِ مُسْتَحَبَّةٌ»؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى على عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ أثرَ صُفرةٍ، فقالَ: «مَا هَذَا؟»، قالَ: تَزَوَّجْتُ امرأةً على وزنِ نواةٍ من ذهبٍ، قالَ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ؛ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٨٦٠)، ومسلم (١٤٢٧)، وأثر الصُّفرة: هو من الطِّيبِ الذي استعملَه عندَ الزِّفافِ، والنَّواةُ: اسمٌ لخمسةِ دراهمَ، كما أنَّ النَّشَّ اسمٌ لعِشرينَ درهمًا، والأوقيَّةَ لأربعينَ، والمرادُ: مقدارُ خمسةِ دراهمَ وزنًا من الذَّهبِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354917,"book_id":264,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":312,"body":"إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا» (¬١).\rوفي روايةٍ: «وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» (¬٢).\rوقولُه: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»؛ كأن يَكونَ في موضعِ الدَّعوةِ من يَتَأَذَّى بحضورِه، أو من لا يَليقُ به مُجالَستُه، كالأراذلِ والسِّفلةِ، أو يكونَ في موضعِ الدَّعوةِ مُنْكَرٌ لا يستطيعُ تغييرَه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي عِشْرَةِ النِّسَاء\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالتَّسْوِيَةُ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَاجِبَةٌ»، القَسْمُ: مصدرُ قَسَمْتُ الشَّيْءَ؛ أيْ: جَزَّأْتُه، والمرادُ به هنا العدلُ والتَّسويةُ بينَ الزَّوجاتِ في المبيتِ، حتى لو كانَ بالمرأةِ عذرٌ مِن مرضٍ أو حيضٍ أو نحوِ ذلك؛ لأنَّ المقصودَ الأُنْسُ لا الوطءُ، فيَجعلُ لكلِّ زوجةٍ يومًا وليلةً، وعِمَادُ القَسْمِ اللَّيلُ، والنَّهارُ تابعٌ له؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ اللَّيلَ سَكنًا، والنَّهارَ للتَّردُّدِ في المَصالِحِ، وهذا حُكمُ غالبِ النَّاسِ، أمَّا مَن يَعملُ ليلًا، كالحارسِ ونحوِه؛ فعمادُ قَسْمِه النَّهارُ، واللَّيلُ تابعٌ له.\rوالاقتصارُ في القَسْمِ على اللَّيلةِ أفضلُ من الزِّيادةِ عليها؛ اقتداءً بالنَّبيِّ ﷺ، ولكي يَقْرُبَ عَهْدُه بهنَّ، ويَجوزُ ليلتانِ وثلاثٌ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٤٢٩).\r(¬٢) رواه مسلم (١٤٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354918,"book_id":264,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":313,"body":"بغيرِ رِضَاهُنَّ، ولا تَجوزُ الزِّيادةُ عليها بغيرِ رضاهُنَّ؛ لئلَّا يؤدِّيَ إلى المهاجَرةِ والإيحاشِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرِ الْمَقْسُومِ لَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ»؛ لا يَدْخُلُ الزوجُ على الزوجةِ الغيرِ مقسومٍ لها نهارًا لغيرِ حاجةٍ؛ لما فيه من إبطالِ حقِّ صاحبةِ النَّوبةِ، فإن فَعَلَ وطالَ مُكْثُهُ لَزِمَه لصاحبةِ النَّوبةِ القضاءُ بقدرِ ذلك من نَوبةِ المدخولِ عليها، أمَّا دخولُه لحاجةٍ كوضعِ متاعٍ، أو أخذِه، أو تسليمِ نفقةٍ، أو تعريفِ خَبرٍ؛ فجائزٌ ولا يقضي؛ لأنَّ النَّهارَ تابعٌ، تقولُ عائشةُ ﵂: «قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَرَسُولُ اللهِ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا» (¬١).\rأمَّا اللَّيلُ فَيَحْرُمُ الدُّخولُ على غيرِ صاحبةِ النَّوبةِ، ولو لحاجةٍ؛ إلَّا للضَّرورةِ القصوى، كمرضِها المَخُوفِ، فإن طالَ مُكثُه عُرفًا قضى من نَوبةِ المدخولِ عليها مِثلَ مُكثِه؛ لأنَّ حَقَّ الآدميِّ لا يَسقطُ بالعذرِ.\rفإذا دَخَلَ لغيرِ حاجةٍ وقَصُرَ مُكثُهُ عُرفًا لم يَقْضِ؛ لكنَّه يأثمُ، وقد جاءَ في حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (¬٢).\rوفي روايةٍ: «إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٤٨٠٩)، وأبو داود (٢١٣٥).\r(¬٢) رواه أبو داود (٢١٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354919,"book_id":264,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":314,"body":"يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ» (¬١)؛ أيْ: أحدُ جنبيهِ مفلوجٌ مشلولٌ -والعياذُ باللهِ-.\rوقد كانَ يُطافُ بالنَّبيُّ ﷺ محمولًا في مرضِه -الذي ماتَ فيه- على نسائِه كلَّ يومٍ وليلةٍ، حتَّى أَذِنَ له أزواجُه ﵅ أن يَكونَ حيثُ شاءَ، فكانَ في بيتِ عائشةَ ﵂ حتَّى قَبَضَه اللهُ تعالى ورَأْسُه ﷺ بين سَحْرِها ونَحْرِها (¬٢).\rفإذا ساوى الرَّجلُ بينَ زوجاتِه في المبيتِ والكسوةِ والنَّفقةِ والأمورِ الظَّاهرةِ؛ لم يؤاخَذْ بزيادةِ ميلِ قلبِه إلى بعضِهِنَّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: ﵄ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أيْ: «فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ» (¬٣).\rقال أبو بكرِ بنُ العربيِّ ﵀: «وصَدَقَ؛ فإنَّ ذلك لا يَمْلِكُه أحدٌ؛ إذْ قلبُه بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرَّحمنِ، يُصْرِّفُه كيفَ يشاءُ، وكذلك الجماعُ فإنَّه قد ينشطُ للواحدةِ ما لا ينشطُ للأخرى، فإذا لم يكنْ ذلك بقصدٍ منه فلا حَرَجَ عليه فيه، فإنَّه مما لا يستطيعُه","footnotes":"(¬١) رواه الترمذي (١١٤١)، والحاكم (٢٧٥٩)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.\r(¬٢) رواه البخاري (٤١٨٥)، ومسلم (٢٤٤٣). والنَّحرُ: موضعُ القلادةِ، والسَّحرُ: الرِّئةُ؛ أيْ: إنَّه ﷺ توفِّيَ وهو مستندٌ إلى صدرِها ﵂.\r(¬٣) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٤٥١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354920,"book_id":264,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":315,"body":"فلم يَتَعَلَّقْ به تكليفٌ» (¬١).\rوقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: ﵄ «لَا مُطَلَّقَةٌ، وَلَا ذَاتُ بَعْلٍ» (¬٢).\rوقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أيْ: إن تَعْدِلوا في قَسْمِكم بينَ الزَّوجاتِ، وما فَرَضَ اللهُ لهنَّ عليكم من المبيتِ، والكسوةِ، والنَّفقةِ، والعِشرةِ بالمعروفِ، ونحوِ ذلك من الأمورِ الظَّاهرةِ؛ فإنَّ اللهَ يَغْفِرُ لكم ما دونَ ذلك ممَّا لا يَدْخُلُ فى اختياركِم، كالحُبِّ وزيادةِ الإقبالِ ونحوِ ذلك.\rتقولُ عائشةُ ﵂ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، ويقولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ وَخَرَجَ بِالَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» (¬٤).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا تَزَوَّجَ جَدِيدَةً خَصَّهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَبِثَلَاثٍ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا»؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁","footnotes":"(¬١) «أحكام القرآن» (١/ ٥٢٣).\r(¬٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (١٦٦٨٧).\r(¬٣) رواه أبو داود (٢١٣٤)، وقال: «(فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ)؛ يعني: القلبَ».\r(¬٤) رواه البخاري (٢٤٥٣)، ومسلم (٢٧٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354921,"book_id":264,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":316,"body":"أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا خَافَ نُشُوزَ الْمَرْأَةِ وَعَظَهَا، فَإِنْ أَبَتْ إِلَّا النُّشُوزَ هَجَرَهَا، فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ هَجَرَهَا وَضَرَبَهَا»، إذا ظَهَرَ من المرأةِ أماراتُ النُّشوزِ سواءٌ كانَ بالقولِ، كأن تجيبَه بكلامٍ خشنٍ بعد أن كانَ بِلِينٍ، أو بالفعلِ كأن يَجِدَ منها إعراضًا وعُبوسًا بعدَ لطفٍ وطلاقةِ وجهٍ، وَعَظَها بالكلامِ كأن يقولَ لها: «اتَّقِي اللهَ في الحقِّ الواجبِ لي عليكِ واحذري العقوبةَ»، فلعلَّها تُبدي عذرًا أو تتوبُ مما وَقَعَ منها بغيرِ عذرٍ، ويَحْسُنُ أنْ يَبَرَّهَا ويستميلَ قلبَها، ويُذَكِّرَها بمثلِ حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» (¬٢).\rوحديثِ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ، وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ، دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» (¬٣).\rفإن أبتِ المرأةُ مع وَعْظِه لها إلا النُّشوزَ، هَجَرَها في المَضْجَعِ؛ أيْ: تَرَكَ مضاجعتَها في الفِراشِ.\rفإن أقامت على النُّشوزِ بعدَ الوعظِ والهجرِ، ضرَبَها ضربًا غيرَ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٩١٥)، ومسلم (١٤٦١).\r(¬٢) رواه البخاري (٤٨٩٨)، ومسلم (١٤٣٦).\r(¬٣) رواه الترمذي (١١٦١)، وابن ماجه (١٨٥٤)، والحاكم (٧٣٢٨)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354922,"book_id":264,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":317,"body":"مُبَرِّحٍ، لا يَجْرَحُ لحمًا، ولا يَكْسِرُ عظمًا، وكذلك لا يَضْرِبُ وجهًا، ولا مَوْضِعَ مَهْلَكةٍ.\rقال تعالى: ﴿وَاللَاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]؛ أيْ: إن تابتْ ورجعتْ للطَّاعةِ فلا تَسْلُكوا طريقًا لإيذائِهنَّ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ قَسْمُهَا وَنَفَقَتُهَا»، إذا نَشَزَت المرأةُ على زوجِها فلم تَدْخُلْ في طاعتِه، فلا قَسْمَ لها ولا نفقةَ، فإذا عادتْ إلى الطَّاعةِ لم تَسْتَحِقَّ القضاءَ.\r\r«فَصْلٌ»\rفِي الخُلْع\rالخُلْعُ في اللُّغَةِ: الانتزاعُ، ومنه: خَلَعَ الثَّوْبَ؛ أي: نَزَعَهُ، ولأنَّ كُلًّا مِن الزَّوجينِ لباسُ الآخَرِ، كما قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فكأنَّه بمفارَقةِ أحدِهِما للآخَرِ نَزَعَ لباسَه.\rوفي الاصطلاحِ: افتراقُ الزَّوجينِ على عِوَضٍ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِه قبْلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ أيْ: لا يَحِلُّ لكم أيُّها الأزواجُ أن تضاجِروا زوجاتِكم؛ ليفتدِينَ منكم بما أعطيتُمُوهنَّ من المهورِ أو ببعضِها، أمَّا إن وهبتِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354923,"book_id":264,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":318,"body":"المرأةُ زوجَها شيئًا عن طِيبِ نفْسٍ منها، فلا حرجَ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ أمَّا إذا تشاقَقَ الزَّوجانِ، ولم تَقُمِ المرأةُ بحقوقِ الرَّجلِ وأبْغَضَتْه ولم تقدِرْ على معاشرَتِه، فلها أن تفتدِيَ منه بما أعطاها، ولا حرجَ عليها في بذلِها، ولا عليه في قَبولِ ذلك؛ يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: جاءتِ امرأةُ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شماسٍ إلى النَّبيِّ ﷺ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، ما أَنْقِمُ على ثابتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ؛ إلا أني أخافُ الكفرَ في الإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ»، قالت: نَعَمْ، فَرَدَّتْ عليه، وأَمَرَه ففارَقَها (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْخُلْعُ جَائِزٌ عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَتَمْلِكُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ»؛ أيْ: يَجوزُ الخُلْعُ على عِوَضٍ معلومٍ مقدورٍ على تسليمِه، وتَمْلِكُ المرأةُ به نَفْسَها فلا يَبقى للزَّوجِ عليها سلطانٌ؛ لأنَّها بذلتِ المالَ لتَمْلِكَ نفْسَها، فلا يَمْلِكُ الزَّوجُ وَلايةَ الرُّجوعِ في العِدَّةِ؛ إلَّا بنكاحٍ جديدٍ، ومَهرٍ جديدٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ الْخُلْعُ فِي الطُّهْرِ وَفِي الْحَيْضِ»، يَجوزُ الخُلعُ في الطُّهرِ سواءٌ جامَعَها فيه أمْ لا، كما أنَّه يَجوزُ -أيضًا- في الحيضِ؛ لأنَّها ببذلِها الفِداءَ لخلاصِها رضيتْ لنفْسِها بتطويلِ العِدَّةِ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٩٧٣)، ومعنى: «أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ»؛ أيْ: كُفرانَ العشيرِ، والتَّقصيرَ فيما يجبُ له بسببِ شدَّةِ البُغضِ له، فقد جاءَ في روايةِ ابنِ ماجه (٢٠٥٦): «لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354924,"book_id":264,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":319,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَلْحَقُ الْمُخْتَلِعَةَ الطَّلَاقُ»؛ أيْ: لا يَلْحَقُ المختلِعةَ في عِدَّتِها طلاقٌ بلفظٍ صريحٍ، أو كنايةٍ، وكذلك لا يَلْحَقُها إيلاءٌ ولا ظِهارٌ؛ لأنَّها صارتْ أجنبيَّةً بافتداءِ نَفْسِها.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الطَّلَاق\rالطَّلاقُ في اللُّغةِ: هو حَلُّ القيدِ، يقالُ: ناقةٌ طالِقٌ؛ أي: مُرْسَلَةٌ ترعى حيثُ شاءتْ.\rوفي الاصطلاحِ: هو حَلُّ عَقْدِ النِّكاحِ بلفظِ الطَّلاقِ ونحوِه.\rوالأصلُ فيه قبْلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وغيرُها من الآياتِ.\rوذَكَرَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالطَّلَاقُ ضَرْبَانِ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ»، الطَّلاقُ نوعانِ: صريحٌ وكنايةٌ، فالصَّريحُ: هو ما لا يَحتملُ ظاهرُه غيرَ الطَّلاقِ، فلو قالَ: لم أنوِ به الطَّلاقَ، لم يُقْبَلْ قولُه، وأمَّا الكنايةُ: فهو ما يَحتملُ الطَّلاقَ وغيرَه، فلو قالَ: لم أنوِ به الطَّلاقَ، قُبِلَ قولُه.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَالصَّرِيحُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ وَلَا يَفْتَقِرُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ إِلَى النِّيَّةِ»، وذلك لورودِ","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٢٢٨٣)، وابن ماجه (٢٠١٦)، وابن حبَّان (٤٢٧٥)، والحاكم (٢٧٩٧)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354925,"book_id":264,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":320,"body":"هذه الألفاظِ في الشَّرعِ بمعنى الطَّلاقِ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطَّلاق: ١]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطَّلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فإن خاطَبَ الرَّجُلُ امرأتَه بشيءٍ من هذه الألفاظِ الثَّلاثةِ، أو ما اشتُقَّ منها -كطَلَّقْتُكِ، وأنتِ طالقٌ، ومُطَلَّقَةٌ، أو فارقتُكِ، وأنتِ مُفَارَقَةٌ، وسَرَّحْتُكِ، وأنتِ مُسَرَّحَةٌ- وَقَعَ الطَّلاقُ، فإن قالَ: أردتُ غيرَها فسَبَقَ لساني إليها لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه يدَّعي خِلافَ الظَّاهرِ، ويُدَيَّنُ فيما بَيْنَهُ وبينَ اللهِ تعالى؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما يدَّعيه، فإن عَلِمَتِ المرأةُ صِدْقَهُ فيما دُيِّنَ فيه جازَ لها أن تقِيمَ معه، فإن قالَ: قد فارقتُكِ سائرًا إلى المسجدِ، أو سَرَّحْتُكِ إلى أَهْلِكِ، أو قد طَلَّقْتُكِ من وَثَاقِكِ، أو ما أشْبهَ هذا؛ لم يَكُنْ طلاقًا، فإن قيلَ: قد يَكونُ هذا طلاقًا تَقَدَّمَ فأَتْبَعَه كلامًا يَخْرُجُ به منه؛ قيلَ: قد يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ يُبَيِّنُ آخِرَ كلامِه عن أوَّلِه، ولو أَفْرَدَ لا إلَهَ؛ كان كافرًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْكِنَايَةُ كُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ»، كأن يقولَ الرَّجلُ لامرأتِه: أنتِ خَلِيَّةٌ؛ أي: خاليةٌ من الأزواجِ، وبَرِيَّةٌ؛ أي: بَرِئْتِ من الزَّوجِ، وبَتَّةٌ؛ أي: قَطَعْتُ الوصلَ بَيْنَنا، وبتلةٌ؛ من تَبَتَّلَ الرَّجُلُ إذا تَرَكَ النِّكاحَ وانفردَ، وبائنٌ؛ من البَيْنِ وهو الفِراقُ، وأنتِ حُرَّةٌ، وواحدةٌ، واعتدِّي، واستبرِئي رَحِمَكِ، والحَقِي بأهلِكِ، وحبلُكِ على غاربِكِ، وتَقَنَّعي، وتَسَتَّري، وبِينِي، وأنتِ حرامٌ، وأنتِ عليَّ مُحَرَّمَةٌ، فإن خاطبَها بشيءٍ من ذلك ونوى به الطَّلاقَ وَقَعَ، وإن لم ينوِ لم يَقَعْ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وغيرَه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354926,"book_id":264,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":321,"body":"ودليلُ ذلك حديثُ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ عندما تَخَلَّفَ عن غزوةِ تَبُوكَ قالَ: «لمَّا مضتْ أربعونَ من الخمسينَ واستلبثَ الوحيُ، وإذا رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ يأتيني، فقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يأمُرُكَ أن تعتزلَ امرأتَكَ، فقلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفْعلُ؟ قالَ: بل اعتزِلْها فلا تَقْرَبَنَّها، فقلتُ لامرأتي: الحقِي بأهلِكِ» (¬١)؛ فَعَلَ ذلك خشيةَ أن يخالفَ أمرَ النَّبيِّ ﷺ ويعاشرَها إذا بَقِيَتْ عندَه، ولم يُردِ الطَّلاقَ، فلمَّا نزَلَت توبتُه رَجَعَت زوجتُه إليه، ولم يأمرْه النَّبيُّ ﷺ بفِراقِها، أو بتجديدِ عقدِه عليها.\rوفي حديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ ابنةَ الجَوْنِ لمَّا أُدْخِلَتْ على النَّبيِّ ﷺ ودَنا منها قالت: أعُوذُ باللهِ منك، فقال لها: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الحَقِي بِأَهْلِكِ» (¬٢)، وكانَ ذلك طلاقًا لها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أرادَ الطَّلاقَ؛ فوَقَعَ.\rفدَلَّ على أنَّ قولَ: «الحَقِي بأهلِكِ»، وما شابَهَهُ مِن ألفاظِ الكِناياتِ لا يقعُ طلاقًا إلَّا إذا كانَ مصحوبًا بنيَّةِ الطَّلاقِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالنِّسَاءُ فِيهِ ضَرْبَانِ:\r١ - ضَرْبٌ فِي طَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ، وَهُنَّ ذَوَاتُ الْحَيْضِ؛","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤١٥٦)، ومسلم (٢٧٦٩)، وقوله: «استلبثَ الوحيُ»؛ أي: تأخَّرَ نزولُه.\r(¬٢) رواه البخاري (٤٩٥٥)، وابنةُ الجونِ: هي أميمةُ بنتُ النُّعمانِ بنِ شَراحيلَ أبي جونٍ الكِنْدِيَّةُ، وكانت جميلةً فخافَ نساؤُه أن تَغْلِبَهُنَّ عليه ﷺ، فقلنَ لها: إنَّه يعجبُه أن يُقالَ له: نعوذُ باللهِ منك، فَفَعَلَتْ. و «أعوذُ»؛ أي: ألتجئُ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354927,"book_id":264,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":322,"body":"فَالسُّنَّةُ: أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ فِي طُهْرٍ غَيْرَ مُجَامِعٍ فِيهِ، وَالْبِدْعَةُ: أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ»، المرادُ بالسُّنَّةِ الطَّلاقُ الجائزُ، وبالبدعةِ الطَّلاقُ الحرامُ؛ والسُّنَّةُ أن يُوقِعَ الزَّوجُ الطَّلاقَ في طُهْرٍ غيرَ مُجامِعٍ فيه؛ والبدعةُ أن يُوقِعَ الزَّوجُ الطَّلاقَ في الحيضِ أو في طهرٍ جامَعَها فيه؛ يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄ طَلَّقْتُ امرأتي وهي حائضٌ فذَكَرَ ذلك عمرُ للنَّبيِّ ﷺ، فتَغَيَّظَ رسولُ اللهِ ﷺ ثمَّ قالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (¬١)؛\rأيْ: بقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطَّلاق: ١]؛ أيْ: لاستقبالِ عِدَّتِهِنَّ، وعِدَّةُ ذواتِ الحيضِ ثلاثةُ قروءٍ، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والقَرْءُ عندَ الشَّافعيِّ ﵀ الطُّهرُ (¬٢)، وعليه فإنَّها إن طُلِّقَتْ في الحيضِ سَتَطولُ عِدَّتُها بزمنِ الحيضةِ التي طُلِّقَتْ فيها؛ لأنَّها لن تُحْتَسَبَ من عِدَّتِها، وكذلك إذا طُلِّقَتْ في طهرٍ جامَعَها فيه؛ لأنَّ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٩٥٣)، ومسلم (١٤٧١) ..\r(¬٢) القُرءُ في اللُّغةِ يُطْلَقُ على الحيضِ والطُّهْرِ، قال ابنُ الأنباريِّ في «الأضداد» (ص: ٢٧): «يقالُ: القُرْءُ للطُّهْرِ، وهو مذهبُ أهلِ الحجازِ، والقُرْءُ للحيضِ، وهو مَذْهبُ أهلِ العراقِ»، ولهذا اختَلَفَ الفقهاءُ في المرادِ منه، فمن قال: إنَّ المرادَ به الحيضُ اشتَرَطَ في العِدَّةِ ثلاثَ حيضاتٍ كاملةٍ؛ أيْ: لا تَخْرُجُ من العِدَّةِ إلَّا بانقطاعِ الدَّمِ من الحيضةِ الثَّالثةِ، وأمَّا من قالَ: المرادُ به الطُّهرُ ومنهم الشَّافعيُّ ﵀ فاشترَطَ ثلاثةَ أطهارٍ، تبدأُ بطُهرٍ لم يجامعْها فيه، وتنتهي بمجرَّدِ رؤيةِ الدَّمِ بعدَ الطُّهرِ الثَّالثِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354928,"book_id":264,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":323,"body":"هذا الطُّهرَ لن يُحْتَسَبَ -أيضًا- من عِدَّتِها، فتَطولُ ببقيَّةِ أيَّامِ هذا الطُّهرِ وبالحيضةِ الكاملةِ التي بَعْدَه، وقد تَكونُ حاملًا من هذا الجماعِ، وهو لا يَرْغَبُ في تطليقِ الحاملِ، فيَكونُ في ذلك النَّدمُ؛ لأنَّ الإنسانَ قد يُطَلِّقُ الحائلَ دونَ الحاملِ، وهذا الطَّلاقُ البدعيُّ حرامٌ؛ للنَّهيِ عنه، فإن طَلَّقَها أَثِمَ، ووقَعَ طلاقُه عندَ الشَّافعيِّ ﵀.\r٢ - «وَضَرْبٌ لَيْسَ فِي طَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ، وَهُنَّ أَرْبَعٌ:\rأ- الصَّغِيرَةُ»؛ أيِ: التي لم تَحِضْ؛ لأنَّ عِدَّتَها بالأشْهُرِ، فلا يَلْحَقُها ضررٌ.\rب- «والآيِسةُ»، وهي التي انقطعَ حيضُها بسببِ تجاوُزِ سِنِّ المحيضِ، فلا يَلْحَقُها ضررٌ؛ لأنَّ عِدَّتَها -أيضًا- بالأشْهُرِ كالصَّغيرةِ.\rج- «والْحَامِلُ»؛ أيِ: التي ظهرَ حَمْلُها؛ لأنَّ عِدَّتَها بوضعِ الحَملِ، فلا تَختلفُ المُدَّةُ في حَقِّهَا، ولا نَدَمَ بعدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ.\rد- «وَالْمُخْتَلِعَةُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا»؛ لأنَّها لا عِدَّةَ عليها.\r\r«فَصْلٌ»\rفِي طلاقِ الحُرِّ والعَبْد\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، وَالْعَبْدُ تَطْلِيقَتَيْنِ»، يَمْلِكُ الحُرُّ على زوجتِه ثلاثَ تطليقاتٍ، قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، يقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «إذا طَلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه تطليقتينِ،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354929,"book_id":264,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":324,"body":"فليتَّقِ اللهَ في التَّطليقةِ الثَّالثةِ، فإمَّا أن يُمْسِكَها بمعروفٍ فيُحْسِنَ صحابَتَها، أو يُسَرِّحَها بإحسانٍ فلا يَظْلِمَها من حَقِّها شيئًا» (¬١).\rويَمْلِكُ العبدُ طَلْقتينِ؛ لقولِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «يَنْكِحُ العبدُ امرأتينِ ويُطَلِّقُ تَطليقتينِ» (¬٢).\rقال الخطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: «وإذا طَلَّقَ الحُرُّ ثلاثًا سواءٌ أَوْقَعَهنَّ معًا أمْ لا, مُعَلَّقًا كانَ ذلك أمْ لا، قبْلَ الدُّخولِ أمْ لا، أو العبدُ، أو المُبَعَّضُ طَلقتينِ كذلك؛ لم تَحِلَّ له حتَّى تَنكحَ زوجًا غيرَه» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ إِذَا وَصَلَهُ بِهِ»؛ أيْ: وَصَلَ الزَّوْجُ لفظَ المستثنى بالمستثنى منه اتِّصالًا عُرْفِيًّا، بأنْ يُعَدَّ في العرفِ كلامًا واحدًا، فإن قال لزوجتِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا اثنتينِ، صَحَّ ووقعت طلقةٌ واحدةٌ؛ لحديثِ معاذِ بنِ جبلٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا أَحَلَّ اللهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ، فَمَنْ طَلَّقَ وَاسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» (¬٤).\rوكذلك يُشترطُ أن ينويَ الاستثناءَ قبلَ فراغِ اليمينِ، كما","footnotes":"(¬١) رواه ابنُ جريرٍ في «تفسيره» (٤/ ٥٤٣).\r(¬٢) رواه الشَّافعيُّ في «مسنده» (١٨٧)، وذكَرَه ابنُ كثيرٍ ﵀ في «مسند الفاروق» (١/ ٤٠٦)، وقالَ: «روى الثَّوريُّ عن جعفرِ بنِ محمَّدٍ عن أبيه عن عليِّ بنِ أبى طالبٍ مِثْلَه، وابنُ عوفٍ مِثْلَ قولِهما، ولا يُعْرَفُ لهم مخالِفٌ من الصَّحابةِ»، والعلَّةُ في أنَّ العبدَ يَنْكِحُ امرأتينِ ويُطَلِّقُ تطليقتينِ؛ أنَّ العبدَ على النِّصفِ من الحُرِّ، والنِّكاحُ لا يَتَبَعَّضُ، وكذلك الطَّلاقُ.\r(¬٣) «مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» (٤/ ٢٩٩)، والطَّلاقُ بلفظِ الثَّلاثِ من الطَّلاقِ البِدعيِّ المحرَّمِ، وهو يَقَعُ ثلاثًا عندَ الشَّافعيِّ ﵀.\r(¬٤) رواه الدَّارقطني (٣٩٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354930,"book_id":264,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":325,"body":"يُشترطُ -أيضًا- عدمُ استغراقِ المستثنى المستثنى منه؛ فإن استغْرَقَ المستثنى المستثنى منه؛ كقولِه -مثلًا-: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا»؛ بَطَلَ الاستثناءُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالصِّفَةِ وَالشَّرْطِ»، يَصِحُّ تعليقُ الطَّلاقِ بالصِّفةِ، فتُطَلَّقُ عندَ وُجودِها، فإذا قال لها: «أنتِ طالقٌ في شهرِ كذا»؛ وَقَعَ الطَّلاقُ مع أوَّلِ جزءٍ من الليلةِ الأولى منه، وكذلك يَصِحُّ تعليقُ الطَّلاقِ بالشَّرطِ، فتُطَلَّقُ عندَ وجودِه، فإذا قال لها: «إن دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ»؛ وَقَعَ الطَّلاقُ إذا دَخلْتِ الدَّارَ؛ لحديثِ عمرِو بنِ عوفٍ المُزَنِيِّ ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَقَعُ قَبْلَ النِّكَاحِ»؛ لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعٌ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُمْ:\r١ - الصَّبِيُّ»، وهو من لم يبلُغْ.\r٢ - «والْمَجْنُونُ»، وهو فاقدُ التَّمييزِ؛ سواءٌ كانَ بشكلٍ جزئيٍّ أو كلِّيٍّ.","footnotes":"(¬١) رواه الترمذي (١٣٥٢)، وابن ماجه (٢٣٥٣)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».\r(¬٢) رواه أحمد (٦٧٨٠)، والترمذي (١١٨١)، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354931,"book_id":264,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":326,"body":"٣ - «والنَّائِمُ»، وهو معروفٌ.\rوالدَّليلُ على عدمِ وقوعِ طلاقِهم حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬١).\rوحيثُ ارتَفعَ عنهم القلمُ بَطَلَ تَصَرُّفُهم.\r٤ - «والْمُكْرَهُ»، المُكْرَهُ على طلاقِ زوجتِه لا يقعُ طلاقُه؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الرَّجْعَة\rالرَّجعةُ في اللُّغةِ: المَرَّةُ من الرُّجوعِ.\rوفي الاصطلاحِ: ردُّ المرأةِ إلى النِّكاحِ من طلاقٍ غيرِ بائنٍ في العِدَّةِ، بغيرِ عَقْدٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا»، إذا طَلَّقَ شخصٌ امرأتَه طلقةً واحدةً","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.\r(¬٢) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥)، وابن حبَّان (٤٧٦٠)، والحاكم (٢٨٠١)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354932,"book_id":264,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":327,"body":"أو اثنتينِ فله مراجَعتُها مالم تنقضِ عِدَّتُها، ولو بغيرِ إذنِها؛ لقولِه تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ويُستحَبُّ الإشهادُ على الرَّجعةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطَّلاق: ٢]، والأمرُ هنا محمولٌ على الاستحبابِ؛ لا على الوجوبِ، وهو كقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقد اتَّفقَ العلماءُ على صحَّةِ البيعِ بلا إشهادٍ، فكذا اسْتُحِبَّ الإشهادُ على الرَّجعةِ للأمنِ من الجحودِ، وقطعِ النِّزاعِ، وسدِّ بابِ الخلافِ بينَ الزَّوجينِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّ لَهُ نِكَاحُهُا بِعَقْدٍ جَدَيدٍ، وَتَكُونُ مَعَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلَاقِ»، إن انقضت عِدَّةُ المرأةِ من طلاقٍ رجعيٍّ؛ حَلَّ لزوجِها نكاحُها بعقدٍ جديدٍ ومَهرٍ جديدٍ، باختيارٍ منها ورضًا، وتَكونُ معه بعدَ العَقْدِ على ما بَقِيَ من الطَّلاقِ، سواءٌ اتَّصلتْ بزوجٍ غيرِه أمْ لا؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّه سألَ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ عن رجلٍ طَلَّقَ امرأتَه تطليقةً، أو تطليقتينِ، ثمَّ تزوَّجتْ غيرَه، ثمَّ ترَكَها زوجُها الآخَرُ، ثمَّ راجَعَها الأوَّلُ، فقالَ: «هي على ما بَقِيَ من الطَّلاقِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ خَمْسَةِ شَرَائِطَ:\r١ - انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ»؛ أيِ: انقضاءِ عِدَّتِها من المُطَلِّقِ.\r٢ - «وَتَزْوِيجِهَا بِغَيْرِهِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ","footnotes":"(¬١) رواه عبد الرَّزَّاق في «المصنَّف» (١١١٥٢)، وصحَّحه ابنُ كثير في «مسند الفاروق» (١/ ٤١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354933,"book_id":264,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":328,"body":"مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠].\r٣ - «وَدُخُولِهِ بِهَا، وَإِصَابَتِهَا»، بدخولِ حَشَفَتِه -أو قَدْرِها من مقطوعِها- في قُبُلِها؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: جاءتِ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظِيِّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: كنتُ عندَ رِفاعةَ، فطَلَّقني، فأَبَتَّ طلاقي، فتزوَّجتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزَّبِيرِ، وإنَّما معه مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوبِ، فقال ﷺ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟! لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (¬١).\r٤ - «وَبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ»؛ أيْ: من الزَّوجِ الثَّاني، بطلاقٍ، أو فسخٍ، أو موتٍ.\r٥ - «وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ»؛ أي: انقضاءِ عِدَّتِها من الزَّوجِ الثَّاني؛ لاستبراءِ رَحِمِها.\r\r«فَصْلٌ»\rفي الإيلاء\rالإيلاءُ في اللُّغةِ: الحَلِفُ، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]؛ أيْ: لا يَحْلِفُ، وهذه","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٤٩٦)، ومسلم (١٤٣٣)، و «امرأةُ رِفاعةَ» هي: تميمةُ بنتُ وهبٍ، وقولُها: «فأبتَّ»: من البَتِّ وهو القَطعُ؛ أي: قَطَعَ طلاقي قطعًا كُلِّيًّا، والمرادُ أنَّه طلَّقها الطَّلقةَ الثَّالثةَ التي تحصُلُ بها البينونةُ الكبرى، وقولُها: «مِثْلُ هُدبةِ الثَّوبِ»؛ أي: طَرَفِه الذي لم يُنْسَجْ، كَنَّتْ بِهذا عن استرخاءِ ذَكَرِه، وأنَّه لا يَقْدِرُ على الوطءِ، وقولُه ﷺ: «عُسَيْلَتَهُ»؛ تصغيرُ عسلةٍ، وهي كنايةٌ عن الجِماع، شَبَّهَ لذَّتَه بلذَّةِ العسلِ وحلاوتِه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354934,"book_id":264,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":329,"body":"الآيةُ نزَلت في أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ حينَ حَلَفَ ألَّا يُنْفِقَ على ابنِ خالتِه مِسْطَحِ بنِ أثاثةَ ﵁ حينما خاضَ مع أَهلِ الإفكِ فيما خاضوا فيه من أمر عائشة ﵂.\rوفي الاصطلاحِ: حَلِفُ زوجٍ على الامتناعِ مِن وطءِ زوجتِه مُطْلقًا أو أكثرَ من أربعةِ أشهرٍ.\rوهو مُحَرَّمٌ؛ لوقوعِ الضَّررِ على الزَّوجةِ بمنعِ نفْسِه ممَّا لها فيه حقُّ العفافِ.\rوالأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، و ﴿يُؤْلُونَ﴾؛ من الإيلاءِ، وهو الحَلِفُ -كما سَبَقَ- و ﴿تَرَبُّصُ﴾؛ أيِ: انتظارُ، و ﴿فاؤوا﴾؛ أي: رَجَعوا عن الحَلِفِ بالوطءِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ زَوْجَتَهُ مُطْلَقًا، أَوْ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ فَهُوَ مُولٍ، وَيُؤَجَّلُ لَهُ إِنْ سَأَلَتْ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَيْئَةِ وَالتَّكْفِيرِ وَالطَّلَاقِ»؛ أي: يُطْلَبُ منه أن يَرْجِعَ عن حَلِفِه، فيطأَ زوجتَه ويكفِّرَ عن يمينِه، فإنْ أبَى، طُلِبَ منه أن يُطَلِّقَ، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧].\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنِ امْتَنَعَ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ»؛ لإزالةِ الضَّررِ عن الزوجة، ولا سبيلَ إلى ذلك إلَّا بالتَّطليقِ عليه، يقولُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: «إذا آلى الرَّجلُ من امرأتِه لم يقعْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354935,"book_id":264,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":330,"body":"عليه طلاقٌ، وإن مضت الأربعةُ الأشهرِ، حتَّى يُوقَفَ: فإمَّا أن يُطَلِّقَ، وإمَّا أن يَفيءَ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الظِّهار\rالظِّهارُ في اللُّغةِ: مأخوذٌ من الظَّهْرِ؛ لأنَّ صورتَه الأصليَّةَ أن يقولَ الرَّجلُ لزوجتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي، وخصُّوا الظَّهرَ دونَ غيرِه؛ لأنَّه موضعُ الرُّكوبِ، والمرأةُ مركوبُ الزَّوجِ، وكانَ طلاقًا في الجاهليَّةِ، فَحَكَمَ اللهُ تعالى فيه بالكفَّارةِ، وحرَّمَ الجماعَ على المتظاهِرِ حتَّى يُكَفِّرَ.\rوفي الاصطلاحِ: تشبيهُ الزَّوجةِ أو جزءٍ منها بمحرَّمةٍ عليه تحريمًا مؤبَّدًا.\rوالظِّهارُ مُحرَّمٌ بالإجماعِ، والأصلُ في تحريِمه قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]؛ أي: تنكرُه الحقيقةُ، وينكرُه الشَّرعُ، وهو كذبٌ وبهتانٌ؛ لأنَّ الزَّوجةَ محلَّلَةٌ والأمَّ محرَّمةٌ، وتشبيهُ المحلَّلةِ بالمحرَّمةِ كذبٌ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالظِّهَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإِذَا قَالَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَمْ يُتْبِعْهُ بِالطَّلَاقِ صَارَ عَائِدًا، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ»، إذا قال الرَّجلُ لزوجتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي، ولم","footnotes":"(¬١) رواه مالك في «الموطَّأ» (١٦٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354936,"book_id":264,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":331,"body":"يُتْبِعْهُ بالطَّلاقِ صارَ عائدًا؛ لأنَّ تشبيهَها بالأمِّ يقتضي أن لا يُمسكَها زوجةً، فإن أَمْسَكَها بعدَ الظِّهارِ فقدْ عادَ فيما قالَ، ولَزِمَتْه الكفَّارةُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فِإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣، ٤].\rقال الشَّافعيُّ ﵀: «إمساكُ المظاهِرِ عن أن يأكُلَ ستِّينَ يومًا كإطعامِ ستِّينَ مسكينًا ... فذَهبْنا إلى أنَّ إطعامَ المسكينِ مُدُّ طعامٍ، ومكانَ إطعامِ المسكينِ صومُ يومٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَحِلُّ لِلْمُظَاهِرِ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رَجلًا أتى النَّبيَّ ﷺ، وقد ظاهَرَ من امرأتِه، فَوَقَعَ عليها، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إني قد ظاهرتُ من زوجتي، فوقعتُ عليها قبلَ أن أكفِّرَ، فقالَ: «وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللهُ؟!»، قالَ: رأيتُ خَلخالَها في ضوءِ القمرِ، قالَ: «فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) «الأُم» (٢/ ٢٠٤)، ويكون المُدُّ من غالِب قوتِ أهلِ البلدِ، وهو يساوي بالوزنِ (٦٠٠) جرامٍ تقريبًا.\r(¬٢) رواه أبو داود (٢٢٢٣)، والترمذي (١١٩٩)، والنسائي (٣٤٥٨)، وابن ماجه (٢٠٦٥)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354937,"book_id":264,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":332,"body":"«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ اللِّعَان\rاللِّعانُ في اللُّغةِ: مأخوذٌ من اللَّعْنِ، وهو الإبعادُ والطَّردُ، والْتَعَنَ الرَّجلُ إذا لَعَنَ نَفْسَه، ولاعَنَ إذا لاعَنَ زَوْجَتَه، وسُمِّيَ هذا الحُكمُ لِعانًا؛ لأنَّه لا يَنْفَكُّ عندَ العملِ به من طردٍ وإبعادٍ؛ لأنَّ أحدَهما كاذبٌ، وإن لم يَتَعَيَّنْ منهما، والكاذبُ يَستحقُّ البُعدَ من اللهِ تعالى.\rوفي الاصطلاحِ: كلماتٌ معلومةٌ جُعِلَتْ حُجَّةً للمُضْطَرِّ إلى قذفِ مَن لَطَّخَ فِراشَه وألحقَ العارَ به أو إلى نفيِ ولدٍ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩] (¬١).\rوسببُ نزولِ الآياتِ -كما قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ هلالَ بنَ أميَّةَ قَذَفَ امرأتَه عندَ النَّبيِّ ﷺ بشريكِ ابنِ سَحماءَ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إذا رأى أحدُنا على امرأتِه رَجلًا ينطلقُ يلتمسُ البيِّنةَ، فجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ يقولُ:","footnotes":"(¬١) قولُه تعالى: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾؛ أيْ: يتَّهموهنَّ بالزِّنا، وقولُه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾؛ أيْ: يَدْفَعُ عنها حَدَّ الزِّنا، وهو الرَّجمُ، كما سيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354938,"book_id":264,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":333,"body":"«الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، فقال هلالٌ: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ إنِّي لصادقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ ما يُبَرِّئُ ظهري من الحَدِّ، فنَزَلَ جبريلُ، وأَنْزَلَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾؛ فقرأَ حتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فانصرفَ النَّبيُّ ﷺ فأَرْسَلَ إليها، فجاءَ هلالٌ فَشَهِدَ، والنَّبيُّ ﷺ يقولُ: «إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟»، ثمَّ قامتْ فَشَهِدَتْ، فلمَّا كانتْ عندَ الخامسةِ وقَفوها، وقالوا: إنَّها موجِبةٌ، قال ابنُ عبَّاسٍ: فتلكَّأتْ ونَكَصَتْ؛ حتَّى ظننَّا أنَّها تَرْجِعُ، ثمَّ قالت: لا أَفْضَحُ قومي سائرَ اليومِ، فمضتْ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ»، فجاءت به كذلك، فقال النَّبيُّ ﷺ: «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا رَمَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا فَعَلَيْهِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٤٧٠)، وقولُهم: «موجِبةٌ»؛ أي: للعذابِ الأليمِ عندَ اللهِ تعالى إن كنتِ كاذبةً، وقولُه: «فَتَلَكَّأَتْ»؛ أيْ: تَوَقَّفَتْ وتَبَاطأتْ عن الشَّهادةِ، و «نَكَصَتْ»؛ أي: أَحْجَمَتْ عن استمرارِها في اللِّعانِ .. وقولُها: «لا أَفْضَحُ قومي سائرَ اليومِ»؛ أيْ: لا أَكونُ سببَ فضيحتِهم فيما بقيَ من الأيَّامِ، يقالُ لهم: منكم امرأةٌ زانيةٌ، وقولُه: «فمضت»؛ أي: في إتمامِ اللِّعانِ، وقولُه ﷺ: «أَبْصِرُوهَا»؛ أي: انظُروا إليها وراقِبوها عندما تضعُ حَمْلَها، و «أَكْحَلَ»؛ أيْ: شديدُ سوادِ الجفونِ خِلقةً من غيرِ اكتحالٍ، و «سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ»؛ أيْ: ضَخْمُهُما، و «خَدَلَّجَ»؛ أي: ممتلئٌ، و «مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ»؛ أي: ما قُضِيَ فيه من أنَّه لا يُحَدُّ أحدٌ بدونِ بيِّنةٍ أو إقرارٍ، وأنَّ اللِّعانَ يَدْفَعُ عنها الرَّجمَ، و «لِي وَلَهَا شَأْنٌ»؛ أيْ: كانَ لي معها موقفٌ آخَرُ؛ أي: لرجمتُها ولفعلتُ بها ما يَكونُ عِبرةً لغيرِها، وجاء في روايةٍ لمسلمٍ (١٤٩٦): «فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ»، و «سَبِطًا»؛ أيْ: مسترسِلَ الشَّعرِ، و «قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ»؛ أي: فاسدَهما بكثرةِ دمعٍ أو حُمرةٍ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354939,"book_id":264,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":334,"body":"حَدُّ الْقَذْفِ؛ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، أَوْ يُلَاعِنَ، فَيَقُولَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّنِي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي فُلَانَةً مِنَ الزِّنَا، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنَ الزِّنَا، وَلَيْسَ مِنِّي؛ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيَقُولَ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ -بَعْدَ أَنْ يَعِظَهُ الْحَاكِمُ-: وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ»، إذا قَذَفَ الرَّجُلُ زوجتَه بالزِّنا فعليه حدُّ القذفِ، وسيأتي أنَّه ثمانونَ جلدةً؛ إلَّا أن يُقِيمَ الرَّجلُ القاذفُ البيِّنةَ بزنَا المقذوفةِ، أو يُلاعِنَ زوجتَه المقذوفةَ بأمرِ الحاكمِ أو نائبِه؛ فيقولَ في الجامعِ على المنبرِ في جماعةٍ من النَّاسِ: أَشْهَدُ باللهِ إنَّني لمن الصَّادقينَ فيما رميتُ به زوجتي فلانةً من الزِّنا، وإن كانَ هناك ولدٌ ينفيه فيقولُ: وأنَّ هذا الولدَ من الزِّنا، وليس منِّي، يقولُ الملاعنُ هذه الكلماتِ أربعَ مرَّاتٍ، ويقولُ في المرَّةِ الخامسةِ -بعدَ أن يعِظَه الحاكمُ أو نائبُه بتخويفِه له من عذابِ اللهِ تعالى في الآخرةِ وأنَّه أشدُّ من عذابِ الدُّنيا-: وعليَّ لعنةُ اللهِ إن كنتُ من الكاذبينَ فيما رميتُ به زوجتي فلانةً من الزِّنا، ويقولُ هذا الكلامَ على المنبرِ في جماعةٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ﵄ قالَ: «حضرتُ رسولَ اللهِ ﷺ حين لاعَنَ بينَ عويمرٍ العَجلانيِّ وامرأتِه ... بعدَ العصرِ عندَ المنبرِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ:\r١ - سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ»؛ أيْ: سقوطُ حدِّ القذفِ عنه.\r٢ - «وَوُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهَا»؛ أيْ: حدِّ الزِّنا على زوجتِه إنْ","footnotes":"(¬١) رواه الدارقطني (٣٧٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354940,"book_id":264,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":335,"body":"لم تلاعِنْ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٨ - ٩]، ففيهِ دلالةٌ على وجوبِ الحدِّ عليها بلِعانِه وعلى سقوطِه عنها بلِعانِها.\r٣ - «وَزَوَالُ الْفِرَاشِ»؛ أيْ: فِراشِ الزَّوجِ عنها؛ لانقطاعِ النِّكاحِ بيْنَهما.\r٤ - «وَنَفْيُ الْوَلَدِ»؛ أيْ: نفيُ انتسابِ الولدِ إليه إن نفاه في لِعانِه؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لاعَنَ بيْنَ رَجلٍ وامرأتِه، فانتفى من ولدِها، ففرَّقَ بَيْنَهما، وأَلْحَقَ الولدَ بالمرأةِ» (¬١).\r٥ - «وَالتَّحْرِيمُ عَلَى الْأَبَدِ»؛ أيْ: تحريمُ الزَّوجةِ عليه على الأبدِ؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ قالَ: «مَضَتِ السُّنَّةُ في المتلاعِنَيْنِ أن يُفَرَّقَ بَيْنَهما، ثمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبدًا» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهَا بِأَنْ تَلْتَعِنَ، فَتَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا هَذَا لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا؛ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَتَقُولُ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ -بَعْدَ أَنْ يَعِظَهَا الْحَاكِمُ-: وَعَلَيَّ غَضَبُ اللهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ»، يَسْقُطُ حدُّ الزِّنا عن الزَّوجةِ الذي وَجَبَ عليها بتمامِ لِعانِ الزَّوجِ؛ بأن تلاعِنَ بعدَ تمامِ لِعانِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥٠٠٩)، ومسلم (١٤٩٤).\r(¬٢) رواه أبو داود (٢٢٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354941,"book_id":264,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":336,"body":"[النور: ٨ - ٩]، فتقولُ المرأةُ: أَشْهَدُ باللهِ إنَّ فلانًا هذا؛ أيْ: زَوْجَها لمن الكاذِبينَ عليَّ فيما رماني به من الزِّنا؛ أربعَ مرَّاتٍ، وتقولُ في المرَّةِ الخامسةِ -بعدَ أن يَعِظَها الحاكمُ-: وعليَّ غضبُ اللهِ إن كانَ من الصَّادقينَ فيما رماني به.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ العِدَّة\rالعِدَّةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من العَدِّ، سُمِّيَتْ بذلك لاشتمالِها على العددِ من الأقراءِ أو الأشهرِ غالبًا.\rوفي الاصطلاحِ: مُدَّةٌ تَتَرَبَّصُ فيها المرأةُ لمعرفةِ براءةِ رَحِمِها، أو للتَّعبُّدِ، أو لتفجُّعِها على زوجٍ.\rوالأصلُ فيها قبْلَ الإجماعِ الآياتُ والأحاديثُ الصَّحيحةُ الآتيةُ -إن شاءَ اللهُ تَعالى- وشُرِعَتْ صيانةً للأنسابِ، وتحصينًا لها من الاختلاطِ ورعايةً لحقِّ الزَّوجينِ والولدِ، والغالبُ فيها التَّعَبُّدُ، بدليلِ أنَّها لا تنقضي بقرءٍ واحدٍ مع حصولِ براءةِ الرَّحِمِ به.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُعْتَدَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُتَوَفًّى عَنْهَا وَغَيْرُ مُتَوَفًّى عَنْهَا»؛ المعتدة نوعان: متوفًّى عنها زوجُها، وغيرُ متوفًّى عنها، والمراد بغير المتوفَّى عنها: المطلَّقةُ، أو المفرَّقُ بيْنَها وبيْنَ زوجِها بلِعانٍ، أو خُلْعٍ بعدَ الوطءِ؛ لأنَّ المطلَّقةَ قبْلَ الدُّخولِ بها لا عِدَّةَ عليها.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354942,"book_id":264,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":337,"body":"فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ»، المتوفَّى عنها زوجُها إن كانت حاملًا فعِدَّتُها بوضعِ الحملِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\rولحديثِ سُبَيْعَةَ بنتِ الحارثِ الأسلميَّةِ ﵂، كانت تحتَ سعدِ بنِ خَولةَ ﵁، وهو من بني عامرِ بنِ لؤيٍّ، وكانَ ممَّنْ شَهِدَ بدرًا، فتُوُفِّيَ عنها في حَجَّةِ الوداعِ وهي حاملٌ، فلم تَنْشَبْ أن وَضَعَتْ حَمْلَها بعدَ وفاتِه، فلمَّا تَعَلَّتْ من نِفاسِها، تَجَمَّلَتْ للخُطَّابِ، فدَخَلَ عليها أبو السَّنابلِ بنُ بعككَ؛ رَجُلٌ من بني عبدِ الدَّارِ، فقال لها: ما لي أراكِ تَجَمَّلْتِ للخُطَّابِ، تَرْجِينَ النِّكاحَ؟! فإنَّكِ واللهِ ما أنتِ بناكحٍ حتَّى تمرَّ عليكِ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، قالت سُبَيْعَةُ: «فلمَّا قال لي ذلك جمعتُ عليَّ ثيابي حينَ أمسيتُ، وأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فسألتُه عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللتُ حينَ وضعتُ حملي، وأمرَني بالتَّزوُّجِ إن بدا لي» (¬١).\rفإن كانت المعتدَّةُ عن وفاةٍ حائلًا غيرَ حاملٍ فعِدَّتُها أربعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].\rوهذه الأحكامُ خاصَّةٌ بالحُرَّةِ، وستأتي أحكامُ الأمَةِ قريبًا إن شاءَ اللهُ تَعالى.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَغَيْرُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٧٧٠)، ومسلم (١٤٨٤)، ومعنى: «تَنْشَب»؛ أي: تَلْبَث. و «تَعَلَّتْ»؛ أيْ: طَهُرَت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354943,"book_id":264,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":338,"body":"فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ وَهِيَ الْأَطْهَارُ؛ إِلَّا إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ»، المعتدَّةُ غيرُ المُتَوَفَّى عنها زوجُها إن كانت حاملًا فعِدَّتُها بوضعِ الحمْلِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فإن كانت المعتدَّةُ حائلًا، وهي من ذواتِ الحيضِ فعِدَّتُها ثلاثةُ قروءٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والقروءُ؛ جمعُ قَرْءٍ -بفتحِ القافِ وضَمِّها- وهو عندَ الشَّافعيِّ ﵀ الطُّهرُ، فتعتدُّ بثلاثةِ أطهارٍ، وذلك لقولِه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أيْ: لوقتِ عِدَّتِهِنَّ، وبَيَّنَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ وقتَ العِدَّةِ زمانُ الطُّهرِ، كما سَبَقَ في حديثِ ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّه طَلَّقَ امرأتَه وهي حائضٌ وذُكِرَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ، فقالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (¬١).\rفَبَيَّنَ ﷺ أنَّ زمانَ الطَّلاقِ الطُّهرُ؛ لتَكونَ المرأةُ مُسْتَقْبِلَةً العِدَّةَ.\rفإذا كانت المعتدَّةُ صغيرةً أو آيسةً من الحيضِ فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٩٥٣)، ومسلم (١٤٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354944,"book_id":264,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":339,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا»؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وذلك لعدمِ اشتغالِ رحِمِها بما يُوجِبُ استبراءَه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَعِدَّةُ الْأَمَةِ بِالْحَمْلِ كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَبِالْأَقْرَاءِ أَنْ تَعْتَدَّ بِقُرْأَيْنِ، وَبِالشُّهُورِ عَنِ الْوَفَاةِ أَنْ تَعْتَدَّ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ، وَعَنِ الطَّلَاقِ أَنْ تَعْتَدَّ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ، فَإِنِ اعْتَدَّتْ بِشَهْرَيْنِ كَانَ أَوْلَى»، عِدَّةُ الأمَةِ إذا كانت حاملًا كعِدَّةِ الحُرَّةِ، وهي وضعُ الحملِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\rفإن لم تكنْ حاملًا وكانت من ذواتِ الحيضِ فتعتدُّ بقُرأينِ؛ لأنَّها على النِّصفِ من الحُرَّةِ في كثيرٍ من الأحكامِ، وإنَّما كَمَّلَت القُرءَ الثَّانيَ؛ لتعذُّرِ تبعيضِه؛ إذْ لا يَظْهَرُ نصفُه إلَّا بظهورِ كلِّه.\rفإن كانت عِدَّةُ الأمَةِ عن وفاةِ زوجٍ تَعْتَدُّ بشهرينِ وخمسةِ أيَّامٍ بلياليها.\rفإن كانتِ الأمَةُ صغيرةً أو آيسةً فعِدَّتُها عن الطَّلاقِ بشهرٍ ونصفٍ، فإن اعتدَّتْ بشهرينِ كانَ أَوْلى؛ لقولِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «تَعْتَدُّ الأمَةُ حيضتينِ، فإن لم تَحِضْ فشهرينِ أو شهرًا ونِصْفًا» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه الشَّافعيُّ في «الأم» (٥/ ٢٣٢)، وروى أيضًا ﵀ في المصدرِ السَّابقِ عن عمرَ ﵁ قال: «لو استطعتُ لجعلتُها حيضةً ونصفًا»، فقال رجلٌ: فاجعلْها شهرًا ونصفًا، فسكتَ عمرُ ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354945,"book_id":264,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":340,"body":"وقولُه ﵁: «حَيضتينِ»؛ أيْ: يَتَقَدَّمُها طُهْرانِ، وإنَّما تُكْمِلُ القُرءَ الثَّانيَ إلى نزولِ الحيضةِ الثَّانيةِ؛ لتعذُّرِ تبعيضِ الطُّهرِ؛ إذْ لا يُعْرَفُ نِصْفُه إلا بظهورِ كلِّه، فلا بدَّ من الانتظارِ إلى أن يَعودَ الدَّمُ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أنواعِ المعتدَّةِ وأحكامِها\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ لِلْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ»، يجبُ للمعتدَّةِ الرَّجعيَّةِ السُّكنى والنَّفقةُ؛ لحديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ ﵂ أنَّها أتتِ النَّبيَّ ﷺ، فقالت: إنَّ زوجي أَرْسَلَ إليَّ بطلاقي، وإنِّي سألتُ أهلَه النَّفقةَ والسُّكنى فأَبَوْا عليَّ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّه قد أَرْسَلَ إليها بثلاثِ تطليقاتٍ، فقال ﷺ: «إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ لِلْبَائِنِ السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا»، يجبُ للمعتدَّةِ البائنِ الحائلِ السُّكنى دونَ النَّفقةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فإذا كانتِ البائنُ حاملًا وَجَبَتْ لها النَّفقةُ حتَّى تَضَعَ الحملَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٧٣٨٥)، والنسائي (٣٤٠٣)، وقولُهم: «إنَّه قد أَرْسَلَ إليها بثلاثِ تطليقاتٍ»؛ ليس معناه أنَّه طلَّقها ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، بل طلَّقها ثلاثَ طلقاتٍ متفرِّقاتٍ، كما جاءَ في الرِّوايةِ الأخرى عندَ النسائي (٣٢٢٢)، وفيها: «وأَرْسَلَ إليها بتطليقةٍ هي بقيَّةُ طلاقِها».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354946,"book_id":264,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":341,"body":"حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\rويَحْرُمُ على الزَّوجِ مُساكَنةُ المعتدَّةِ في الدَّارِ التي تَعْتَدُّ فيها ومداخَلتُها؛ لأنَّه يؤدِّي إلى الخَلوةِ، وخَلوتُه بها كخَلوتِه بالأجنبيَّةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْإِحْدَادُ وَهُوَ الامْتِنَاعُ مِنَ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ»، الإحدادُ في اللُّغةِ: المنعُ، وهو مأخوذٌ من الحَدِّ، ومنه الحدودُ الشَّرعيَّةُ؛ لأنَّها تَمْنَعُ وتَرْدَعُ عن المعصيةِ، ولذلك يُقالُ للبوَّابِ: حدَّادٌ؛ لأنَّه يَمْنَعُ النَّاسَ من الدُّخولِ، وأمَّا الإحدادُ في الاصطلاحِ: فهو المنعُ من الزِّينةِ.\rودليلُ وجوبِ الإحدادِ على من تُوُفِّيَ عنها زوجُها؛ حديثُ أُمِّ حبيبةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (¬١).\rوحديثُ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ» (¬٢).\rوقالت أمُّ عطيَّةَ ﵂: «كنا نُنْهَى أن نُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٢٢١)، ومسلم (١٤٨٦).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٦٦٢٣)، وأبو داود (٢٣٠٤)، والنسائي (٣٥٣٥)، وابن حبَّان (٢٠٩٣)، و «الْمُعَصْفَرُ»؛ أيِ: المصبوغُ بالعُصْفُرِ، وهو نبتٌ معروفٌ يُصْبَغُ به، و «الْمُمَشَّقَةُ»؛ أيِ: المصبوغةُ بالمِشْقِ، وهو الطِّينُ الأحمرُ الذي يسمَّى مغرةً، والأمغرُ في الخيلِ: الأشقرُ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354947,"book_id":264,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":342,"body":"ثلاثٍ؛ إلَّا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا، ولا نَكْتَحِلُ، ولا نتطيَّبُ، ولا نَلْبَسُ مصبوغًا إلا ثوبَ عصبٍ، وقد رُخِّصَ لنا عندَ الطُّهرِ إذا اغتسلت إحدانا من محيضِها في نُبذةٍ من كستِ أظفارٍ» (¬١).\rفعلى المعتدَّةِ المتوفَّى عنها زوجُها الامتناعُ من الاكتحالِ، واستعمالِ الطِّيبِ، ولُبسِ المصبوغِ الذي يُقْصَدُ به الزِّينةُ، كثوبٍ أصفرَ أو أحمرَ، ويباحُ لُبسُ مصبوغٍ لا يُقْصَدُ به الزِّينةُ، وكذلك يجبُ عليها الامتناعُ من الحليِّ، والخِضابِ، ونحوِ ذلك، ويَحِلُّ لها التَّنظُّفُ بغسلِ رأسٍ، وقَلْمِ أظفارٍ، واستحدادٍ، ونتفِ إِبْطٍ، وإزالةِ وسخٍ، والامتشاطُ بلا ترجيلٍ بدُهْنٍ ونحوِه، ويَجوزُ بسِدْرٍ ونحوِه؛ لأنَّ ذلك ليس من الزِّينةِ الدَّاعيةِ إلى الوطءِ، وكذلك يَحِلُّ لها دخولُ حمَّامٍ، إن لم يكنْ فيه خروجٌ محرَّمٌ، ولو ترَكَتِ الإحدادَ الواجبَ عليها كُلَّ المُدَّةِ أو بَعْضَها أَثِمَتْ، وانقضت عِدَّتُها مع الإثمِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَى الْمُتَوَفَّي عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمَبْتُوتَةِ مُلَازَمَةُ الْبَيْتِ إِلَّا لِحَاجَةٍ»، ويجبُ على المتوفَّى عنها زوجُها والمبتوتةِ ملازَمةُ البيتِ الذي كانت فيه عندَ الفُرقةِ مدَّةَ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٠٧)، ومسلم (٩٣٨). وقولُها ﵂: «نُحِدُّ»؛ من الإحدادِ وهو الامتناعُ عن الزِّينةِ، و «ثوبُ عصبٍ»؛ نوعٌ من الثِّيابِ اليمنيَّةِ يُعْصَبُ غزلُها -أيْ يُجْمَعُ- ويُصْبَغُ قبْلَ أن يُنْسَجَ، و «نُبذةٌ»؛ قطعةٌ صغيرةٌ، و «كستُ أظفارٍ»؛ نوعٌ من الطِّيبِ، القطعةُ منه على شكلِ الظُّفرِ، رُخِّصَ فيه للمغتسلةِ من الحيضِ لإزالةِ الرَّائحةِ الكريهةِ تَتبَّعُ به أثرَ الدَّمِ لا للتَّطيُّبِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354948,"book_id":264,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":343,"body":"العِدَّةِ؛ لقولِه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أيْ: بيوتِ أزواجِهِنَّ، وإضافتُها إليهنَّ للسُّكنى، قال تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، قال ابنُ عبَّاسٍ وغيْرُه: الفاحشةُ المبيِّنَةُ هي أن تَبْذُوَ على أهلِ زَوْجِها، فإن فَعَلَتْ ذلك أُخْرِجَتْ.\rوقولُ المصنِّفِ ﵀: «إِلَّا لِحَاجَةٍ»؛ أيْ: فيَجوزُ لها الخروجُ لحاجةٍ، كأن تَخْرُجَ في النَّهارِ لشراءِ طعامٍ، أو كَتَّانٍ أو قُطنٍ، أو بيعِ غزْلٍ، ونحوِ ذلك، ويَجوزُ لها الخروجُ ليلًا إلى دارِ جارتِها لغزْلٍ وحديثٍ ونحوِهِما للتَّأنُّسِ؛ ولكنْ بشرطِ أن تَرْجِعَ وتَبيتَ في بيتِها، يقولُ جابرٌ ﵁: طُلِّقَتْ خالتي، فأرادت أن تَجُدَّ نَخْلَها، فزَجَرَها رَجلٌ أن تَخْرُجَ، فأتتِ النَّبيَّ ﷺ فقال: «بَلَى، فَجُدِّي نَخْلَكِ؛ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الاسْتِبْرَاء\rالاستبراءُ في اللُّغةِ: طَلبُ البَراءةِ.\rوفي الاصطلاحِ: تربُّصُ المرأةِ مدَّةً بسببِ حدوثِ مِلْكٍ أو زَوَالِهِ؛ لمعرفةِ براءةِ الرَّحِمِ وخُلوِّه مِن الولدِ، أو للتَّعبُّدِ.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٤٨٣)، وقولُ جابر ﵁: «أن تَجُدَّ نَخْلَهَا»؛ هو من الجدادِ -بالفتحِ والكسرِ- صِرامُ النَّخلِ، وهو قطعُ ثمرتِها، وقولُه ﵁: «فزَجَرَها رَجلٌ أن تَخْرُجَ»؛ أيْ: نهاها عن الخروجِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354949,"book_id":264,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":344,"body":"والأصلُ في مشروعيَّتِه حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في سبايا أَوْطَاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنِ اسْتَحْدَثَ مِلْكَ أَمَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا؛ إِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ بِحَيْضَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الشُّهُورِ بِشَهْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَمْلِ بِالْوَضْعِ»، مَن حَدَثَ له مِلْكُ أَمَةٍ بشراءٍ أو إرثٍ أو هبةٍ أو سبيٍ أو نحوِ ذلك؛ حَرُمَ عليه الاستمتاعُ بها حتَّى يستبرئَها، فإن كانت الأمَةُ من ذواتِ الحيضِ فيَكونُ استبراؤُها بحيضةٍ، وإن كانت من ذواتِ الأشهرِ لصِغَرٍ أو يأسٍ فيَكونُ استبراؤُها بشهرٍ، فإنه كقُرءٍ في الحُرَّةِ، وإن كانت من ذواتِ الحَمْلِ فيَكونُ استبراؤُها بوضعِ الحَملِ؛ لعمومِ الحديثِ السَّابقِ، ولأنَّ المقصودَ معرفةُ براءةِ الرَّحمِ وهي حاصلةٌ بذلك.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا مَاتَ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا كَالْأَمَةِ»، المملوكةُ التي وطِئَها سيِّدُها فحَمَلَتْ منه وأتت بمولودٍ استهلَّ صارخًا؛ يقالُ لها: أمُّ ولدٍ، فلا يَجوزُ لسيِّدِها أن يبيعَها، وتَعتَقُ بمجرَّدِ موتِهِ، وتستبرئُ نَفْسَها كالأمَةِ على التَّفصيلِ السَّابقِ؛ إن كانت من ذواتِ الحيضِ بحيضةٍ، وإن كانت من ذواتِ","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٢١٥٧)، والحاكمُ (٢٧٩٠)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرطِ مسلم». و «سبايا»؛ جمعُ سَبِيَّةٍ، وهي الأسيرةُ من الكفَّارِ، و «أَوْطَاسٌ»؛ وادٍ في ديارِ هوازنَ قريبٌ من الطَّائفِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354950,"book_id":264,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":345,"body":"الشُّهورِ بشهرٍ، وإن كانت من ذواتِ الحملِ بالوضعِ، وقد سُئِلَ ابنُ عمرَ ﵄ عن أمِّ الولدِ يُتَوَفَّى عنها سيِّدُها؟ قالَ: «تَعتدُّ بحيضةٍ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الرَّضَاع\rالرَّضاعُ في اللُّغةِ: اسمٌ لمَصِّ الثَّديِ.\rوفي الاصطلاحِ: وصولُ لبنِ آدميَّةٍ إلى جوفِ طفلٍ لم يَزِدْ سِنُّه على حَوْلَيْنِ.\rوالأصلُ فيه قبلَ الإجماعِ الكتابُ والسُّنَّةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].\rوقال النَّبيُّ ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَرْضَعَتِ الْمَرْأَةُ بِلَبَنِهَا وَلَدًا صَارَ الرَّضِيعُ وَلَدَهَا بِشَرْطَيْنِ:\rأَحَدُهُمَا: أن يَكونَ لَهُ دُونَ الْحَوْلَيْنِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\rولحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» (¬٣).\r«وَالثَّانِي: أَنْ تُرْضِعَهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ»؛ لحديثِ","footnotes":"(¬١) رواه البيهقيُّ في «السُّننِ الكبرى» (٢١٥٩٩).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٥٠٢)، ومسلم (١٤٤٧)؛ من حديثِ ابن عبَّاسٍ ﵄.\r(¬٣) رواه الدَّارقطني (٤٣٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354951,"book_id":264,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":346,"body":"عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «كانَ فيما أُنْزِلَ من القرآنِ: عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ، ثمَّ نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ» (¬١).\rوقولُها ﵂: «معلوماتٍ»؛ أيْ: كُلُّ رضعةٍ متميِّزةٍ عن غيْرِها، فهنَّ متفرِّقاتٌ مُشْبِعاتٌ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِيرُ زَوْجُهَا أَبًا لَهُ»؛ أيْ: يصيرُ زوجُ المرضِعةِ أبًا للرَّضيعِ، تقولُ عائشةُ ﵂: استأذنَ عَلَيَّ أَفْلحُ أخو أبي القُعَيْسِ بعد ما أُنْزِلَ الحِجابُ، فقلتُ: لا آذَنُ له حتَّى أستأذِنَ فيه النَّبيَّ ﷺ فإنَّ أخاه أبا القُعَيْسِ ليس هو أَرْضَعني، ولكن أرضعتني امرأةُ أبي القُعَيْسِ، فدَخَلَ عليَّ النَّبيُّ ﷺ، فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أفلحَ أخا أبي القُعَيْسِ استأذنَ، فأبيتُ أن آذَنَ له حتَّى أستأذِنَكَ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِي؟! عَمُّكِ»، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الرَّجلَ ليس هو أَرْضعني، ولكن أَرضعني امرأةُ أبي القُعَيْسِ، فقالَ: «ائْذَنِي لَهُ؛ فَإِنَّهُ عَمُّكِ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُرْضَعِ التَّزْوِيجُ إِلَيْهَا، وَإِلَى كُلِّ مَنْ نَاسَبَهَا»، يَحْرُمُ على","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٤٥٢).\r(¬٢) رواه البخاري (٤٥١٨)، ومسلم (١٤٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354952,"book_id":264,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":347,"body":"المُرضَعِ التَّزويجُ من مرضعتِهِ؛ لأنَّها صارت أمَّه بالرَّضاعةِ، وكذلك يَحْرُمُ عليه التَّزويجُ بكلِّ من انتسب إليها بنسبٍ أو رَضاعٍ، كأمِّها وبنتِها وأختِها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّزْوِيجُ إِلَى الْمُرْضَعِ وَوَلَدِهِ دُونَ مَنْ كَانَ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَعْلَى طَبَقَةً مِنْهُ»، يَحْرُمُ على المرضِعةِ التَّزويجُ بالمُرضَعِ وولدِه وإن سَفَلَ، دونَ من كانَ في درجةِ الرَّضيعِ، كإخوتِه الَّذينَ لم يَرْضَعوا معه، وكذلك من كانَ أعلى طبقةً من الرَّضيعِ، كأبيه وعمِّه وجَدِّه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ نفقةِ الأقاربِ\rالنَّفقةُ في اللُّغةِ: مشتقَّةٌ مِن النُّفُوق: وهو الهلاك، يقال نفقت الدابة نفوقًا إذا هَلَكَت، وسُمِّيَتْ النفقة بذلك لما فيها من صرفِ المالِ وإهلاكِه.\rوفي الاصطلاحِ: كفايةُ مَن يمونُه بالمعروفِ قُوتًا، وكسوةً، ومسكنًا، وتوابعُها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَنَفَقَةُ الْعَمُودَيْنِ مِنَ الْأَهْلِ وَاجِبَةٌ لِلْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ»، المرادُ بالعمودينِ: الأصولُ والفروعُ. والأصولُ هم الوالِدونَ من الآباءِ والأمَّهاتِ والأجدادِ والجَدَّاتِ، والفروعُ هم المولودون: من البنينَ والبناتِ وبَنِي البنينَ وبَنِي البناتِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَأَمَّا الْوَالِدُونَ فَتَجِبُ نَفَقَتُهُمْ بِشَرْطَيْنِ: الْفَقْرُ وَالزَّمَانَةُ، أَوِ الْفَقْرُ وَالْجُنُونُ»، تَجِبُ نفقةُ الوالِدِينَ وإن عَلَوْا على المولودِينَ وإن سَفَلُوا بأحدِ شَرطينِ:\rالأوَّلُ: الفقرُ والزَّمانةُ، وهي الآفةُ والعاهةُ المستمرَّةُ.\rوالثَّاني: الفقرُ والجنونُ، وهو فقدُ التَّمييزِ؛ سواءٌ كانَ بشكلٍ جزئيٍّ أو كلِّيٍّ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354953,"book_id":264,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":348,"body":"فلا تَجِبُ النَّفقةُ للأغنياءِ، ولا للفقراءِ الأصحَّاءِ العقلاءِ إن كانوا ذوي كسْبٍ؛ لأنَّ القدرةَ بالكسبِ كالقدرةِ بالمالِ، فإن لم يكونوا ذوي كسبٍ وجبت نَفَقَتُهم على الفرعِ؛ لأنَّ الفرعَ مأمورٌ بمعاشرتِهم بالمعروفِ، قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، وليس من المعروفِ تكليفُهما الكسبَ مع كِبَرِ السِّنِّ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَمَّا الْمَوْلُودُونَ فَتَجِبُ نَفَقَتُهُمْ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: الْفَقْرُ وَالصِّغَرُ، أَوِ الْفَقْرُ وَالزَّمَانَةُ، أَوِ الْفَقْرُ والْجُنُونُ»، تجبُ نفقةُ المَوْلُودِينَ وإن سَفَلوا على الوالِدِينَ وإن عَلَوْا بواحدٍ من ثلاثةِ شَرائطَ:\rالأوَّلُ: الفقرُ والصِّغَرُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\rوقالت عائشةُ ﵂: إنَّ هندَ بنتَ عُتبةَ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفيانَ رجلٌ شحيحٌ وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلَّا ما أخذتُ منه وهو لا يَعْلَمُ، فقالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (¬١).\rقال الشَّافعيُّ ﵀: وفي ذلك «بيانُ أنَّ على الأبِ أن يَقومَ بالمؤنةِ التي في صلاحِ صِغارِ ولدِه من رَضاعٍ ونفقةٍ وكِسوةٍ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥٠٤٩)، ومسلم (١٧١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354954,"book_id":264,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":349,"body":"وخدمةٍ» (¬١).\rوالثَّاني والثَّالثُ: الفقرُ والزَّمانةُ، والفقرُ والجنونُ؛ لتحقُّقِ احتياجِهِم، فلا تجبُ للبالغينَ الأصحَّاءِ العقلاءِ إن كانوا ذوي كسبٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ وَالْبَهَائِهِم وَاجِبَةٌ، وَلَا يُكَلَّفُونَ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ»، من مَلَكَ عبدًا أو أمَةً، أو بهيمةً وَجَبَ عليه نفقتُه؛ فيطعِمُ رقيقَه من غالبِ قوتِ أهلِ البلدِ، ومِن غالبِ أُدْمِهِم بقدرِ الكفايةِ، ويكسوه من غالبِ كسوتِهم، ولا يُكَلَّفونَ من العملِ ما لا يُطيقونَ، فإذا استعملَ المالكُ رقيقَه نهارًا أراحَه ليلًا وعَكْسُه، ويريحُه صيفًا وقتَ القيلولةِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ» (¬٢).\rوكذلك البهائمُ والدَّوابُّ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ حائطًا لرَجلٍ من الأنصارِ فإذا جملٌ، فلما رأى النَّبيَّ ﷺ حَنَّ وذَرَفَت عيناهُ، فأتاه النَّبيُّ ﷺ فمَسَحَ ذِفْرَاهُ فسكتَ، فقالَ: «لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟»، فجاء فَتًى مِن الأنصارِ، فقالَ: لي يا رسولَ اللهِ، فقالَ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) «الأم» (٥/ ٩٤).\r(¬٢) رواه مسلم (١٦٦٢).\r(¬٣) رواه أحمد (١٧٤٥)، وأبو داود (٢٥٤٩)، والحاكم (٢٤٨٥)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي، وقال الخطَّابيُّ ﵀ في «معالم السُّنن» (٢/ ٢٤٨): «الذفرى من البعيرِ مؤخَّرُ رأسِه، وهو الموضعُ الذي يَعْرَقُ من قفاه.\rوقوله: (تُدْئِبُهُ)؛ يريدُ تكدُّه وتُتْعِبُه».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354955,"book_id":264,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":350,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْمُمَكِّنَةِ مِنْ نَفْسِهَا وَاجِبَةٌ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا فَمُدَّانِ مِنْ غَالِبِ قُوتِهَا، وَيَجِبُ مِنَ الْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَمُدٌّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، وَمَا يَأْتَدِمُ بِهِ الْمُعْسِرُونَ وَيَكْسُونَهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَمُدٌّ وَنِصْفٌ، وَمِنَ الْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ الْوَسَطُ»، نفقةُ الزَّوجةِ الممكِّنةِ لزوجِها من نفْسِها واجبةٌ عليه بِحَسَبِ حالِه، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].\rفإن كانَ الزَّوجُ موسِرًا فيجبُ عليه للزَّوجةِ مُدَّانِ في كلِّ يومٍ وليلةٍ من غالبِ قوتِ البلدِ، ويجبُ لها من الأُدْمِ والكُسوةِ ما جرت به العادةُ في كلٍّ منهما.\rوإن كانَ الزَّوجُ معسِرًا فيجبُ عليه للزَّوجةِ مُدٌّ في كلِّ يومٍ وليلةٍ من غالبِ قوتِ البلدِ، وما يأتدمُ به المعسِرونَ ممَّا جرت به عادتُهم من الأُدْمِ، وكذلك الكُسوةِ.\rوإن كانَ الزَّوجُ متوسطًا فيجبُ عليه للزَّوجةِ مُدٌّ ونصفٌ في كلِّ يومٍ وليلةٍ من غالبِ قوتِ البلدِ، ويجبُ لها من الأُدْمِ الوسطُ، ومن الكُسوةِ الوسطُ كذلك، وهو ما بينَ ما يجبُ على الموسِرِ والمعسِرِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354956,"book_id":264,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":351,"body":"ودليلُ هذه المقاديرِ ما ذكَرَه الشَّافعيُّ ﵀؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَفَعَ إلى الذي أصابَ أهلَه في شهرِ رمضانَ بعَرَقٍ فيه خمسةَ عشرَ صاعًا لستِّينَ مسكينًا، لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ، وجَعَلَ في فديةِ الكفَّارةِ للأذى مُدَّيْنِ لكلِّ مسكينٍ، فأقلُّ القوتِ مُدٌّ، وأوسعُه مُدَّانِ، والوسطُ بينهما مُدٌّ ونصفٌ (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا فَعَلَيْهِ إِخْدَامُهَا»، إن كانت الزَّوجةُ ممن يُخْدَمُ مِثْلُها بأن كانت تُخْدَمُ في بيتِ أبيها فعليه إخدامُها؛ لأنَّه من المعاشَرةِ بالمعروفِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَتِهَا فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْسَرَ بِالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ»، إن أَعْسَرَ الزَّوجُ بنفقةِ زوجتِه فهي بالخِيارِ؛ إن شاءت صَبَرَتْ وأَنْفَقَتْ من مالِها، أو اقترضت وأَنْفَقَتْ على نفْسِها، ونفقتُها في ذمَّتِه إلى أن يوسِرَ، وإن شاءت فَسَخَتِ النِّكاحَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في الرَّجلِ لا يجدُ ما يُنفقُ على امرأتِه: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا» (¬٢).\rوكذلك يَثْبُتُ لها خِيارُ الفسخِ إن أَعْسَرَ بالصَّداقِ قبلَ الدُّخولِ للعجزِ عن تسليمِ العِوَضِ مع بقاءِ المُعَوَّضِ، فأَشْبهَ ما إذا لم يَقْبِضِ البائعُ الثَّمَنَ حتَّى حُجِرَ على المشتري بالفَلَسِ والمبيعُ باقٍ بعينِه، ولا تَفْسَخُ بعدَهُ لتلفِ المُعَوَّضِ وصَيْرورةِ العِوَضِ دَينًا في الذِّمَّةِ.","footnotes":"(¬١) «الأم» (٥/ ٩٦).\r(¬٢) رواه الدَّارقطني (٣٧٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354957,"book_id":264,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":352,"body":"«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الحَضَانَةِ\rالحَضانةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من الحِضْنِ، وهو ما بين اليدينِ من الصَّدرِ، وحَضَنَتِ المرأةُ صبيَّها إذا جَعَلَتْه في حِضْنِها أو رَبَّتْه، والحاضنُ والحاضنةُ الموكَّلانِ بالصَّبيِّ يَحفظانِه ويُرَبِّيانِه.\rوفي الاصطلاحِ: حِفْظُ مَنْ لا يَسْتَقِلُّ بأمورِه، وتربيتُه بما يُصْلِحُه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَهِيَ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بِينَ أَبَوَيْهِ، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ سُلِّمَ إِلَيْهِ»، إذا فارقَ الرَّجُلُ زوجتَهَ بطلاقٍ أو فسخٍ أو لِعانٍ وله منها ولدٌ لا يميِّزُ؛ ذَكرًا كانَ أو أُنثى فهي أحقُّ بحضانتِه لوفورِ شفقتِها، ومؤنةُ الحضانةِ على مَن عليه نفقةُ الطِّفلِ، وإذا امتنعتِ الزَّوجةُ من حضانةِ ولدِها، انتقلت الحضانةُ لأمَّهاتِها، وتستمرُّ حضانةُ الزَّوجةِ إلى مُضيِّ سبعِ سنينَ؛ لأنَّ التَّمييزَ يقعُ فيها غالبًا، ثمَّ بعدَها يُخَيَّرُ بيْنَ أبويه، فأيَّهُما اختارَ سُلِّمَ إليه؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَيَّرَ غلامًا بينَ أبيه وأمِّه» (¬١).\rوفي روايةٍ أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ زوجي يريدُ أن يَذْهَبَ بابني، وقد سقاني من بئرِ أبي عنبةَ، وقد نفعَني، فقال النَّبيُّ ﷺ: «اسْتَهِمَا عَلَيْهِ»، فقال","footnotes":"(¬١) رواه الترمذي (١٣٥٧)، وابن ماجه (٢٣٥١)، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354958,"book_id":264,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":353,"body":"زوجُها: مَن يُحَاقُّنِي في ولدِي؟! فقال النَّبيُّ ﷺ: «هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ»، فأخذَ بيدِ أمِّه، فانطلقتْ به (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ الْحَضَانَةِ سَبْعَةٌ:\r١ - الْعَقْلُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لمجنونةٍ؛ لأنَّها لا يتأتَّى منها الحفظُ والتَّعهُّدُ.\r٢ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تَجوزُ لمن بها رِقٌّ؛ لأنَّها مشغولةٌ بخدمةِ سيِّدِها.\r٣ - «وَالدِّينُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لكافرةٍ على مسلمٍ؛ إذْ لا وَلايةَ لها عليه، ولأنَّها ربَّما فَتَنَتْه في دِينِه.\r٤ - «وَالْعِفَّةُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لفاسقةٍ غيرِ عفيفةٍ؛ لأنَّ المحضونَ غالبًا يَنشأُ على طريقتِها.\r٥ - «وَالْأَمَانَةُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لفاسقةٍ خائنةٍ؛ لما في الحضانةِ من معنى الوَلايةِ، ومقصودُها الأعظمُ الأمانةُ.\r٦ - «وَالْإِقَامَةُ»، في بلدِ المحضونِ فلو أرادَ أحدُ أبويه سفَرًا فالمقِيمُ أَوْلى به مميِّزًا كانَ أو لا حتَّى يَعودَ المسافرُ؛ لخطرِ السَّفرِ.\r٧ - «وَالْخُلُوُّ مِنْ زَوْجٍ»؛ لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ جاءته امرأةٌ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٢٢٧٧)، والنسائي (٣٤٩٦)، و «بئرُ أبي عنبةَ»؛ هي: بئرٌ على بُعدِ ميلٍ من المدينةِ، وهي تعني: أنَّ ولدَها قد كَبِرَ، وأصبحَ يستطيعُ القيامَ بما ينفعُها، بعد أن قامت بتربيتِه حيثُ كان صغيرًا لا ينفعُها بشيءٍ، و «اسْتَهِمَا»؛ أيِ: اقترِعا، و «يحاقُّني»؛ أي: يخاصمُني.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354959,"book_id":264,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":354,"body":"ابني هذا كانَ بطني له وِعاءٌ، وثديي له سِقاءٌ، وحِجري له حِواءٌ، وإنَّ أباه طلَّقَني وأرادَ أن يَنْزِعه منِّي، فقال ﷺ: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ اخْتَلَّ مِنْهَا شَرْطٌ سَقَطَتْ»، إن اختلَّ شرطٌ واحدٌ من الشُّروطِ السَّبعةِ سقطت الحضانةُ؛ لأنَّ علَّةَ استحقاقِها مركَّبةٌ من هذه الصِّفاتِ، فتنتفي بانتفاءِ جزءٍ منها، كالصَّلاةِ المستجمِعةِ للشُّروطِ، تصحُّ بوجودِها كلِّها، ولو انتفى منها شرطٌ واحدٌ بَطَلَتْ.\rواللهُ تعالى أَعْلَمُ.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٦٧٠٧)، وأبو داود (٢٢٧٦)، والحاكم (٢٨٣٠)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبيّ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354960,"book_id":264,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":355,"body":"كتابُ الجِنَايَات\rالجِناياتُ في اللُّغةِ: جمعُ جِنايةٍ، وهي مَصْدَرُ جنى يَجْنِي إذا أَذْنَبَ، وتُطْلَقُ الجِنايةُ على التَّعدِّي على بَدَنٍ، أو عِرْضٍ، أو مالٍ.\rوفي الاصطلاحِ: هي التَّعدِّي على البَدَنِ.\rفالجِنايةُ في الاصطلاحِ أخصُّ منها في اللُّغةِ.\rوالأصلُ في تحريمِها قبْلَ الإجماعِ آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].\rوأحاديثُ، منها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ وما هُنَّ؟ قالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (¬١).\rوالمُوبِقاتُ؛ أيِ: المُهلِكاتُ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354961,"book_id":264,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":356,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «الْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:\r١ - عَمْدٌ مَحْضٌ»، وهو أن يَقْصِدَ الجاني عينَ المجنيِّ عليه بما يَقْتُلُ غالبًا.\r٢ - «وَخَطَأٌ مَحْضٌ»، وهو إذا لم يَقصدِ الجاني عينَ المجنيِّ عليه.\r٣ - «وَعَمْدٌ خَطَأٌ»، وهو أن يَقْصِدَ الجاني عينَ المجنيِّ عليه بما لا يَقْتُلُ غالبًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَالْعَمْدُ الْمَحْضُ هُوَ: أَنْ يَعْمِدَ إِلَى ضَرْبِهِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَيَقْصِدُ قَتْلَهُ بِذَلِكَ، فَيَجِبُ الْقَوَدُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَجَبَتْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ حَالَّةٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ»، سَبَقَ أنَّ القتلَ العمدَ هو ما تَحَقَّقَ فيه أمْرانِ: قصدُ الشَّخصِ بالقتلِ، وأن تَكونَ وسيلةُ القتلِ مما يَقْتُلُ غالبًا، سواءٌ كانَ بجارحٍ كالسَّيفِ، أو بمثقلٍ كالحجرِ الكبيرِ، أو بغيرِهِما، وهذا النَّوعُ من القتلِ فيه القَوَدُ؛ أيِ: القِصاصُ -وهو المماثَلةُ بقتلِ القاتلِ- وسُمِّيَ قَوَدًا؛ لأنَّهم يَقودونَ الجانيَ إلى مَحَلِّ الاستيفاءِ، وإنَّما وَجَبَ القِصاصُ في القتلِ عمدًا؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ فتَعَيَّنَ جنسُه كسائرِ المتلَفاتِ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].\rولا فَرْقَ في وجوبِ القِصاصِ بيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].\rوالَّذي له حقُّ المطالَبةِ بالقِصاصِ أولياءُ الدَّمِ، وهم من يَرِثُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354962,"book_id":264,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":357,"body":"المقتولَ، فإن عَفَوْا عن القاتلِ بدونِ مقابلٍ سَقَطَ القِصاصُ ولا دِيَةَ، وإن عَفَوْا على الدِّيَةِ وجبت دِيَةٌ مغلَّظةٌ حالَّةٌ في مالِ القاتلِ، وهي: مائةٌ من الإبِلِ: ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعَةً، وأربعون خَلِفَةً في بطونِها أولادُها؛ لحديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ، فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ العَقْلِ» (¬١).\rوتجبُ حالَّةً في مالِ القاتلِ تشديدًا عليه، يقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «لَا تَحْمِلُ العاقلةُ عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا، ولا ما جنى المملوكُ» (¬٢).\rوقال الزُّهْريُّ ﵀: «مضتِ السُّنَّةُ أنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ شيئًا مِن دِيَةِ العمدِ؛ إلَّا أن يشاؤوا ذلك» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٦٧١٧)، وأبو داود (٤٥٠٦)، والترمذي (١٣٨٧)، وابن ماجه (٢٦٢٦)، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ غريب»، والحقَّةُ من الإبلِ: هي ما لها ثلاثُ سنينَ ودخلت في الرَّابعةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها استحقَّت أن تُركَب ويُحمَلَ عليها، وقيلَ: لأنَّها استحقَّت أن يَطْرُقَها الفحلُ، والجَذَعةُ: ما لها أربعُ سنينَ ودخلت في الخامسةِ، وسُمِّيت جَذَعةً؛ لأنَّها تَجْذَعُ مقدَّمَ أسنانِها؛ أي: تُسقطُ أسنانَ اللَّبَنِ. والخَلِفةُ: هي الحاملُ التي في بطنِها ولدُها، و «صَالَحُوا عَلَيْهِ»؛ أيْ: رضُوا به واتَّفَقوا عليه، و «تَشْدِيدُ الْعَقْلِ»؛ أيْ: تغليظُ الدِّيةِ.\r(¬٢) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٦٣٦١)، والعاقلةُ: هي قبيلةُ الرَّجلِ وأقاربُه ممن يَستنصرُ بهم ويَستنصرونَ به.\r(¬٣) رواه مالك في «الموطَّأ» (٢٥٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354963,"book_id":264,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":358,"body":"ولو عفا بعضُ أولياءِ الدَّمِ -سواءٌ كانَ العفوُ بدونِ مقابِلٍ، أو مقابِلَ الدِّيةِ- سَقَطَ القِصاصُ، وإن لم يَرْضَ البعضُ الآخَرُ؛ لأنَّ القِصاصَ لا يتجزَّأُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْخَطَأُ الْمَحْضُ: أَنْ يَرْمِيَ إِلَى شَيْءٍ فَيُصِيبَ رَجُلًا فَيَقْتُلَهُ، فَلَا قَوَدَ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ»، سَبَقَ أنَّ قتلَ الخطإِ هو أن يَقْصِدَ الفعلَ دونَ الشَّخصِ، كأن يرميَ إلى شجرةٍ أو إلى صيدٍ فيُصيبَ إنسانًا فيقتلَه، وهذا النَّوعُ من القتلِ لا قَوَدَ فيه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرٌ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فأَوْجَبَ الدِّيةَ، ولم يَتَعَرَّضْ للقِصاصِ.\rوهذه الدِّيَةُ تَكونُ على العاقلةِ مخفَّفةً مؤجَّلةً إلى ثلاثِ سنواتٍ، وكونُها مخفَّفةً؛ فلأنَّها من خمسةِ أسنانٍ، كما جاءَ في حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ أنَّه قالَ: «دِيَةُ الخطإِ خمسةُ أخماسٍ: عِشرونَ حِقَّةً, وعِشروَن جَذَعَةً, وعِشرونَ بناتِ مَخاضٍ, وعِشرونَ بناتِ لَبُونٍ, وعِشروَن بَني لَبونٍ ذُكورٌ» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه الدَّارقطنيُّ (٣٣٦٢)، وقال: «إسنادُه حسنٌ, ورواتُه ثقاتٌ»، وله حُكمُ الرَّفعِ إلى النَّبيِّ ﷺ؛ لأنَّه من المقدَّراتِ، وهي ليست مما يقالُ بالرَّأيِ.\r\rوالحقَّةُ من الإبلِ: ما لها ثلاثُ سنينَ ودخلت في الرَّابعةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها استحقَّت أن تُركَبَ ويُحْمَلَ عليها، وقيلَ: لأنَّها استحقَّت أن يَطْرُقَها الفحلُ، والجَذَعةُ: ما لها أربعُ سنينَ ودخلت في الخامسةِ، وسُمِّيت جَذعةً؛ لأنَّها تجذعُ مُقَدَّمَ أسنانِها؛ أيْ: تُسقِطُ أسنانَ اللَّبَنِ، وبنتُ المخاضِ: ما لها سَنَةٌ ودخلت في الثَّانيةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أمَّها غالبًا صارت مخاضًا بأخرى؛ أي: حاملًا، والمخاضُ آلامُ الوِلادةِ، وبنتُ اللَّبونِ: ما لها سَنتانِ ودخلت في الثَّالثةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أمَّها صار فيها لبنٌ غالبًا بولادةٍ أخرى.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354964,"book_id":264,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":359,"body":"وكونُها على العاقلةِ فلحديثِ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: «اقتتلتِ امرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرمتْ إحداهما الأخرى بحَجَرٍ فقتلتْها وما في بطنِها، فاختصمُوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقضى أنَّ دِيَةَ جنينِها غُرَّةٌ، عبدٌ أو وليدةٌ، وقضى بدِيَةِ المرأةِ على عاقلَتِها» (¬١).\rوهذا في قتلِ شِبْهِ العمدِ، فيكونُ في قتلِ الخطإِ من بابِ أَوْلى.\rوكونُها مؤجَّلةً إلى ثلاثِ سنواتٍ فللإجماعِ على ذلك، قال التِّرمذيُّ ﵀: «أَجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أنَّ الدِّيةَ تؤخَذُ في ثلاثِ سنينَ، في كلِّ سنةٍ ثُلُثُ الدِّيةِ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَعَمْدُ الْخَطَإِ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَيَمُوتَ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، بَلْ تَجِبُ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ»، عمدُ الخطإِ يقالُ له: شِبْهُ العمدِ، وهو أن يَقصدَ الجاني ضربَ المجنيِّ عليه بما لا يَقْتُلُ غالبًا، كسَوْطٍ أو عصًا خفيفةٍ أو نحوِ ذلك فيموتَ بسببِه، وهذا النَّوعُ مِن القتلِ لا قَوَدَ فيه؛ لفقدِ الآلةِ القاتلةِ غالبًا، فموتُه بغيرِها مصادفةُ قَدَرٍ، وتجبُ دِيَةٌ مغلَّظةٌ على القاتلِ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (١٦٨١). والغُرَّةُ: بياضُ الوجهِ، عَبَّرَ به عن الجسمِ الذي يُدْفَعُ دِيةً عن الجنينِ إذا سَقَطَ ميِّتًا؛ إطلاقًا للجزءِ على الكلِّ. والوليدةُ؛ أي: الأمَةُ المملوكةُ.\r(¬٢) «سنن الترمذي» (٤/ ٦٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354965,"book_id":264,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":360,"body":"صَاحِبُهُ» (¬١).\rوعنه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» (¬٢).\rوذلك لأنَّ شِبْهَ العمدِ متردِّدٌ بين العمدِ والخطإِ، فأُعْطِيَ حُكمَ العمدِ من وجهِ تغليظِها، وحكمَ الخطإِ من وجهِ كونِها على العاقلةِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي شَرَائِطِ وُجُوبِ القِصَاص\rالقِصاصُ في اللُّغةِ: تَتَبُّعُ الأثرِ، يقالُ: قَصَصْتُ الأثرَ تَتَبَّعْتُه، ومن معانيه المماثَلةُ، يقالُ: أَقَصَّ السُّلطانُ فلانًا إقصاصًا؛ أي: قَتَلَه قَوَدًا، وأَقَصَّه من فلانٍ؛ أيْ: جَرَحَه مِثْلَ جُرْحِه، ثمَّ غَلَبَ استعمالُه في قتلِ القاتلِ، وجَرْحِ الجارحِ، وقطعِ القاطعِ.\rوفي الاصطلاحِ: هو أن يُفْعَلَ بالجاني مِثْلُ ما فَعَلَ.\rوالأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقولُه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٦٧١٨)، وأبو داود (٤٥٦٥).\r(¬٢) رواه أحمد (٦٥٣٣)، وأبو داود (٤٥٤٧)، والنسائي (٤٧٩١)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، وابن حبَّان (٦٠١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354966,"book_id":264,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":361,"body":"وقال أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: إنَّ الرُّبَيِّعَ بنتَ النَّضْرِ كسرت ثَنِيَّةَ جاريةٍ، فطلبُوا إليها العفوَ، فأبَوْا، فعرَضوا الأَرْشَ، فأبوْا، فأتوْا رسولَ اللهِ ﷺ وأبَوْا إلَّا القِصاصَ، فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالقِصاصِ، فقال أنسُ بنُ النَّضرِ يا رسولَ اللهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟! لا والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُها، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ»، فرضيَ القومُ، فعفَوْا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَرْبَعَةٌ:\r١،٢ - أن يَكونَ الْقَاتِلُ بَالِغًا عَاقِلًا»، القِصاصُ في النَّفسِ يُشْتَرَطُ فيه أربعةُ شروطٍ، الأوَّلُ والثَّاني: أن يَكونَ القاتلُ بالغًا عاقلًا، فلا قِصاصَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬٢).\r٣ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ وَالِدًا لِلْمَقْتُولِ»، الشَّرطُ الثَّالثُ من شرائطِ القِصاصِ في النَّفسِ أن لا يَكونَ القاتلُ أبًا للمقتولِ؛ لحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٢٣٠)، ومسلم (١٦٧٥).\r(¬٢) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.\r(¬٣) رواه أحمد (١٤٧)، والترمذي (١٤٠٠)، وابن ماجه (٢٦٦٢)، وصحَّح إسنادَه البيهقيُّ في «معرفة السُّنن والآثار» (١٥٧٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354967,"book_id":264,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":362,"body":"ومثلُ الأبِ جميعُ الأصولِ، كالجَدِّ وإن علا.\r٤ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَقْتُولُ أَنْقَصَ مِنَ الْقَاتِلِ بِكُفْرٍ أَوْ رِقٍّ»، الشَّرطُ الرَّابعُ من شرائطِ القِصاصِ في النَّفسِ أن لا يَكونَ المقتولُ أَنْقَصَ من القاتلِ بكفرٍ أو رقٍّ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ قالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ مؤمنٌ بكافرٍ, ومن السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ حُرٌّ بعبدٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ»، إذا اشترك جماعةٌ في قتلِ واحدٍ فإنَّهم يُقْتَلونَ جميعًا به؛ لحديثِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ ﵀ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قَتَلَ نفرًا -خمسةً أو سبعةً- برَجلٍ واحدٍ، قتلوه غِيلةً، وقالَ: «لو تَمَالَأَ عليه أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم جميعًا» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ شَخْصَيْنِ جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي الْأَطْرَافِ»، سَبَقَ الكلامُ عَنْ أنَّ القِصاصَ هو المماثَلةُ، وكما تُعتبرُ المماثَلةُ في النَّفسِ تُعتبرُ في الأطرافِ، فمن لا يُقْتَلُ بشخصٍ لا يُقْطَعُ طَرَفُه بطرَفِه؛ لانتِفاءِ المماثَلةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي","footnotes":"(¬١) رواه الدَّارقطني (٣٢٥٤).\r(¬٢) رواه مالك في «الموطَّأ» (٣٢٤٦)، وأصله في «صحيح البخاري» (٦/ ٢٥٢٦). و «تَمَالَأَ»؛ أي: تَواطَأَ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354968,"book_id":264,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":363,"body":"الْأَطْرَافِ بَعْدَ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ اثْنَانِ: الاشْتِرَاكُ فِي الاسْمِ الْخَاصِّ؛ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى، وَأَنْ لَا يَكُونَ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ شَلَلٌ»، شرائطُ وجوبِ القِصاصِ في الأطرافِ بعدَ الشَّرائطِ الأربعةِ المذكورةِ في قِصاصِ النَّفسِ اثنانِ، وهما الاشتراكُ في الاسمِ الخاصِّ للطَّرفِ المقطوعِ، فتُقْطَعُ اليدُ اليُمنى باليدِ اليُمنى، واليدُ اليُسرى باليدِ اليُسرى، وهكذا، ولا تُقْطَعُ يمنى بيسرى، ولا عَكْسُه؛ وكذلك يُشترطُ أن لا يَكونَ بأحدِ الطَّرَفينِ شللٌ، فلا تُقْطَعُ اليدُ الصَّحيحةُ باليدِ الشَّلَّاءِ، ولا عَكْسُه؛ لأنَّ من معنى القِصاصِ التَّماثلَ، ولا تماثُلَ بينَ اليمنى واليسرى من حيثُ المَنافعُ، وكذلك لا تماثُلَ بيْنَ الأشلِّ والصَّحيحِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ عُضْوٍ أُخِذَ مِنْ مَفْصِلٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ»، كلُّ عضوٍ قُطِعَ من مَفْصِلٍ، كالكوعِ، والمَرْفِقِ، والرُّكبةِ، ففيه القِصاصُ؛ لانضباطِ ذلك مع الأمنِ من استيفاءِ الزِّيادةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا قِصَاصَ فِي الْجُرُوحِ إِلَّا فِي الْمُوضِحَةِ»، لا قِصاصَ في الجروحِ في سائرِ البَدَنِ لعدمِ ضبطِها، وعدمِ أمنِ الزِّيادةِ والنُّقصانِ؛ إلَّا في الموضِحةِ -وهي الجُرْحُ الذي يَشُقُّ اللَّحمَ ويصلُ إلى العظمِ ويوضِحُه- لتيسُّرِ ضبطِها.\rوالشِّجاجُ عَشَرَةٌ: «حارصةٌ»؛ وهي ما تَشُقُّ الجِلدَ قليلًا، و «داميةٌ»؛ وهي التي تُدْمِيهِ، و «باضعةٌ»؛ وهي التي تَقْطَعُ اللَّحمَ، و «مُتلاحمةٌ»؛ وهي التي تَغُوصُ في اللَّحمِ، و «سِمْحَاقٌ»؛ وهي التي تَبْلُغُ الجِلدةَ التي بينَ اللَّحمِ والعظمِ، و «مُوضِحَةٌ»؛ وهي التي توضِحُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354969,"book_id":264,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":364,"body":"العظمَ من اللَّحمِ، و «هاشِمةٌ»؛ وهي التي تَكْسِرُ العظمَ سواءٌ أوضحَتْه أمْ لا، و «مُنَقِّلةٌ»؛ وهي التي تُنَقِّلُ العظمَ من مكانٍ إلى مكانٍ آخَرَ، و «مأمومةٌ»؛ وهي التي تَبْلُغُ خريطةَ الدِّماغِ المسمَّاةَ أُمَّ الرَّأسِ، و «دامِغةٌ»؛ وهي التي تَخْرِقُ تلك الخريطةَ وتصلُ إلى أمِّ الرَّأسِ؛ ولا قِصاصَ في الجروحِ المذكورةِ إلَّا في الموضِحةِ فقط، لا في غيرِها من بقيَّةِ العَشَرَةِ.\rويُعْتَبَرُ قدرُ الموضِحةِ بالمسَاحةِ طولًا وعَرضًا في قِصاصِها؛ لا بالجزئيَّةِ؛ لأنَّ الرَّأسينِ -مَثلًا- قد يختلفانِ صِغَرًا وكِبَرًا، ولا يَضُرُّ تفاوتُ غِلَظِ لحمٍ وجلدٍ في قِصاصِها.\r\r«فَصْلٌ»\rفي بيانِ أحكامِ الدِّيَة\rالدِّيةُ في اللُّغةِ: مصدرُ وَدَى القاتلُ القتيلَ يَدِيهِ دِيَةً إذا أعطى وَلِيَّه المالَ الذي هو بَدَلُ النَّفْسِ.\rوفي الاصطلاحِ: المالُ الواجبُ بالجنايةِ على الحُرِّ في نفْسٍ أو فيما دُونَها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالدِّيَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ»، سَبَقَ الكلامُ عَلَى أنَّ الدِّيةَ المغلَّظةَ تَكونُ في قتلِ العمدِ، وفي قتلِ شِبْهِ العمدِ، وتجبُ حالَّةً في مالِ القاتلِ تشديدًا عليه، والدِّيةُ المخفَّفةُ تَكونُ في قتلِ الخطإِ على العاقلةِ، وتَكونُ مؤجَّلةً في ثلاثِ سنينَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354970,"book_id":264,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":365,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «فَالْمُغَلَّظَةُ: مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا»، وذلك لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ، فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ العَقْلِ» (¬١).\rولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُخَفَّفَةُ: مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ؛ عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ»، وذلك لحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ أنَّه قالَ: «دِيَةُ الخطإِ خمسةُ أخماسٍ, عِشرونَ حِقَّةً, وعِشرونَ جَذَعَةً,","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٦٧١٧)، وأبو داود (٤٥٠٦)، والترمذي (١٣٨٧)، وابن ماجه (٢٦٢٦)، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ غريبٌ»، والحِقَّةُ: ما لها ثلاثُ سنينَ ودخلت في الرَّابعةِ، وسُمِيت بذلك؛ لأنَّها استحقَّت أن تُركَبَ ويُحمَلَ عليها، وقيلَ: لأنَّها استحقَّت أن يَطْرُقَها الفحلُ، والجَذَعَةُ: هي النَّاقةُ التي لها أربعُ سنينَ ودخلت في الخامسةِ، وسُمِّيَتْ جَذَعَةً؛ لأنَّها تجذعُ مقدَّمَ أسنانِها؛ أيْ: تسقطُ أسنانَ اللَّبنِ، والخَلِفَةُ: هي الحاملُ التي في بطنِها ولدُها، و «صَالَحُوا عَلَيْهِ»؛ أي: رضُوا به واتَّفَقوا عليه، و «تَشْدِيدُ الْعَقْلِ»؛ أي: تغليظُ الدِّيةِ.\r(¬٢) رواه أحمد (٦٥٣٣)، وأبو داود (٤٥٤٧)، والنسائي (٤٧٩١)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، وابن حبَّان (٦٠١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354971,"book_id":264,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":366,"body":"وعِشرونَ بناتِ مخاضٍ, وعِشرونَ بناتِ لَبُونٍ, وعِشرونَ بني لَبُونٍ ذُكورٌ» (¬١).\rومِثْلُ هذا له حُكْمُ المرفوعِ إلى النَّبيِّ ﷺ؛ لأنَّه من المقدَّراتِ، وهي ليست مما يقالُ بالرَّأيِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ عُدِمَتِ الْإِبِلُ انْتُقِلَ إِلَى قِيمَتِهَا، وَقِيلَ: يُنْتَقَلُ إِلَى أَلْفِ دِينَارٍ، أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإِنْ غُلِّظَتْ زِيدَ عَلَيْهَا الثُّلُثُ»، الأصلُ في الدِّيةِ الإبلُ، فيُرْجَعُ إلى قِيمتِها عندَ فقْدِها، وهو ألفُ دينارٍ، أو اثنا عَشَرَ ألفَ درهمٍ، وهذا في الدِّيةِ المخفَّفةِ، فإذا غُلِّظَت زِيدَ عليها الثُّلُثُ؛ أيْ: إذا كانت قِيمةُ الدِّيةِ بالدَّنانيرِ، وهي ألفُ دينارٍ، فيضافُ إليها الثُّلُثُ؛ وهو ثلاثُمائةٍ وثلاثةٌ وثلاثون دينارًا، أو كانت قِيمةُ الدِّيةِ بالدَّراهمِ، وهي اثنا عَشَرَ ألفَ درهمٍ، فيضافُ إليها الثُّلُثُ، وهو أربعةُ آلافِ درهمٍ.\rوقد جاءَ عن مكحولٍ وعطاءٍ - رحمهما الله - أنَّهما قالا: «أَدْرَكْنَا النَّاسَ على أنَّ دِيَةَ المسْلمِ الحُرِّ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ مائةٌ من الإبلِ، فَقَوَّمَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ تلك الدِّيةَ على القرى ألفَ دينارٍ، أو اثني عشرَ ألفَ درهمٍ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه الدَّارقطنيُّ (٣٣٦٢)، وقالَ: «إسنادُه حسنٌ»، وقد سَبَقَ تعريفُ الحقَّةِ والجَذَعةِ، وأمَّا بنتُ المخاضِ: فهي النَّاقةُ التي لها سَنةٌ ودخلت في الثَّانيةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أمَّها غالبًا صارت مخاضًا بأخرى؛ أيْ: حاملًا، والمخاضُ آلامُ الوِلادةِ، وبنتُ اللَّبونِ: ما لها سَنتانِ ودخلت في الثَّالثةِ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أمَّها صار فيها لبنٌ غالبًا بولادةٍ أخرى.\r(¬٢) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٦١٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354972,"book_id":264,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":367,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَتُغَلَّظُ دِيَةُ الْخَطَإِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:\r١ - إِذَا قَتَلَ فِي الْحَرَمِ»، تُغَلَّظُ دِيةُ الخطإِ على القاتلِ إذا قَتَلَ في حَرَمِ مكَّةَ؛ لأنَّ له تأثيرًا في الأمنِ بدليلِ إيجابِ جزاءِ الصَّيدِ المقتولِ فيه.\r٢ - «أَوْ قَتَلَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ»، تُغَلَّظُ دِيةُ الخطإِ على القاتلِ إذا قَتَلَ في شهرٍ من الأشهرِ الحُرمِ الأربعةِ؛ وهي: ذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرَّمُ، ورجبٌ، وذلك لعِظَمِ حُرْمَتِها.\r٣ - «أَوْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ»، تُغَلَّظُ ديةُ الخطإِ على القاتلِ إذا قَتَلَ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، كالأمِّ والأختِ؛ لما في ذلك من قطيعةِ الرَّحِمِ.\rوقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «أنَّه قضى فيمن قَتَلَ في الحَرَمِ أو في الشَّهرِ الحرامِ أو هو مُحْرِمٌ بالدِّيةِ وثُلُثِ الدِّيةِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ»، دِيةُ المرأةِ الحرَّةِ سواءٌ أَقَتَلَها رجلٌ أمِ امرأةٌ على النِّصفِ من ديةِ الرَّجلِ الحُرِّ ممن هي على دِينِه؛ نفْسًا أو جُرحًا، لما رُوِيَ عن مكحولٍ وعطاءٍ - رحمهما الله - قالا: «أَدْرَكْنَا النَّاسَ على أنَّ ديةَ المسْلِمِ الحُرِّ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ مائةٌ من الإبلِ، فَقَوَّمَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ تلك الدِّيةَ على أهلِ القرى ألفَ دينارٍ، أو اثني عَشَرَ ألفَ درهمٍ، ودِيَةُ الحُرَّةِ المسْلمةِ إذا كانت من أهلِ القرى خمسُمائةِ","footnotes":"(¬١) المصدر السَّابق (١٦١٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354973,"book_id":264,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":368,"body":"دينارٍ أو ستَّةُ آلافِ درهمٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ»، ديةُ كلٍّ من اليهوديِّ والنَّصرانيِّ ثُلُثُ ديةِ المسْلمِ وهي أربعةُ آلافِ درهمٍ؛ لما رُوِيَ عن عمرَ ﵁ أنَّه قالَ: «ديةُ اليهوديِّ والنَّصرانِّي أربعةُ آلافٍ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ فَفِيهِ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ»، ديةُ المجوسيِّ الذي له أمانٌ ثُلُثا عُشْرِ ديةِ المسْلمِ، وهي ثمانِمائةِ درهمٍ، وكذا الوثنيُّ ونحوُه كعابدِ شمسٍ وقمرٍ ممَّن له أمانٌ كدخولِه رسولًا أو نحوِ ذلك؛ لما رُوِيَ عن عمرَ ﵁ أنَّه قالَ: «دِيةُ المجوسيِّ ثمانِمائةٍ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَكْمُلُ دِيَةُ النَّفْسِ فِي قَطْعِ الْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالْأَنْفِ، وَالْأُذُنَيْنِ، وَالْعَيْنَيْنِ، وَالْجُفُونِ الْأَرْبَعَةِ، وَاللِّسَانِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَذَهَابِ الْكَلَامِ، وَذَهَابِ الْبَصَرِ، وَذَهَابِ السَّمْعِ، وَذَهَابِ الشَّمِّ، وَذَهَابِ الْعَقْلِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ»، تَكْمُلُ دِيةُ النَّفْسِ في الأعضاءِ المذكورةِ تغليظًا أو تخفيفًا؛ لحديثِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى أهلِ اليَمَنِ كتابًا، وكانَ مما فيه: «فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ","footnotes":"(¬١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٦١٦٥).\r(¬٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٢٧٤٥٤).\r(¬٣) المصدر السَّابق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354974,"book_id":264,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":369,"body":"الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ» (¬١).\rوقال زيدُ بنُ أَسْلَمَ مولى عُمَرَ ﵁: «مَضَتِ السُّنَّةُ في أشياءَ من الإنسانِ: في نفْسِه الدِّيةُ، وفي أنْفِه الدِّيةُ، وفي اللِّسانِ الدِّيةُ، وفي العينينِ الدِّيةُ، وفي الأذنينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الدِّيةُ، وفي الأنثييْنِ الدِّيةُ، وفي الصَّوتِ إذا انْقَطَعَ الدِّيةُ، وفي العقلِ إذا ذَهَبَ الدِّيةُ، وفي الشَّفَتينِ الدِّيةُ، وفي الأصابعِ الدِّيةُ، وفي الأسنانِ الدِّيةُ» (¬٢).\rوقال الشَّافعيُّ ﵀: «وإذا قَطَعَ جفونَ العينينِ حتَّى يستأصلَها ففيها الدِّيةُ كاملةً في كلِّ جفنٍ رُبُعُ الدِّيةِ؛ لأنَّها أربعةٌ في الإنسانِ وهي من تمامِ خِلْقتِه، وممَّا يَأْلَمُ بقَطْعِه قياسًا على أنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ في بعضِ ما في الإنسانِ منه واحدٌ الدِّيةَ وفي بعضِ ما في الإنسانِ منه اثنانِ نصفَ الدِّيةِ ولو فَقَأَ العينينِ وقَطَعَ جفونَهما كانَ في العينينِ الدِّيةُ وفي الجفونِ الدِّيةُ؛ لأنَّ العينينِ غيرُ الجفونِ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه النسائي (٤٨٥٣).\r(¬٢) «الجامع لابن وهب» (٥١٨).\r(¬٣) «الأم» (٦/ ١٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354975,"book_id":264,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":370,"body":"وقال أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ ﵀: «وتَجِبُ بإتلافِ الشَّمِّ الدِّيَةُ؛ لأنَّها حاسَّةٌ تَختصُّ بمنفعةٍ مقصودةٍ، فَوَجَبَ بإتلافِها الدِّيةُ، كالسَّمعِ والبصرِ، وإن ذَهَبَ الشَّمُّ من أحدِ المِنْخَرَيْنِ وَجَبَ فيه نصفُ الدِّيةِ، كما تَجِبُ فى إذهابِ البصرِ من إحدى العينينِ، والسَّمعِ من إحدى الأذنينِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَفِي الْمُوضِحَةِ وَالسِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ»؛ لحديثِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى أهلِ اليَمنِ كتابًا، وكانَ ممَّا فيه: «وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَفِي كُلِّ عُضْوٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ حُكُومَةٌ»، يَجِبُ في كلِّ عضوٍ لا منفعةَ فيه كاليدِ الشَّلَّاءِ والأصبعِ الأشَلِّ، ونحوِ ذلك حكومةٌ؛ والحكومةُ جزءٌ من الدِّيةِ، نِسْبَتُه إلى دِيةِ النَّفْسِ نسبةُ نقصِ الجنايةِ من قِيمةِ المجنيِّ عليه لو كانَ رقيقًا بصفاتِه التي هو عليها، فلو كانت قِيمةُ المجنيِّ عليه بلا جنايةٍ عَشَرَةً، وبعدَ الجنايةِ تسعةً؛ فالنقصُ عُشْرٌ، فيجبُ عُشْرُ دِيةِ النَّفسِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ»، دِيةُ العبدِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى قِيمتُه؛ بالغةً ما بَلَغَتْ وإن زادت على دِيَةِ الحُرِّ كسائرِ الأموالِ المتلَفةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَوْ","footnotes":"(¬١) «المهذَّب في فقه الإمام الشَّافعيِّ» (٢/ ٢٠٢).\r(¬٢) رواه النسائي (٤٨٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354976,"book_id":264,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":371,"body":"أَمَةٌ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: «اقْتَتَلَتِ امرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتْها وما في بطنِها، فاختصمُوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقضى أنَّ دِيَةَ جنينِها غُرَّةٌ، عبدٌ أو وَليدةٌ» (¬١).\rوقُدِّرت الغُرَّةُ بخمسٍ من الإبلِ، قال ابنُ الملقِّنِ ﵀: «جَعَلَ الصَّحابةُ قِيمةَ ذلك خمسًا من الإبلِ وهو عُشرُ دِيةِ أُمِّه» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْجَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ»، دِيةُ الجنينِ الرَّقيقِ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- عُشرُ قِيمةِ أمِّه؛ قياسًا على الجنينِ الحُرِّ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ القَسَامة\rالقَسامةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من القَسَمِ، وهو اليمينُ، يقالُ: أَقْسَم قَسَمًا وَقَسَامَةً؛ أي: حَلَفَ حَلِفًا.\rوفي الاصطلاحِ: هي الأيمانُ تُقْسَمُ علي أولياءِ القتيلِ إذا ادَّعَوُا الدَّمَ.\rوالأصلُ في مشروعيَّتِها حديثُ سهلِ بنِ أبي حثمةَ ﵁ قالَ: انْطَلقَ عبدُ اللهِ بنُ سهلٍ، ومُحَيِّصَةُ بنُ مسعودِ بنِ زيدٍ إلى خَيْبَرَ،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (١٦٨١)، والغُرَّةُ: بياضُ الوجهِ، عَبَّرَ به عن الجسمِ الذي يدفعُ ديةً عن الجنينِ إذا سَقَطَ مَيِّتًا؛ إطلاقًا للجزءِ على الكلِّ، والوليدةُ؛ أيِ: الأمَةُ المملوكةُ.\r(¬٢) «التَّوضيح لشرح الجامع الصحيح» (٣٠/ ٥٠٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354977,"book_id":264,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":372,"body":"وهي يومئذٍ صُلْحٌ، وأهلُها يهودٌ، فتَفَرَّقَا لحاجتِهِما، فأتى مُحَيِّصَةُ إلى عبدِ اللهِ بنِ سهلٍ وهو يَتَشَحَّطُ في دمِه قتيلًا، فدَفَنَه ثمَّ قَدِمَ المدينةَ، فانطلَقَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ سهلٍ ومُحَيِّصَةُ وحُوَيِّصَةُ ابنا مسعودٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فَذَهَبَ عبدُ الرَّحمنِ يَتكلَّمُ فقال ﷺ: «كَبِّرْ كَبِّرْ»، وهو أَحْدَثُ القومِ فَسَكَتَ فتكلَّما فقال ﷺ: «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ»، قالوا: وكيف نحلِفُ ولم نَشْهَدْ ولم نَرَ؟! قال ﷺ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا»، فقالوا: كيفَ نَأْخُذُ أيمانَ قومٍ كفَّارٍ؟ فعَقَلَهُ النَّبيُّ ﷺ من عندِه (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا اقْتَرَنَ بِدَعْوَى الدَّمِ لَوْثٌ يَقَعُ بِهِ فِي النَّفْسِ صِدْقُ الْمُدَّعِي حَلَفَ الْمُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا، وَاسْتَحَقَّ الدِّيَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَوْثٌ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»، إذا اقْتَرَنَ بدعوى القتلِ عندَ الحاكمِ لوْثٌ -والمرادُ به قرينةٌ حاليَّةٌ أو","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٠٠٢)، ومسلم (١٦٦٩)، وقولُه: «يَتَشَحَّطُ»؛ أيْ: يَتَمَرَّغُ ويَضْطَرِبُ، وقولُه: «فذهبَ عبدُ الرَّحمنِ ليتكلَّمَ»؛ لأنَّه أخو المقتولِ، ومحيِّصةُ وحويِّصةُ أولادُ عمِّه، وهما أكبرُ سنًّا منه، فلمَّا أرادَ عبدُ الرَّحمنِ أن يَتَكَلَّمَ، قال له النَّبيُّ ﷺ: «كَبِّرْ كَبِّرْ»؛ أيْ: ليتكلَّمْ من هو أكبرُ منك، وحقيقةُ الدَّعوى إنَّما هي لأخيه عبدِ الرَّحمنِ، ولا حقَّ فيها لابنَيْ عمِّه، وإنَّما أمَرَ النَّبيُّ ﷺ أن يَتكلَّمَ الأكبرُ وهو حويِّصةُ؛ لأنَّه لم يكنِ المرادُ بكلامِه حقيقةَ الدَّعوى، بل سماعَ صورةِ القصَّةِ، وكيف جرت، فإذا أرادَ حقيقةَ الدَّعوى تَكَلَّمَ صاحبُها، وقولُه ﷺ: «وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ»؛ أي: يَثْبُتُ حقُّكم على من حَلَفْتُم عليه، وقولُه ﷺ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا»؛ أيْ: يخلِّصونَكم من اليمينِ؛ بأن يحلِفوا، فإذا حَلَفوا انتهت الخصومةُ ولم يَثْبُتْ عليهم شيءٌ، وقولُه: «فَعَقَلَه النَّبيُّ ﷺ من عندِه»؛ أي: أعطى عَقْلَه، وهو دِيَتُه، كما جاءَ في الرِّوايةِ الأخرى: «فودَاهُ رسولُ اللهِ ﷺ من قِبَلِهِ كراهةَ إبطالِ دَمِه».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354978,"book_id":264,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":373,"body":"مقاليَّةٌ، كأن يوجَدَ قتيلٌ في قريةٍ أو محلَّةٍ بيْنَه وبيْنَ أهلِها عداوةٌ، وليس فيهم غيرُهم، أو يَشْهَدَ عدلٌ واحدٌ، أو من لا تُقْبَلُ شهادتُهم في الجناياتِ، كنسوةٍ وصِبيانٍ؛ أنَّ فلانًا قَتَلَ فلانًا، فيَقَعُ بهذا اللَّوْثِ في النَّفسِ صِدْقُ المدَّعي- حَلَفَ هذا المدَّعي خمسين يمينًا واسْتَحَقَّ الدِّيةَ، وليس له المطالَبةُ بالقِصاصِ؛ لضَعْفِ حُجَّةِ القَسامةِ والاحتياطِ في أمرِ الدِّماءِ، فإن لم يَكُنْ هناك لَوْثٌ حَلَفَ المدَّعى عليه خمسين يمينًا، ولا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّ الأصلَ براءةُ ذِمَّتِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَى قَاتِلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ كَفَّارَةٌ، عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].\rفمن قَتَلَ مؤمنًا على سبيلِ الخطإِ المحضِ، أو عمدِ الخطإِ؛ أيْ: شِبْهِ العمدِ؛ فعليه إعتاقُ رقبةٍ مؤْمنةٍ، وكذلك عليه دِيةٌ مؤدَّاةٌ إلى ورثةِ المقتولِ؛ إِلَّا إذا عفا الورثةُ عن القاتلِ فأسْقَطوا الدِّيةَ، فإن كانَ المقتولُ مؤْمِنًا وقومُه كفَّارًا أعداءً وهم المحارِبونَ فإنَّما على قاتلِه الكفَّارةُ فقط دونَ الدِّيةِ؛ لئلَّا يستعينوا بها على المسْلمينَ، وإِن كانَ المقتولُ من قومٍ كفرةٍ بيْنَهم وبيْنَ المسْلمينَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354979,"book_id":264,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":374,"body":"عهدٌ كأهلِ الذِّمَّةِ فعلى قاتلِه دِيَةٌ تُدْفَعُ إلى أهلِه لأجلِ معاهَدَتِهم، ويَجِبُ -أيضًا- على القاتلِ إِعتاقُ رقبةٍ مؤْمنةٍ، فمن لم يَجِدِ الرَّقبةَ فعليه صيامُ شهرينِ متتابعينِ عِوضًا عنها.\rوأمَّا وجوبُها في قتلِ العمدِ المحضِ فلحديثِ واثلةَ بنِ الأسقعِ ﵁ قالَ: أتينا رسولَ اللهِ ﷺ في صاحبٍ لنا أَوْجَبَ -يعني النَّارَ- بالقتلِ، فقال: «أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقِ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» (¬١).\rولا يَسْتَوْجِبُ النَّارَ إلا بالعمدِ، فدَلَّ على مشروعيَّةِ الكفَّارةِ فيه.\rواللهُ تعالى أَعْلَمُ.","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٣٩٦٤)، وابن حبَّان (٤٣٠٧)، والحاكم (٢٨٤٣)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354980,"book_id":264,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":375,"body":"كتابُ الحُدُود\rالحدودُ في اللُّغةِ: جمعُ حَدٍّ، وهو المنعُ، ومنه سُمِّيَ كلٌّ من البوَّابِ والسَّجَّانِ حدَّادًا؛ لمنعِ الأوَّلِ من الدُّخولِ، والثَّاني من الخروجِ.\rوفي الاصطلاحِ: عقوبةٌ مقدَّرةٌ على ذنبٍ وَجَبَتْ حقًّا للهِ تعالى كما في الزِّنا، أو اجْتَمَعَ فيها حَقُّ اللهِ تعالى وحَقُّ العبدِ كالقذفِ.\rوإقامةُ الحدودِ فرضٌ على وليِّ الأمرِ، ودليلُ ذلك قبْلَ الإجماعِ آياتٌ، منها قولُه تعالى في حدِّ الزِّنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وفي حَدِّ السَّرقةِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وفي حدِّ القذفِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وفي حَدِّ الحِرابةِ وقَطْعِ الطَّريقِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].\rومن السُّنَّةِ أحاديثُ، منها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: أتى رَجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو في المسجدِ، فناداه فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي زنيتُ، فأَعْرَضَ عنه، حتَّى رَدَّدَ عليه أربعَ مرَّاتٍ،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354981,"book_id":264,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":376,"body":"فلمَّا شَهِدَ على نفْسِه أربعَ شهاداتٍ، دعاه النَّبيُّ ﷺ فقالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟!»، قالَ: لا، قالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟!»، قالَ: نَعَمْ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: فكنتُ فيمن رَجَمَه، فرجمناه بالمصلَّى، فلمَّا أَذْلَقَتْهُ الحجارةُ هَرَبَ، فأدركناه بالحَرَّةِ، فرجمناه (¬١).\rوحديثُ بُرَيْدَةَ بنِ الحصيبِ ﵁ أنَّ امرأةً من غامدٍ جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ وقالت: إنِّي لحُبلى؛ أيْ: من الزِّنا، فقال ﷺ: «اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي»، فلمَّا ولدت أتته بالصَّبيِّ في خِرْقَةٍ، وقالت: هذا قد وَلَدْتُه، قالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ»، فلمَّا فَطَمَتْه أتته بالصَّبيِّ في يدِه كِسرةُ خبزٍ، فقالت: هذا يا نبيَّ اللهِ قد فَطَمتُه، وقد أَكَلَ الطَّعامَ، فدَفَعَ النَّبيُّ ﷺ الصَّبيَّ إلى رَجُلٍ من المسْلمينَ، ثمَّ أمَرَ بها فَحُفِرَ لها إلى صَدْرِها، وأَمَرَ النَّاسَ فرجموها (¬٢).\rوحديثُ أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ ﵄ قالا: كنَّا عندَ النَّبيِّ ﷺ فقامَ رجلٌ، فقالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ إلَّا قضيتَ بيْنَنا بكتابِ اللهِ، فقامَ خَصْمُه وكانَ أَفْقَهَ منه، فقالَ: اقضِ بيننا بكتابِ اللهِ، وأذنْ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤٩٧٠)، ومسلم (١٦٩١). والرَّجلُ الذي جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ؛ هو ماعزُ بنُ مالكٍ الأسلميُّ ﵁، وقولُه ﷺ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟!»؛ أي: فهل تَزَوَّجْتَ، وقولُ جابرٍ ﵁: «فرجمناه بالمصلَّى»؛ أيْ: مكان صلاةِ العيدِ، وقولُه: «أَذْلَقَتْه الحجارةُ»؛ أي: أصابتْه بحدِّها، وقولُه: «فأدركناه بالحَرَّةِ»؛ الحَرَّةُ: هي موضعٌ بالمدينةِ ذو حجارةٍ سوداء.\r(¬٢) رواه مسلم (١٦٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354982,"book_id":264,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":377,"body":"لي، قال ﷺ: «قُلْ»، قال: إنَّ ابني كانَ عَسيفًا على هذا، فزنى بامرأتِه، فافتديتُ منه بمائةِ شاةٍ وخادمٍ، ثمَّ سألتُ رجالًا من أهلِ العلمِ فأخبَروني أنَّ على ابني جَلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍّ، وعلى امرأتِه الرَّجمَ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ- المِائَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، فغدا عليها فاعترفتْ فرَجَمَها (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالزَّانِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُحْصَنٌ وَغَيْرُ مُحْصَنٍ، فَالْمُحْصَنُ: حَدُّهُ الرَّجْمُ، وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ حَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ»، الزِّنا في اللُّغةِ: الرُّقِيُّ على الشَّيءِ، يقالُ: زنى في الجبلِ إذا صَعِدَه. وفي الاصطلاحِ: إيلاجُ حَشَفَةِ الذَّكرِ الأصليِّ أو قَدْرِها عندَ فَقْدِها في قُبُلٍ واضحِ الأنوثةِ مُحَرَّمٍ، خالٍ عن الشُّبهةِ، مشتهًى طبعًا بأن كانَ فَرْجَ آدميٍّ حيٍّ. والإحصانُ في اللُّغةِ: المنعُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤]؛ أي: مانعةٍ، وفي الاصطلاحِ: جاءَ بمعنى الإسلامِ، والحرِّيَّةِ، والعفَّةِ، والتَّزويجِ، ووطءِ المكلَّفِ الحُرِّ في نِكاحٍ صحيحٍ، والمرادُ هنا هو المعنى الأخيرُ (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٤٤٠)، ومسلم (١٦٩٧)، وقولُه: «أَنْشُدُكَ اللهَ»؛ أي: أُقْسِمُ عليك باللهِ، و «أَفْقَهُ منه»؛ أيْ: أَكْثَرُ منه فهمًا، و «عَسيفًا»؛ أي: أَجيرًا، و «أُنَيْسٌ» هو ابنُ الضَّحَّاكِ الأسلميُّ ﵁.\r(¬٢) ومن مجيءِ الإحصانِ بمعنى الإسلامِ؛ قولُه تعالى في حقِّ الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النِّساء: ٢٥]؛ قال ابنُ مسعودٍ ﵁: «إحصانُها إسلامُها»، ومن مجيئِه بمعنى الحرِّيَّةِ؛ نفسُ الآيةِ فإنَّ المعنى فإذا أَسْلَمَتِ الأمَةُ ثم زنت فعليها نصفُ ما على الحُرَّةِ من العقوبةِ، ومن مجيئِه بمعنى العِفَّةِ ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النِّساء: ٢٤]؛ أي: أعفَّاءُ غيرُ زناةٍ، ومن مجيئِه بمعنى الزَّوجيَّةِ؛ قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... ﴾ [النِّساء: ٢٣]؛ إلى قولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّساء: ٢٤]؛ أيِ: المزوَّجاتِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354983,"book_id":264,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":378,"body":"فالزَّاني الذي يَجِبُ حَدُّه على ضربينِ: مُحْصَنٌ؛ وهو ما تَوَافَرَتْ فيه شروطُ الإحصانِ، وغيرُ مُحْصَنٍ وهو من لم يَسْتَكْمِلْها.\rفإذا زَنَى الحُرُّ المُحْصَنُ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- فحَدُّه الرَّجْمُ حتَّى الموتِ، وقد سَبَقَتِ الأحاديثُ الدَّالَّةُ على ذلك في قِصَّةِ ماعزٍ والغامديَّةِ والعَسيفِ، وقال عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «إنَّ اللهَ قد بَعَثَ محمَّدًا ﷺ بالحَقِّ، وأَنْزَلَ عليه الكِتابَ، فكانَ ممَّا أَنْزَلَ عليه آيةُ الرَّجمِ، قرأناها ووَعَيْنَاها وعَقَلْنَاها، فَرَجَمَ رسولُ اللهِ ﷺ، ورَجَمْنَا بعدَه، فأخشى إن طالَ بالنَّاسِ زمانٌ أن يقولَ قائلٌ: ما نَجِدُ الرَّجمَ في كتابِ اللهِ فيَضِلُّوا بتركِ فريضةٍ أَنْزَلَها اللهُ، وإنَّ الرَّجمَ في كتابِ اللهِ حقٌّ على مَن زنى إذا أَحْصَنَ من الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامت البيِّنةُ، أو كانَ الحبَلُ، أو الاعترافُ» (¬١).\rوإذا زنى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- فحدُّه مائةُ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٤٤٢)، ومسلم (١٦٩١). وقولُه ﵁: «فكانَ مما أُنْزِلَ عليه آيةُ الرَّجمِ»؛ أرادَ بآيةِ الرَّجمِ: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، كما جاءَ في روايةِ أحمد (٢١٢٤٥)، والنَّسائي في «السُّنن الكبرى» (٧١١٢)، وهذا ممَّا نُسِخَ لفظُه وبقيَ حُكمُه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354984,"book_id":264,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":379,"body":"جلدةٍ وتغريبُ عامٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\rولقولِه ﷺ في حديثِ العَسيفِ: «وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» (¬١).\rويَكونُ التَّغريبُ من بلدِ الزِّنا إلى مسافةِ القصرِ فما فوقَها؛ لأنَّ ما دُونَها في حُكمِ الحَضَرِ؛ لتواصُلِ الأخبارِ فيها إليه، ولأنَّ المقصودَ إيحاشُه بالبُعدِ عن الأهلِ والوطنِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ أَرْبَعَةٌ:\r١، ٢ - الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ»؛ فلا حدَّ على صبيٍّ ولا مجنونٍ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬٢)، لكنَّهما يؤدَّبانِ بما يَزْجُرُهما عن الوقوعِ في الزِّنا.\r٣ - «وَالْحُرِّيَّةُ»؛ لأنَّ الرَّقيقَ على النِّصفِ من الحُرِّ، والرَّجمُ لا نِصْفَ له.\r٤ - «وَوُجُودُ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ»؛ وذلك بغيبوبةِ الحَشَفَةِ أو قَدْرِها عِنْدَ فَقْدِها من مُكَلَّفٍ، في قُبُلٍ، وذلك لأنَّ الشَّهوةَ مركَّبةٌ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٤٤٠)، ومسلم (١٦٩٧).\r(¬٢) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354985,"book_id":264,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":380,"body":"في النَّفسِ، فإذا أصابَ في النِّكاحِ الصَّحيحِ فقد نالَ اللَّذَّةَ، وقضى الشَّهوةَ، ولا فَرْقَ في الإصابةِ بيْنَ أن يَقَعَ في حالِ الإباحةِ، أو حالِ الحظرِ كما لو كانَ في نهارِ رمضانَ أو إحرامٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ حَدُّهُمَا نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ»، وهو خَمسونَ جَلدةً لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والمرادُ الجَلْدُ؛ لأنَّ الرَّجْمَ قتْلٌ، والقتلُ لا يَتَنَصَّفُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَحُكْمُ اللِّوَاطِ وَإِتْيَانِ الْبَهَائِمِ كَحُكْمِ الزِّنَا»، اللِّواطُ: هو إيلاجُ الحشَفَةِ أو قَدْرِها في دُبُرِ ذَكَرٍ أو أُنثى غيْرِ زَوْجَتِهِ وأَمَتِهِ، وفيه وجوبُ الحدِّ كالزِّنا، فيُرْجَمُ الفاعلُ المُحْصَنُ، ويُجْلَدُ ويُغَرَّبُ غيرُ المُحْصَنِ، وخَرَجَ بقيدِ غيرِ زوجتِه وأَمَتِه اللِّواطُ بهما، فلا حَدَّ عليه فيهما؛ ولكن يُعَزَّرُ، وكذلك إتيانُ البهائمِ على المَذْهَبِ، وهناك قولٌ آخَرُ، وهو أنه يُعَزَّرُ ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّ فِعْلَه مما يَنْفُرُ منه الطَّبْعُ السَّليمُ، فلم يَحْتَجْ إلى زاجرٍ (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ وَطِئَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ عُزِّرَ»، من باشَرَ فيما دُونَ الفَرْجِ بمفاخَذةٍ، أو معانَقةٍ، أو تقبيلٍ أو نحوِ ذلك؛ فإنه يُعَزَّرُ بما يراه الإمامُ من ضربٍ، أو نفيٍ، أو توبيخٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَدْنَى الْحُدُودِ»؛","footnotes":"(¬١) «الإقناع في حلِّ ألفاظ أبي شجاع» (٢/ ٥٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354986,"book_id":264,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":381,"body":"لحديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ» (¬١).\rوأدنى الحدودِ أربعونَ جَلدةً، كما في حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ برجلٍ قد شَرِبَ الخمرَ، فجَلَدَه بجريدتينِ نحوَ أربعينَ» (¬٢).\rوفي روايةٍ: «كانَ ﷺ يَضْرِبُ في الخمرِ بالنِّعالِ والجريدِ أربعينَ» (¬٣).\rفإن عَزَّرَ حُرًّا وَجَبَ أن يَنْقُصَ في تعزيرِه عن أربعينَ جَلدةً، وإن عزَّرَ عبدًا وَجَبَ أن يَنْقُصَ في تعزيرِه عن عِشرينَ جَلدةً؛ لأنَّه أدنى حدٍّ لكُلٍّ منهما.\r\r«فَصْلٌ»\rفي حَدِّ القَذْفِ\rالقذفُ في اللُّغةِ: الرَّميُ، يقالُ: قَذَفَ بالنَّواةِ؛ أيْ: رماها.\rوفي الاصطلاحِ: الرَّميُ بالزِّنا في مَعْرِضِ التَّعيِيرِ.\rوقذفُ المحصنِ أو المحصَنةِ من كبائرِ الذُّنوبِ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].","footnotes":"(¬١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٧٥٨٤)، وقالَ: «المحفوظُ هذا الحديثُ مرسَلٌ».\r(¬٢) رواه مسلم (١٧٠٦).\r(¬٣) المصدر السَّابق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354987,"book_id":264,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":382,"body":"وقال النَّبيُّ ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (¬١).\rوالقذفُ على ضَربينِ:\rالأوَّلُ: «صريحٌ»، وهو ما لم يحتمِلْ غيرَه، كقولِ القائلِ: يا زانٍ، ويا زانيةُ.\rالثَّاني: «كنايةٌ»، وهو ما يَحْتَمِلُ الزِّنا وغيرَه، نحوُ قولِ القائلِ: يا فاجرُ، ويا فاجرةُ.\rفإن أَنْكَرَ شخصٌ في الكنايةِ إرادةَ القذفِ صُدِّقَ بيمينِه؛ ثمَّ عليه التَّعزيزُ للإيذاءِ.\rوالقذفُ بصريحِ الزِّنا يوجِبُ الحَدَّ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].\rولقولِ النَّبيِّ ﷺ لهلالِ بنِ أميَّةَ ﵁ لمَّا قَذَفَ امرأتَه بالزِّنا: «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا قَذَفَ غَيْرَهُ بِالزِّنَا فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ بِثَمَانِيَةِ شَرَائِطَ: ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي الْقَاذِفِ، وَهُوَ:\r١، ٢ - أن يَكونَ بَالِغًا عَاقِلًا»، فلا حدَّ على صبيٍّ ولا","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٨٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.\r(¬٢) رواه البخاري (٤٤٧٠)، ومسلم (١٤٩٦)، من حديث ابن عباس ﵄.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354988,"book_id":264,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":383,"body":"مجنونٍ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬١).\rولكنَّهما يُعَزَّرَانِ إذا كانَ لهما نوعُ تمييزٍ بما يَزْجُرُهما.\r٣ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ وَالِدًا لِلْمَقْذُوفِ»، فلا حَدَّ على أبٍ في قذفِ ولدِه؛ لحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ» (¬٢)، فإذا كانَ الوالدُ لا يُقْتَلُ بقتلِ ولدِه؛ فلا يقامُ عليه حدٌّ بقذفِه من بابِ أَوْلَى، ومِثْلُ الوالدِ جميعُ الأصولِ ذكورًا وإناثًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَخَمْسَةٌ فِي الْمَقْذُوفِ، وَهُوَ:\r١ - أن يَكونَ مُسْلِمًا»؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]، و ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أيِ: المسْلماتِ.\r٢، ٣ - «بَالِغًا عَاقِلًا»؛ لأنَّ زنا الصَّبيِّ والمجنونِ لا يوجِبُ حدًّا، فلا يَجِبُ الحدُّ بالقذفِ به؛ لكن من قَذَفَهُما يُعَزَّرُ؛ للإيذاءِ.\r٤، ٥ - «حُرًّا عفيفًا»؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.\r(¬٢) رواه أحمد (١٤٧)، والترمذي (١٤٠٠)، وابن ماجه (٢٦٦٢)، وصحَّح إسنادَه البيهقيُّ في «معرفة السُّنن والآثار» (١٥٧٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354989,"book_id":264,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":384,"body":"[النور: ٢٣]، و ﴿المحصَناتِ﴾؛ أيِ: الحرائرَ، و ﴿الغافلاتِ﴾؛ أيِ: العفيفاتِ السَّليماتِ الصُّدورِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُحَدُّ الْحُرُّ ثَمَانِينَ، وَالْعَبْدُ أَرْبَعِينَ»، أمَّا الحُرُّ فلقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، واستُفيدَ كونُها في الأحرارِ من قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾؛ والعبدُ لا تُقْبَلُ شهادتُه وإن لم يَقْذِفْ، ولأنَّ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّا ﵃: «كانوا يَجلِدونَ العبدَ في القذفِ أربعينَ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:\r١ - إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فدَلَّ على أنَّه إذا أُتِيَ بالشُّهداءِ الأربعةِ فلا حَدَّ على القاذفِ، ويَثْبُتُ الزِّنا على المقذوفِ.\r٢ - «أَوْ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ»؛ لأنَّ حدَّ القذفِ إنما شُرِعَ لدفعِ العارِ عن المقذوفِ، فهو حقٌّ خالصٌ للآدميِّ، فيَسْقُطُ بعفوِه عن القاذفِ، كما أنَّه لا يُسْتَوْفَى إلَّا بمطالَبَتِه.\r٣ - «أَوِ اللِّعَانُ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ»، سَبَقَتْ أحكامُ اللِّعانِ في فصلٍ مستقِلٍّ، وأنَّه إذا قَذَفَ الزَّوجُ زوجتَهَ، ولم يستطعْ إقامةَ البيِّنةِ، أُقِيمَ عليه حَدُّ القذفِ؛ إلَّا أن يُلاعِنَ، فإذا لاعَنَ سَقَطَ","footnotes":"(¬١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٢٨٢٢٣)، (٢٨٢٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354990,"book_id":264,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":385,"body":"عنه الحدُّ (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي حَدِّ شُرْبِ الخَمْر\rالخمرُ في اللُّغةِ: هو ما خامَرَ العقْلَ؛ أيْ: غطَّاه.\rوفي الاصطلاحِ: كلُّ ما أَسْكَرَ قليلُه أو كثيرُه.\rوشُرْبُ الخمرِ مِن كبائرِ الذُّنوبِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].\rوقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: إنَّ رَجلًا قَدِمَ من جِيشانَ -وجِيشانُ من اليَمنِ- فسألَ النَّبيَّ ﷺ عن شرابٍ يَشربونَه بأرضِهِم من الذُّرةِ، يقالُ له: المِزْرُ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟»، قالَ: نَعَمْ، قال رسولُ اللهِ ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ ﷿ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما طينةُ الخَبالِ؟ قالَ: «عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ»، أو «عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» (¬٢).\rوقال أبو مالكٍ الأشعريُّ ﵁ سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ينظر: «فصل أحكام اللِّعان».\r(¬٢) رواه مسلم (٢٠٠٢).\r(¬٣) رواه أحمد (٢٢٩٥١)، وأبو داود (٣٦٨٨)، وابن ماجه (٤٠٢٠)، والحاكم (٧٢٣٧)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354991,"book_id":264,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":386,"body":"وقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ شَرَابًا مُسْكِرًا يُحَدُّ أَرْبَعِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ ثَمَانِينَ عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ»، من شَرِبَ خمرًا أو شرابًا مُسْكِرًا؛ فإنَّه يُحَدُّ أربعينَ جَلدةً، ويَجوزُ أن يُجْلَدَ أربعينَ أخرى تعزيرًا؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ برجلٍ قد شَرِبَ الخمرَ، فجَلَدَه بجريدتينِ نحوَ أربعينَ»؛ قال أنسٌ ﵁: «وفَعَلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كانَ عمرُ ودَنا النَّاسُ من الرِّيفِ والقرى، استشارَ النَّاسَ، قالَ: ما تَرَوْنَ في جَلدِ الخمرِ؟ فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: أخفُّ الحدودِ ثمانون، فجَلَدَ عمرُ ثمانين» (¬٢).\rوقال عليٌّ ﵁: «نرى أنْ تَجْلِدَه ثمانين، فإنَّه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرى، وعلى المفتري ثمانون، فجَلَدَ عمرُ ﵁ في الخمرِ ثمانين، وكانَ إذا أُتِيَ بالرَّجلِ القويِّ المنهمِكِ في الشَّرابِ جَلَدَه ثمانينَ، وإذا أُتِيَ بالرَّجلِ الضَّعيفِ الذي كانت منه الزَّلَّةُ جَلَدَ أربعينَ، ثمَّ جَلَدَ عثمانُ ثمانينَ وأربعينَ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٤٧٤٤)، وأبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجه (٣٣٩٣)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ».\r(¬٢) رواه مسلم (١٧٠٦).\r(¬٣) رواه مالكٌ في «الموطَّأ» (٢٤٤٢)، والشَّافعيُّ في «المسند» (٢٩٣)، والدَّارقطنيُّ في «السُّنن» (٣٣٢١)، والحاكمُ في «المستدرك» (٨١٣١)، من طرقٍ، وصحَّحه الحاكم، وأقرَّه الذَّهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354992,"book_id":264,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":387,"body":"وقال حضينُ بنُ المنذِرِ ﵀: «شهدتُ عثمانَ بنَ عفَّانَ وأُتِيَ بالوليدِ قد صلَّى الصُّبحَ ركعتينِ، ثمَّ قالَ: أَزيدُكم، فَشَهِدَ عليه رَجُلانِ أحدُهما حُمْرَانُ أنَّه شَرِبَ الخمرَ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه رآه يتقيَّأُ، فقال عثمانُ: إنَّه لم يتقيَّأْ حتَّى شَرِبَها، فقالَ: يا عليُّ، قمْ فاجلدْه، فقال عليٌّ: قمْ يا حَسنُ فاجلدْه، فقال الحسنُ: ولِّ حارَّها من تَوَلَّى قارَّها، فكأنَّه وَجَدَ عليه، فقالَ: يا عبدَ اللهِ بنَ جعفرٍ، قمْ فاجلدْه، فجَلَدَه وعليٌّ يَعُدُّ حتَّى بَلَغَ أربعين، فقالَ: أَمْسِكْ، ثمَّ قالَ: جَلَدَ النَّبيُّ ﷺ أربعينَ، وجَلَدَ أبو بكرٍ أربعينَ، وعمرُ ثمانين، وكُلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أَحَبُّ إليَّ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ عَلَيْهِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الْإِقْرَارِ»؛ أي: يَثْبُتُ الحدُّ على من شَرِبَ المسْكِرِ بالبيِّنةِ، بأن يَشْهَدَ عليه رَجُلانِ عدلانِ بذلك؛ للحديثِ السَّابقِ، وفيه: «فَشَهِدَ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٧٠٧)، وقولُه: «شَهِدْتُ عثمانَ بنَ عفَّانَ وأتى بالوليدِ»؛ أي: حضرتُ عندَه بالمدينةِ وهو خليفةٌ، والوليدُ: هو الوليدُ بنُ عقبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ، أتى به من الكوفةِ، وكانَ واليًا عليها، وصلَّى بالنَّاسِ الصُّبحَ ركعتينِ وهو سكران ثمَّ التفتَ إليهم فقالَ: أَزيدُكم؟ فقال أهلُ الصَّفِّ الأوَّلِ: ما زِلنا في زيادةٍ منذُ وَلِيتَنا؛ لا زادَكَ اللهُ من الخيرِ، وحَصَبَ النَّاسُ الوليدَ بحصباءِ المسجدِ، فشاعَ ذلك في الكوفةِ، وجرى من الأحوالِ ما اضْطَرَّ أميرَ المؤمنينَ عثمانَ ﵁ إلى استحضارِه، وقولُ الحسنِ بنِ عليٍّ ﵄: «وَلِّ حارَّها من تولَّى قارَّها»؛ الحارُّ: الشَّديدُ المكروهُ، والقارُّ: الباردُ الهنيءُ الطَّيِّبُ، وهذا مَثَلٌ مِن أمثالِ العربٍ؛ قال الأصمعيُّ ﵀: معناه ولِّ شِدَّتَها وأوساخَها من تولَّى هنئتَها ولذَّاتِها، والضميُر عائدٌ إلى الخلافةِ والولايةِ؛ أي: كما أنَّ عثمانَ وأقاربَه يتولَّوْنَ هنيءَ الخلافةِ ويختصُّونَ به؛ يتولَّوْنَ نَكَدَها وقاذوراتِها، ومعناه: لِيَتَوَلَّ هذا الجَلْدَ عثمانُ ﵁ بنفْسِه أو بعضُ خاصَّةِ أقاربِه الأدْنَيْنَ. وقولُه: «وَجَدَ عليه»؛ أي: غَضِبَ عليه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354993,"book_id":264,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":388,"body":"عَلَيْهِ رَجُلَانِ»، وكذلك إذا أَقَرَّ هو على نفْسِه، فإنَّ الإقرارَ حُجَّةٌ تَقومُ مقامَ البيِّنةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُحَدُّ بِالْقَيْءِ وَالاسْتِنْكَاهِ»، القَيءُ معروفٌ، والاستنكاهُ: شمُّ رائحةِ الفمِ، ولا يُحَدُّ بذلك لاحتمالِ أن يَكونَ شرِبَه مخطئًا، أو مُكرَهًا، ولأنَّ رائحةَ الخمرِ قد يُشاركُها فيها غيرُها، وهذه الأمورُ تُورِثُ شُبْهَةً فِي تَعَدِّيهِ بِشُرْبِ المُسْكِرِ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبهاتِ، كما أَجْمَعَ على ذلك أهلُ العِلْمِ (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي حَدِّ السَّرِقَة\rالسَّرقةُ في اللُّغةِ: هي أخذُ الشَّيءِ من الغيرِ خُفْيَةً، ومنه قولُه تعالى: ﴿اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٢]؛ أيْ: سَمِعَ مُسْتَخْفِيًا.\rوفي الاصطلاحِ: أخذُ مالِ الغيرِ خُفْيةً، وإخراجُه من حِرْزٍ.\rوالسَّرقِة محرَّمةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].\rوفي حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) «الإجماع» لابن المنذر (ص: ١٢٥).\r(¬٢) رواه البخاري (٥٢٥٦)، ومسلم (٥٧)، والمرادُ: أنَّ اللهَ «سَلَبَه حقيقةَ الإيمانِ التي بها يَسْتَحِقُّ حصولَ الثَّوابِ والنَّجاةِ من العِقابِ؛ وإن كان معه أصلُ الإيمانِ الذي يفارقُ به الكفَّارَ ويخرجُ به من النَّارِ»، كما في «مجموع فتاوى ابنِ تيمية» (٢٨/ ٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354994,"book_id":264,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":389,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:\r١، ٢ - أَنْ يَكونَ بَالِغًا عَاقِلًا»، يُشْتَرَطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ أن يَكونَ بالغًا عاقلًا، فلا تُقْطَعُ يَدُ صَبِيٍّ ولا مجنونٍ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬١).\rلكنَّهما يُعَزَّرانِ إذا كانَ لهما نوعُ تمييزٍ بما يَزْجُرُهما.\r٣ - «وَأَنْ يَسْرِقَ نِصَابًا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ فِي مَالِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ»، يُشْتَرَطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ أن يَسْرِقَ نِصابًا قِيمتُه رُبُعُ دينارٍ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (¬٢).\rوالدِّينارُ يساوي أربعَ جراماتٍ ورُبُعًا من الذَّهبِ.\rوكذلك يُشْتَرَطُ أن يَكونَ المالُ المسروقُ في حِرْزٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ رَجلًا من مُزَيْنَةَ سألَ النَّبيَّ ﷺ عن الثِّمارِ، فقالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.\r(¬٢) رواه البخاري (٤٦٠٧)، ومسلم (١٦٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354995,"book_id":264,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":394,"sequence_num":390,"body":"الْقَطْعُ»، فقالَ: الشَّاةُ الحَريسةُ منهنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «ثَمَنُهَا وَمِثْلُهُ مَعَهُ وَالنَّكَالُ، وَمَا كَانَ فِي الْمُرَاحِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ، إِذَا كَانَ مَا يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» (¬١).\rوذلك لأنَّ الجنايةَ تَعْظُمُ بمخاطَرةِ أخذِه من الحِرْزِ؛ بخلافِ ما إذا جرَّأه المالكُ ومكَّنه بتضييعِه.\rوالرُّجوعُ في الحِرزِ يَكونُ إلى العُرْفِ؛ فإنَّه لم يُحَدَّ في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ، وهو يَختلفُ باختلافِ الأموالِ والأحوالِ والأوقاتِ، فقد يَكونُ الشَّيءُ حِرزًا في وقتٍ دونَ وقتٍ؛ بحسَبِ صلاحِ أحوالِ النَّاسِ وفَسادِها، وقوَّةِ السُّلطانِ وضَعْفِه، وضَبَطَه الغزاليُّ ﵀ بما لا يُعَدُّ صاحبُه مُضَيِّعًا.\rوكذلك يُشترطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ عَدَمُ المِلْكِ، فلا قَطْعَ بسرقةِ مالِه الذي بيدِ غيرِه؛ وإن كانَ مرهونًا أو مؤجَّرًا.\rوكذلك يُشترطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ عدمُ شبهةِ المِلكِ في المالِ المسروقِ، فلو سَرَقَ الوالدُ من ولدِه، أو الولدُ من والدِه؛ فلا قَطْعَ، لشبهةِ المِلكِ باستحقاقِ النَّفقةِ، وكذلك لو سَرَقَ الشَّريكُ من مالِ الشَّركةِ، فلا قَطْعَ عليه.","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (١٧١٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٤٩٥٧)، وابن ماجه (٢٥٩٦)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ»، و «الخبنةُ»: هي ما يَحْمِلُه الرَّجلُ في ثوبِه، و «العقوبَةُ» هنا هي التَّعزيرُ، و «الجَرِينُ»: هو ما يُحْفَظُ فيه الحبوبُ والثِّمارُ، و «المِجَنُّ» هو كلُّ ما يُتَوَقَّى به ويُسْتَتَرُ مِن ضربةِ السِّلاحِ، كالتُّرسِ، وكانت قِيمتُه تُقَدَّرُ برُبُعِ دينارٍ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354996,"book_id":264,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":391,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَتُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثًا قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ سَرَقَ رَابِعًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى»، تُقْطعُ يدُ السَّارقِ اليُمنى من مَفْصِلِ الكوعِ، وهو العظمُ النَّاتئُ ممَّا يلي الإبهامَ، في مَفْصِلِ الكفِّ مع السَّاعدِ، فإن سَرَقَ ثانيًا قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسرى مِن مَفْصِلِ السَّاقِ مع القَدَمِ؛ لحديثِ عليٍّ ﵁ قالَ: «إذا سَرَقَ السَّارقُ قُطِعَتْ يدُه اليُمنى, فإن عادَ قُطِعَت رِجْلُه اليُسرى» (¬١).\rفإن سَرَقَ ثالثًا قُطِعَتْ يدُه اليُسرى، فإن سَرَقَ رابعًا قُطِعَتْ رِجْلُه اليُمنى؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في السَّارقِ: «إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ, ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ, ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» (¬٢).\rوذُكِرَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ بنِ محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، عن أبيه أنَّ رَجلًا من أهلِ اليَمنِ أَقْطَعَ اليدِ والرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ على أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ فشكا إليه أنَّ عاملَ اليَمنِ قد ظَلَمَه، وكانَ يصلِّي من اللَّيلِ، فيقولُ أبو بكرٍ: «وأبيك ما ليلُك بليلِ سارقٍ»، ثمَّ إنَّهم فقدُوا عِقدًا لأسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ امرأةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، فجَعَلَ الرَّجُلُ يَطوفُ معهم، ويقولُ: اللَّهمَّ عليك بمن بَيَّتَ أهلَ هذا البيتِ الصَّالحِ، ثمَّ وجدوا العِقدَ عندَ صائغٍ زَعَمَ أنَّ الأقطعَ جاءه به، فاعْتَرَفَ به الأقطعُ، فأمرَ به أبو بكرٍ فقُطِعَتْ يدُه","footnotes":"(¬١) رواه الدَّارقطني (٣١٦٦).\r(¬٢) رواه البيهقيُّ في «معرفة السُّنن والآثار» (١٧١٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354997,"book_id":264,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":396,"sequence_num":392,"body":"اليُسرى، وكانَ أبو بكرٍ ﵁ يقولُ: «واللهِ لدعاؤُه على نفْسِه أشدُّ عندي عليه من سَرِقَتِه» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ عُزِّرَ، وَقِيلَ يُقْتَلُ صَبْرًا»، القتلُ صَبْرًا: هو أن يُحْبَسَ من أجلِ أن يُقْتَلَ -ولو يومًا واحدًا- فإذا سَرَقَ سارقٌ بعدَ المَرَّةِ الرَّابعةِ عُزِّرَ بما يراه الحاكمُ رادعًا له؛ من ضربٍ أو سَجنٍ أو نفيٍ، وقيلَ: يُقْتَلُ؛ لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بسارقٍ فأمَرَ بقطعِ يدِه، ثمَّ أُتِيَ به قد سَرَقَ فأَمَرَ بقطعِ رِجْلِه، ثمَّ أُتِيَ به بعدُ وقد سَرَقَ فأمَرَ بقطعِ يدِه اليُسرى، ثمَّ أُتِيَ به قد سَرَقَ فأَمَرَ بقطعِ رِجْلِه اليُمنى، ثمَّ أُتِيَ به قد سَرَقَ فأمَرَ بقتلِه» (¬٢).\r\r«فَصْلٌ»\rفي حَدِّ الحِرابة\rالحِرَابَةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من الحربِ، وهي نقيضُ السِّلْمِ.\rوفي الاصطلاحِ: قطعُ الطَّريقِ لأخذِ مالٍ أو لقتلٍ أو لإرعابٍ مكابَرةً واعتمادًا على القوَّةِ مع البعدِ عن الغَوثِ.","footnotes":"(¬١) رواه مالكٌ في «الموطَّأ» (٢٤١٨)، والشَّافعيُّ في «الأم» (٦/ ١٦٢)، وقولُ الرَّجلِ: إنَّ عاملَ اليمنِ ظَلَمَه؛ أي: بقطعِ يدِه ورِجْلِه بتهمةِ السَّرقةِ، وقولُه: بَيَّتَ؛ أيْ: أغارَ ليلًا.\r(¬٢) رواه أبو داود (٤٤١٠)، والنسائي (٤٩٧٨)، والبيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٧٠٣٧)، واللَّفظُ له، وقال النَّسائيُّ: «هذا حديثٌ منكَرٌ»، وبما أنَّ الحديثَ منكرٌ فيتعيَّنُ التَّعزيرُ، واللهُ أعلم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354998,"book_id":264,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":393,"body":"والحِرابةُ من كبائرِ الذُّنوبِ، وقد غَلَّظَ اللهُ عقوبتَها أشدَّ التَّغليظِ، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].\rوفي الصَّحيحينِ عن أبي قِلابةَ أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ ﵁ قالَ: «قَدِمَ أُناسٌ مِن عُرَيْنَةَ على رسولِ اللهِ ﷺ، وتَكَلَّموا بالإسلامِ فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، إنَّا كُنَّا أهلَ ضَرعٍ، ولم نَكنْ أهلَ رِيفٍ، واجتوَوُا المدينةَ، فأَمَرَ لهم رسولُ اللهِ ﷺ بذَودٍ وراعٍ، وأمَرَهم أن يَخْرُجُوا فيه، فَيَشْرَبُوا مِن ألبانِها وأبْوَالِها، فانطلَقوا حتَّى إذا كانوا ناحيةَ الحَرَّةِ كَفَروا بعدَ إسلامِهم، وقَتَلُوا رَاعيَ النَّبيِّ ﷺ، واستاقُوا الذَّودَ، فَبَلغَ ذلك النَّبيَّ ﷺ، فبَعَثَ الطَّلبَ في آثارِهم، فأُتيَ بهم، فقَطَعَ أيديَهم، وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعينَهم، وتركَهم في الحَرَّةِ، حتَّى ماتوا»، قال أبو قِلابةَ ﵀: فهؤلاء قَومٌ سَرقوا وقَتَلُوا، وكفَروا بعدَ إيمانِهم، وحارَبُوا اللهَ ورسولَه (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٣١)، ومسلم (١٦٧١). والنَّفرُ: عِدَّةُ رجالٍ دونَ العشَرةِ، وجاءَ في «مستخرَج أبي عَوانةَ» (٦٠٩٩)؛ أنَّهم كانوا ثمانيةً، وأهلُ الضَّرعِ: أهلُ الماشيةِ والباديةِ، وليسوا من أهل المدنِ والحضرِ، وإنَّما عيشُهم من اللَّبَنِ، والرِّيفُ: أرضٌ فيها زرعٌ وخصبٌ، والجمعُ: أريافٌ، واجتَووا: استوخموا، يُقالُ: اجتوى موضعَ كذا؛ استوخَمه وكَرِهَ المُقامَ فيه، وهو افتعلَ من الجَوى، وهو الألمُ في الجوفِ، والذَّودُ من الإبلِ: من الثَّلاثةِ إلى العشَرةِ. والحَرَّةُ: أرضٌ ذاتُ حجارةٍ سودٍ، وهي ههنا اسمٌ لأرضٍ بالمدينةِ معروفةٍ، وسَمَلَ أعينَهم فقأَها بحديدةٍ محماةٍ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":354999,"book_id":264,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":394,"body":"وقال أنسٌ ﵁: «إنَّما سَمَلَ النَّبيُّ ﷺ أَعْيُنَ أولئكَ؛ لأنَّهم سَمَلُوا أعينَ الرِّعاء» (¬١).\rوقال -أيضًا- ﵁: «فأمَرَ بمساميرَ فأُحميتْ، فكحَلَهُمْ، وقَطَعَ أيْديَهُم وأرجلَهُمْ، وما حَسَمَهُمْ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:\r١ - إِنْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا»، حتى ولو عفَا أهلُ المقتولِ، وذلك لدفعِ شرِّهم، ولأنَّ عقوبةَ المحاربِ حقٌّ للهِ تعالى، لا تَقْبَلُ الإسقاطَ ولا العفوَ.\r٢ - «فَإِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُوا»؛ وذلك زيادةً في التَّنكيلِ بهم، وزجرًا لغيرِهم، ويكونُ صَلْبُهم بعدَ تغسيلِهم وتكفينِهم والصَّلاةِ عليهم، ويُصْلَبُونَ على خشبةٍ أو نحوِها ثلاثةَ أيَّامٍ؛ ليشتهرَ حالُهم، وهذا إذا لم يُخَفِ التَّغيُّرُ، فإن خِيفَ قبلَ الثَّلاثةِ أُنِزلُوا، كما قال الخطيبُ الشِّربينيُّ ﵀ (¬٣).\r٣ - «وَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا تُقْطَعُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ»، وذلك بأن تُقْطَعَ اليدُ اليُمنى والرِّجلُ اليُسرى، فإن عادوا وأَخذوا ما يساوي رُبُعَ دينارٍ فصاعدًا بعدَ قَطْعِهِما ثانيًا قُطِعَت اليدُ اليُسرى والرِّجلُ اليُمنى، وإنَّما قُطِعَ من خِلافٍ لما مرَّ في السَّرقةِ،","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٦٧١).\r(¬٢) رواه البخاري (٦٤١٩). والحسمُ: هو إذا قُطِعَت اليدُ، أو الرِّجلُ كُوِيَتْ؛ لينقطعَ الدَّمُ.\r(¬٣) «الإقناع في حلِّ ألفاظ أبي شجاع» (٢/ ٥٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355000,"book_id":264,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":395,"body":"وقُطِعَت اليدُ اليُمنى للسَّرقةِ، والرِّجلُ للمحارَبةِ.\r٤ - «فَإِنْ أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا وَلَمْ يَقْتُلُوا حُبِسُوا وَعُزِّرُوا»، إن أخافَ المحاربِونَ السَّبيلَ -أي: الطَّريقَ- بوقوفِهم فيه، ولم يأخذوا مالًا من المارَّةِ، ولم يَقْتُلُوا منهم أَحدًا حُبِسوا في غيرِ موضِعهم؛ لأنَّه أحوطُ وأبلغُ في الزَّجرِ والإيحاشِ، وعُزِّروا بما يراه الإمامُ من ضربٍ وغيرِه لارتكابِهِم معصيةً لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، وعَطْفُ المُصَنِّفِ ﵀ التَّعزيرَ على الحبسِ هو من عطفِ العامِّ على الخاصِّ؛ إذ الحبسُ من جنسِ التَّعزيرِ.\rودليلُ جميعِ ما سَبَقَ؛ قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].\rقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «إذا قَتَلوا وأخذوا المالَ قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولم يأخذوا المالَ قُتِلُوا ولم يُصْلَبوا، وإذا أخذوا المالَ ولم يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أيديهم وأرجُلُهم من خلافٍ وإذا أخافوا السَّبيلَ ولم يأخذوا مالًا نُفُوا من الأرضِ (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ وَأُخِذَ بِالْحُقُوقِ»؛ أيْ: إنَّ من تابَ من قطَّاعِ الطُّرقِ قبلَ القدرةِ عليه سَقَطَتْ عنه العقوباتُ المختصَّةُ بقطَّاعِ الطَّريقِ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلمُوا أَنَّ","footnotes":"(¬١) رواه الشَّافعيُّ في «مسنده» (٢٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355001,"book_id":264,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":396,"body":"اللهَ غَفُورٌ رَحَيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]؛ ولكنَّه يُطالَبُ بالحقوقِ المرتَّبةِ على تصرُّفِه كما لو لم يكنْ قاطعَ طريقٍ، فإن كانَ قد قَتَلَ سَقَطَ عنه انحتامُ القتلِ وللوليِّ أن يَقْتَصَّ أو يأخذَ الدِّيةَ أو يعفوَ وإن كانَ قد قَتَلَ وأخذَ المالَ سَقَطَ الصَّلْبُ وانحتامُ القتلِ وبقيَ القِصاصُ أو الدِّيةُ أو العفوُ وضمانُ المالِ، وإن كانَ قد أخذَ المالَ سَقَطَ قطعُ الرِّجلِ، واليدِ -أيضًا- على الصَّحيحِ؛ لأنَّ قَطْعَهما عقوبةٌ واحدةٌ، وإذا سَقَطَ بعضُها وهو قطعُ الرِّجلِ للمحارَبةِ سَقَطَ الباقي، وهو قطعُ اليدِ، ولَزِمَه ضمانُ المالِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الصِّيَال\rالصِّيالُ في اللُّغةِ: مصدرُ صالَ يَصُولُ، إذا قَدِمَ بجُرْأةٍ وقوَّةٍ، وصالَ عليه، أي: سطا عليه ليَقْهَرَه، والمُصاوَلَةُ: المواثبةُ، والفَحْلانِ يَتَصاوَلانِ؛ أيْ: يتواثَبانِ.\rوفي الاصطلاحِ: الاستطالةُ والوثوبُ على الغيرِ بدونِ حقٍّ.\rوالصِّيالُ مُحَرَّمٌ في الإسلامِ؛ لأنَّه اعتداءٌ على الغيرِ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].\rوقال النَّبيُّ ﷺ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ قُصِدَ بِأَذًى فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٢٥٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355002,"book_id":264,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":397,"body":"أَوْ حَرِيمِهِ فَقَاتَلَ عَنْ ذَلِكَ وَقَتَلَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ»، من قُصِدَ بأذًى في نفْسِه أو مالِه أو حريمِه بأن صالَ عليه شخصٌ يُريدُ قتلَه، أو أخْذَ مالِه، أو الاعتداءَ على حريمِه فقاتَلَه عن نفْسِه أو مالِه أو حريمِه، وقَتَلَ الصَّائلَ؛ فلا ضمانَ عليه بقِصاصٍ ولا ديةٍ ولا كفَّارةٍ؛ لحديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (¬١).\rوقال أبو هريرةَ ﵁ جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إن جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟ قالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ»، قالَ: أرأيتَ إن قاتَلَني؟ قالَ: «قَاتِلْهُ»، قالَ: أرأيتَ إن قَتَلَني؟ قالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قالَ: أرأيتَ إنْ قتلتُه؟ قالَ: «هُوَ فِي النَّارِ» (¬٢).\rوقال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو ﵄: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٦٥٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي (٤٠٩٥)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، وقوله ﷺ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ»؛ أي: عندَ دفعِه من يريدُ أخذَ مالِه ظلمًا، «وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ»؛ أي: في نصرةِ دينِ اللهِ والذَّبِّ عنه، «وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ»؛ أي: في الدَّفعِ عن نفْسِه، «وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ»؛ أيْ في الدَّفعِ عن عِرْضِ أهلِه سواءٌ كانت زوجتَه أو قريبتَه سواءٌ كانت أمَّه أو أختَه أو ابنتَه ممَّن يَلْحَقُه العارُ بسببِهنَّ، «فَهُوَ شَهِيدٌ»؛ لأنَّ المؤمِنَ محترمٌ ذاتًا وعِرضًا ومالًا، فإذا أُريدَ منه شيءٌ من ذلك جازَ له الدَّفْعُ عنه، فإذا قُتِلَ بسببِه فهو شهيدٌ.\r(¬٢) رواه مسلم (١٤٠).\r(¬٣) رواه البخاري (٢٣٤٨)، ومسلم (١٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355003,"book_id":264,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":398,"body":"ويُدْفَعُ الصَّائلُ بالأخفِّ فالأخفِّ، سواءٌ كانَ الصَّائلُ مسْلمًا أو ذِمِّيًّا أو مجنونًا أو بهيمةً، فإن أَمْكَنَ دفعُه بالكلامِ دَفَعَه بالكلامِ، وإن أَمْكَنَ دفعُه بالضَّربِ دفَعَه بالضَّربِ، فإن لم يَنْدَفِعْ إلَّا بالقتلِ قَتَلَه ولا شيءَ عليه، وإذا لم يستطعِ الدَّفعَ عن نفْسِه وقُتِلَ كانَ شهيدًا.\rوكذلك المدافَعةُ عن نفسِ غيرِه ومالِه وعِرْضِه؛ كالمدافَعةِ عن نفسِهِ ومالِه وعِرْضِه؛ لحديثِ سهلِ بنِ حنيفٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ- أَذَلَّهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَى رَاكِبِ الدَّابَّةِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ دَابَّتُهُ»، على راكبِ الدَّابَّةِ وسائِقها وقائدِها ضمانُ ما أَتْلَفَتْهُ دابَّتُه؛ سواءٌ كانَ مالكًا، أو مستأجِرًا، أو مستعِيرًا، وسواءٌ أَتْلَفَتْه الدَّابَّةُ بيدِها أو رِجْلِها أو غيرِ ذلك، وسواءٌ كانَ ما أَتْلَفَتْه نفْسًا أو مالًا؛ لأنَّ فِعْلَها منسوبٌ إليه.\rفإن كانت الدَّابَّةُ وَحْدَها فأَتْلَفَتْ زرعًا أو غيرَه نهارًا لم يَضْمَنْ صاحبُها، وإن كانَ ليلًا ضَمِنَ؛ لحديثِ حَرَامِ بنِ مُحَيِّصَةَ الأنصاريِّ أنَّ البراءَ بنَ عازبٍ ﵁ كانت له ناقةٌ ضاريةٌ، فَدَخَلَتْ حائطًا فأَفْسَدَتْ فيه، فكُلِّمَ رسولُ اللهِ ﷺ فيها: «فقضى أنَّ حِفْظَ الحوائطِ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٦٠٢٨)، والطَّبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٥٥٥٤)، وقال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزَّوائد» (٧/ ٢٦٧): «رواه أحمد والطَّبرانيُّ، وفيه ابنُ لَهيعة، وهو حسنُ الحديثِ وفيه ضَعْفٌ، وبقيَّةُ رجالِه ثقاتٌ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355004,"book_id":264,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":399,"body":"بالنَّهارِ على أهلِها، وأنَّ حفظَ الماشيةِ باللَّيلِ على أهلِها، وأنَّ على أهلِ الماشيةِ ما أصابت ماشيتُهم باللَّيلِ» (¬١).\rوذلك لأنَّ العادةَ جاريةٌ أن يَحْفَظَ أصحابُ البساتينِ زرْعَهم نهارًا ويتركوه ليلًا، وأصحابُ المواشي يُرسلونها نهارًا ويَحفظونها ليلًا، فقضى رسولُ اللهِ ﷺ على وَفْقِ هذه العادةِ، فإذا قَصَّرَ أصحابُ الزَّرعِ ولم يحفظوه نهارًا، ودخلت المواشي وأَتْلَفَتْ منه لم يَضْمَنْه أصحابُ المواشي، وإذا قَصَّرَ أصحابُ المواشي، فتركوها تَسْرَحُ ليلًا، فدخلت الحوائطَ وأَتْلَفَتِ الزَّرعَ، ضَمِنَه أصحابُ المواشي.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ قتالِ أهلِ البَغْي\rالبَغْيُ في اللُّغةِ: مَصْدَرُ بغى، وهو بمعنى علا وظَلَمَ وعَدَلَ عن الحقِّ واستطالَ.\rوفي الاصطلاحِ: همُ الخارجون على الإمامِ الحقِّ بغيرِ حقٍّ إذا كانَ لهم مَنَعَةٌ.\rوالأصلُ في مشروعيَّةِ قتالِ أهلِ البغيِ قولُه تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٣٥٧٠)، والحاكم (٢٣٠٣)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي، والحوائطُ: جمعُ حائطٍ، وهو البستانُ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355005,"book_id":264,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":400,"body":"بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].\rوقال عَرْفَجَةُ بنُ ضُرَيْحٍ ﵁: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، وَيُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَغْيُ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:\r١ - أَنْ يَكُونُوا فِي مَنَعَةٍ»، وذلك بكثرةِ عَددِهم؛ بحيثُ لا يمْكنُ تفريقُ جمعِهم إلَّا بقتالِهم، فإن كانوا آحادًا لا يَمْتَنِعُونَ استُوفِيت منهم الحقوقُ، ولم يُقاتَلوا.\r٢ - «وَأَنْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ»؛ بانفرادِهم بِبَلْدَةٍ أو قرية ينحازون إليها، ويتميَّزون بها، كأهلِ الجملِ وصِفِّينَ، فإن كانوا على اختلاطِهم بأهلِ العدلِ ولم ينفردوا عنهم لم يقاتَلوا، ولا تجري عليهم أحكامُ البغاةِ.\r٣ - «وَأن يَكونَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ»، كالَّذي تأوَّلَه أهلُ الجَملِ وصِفِّينَ في المطالَبةِ بدمِ عثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ حيثُ اعتَقدوا أنَّه يَعْرِفُ قَتَلَتَهُ، ويَقْدِرُ عليهم ويَمْنَعُهم منهم لرضاه بقتلِه، ومواطأتِه إيَّاهم، وكذا كلُّ تأويلٍ بطلانُه مظنونٌ، فإن لم يكنْ لهم تأويلٌ، أُجْرِيَ عليهم حُكمُ الحِرابةِ وقطَّاعِ الطَّريقِ.\rويُرْسِلُ إليهم الإمامُ من يَنْصَحُهم ويدعوهم إلى الطَّاعةِ، ويكشفُ لهم ما عندَهم من الشُّبَهِ، ويحذِّرُهم من عاقبةِ البغيِ،","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (٧١٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355006,"book_id":264,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":401,"body":"ويُنذرُهم بالقِتالِ إن أصرُّوا على ما هم عليه، وهذا ما فَعَلَه عليٌّ ﵁ حيث بَعَثَ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ إلى الخوارجِ فناظَرَهَم فرَجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ وأصرَّ الباقون، فقاتَلَهم عليٌّ ﵁ (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ، وَلَا يُغْنَمُ مَالُهُمْ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ»، ممَّا يَختلفُ فيه قتالُ أهلِ البغيِ من المسْلمينَ عن قِتالِ الكفَّارِ أنه إذا أُخِذَ منهم أسرى لا يُقْتَلُون، كما أنَّهم لا يُسْتَرَقُّونَ، وإذا أُخِذَتْ منهم أموالٌ لا تُقْسَمُ كما تُقْسَمُ الغنائمُ، بل تُحْفَظُ حتى إذا انتهى بغيُهم رُدَّت إليهم، وإذا وُجِدَ منهم جريحٌ لا يُذَفَّفُ عليه؛ أيْ: لا يُتَمَّمُ قتلُه، وإذا وَلَّى أحدُهم هاربًا فلا يُتْبَعُ، يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄ قال رسولُ اللهِ ﷺ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: «يَا ابْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي مَا حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟»، قال ابنُ مسعودٍ: اللهُ ورسولُه أَعْلَمُ، قالَ: «فَإِنَّ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَنْ لَا يُتْبَعَ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُقْتَلَ أَسِيرُهُمْ وَلَا يُذَفَّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ» (¬٢).\rوفي روايةٍ: «وَلَا يُقَسَّمَ فَيْؤُهُمْ» (¬٣)؛ أيْ: ما يُغْنَمُ منهم.\rوأَمَرَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ مناديَه يومَ الجملِ فنادى: «لا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، ولا يُذَفَّفُ على جريحٍ، ولا يُقْتَلُ أسيرٌ، ومَن أَغْلَقَ بابَه","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٦٥٦)، والحاكم (٢٦٥٧)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.\r(¬٢) رواه الحاكم في «المستدرَك» (٢٦٦٢). وتذفيفُ الجريحِ: الإجهازُ عليه وتعجيلُ قتلِه.\r(¬٣) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٦٥٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355007,"book_id":264,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":402,"body":"فهو آمِنٌ، ومَن ألقى سلاحَهُ فهو آمنٌ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الرِّدَّة\rالرِّدَّةُ في اللُّغةِ: الرُّجوعُ عن الشَّيءِ إلى غيرِه، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٨].\rوفي الاصطلاحِ: الرُّجوعُ عن الإسلامِ إلى الكفرِ، ويَحْصُلُ تارةً بالقولِ، وتارةً بالفعلِ، وتارةً بالاعتقادِ.\rوالرِّدَّةُ أعظمُ الذُّنوبِ، وموجبةٌ للخلودِ في النَّارِ والعياذُ باللهِ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].\rوفي حديثِ أبي بكرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» -ثَلاثًا- قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ اسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَلَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ»، من ارتدَّ عن دينِ الإسلامِ -سواءٌ كانَ بقولٍ أو","footnotes":"(¬١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٣٣٢٧٧).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٥١١)، ومسلم (٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355008,"book_id":264,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":403,"body":"فعلٍ- فإنَّه يُستتابُ؛ لاحتمالِ أن تَكونَ عَرَضَتْ له شُبْهَةٌ فيسعى في إزالتِها، يقولُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: «إنَّ امرأةً يقالُ لها: أمُّ مَرْوانَ ارتدَّت عن الإسلامِ، فأمَرَ النَّبيُّ ﷺ أن يُعْرَضَ عليها الإسلامُ، فإن تابت وإلَّا قُتِلَتْ» (¬١).\rوأُتِيَ عليٌّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابنَ عباسٍ ﵄ فقال: لو كنتُ أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ»، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (¬٢).\rوعندما ولَّى النَّبيُّ ﷺ أبا موسى الأشعريَّ ﵁ على اليَمنِ، أَتْبَعَه بمعاذِ بنِ جبلٍ ﵁، فلمَّا قَدِمَ عليه، قالَ: انزلْ، وألقى له وسادةً، وإذا رجلٌ عنده مُوثَقٌ، فقال معاذٌ: «ما هذا؟»، قالَ: كانَ يهوديًّا فأَسْلَمَ ثمَّ تَهَوَّدَ، قالَ: اجلسْ، فقال معاذٌ: «لا أجلسُ حتَّى يُقْتَلَ، قضاءُ اللهِ ورسولِه»، فقال أبو موسى: نعمِ، اجلسْ، قالَ: «لا أجلسُ حتَّى يُقْتَلَ قضاءُ اللهِ ورسولِه» -ثلاثَ مرَّاتٍ- فأمَرَ به أبو موسى فقُتِلَ (¬٣).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ تاركِ الصَّلاة\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَارِكُ الصَّلَاةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:\rأَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْرُكَهَا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِوُجُوبِهَا؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ","footnotes":"(¬١) رواه الدَّارقطنيُّ (٣٢١٥)، والبيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٦٦٤٣).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٨٥٤).\r(¬٣) رواه البخاري (٦٥٢٥)، ومسلم (١٧٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355009,"book_id":264,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":404,"body":"الْمُرْتَدِّ»، من تَرَكَ الصَّلاةَ جاحدًا لوجوبِها فحُكمُه حُكمُ المرتدِّ؛ يُستتابُ ويُطْلَبُ منه أن يصلِّيَ معلِنًا اعتقادَه بوجوبِها، فإن امْتَنَعَ قُتِلَ وحُكِمَ بكفْرِه، فلا يُغَسَّلُ ولا يُكَفَّنُ ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ في مقابرِ المسْلمينَ. ودليلُ ذلك حديثُ بُريدةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّانِي: أَنْ يَتْرُكَهَا كَسَلًا مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا؛ فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَصَلَّى وَإِلَّا قُتِلَ حَدًّا، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ»، من تَرَكَ الصَّلاةَ كسلًا وهو معتقِدٌ لوجوبِها؛ فالمشهورُ في مَذهبِ الشَّافعيَّةِ أنَّه لا يَكْفُرُ، ولكنَّه يُسْتَتَابُ، فإن تابَ وصلَّى وإلَّا قُتِلَ حدًّا؛ أيْ: عقوبةً، وحُكِمَ بإسلامِه، فيُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ ويصلَّى عليه، ويُدْفَنُ في مقابرِ المسْلمينَ، وحَمَلُوا قولَه ﷺ في الحديثِ السَّابقِ: «مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»؛ على من تَرَكَها جحودًا (¬٢).\rوالله تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٢٩٨٧)، والترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٣)، وابن ماجه (١٠٧٩)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ».\r(¬٢) هذا كما قلت المشهورُ في مذهبِ الشَّافعيَّةِ؛ ولكنَّ الصَّحيحَ أنَّ الشَّافعيَّ ﵀ يقولُ بكفرِ تاركِ الصَّلاةِ، فقد ذَكَرَ أبو جعفر الطَّحاويُّ ﵀ الاختلافَ في حكمِ تاركِ الصَّلاةِ -إذا كان مقرًّا بفرضيَّتِها- في كتابِه «مشكل الآثار» (٨/ ٢٠٥)، فقالَ: «وقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ في تاركِ الصَّلاةِ كما ذكرْنا فجعلَه بعضُهم بذلك مرتدًّا عن الإسلامِ، وجعلَ حكمَه حكمَ من يُستتابُ في ذلك، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ، منهم الشَّافعيُّ، ومنهم من لم يجعلْه بذلك مرتدًّا، وجعلَه من فاسقي المسْلمينَ وأهلِ الكبائرِ منهم، وممَّن قال بذلك أبو حنيفةَ ﵀ وأصحابُه»، وأبو جعفرٍ الطَّحاويُّ هو ابنُ أختِ المزنيِّ ﵀، والمزنيُّ من عِلْيَةِ أصحابِ الشَّافعيِّ، وهو الذي غسَّله عندَ موتِه، ولا يتقدَّمُه أحدٌ من أصحابِ الشَّافعيِّ، حتَّى قال فيه الشَّافعيُّ: المزني ناصر مذهبي، وقد أَخَذَ الطَّحاويُّ مذهبَ الشَّافعيِّ عن خالِه المُزنيِّ، ثم انتَقلَ لمذهبِ أبي حنيفةَ، وهو من أبصرِ النَّاسِ بالشَّافعيِّ وباختلافِ العلماءِ، وقد ذَكَرَ ذلك أيضًا في كتابِه «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٣٩٣)، وهذا القولُ هو الصَّحيحُ، فقد روى مسلم في «صحيحه» (٨٢)، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، ولا يُمْكِنُ حملُ هذا الحديثِ على تركِ الجحودِ، وذلك لأنَّ تركَ الجحودِ يَشتركُ فيه مع الصَّلاةِ جميعُ أركانِ الإسلامِ، وكذلك ما كان معلومًا من الدِّينِ بالضَّرورةِ، فتخصيصُ الصَّلاةِ دونَ غيرِها يَدُلُّ على أنَّهُ يكفُرُ بمجرَّدِ التَّركِ وإن لم يكنْ جاحدًا، وإلَّا فما الفائدةُ من تخصيصِ الصَّلاةِ في الحديثِ؟!","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355010,"book_id":264,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":405,"body":"كتابُ الجِهَاد\rالجهادُ في اللُّغةِ: بذلُ الجُهْدِ -وهو الوسعُ والطَّاقةُ- للوصولِ إلى المطلوبِ.\rوفي الاصطلاحِ: بذلُ الجُهْدِ في قتالِ الكُفَّارِ؛ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا.\rوالقصدُ منَ الجهادِ دعوةُ غيرِ المسلمينَ إلى الإسلامِ، أو الدُّخولُ في ذمَّةِ المسلمينَ ودفعُ الجزيةِ، وجريانُ أحكامِ الإسلامِ عليهم، وبذلك ينتهي تعرُّضُهم للمسلمينَ، واعتداؤُهم على بلادِهم، ووقوفُهم في طريقِ نشرِ الدَّعوةِ الإسلاميةِ، وينقطعُ دابرُ الفسادِ، قالَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355011,"book_id":264,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":406,"body":"تعالى: ﴿وقاتِلُوهم حتَّى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدينُ للهِ فإنْ انتهوا فلا عدوانَ إلا على الظَّالمينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقالَ تعالى: ﴿هو الذي أرسلَ رسولَه بالهُدى ودينِ الحقِّ ليظهرَه على الدِّينِ كلِّه ولو كرهَ المشركون﴾ [التوبة: ٣٣].\rوقد مضَتْ سُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ وسيرتُه، وسيرةُ الخلفاءِ الراشدينَ منْ بعدِه على جهادِالكُفَّارِ، وتخييرِهم بينَ ثلاثةِ أمورٍ مرتبةٍ، وهي: قَبولُ الدخولِ في الإسلامِ، أو البقاءُ على دينِهم معَ أداءِ الجزيةِ، وعقدِ الذِّمَّةِ، فإنْ لم يقبلوا، فالقتالُ.\rوالجهادُ في سبيلِ اللهِ منْ أعظمِ الطَّاعاتِ، وأفضلِ القُرُباتِ، وقدْ وردَ في فضلِه والحثِّ عليه، والتَّحذيرِ منْ تعطيلِه ما لا يُحصى منَ النُّصوصِ القرآنيةِ والأحاديثِ النَّبويةِ، قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢].\rوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩].\rوقالَ أبو هريرةَ ﵁ سُئِل النَّبيُّ ﷺ: أيُّ العملِ أفضلُ؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355012,"book_id":264,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":407,"body":"قالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»، قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (¬١).\rوعنْ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (¬٢).\rوعنْ أبي عَبْسٍ عبدِ الرحمنِ بنِ جَبرٍ الأنصاريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (¬٣).\rوعنْ عمرانَ بنِ حصينٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَقِيَامُ رَجُلٍ فِي الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللهِ سَاعَةً، أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» (¬٤).\rوقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄ سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (¬٥).\rوالجهادُ على نوعينِ:\rالأوَّلُ: جهادُ الطَّلبِ؛ أي: طلبِ الكُفَّارِ في بلادِهم، وهو","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٨٨٠).\r(¬٣) رواه البخاري (٨٦٥).\r(¬٤) رواه الخطيبُ في «تاريخِ بغدادَ» (١١/ ٥٩٥)، وصحّحه السيوطيُّ في «الجامعِ الصغيرِ» (٧٣٠٢).\r(¬٥) رواه أحمدُ (٥٠٠٧)، وأبو داودَ (٣٤٦٢)، وذكره ابنُ عبدِ الهاديِّ في «المحرَّرِ في الحديث» (ص: ٤٨٧)، وقالَ: «ورجالُ إسنادِه رجالُ الصَّحيحِ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355013,"book_id":264,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":408,"body":"فرضُ كفايةٍ، قالَ أبو إسحاقَ الشيرازيُّرحمه الله: «وأقلُّ ما يُجزئُ في كلِّ سنةٍ مرَّةٌ؛ لأنَّ الجزيةَ تجبُ في كلِّ سنةٍ مرةً، وهى بدلٌ عنِ القتلِ، فكذلك القتلُ، ولأنَّ في تعطيلِه أكثرَ منْ سنةٍ ما يُطمِعُ العدوَّ في المسلمينَ، فإنْ دعَتِ الحاجةُ في السَّنةِ إلى أكثرَ منْ مرةٍ وجبَ؛ لأنَّه فرضٌ على الكفايةِ، فوجبَ منه ما دعَتِ الحاجةُ إليه، فإنْ دعَتِ الحاجةُ إلى تأخيرِه لضعفِ المسلمينَ أو قلَّةِ ما يحتاجُ إليه منْ قتالِهم منَ العُدَّةِ أو للطَّمعِ في إسلامِهم، جازَ تأخيرُه» (¬١).\rالثَّاني: جهادُ الدَّفعِ؛ أيْ: دفعِ الكُفَّارِ إذا هجمُوا على قومٍ منَ المسلمينَ بغتةً، فيتعيَّنُ عليهم الدفعُ ولو كانَ امرأةً أو صبيًّا، أو هجمَ على مَنْ بِقُرْبِهم ممَّنْ هم دونَ مسافةِ القصرِ، وليسَ لهم قدرةٌ على دفعِهم، وكذلك يَلزِمُ مَنْ على مسافةِ القصرِ إذا لم تحصلِ الكفايةُ، والمرادُ أنَّ النفيرَ يعمُّ جميعَ المسلمينَ ممَّنْ كانَ مِنْ أهلِ القتالِ حينَ الحاجةِ لمجيءِ العدوِّ إليهم، ولا يجوزُ لأحدٍ التَّخلُّفُ إلَّا مَنْ يُحتاجُ إلى تخلُّفِه لحفظِ المكانِ والأهلِ والمالِ (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ سَبْعُ خِصَالٍ:\r١ - الْإِسْلَامُ»، فلا جِهادَ على الكافرِ، ولو كانَ ذِميًّا؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولأنَّه يبذلُ الجزيةَ؛ ليدافعَ المسلمونَ عنه.","footnotes":"(¬١) «المهذَّب في فقهِ الإمامِ الشافعي» (٢/ ٢٢٧).\r(¬٢) «الإقناع في حلِّ ألفاظِ أبي شُجاع» (٢/ ٥٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355014,"book_id":264,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":409,"body":"٢، ٣ - «وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ»، فلا جهادَ على صبيٍّ، ولا مجنونٍ؛ لعدمِ تكليفِهما، وقد سبقَ حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬١).\rوقالَ عبدُ اللهَ بنُ عمرَ ﵄: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أربعَ عشْرَةَ سَنَةً فلم يُجِزْنِي، وعُرِضتُ يومَ الخندقِ، وأنا ابنُ خمسَ عَشْرَةَ سَنَةً فأجازَني» (¬٢).\r٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا جهادَ على العبدِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾ [الصف: ١١]، ولا مالَ للعبدِ، ولا نفسَ يملِكُها، فلم يشملْه الخِطابُ، حتَّى لو أمرَه سيِّدُه لم يَلْزَمْهُ؛ لأنَّه ليسَ منْ أهلِ هذا الشَّأنِ، وليسَ القتالُ منَ الاستخدامِ المُستحَقِّ للسَّيِّدِ؛ لأنَّ المُلكَ لا يقتضي التَّعرُّضَ للهلاكِ.\r٥ - «وَالذُّكُورِيَّةُ»، فلا يجبُ على النِّساءِ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّها استَأذَنَتِ النَّبيَّ ﷺ في الجهادِ، فقالَ: «جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ» (¬٣).\r٦ - «وَالصِّحَّةُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]، فلا يجبُ الجهادُ","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابنُ خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصحَّحَه، وأقرَّه الذَّهبي.\r(¬٢) رواه البخاري (٢٥٢١)، ومسلم (١٨٦٨).\r(¬٣) رواه البخاري (٢٧٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355015,"book_id":264,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":410,"body":"على أعمى ولا على ذي عَرَجٍ بَيِّنٍ؛ لأنَّ مقصودَ الجهادِ البطشُ والنِّكايةُ، وهو مفقودٌ فيهما.\r٧ - «وَالطَّاقَةُ عَلَى الْقِتَالِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]، فلا يجبُ الجهادُ على الضَّعيفِ، وكذلك المريضُ، ولا على عادمِ أُهبَةِ القتالِ مِنْ نفقةٍ أو سلاحٍ، وكذا مركوبٍ إنْ كانَ سفرَ قصْرٍ، فإنْ كانَ دونَه لزمَه إنْ كانَ قادرًا على المشيِ.\rولو كانَ القتالُ على بابِ دارِه أو حولَه سقطَ اعتبارُ المؤَنِ، وكذلك إذا دخلَ الكفَّارُ بلدةً منْ بلادِ المسلمينَ؛ فإنَّه يتعينُ على أهلِها الدَّفعُ، ويكونُ الجِهادُ حينَئذٍ فرضَ عينٍ عليهم؛ سواءٌ أمكنَ تأهُّبُهم لقتالٍ أم لا، فَمَنْ قُصِدَ دفَعَ عنْ نفسِه بالمُمكنِ إنْ عَلمَ أنَّه إنْ أُخِذَ قُتِلَ، وإنْ جوَّزَ الأسرَ فلَه أنْ يستسلمَ وله أنْ يَدفعَ. والمرأةُ إنْ علمَتِ امتدادَ الأيدي إليها بالفاحشةِ فعليها الدَّفعُ وإنْ قُتِلَتْ، ويتعيَّنُ الجهادُ -أيضًا- على مَنْ هم دونَ مسافةِ قصرٍ منَ البلدةِ التي دخلَها الكفَّارُ، فيجبُ عليْهمُ المضيُّ إليهم وإنْ كانَ في أهلِها كفايةٌ؛ لأنَّهم كالحاضرينَ معَهم، فيجبُ على كلٍّ ممن ذكر؛ حتى على فقيرٍ وولدٍ ومَدِينٍ ورقيقٍ، بلا إذنٍ من الأصلِ، وربِّ الدينِ، والسيدِ، ويلزمُ الذينَ على مسافةِ القصرِ المضيُّ إليهم عندَ الحاجةِ بقدرِ الكفايةِ؛ دفعًا عنهم وإنقاذًا لهم منَ الهلَكةِ، فيصيرُ فرضَ عينٍ في حقِّ مَنْ قَرُبَ، وفرضَ كفايةٍ في حقِّ مَنْ بَعُدَ (¬١).","footnotes":"(¬١) «الإقناع في حلِّ ألفاظِ أبي شُجاع» (٢/ ٥٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355016,"book_id":264,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":411,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ أُسِرَ مِنَ الْكُفَّارِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:\r١ - ضَرْبٌ يَكُونُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ، وَهُمُ الصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ»، ومَنْ أُسِرَ مِنَ الكُفَّارِ، فعلى ضَرْبينِ: ضربٌ لا تخييرَ فيه للإمامِ، بل يصيرُ رقيقًا بنفسِ السَّبْيِ، وهمُ الصِّبيانُ والنِّساءٍ، وكذلك المجانينُ والعبيدُ، ويكونونَ كسائرِ أموالِ الغنيمةِ، الخُمْسُ لأهلِه، والباقي للغانمينَ؛ على ما سيأتي تفصيلُه عندَ الكلامِ على الغنيمةِ، في الفصلِ التَّالي -إنْ شاءَ اللهُ تعالى- ويحْرُمُ قتلُ النِّساءِ والصِّبيانِ؛ إلَّا إذا قاتلوا، يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَرضي الله عنهما: «وُجِدَتْ امرأةٌ مقتولةٌ في بعضِ مغازي رسولِ اللهِ ﷺ، فنهى رسولُ اللهِ ﷺ عن قتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ» (¬١).\rوفي روايةٍ أنَّه ﷺ قالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ»، ثُمَّ نهى عنْ قتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ (¬٢).\r٢ - «وَضَرْبٌ لَا يَرِقُّ بِنَفْسِ السَّبْيِ، وَهُمُ الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ»، الضَّربُ الثَّاني مِنْ أسرى الكُفَّارِ، لا يَرِقُّ بنفسِ السَّبيِ، وهمُ الرِّجالُ الأحرارُ البالغونَ العقلاءُ، ويخيَّرُ الإمامُ فيهم بينَ أربعةِ أشياءَ، يختارُ منها الأحظَّ للإسلامِ والمسلمينَ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:\r١ - الْقَتْلُ»، وقد قَتلَ النَّبيُّ ﷺ عقبةَ بنَ أبي معيطٍ،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٧٤٤).\r(¬٢) رواه أحمد (٥٩٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355017,"book_id":264,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":412,"body":"والنَّضرَ بنَ الحارثِ، صبرًا يومَ بدرٍ، وذلك لشدَّةِ عداوتِهما للهِ ورسولِه وللمسلمينَ (¬١).\r٢ - «وَالِاسْتِرْقَاقُ»؛ لحديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ ﵄ قالَ: «كانَتْ ثقيفُ حُلفاءَ لبَنيْ عُقَيْلٍ، فأسرَتْ ثقيفُ رجلينِ منْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأسرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ رجلًا منْ بَني عُقَيْلٍ ... فَفُدِيَ بالرَّجلينِ» (¬٢).\r٣ - «وَالْمَنُّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وقد مَنَّ النَّبيُّ ﷺ على أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ زوجِ ابنتِه زينبَ ﵂، وكانَ قد أُسِرَ يومَ بدرٍ (¬٣)،\rثُمَّ أسلمَ بعدَ ذلك ﵁، وكذلك مَنَّ على أبي عزةَ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو الجمحيِّ، وكانَ قدْ عاهدَ النَّبيَّ ﷺ على أنْ لا يحرِّضَ عليه، ولا يهجوَه، فلمَّا لحِقَ بقومِه رجعَ إلى التَّحريضِ والهجاءِ، ثُمَّ خرجَ معَهم لقتالِ النَّبيِّ ﷺ في غزوةِ أُحُدٍ فَأُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ (¬٤).","footnotes":"(¬١) «السُّنن الكبرى» للبيهقيِّ (١٨٠٢٥).\r(¬٢) رواه مسلم (١٦٤١).\r(¬٣) رواه أحمد (٢٦٤٠٥)، وفيه: أنَّ زينبَ بنتَ رسولِ اللهِ ﷺ بعثَتْ في فدائِه بمالٍ، وبعثَتْ فيه بقلادةٍ لها، كانَتْ لأُمِّها خديجةَ ﵂ أدخلَتْها بها على أبي العاصِ حينَ بَنَى عليها، فلمَّا رآها النَّبيُّ ﷺ رقَّ لها رِقَّةً شديدةً، وقالَ ﷺ: «إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِى لَهَا فَافْعَلُوا»، فقالوا: نَعمْ يا رسولَ اللهِ، فأطلقوه ورَدُّوا عليها الذي لها ..\r(¬٤) كانَ أبو عزةَ مِنْ أُسَارَى بدرٍ، وكان شاعرًا، قال للنَّبيِّ ﷺ: يا محمَّدُ، إنَّ لي خمسَ بناتٍ ليس لهُنَّ شيءٌ، فتصدَّقْ بي عليْهنَّ، وأُعطِيك موثقًا أنْ لا أقاتلَكَ، ولا أُكَثِّرَ عليك أبدًا، فَرَقَّ له النَّبيُّ ﷺ، وعفا عنه، فلمَّا أتى مكةَ هجا النَّبيَّ ﷺ، وحرَّضَ المشركينَ عليه، ولمَّا خرجتْ قريشٌ إلى أُحُدٍ جاءَه صفوانُ بنُ أميَّةَ، فأبى أنْ يخرجَ معَهم، فلم يزلْ به صفوانُ حتّى خرجَ، فأُسِرَ، ولم يُؤسرْ غيرُه مِنْ قُريشٍ، فقالَ: يا محمَّدُ، إنما أُخرِجْتُ كَرْهًا، ولي بناتٌ، فامْنُنْ عليَّ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «أَيْنَ مَا أَعْطَيْتَنِى مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ؟! لَا وَاللهِ، لَا تَمْسَحُ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ»، ثُمَّ أَمرَ عاصمَ بنَ ثابتٍ ﵁ فضَربَ عنقَه. رواه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٧٨٠٨)، وأصلُه في «صحيح مسلم» (٢٩٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355018,"book_id":264,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":413,"body":"٤ - «وَالْفِدْيَةُ بِالْمَالِ أَوْ بِالرِّجَالِ»، كما فادى النَّبيُّ ﷺ بعضَ أهلِ بدرٍ بالأموالِ، وكانَ فداؤُهم مُتفاوتًا، فأقلُّ ما أخذَ أربعُمائةٍ، ومنهم مَنْ أَخذَ منه أربعينَ أوقيةً مِنْ ذَهَبٍ، وأَخذَ مِنْ عمِّه العبَّاسِ ﵁ مائةَ أوقيةٍ مِنْ ذَهَبٍ؛ لئلَّا يُحابيَه لكونِه عمَّه، معَ أنَّه قدْ سألَه الذينَ أسَرُوه منَ الأنصارِ أنْ يتركوا له فداءَه فأبى ﷺ عليهم ذلك، وقالَ: «لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا» (¬١)، قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «وكانَ ناسٌ منَ الأسرى يومَ بدْرٍ لم يكنْ لهم فداءٌ، فجعلَ رسولُ اللهِ ﷺ فداءَهم أنْ يُعلِّموا أولادَ الأنصارِ الكتابةَ»، قالَ: «فجاءَ يومًا غلامٌ يبكي إلى أبيه، فقالَ: ما شأنُك؟ قالَ: ضربَني معلِّمِي، قالَ: الخبيثُ، يطلبُ بذَحْلِ بدْرٍ، واللهِ لا تأتيه أبدًا (¬٢).\rوقد فادى النَّبيُّ ﷺ -أيضًا- رجلينِ منْ أصحابِه برجُلٍ منْ بَني عُقَيْلٍ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٤٠٠).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٢١٦)، والذَّحْلُ: الثَّأرُ.\r(¬٣) رواه مسلم (١٦٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355019,"book_id":264,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":414,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ»؛ أيْ: يختارُ منْ هذه الأربعةِ: القتلِ والاسترقاقِ والمنِّ والفديةِ بالمال أو بالرِّجالِ ما فيه المصلحةُ للإسلامِ والمسلمينَ، ويكونُ ذلك بالاجتهادِ لا بالتَّشهِّي.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْأَسْرِ أَحْرَزَ مَالَهُ وَدَمَهُ وَصِغَارَ أَوْلَادِهِ»، مَنْ أسلمَ منَ الكُفَّارِ قبلَ أسرِه والظَّفَرِ بِه عَصمَ دمَه ومالَه وصغارَ أولادِه؛ لأنَّهم يتْبَعون أباهم في الدِّينِ، قالَ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (¬١).\rوكذلك المرأةُ إذا أسلمَتْ قبلَ الأسْرِ؛ فإنَّها تَعصمُ نفسَها منَ السَّبيِ، وكذلك تعصمُ مالَها وأولادَها الصِّغارَ؛ لأنَّ الصِّغارَ يتْبَعون مَنْ أسلمَ منَ الأبوَينِ؛ لأنَّه لا وصايةَ لكافرٍ على مسلمٍ.\rوقولُ المصنِّفِرحمه الله: «وَصِغَارَ أَوْلَادِهِ»؛ احترازًا منَ الزَّوجةِ والأولادِ البالغين؛ لاستقلالِهم بالإسلامِ.\rولو أُسِرَ مُكَلَّفٌ ثُمَّ أسلمَ عصمَ الإسلامُ دمَه، فيحْرُمُ قتلُه، ويخيَّرُ الإمامُ فيه بينَ الأمورِ الثَّلاثةِ الأُخرى: الاسترقاقِ، أو المنِّ، أو الفداءِ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355020,"book_id":264,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":415,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَيُحْكَمُ لِلصَّبِيِّ بِالْإِسْلَامِ عِنْدَ وُجُودِ ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ:\r١ - أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ»، فيُنسَبُ إليه، مراعاةً لمصلحةِ الصَّغيرِ، ولأنَّه لا وصايةَ لكافرٍ على مسلمٍ، ولأنَّ الإسلامَ صفةُ كمالٍ وشرفٍ وعلوٍّ قالَ ﷺ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» (¬١).\r٢ - «أَوْ يَسْبِيَهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ»، فيحكمُ بإسلامِه تبعًا لسابيه؛ لأنَّ له عليه ولايةً، وليس معَه مَنْ هو أقربُ إليه منه، فيتبعُه كالأبِ.\r٣ - «أَوْ يُوجَدَ لَقَيطًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ»، ولو كانَ فيها أهلُ ذمَّةٍ، وذلك لما سبقَ منْ مراعاةِ مصلحةِ الصَّغيرِ، ولأنَّ الإسلامَ صفةُ كمالٍ وعلوٍّ وشرفٍ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الغَنِيمَة\rالغنيمةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ منَ الغُنْمِ، وهو الرِّبْحُ.\rوفي الاصطلاحِ: ما أُخِذَ مِنَ الكُفَّارِ في الحربِ عَنْوَةً.\rوالأصلُ في مشروعيتِها قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].\rوقد كانَتْ محرمةً في الشَّرائعِ السَّابقةِ، وإنَّما أُبيحَتْ للنَّبيِّ ﷺ","footnotes":"(¬١) رواه الدار قطني (٣٦٢٠)، والبيهقي في «السُّنن الكبرى» (١١٩٣٥)، وقال: «قال الحسنُ وشريحٌ وإبراهيمُ وقتادةُ إذا أسلمَ أحدُهما فالولدُ معَ المسلمِ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355021,"book_id":264,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":416,"body":"وأمَّتِهِ خاصَّةً، وقد سبقَ حديثُ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي»، وفيه: «وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا أُعْطِيَ سَلَبَهُ»؛ لحديثِ أبي قتادةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّصلى الله عليه وسلم قالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» (¬٢).\rوالسَلَبُ: ما وُجدَ معَ القتيلِ منْ مالٍ ولباسٍ ودابةٍ وسلاحٍ، والبيِّنةُ: الدَّلالةُ أو الشهودُ الذين يشهدونَ له بقتْلِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَخْمَاسٍ، فَيُعْطَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ: لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ العقيليِّ أنَّ رجلًا سألَ النَّبيَّ ﷺ عنِ الغنيمةِ؟ فقالَ ﷺ: «للهِ خُمُسُهَا، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِلْجَيْشِ» (¬٣).\rوقالَ ابنُ عمرَ ﵄: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جعلَ للفرسِ سهمينِ، ولصاحبِه سهمًا» (¬٤).\rوفي روايةٍ: «قَسَمَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ خيبرَ للفرسِ سهمينِ، وللرَّاجلِ سهمًا» (¬٥).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٢٨)، ومسلم (٥٢١).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٩٧٣)، ومسلم (١٧٥١).\r(¬٣) رواه البيهقي في «السُّنن الكبرى» (١٢٨٦٢).\r(¬٤) رواه البخاري (٢٧٠٨)، ومسلم (١٧٦٢).\r(¬٥) رواه البخاري (٣٩٨٨)، ومسلم (١٧٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355022,"book_id":264,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":417,"body":"والراجِلُ؛ أيْ: المُقاتلُ على رجلَيهِ.\rقالَ أبو شُجاعٍ ﵀: «وَلَا يُسْهَمُ إِلَّا لِمَنْ اسْتُكْمِلَتْ فِيهِ خَمْسُ شَرَائِطَ: الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالذُّكُورِيَّةُ»؛ لأنَّ الكافرَ والصَّبيَّ والمجنونَ والعبدَ والمرأةَ ليسوا منْ أهلِ فرضِ الجهادِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ رُضِخَ لَهُ وَلَمْ يُسْهَمْ»، إنِ اختلَّ شرطٌ منَ الشُّروطِ الخمسةِ السَّابقةِ؛ بأنْ كانَ مَنْ حضرَ القتالَ صغيرًا، أو مجنونًا، أو رقيقًا، أو أنثَى، أو ذميًّا؛ رُضِخَ له، والرَّضْخُ في اللُّغةِ: العطاءُ القليلُ، وفي الاصطلاحِ: هو ما دونَ السَّهمِ، ويجتهدُ الإمامُ في قدْرِه؛ لأنَّه لم يَرِدْ فيه تحديدٌ، فيرجعُ إلى رأيِه، ويتفاوتُ على قَدْرِ نفعِ المرضَخِ له، فيرجحُ المقاتِلُ ومَنْ قِتالُه أكثرُ على غيرِه، والفارسُ على الراجلِ، والمرأةُ التي تداوي الجرحى وتَسقي العَطاشَى على التي تحفظُ الرِّحَالَ، وذلك بخلافِ سهمِ الغنيمةِ، فإنَّه يستوي فيه المقاتلُ وغيرُه؛ لأنَّه منصوصٌ عليه، والرَّضْخُ بالاجتهادِ لكنْ لا يبلغُ به سهمَ راجلٍ ومحلُ الرَّضْخِ الأخماسُ الأربعةُ؛ لأنَّه سهمٌ منَ الغنيمةِ يُسْتَحَقُّ بحضورِ الوقعةِ؛ إلا أنَّه ناقصٌ، وإنَّما يُرضَخُ للذِّميِّ وما أُلحقَ به منَ الكُفَّارِ إذا حضرَ بلا أُجرةٍ، وكانَ حضورُه بإذنِ الإمامِ، أو أميرِ الجيشِ، وبلا إكراهٍ منه، ولا أثرَ لإذنِ الآحادِ، فإنْ حضرَ بأُجرةٍ فلَه الأُجرةُ، ولا شيءَ له سواها، وإنْ حضرَ بلا إذنِ الإمامِ أو الأميرِ فلا رضْخَ له، بلْ يعزِّرُه الإمامُ إنْ رآه، وإنْ أكرَهَه الإمامُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355023,"book_id":264,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":418,"body":"على الخروجِ استحقَ أجرةَ مثلِه؛ منْ غيرِ سهمٍ ولا رضْخٍ لاستهلاكِ عَمَلِه عليه (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ:\r١ - سَهْمٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يُصْرَفُ بَعْدَهُ لِلْمَصَالِحِ»، الخُمسُ الباقي بعدَ الأخماسِ الأربعةِ -التي تكونُ للغانمينَ- يُقسَمُ على خمسةٍ، وهم المذكورونَ في قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فقولُه تعالى: ﴿فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾؛ هذا هو السهمُ الأولُ، فسهمُ اللهِ والرسولِ ﷺ واحدٌ، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، فقد كانَتْ قبلَ فرضِ الخُمسِ للنَّبيِّ ﷺ يضعُها حيثُ شاءَ، فلمَّا فُرِضَ الخمسُ تَبَيَّنَ أنَّ للغانمين أربعةَ أخماسِ الغنيمةِ، وخُصَّ النَّبيُّ ﷺ بالخُمسِ، فليسَ للغانمين فيه حقٌ، وقد بَوَّبَ الإمامُ البُخاريُّ ﵀ بابًا سمَّاه: «بابُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿فأن لله خمسه وللرسول﴾، يعني: للرسولِ قسمُ ذلك» (¬٢).\rولا يسقطُ هذا السهمُ بوفاتِه ﷺ بل ينفقُه الإمامُ في مصالحِ المسلمينَ، قالَ الخطيبُ الشربينيُّرحمه الله: «فمِنَ المصالحِ سدُّ الثُّغورِ، وشحنُها بالعُددِ والمقاتِلَةِ، وهي مواضعُ الخوفِ منْ أطرافِ بلادِ الإسلامِ التي تليها بلادُ المشركينَ، فيخافُ أهلُها منهم، وعمارةُ","footnotes":"(¬١) «الإقناع في حلِّ ألفاظِ أبي شُجاع» (٢/ ٥٦٤).\r(¬٢) «صحيح البخاري» (٣/ ١١٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355024,"book_id":264,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":419,"body":"المساجدِ والقناطرِ والحصونِ، وأرزاقُ القُضاةِ والأئمةِ والعلماءِ بعلومٍ تتعلقُ بمصالحِ المسلمينَ، كتفسيرٍ وحديثٍ وفقهٍ ومُعلمي القرآنِ والمؤذنينَ؛ لأنَّ بالثُّغورِ حِفْظَ المسلمين؛ ولئلَّا يتعطلَ مَنْ ذُكرَ بالاكتسابِ عنِ الاشتغالِ بهذه العلومِ، وعن تنفيذِ الأحكامِ، وعن التَّعليمِ والتَّعلُّمِ، فيُرزَقون ما يكفيهم؛ ليتفرغوا لذلك» (¬١).\r٢ - «وَسَهْمٌ لِذَوِيِ الْقُرْبَى، وَهُمْ: بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ»؛ لحديثِ جُبيرِ بنِ مطعمٍ ﵁ قال: مشيتُ أنا وعثُمَّانُ بنُ عفَّانَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقلْنا: يا رسولَ اللهِ، أَعطيْتَ بَني المطَّلِبِ وتركْتَنا، ونحنُ وهم منك بمنزلَةٍ واحدةٍ؟ فقالَصلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (¬٢).\rوقولُ جبيرٍ وعثُمَّانَ ﵄: «نحن وهم منك بمنزلةٍ واحدةٍ»؛ أي: مِن حيثُ القرابةُ؛ لأنَّ الجميعَ بنو عبدِ منافٍ، ولكنَّ عثُمَّانَ ﵁ من بَني عبدِ شمسٍ، وجبيرٌ ﵁ من بَني نَوْفَلٍ.\rوقولُ النَّبيِّ ﷺ: «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَىْءٌ وَاحِدٌ»؛ لأنَّه ﷺ لمَّا بُعثَ بالرِّسالةِ آذاه قومُه وهمُّوا به، فقامَتْ بنو هاشمٍ مسلمُهم وكافرُهم دونَه ﷺ، وأبَوا أنْ يسلِّمُوه، فاجتمعَتْ قريشٌ على أنْ يكتبوا فيما بينَهم صحيفةً قاطعوا بموجِبِها بَني هاشمٍ، فلا يُبايعونهم، ولا يُناكحونهم، ولا يُعاملونهم حتَّى يسلِّموا إليهم النَّبيَّ ﷺ ليقتلوه، ثُمَّ حاصروهم بعدَ ذلك، فعمدَ أبو طالبٍ","footnotes":"(¬١) «الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شُجاع» (٢/ ٥٦٥).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٩٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355025,"book_id":264,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":420,"body":"فأدخلَهم الشِّعْبَ؛ شعبَ أبي طالبٍ في ناحيةٍ مِن مكةَ، فدخلَ بَنو المطَّلبِ مسلمُهم وكافرُهم معَ بَني هاشمٍ في الشِّعْبِ ثلاثَ سنينَ، حتَّى أصابَهم مِن ضيقِ الحصارِ والأذى ما أصابَ بَني هاشمٍ، فعرفَ لهم النَّبيُّ ﷺ صنيعَهم وموالاتِهم، وكانَ يقولُ: «إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» (¬١).\r٣ - «وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى»، اليتامى: جمعُ يتيمٍ، وهو كلُّ صغيرٍ لا أبَ له، فإذا بلغَ لم يبقَ يتيمًا؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» (¬٢).\r٤ - «وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ»، والمسكينُ: هو مَنْ له شيءٌ يسدُّ مسدًّا مِنْ حاجتِه؛ لكنَّه لا يكفيه، كمَنْ يحتاجُ إلى عَشرةٍ فلا يجدُ إلا ثمانيةً.\r٥ - «وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ»، وابنُ السَّبيلِ: هو المسافرُ يريدُ أنْ يرجعَ إلى بلدِه، وقدْ فقدَ نفقتَه التي تُبلِّغُه مقصِدَه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الفَيْء\rالفيءُ في اللُّغةِ: الرجوعُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]؛ أيْ: ترجعَ إلى طاعةِ اللهِ، والمرادُ بالرُّجوعِ هنا: رجوعُ مالِ الكُفَّارِ إلى المسلمينَ.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٦٧٨٧)، وأبو داود (٢٩٨٠)، والنسائي (٤١٣٧).\r(¬٢) رواه أبو داود (٢٨٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355026,"book_id":264,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":421,"body":"وفي الاصطلاحِ: كلُّ مالٍ أُخِذَ مِنَ الكُفَّارِ بغيرِ قتالٍ.\rوذلك نحوُ المالِ الذي يتركُه الكفَّارُ فزعًا منَ المسلمين، أو يدفعوه طلبًا للصُّلحِ معَهم، وكذلك الجزيةُ، والأموالُ التي يموتُ عنها مَنْ لا وارثَ له مِنْ أهلِ الذِّمةِ، ومالُ المرتدِّ إذا قُتلَ أو ماتَ.\rودليلُ مشروعيةِ الفيءِ، قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٦، ٧].\rقالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «كانَتْ أمْوالُ بَني النَّضِيرِ ممَا أفَاءَ اللهُ عَلى رسُولِه ﷺ مِمَّا لَم يُوجِفِ المُسْلمُونَ علَيْه بخيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فكانَتْ لرسولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، وكانَ يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ نفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعلُ مَا بَقيَ في السلاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سبيلِ اللهِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُقْسَمُ مَالُ الْفَيْءِ عَلَى خَمْسِ فِرَقٍ، يُصْرَفُ خُمُسُهُ عَلَى مَنْ يُصْرَفُ عَلَيْهِمْ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ، وَيُعْطَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَفِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ»، يُقسمُ مالُ الفيءِ على","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٧٤٨)، ومسلم (١٧٥٧)، وقولُه ﵁: «يوجفُ»؛ منَ الإيجافِ، وهو الإسراعُ في السَّيرِ، و «الركابُ» الإبلُ، والمعنى: لم يبذلوا في أموالِ بَني النَّضيرِ سعيًا لا بالخيلِ ولا بالإبلِ، و «خاصَّةً»؛ اختصَّ بها ولم يشاركْه فيها أحدٌ، و «الكُراَعُ»: الخيلُ التي تُعدُّ للجهادِ، و «عدةً»؛ أي: استعدادًا للجهادِ، والعُدَّةُ: كلُّ ما يُعدُّ للحوادثِ مِنْ سلاحٍ وغيرِه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355027,"book_id":264,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":422,"body":"خمسةِ أقسامٍ متساويةٍ، فيُصرَفُ أحدُها على مَنْ يُصرفُ عليهم خُمُسُ الغنيمةِ، وقد مرَّ الكلامُ عليهم في الفصلِ السابقِ، وأما الأربعةُ أخماسٍ الباقيةُ، والتي كانَت لرسولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ منها نفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعلُ مَا بَقِيَ في السلاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سبيلِ اللهِ؛ فإنَّها بعدَ وفاتِه ﷺ تُصرفُ للمُقاتِلةِ، وهمُ الجندُ المنقطعونَ لرصدِ العدوِّ وحمايةِ الثُّغورِ، ويكونُ ذلك بتعيينِ الإمامِ لهم، وإثباتِ أسمائِهم في الديوانِ، بعدَ أنْ تجتمعَ فيهم شروطٌ؛ وهي: الإسلامُ، والتَّكليفُ، والحريةُ، والصِّحةُ، وهؤلاءِ الجندُ يُقالُ لهم: مُرتَزِقةٌ؛ لأنَّهم أرصدوا أنفسَهم للذَّبِّ عن الدِّينِ، وطلبوا الرزقَ مِن مالِ اللهِ، فيفرقُ الإمامُ عليهم الأخماسَ الأربعةَ على قدْرِ حاجاتِهم، وكذلك يصرفُ مِن هذه الأربعةِ أخماسٍ على مصالحِ المسلمين منْ إصلاحِ الحصونِ وعلى السِّلاحِ وآلاتِ القتالِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الجِزْيَة\rالجزيةُ في اللُّغةِ: مشتقةٌ منَ الجزاءِ، بمعنى القضاءِ، يقالُ: جزيتُ دَيني؛ أيْ: قضيتُه، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]؛ أيْ: لا تَقضي، قالَ النَّوويُّ ﵀: «كأنَّها جزاءُ إسكانِنا إياهُ في دارِنا، وعصمتُنا دمَه، ومالَه، وعيالَه» (¬١).","footnotes":"(¬١) «تهذيب الأسماءِ واللغات» (٣/ ٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355028,"book_id":264,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":423,"body":"وفي الاصطلاحِ: مالٌ يلتزمُه كافرٌ مخصوصٌ، بعقدٍ مخصوصٍ.\rوالمرادُ بـ «كافرٌ مخصوصٌ»؛ أيْ: مَنْ له كتابٌ أو شُبهةُ كتابٍ، والمرادُ بـ «عقدٍ مخصوصٍ»؛ أيْ: بشروطٍ وضوابطَ، وسيذكرُها المصنِّفُ قريبًا إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\rودليلُ مشروعيةِ الجزيةِ قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\rوفي حديثِ عمرِو بنِ عوفٍ الأنصاريِّرضي الله عنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثَ أبا عبيدةَ بنَ الجراحِ ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتِها» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ خَمْسُ خِصَالٍ:\r١، ٢ - الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ»، فلا جزيةَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ؛ لعدمِ تكليفِهما، وقد سبقَ حديثُ عليٍّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٩٨٨)، ومسلم (٢٩٦١).\r(¬٢) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابنُ خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصححَه، وأقرَّه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355029,"book_id":264,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":424,"body":"٣ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا جزيةَ على رقيقٍ؛ لأنَّ العبدَ ومالَه لسيدِه.\r٤ - «وَالذُّكُورَةُ»، فلا جزيةَ على غيرِ الذُّكورِ؛ لحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِرضي الله عنه: «أنَّه كتبَ إلى عمَّالِه أنْ لا يَضْرِبُوا الجزْيةَ على النِّساءِ والصبيانِ» (¬١).\r٥ - «وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِمَّنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ»، فلا تُقبلُ الجزيةُ إلا ممَّنْ كانَ له كتابٌ، كاليهوديِّ والنصرانيِّ؛ لقولِه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فاشترطَ ﷾ في قَبولِ الجزيةِ أنْ تكونَ ممَّنْ له كتابٌ، وكذلك تقبلُ ممَّنْ له شُبهةُ كتابٍ لحديثِ بَجَالَةَ بنِ عَبْدَةَ التَّميميِّ أنَّ عمرَ ﵁ لم يكَنْ ليأخذَ الجِزْيَةَ مِنَ المجوسِ، حتَّى شهدَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخذَها مِنْ مجوسِ هَجَرَ» (¬٢).\rوقد روُجعَ عليٌّ ﵁ فيهم، فقالَ: «واللهِ ما على الأرضِ اليومَ أحدٌ أعلمُ بذلك منِّي، إنَّ المجوسَ كانوا أهلَ كتابٍ يعرفونه، وعِلمٍ يدرسونه، فشربَ أميرٌ لهم الخمرَ فسكِرَ، فوقعَ على أختِه،","footnotes":"(¬١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٩٢٦٢)، (٣٢٦٤٠)، والبيهقيّ في «السننِ الكبرى» (١٨٦٨٣)، وابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيدِ» (٢/ ١١٩).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٩٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355030,"book_id":264,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":425,"body":"فرآه نفرٌ منْ أهلِ مملكتِه، فلما أصبحَ قالَتْ أختُه: إنَّك قد صنعْتَ كذا وكذا، وقد رآك نفرٌ لا يسترون عليك، فدعا أهلَ الطمعِ وأعطاهم، ثُمَّ قالَ لهم: قد علمْتُم أنَّ آدمَ أنكحَ بَنِيهِ بناتَه، فجاءَ أولئِكَ الذين رأَوه فقالوا: ويلًا للأبعدِ، إنَّ في ظهرِك حدًّا للهِ، فقتلَهم أولئِك الذين كانوا عندَه، ثُمَّ جاءَتِ امرأةٌ، فقالَتْ له: بلْ قد رأيتُك، فقالَ لها: ويحًا لبغيِّ بَنيْ فُلانٍ، قالَتْ: أجلْ، واللهِ لقد كنْتُ بغيًّا ثُمَّ تبْتُ، فقتلَها، ثُمَّ أُسرِيَ على ما في قلوبِهم، وعلى كتبِهم فلم يصبحْ عندَهم شيءٌ» (¬١).\rأما مَنْ لم يكنْ له كتابٌ، ولا شبهةُ كتابٍ، كعَبَدةِ الأصنامِ، والنيرانِ، والشمسِ، والقمرِ، والكواكبِ، ونحوِهم فلا تُعقدُ لهم الذِّمَّةُ، ولا تُقبلُ منهم الجزيةُ، بل يُقاتَلون حتَّى يُسلِموا، أو يُقتَلوا، قالَ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ فِي كُلِّ حَوْلٍ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَانِ، وَمِنَ الْمُوسِرِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ»؛ لحديثِ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ الثقفيِّ ﵀: «وضعَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁","footnotes":"(¬١) رواه الشافعي في «الأم» (٤/ ١٨٣)، وعبدُ الرزاقِ في «المصنَّفِ» (١٠٠٢٩)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٨٤٣٠)، وفي «تحفة الحبيبِ على شرح الخطيبِ» (٥/ ١٦٢): «إنَّه أُرسلَ إليهم نبيٌّ يقالُ له: زَرَادُشْت، وكانَ له كتابٌ، فلما بدَّلوه رُفعَ، ومعنى كونِهم لهم شبهةُ كتابٍ؛ أنَّهم يزعمون أنَّ لهم كتابًا باقيًا، وليسَ كذلك».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355031,"book_id":264,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":426,"body":"-يعني في الجزيةِ على رؤوسِ الرِّجالِ- على الغنيِّ ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى الوسطِ أربعةً وعشرين، وعلى الفقيرِ اثني عشرَ درهمًا» (¬١)، وكان صرفُ الدينارِ يساوي اثني عشرَ درهمًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِمُ الضِّيَافَةُ فَضْلًا عَنْ مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ»، يجوزُ للإمامِ أنْ يشرطَ على أهلِ الذِّمَّةِ إذا صُولحوا في بلدِهم ضيافةَ مَنْ يمرُّ بهم مِنَ المسلمينَ زيادةً على الجزيةِ؛ إذا رَضوا بذلك، وتجعلُ على الغنىِّ والمتوسطِ لا على الفقيرِ؛ لأنَّها قد لا تتيسرُ له، ويجعلُ ذلك ثلاثةَ أيامٍ فأقلَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ: «ضربَ على نصارَى أيلةَ ثلاثَمائةِ دينارٍ كلَّ سنةٍ، وأنْ يُضيِّفُوا مَن مرَّ بهم منَ المسلمين ثلاثًا» (¬٢).\rقالَ الشافعيُّ ﵀: «ولا يجوزُ أنْ يحملَ على الرجلِ منهم في اليومِ والليلةِ ضيافةً إلا بقدرِ ما يحتملُ، إنِ احتملَ واحدًا أو اثنين أو ثلاثةً، ولا يجوزُ عندي أنْ يحملَ عليه أكثرَ مِن ثلاثةٍ -وإنْ أيسرَ- إلا بإقرارِهم» (¬٣).\rويَلْزَمُ المسلمين الكفُّ عنهم، وضمانُ ما يُتلِفونَه عليهم من نفسٍ ومالٍ، ودفعُ أهلِ الحربِ عنهم إنْ كانوا في بلدٍ من بلدانِ الإسلامِ، أو في بلدٍ مجاورٍ له، ويُمنعونَ من بناءِ كنيسةٍ في بلدٍ","footnotes":"(¬١) رواه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٨٤٦٥)، وقالَ: «وكذلك رواه قتادةُ عن أبي مخلدٍ عن عمرَ، وكلاهما مرسلٌ».\r(¬٢) رواه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٨٦٧٨)، والدينارُ يساوي أربعَ جراماتٍ وربعَ جرامٍ منَ الذهبِ.\r(¬٣) «الأم» (٤/ ٢١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355032,"book_id":264,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":427,"body":"أحدَثه المسلمون، وكذلك ما فتحوه عَنْوَةً، قالَ الشافعيُّ ﵀: «فإن كانوا في قريةٍ يملكونها منفردينَ لم نتعرضْ لهم في خمرِهم وخنازيرِهم ورفعِ بنيانِهم، وإن كانَ لهم بمصرِ المسلمين كنيسةٌ أو بناءٌ طائلٌ لبناءِ المسلمين لم يكنْ للمسلمين هدمُ ذلك، وتُركوا على ما وُجِدُوا، ومُنِعُوا إحداثَ مثلِه، وهذا إن كانَ المصرُ للمسلمين؛ أحيَوه أو فتحوه عَنْوةً، وشُرِطَ هذا على أهلِ الذِّمَّةِ، وإنْ كانوا فتحوا بلادَهم على صُلحٍ منهم على تركِهم ذلك خُلُّوا وإياه، ولا يجوزُ أن يُصَالَحُوا على أنْ ينزلوا بلادَ الإسلامِ يُحدِثوا فيها ذلك» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَتَضَمَّنُ عَقْدُ الْجِزْيَةِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ:\r١ - أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ»؛ أي: المتفقَ عليها؛ سواءٌ كانَتْ دينارًا أو أكثرَ.\r٢ - «وَأَنْ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ»، وذلك في غيرِ العباداتِ من حقوقِ الآدميينَ في المعاملاتِ، وغرامةِ المتلفاتِ، وكذا ما يعتقدون تحريمَه كالزنا والسرقةِ؛ دونَ ما لا يعتقدون تحريمَه، كشُربِ الخمرِ ونكاحِ المجوسِ، وقد فُسِّرَ الصَّغَارُ في قولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ بالتزامِ أحكامِ الإسلامِ، وجريانِها عليهم، يقولُ تقيُّ الدينِ الحصنيُّ ﵀: «أشدُّ الصَّغارِ على المرءِ أنْ يُحكمَ عليه بما لا يعتقدُه، ويُضطرَّ إلى احتمالِه» (¬٢).","footnotes":"(¬١) «مختصر المزني» (ص: ٣٦٤).\r(¬٢) «كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار» (ص: ٥١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355033,"book_id":264,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":428,"body":"٣ - «وَأَنْ لَا يَذْكُرُوا دِينَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِخَيْرٍ»، فلو ذكرَ أحدٌ منهم الإسلامَ بما لا يليقُ عُزِّرَ، وإنْ كانَ شُرِطَ انتقاضُ العهدِ بذلك انتُقِضَ عهدُه، فلا يكونُ منْ أهلِ الذِّمَّةِ، بل يصيرُ حربيًّا، فيتخيرُ الإمامُ فيه كما يتخيرُ في الأسيرِ، ومَنْ انتُقِضَ عهدُه لم يُنتقضْ عهدُ امرأتِه ولا أولادِه؛ لأنَّهم غيرُ محاسبِين على أفعالِه.\r٤ - «وَأَنْ لَا يَفْعَلُوا مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ»، نحوُ إيوائِهم جاسوسًا، أو أنْ يُعينوا أهلَ الحربِ على المسلمين، أو يدُلُّوهم على خَللٍ عندَهم، فمَنْ فعلَ شيئًا مِنْ ذلك أو نحوِه انتُقضَ عهدُه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُعْرَفُونَ بِلُبْسِ الْغِيَارِ، وَشَدِّ الزُّنَّارِ»، الغِيارُ: أن يَخيطَ الذميُّ على ثوبِه شيئًا يخالفُ لونَ ثوبِه، ويكونُ ذلك على الكتفِ، والزُّنَّارُ خيطٌ غليظٌ يُشَدُّ في الوسطِ فوقَ الثِّيابِ، والغرضُ من ذلك أن يتميزوا عنِ المسلمين؛ ليُعرفوا ويُعاملوا بما يليقُ بِهم.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ»؛ لأنَّ الخيلَ من أدواتِ الجهادِ، قالَ تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٨٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355034,"book_id":264,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":429,"body":"وحتَّى لا يظهروا بمظهرِ التَّعالي والعزَّةِ أمامَ المسلمين.\rتتمةٌ: يجوزُ للإمامِ عقدُ الهدنةِ معَ الكُفَّارِ، وتكونُ أربعةَ أشهرٍ إن كانَ بالمسلمين قوة، وكانَتِ المصلحةُ في عقْدِها؛ رجاءَ إسلامِهم، أو بذلِهم الجزيةَ، أو غيرِ ذلك منَ المصالحِ، فإنْ كانَ بالمسلمين ضعفٌ جازَتْ إلى عشرِ سنينَ فما دونَها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ هادنَ صفوانَ بنَ أميةَ أربعةَ أشهرٍ عامَ الفتحِ رجاءَ إسلامِه، وكانَ المسلمون في قوةٍ، وهادنَ قريشًا عامَ الحديبيةِ عشرَ سنينَ، وكانَ بالمسلمين ضعفٌ، فإنْ زادَ الإمامُ المدةَ على أربعةِ أشهرٍ في الحالةِ الأولى، وعلى العشرِ في الحالةِ الثانيةِ؛ بطلَ العقدُ في الزائدِ (¬١).\rتنبيهٌ: الجزيةُ نعمةٌ عُظمى تُسدَى لأهلِ الذِّمَّةِ, فإنَّ الكافرَ إذا قُتلَ على كفرِه ضاعَتْ عليه فرصةُ التوبةِ والدخولِ في الإسلامِ، ووجبَ عليه الخلودُ في النارِ، فشرعَ اللهُ تعالى الجزيةَ رجاءَ أنْ يُسلِمَ في المستقبلِ؛ لا سيَّما معَ اطِّلاعِه على محاسنِ الإسلامِ، فإذا لم يُسلمْ فقد حصَّلَ منفعةً دنيويَّةً، فالجزيةُ تعصمُ أرواحَ أهلِ الذِّمَّةِ، وتحفظُ أعراضَهم وأموالَهم, يقولُ القرافيُّ ﵀: «عقدُ الذمةِ يوجبُ حقوقًا علينا لهم؛ لأنَّهم في جوارِنا وفي خفارتِنا وذمةِ اللهِ تعالى وذمةِ رسولِه ﷺ ودينِ الإسلامِ، فمَنِ اعتدى عليهم ولو بكلمةِ سُوءٍ أو غِيبَةٍ في عِرضِ أحدِهم أو نوعٍ منْ أنواعِ الأذيةِ أو أعانَ على ذلك فقد ضيَّعَ ذمةَ اللهِ تعالى وذمةَ رسولِه ﷺ وذمةَ دينِ الإسلامِ. وكذلك حكى ابنُ حزمٍ في (مراتبِ الإجماعِ) له أنَّ","footnotes":"(¬١) «السنن الكبرى» للبيهقيُّ (١٨٨٢١)، و «روضة الطالبين» للنووي (١٠/ ٣٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355035,"book_id":264,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":430,"body":"مَنْ كانَ في الذِّمَّةِ وجاءَ أهلُ الحربِ إلى بلادِنا يقصدونَه وجبَ علينا أنْ نَخرجَ لقتالِهم بالكُراعِ والسِّلاحِ، ونموتُ دونَ ذلك؛ صونًا لمَنْ هو في ذمةِ اللهِ تعالى وذمةِ رسولِه ﷺ؛ فإنَّ تسليمَه دونَ ذلك إهمالٌ لعقدِ الذِّمَّةِ» (¬١).\rوقد أدركَ هذه النعمةَ أهلُ الذمةِ الأوائلُ، وقد ذكرَ البلاذريُّ ﵀ أنَّ أبا عبيدةَ بنَ الجراحِ ﵁ عندَما فتحَ الشامَ، وأخذَ الجزيةَ منْ أهلِها؛ اشترطوا عليه أنْ يحميَهم منَ الرُّومِ الذين كانوا يَسومونهم المذلةَ والمهانةَ والاضطهادَ، فقَبِل أبو عبيدةَ ﵁، ثُمَّ بلغَه أنَّ هرقلَ أعدَّ جيشًا عظيمًا لاستردادِ الشامِ من المسلمين، وأنَّ الرومَ قد توجهوا لقتالِهم في اليرموكِ، فردَّ أبو عبيدةَ ﵁ على أهلِ حمصَ ما أخذَ منهم منَ الجزيةِ، وقالَ: شُغِلْنا عن نصرتِكم والدفعِ عنكم، فأنتم على أمرِكم، فقالَ أهلُ حمصَ: لَوَلايتُكُم وعَدْلُكم أحبُّ إلينا مما كنَّا فيه منَ الظلمِ والغشمِ، ولَندفعَنَّ جندَ هرقلَ عنِ المدينةِ معَ عامِلِكم، ونهضَ اليهودُ فقالوا: والتوارةِ لا يدخلُ عاملُ هرقلَ مدينةَ حمصَ إلا أنْ نغلبَ ونجهدَ، فأغلقوا الأبوابَ وحرسوها، وكذلك فعلَ أهلُ المدنِ التى صُولِحَتْ منَ اليهودِ والنصارى، وقالوا: إنْ ظهرَ الرومُ وأتباعُهم على المسلمين صِرْنا إلى ما كُنَّا عليه؛ أيْ: منَ المذلةِ والمهانةِ والاضطهادِ، وإلَّا فإنَّا على أمرِنا ما بقي للمسلمين عددٌ، فلمَّا هزمَ اللهُ الرومَ، وأظهرَ المسلمين؛ فتحوا مدنَهم، وأخرجوا","footnotes":"(¬١) «الفروق» (٣/ ١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355036,"book_id":264,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":431,"body":"المُقَلِّسِين فلعبوا، وأدَّوا الجزيةَ (¬١).\rفقد أقرَّ أهلُ حمصَ بأنَّ حكمَ المسلمين -معَ خلافِهم لهم في الدينِ- أحبُّ إليهم من حكمِ أبناءِ دينِهم, وذلك لما ينطوي عليه ذلك الحكمُ من ظلمٍ وجَورٍ واضطهادٍ وعدمِ احترامٍ للنفسِ البشريةِ.\rولْيُعلمْ أنَّ الإسلامَ حينَما فرَضَ الجزيةَ على مَن دخلوا في ذمةِ المسلمين لم يكنْ ظالمًا، وإنَّما كانَ عادلًا كلَّ العدلِ؛ لأنَّه ما شرعَها إلَّا لتكونَ في مقابلِ ما فُرِضَ على المسلمين منَ الزكاةِ، والتي هي عبادةٌ لا تَصِحُّ مِن كافرٍ، فكلٌّ مِنَ الفريقين يبذلُ جزءًا مِن مالِه ليُنفَقَ في مصارفِه، مِن أرزاقِ الجندِ، والمرافِقِ العامةِ، ونحوِ ذلك مما ينتفعُ به الجميعُ.\rوقد سبقَ أنَّ الإسلامَ وضعَ الجزيةَ عنِ النساءِ والصبيانِ والعبيدِ مِنْ أهلِ الكتابِ، بلْ لمَّا مرَّ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ ببابِ قومٍ وعليه شيخٌ كبيرٌ ضريرُ البصرِ يسألُ؛ ضربَ عضدَه مِن خلفِه، وقال: «مِن أيِّ أهلِ الكتابِ أنتَ؟»، فقالَ: يهوديٌّ، قالَ: «فما ألجأَكَ إلى ما أرَى؟»، قالَ: أسألُ الجزيةَ، والحاجةُ والسنُّ، فأخذَ عمرُ ﵁ بيدِه، وذهبَ به إلى منزلِه، فرَضخَ له بشيءٍ منَ المنزلِ، ثُمَّ أرسلَ إلى خازنِ بيتِ المالِ فقالَ: «انظرْ هذا وضرباءَه، فوَاللهِ ما أنصفْناه أنْ أكلْنا شَبِيبتَه؛ ثُمَّ نخذلُه عندَ الهَرَمِ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) «فتوح البلدان» للبلاذري (١/ ١٦٢)، والمُقَلِّسُون: همُ الذين يلعبون بينَ يدَي الأميرِ إذا وصلَ البلدَ، ويقالُ للواحدِ منهم: مُقَلِّسٌ.\r(¬٢) رواه أبو يوسف في «الخراج» (ص: ١٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355037,"book_id":264,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":432,"body":"وقالَ ﵁ في وصيتِه الأخيرةِ عندَ موتِه للخليفةِ الذي سيأتي بعدَه: «وأوصيه بذِمَّةِ اللهِ وذمةِ رسولِه أن يُوفَّى لهم بعهدِهم، وأن يُقاتَلَ مِن ورائِهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقتَهم» (¬١).\rوكتبَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ لعاملِه على الجزيةِ: «إذا قدِمْتَ عليهم فلا تبيعَنَّ لهم كسوةً؛ شتاءً ولا صيفًا، ولا رزقًا يأكلونه، ولا دابةً يعملون عليها، ولا تضربَنَّ أحدًا منهم سوطًا واحدًا في درهمٍ، ولا تُقِمْه على رجلِه في طلبِ درهمٍ، ولا تبعْ لأحدٍ منهم عَرَضًا في شيءٍ منَ الخَراجِ؛ فإنَّا إنَّما أُمرْنا أنْ نأخذَ منهم العفوَ، فإنْ أنتَ خالفْتَ ما أمرتُك به يأخذْك اللهُ به دوني، وإنْ بلغَني عنك خلافُ ذلك عزلْتُك»، قالَ: إذنْ أرجِعَ إليك كما خرجتُ مِن عندَك، قالَ: «وإنْ رجعتَ كما خرجتَ» (¬٢).\rوكتبَ خالدُ بنُ الوليدِ ﵁ في عهدِ ذمتِه لأهلِ الحِيرةِ: أيُّما شيخٍ ضعُفَ عنِ العملِ، أو أصابتْه آفةٌ منَ الآفاتِ أو كانَ غنيًّا فافتقرَ وصارَ أهلُ دينِه يتصدقون عليه؛ طرحْتُ جزيتَه وعِيلَ من بيتِ مالِ المسلمين وعيالُه» (¬٣).\rهذا هو الإسلامُ، وهذا هو الجهادُ، مهما حاولَ أعداءُ الإسلامِ والحاقدون عليه أن يُشوِّهوا صورتَه؛ سواءٌ كانَ بالكذبِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٨٨٧).\r(¬٢) رواه أبو يوسفَ في الخراج (ص: ٢٥)، والعرَضُ: المتاعُ، والعفوُ: هو ما زادَ على الحاجةِ.\r(¬٣) المصدر السابق (ص: ١٥٧ - ١٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355038,"book_id":264,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":437,"sequence_num":433,"body":"والبهتانِ، أو بإثارةِ الشُّبهاتِ، وإلا فأينَ هُم منْ هذهِ الأحكامِ والتشريعاتِ؟! وأينَ هم مما يفعلُه أهلُ الكفرِ من الممارساتِ الوحشيةِ في شتَّى بقاعِ الأرضِ باسمِ الاستعمارِ والتحريرِ؟! أينَ هُم منَ القتلِ والسلبِ والنهبِ وذبحِ الأطفالِ واغتصابِ النساءِ والفظائعِ والمظالمِ التي تحدثُ يوميًّا على مرأَى ومسمعِ العالمِ بأسرِه؟! أينَ هُم منَ الدمارِ والهلاكِ الذي تتورعُ عنه الوحوشُ في غابِها؟! هذا النَّبيُّ ﷺ يقولُ عندَما فتحَ مكةَ: «مَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» (¬١).\rيقولُ هذا لمَنْ أخرجوه مِن بلدِه، وتآمروا على قتلِه، وقد مكنَه اللهُ تعالى مِن رقابِهم، يقولُ: إنَّه لن يُقاتلَ إلا مَنْ حملَ السلاحَ، أمَّا مَن دخلَ دارَه فهو آمنٌ، ومَن خرجَ مِن دارِه ولم يحملْ سلاحًا فهو آمنٌ.\rإنَّ الإسلامَ عندَما شرعَ الجهادَ إنَّما شرعَه لمقاصدَ عظيمةٍ، وغاياتٍ نبيلةٍ؛ منها: ردُّ العدوانِ، وحمايةُ الدعوةِ، لا لإكراهِ الناسِ على أنْ يتركوا أديانَهم ويعتنقوه، قالَ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].\rشرعَ اللهُ تعالى الجهادَ لإتاحةِ الفرصةِ للضعفاءِ الذين يريدونَ اعتناقَ الإسلامِ، ويمنعُهم المجرمون والظلمةُ ممَّنْ يسومونَهم سوءَ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٧٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355039,"book_id":264,"shamela_page_id":434,"part":null,"page_num":438,"sequence_num":434,"body":"العذابِ، قالَ تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥].\rشرعَ اللهُ تعالى الجهادَ لإقامةِ العدلِ بينَ الناسِ، ولرفعِ الظلمِ عنِ المستضعفين؛ حتَّى ولو لم يدخلوا في الإسلامِ، فلم يسمحْ لأحدٍ أنْ يظلمَ أحدًا؛ سواءٌ كانَ مسلمًا أو كافرًا، ولذلك لا يُعادي هذا الدينَ إلا الظلمةُ والمفسدون في الأرضِ، الذين يريدون أنْ يستعبدوا الناسَ، وكذلك الدجالون والخونةُ منَ المنافقين الذين لا عملَ لهم إلا في كَنَفِ هؤلاءِ الظلمةِ.\rواللهُ تعالى أعلمُ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355040,"book_id":264,"shamela_page_id":435,"part":null,"page_num":439,"sequence_num":435,"body":"كتابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِح\rالصيدُ في اللُّغةِ: مصدرُ صادَ يصيدُ صيدًا، والمرادُ به هنا المصيدُ، كما في قولِه تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ﴾ [لقمان: ١١]؛ أيْ: مخلوقُ اللهِ.\rوفي الاصطلاحِ: كلُّ حيوانٍ حلالٍ متوحشٍ طبعًا، غيرِ مملوكٍ، ولا يمكنُ أخذُه إلا بحيلةٍ؛ إِمَّا لطيرانِه أو لعدْوِه.\rوالذبائحُ في اللغةِ: جمعُ ذَبيحةٍ، وهي بمعنى مذبوحةٍ، كقتيلةٍ بمعنى مقتولةٍ.\rوالذبحُ في الاصطلاحِ: إزهاقُ روحِ حيوانٍ مباحٍ بقطعٍ في حلْقِه أو لَبَّتِه.\rودليلُ مشروعيةِ الصيدِ قولُه تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]، والأمرُ بالاصطيادِ يقتضي حِلَّ المصيدِ.\rودليلُ مشروعيةِ الذبحِ قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: إلَّا ما أدركتموه حيًّا فذبحتموه، فإنه حلالٌ لكم (¬١).\rوالتذكيةُ في اللُّغةِ: التَّطييبُ، مِن قولِهم: رائحةٌ ذكيَّةٌ؛ أي:","footnotes":"(¬١) وسيأتي الكثيرُ منَ الأدلةِ خلالَ الشرحِ إن شاءَ اللهُ تعالى.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355041,"book_id":264,"shamela_page_id":436,"part":null,"page_num":440,"sequence_num":436,"body":"طيبةٌ، والحيوانُ البريُّ إذا ذُبحَ وأسيلَ دمُه طابَتْ رائحتُه.\rوفي الاصطلاحِ: ما يُتوصلُ به إلى حلِّ أكلِ الحيوانِ البريِّ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَا قُدِرَ عَلَى ذَكَاتِهِ فَذَكَاتُهُ فِي حَلْقِهِ وَلَبَّتِهِ، وَمَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى ذَكَاتِهِ فَذَكَاتُهُ عَقْرُهُ حَيْثُ قُدِرَ عَلَيْهِ»، الحيوانُ البريُّ المأكولُ اللحمِ إذا كانَ مقدورًا عليه فذكاتُه تكونُ في حلْقِه، والحلقُ: هو أسفلُ مجمعِ اللَّحْيَينِ في أعلَى العُنقِ، وكذلك تكونُ في لَبَّتِه، واللَّبَّةُ: هي الثُّغرةُ التي أسفلُ العنقِ مما يلي الصدرَ، والتذكيةُ منَ الحلقِ يقالُ لها: الذبحُ، ومن اللَّبَّة يقالُ لها: النَّحرُ، يقولُ أبو هريرةَ ﵁ بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ بديلَ بنَ ورقاءَ الخزاعيَّ على جملٍ أورقَ يصيحُ في فجاجِ مِنى: «أَلَا إِنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» (¬١).\rوالسُّنَّةُ في الإبلِ النَّحرُ؛ لقولِه تعالى في الإبلِ: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، قالَ ابنُ عباسٍ ﵄: «صَلِّ لِرَبِّكَ ثُمَّ انْحَرِ الْبُدْنَ» (¬٢).\rوقالَ تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قالَ ابنُ عباسٍ ﵄: «قيامًا على ثلاثِ قوائمَ معقولةً، يقولُ: بسمِ اللهِ واللهُ أكبرُ، اللهُمَّ منكَ وإليكَ» (¬٣).\rوقالَ جابرٌ ﵁: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه ينحَرون","footnotes":"(¬١) رواه الدارقطني (٤٧٥٤).\r(¬٢) رواه البيهقيُّ في «معرفة السنن والآثار» (١٨٩١٨).\r(¬٣) رواه الحاكم (٧٥٧١)، وصححه، وأقرَّه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355042,"book_id":264,"shamela_page_id":437,"part":null,"page_num":441,"sequence_num":437,"body":"البُدْنَ معقولةَ اليُسرى، قائمةً على ما بقيَ مِن قوائمِها» (¬١).\rوالسُّنَّةُ في البقرِ والغنمِ الذبحُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]؛ والمرادُ به الكبشُ الذي فُدي به إسماعيلُ ﵇، وذِبْحٌ بمعنى مَذْبُوحٍ، كرِزْقٍ بمعنى مَرْزُوقٍ.\rوالمعنى في نحرِ الإبلِ: أنَّه أسرعُ لخروجِ الرُّوحِ منها لطولِ عنقِها، وقياسُ هذا إلحاقُ كلِّ ما طالَ عنقُه بالإبلِ، كالنَّعامِ والإوَزِّ والبطِّ.\rهذا -كما سبقَ- إذا كانَ الحيوانُ مقدورًا عليه، فإنْ لم يكنِ الحيوانُ مقدورًا عليه؛ لكونِه شاردًا مثلًا، أو متردِّيًا في بِئرٍ، أو غيرَ ذلك ممَّا لا يمكنُ معه الوصولُ إلى رقبتِه، فذكاتُه جَرحُه جُرحًا مزهقًا لروحِه في أيِّ موضعٍ من جسدِه، ودليلُ ذلك حديثُ رافعِ بنِ خَديجٍ ﵁ قال: أصبْنا نهْبَ إبلٍ وغنمٍ، فندَّ منها بعيرٌ، فرماه رجلٌ بسهمٍ فحبسَه، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا» (¬٢).\rقال الشافعيُّ ﵀: «والذَّكاةُ ذكاتان، فما قُدِرَ على ذكاتِه مما يحلُّ أكلُه فذكاتُه في اللَّبَّةِ والحلقِ، لا يحلُّ بغيرِهما؛ إنسيًّا كان أو","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (١٧٦٧).\r(¬٢) رواه البخاري (٥١٩٠)، ومسلم (١٩٦٨)، وقولُه: «نهب»؛ أي: غنيمةٌ، و «ندَّ»؛ أي: نفرَ وذهبَ على وجهِه شاردًا، و «أوابدُ»: جمعُ آبدةٍ، وهي التي قد تأبَّدَتْ؛ أي: توحَّشَتْ ونفرَتْ منَ الإنسِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355043,"book_id":264,"shamela_page_id":438,"part":null,"page_num":442,"sequence_num":438,"body":"وحشيًّا، وما لم يُقدَرْ عليه فذكاتُه أن يُنالَ بالسلاحِ حيثُ قُدرَ عليه؛ إنسيًّا كان أو وحشيًّا، فإن تردَّى بعيرٌ في نهرٍ أو بئرٍ فلم يقدرْ على مَنْحَرِهِ ولا مَذْبَحِهِ حيثُ يُذَكَّى فَطُعِنَ فيه بسكينٍ أو شيءٍ تجوزُ الذكاةُ به فأنهرَ الدمَ منه، ثُمَّ ماتَ أُكِلَ، وهكذا ذكاةُ ما لا يُقدرُ عليه. قد تردَّى بعيرٌ في بئرٍ فَطُعِنَ في شاكلتِه، فسُئلَ عنه ابنُ عمرَ ﵄ فأمرَ بأكلِه وأخذَ منه عَشِيرًا بدرهمينِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكَمَالُ الذَّكَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - قَطْعُ الْحُلْقُومِ»، وهو مجرى النَّفسِ.\r٢ - «وَالْمَرِيءِ»، وهو مجرَى الطعامِ والشرابِ.\r٣، ٤ - «وَالْوَدَجَيْنِ»، وهما العرقانِ الغليظانِ اللذان في صفحَتيِ العُنقِ.\rوقطعُ هذه الأربعةِ كلِّها مستحبٌّ؛ لأنَّهُ أسهلُ وأسرعُ في خروجِ الرُّوحِ، فهو مِنَ الإحسانِ إلى الذبيحةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُجْزِئُ مِنْهَا شَيْئَانِ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ»، المجزئُ في التذكيةِ منَ الأربعةِ السابقةِ شيئان، وهما: قطعُ الحلقومِ والمريءِ؛ لحديثِ رافعِ بنِ خديجٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ» (¬٢)،","footnotes":"(¬١) «الأم» (٢/ ٢٦٢)، و «شاكلتُه»؛ أي: خاصرتُه، و «العَشير»: العُشْرُ، ومَن رواه بضمِّ العينِ وفتحِ الشينِ وحملَه على التصغيرِ فقد أخطأَ؛ لأنَّ التصغيرَ للتقليلِ والنقصانِ عنِ المقدارِ، وإذا نقصَ من تمامِ العُشْرِ شيءٌ لم يكنْ عشرًا.\r(¬٢) رواه البخاري (٢٣٥٦)، ومسلم (١٩٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355044,"book_id":264,"shamela_page_id":439,"part":null,"page_num":443,"sequence_num":439,"body":"وقطعُ الحُلقومِ والمريءِ مُنْهِرٌ للدَّمِ، ومُزْهِقٌ لِلرُّوحِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ الاصْطِيَادُ بِكُلِّ جَارِحَةٍ مُعَلَّمَةٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَمِنْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ»، يحلُّ أكلُ المصيدِ بكلِّ جارحةٍ معلَّمةٍ؛ سواءٌ كانَتْ مِن سباعِ البهائمِ، كالكلبِ والفَهْدِ والنَّمِرِ، أو مِن سباعِ الطيرِ، كالبازيِّ والصقرِ والعُقَابِ، والجارحةُ مشتقةٌ منَ الجَرحِ، وهو الكسبُ، قالَ تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]؛ أي: كسبْتُم، وسميَتْ سباعُ البهائمِ والطيورِبذلك؛ لأنَّها تكسِبُ الصيدَ لأصحابِها، وقيلَ: لأنَّها تجرحُ الصيدَ عندَ إمساكِه، فإذا أُرسلَتْ جارحةٌ معلَّمةٌ على صيدٍ فقتلَتْه بأنيابِها أو بمخالبِها أو بمنقارِها حلَّ أكلُه، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤].\rو ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ أي: مُعلِّمينَ، وأصلُه منَ التكلِيبِ وهو تعليمُ الكلابِ الاصطيادَ، ثُمَّ كثرَ ذلك حتَّى قيلَ لكلِّ مَنْ علَّمَ شيئًا من الجوارحِ: مُكلِّبٌ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ تَعْلِيمِهَا أَرْبَعَةٌ:\r١ - أَنْ تَكُونَ إِذَا أُرْسِلَتِ اسْتَرْسَلَتْ»؛ أي: إذا أُغريَتْ وهُيجَتْ على الصيدِ هاجَتْ وانبعثَتْ عليه.\r٢ - «وَإِذَا زُجِرَتْ انْزَجَرَتْ»؛ أي: إذا استُوقِفَتْ في ابتداءِ الأمرِ أو بعدَ عدْوِها وقفَتْ.\r٣ - «وَإِذَا قَتَلَتْ صَيْدًا لَمْ تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا»؛ أي: إذا قتلَتِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355045,"book_id":264,"shamela_page_id":440,"part":null,"page_num":444,"sequence_num":440,"body":"الجارحةُ صيدًا لم تأكلْ منه؛ سواءٌ قبلَ القتلِ أو بعدَه.\r٤ - «وَأَنْ يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهَا»؛ أي: هذه الشرائطُ الثلاثةُ السابقةُ، بحيثُ يُظَنُّ تأدُّبُ الجارحةِ، ولا ينضبطُ ذلك بعددٍ؛ بلِ بالرجوعِ إلى أهلِ الخبرةِ بالجوارحِ.\rودليلُ هذه الشروطِ قولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، فإن استرسلَ الجارحُ بنفسِه لم يحلَّ أكلُ صيدِه؛ لأنَّه إنَّما أمسكَ على نفسِه لا على صاحبِه، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ لعديِّ بنِ حاتمٍ ﵁: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ عُدِمَتْ إِحْدَى الشَّرَائِطِ لَمْ يَحِلَّ مَا أَخَذَتْهُ إِلَّا أَنْ يُدْرَكَ حَيًّا فَيُذَكَّى»؛ لحديثِ أبي ثعلبةَ الخشنيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» (¬٢)؛ أي: أدركتَه حيًّا وذبحتَه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَجُوزُ الذَّكَاةُ بِكُلِّ مَا يَجْرَحُ إِلَّا بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ»، تجوزُ الذكاةُ بكلِّ ما لَه حدٌّ يقطعُ؛ سواءٌ كانَ منَ الحديدِ، كالسيفِ، والسكينِ، والسهمِ، والرمحِ، أو منَ النحاسِ أو الذهبِ أو القصبِ أو الزجاجِ أو الحجرِ، فيحصلُ الذبحُ بجميعِها،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥١٦٩)، ومسلم (١٩٢٩).\r(¬٢) رواه البخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٩٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355046,"book_id":264,"shamela_page_id":441,"part":null,"page_num":445,"sequence_num":441,"body":"ويحلُّ الصيدُ المقتولُ بها؛ إلا السنَّ والظُفرَ وبقيةَ العظامِ، فإنَّه لا يحلُّ التذكيةُ بها؛ سواءٌ كانَ هذا العظمُ لآدميٍّ أو غيرِه، وسواءٌ كانَ منفصلًا أومتصلًا؛ لحديثِ رافعِ بنِ خَديجٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (¬١).\rوالمعنى: لا تذبحوا بالعظامِ؛ لأنَّها تَنْجُسُ بالدَّمِ، وقد نُهيتُم عنْ تنجيسِ العظامِ في الاستنجاءِ؛ لكونِها زادَ إخوانِكم منَ الجنِّ، وكذلك لا تذبحوا بالظُّفرِ؛ لأنَّه مُدَى الحبشةِ، ولا يجوزُ التشبُّهُ بهم ولا بشعارِهم؛ لأنَّهم كفَّارٌ، وكانَ الأحباشُ يُدْمون مَذَابِحَ الشاةِ بأظفارِهم حتَّى تزهقَ النفسُ خنقًا وتعذيبًا، ويحلُّون هذا محلَّ الذَّكاةِ، فلذلك ضربَ النَّبيُّ ﷺ المثلَ بهم، وقد سبقَ أنَّ ما قتلَتْه الجارحةُ بظُفرِها أو نابِها فهو حلالٌ.\rوخرجَ بقولِ المصنِّفِ ﵀: «بِكُلِّ مَا يَجْرَحُ»؛ ما لو قُتِلَ الصيدُ بِمُثَقَّلٍ، كأنْ رُمِيَ بحجرٍ، أو ضُرِبَ بسوطٍ أو عصًا أو نحوِ ذلك مما لا حدَّ له يجرحُ، ودليلُ ذلك حديثُ عُدَيِّ بنِ حاتمٍ ﵁ عندَما سألَ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: «إني أرمي الصيدَ بالمعراضِ، فَأُصِيبُ، فقالَ ﷺ: «إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٣٧٢)، ومسلم (١٩٦٨)، والمُدَى: جمعُ مديةٍ، وهي السكينُ.\r(¬٢) رواه البخاري (٦٩٦٢)، ومسلم (١٩٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355047,"book_id":264,"shamela_page_id":442,"part":null,"page_num":446,"sequence_num":442,"body":"وفي روايةٍ: «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» (¬١).\rوالمِعْرَاضُ: عصًا غليظةٌ في طرفِها حديدةٌ يشبهُ السهمَ، يُرمَى به الصيدُ، فربَّما أصابَ الصيدَ بحدِّه، فخزقَ؛ أي: جرحَ وقتلَ، فيباحُ أكلُ الصيدِ، وربَّما أصابَ بعَرْضِه، فقتلَ بثِقَلِه، فيكونُ موقوذًا، والموقوذُ هو الذي يُضربُ حتّى يُوقذُ؛ أي: يشرفُ على الموتِ، ثُمَّ يُتركُ حتّى يموتُ، وهو مِنْ ضمنِ المحرماتِ التي ذكرَها اللهُ في قولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].\rوالمرادُ بالمنخنقةِ: الميِّتةُ خنقًا، والموقوذةِ: المقتولةُ ضربًا، والمترديةِ: السَّاقطةُ مِن أعلى إلى أسفلَ فماتَتْ، والنطيحةِ: المقتولةُ بنطحِ أُخرى لها، وما أكلَ السبعُ؛ أي: مِنه؛ إلا ما ذكَّيتُم؛ أي: أدركْتُم فيه الروحَ مِن هذه الأشياءِ فذبحتموه، وكذلك ما ذُبحَ على اسمِ النُّصبِ، وهي الأصنامُ، وأنْ تستقسموا بالأزلامِ؛ أي: تطلبوا القسمَ والحكمَ بالقِدَاحِ التي لا ريشَ لها ولا نصلَ، وكانَتْ سبعةً عندَ سادنِ الكعبةِ، وكانوا يحكِّمونها، فإنْ أمرَتْهم ائتمروا وإنْ نهَتْهم انتهوا، فهذا كلُّه فِسقٌ وخروجٌ عن طاعةِ اللهِ (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (١٩٤٩)، ومسلم (١٩٢٩).\r(¬٢) «تفسير الجلالين» (ص: ١٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355048,"book_id":264,"shamela_page_id":443,"part":null,"page_num":447,"sequence_num":443,"body":"وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مغَفلٍ ﵁ قالَ: نهى رسولُ اللهِ ﷺ عنِ الخَذْفِ، وقالَ: «إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلَا يَنْكَأُ العَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ العَيْنَ، وَيَكْسِرُ السِّنَّ» (¬١).\rوالخَذْفُ: هو الرميُ بالحصى، والمخذفةُ هي التي يوضعُ فيها الحجرُ ويُرمَى به، ويُقالُ له: المقلاعُ، قالَ الخليلُ بنُ أحمدَ ﵀: «المِخْذَفةُ من خشبٍ تَرمي بها بينَ إبهامِك والسَّبابةِ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَحِلُّ ذَكَاةُ كُلِّ مُسْلِمٍ وَكِتَابِيٍّ وَلَا تَحِلُّ ذَكَاةُ مَجُوسِيٍّ وَلَا وَثَنِيٍّ»، تحلُّ ذَكَاةُ وصيدُ كلِّ مُسلمٍ، وكذلك كلُّ كتابيٍّ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمرادُ بالطعامِ هنا الذبائحُ، ولا فرقَ في الحلِّ بينَ ذبيحةِ الذكرِ والأنثى بالإجماعِ.\rولا تحلُّ ذكاةُ مجوسيٍّ ولا وثنيٍّ، ولا غيرِهما ممَّنْ لا كتابَ له، وكذلك المرتدُ؛ لأنَّه لا يُقرُّ على الدينِ الذي انتقلَ إليه، وذلك لمفهومِ الآيةِ السابقةِ، فقد دلَّت على أنَّه لا تحلُّ ذبيحةُ غيرِ المسلمِ والكتابيِّ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كتبَ إلى مجوسِ هجرَ يعرضُ عليهم الإسلامَ، فمَنْ أسلمَ قبلَ منه، ومَن أبى ضُربَت عليهم الجزيةُ، على أنْ لا تؤكلَ لهم ذبيحةٌ، ولا تُنكحَ لهم امرأةٌ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٥١٦٢)، ومسلم (١٩٥٤).\r(¬٢) «العين» (٤/ ٢٤٥).\r(¬٣) رواه ابن أبي شيبة (٣٢٦٤٥)، والبيهقي (١٨٩٥٣)، وقال: «مرسلٌ وإجماعُ أكثرِ الأمَّةِ عليه».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355049,"book_id":264,"shamela_page_id":444,"part":null,"page_num":448,"sequence_num":444,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ حَيًّا فَيُذَكَّى»، الجنينُ الذي يوجدُ في بطنِ أمِّه المذكاةِ ميِّتًا يحلُّ أكلُه؛ لأنَّ ذكاتَها التي أحلَّتْها أحلَّتْهُ تبعًا لها، ولأنَّه جزءٌ مِن أجزائِها، وذكاتُها ذكاةٌ لجميعِ أجزائِها، ولأنَّه لو لم يحلَّ بذكاةِ أمِّه لحرُمَت ذكاتُها معَ ظهورِ الحملِ، كما لا تُقْتَلُ الحاملُ قَوَدًا، يقولُ أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁ سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عنِ الجنينِ، فقالَ: «كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ؛ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» (¬١).\rأما إذا خرجَ الجنينُ بعدَ تذكيةِ أمِّه وبه حياةٌ مستقرةٌ، فإنَّه يُذكَّى تذكيةً مستقلةً.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ؛ إِلَّا الشَّعْرَ»؛ أي: ما قُطعَ من حيٍّ فله حكمُ ميتتِه، وذلك مِن حيثُ الأكلُ وعدمُه، ومِن حيثُ الطهارةُ والنجاسةُ، فما قُطعَ منَ السمكِ يؤُكلُ، وهذا لحِلِّ ميتتِه -كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى- وما قُطعَ مِن إنسانٍ فهو طاهرٌ -أيضًا- لعمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وما قُطعَ مما لا تحلُّ ميتتُه كسنامِ بعيرٍ، أو أليةِ شاةٍ، أو نحوِ ذلك، فحكمُه حكمُ الميتةِ؛ أي: أنَّه نجسٌ، لا يجوزُ أكلُه ولا الانتفاعُ به، ودليلُ ذلك حديثُ أبي واقدٍ الليثيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما قَدِمَ المدينةَ وجدَ الناسَ يَجُبُّونَ أسْنِمَةَ الإبلِ، ويقطعون أَلَيَاتِ الغنمِ، فقالَ ﷺ: «مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١١٢٧٨)، وأبو داود (٢٨٢٧)، وابن ماجه (٣١٩٩).\r(¬٢) رواه أحمد (٢١٩٥٣)، وأبو داود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠)، والحاكم (٧١٥٠)، وصححه، وأقره الذهبي، وقولُه: «يَجُبُّونَ»؛ أي: يقطعون.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355050,"book_id":264,"shamela_page_id":445,"part":null,"page_num":449,"sequence_num":445,"body":"ويُستثنى مِن ذلك الشعرُ، فيجوزُ الانتفاعُ به إذا أُخذَ مِن مأكولِ اللحمِ حالَ حياتِه، وكذلك بعدَ تذكيتِه، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].\rوأُلحقَ بالشعر ما يقومُ مقامَه مِن كلِّ حيوانٍ مأكولِ اللحمِ، كالريشِ ونحوِه.\rوأمَّا شعرُ الميتةِ فلا يجوزُ الانتفاعُ به؛ لقولِه تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]، وكذلك غيرُ مأكولِ اللحمِ لأنَّ الذكاةَ لا تعملُ فيه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الأطعمة\rالأطعمةُ في اللُّغةِ: جمعُ طعامٍ، وهو كلُّ ما يؤكلُ مطلقًا، ولا يخرجُ المعنى الاصطلاحيُّ عنِ المعنى اللغويِّ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ حَيَوَانٍ اسْتَطَابَتْهُ الْعَرَبُ فَهُوَ حَلَالٌ؛ إِلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ، وَكُلُّ حَيَوَانٍ اسْتَخْبَثَتْهُ الْعَرَبُ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ»، كلُّ حيوانٍ لم يردْ فيه نصُّ تحليلٍ ولا تحريمٍ، ولا جاءَ الأمرُ بقتلِه ولا النهيُ عن قتلِه؛ فالمرجعُ فيه إلى غالبِ عاداتِ العربِ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355051,"book_id":264,"shamela_page_id":446,"part":null,"page_num":450,"sequence_num":446,"body":"أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]؛ فدلَّ على أنَّ ما كانوا يستطيبونه فهو حلالٌ لهم، وما كانوا يستخبثونه فهو حرامٌ، ويرجعُ فيه إلى أهلِ الريفِ وذوي اليسارِ، وأهلِ القرى منَ العربِ دونَ الأجلافِ مِن أهلِ الباديةِ والقفرِ، أو أهلِ الضرورةِ، أمَّا ما استطابوه وجاءَ الشرعُ بتحريمِه كالحمارِ الأهليِّ فلا ينظرُ لاستطابةِ العربِ له، وكذلك ما استخبثوه وجاءَ الشرعُ بإباحتِه كالضبِّ، فلا ينظرُ لاستخباثِهم له.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ مِنَ السِّبَاعِ مَا لَهُ نَابٌ قَوِيٌّ يَعْدُو بِهِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الطُّيُورِ مَا لَهُ مِخْلَبٌ قَوِيٌّ يَجْرَحُ بِهِ»؛ أي: يحرمُ منَ السباعِ كلُّ ما له نابٌ حادٌّ يسطو به على غيرِه ويفترسُه، كالأسدِ، والنمرِ، والفهدِ، والذئبِ، والدُّبِّ، والكلبِ، وكذلك يحرمُ كلُّ ذِي مخلبٌ يقطعُ به الجلدَ ويمزقُه، كالصقرِ، والنسرِ، والعُقابِ، والبازيِّ، والشَّاهينِ، ودليلُه حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَحِلُّ لِلْمُضطَّر فِي الْمَخْمَصَةِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَيْتَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾؛ إلى قولِه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثُمَّ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].\rوالمخمصةُ: خُلوُّ البطنِ منَ الطعامِ عندَ الجوعِ، وأصلُه من","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٩٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355052,"book_id":264,"shamela_page_id":447,"part":null,"page_num":451,"sequence_num":447,"body":"الخمصِ الذي هو ضمورُ البطنِ، والمتجانفُ: المنحرفُ المائلُ، والإثمُ: أنْ يتعَدَّى عندَ الاضطرارِ فيأكلَ فوقَ الشِّبَعِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَنَا مَيْتَتَانِ حَلَالَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَدَمَانِ حَلَالَانِ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قالَ: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الأُضْحِيَة\rالأضحيةُ في اللغةِ: اسمٌ لِمَا يُضَحَّى به؛ أي: يُذبَحُ أيَّامَ عيدِ الأضحى، وقيلَ: مأخوذةٌ مَن ضحوةِ النهارِ، وهي ما بعدَ طلوعِ الشمسِ، سميَتْ بذلك لأنَّ أولَ زمانِ فعلِها هو وقتُ الضُّحى.\rوفي الاصطلاحِ: ما يُذبَحُ من بهيمةِ الأنعامِ في يومِ الأضحى إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ»، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿فَصَل لربكَ وَانْحرْ﴾ [الكوثر: ٢]؛ قال جماعةٌ منَ المفسرين: المرادُ صلاةُ العيدِ، ونحرُ الأضحيةِ (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البيهقي (١٨٧٧٦)، وصححه، وكذا الحافظُ ابنُ حجر في «التلخيص الحبير» (١/ ١٦١)، وقالَ: «وقولُ الصحابيِّ: أُحلَّ لنا، وحُرِّمَ علينا كذا، مثلُ قولِه: أُمِرنا بكذا، ونُهينا عن كذا، فيحصلُ الاستدلالُ بهذه الروايةِ؛ لأنَّها في معنى المرفوعِ».\r(¬٢) «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» (٢٦/ ٥٧٣)، وقالَ جمعٌ آخرٌ: إنَّ المقصودَ صلِّ العيدَ، وانحرِ الهديَ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355053,"book_id":264,"shamela_page_id":448,"part":null,"page_num":452,"sequence_num":448,"body":"وقال أنسٌ ﵁: «ضحَّى النَّبيُّ ﷺ بِكَبشيْنِ أمْلَحَيْنِ أقرَنينِ، ذَبَحَهما بِيَدِهِ، وَسَمى وَكَبرَ، وَوَضعَ رجْلَهُ عَلى صِفاحِهِمَا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُجْزِئُ فِيهَا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْبَقَرِ»، ويجزئُ في الأضحيةِ الجذعُ منَ الضأنِ، وهو ما له سَنَةٌ وطعنَ في الثانيةِ، والثَّنيُّ منَ المعزِ، وهو ما له سنتان وطعَنَ في الثالثةِ، والثَّنيُّ منَ الإبلِ، وهو ما له خمسُ سنينَ وطعنَ في السادسةِ، والثَّنيُّ منَ البقرِ، وهو ما له سنتانِ وطعنَ في الثالثةِ، وتجزئُ التضحيةُ في هذه الأنواعِ بالذكرِ والأنثى بالإجماعِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ»، المرادُ بالبُدنةِ: واحدةُ الإبلِ، وتقعُ على الذكرِ والأنثى، وهي تجزئُ عن سبعةٍ، وكذلك البقرةُ تجزئُ عن سبعةٍ، ودليلُ ذلك حديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: «نحرْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ عامَ الحديبيةِ البدنةَ عنْ سبعةٍ، والبقرةَ عنْ سبعةٍ» (¬٢).\rوحديثُ أمِّ بلالٍ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ضَحُّوا بِالْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البُخاري (٥٢٤٥)، ومسلم (١٩٦٦)، وقولُه: «ضحَّى»؛ أي: ذبحَ الأضحيةَ، و «أملحَين»؛ مُثنَّى أملحَ، وهو الذي بياضُه أكثرُ مِن سوادِه، و «صفاحهما»؛ جمعُ صفحةٍ، وهي جانبُ العُنقِ.\r(¬٢) رواه مسلم (١٣١٨).\r(¬٣) رواه أحمد (٢٧١١٧)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٣٩٧)، وقال الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٤): «رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355054,"book_id":264,"shamela_page_id":449,"part":null,"page_num":453,"sequence_num":449,"body":"وقالَ أبو أيوبَ الأنصاريُّ ﵁: «كنَّا نُضحِّي بالشاةِ الواحدةِ، يذبحُها الرجلُ عنه وعن أهلِ بيتِه» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا:\r١ - الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا»؛ أي: التي لا تُبصرُ بإحدى عينيها، وقيدَ العورَ بالبيِّنِ؛ لأنَّ العورَ بياضٌ يغطي الناظرَ، وإذا كان كذلك فتارةً يكونُ يسيرًا فلا يضرُّ.\r٢ - «وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا»، وذلك بأنْ يشتدَّ عرَجُها؛ بحيثُ تسبقُها الماشيةُ إلى المرعى وتتخلفُ عنِ القطيعِ، فلو كانَ عرجُها يسيرًا بحيثُ لا تتخلفُ به عنِ الماشيةِ لم يضرَّ.\r٣ - «وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا»، وذلك بأن يظهرَ بسببِه هزالُها وفسادُ لحمِها، فلو كانَ مرضُها يسيرًا لم يضرَّ.\r٤ - «وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي ذَهَبَ مُخُّهَا مِنَ الْهُزَالِ»، وهي التي ذهبَ لحمُها السمينُ بسببِ ما حصلَ لها من الهُزالِ.\rودليلُ ذلك حديثُ البراءِ بنِ عازبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَرْبَعٌ لَا يُضَحَّى بِهِنَّ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مالك في «الموطأ» (١٣٩٦).\r(¬٢) رواه أحمد (١٨٦٩٧)، والترمذي (١٤٩٧)، والنسائي (٤٣٧١)، وابن حبَّان في «صحيحه» (٢٦٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355055,"book_id":264,"shamela_page_id":450,"part":null,"page_num":454,"sequence_num":450,"body":"ومعنى «لَا تُنْقِي»؛ أي: ليسَ لها نِقْيٌ وهو الشحمُ، وأصلُه مخُّ العظمِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ وَالْمَكْسُورُ الْقَرْنِ»، يجزئُ الخصيُّ في الأضحيةِ، وهو المقطوعُ الخصيتين، ودليلُ ذلك ما جاءَ عنْ أبي هريرةَ وعائشةَ ﵄ قالا: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا ضحَّى اشترى كبشينِ عظيمينِ سمينينِ أقرنينِ أملحينِ موجُوأينِ، فيذبحُ أحدَهما عن أمتِه ممَّنْ أقرَّ بالتوحيدِ وشهدَ له بالبلاغِ، ويذبحُ الآخرَ عن محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ» (¬١).\rوكذلك يجزئُ في الأضحيةِ المكسورُ القرنِ ما لم يُعَبِ اللحمُ، وإنْ دَمِيَ بالكسرِ؛ لأنَّ القرنَ لا يتعلقُ به كبيرُ غرضٍ، ولذلك تجزئُ الأضحيةُ بفاقدةِ القرونِ خِلْقَةً، وهي المسماةُ بالجلحاءِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُجْزِئُ الْمَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ وَالذَّنَبِ»، لا تجزئُ المقطوعةُ الأذنِ في الأضحيةِ، وكذلك المقطوعةُ الذنَبِ؛ سواءٌ كانَ المقطوعُ كُلًّا أو بعضًا، وذلك لنقصِ اللحمِ وذَهابِ جزءٍ مأكولٍ منها.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَوَقْتُ الذَّبْحِ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ»، وقتُ ذبْحِ الأضحيةِ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٥٨٨٥)، وأبو داود (٢٧٩٥)، وابن ماجه (٣١٢٢)، و «موجوأين»؛ تثنيةُ موجوءٍ، اسمُ مفعولٍ من وَجأَ؛ أي: منزوعينِ، قد نُزِعَ عرقُ الأنثيين منهما، وذلك أسمَنُ لهما.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355056,"book_id":264,"shamela_page_id":451,"part":null,"page_num":455,"sequence_num":451,"body":"يبدأُ من دخولِ وقتِ صلاةِ العيدِ، وهو طلوعُ الشَّمسِ، ومُضِيُّ وقتٍ يسعُ الصلاةَ والخطبتين، والأفضلُ فعلُها بعدَ الفراغِ منَ الصلاةِ وسماعِ الخطبتين؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا نُصَلِّي، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» (¬١).\rوحديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعمٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ فِجَاجِ مِنًى مَنْحَرٌ، وَفِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الذَّبْحِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:\r١ - التَّسْمِيَةُ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» (¬٣).\r٢ - «وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ»؛ لأنَّ اللهَ تعالى أعلى ذِكرَه ﷺ، فلا يُذكرُ ﷾ إلا ويُذكرُ معَه، يقولُ الشافعيُّ ﵀: «وأحبُّ له أنْ يُكثِرَ الصلاةَ عليه، فقد صلَّى اللهُ عليه في كلِّ","footnotes":"(¬١) رواه البُخاري (٥٢٢٥)، ومسلم (١٩٦١)، وقولُه ﷺ: «يَوْمِنَا هَذَا»؛ أي: يومِ العاشرِ من ذي الحجةِ، وهو يومُ عيدِ الأضحى.\r(¬٢) رواه أحمد (١٦٧٩٧)، وابن حبَّان (٤٠٩٧)؛ والمرادُ بأنَّ «كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»؛ أي: وقتٌ للذبحِ، وهي: الحاديَ عشرَ، والثانيَ عشرَ، والثالثَ عشرَمن شهرِ ذي الحجةِ.\r(¬٣) رواه عبدُ القادر الرهاويّ في «الأربعين»، وهو حديثٌ حسنٌ؛ كما قال النوويُّ في «الأذكار» (ص: ١١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355057,"book_id":264,"shamela_page_id":452,"part":null,"page_num":456,"sequence_num":452,"body":"الحالاتِ؛ لأنَّ ذكرَ اللهِ ﷿، والصلاةَ عليه إيمانٌ باللهِ تعالى، وعبادةٌ له يُؤجرُ عليها -إن شاءَ اللهُ تعالى- مَنْ قالها» (¬١).\r٣ - «وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ»؛ لما روى نافعٌ عنِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّه كانَ يستحبُ أنْ يستقبلَ القبلةَ إذا ذبحَ» (¬٢).\r٤ - «وَالتَّكْبِيرُ»؛ لحديثِ أنسٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ضحَّى بِكَبشيْنِ أمْلَحَيْنِ أقرَنينِ، ذَبَحَهما بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبرَ، وَوَضعَ رجْلَهُ عَلى صِفاحِهِمَا» (¬٣).\r٥ - «وَالدُّعَاءُ بِالْقَبُولِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بكبشٍ أقرنَ، يطأُ في سوادٍ، ويبركُ في سوادٍ، وينظرُ في سوادٍ، فأُتِي به ليضحيَ به، فقالَ لها: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ»، ثُمَّ قال: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ»، ففعلَتْ: ثُمَّ أخذَها، وأخذَ الكبشَ فأضجعَه، ثُمَّ ذبحَه، ثُمَّ قال: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) «الأم» (٢/ ٢٦٣).\r(¬٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٨٩٥٥)، وقال: «ورويَ فيه حديثٌ مرفوعٌ عن غالبٍ الجزريِّ، عن عطاءَ، عن عائشةَ ﵂، وإسنادُه ضعيفٌ».\r(¬٣) رواه البخاري (٥٢٤٥)، ومسلم (١٩٦٦)، وقوله: «ضحَّى»: أي: ذبحَ الأضحيةَ، و «أملحين»: مُثنَّى أملحَ، هو الذي بياضُه أكثرُ من سوادِه، و «صفاحهما»: جمعُ صفحةٍ، وهي جانبُ العنقِ.\r(¬٤) رواه مسلم (١٩٦٧)، ومعنى: «يطأُ في سوادٍ، ويبركُ في سوادٍ، وينظرُ في سوادٍ»؛ أي: أنَّ قوائمَه، وبطنَه، وما حولَ عينيه؛ أسْودُ اللونِ، و «الْمُدْيَة»؛ أي: السكينُ، و «اشْحَذِيهَا»؛ أي: حدديها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355058,"book_id":264,"shamela_page_id":453,"part":null,"page_num":457,"sequence_num":453,"body":"وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄: «إذا ذبحْتَ فقلْ: بسمِ اللهِ، اللهُمَّ منك ولك، اللهُمَّ تقبلْ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَأْكُلُ الْمُضَحِّي شَيْئًا مِنَ الْأُضْحِيَةِ الْمَنْذُورَةِ»، وهي التي أوجبَها على نفسِه بشرطٍ؛ كأنْ يقولُ: للهِ عليَّ إنْ شفى اللهُ مريضي جعلتُ هذهِ الشاةَ أضحيةً، فيحرمُ عليه الأكلُ منها، ومثلُ الأكلِ الانتفاعُ، فلا ينتفعُ بجلدِها -مثلًا-، بل عليه أنْ يتصدقَ به، فلو أكلَ شيئًا منها، أو انتفعَ به ضمِنَه بالبدلِ أو بالقيمةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَأْكُلُ مِنَ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا»، يُسَنُّ الأكلُ منَ الأضحيةِ المتطوعِ بها؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا ضحَّى أحدُكم فلْيأكلْ مِن أضحيتِه» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَبِيعُ مِنَ الْأُضْحِيَةِ»، لا يجوزُ بيعُ أيِّ جزءٍ منَ الأضحيةِ؛ سواءٌ كانَ لحمًا أو جلدًا؛ لأنَّها قربةٌ إلى اللهِ تعالى، فلا يجوزُ له إلا ما رخَّصَ الشرعُ له فيه وهو الأكلُ، وليسَ له إعطاءُ الجلدِ أو بعضِ اللحمِ للجزَّارِ مقابلَ الأجرةِ، بل يعطيه أجرتَه كاملةً، وإنْ أهداه شيئًا بعدَ ذلك جازَ، ودليلُ ذلك حديثُ عليٍّ ﵁ قالَ: أمرني رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أقومَ على بُدْنِه، وأنْ أتصدقَ بلحمِها وجلودِها وأجِلَّتِها، وأن لا أعطيَ","footnotes":"(¬١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٨٩٥٠).\r(¬٢) رواه أحمد (٩٠٦٧)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٥): «رواه أحمد، ورجالُه رجالُ الصحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355059,"book_id":264,"shamela_page_id":454,"part":null,"page_num":458,"sequence_num":454,"body":"الجزارَ منها، قالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُطْعِمُ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ»، يجبُ التصدقُ ببعضِ الأضحيةِ على الفقراءِ والمساكينِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].\rوالبُدْنُ: هي الإبلُ، وقيسَ عليها الأضاحي، ومعنى صوافَّ: قائمةً، معقولةَ اليدِ اليسرى، ومعنى وجبَت جنوبُها: سقطَتْ على الأرضِ بعدَ النحرِ وسكنَتْ.\rوفي حديثِ سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فلمَّا كانَ العامُ المقبلُ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، نفعلُ كما فعلْنا عامَ الماضي؟ قال: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ العَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا» (¬٢).\rويُسنُّ له أنْ يأكلَ الثلثَ، ويُهديَ الثلثَ، ويتصدقَ بالثلثِ، قالَ أبو بكرٍ الحسينيُّرحمه الله: «يأكلُ الثلثَ، ويُهدي الثلثَ، ويتصدقُ بالثلثِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فجعلَها لثلاثةٍ، والقانعُ: الجالسُ في بيتِه، والمعترُّ: السائلُ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٣١٧)، وقوله: «أجلتها»: جمعُ جُلٍّ، بضم الجيم وفتحِها، وهو ما تلبسُه الدابةُ لِتُصَانَ بِهِ.\r(¬٢) رواه البخاري (٥٢٤٩)، ومسلم (١٩٤٧).\r(¬٣) «كفاية الأخيار» (ص: ٥٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355060,"book_id":264,"shamela_page_id":455,"part":null,"page_num":459,"sequence_num":455,"body":"«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ العَقِيقَة\rالعقيقةُ في اللغةِ: مشتقةٌ منَ العقِّ، وهو القطعُ، ومنه عقَّ والدَيه إذا قطعَهما، وهي اسمٌ للشعرِ الذي يكونُ على رأسِ المولودِ حينَ ولادتِه، سمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يحلقُ ويقطعُ، وسمِّيَتِ الذبيحةُ المذكورةُ بها؛ لأنَّها تذبحُ فيُشَقُّ حلقومُها ومريئُها وودَجَاها.\rوفي الاصطلاحِ: هي ما يُذبحُ للمولودِ عندَ حلْقِ شعرِه.\rويستحبُ أنْ يحلقَ شعرُ المولودِ في اليومِ السابعِ؛ سواءٌ كانَ المولودُ ذكرًا أو أنثى، ويتصدقَ بزنتِه ذهبًا أو فضةً؛ لحديثِ سمرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُسَمَّى، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ» (¬١).\rوقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: عقَّ رسولُ اللهِ ﷺ عن الحسينِ بشاةٍ، وقالَ: «يَا فَاطِمَةُ، احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً»، فوزناه، فكانَ وزنُه درهمًا (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٠٠٩٥)، وأبو داود (٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي (٤٢٢٠)، وابن ماجه (٣١٦٥)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وقال ابن حجر ﵀ في «فتح الباري» (٩/ ٥٩٤): «واختلف في معنى قوله ﷺ: (مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ)، قال الخطابي اختلف الناس في هذا وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل، قال: هذا في الشفاعة، يريد أنه إذا لم يعق عنه فمات طفلًا لم يشفع في أبويه، وقيل: معناه أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه المولود في لزومها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن ... وقيل المعنى أنه مرهون بأذى شعره ولذلك جاء: (فَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى)».\r(¬٢) رواه الترمذي (١٥١٩)، والحاكم (٧٥٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355061,"book_id":264,"shamela_page_id":456,"part":null,"page_num":460,"sequence_num":456,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَالْعَقِيقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَهِيَ الذَّبِيحَةُ عَنِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ»، العقيقةُ عنِ المولودِ مستحبةٌ، وتكونُ في اليومِ السابعِ من ولادتِه، ويحسبُ يومُ الولادةِ منَ السبعِ، ولا تفوتُ بالتأخيرِ بعدَه، فإن تأخرَتْ للبلوغِ سقطَ حكمُها في حقِّ العاقِّ عنِ المولودِ؛ أمَّا هو فمخيرٌ في العقِّ عن نفسِه أو التركِ (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُذْبَحُ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»، ودليلُ ذلك حديثُ عائشةَ ﵂: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَهم عنِ الغلامِ شاتانِ متكافئتانِ، وعنِ الجاريةِ شاةٌ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُطْعِمُ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ»، فهي كالأضحيةِ في جنسِها وسلامتِها منَ العيوبِ، والأكلِ منها، والتصدقِ، والإهداءِ، وامتناعِ بيعِها؛ لكنَّ العقيقةَ يسنُّ طبخُها كسائرِ الولائمِ بخلافِ الأضحيةِ، ويُروى عنْ عائشةَ ﵂: «شاتانِ عنِ الغلامِ، وشاةٌ عنِ الجاريةِ تطبخُ جُدُولًا، لا يكسرُ لها عظمٌ» (¬٣).\rويُسنُّ أنْ تطبخَ بحلوٍ تفاؤلًا بحلاوةِ أخلاقِ المولودِ، وكذلك يُسَنُّ أن يُؤَذَّنَ في أُذنِ المولودِ اليُمنى حينَ يولدُ، ويُقَامَ في أذنِه","footnotes":"(¬١) «فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب» (ص: ٣١٥).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٤٠٧٤)، والترمذي (١٥١٣)، وابن ماجه (٣١٦٣)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح»، و «الغلامُ»؛ أي: الذكرُ، و «الجاريةُ»؛ أي: الأنثى.\r(¬٣) رواه ابن أبي شيبة (٢٤٢٦٣)، ومعنى «جُدُولًا»؛ أي: أعضاءٌ تامَّةٌ، واحدُها جدلٌ بفتحِ الجيمِ وكسرِها، وهو العظمُ يفصلُ بما عليه مِنَ اللحمِ، ولو كُسرَ العظمُ فلا كراهةَ؛ لأنَّها طِيرةٌ، وقد نُهِيَ عنها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355062,"book_id":264,"shamela_page_id":457,"part":null,"page_num":461,"sequence_num":457,"body":"اليُسرى، وأن يُحنَّكَ بتمرٍ؛ فيُمْضَغُ ويُدْلَكُ به حنكُه داخلُ فمِه لينزلَ منه شيءٌ إلى جوفِه؛ فإن لم يوجدْ تمرٌ فرطبٌ، وإلا فشيءٌ حلوٌ، وأنْ يُسمَّى المولودُ يومَ سابعِ ولادتِه، وتجوزُ تسميتُه قبلَ السابعِ وبعدَه (¬١).\rواللهُ تعالى أعلمُ.","footnotes":"(¬١) «فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب» (ص: ٣١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355063,"book_id":264,"shamela_page_id":458,"part":null,"page_num":462,"sequence_num":458,"body":"كتابُ السَّبْقِ والرَّمي\rالسَّبْقُ بالسكونِ: مصدرُ سبَقَ؛ أي: تقدمَ، وبالتحريكِ: المالُ الموضوعُ بينَ أهلِ السباقِ، والرميُ يشملُ الرميَ بالسهامِ وغيرِهما.\rوالأصلُ في ذلك قبلَ الإجماعِ الكتابُ والسُّنَّةُ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].\rيقول عقبة بن عامر ﵁: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ وهو على المنبرِ يقولُ: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (¬١).\rوقال سلمةُ بنُ الأكوعِ ﵁: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ على نفرٍ مِنْ أسلمَ ينتضلون، فقالَ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ»، فأمسكَ أحدُ الفريقين بأيديْهم، فقالَ ﷺ: «مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟!»، قالوا: كيفَ نرمي وأنتَ معهم؟! فقالَ ﷺ: «ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» (¬٢).\rوقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: «أجرى النَّبيُّ ﷺ ما ضُمِّرَ منَ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٩١٧).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٧٤٣)، والنَّفرُ: من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ منَ الرجالِ، وأسلمَ: هو اسمٌ لقبيلةٍ كانَت مشهورةً، وإسماعيلُ: هو ابنُ إبراهيمَ ﵉.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355064,"book_id":264,"shamela_page_id":459,"part":null,"page_num":463,"sequence_num":459,"body":"الخيلِ منَ الحَفْيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الوداعِ، وأجرى ما لم يُضَمَّرْ منَ الثنيَّةِ إلى مسجدِ بَني زُرَيْقٍ»، ثُمَّ قال: «وكنتُ فيمَنْ أجرى» (¬١).\rوفي روايةٍ: «فجئتُ سابقًا، فطفَّفَ بي الفرسُ مسجدَ بني زريقٍ» (¬٢).\rوقد زادَ النَّبيُّ ﷺ في المسافةِ للخيلِ المضمرةِ لقُوَّتِها، ونَقَّصَها في الخيلِ التي لم تُضَمَّرْ لقصورِها عنْ شأْوِ ذاتِ التضميرِ؛ ليكونَ عدلًا منه ﷺ بينَ النوعينِ، وكلُّ ذلك إعدادٌ للقوةِ في إعزازِ كلمةِ اللهِ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ على اشتراطِ المسافةِ، فلا بدَّ أنْ تكونَ معلومةً؛ ابتداءً وغايةً.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الدَّوَابِّ، وَالْمُنَاضَلَةُ بِالسِّهَامِ إِذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ مَعْلُومَةً، وَصِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ مَعْلُومَةً»، تجوزُ المسابقةُ على الدوابِّ، كالخيلِ والإبلِ والبغالِ والحميرِ والفيلةِ، وكذلك المراماةُ بالسهامِ وما أشبهَها من آلاتِ الحربِ، كالرَّصاصِ والصواريخِ وغيرِهما؛ سواءٌ كانَت بعِوَضٍ، أو","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٧١٣)، ومسلم (١٨٧٠)، وأُضْمِرَت الخَيلُ: عُلِفَتْ حتَّى سَمِنَت وَقَوِيَت، ثُمَّ قُلِّلَ عَلَفُها بِقَدْرِ القُوتِ، وأُدْخِلَت بَيْتًا، وَغُشِّيَت بالجِلالِ حتَّى حَمِيَت وَعَرِقَت، فإذا جَفَّ عَرَقُها خَفَّ لَحْمُها وَقَوِيَت على الجَري، والحفياءُ: موضعٌ بقربِ المدينةِ، وأمدُها: أي: غايتُها ونهايةُ مسافةِ سبقِها، والثنيَّةُ: أي: ثنيةُ الوداعِ، وهي في الأصلِ الطريقُ إلى الجبلِ أو فيه، وسميت بذلك لأنَّ الخارجَ من المدينةِ يمشي معَه المودِّعون إليها، وبينَ الحفياءِ وبينَ الثنيَّةِ خمسةُ أميالٍ أو ستةٌ، وبينَ الثنيَّةِ والمسجدِ ميلٌ.\r(¬٢) رواه مسلم (١٨٧٠)، وطففَ: أي جاوزَ الفرسُ به المسجدَ؛ لأنَّه كانَ الغايةَ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355065,"book_id":264,"shamela_page_id":460,"part":null,"page_num":464,"sequence_num":460,"body":"بغيرِ عوَضٍ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (¬١).\rوالمعنى: لا يحلُّ أخذُ المالِ بالمراهنةِ إلا في الثَّلاثةِ المذكورةِ، وقد كانتْ هذه الثلاثةُ هي آلاتِ الحربِ والقتالِ في عهدِ النَّبيِّ ﷺ، فيلحقُ بها كلُّ ما كانَ كذلك حسبَ الزمانِ والمكانِ (¬٢).\rويُشترطُ في الرميِ أنْ تكونَ المسافةُ التي بينَ موقفِ الرامي والغرضِ الذي يُرمي إليه معلومةً؛ ابتداءً وغايةً.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُخْرِجُ الْعِوَضَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ حَتَّى إِنَّهُ إِذَا سَبَقَ اسْتَرَدَّهُ، وَإِنْ سُبِقَ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ»، يُخرِجُ المالَ المشروطَ أحدُ المتسابقينِ، حتَّى إذا سَبَقَ استردَ مالَه، وإن سُبِقَ أخذَ العوضَ صاحبُه السابقُ، وليسَ هذا منَ القِمارِ المحرَّمِ؛ لأنَّ الدفعَ من طرفٍ واحدٍ، يقولُ الرافعيُّ ﵀: «القِمارُ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ منهما مُتَرَدِّدًا بينَ أنْ يغنمَ ويغرمَ، وليسَا ولا واحدٌ منهما","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (١٠١٤٢)، وأبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥)، وابن ماجه (٢٨٧٨)، وابن حبَّان (٣٩٠٦)، والسبَقُ: هو المالُ المشروطُ في السباقِ، والنصلُ: القِسْمُ الذي يجرحُ منَ السهمِ أو الرمحِ ونحوِهما، والمرادُ الرميُ به، والخفُّ؛ أي: ذواتُ الخفافِ، كالإبلِ والفيلةِ، والحافرُ؛ أي: ذواتُ الحوافرِ، كالخيلِ والبغالِ والحميرِ.\r(¬٢) ولا تجوزُ مهارشةُ الديكةِ ومناطحةُ الكباشِ، وأمثالُ ذلك، لا بعوضٍ ولا بغيرِه؛ لأنَّ فعلَ ذلك سفَهٌ، ومِن فعلِ قومِ لوطٍ الذين أهلكَهم اللهُ بذنوبِهم، ولأنَّها ليسَتْ من آلاتِ القتالِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355066,"book_id":264,"shamela_page_id":461,"part":null,"page_num":465,"sequence_num":461,"body":"كذلك، أمَّا المُخرجُ فإنَّه مُتردِّدٌ بينَ أنْ يغرمَ وبينَ ألا يغرمَ، ولا يغنمُ بحالٍ، وأمَّا الآخرُ فمترددٌ بينَ أنْ يغنمَ، وبينَ أنْ لا يغنمَ، ولا يغرمُ بحالٍ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ أَخْرَجَاهُ مَعًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ الْعِوَضَ وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَغْرَمْ»، إنْ أخرجَ المتسابقانِ العوضَ معًا لم يجزْ حينئذٍ إلا أنْ يُدخِلَا بينهما محلِّلًا، وسمِّيَ محلِّلًا لأنَّه يحللُ العقدَ، ويخرجُه عن صورةِ القمارِ المحرمةِ فإنَّ المحللَ إنْ سبقَ المتسابقَينِ أخذَ ما أخرجاه مِن العوضِ لنفسِه؛ سواءٌ أجاءَا معًا أم مرتبًا لسبقِه لهما، وإنْ سبقاه وجاءَا معًا لم يغرَمْ لهما شيئًا ولا شيءَ لأحدِهما على الآخرِ، وإن جاءَ المحلِّلُ معَ أحدِ المتسابقينِ وتأخرَ الآخرُ فمالُ هذا لنفسِه؛ لأنَّه لم يسبقْه أحدٌ، ومالُ المتأخرِ للمحلِّلِ.\rويجوزُ أنْ يكونَ العوضُ مشروطًا مِن غيرِهما، كأنْ يشرطَه الإمامُ منْ بيتِ المالِ، أو أحدُ الرعيةِ منْ مالِه، للسابقِ منهما.\rواللهُ تعالى أعلمُ.","footnotes":"(¬١) «العزيز شرح الوجيز» (١٢/ ١٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355067,"book_id":264,"shamela_page_id":462,"part":null,"page_num":466,"sequence_num":462,"body":"كتابُ الأَيْمَانِ والنُّذُور\rالأيمانُ في اللغةِ: جمعُ يمينٍ، وهو القَسَمُ، واليَمينُ: اليدُ اليُمنى، وكانوا إذا تحالفوا تصافحوا بالأيمانِ تأكيدًا لما عقدوا، فسمِّي القَسَمُ يمينًا؛ لاستعمالِ اليمينِ فيه.\rوفي الاصطلاحِ: تأكيدُ ما يحتمِلُ المخالفةَ بذكرِ اسمٍ منْ أسماءِ اللهِ تعالى، أو صفةٍ منْ صفاتِه.\rوالأصلُ فيه قبلَ الإجماعِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].\rوأحاديثُ، منها: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قالَ: أكثرُ ما كانَ النَّبيُّ ﷺ يحلفُ: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» (¬١).\rوالنَّذرُ في اللُّغةِ: مصدرُ نذَرْتُ أنْذرُ -بضمِّ الذالِ وكسرِها- أي: أوجبْتُ على نفسي شيئًا لم يكنْ واجبًا عليَّ.\rوفي الاصطلاحِ: هو التزامُ قربةٍ غيرِ لازمةٍ بأصلِ الشَّرعِ.\rوالأصلُ فيه آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٩٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355068,"book_id":264,"shamela_page_id":463,"part":null,"page_num":467,"sequence_num":463,"body":"[الحج: ٢٩]، وقولُه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].\rوأحاديثُ، منها: حديثُ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إِلَّا بِاللهِ تعالى، أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ»، لا يصحُّ اليمينُ ولا يترتبُ عليه آثارُه إلا إذا كانَ باللهِ تعالى، أو باسمٍ منْ أسمائِه الحُسنى، كقولِ: «واللهِ لأفعلَنَّ كذا»، أو «والرحمنِ لأفعلَنَّ كذا»، أو بصفةٍ منْ صفاتِه الحُسنى، كقولِه: «وعزةِ اللهِ لأفعلَنَّ كذا»، أو «وعظمةِ اللهِ لأفعلَنَّ كذا»، ودليلُ ذلك حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» (¬٢).\rوقد سبقَ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ أكثرَ ما كانَ النَّبيُّ ﷺ يحلفُ: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ»، إذا حلفَ إنسانٌ بصدقةِ مالِه، كقولِه -مثلًا-: «للهِ عليَّ أنْ أتصدقَ بمالي إنْ فعلتُ كذا»، فالحالفُ مخيرٌ بينَ الوفاءِ بما حلفَ عليه والتزامِه منَ الصدقةِ بمالِه، أو الكَفَّارةِ، وهذا يعبرُ عنه العلماءُ تارةً بيمينِ اللَّجَاجِ والغضبِ، وتارةً بنذرِ اللَّجَاجِ والغضبِ، وأضيفَ إلى اللجَاجِ -وهو التمادي في","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٣٦١٨).\r(¬٢) رواه البخاري (٢٥٣٣)، ومسلم (١٦٤٦).\r(¬٣) رواه البخاري (٦٩٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355069,"book_id":264,"shamela_page_id":464,"part":null,"page_num":468,"sequence_num":464,"body":"الخصومةِ- وإلى الغضبِ؛ لأنَّه غالبًا يحصلُ عندَهما، وسواءٌ كان يمينًا أو نذرًا فقدْ جاءَ في حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا شَيْءَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ»، لغوُ اليمينِ: هو ما يجري على اللسانِ دونَ قصدِ الحلفِ، وهذا لا كفارةَ فيه ولا إثمَ، قالَ تعالى: ﴿لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]؛ أي: قصدتموه وعزمْتُم عليه.\rوقد سُئلتْ عائشةُ ﵂ عن لَغْوِ اليمينِ فقالَت: «هو قولُ الرَّجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ» (¬٢).\rوفي روايةٍ: «هو كلامُ الرَّجلِ في بيتِه: كلَّا واللهِ، وبلى واللهِ» (¬٣).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِفِعْلِهِ لَمْ يَحْنَثْ»، الحِنْثُ هو عدمُ الوفاءِ باليمينِ، وهو في الأصلِ الذنبُ، قالَ تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]، وأُطلقَ الحِنْثُ على ما ذكر؛ لأنَّه سببٌ له، ومَنْ حلفَ أنْ لا يفعلَ شيئًا فأمرَ غيرَه بفعلِه لم يحنَثْ؛ لأنَّه لم يباشرِ الفعلَ، والفعلُ يُنسبُ إلى مَنْ باشرَه.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٦٤٥).\r(¬٢) رواه البخاري (٤٣٣٧).\r(¬٣) رواه أبو داود (٣٢٥٤)، وابن حبَّان (٤٦٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355070,"book_id":264,"shamela_page_id":465,"part":null,"page_num":469,"sequence_num":465,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ أَمْرَيْنِ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَحْنَثْ»، وذلك كما لو حلفَ أنْ لا يلبسَ هذينِ الثوبينِ، أو أنْ لا يكلمَ زيدًا وعمْرًا، فلبسَ أحدَ الثوبينِ، أو كلَّمَ أحدَ الرجُلينِ، فلا يحنَثُ؛ لأنَّ يمينَه على مجموعِ الأمرين، أمَّا لو قالَ: واللهِ لا ألبسُ هذا ولا هذا، أولا أكلِّمُ زيدًا ولا عمْرًا، فإنه يحنثُ بلبسِ أحدِ الثوبين، أو بتكليمِ أحدِ الرجُلينِ، لأنَّ إعادةَ حرفِ النَّفيِ تجعلُ كلًّا منهما مقصودًا باليمينِ على انفرادٍ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:\r١ - عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»، بلا عيبٍ يخِلُّ بعملٍ أو كسْبٍ.\r٢ - «أَوْ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، كُلُّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أَوْ كِسْوَتُهُمْ ثَوْبًا ثوبًا»، ويكونُ المُدُّ مِن غالبِ قُوتِ أهلِ البلدِ، وهو يُساوي بالوزنِ (٦٠٠) جرامًا تقريبًا، وكذلك الثوبُ يكونُ مما يُعتادُ لُبسُه، كقميصٍ، أو عمامةٍ، أو خمارٍ، أو إزارٍ، ولا يشترطُ كونُه جديدًا؛ فيجوزُ دفعُه ملبوسًا لم تذهبْ قوتُه.\r٣ - «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»، إذا لم يجدِ المُكَفِّرُ شيئًا من الثلاثةِ السابقةِ، فيلزمُه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ، ولا يجبُ تتابعُها لقولِه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355071,"book_id":264,"shamela_page_id":466,"part":null,"page_num":470,"sequence_num":466,"body":"«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ النَّذر\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالنَّذْرُ يَلْزَمُ فِي الْمُجَازَاةِ عَلَى مُبَاحٍ وَطَاعَةٍ، كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ أَوْ أَصُومَ أَوْ أَتَصَدَّقَ، وَيَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ»، يصحُّ النذرُ وتترتبُ عليه آثارُه ويلزمُ الوفاءُ به إنْ كانَ بالتزامِ فعلِ طاعةٍ مكافأةً على حصولِ أمرٍ مباحٍ محبوبٍ للنفسِ طبعًا؛ من إصابةِ خيرٍ أو دفعِ شرٍّ، كأنْ يقولَ: إنْ شفى اللهُ مريضي فللهِ عليَّ أنْ أصلِّيَ أو أصومَ أو أتصدقَ، فإنْ شفى اللهُ مريضَه لزمَه من ذلك ما يقعُ عليه الاسمُ من صلاةٍ، وأقلُّها ركعتان، أو صومٌ وأقلُّه يومٌ، أو الصدقةُ وهي أقلُّ شيءٍ مما يُتموَّلُ، وهذا كلُّه إذا أَطلقَ ولم يعينْ، فإنْ عيَّنَ عددًا أومقدارًا لزمَه ما عيَّنَهُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، كَقَوْلِهِ: إِنْ قَتَلْتُ فُلَانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا»، لا ينعقدُ النَّذرُ في معصيةِ اللهِ، ولا يترتبُ عليه شيءٌ؛ إلا إنْ نوى به اليمينَ فتلزمُه كفارةُ يمينٍ، ودليلُ ذلك حديثُ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» (¬١).\rوحديثُ عمرانَ بنِ حصينٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٣١٨).\r(¬٢) رواه مسلم (١٦٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355072,"book_id":264,"shamela_page_id":467,"part":null,"page_num":471,"sequence_num":467,"body":"والمرادُ أنَّه لا ينعقدُ ولا يترتبُ عليه شيءٌ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَلْزَمُ النَّذْرُ عَلَى تَرْكِ مُبَاحٍ، كَقَوْلِهِ: لَا آكُلُ لَحْمًا، وَلَا أَشْرَبُ لَبَنًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ»، لا ينعقدُ النذرُ على تركِ مُباحٍ، كما لو نَذَرَ أنْ لا يأكلَ لحمًا ولا يشربَ لبنًا، ومثلُ التَّركِ الفعلُ، كما لو نذرَ أنْ يأكلَ لحمًا أو يشربَ لبنًا، ودليلُ ذلك حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: بينَما النَّبيُّ ﷺ يخطبُ، إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسألَ عنه، فقالوا: أبو إسرائيلَ، نذرَ أن يقومَ ولا يقعدَ، ولا يستظلَّ ولا يتكلمَ، ويصومَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (¬١).\rوالأمرُ بإتمامِ الصومِ لأنَّه طاعةٌ، ويلزمُ الوفاءُ بها إذا نذرَها.\rواللهُ تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) رواه البُخاري (٦٣٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355073,"book_id":264,"shamela_page_id":468,"part":null,"page_num":472,"sequence_num":468,"body":"كتابُ الأقْضِيَةِ والشَّهَادَات\rالأقضيةُ في اللغةِ: جمعُ قضاءٍ، وهو إحكامُ الشيءِ وإمضاؤُه.\rوفي الاصطلاحِ: فصلُ الخصومةِ بينَ خَصمينِ فأكثرَ بحكمِ اللهِ تعالى.\rوالأصلُ في مشروعيتِه قبلَ الإجماعِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]، وقولُه تعالى: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢].\rوأحاديثُ، منها: حديثُ عمرِو بنِ العاصِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (¬١).\rوالشهاداتُ في اللغةِ: جمعُ شهادةٍ، وهي الخبرُ القاطعُ، والشاهدُ حاملُ الشهادةِ ومؤدِّيها؛ لأنَّه مشاهدٌ لما غابَ عن غيرِه.\rوفي الاصطلاحِ: إخبارُ الشَّخصِ بحقٍّ لغيرِه على غيرِه بلفظِ \"أشهدُ\".","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦)، والمراد بالحاكم هنا القاضي، كما جاء في رواية الدارقطني (٤٤٦٤)، وفيها: «إِذَا قَضَى الْقَاضِي فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ, وَإِذَا قَضَى فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355074,"book_id":264,"shamela_page_id":469,"part":null,"page_num":473,"sequence_num":469,"body":"والأصلُ في مشروعيتِها قبلَ الإجماعِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\rوأحاديثُ، منها: حديثُ الأشعثِ بنِ قيسٍ ﵁ قالَ: كانَتْ بيني وبينَ رَجُلٍ خصومةٌ في بئرٍ، فاختصمْنا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ إِلَّا مَنِ اسْتَكْمَلَتْ فِيهِ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً:\r١ - الْإِسْلَامُ»، فلا تصحُّ ولايةُ كافرٍ ولو على كفَّارٍ، وما جرَت به العادةُ مِن نصْبِ شخصٍ منهم للحكمِ بينَهم، فهو تقليدُ رياسةٍ وزعامةٍ لا تقليدُ حكْمٍ وقضاءٍ، ولا يلزمُ أهلَ الذِّمَّةِ الحكمُ بإلزامِه بل بالتزامِهم، ولا يُلزمون بالتَّحاكمِ عندَه (¬٢).\r٢، ٣ - «وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ»، فلا تصحُّ ولايةُ الصبيِّ والمجنونِ للقضاءِ؛ لأنَّه لا يتعلَّقُ بقولِهما حكمٌ على أنفسِهما؛ فعلى غيرِهما من بابِ أَولَى.\r٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تصحُّ ولايةُ العبدِ للقضاءِ؛ لأنَّ أمرَه بيدِ سيدِه.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٣٨٠)، ومسلم (١٣٨).\r(¬٢) «مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» (٤/ ٣٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355075,"book_id":264,"shamela_page_id":470,"part":null,"page_num":474,"sequence_num":470,"body":"٥ - «وَالذُّكُورَةُ»، فلا تصحُّ ولايةُ المرأةِ للقضاءِ؛ لحديثِ أبي بكرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (¬١).\r٦ - «وَالْعَدَالَةُ»، فلا تصحُّ ولايةُ الفاسقِ للقضاءِ؛ لأنَّه لا يُوثقُ بقولِه، ولا يؤمنُ الجَوْرُ في حُكمِه.\r٧ - «وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ»، يُشترطُ في مَن يَلي القضاءَ أن يكونَ على معرفةٍ بالأحكامِ الثابتةِ بالكتابِ العزيزِ، والسنةِ المطهرةِ، أمَّا الكِتابُ فيَعرفُ منه العامَّ والخاصَّ، والمحكَمَ والمتشابِهَ، والمجمَلَ والمبيَّنَ، والمطلقَ والمقيَّدَ، والناسخَ والمنسوخَ، وهكذا، وأمَّا السنَّةُ فيَعرفُ منها الآحادَ والمتواترَ، والمتصلَ والمنقطعَ، وحالَ الرواةِ قوةً وضعفًا، وهكذا؛ لأنَّه بذلك يَتَمَكَّنُ منَ الترجيحِ عندَ تعارُضِ الأدلَّةِ، فيُقَدِّمُ الخاصَّ على العامِّ، والمقيَّدَ على المطلقِ، والمبيَّنَ على المجملِ، والناسخَ على المنسوخِ، والمتواترَ على الآحادِ، والمتصلَ على المنقطعِ، ومَن ثبتَتْ عدالةُ رواتِه وضبطُهم على مَن لم تثبتْ، وهكذا.\r٨ - «وَمَعْرِفَةُ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ على علمٍ بأقوالِ الصحابةِ والتابعين والأئمةِ المجتهدينَ، وما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، ليتَّبعَ ما أجمعوا عليه، ويجتهدَ فيما اختلفوا فيه، قال الغَزِّيُّ ﵀: «ولا يشترطُ معرفتُه لكلِّ فردٍ من أفرادِ الإجماعِ، بل يكفيه في المسألةِ التي يُفتي","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤١٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355076,"book_id":264,"shamela_page_id":471,"part":null,"page_num":475,"sequence_num":471,"body":"بها، أو يحكمُ فيها؛ أنَّ قولَه لا يخالفُ الإجماعَ» (¬١).\r٩ - «وَمَعْرِفَةُ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ على معرفةٍ بطرقِ الاجتهادِ المؤديةِ إلى استنباطِ الأحكامِ مِن أدلتِها الشرعيةِ.\r١٠ - «وَمَعْرِفَةُ طَرَفٍ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ على معرفةِ طرفٍ من لسانِ العربِ من لغةٍ ونحوٍ وصرفٍ؛ وما لا بدَّ منه في فَهْمِ الكتابِ والسُّنَّةِ.\r١١ - «وَمَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى»، يُشترطُ في مَنْ يلي القضاءَ أنْ يكونَ على معرفةِ طرفٍ مِن تفسيرِ كتابِ اللهِ تعالى؛ ليعرفَ به الأحكامَ المأخوذةَ منه.\r١٢ - «وَأَنْ يَكُونَ سَمِيعًا»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ سميعًا، فلا يُولَّى أصمُّ؛ لأنَّه لنْ يتمكنَ من سماعِ الخصومِ، ولا التمييزِ بينَ الإقرارِ والإنكارِ.\r١٣ - «وَأَنْ يَكُونَ بَصِيرًا»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أن يكونَ بصيرًا، ليميزَ بينَ الخصومِ والشهودِ، ويعرفَ الطالبَ من المطلوبِ؛ لأنَّ الأعمى لا يميزُ إلا بالصوتِ، والصوتُ قد يشتبهُ.\r١٤ - «وَأَنْ يَكُونَ كَاتِبًا»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ كاتبًا؛ لاحتياجِه إلى أنْ يكتبَ إلى غيرِه، ولأنَّ فيه أمنًا مِنْ تحريفِ القارئِ عليه.","footnotes":"(¬١) «فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب» (ص: ٣٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355077,"book_id":264,"shamela_page_id":472,"part":null,"page_num":476,"sequence_num":472,"body":"١٥ - «وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَيْقِظًا»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ يقِظًا غيرَ مغفَّلٍ، بحيثُ لا يُخدعُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ وَلَا حَاجِبَ لَهُ»، يُستحبُ أنْ ينزلَ القاضي في وسطِ البلدِ؛ ليتساوى أهلُه في القُربِ منه، ويجلسَ في موضعٍ فسيحٍ ظاهرٍ للناسِ، بحيثُ يراه المستوطنُ والغريبُ والقويُّ والضعيفُ، ويكونَ مجلسُه مَصونًا مِن أذى حَرٍّ وبردٍ، ولا يتخذَ حاجبًا يحجبُ الناسَ ويمنعُهم منَ الدخولِ عليه وقتَ جلوسِه للحكمِ؛ لحديثِ أبي مريمَ الأزديِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ وَلَّاهُ اللهُ ﷿ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَقْعُدُ لِلْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ»، لا يجلسُ القاضي للقضاءِ بينَ الخصومِ في المسجدِ؛ صَونًا له عنِ الصِّياحِ واللَّغطِ والخصوماتِ، ولأنَّه قد يحضرُ إلى مجلسِ القضاءِ مَن ليسَ لهم أنْ يمكثوا في المسجدِ، كالحُيَّضِ، وكذلك مَن لا يليقُ دخولُهم المسجدَ، كالصغارِ والمجانينِ والكُفَّارِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَوِّي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:\r١ - فِي الْمَجْلِسِ»؛ يجبُ على القاضي أن يسوَيَ بينَ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٨٧٠٣)، وأبو داود (٢٩٤٨)، والترمذي (١٣٣٣)، والحاكم (٧٠٢٧)، وصححه، وأقره الذهبي. و «الخلةُ»: الحاجةُ وما في معناها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355078,"book_id":264,"shamela_page_id":473,"part":null,"page_num":477,"sequence_num":473,"body":"الخصومِ في المجلسِ كأنْ يُجلسَهما بينَ يديهِ، فلا يجعلُ أحدَهما أقربَ إليه مِن الآخرِ؛ لأنَّ هذا مِنَ العدلِ.\r٢ - «وَاللَّفْظِ»، يجبُ على القاضي أنْ يسمعَ مِن جميعِ الخصومِ، فلا يسمعُ كلامَ أحدِهما دونَ الآخرِ.\r٣ - «وَاللَّحْظِ»، يجبُ على القاضي أنْ يسوِّيَ بينَ الخصومِ في اللَّحظِ والنظرِ ما استطاعَ إلى ذلك سبيلًا، فلا ينظرُ إلى أحدِ الخَصمينِ ويُقبلُ عليه أكثرَ مِنَ الآخرِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ»؛ أي: الذين يرجعون إليه في حلِّ خصوماتِهم والفصلِ في منازعاتِهم؛ لحديثِ أبي حُميدٍ الساعديِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ استَعْملَ عاملًا، فجاءَه العاملُ حينَ فرغَ من عملِه، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هذا لكم، وهذا أُهْديَ لي، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: «أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا؟!»،ثُمَّ قامَ النَّبيُّ ﷺ عَشِيَّةً بعدَ الصلاةِ، فتشهدَ وأثنى على اللهِ بما هو أهلُه، ثُمَّ قالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ العَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ: هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٢٦٠)، ومسلم (١٨٣٢)، و «استعمل عاملًا»؛ أي: وظَّفه على جمعِ الزكاةِ، و «مِنْ عَمَلِكُمْ»؛ أي: الذي كلفتموني به، و «لَا يَغُلُّ»؛ من الغُلولِ، وهو في الأصلِ: الأخذُ من الغنيمةِ قبلَ قسمتِها، وسُميت هديةُ العامل غلولًا بجامعِ أن كلًّا منهما فيه خيانةٌ وإخلالٌ بالأمانةِ؛ لأنَّ الهديةَ غالبًا ما تحملُ العاملَ على ذلك، ولذلك فهي حرامٌ كالغلولِ، و «رُغَاءٌ»؛ هو صوتُ الإبلِ، و «خُوَارٌ»؛ هو صوتُ البقرِ، و «تَيْعَرُ»؛ هو من اليُعار، وهو صوتُ الغنمِ والمعزِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355079,"book_id":264,"shamela_page_id":474,"part":null,"page_num":478,"sequence_num":474,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجْتَنِبُ الْقَضَاءَ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ:\r١ - عِنْدَ الْغَضَبِ»، وهو ثورانُ دمِ القلبِ؛ لإرادةِ الانتقامِ.\r٢، ٣ - «وَالْجُوعِ، وَالْعَطَشِ»؛ أي: المفرِطَين.\r٤ - «وَشِدَّةِ الشَّهْوَةِ»، وهي التَّوقانُ للجماعِ.\r٥، ٦ - «وَالْحُزْنِ، وَالْفَرَحِ الْمُفْرِطِ»، لو قال ﵀: المفرِطَينِ لكان أولى؛ لأنَّه قيدٌ في الحزنِ أيضًا.\r٧ - «وَعِنْدَ الْمَرَضِ»؛ أي: المؤلمِ المُقْلِقِ.\r٨ - «وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ»؛ أي: البولِ والغائطِ.\r٩ - «وَعِنْدَ النُّعَاسِ»؛ أي: إذا غلبتْه عيناه.\r١٠ - «وَشِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ»؛ أي: المفرِطَينِ.\rودليلُ ذلك حديثُ أبي بكرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (¬١).\rفقد دلَّ الحديثُ على النَّهيِ عن القضاءِ حالَ الغضبِ، وقِيس على الغضبِ ما ذُكر؛ لأنَّه في معناه من حيثُ تغيُّرُ النفسِ، وخروجِها عن الطبيعةِ التي تؤهِّلُها للنظرِ والفكرِ والاجتهادِ لمعرفةِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٧٣٩)، ومسلم (١٧١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355080,"book_id":264,"shamela_page_id":475,"part":null,"page_num":479,"sequence_num":475,"body":"الحكمِ، يقولُ ابنُ حجرٍ ﵀ في شرحِ هذا الحديثِ: «وفيه النَّهيُ عن الحكمِ حالةَ الغضبِ؛ لما يحصلُ بسببِه من التغيرِ الذي يختلُّ به النَّظرُ، فلا يحصلُ استيفاءُ الحُكمِ على الوجهِ، وعدَّاه الفقهاءُ بهذا المعنى إلى كلِّ ما يحصلُ به تغيُّرُ الفكرِ، كالجوعِ والعطشِ المفرِطَينِ، وغلبةِ النُّعاسِ، وسائرِ ما يتعلقُ به القلبُ تعلُّقًا يشغلُه عن استيفاءِ النَّظرِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ كَمَالِ الدَّعْوَى، وَلَا يُحَلِّفُهُ إِلَّا بَعْدَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي»، لا يسألُ القاضي المدَّعَى عليه الجوابَ إلا بعدَ فراغِ المدعِي مِن بيان دعواه، وكذلك لا يجوزُ للقاضي أنْ يُحلِّفَ المدَّعَى عليه إلا بعدَ طلبِ المدعِي تحليفَه؛ لأنَّ استيفاءَ اليمينِ مِن المدعَى عليه حقٌّ للمدَّعِي، فيتوقُف على إذنِه وطلبِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُلَقِّنُ خَصْمًا حُجَّةً، وَلَا يُفْهِمُهُ كَلَامًا»، لا يلقنُ القاضي خصمًا من الخصومِ حجةً يستظهرُ بها على خَصمِه، ولا يُفهمُه كلامًا يعرفُ به كيفيةَ الدَّعوى وكيفيةَ الجوابِ أو الإقرارِ أو الإنكارِ؛ لما في ذلك من إظهارِ المَيلِ له والإضرارِ بخَصمِه.\rقال أبو شجاعٍ ﵀: «وَلَا يَتَعَنَّتُ بِالشُّهَدَاءِ»؛ أي: لا يَشُقُّ عليهم ويؤذيهم بالقولِ ونحوِه، كأنْ يهزأَ بهم، أو يعارضَهم في أقوالِهم، أو يُشدِّدَ عليهم في التعرفِ على كيفيةِ تحمُّلِهم","footnotes":"(¬١) «فتح الباري شرح صحيح البخاري» (١٣/ ١٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355081,"book_id":264,"shamela_page_id":476,"part":null,"page_num":480,"sequence_num":476,"body":"للشهادةِ، وهذا إذا كان ظاهرُ حالِهم الصدقَ، وكمالَ العقلِ؛ لأنَّ مثلَ ذلك ينفِّرُ من الشَّهادةِ وتحمُّلِها أو أدائِها، والناسُ في حاجةٍ إليها، قال تعالى: ﴿ولا يضارَ كاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإن تَفْعَلُوا فَإنَّه فسوقٌ بِكمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَقْبَلُ الشَّهَادَةَ إِلَّا مِمَّنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ»، وتثبتُ العدالةُ بمعرفةِ القاضي للشاهدِ، أو بتزكيةِ عدلَينِ له عندَه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ، وَلَا شَهَادَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ، وَلَا وَلَدٌ لِوَالِدِهِ»، وذلك لتُهمةِ التَّحاملِ على العدوِّ، والمحاباةِ للوالدِ أو الولدِ، والأصلُ في ردِّ الشهادةِ للتهمةِ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النَّبيَّصلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» (¬١).\rوفي روايةٍ لعائشةَرضي الله عنها: «وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ قَاضٍ إِلَى قَاضٍ آخَرَ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ بِمَا فِيهِ»، إذا حكم قاضٍ على غائبٍ، وكتب إلى القاضي الذي في بلدِه بما حكمَ به ليُنفذَه عليه، اشترط أنْ يشهدَ على الكتابةِ شاهدَينِ، يشهدانِ أمامَ القاضي المكتوبِ إليه بمضمونِ الكتابِ.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٦٦٩٨)، وأبو داود (٣٦٠١)، وابن ماجه (٢٣٦٦)، وسندُه حسنٌ، والغِمرُ: الحقدُ.\r(¬٢) رواه الترمذي (٢٢٩٨)، والظنينُ: المتهمُ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355082,"book_id":264,"shamela_page_id":477,"part":null,"page_num":481,"sequence_num":477,"body":"«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ القِسْمَة\rالقِسمةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من قَسَمَ الشيءَ يَقْسِمُه قَسْمًا، والقِسْمُ: النَّصيبُ والحظُّ، وجمعُه أقسامٌ، يُقالُ: هذا قِسْمُك، وهذا قِسْمِي، قال تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤]، وهي الملائكةُ تُقَسِّمُ ما وُكِّلَتْ به.\rوفي الاصطلاح: تمييزُ الأنصباءِ بعضِها من بعضٍ.\rوالقاسمُ: هو الذي يُنصِّبُه القاضي ليقسِمَ الأشياءَ المشتركةَ بينَ الناسِ، ويميزَ نصيبَ كلِّ شريكٍ من نصيبِ غيرِه.\rوالأصلُ في مشروعيتِها قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى في الميراثِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ [النساء: ٨].\rوأيضًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقسمُ الغنائمَ بينَ مستحقِّيها، وكذلك الخلفاءُ الراشدونَ مِن بعدِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَفْتَقِرُ الْقَاسِمُ إِلَى سَبْعَةِ شَرَائِطَ:\r١ - الْإِسْلَامُ»، يُشتَرطُ في القاسمِ أن يكونَ مسلمًا؛ لأنَّ له نوعًا من الولايةِ على من يقسمُ لهم، وقسمتُه مُلزِمةٌ، ولا وَلايةَ لكافرٍ على مسْلمٍ.\r٢ - «وَالْبُلُوغُ»؛ لأنَّ له نوعًا من الولايةِ -كما سبق- والصبيُّ لا يلِي أمرَ نفسِه، فلا يلي أمرَ غيرِه من بابِ أولى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355083,"book_id":264,"shamela_page_id":478,"part":null,"page_num":482,"sequence_num":478,"body":"٣ - «وَالْعَقْلُ»؛ لأنَّ المجنونَ ممنوعٌ من التصرفِ لنفْسِه، فلا يَكونُ متصرِّفًا لغيْرِه.\r٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»؛ لأنَّ هذا العملَ يستدعي فراغًا، والعبدُ مشغولٌ بخدمةِ سيِّدِه.\r٥ - «وَالذُّكُورَةُ»؛ لحديثِ أبي بكرةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (¬١).\r٦ - «وَالْعَدَالَةُ»؛ لأنَّ الفاسقَ غيرُ مؤتمنٍ.\r٧ - «وَالْحِسَابُ»، يشترطُ في القاسمِ أنْ يكونَ على معرفةٍ بالحسابِ، وكذلك المساحةِ، وما يُحتاجُ إليه حسبَ المقسومِ؛ لأنَّ ذلك آلةُ القسمةِ، كما أنَّ معرفةَ أحكامِ الشرعِ آلةُ القضاءِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ تَرَاضَى الشَّرِيكَانِ بِمَنْ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى ذَلِكَ»، وإذا لم يكنِ القاسمُ منصوبًا من جهةِ القاضي ورضي الشريكانِ بأنْ يقسمَ بينهمالم يفتقرِ القاسمُ إلى جميعِ الشروطِ السابقةِ؛ لأنَّه وكيلٌ عنهما، ولكنْ يُشترطُ فيه أنْ يكونَ مُكَلَّفًا؛ أي: بالغًا عاقلًا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ لَمْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ»، إن كان في القسمةِ تقويمٌ لم يكْفِ إلا قاسمانِ؛ لأنَّ التقويمَ تقديرُ قيمةِ الشيءِ المقسومِ، فهو شهادةٌ بالقيمةِ، فيشترطُ فيه العددُ.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٤١٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355084,"book_id":264,"shamela_page_id":479,"part":null,"page_num":483,"sequence_num":479,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا دَعَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَهُ إِلَى قِسْمَةِ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، لَزِمَ الْآخَرُ إِجَابَتَهُ»، إذا دعا أحدُ الشريكينِ شريكَه إلى قسمةِ ما لا ضررَ فيه، كدارٍ كبيرةٍ، أو دراهمَ أو ثيابٍ متعددةٍ، أو نحوِ ذلك، لزم الشريكَ الآخرَ إجابتُه إلى القسمةِ؛ إذ قد يكونُ في استمرارِ الشركةِ ضررٌ عليه، أما لو كان في القسمة ضررٌ، فإنَّه لا تلزمُه إجابتُه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكام البَيِّنَة\rالبينةُ في اللغة: الدَّلالةُ الواضحةُ؛ سواءٌ كانت عقليةً أو حِسِّيَّةً.\rوفي الاصطلاحِ: اسمٌ لما يُبيِّنُ الحقَّ ويُظهرُه.\rوالأصلُ في مشروعيتِها أحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (¬٢).\rوحديثُ الأشعثِ بنِ قيسٍ ﵁ قال: كان بيني وبين رجلٍ أرضٌ باليمنِ، فخاصمتُه إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟»، فقلتُ: لا، قال: «فَيَمِينُهُ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٨٦٧)، وابن ماجه (٢٣٤٠)، وصححه السيوطي في «الجامع الصغير» (٢/ ٣٩٧).\r(¬٢) رواه البخاري (٤٢٧٧)، ومسلم (١٧١١).\r(¬٣) رواه البخاري (٢٥٢٣)، ومسلم (١٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355085,"book_id":264,"shamela_page_id":480,"part":null,"page_num":484,"sequence_num":480,"body":"وفي روايةٍ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ»، إذا كان مع المدعِي بينةٌ على ما ادَّعاه سمِعها منه القاضي وحكم له بها، فإن لم تكنْ معه بينةٌ فالقولُ حينئذٍ قولُ المُدَّعَى عليه لموافقتِه الظاهرَ؛ ولكن بيمينِه، فإن امتنع المدَّعَى عليه عن اليمينِ بعدَ عرضِها عليه رُدَّتْ اليمينُ حينئذٍ على المدَّعِي فيحلفُ ويستحقُّ بيمينِه لا بنكولِ خَصمِه؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ: «رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ» (¬٢).\rويبينُ القاضي حكمَ النُّكولِ للجاهلِ به؛ بأنْ يقولَ له: إن نكلتَ عن اليمينِ حلفَ المدعِي وأخذ منك الحقَّ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا تَدَاعَيَا شَيْئًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدَيْهِمَا تَحَالَفَا، وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا»، إذا ادعى الخصمانِ عينًا في يدِ أحدِهما، ولا بينةَ لواحدٍ منهما، فالقولُ حينئذٍ قولُ صاحبِ اليدِ بيمينِه إنها ملكُه؛ إذ اليدُ من الأسبابِ المرجِّحةِ، فإن كانت العينُ في يديهما ولا بينةَ لهما حلفَ كلٌّ منهما على نفيِ أنْ تكونَ ملكًا للآخرِ؛ لحديثِ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ أنَّ رجلين ادَّعيَا بعيرًا إلى النَّبيِّ ﷺ، وليست لواحدٍ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٣٨٠).\r(¬٢) رواه الحاكم (٧٠٥٧)، وصححه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355086,"book_id":264,"shamela_page_id":481,"part":null,"page_num":485,"sequence_num":481,"body":"منهما بينةٌ، فجعله النَّبيُّ ﷺ بينهما» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ حَلَفَ عَلى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ: فَإِنْ كَانَ إِثْبَاتًا حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ»، مَن حلفَ على فعلِ نفسِه نفيًا أو إثباتًا حلفَ على سبيلِ الجزمِ والقطعِ؛ لعلمِه بحالِ نفسِه، ومَن حلفَ على فعلِ غيرِه ففيه تفصيلٌ: إنْ كان إثباتًا حلفَ على سبيلِ الجزمِ والقطعِ؛ لسهولةِ الاطلاعِ على المثبتِ والعلمِ به، وإنْ كان نفيًا حلفَ على نفيِ العلمِ، كأنْ يقولَ: واللهِ لا أعلمُ أنَّ فلانًا فعلَ كذا.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الشَّهادات\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا مِمَّنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ:\r١ - الْإِسْلَامُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ كافرٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والكافرُ ليس بعدلٍ، وليس منَّا، ولأنه يكذبُ على اللهِ تعالى، فلا يُؤمنُ من الكذبِ على خلقِه.\r٢ - «وَالْبُلُوغُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ صبيٍّ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٣٦١٣)، ابن ماجه (٢٣٣٠)، والحاكم (٧٠٣١)، وصححه، وأقره الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355087,"book_id":264,"shamela_page_id":482,"part":null,"page_num":486,"sequence_num":482,"body":"٣ - «وَالْعَقْلُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ المجنونِ؛ لأنَّه لا يتعلقُ بقولِه حكمٌ على نفسِه؛ فعلى غيرِه من بابِ أولى.\r٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ رقيقٍ، لأنَّ أداءَ الشهادةِ فيها نوعُ ولايةٍ، والرقيقُ ليس من أهلِها.\r٥ - «وَالْعَدَالَةُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ فاسقٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].\rقال أبو شُجاعٍ ﵀: «وَلِلْعَدَالَةِ خَمْسُ شَرَائِطَ:\r١ - أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ»، الكبائرُ: جمعُ كبيرةٍ، وهي كلُّ ما وردَ فيه وعيدٌ شديدٌ في كتابٍ أو سنةٍ، ودلَّ ارتكابُه على تهاونٍ في الدينِ، كشربِ الخمرِ والتعاملِ بالرِّبا وقذفِ المؤمناتِ بالزِّنا، قال تعالى في شأنِ القاذفينَ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].\r٢ - «غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الصَّغَائِرِ»، الصغائرُ: جمعُ صغيرةٍ، وهي ما لم ينطبقْ عليه تعريفُ الكبيرةِ، كالنَّظرِ المحرمِ، وهجرِ المسلمِ فوقَ ثلاثٍ، ونحوِ ذلك.\r٣ - «سَلِيمَ السَّرِيرَةِ»، سليمُ السريرة: أي سليمُ الاعتقادِ، فلا تُقبلُ شهادةُ مبتدعٍ كمَن يعتقدون جوازَ سبِّ الصحابةِ ﵃.\r٤ - «مَأْمُونَ الْغَضَبِ»؛ أي: لا يتجاوزُ الحدَّ في تصرفاتِه عندَ الغضبِ، ولا يقعُ في الباطلِ والزورِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355088,"book_id":264,"shamela_page_id":483,"part":null,"page_num":487,"sequence_num":483,"body":"٥ - «مُحَافِظًا عَلَى مُرُوءَةِ مِثْلِهِ»؛ أي: متخلِّقًا بأخلاقِ أمثالِه من أبناءِ عصرِه؛ ممن يراعون آدابَ الشرعِ في الزَّمانِ والمكانِ، ويُرْجَعُ في هذا غالبًا إلى العرفِ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي حقوقِ الله تعالى وحقوقِ الآدمين\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْحُقُوقُ ضَرْبَانِ: حُقُوقُ اللهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ؛ فَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ:\r١ - ضَرْبٌ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ، وَهُوَ مَا لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ»، كالنكاحِ والطلاقِ والوصيةِ ونحوِ ذلك؛ لقولِه تعالى في الوصيةِ: ﴿يَا أيهَا الذين آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمْ المَوْتُ حِينَ الوَصِيةِ اثنَانِ ذَوا عَدْل منْكُمَ﴾ [المائدة: ١٠٦].\rوقولِه تعالى في الطلاقِ: ﴿فأمسِكُوهُن بمعرُوفٍ أوْ فَارِقُوهُن بمَعْروفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدل مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].\rوفي حديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» (¬١).\rفَفِي النصوصِ الثلاثةِ وردَ الشهودُ بلفظِ التذكيرِ، وقِيس ما لم يُذكرْ من الحقوقِ على ما ذُكرَ.\r٢ - «وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ","footnotes":"(¬١) رواه ابن حبَّان (١٣٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355089,"book_id":264,"shamela_page_id":484,"part":null,"page_num":488,"sequence_num":484,"body":"وَيَمِينُ الْمُدَّعِي، وَهُوَ مَا كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ الْمَالَ»، كالبيعِ والإجارةِ والرَّهنِ ونحوِ ذلك، ودليلُه قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَين مِنْ رِجَالِكُمْ فَإنْ لَمْ يكُونارَجُلَيْن فَرَجُلٌ وَامْرأتَان مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدَاءِ أنْ تَضِل إحْدَاهمَا فَتُذكرَ إحدَاهمَا الأخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، و ﴿تضل﴾؛ أي: تنسَى.\rوقال ابنُ عباسٍ ﵄: «قَضَى النَّبيُّ ﷺ بِيَمِينٍ وَشَاهدٍ» (¬١).\rقال عمرٌو -أي: ابن دينار- ﵀: «إنَّما ذاكَ في الأموالِ» (¬٢).\r٣ - «وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَهُوَ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ»، كبكارةٍ، وولادةٍ، وحيضٍ، ورَضاعٍ، وعيبِ امرأةٍ تحتَ ثوبِها، واستهلالِ ولدٍ. يقولُ الزهريُّ ﵀: «مضتِ السُّنةُ أنْ تجوزَ شهادةُ النساءِ فيما لا يطَّلعُ عليه غيرُهن من ولاداتِ النساءِ وعيوبِهن» (¬٣).\rوقِيس على ما ذُكر غيرُه مما يشاركُه في معناه، واشتُرِطَ العددُ، لأنَّ الشارعَ جعل شهادةَ المرأتينِ بشهادةِ رجلٍ واحدٍ، وإذا قُبِلَت شهادةُ النساءِ منفرداتٍ في شؤونِهن، فقبولهُا مع اشتراكِ رجلٍ وامرأتينِ أولى؛ لأنَّ الأصلَ في الشهادةِ الرجالُ، وكذلك إذا انفردَ الرجالُ بالشهادةِ.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم (١٧١٢).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٩٧٠).\r(¬٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٠٧٠٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355090,"book_id":264,"shamela_page_id":485,"part":null,"page_num":489,"sequence_num":485,"body":"قال أبو شجاع ﵀: «وَأَمَّا حُقُوقُ اللهِ تَعَالَى فَلَا تُقْبَلُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:\r١ - ضَرْبٌ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَهُوَ الزِّنَا»؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثُمَّانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].\r٢ - «وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانِ، وَهُوَ مَا سُوَى الزِّنَا مِنَ الْحُدُودِ»، كالرِّدةِ، وقتلِ النَّفسِ، والسرقةِ، وشربِ الخمرِ، ونحوِ ذلك.\r٣ - «وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ هِلَالُ رَمَضَانَ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَه وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى إِلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ:\r١ - الْمَوْتُ»، وذلك لأنَّ الموتَ يثبتُ بالتسامعِ، ولأنَّ أسبابَه كثيرةٌ، منها ما يخفَى ومنها ما يظهرُ، وقد يعسرُ الاطلاعُ عليها، فجاز أنْ يعتمدَ فيه على الاستفاضةِ.\r٢ - «وَالنَّسَبُ»، وإنْ لم يعرفْ عينَ المنسوبِ إليه من أبٍ أو جَدٍّ، فيشهدُ أنَّ هذا ابنُ فلانٍ، أو أنَّ هذه بنتُ فلانٍ؛ لأنَّه لا مدخلَ للرؤيةِ فيه، فإنَّ غايةَ الممكنِ أنْ يشاهدَ الولادةَ على","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٢٣٤٢)، وابن حبَّان (١٤٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355091,"book_id":264,"shamela_page_id":486,"part":null,"page_num":490,"sequence_num":486,"body":"الفراشِ، وذلك لا يفيدُ القطعَ، بل الظاهرَ فقط، والحاجةُ داعيةٌ إلى إثباتِ الإنسانِ إلى الأجدادِ المتوفَّينَ فسُومِح فيه.\r٣ - «وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ»، كأنْ يدَّعِي شخصٌ ملكَ شيءٍ ولا منازعَ له فيه، فيشهدُ الأعمى أنَّ هذا الشيءَ مملوكٌ دون أن ينسبَه لمالكٍ معينٍ.\r٤ - «وَالتَّرْجَمَةُ»، إذا اتخذَ القاضي مترجمًا أعمَى فإنَّه تُقبلُ شهادتُه فيها؛ لأنَّ الترجمةَ تعتمِدُ على اللفظِ لا على الرؤيةِ.\r٥ - «وَمَا شَهِدَ بِهِ قَبْلَ الْعَمَى، وَعَلَى الْمَضْبُوطِ»، لو تحملَ الأعمى شهادةً فيما يحتاجُ للبصرِ قبلَ أنْ يطرأ عليه العمَى، شهِدَ بما تحمَّله إن كان المشهودُ له وعليه معروفَيِ الاسمِ والنسبِ؛ لإمكانِ الشهادةِ عليهما، فيقولُ مثلًا: أشهدُ أنَّ فلانَ ابنَ فلانٍ أقرِّ لفلانِ ابنِ فلانٍ بكذا، وكذلك على المضبوطِ عندَه، كأنْ يُقرَّ شخصٌ في أذنِه بنحوِ طلاقٍ أو عتقٍ أو مالٍ لشخصٍ معروفِ الاسمِ والنسبِ، فيتعلقُ الأعمى به ويضبطُه حتى يشهدَ عليه بما سمِعَ منه عندَ القاضي.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ جَارٍّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا دَافِعٍ عَنْهَا ضَرَرًا»، لا تُقبَلُ شهادةُ شخصٍ جارٍّ لنفسِه نفعًا، كأنْ يشهدَ الوارثُ أنَّ مُورِّثه مات قبلَ أنْ يندملَ جرحُه الذي جرحَه شخصٌ ما، وغرضُه من هذه الشهادةِ أخذُ الديةِ، فلا تُقبَلُ شهادتُه، وكذلك لا تُقبَلُ شهادةُ شخصٍ دافعٍ عن نفسه ضررًا؛ كأنْ تشهدَ العاقلةُ في قتلِ الخطإِ أنَّ الشهودَ الذين شهِدوا على القتلِ كانوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355092,"book_id":264,"shamela_page_id":487,"part":null,"page_num":491,"sequence_num":487,"body":"فسقةً حتى لا يتحمَّلوا الديةَ، فحينئذٍ لا تُقبَلُ شهادتُهم، والسببُ في رد هذه الشهادةِ التهمةُ.\rوالله تعالى أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355093,"book_id":264,"shamela_page_id":488,"part":null,"page_num":492,"sequence_num":488,"body":"كتابُ العِتْق\rالعتقُ في اللُّغةِ: خلافُ الرِّقِّ، وهو الحريةُ، يُقالُ: عَتَقَ فلانٌ؛ أي: صار حُرًّا بعدَ أن كان رقيقًا.\rوفي الاصطلاحِ: إزالةُ الرِّقِّ عن آدميٍّ.\rوالأصلُ في مشروعيتِه قبل الإجماعِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣].\rوأحاديثُ، منها: حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ، وَيَقَعُ بِصَرِيحِ الْعِتْقِ، وَالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ»، يصحُّ العتقُ من كلِّ مالكٍ للرقبةِ مطلقِ التَّصرفِ فيما يملكُ، وهو كلُّ بالغٍ عاقلٍ غيرِ محجورٍ عليه لسفهٍ أو فلسٍ؛ لأنَّ العتقَ تبرُّعٌ، ولا يصحُّ التبرُّعُ إلَّا ممَّنْ كان على هذا الوصفِ، ويقعُ العتقُ باللفظِ الصَّريحِ، كأنت عتيقٌ أو أنت حرٌّ، ولا يحتاجُ اللفظُ الصريحُ إلى نيةٍ، ولا فرقَ فيه بين هازلٍ وجادٍّ، وكذلك يقعُ العتقُ بغيرِ اللفظِ","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٦٣٣٧)، ومسلم (١٥٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355094,"book_id":264,"shamela_page_id":489,"part":null,"page_num":493,"sequence_num":489,"body":"الصريحِ إذا كان مقترنًا بالنيةِ، كقولِ السيدِ لعبدِه: لا ملكَ لي عليك، أو لا سلطانَ لي عليك، ونحوِ ذلك.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدٍ عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَهُوَ مُوسِرٌ سَرَى الْعِتْقُ إِلَى بَاقِيهِ وَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ»، إذا أعتقَ المالكُ بعضَ عبدٍ معينٍ، كيدِه، أو شائعٍ منه كرُبعِه؛ عتقَ جميعُه، وهذا إذا كان باقِيه له، فإنْ كان باقِيه لغيرِه وهو موسرٌ سرَى إلى باقي العبدِ، والمرادُ بالموسِرِ هنا: مَن له من المالِ وقتَ الإعتاقِ ما يفِي بقيمةِ نصيبِ شريكِه، فاضلًا عن قوتِه وقوتِ مَن تلزمُه نفقتُه في يومِه وليلتِه، ودليلُ ذلك حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ العَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٣٨٦)، ومسلم (١٥١٠). وقولُه ﷺ: «قِيمَةَ عَدْلٍ»؛ أي: لا زيادةَ فيها ولا نقصٌ، وقوله: «فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ»؛ أي: قيمةَ حصصِهم. وقولُه: «وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»؛ أي: نصيبُه الذيَ أعتقَه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355095,"book_id":264,"shamela_page_id":490,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":490,"body":"وحديثُ أبي هريرةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (¬١).\rوالمرادُ أنَّ المعتقَ إذا لم يكنْ موسِرًا عتقَ نصيبُه، وتُرِك العبدُ ليعملَ ويتكسبَ قيمةَ باقِيه، ثُمَّ يدفعُها إلى الشركاءِ؛ حتى يصبحَ حرًّا بالكليةِ.\rقال أبوشُجاعٍ ﵀: «وَمَنْ مَلَكَ وَاحِدًا مِنْ وَالِدَيْهِ أَوْ مَوْلُودَيْهِ عَتَقَ عَلَيْهِ»، مَن ملكَ أحدَ أصولِه مهما علَو كجَدِّه أوجَدتِه، أو فروعِه مهما نزلوا كابنِ ابنِه أوبنتِ ابنِه؛ أصبح حرًّا فورَ تملُّكِه له؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» (¬٢).\rوالمرادُ: أنَّه لا يقومُ ولدٌ بما لِوالدِه عليه من الحقِّ إلَّا أنْ يصادفَه مملوكًا فيشتريَه، فيكونُ شراؤُه له سببًا لعتقِه، فيعتقُ بنفسِ الشِّراءِ، ولا يحتاجُ إلى لفظِ العتقِ، وقِيس على الشراءِ غيرُه من أسبابِ الملكِ، كالهبةِ والميراثِ وغيرِها، وقِيس بالأصولِ الفروعُ بجامعِ البعضيةِ؛ أي: إن الولدَ الذي هو الفرعُ بعضُ الوالدِ الذي هو الأصلُ، فكما أنَّ الأصلَ لا يملكُه فرعُه، فكذلك الفرعُ لا يملكُهُ أصلُه.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكامِ الوَلَاء\rالولاءُ في اللُّغةِ: النُّصرةُ، وكذلك الولايةُ -بالفتحِ والكسرِ- ومن أسماءِ اللهِ تعالى الوليُّ، وهو النَّاصرُ، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٣٦٠)، ومسلم (١٥٠٣)، وقوله ﷺ: «شَقِيصًا»؛ أي: نصيبًا، وقوله: «فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ»؛ أي: أداءُ قيمةِ باقيه؛ ليتخلصَ منَ الرِّقِّ نهائيًّا. وقولُه: «اسْتُسْعِي غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»؛ أي: أُلزِمَ العبدُ أن يتكسبَ قيمةَ باقيه، ولا يشددْ عليه في ذلك إذا عجز عن الاكتسابِ، بل يبقى باقيه مملوكًا.\r(¬٢) رواه مسلم (١٥١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355096,"book_id":264,"shamela_page_id":491,"part":null,"page_num":495,"sequence_num":491,"body":"وفي الاصطلاحِ: عصوبةٌ سببُها زوالُ الملكِ عن الرَّقيقِ بالعتقِ.\rوالأصلُ في مشروعيتِه قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].\rوقالت عائشةُ ﵂: جَاءَتْني بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقَالَتْ: إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي، فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِهَا، فَقَالَتْ لهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِم وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِم فَأَبَوْا إِلَاّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، ففعلت عائشةُ، ثُمَّ قام رسولُ اللهِ ﷺ في الناسِ، فحمِدَ اللهَ وأثنَى عليه، ثُمَّ قال: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَلَاءُ مِنْ حُقُوقِ الْعِتْقِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ التَّعْصِيبِ عِنْدَ عَدَمِهِ»، الولاءُ من حقوقِ العتقِ اللازمةِ له، فيثبتُ للمعتِقِ بمجردِ عتقِه، ولا يملكُ إسقاطَه أو التنازلَ عنه، ويكونُ له ما للعصبةِ من النَّسبِ، كالولدِ والوالدِ والأخِ، عندَ فقدِه،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٥٧٩)، ومسلم (١٥٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355097,"book_id":264,"shamela_page_id":492,"part":null,"page_num":496,"sequence_num":492,"body":"من استحقاقِ الميراثِ وولايةِ التزويجِ وتحمُّلِ الدِّيةِ والمطالبةِ بها، ودليلُه حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنِ الْمُعْتِقِ إِلَى الذُّكُورِ مِنْ عَصَبَتِهِ، وَتَرْتِيبُ الْعَصَبَاتِ فِي الْوَلَاءِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْإِرْثِ»، ينتقلُ الولاءُ عن المعتِقِ بعدَ موتِه إلى الذُّكورِ من عصبتِه، وترتيبُ العصباتِ في الولاءِ كترتيبِهم في الإرثِ، وقد سبق تفصيلُه في «كتابِ الفرائضِ»، ولا ترثُ المرأةُ بالولاءِ إلَّا من شخصٍ باشرت عتقَه، أو من أولادِه وعتقائِه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتُهُ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» (¬٢).\r\r«فصل»\rفي أحكام التَّدْبِير\rالتَّدبيرُ في اللُّغةِ: النَّظرُ في عواقبِ الأمورِ.\rوفي الاصطلاحِ: تعليقُ المالكِ عتقَ عبدِه على موتِه.\rفهو مأخوذٌ من الدُّبُرِ؛ لأنَّ السيدَ أعتقَه بعدَ موتِه، والموتُ دُبرُ الحياةِ.","footnotes":"(¬١) رواه الشَّافعي في «مسنده» (٢٣٧)، وابن حبَّان في «صحيحه» (١٨٩٦).\r(¬٢) رواه البُخاري (٢٣٩٨)، ومسلم (١٥٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355098,"book_id":264,"shamela_page_id":493,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":493,"body":"وقد كان التَّدبيرُ معروفًا في الجاهلية، فأقرَّه الشَّرعُ، وقد دبَّرَ المهاجرونَ والأنصارُ، ودبَّرَتْ عائشةُ ﵂ أمةً لها (¬١)، وأجمع المسلمون على مشروعيتِه (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهُوَ مُدَبَّرٌ يَعْتِقُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِنْ ثُلُثِهِ»، إذا قال السيدُ لعبدِه -مثلًا-: إذا أنا مِتُّ فأنتَ حُرٌّ؛ فهو مدبَّرٌ، يَعتِقُ بعدَ وفاةِ السيدِ من ثلثِ مالِه بعدَ الدَّينِ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال: «الْمُدَبَّرُ مِنَ الثُّلُثِ» (¬٣).\rفإن استغرقَ الدينُ التركةَ لم يَعتِقْ منه شيءٌ، وإن لم يكن دَينٌ ولا مالَ غيرُه عَتِقَ ثُلُثُه؛ لأنَّه تبرُّعٌ معلَّقٌ بالموتِ، فأشبهَ الوصيَّةَ، وهي من الثُّلثِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَيَبْطُلُ تَدْبِيرُهُ»، يجوزُ للسيدِ أنْ يبيعَ المدبرَ في حال حياتِه، ويبطُلُ تدبيرُه، وله -أيضا- التَّصرفُ فيه، كهبتِه، أو جعلِه صَداقًا، أو نحوِ ذلك، يقولُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: أعْتَقَ رجلٌ مِن بنِي عُذْرةَ غُلامًا له عن دُبُرٍ، فاحْتَاج، فأخذَه النَّبيُّ ﷺ فقال: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي»، فاشتراه نُعَيْمُ بنُ عبدِ اللهِ بِثَمَانِمِائةِ درهمٍ، فجاء بها النَّبيَّ ﷺ","footnotes":"(¬١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٨٧٤٩)، والحاكم (٧٥١٦)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين».\r(¬٢) «كفاية الأخيار» (ص: ٥٧٩).\r(¬٣) رواه الشافعي في «الأم» (٨/ ١٨)، وقال: «والحفاظُ الذين يحدثونه يَقفونه على ابنِ عمرَ، ولا أعلمُ مَن أدركت من المفتين اختلفوا في أنَّ المدبَّرَ وصيةٌ من الثُّلثِ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355099,"book_id":264,"shamela_page_id":494,"part":null,"page_num":498,"sequence_num":494,"body":"فدفعَها إليه (¬١).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ فِي حَالِ حَيَاةِ السَّيِّدِ حُكْمُ الْعَبْدِ الْقِنِّ»؛ أي: التدبيرُ لا يُزِيلُ الملكَ عن العبدِ، فللسيدِ اكتسابُه، وإنْ قُتِل العبدُ فللسيدِ القيمةُ، أو قُطِعَ فللسيدِ الأَرْشُ.\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكام الكِتَابَة\rالكتابةُ في اللُّغةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، ومنها الكَتيبةُ إذا اجْتَمَعَ فُرسانُها، وسُمِّي ابتياعُ العبدِ نفسَه من سيدِه بما يؤدِّيه من كسبِه كتابةً؛ لأنَّ فيها ضمَّ نجمٍ إلى نجمٍ، والنجمُ يُطلَقُ على الوقتِ الذي يحلُّ فيه مالُ الكتابةِ.\rوفي الاصطلاحِ: عقدٌ يُوجِبُ عتقًا على مالٍ مؤجَّلٍ من العبدِ موقوفٍ على أدائِه فإذا أدَّى ما عليه من المالِ صار العبدُ حُرًّا.\rودليلُ مشروعيتِها قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣].\rوقال عبدُ اللهِ بنُ سهلِ بنِ حنيفٍ إن سهلًا ﵁ حدَّثَه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَالْكِتَابَةُ مُسْتَحَبَّةٌ إِذَا سَأَلَهَا الْعَبْدُ،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري (٢٠٣٤)، ومسلم (٩٩٧).\r(¬٢) رواه أحمد (١٦٠٣٠)، والحاكم (٢٤٤٨)، (٢٨٦٠)، وقال: «صحيح الإسناد».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355100,"book_id":264,"shamela_page_id":495,"part":null,"page_num":499,"sequence_num":495,"body":"وَكَانَ مَأْمُونًا مُكْتَسِبًا»، تستحبُّ الكتابةُ إذا طلبَها العبدُ من سيدِه، وكان العبدُ أمينًا قادرًا على الكسبِ، وبهما فسَّر الشافعيُّ ﵀ الخيرَ في قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣].\rواعتُبرتِ الأمانةُ؛ لئلَّا يضيعَ ما يُحَصِّلُه فلا يَعْتِق، والقدرةُ على الكسبِ؛ ليوثقَ بتحصيلِ النُّجومِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِمَالٍ مَعْلُومٍ وَيَكُونُ مُؤَجَّلًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، أَقَلُّهُ نَجْمَانِ»، لا تصحُّ الكتابةُ إلا بمالٍ في ذمَّةِ المكاتبِ نقدًا كان أو عرضًا معلومًا عندَهما قدرًا وجنسًا وصفةً ونوعًا؛ لأنَّه عِوضٌ في الذمةِ فاشتُرط فيه العلمُ بذلك كدينِ السَّلَمِ، ويكونُ إلى أجلٍ معلومٍ؛ ليحصِّلَه ويُؤدِّيه، وأقلُّه نجمان؛ لأنَّه المأثورُ عن الصحابةِ ﵃ (¬١)، ولو جازتْ على أقلَّ من نجمينِ لفعلوه؛ لأنهم كانوا يبادرونَ إلى القرباتِ والطاعاتِ ما أمكنَ، ولأنَّها مشتقةٌ من ضمِّ النجومِ بعضِها إلى بعضٍ، وأقلُّ ما يحصلُ به الضمُّ نجمانِ، والمرادُ بالنَّجمِ هنا الوقتُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لَازِمَةٌ، وَمِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ جَائِزَةٌ، فَلَهُ فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ»، الكتابةُ من جانبِ السيدِ لازمةٌ، ليس له فسخُها؛ لأنَّها عُقِدت لحظِّ مُكاتبِه، لا لحظِّه، وهي من جهةِ العبدِ المكاتبِ جائزةٌ، فله الامتناعُ من","footnotes":"(¬١) قال ابن حجر ﵀ في «التلخيص الحبير» (٤/ ٣٩٩): «اشتُهر عن الصحابةِ ومَن بعدَهم قولًا وفعلًا الكتابةُ على نجمينِ، رواه البيهقي من فعلِ عثُمانَ وابنِ عمرَ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355101,"book_id":264,"shamela_page_id":496,"part":null,"page_num":500,"sequence_num":496,"body":"الإعطاءِ مع القدرةِ، وله تعجيزُ نفسِه ولو مع القدرةِ على الكسبِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلِلْمُكَاتَبِ التَّصَرَّفُ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ»، للمكاتبِ التصرُّفُ فيما في يدِه من المالِ الحاصلِ من كسبِه، كبيعٍ وشراءٍ وإجارةٍ، أمَّا ما كان فيه تبرُّعٌ، كصدقةٍ أو كان فيه خطرٌ كقرضٍ، فلا بدَّ فيه من إذنِ سيدِه، نعم ما تُصُدِّقَ به عليه من نحوِ لحمٍ وخُبزٍ مما العادةُ فيه أكلُه وعدمُ بيعِه له إهداؤُه.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ»، يجبُ على السيدِ أنْ يحطَّ عن مُكاتِبِه من مالِ الكتابةِ ما يستعينُ به على العتقِ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].\rقال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَعْتِقُ إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ بَعْدَ الْقَدْرِ الْمَوْضُوعِ عَنْهُ»، لا يَعْتِقُ المكاتبُ إلَّا بعدَ أداءِ جميعِ المالِ الباقِي بعدَ القدرِ الموضوعِ عنه؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ» (¬١).\r\r«فَصْلٌ»\rفي أحكام أمهات الأولاد\rهذا الفصلُ يُعَبِّرُ عنه الفقهاءُ بـ «أحكامِ الاستيلادِ».\rوالاستيلادُ في اللُّغة: طلبُ الولدِ.","footnotes":"(¬١) رواه أبو داود (٣٩٢٦)، والترمذي (١٢٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355102,"book_id":264,"shamela_page_id":497,"part":null,"page_num":501,"sequence_num":497,"body":"وفي الاصطلاحِ: عتقٌ بسببِ حمْلِ الأمةِ من سيدِها وولادتِها.\rوالأصلُ في مشروعيتِه حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ وَلَدَتْ أَمَتُهُ مِنْهُ، فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» (¬١).\rفأيُّما رجلٍ وطِئ أمتَه فحمَلت منه ثُمَّ ولدَت، فإنَّها يُقالُ لها: «أمُّ ولدٍ»، ولا يجوزُ بيعُها ولا رهنُها ولا هبتُها، وتكونُ مُعتقَةً بعدَ وفاتِه، ويُقَدَّمُ عتقُها على الديونِ والوصايَا.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَصَابَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ، فَوَضَعَتْ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ آدَمِيٍّ حَرُمَ عَلَيْهِ بَيْعُهَا وَرَهْنُهَا، وَهِبَتُهَا، وَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالِاسْتِخْدَامِ وَالْوَطْءِ»، إذا وطِئَ السيدُ أمتَه فحمَلت منه ثُمَّ وضعت حملَها، سواءٌ وضعتْه حيًّا أو ميتًا، وسواءٌ كان مكتملَ الخِلقةِ أو لم يكتملْ، حرمُ عليه بيعُها ورهنُها وهبتُها مع بُطلانِ ذلك -أيضًا-، وله استخدامُها، وإجارتُها، ووطؤُها، وتزويجُها، وإنْ ولدَت من غيرِ سيدِها فللمولودِ حكمُها يَعتِقُ معها بموتِ سيدِها، يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: «نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ, لَا يُبَعْنَ وَلَا يُوهَبْنَ وَلَا يُورَثْنَ, يَسْتَمْتِعُ بِهَا سَيِّدُهَا مَا بَدَا لَه، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» (¬٢).\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَتَقَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ قَبْلَ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا»، إذا مات السيدُ عتقَتْ أمُّ ولدِه من رأسِ","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٧٥٩)، وابن ماجه (٢٥١٥).\r(¬٢) رواه الدارقطني (٤٢٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355103,"book_id":264,"shamela_page_id":498,"part":null,"page_num":502,"sequence_num":498,"body":"مالِه قبلَ دفعِ الدُّيونِ التي عليه، والوصايَا التي أوصَى بها، ودليلُه الحديثُ السابقُ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَوَلَدُهَا مِنْ غَيْرِهِ بِمَنْزِلَتِهَا»، ولدُ أمِّ الولدِ سواءٌ كان من السيدِ، أو من غيرِه بمنزلتِها، فيصبحُ حرًّا مثلَها بعدَ موتِ السيدِ؛ لأنَّ الولدَ تبعٌ لأمِّه في الحريَّةِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ أَصَابَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ، فَالْوَلَدُ مِنْهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا، وَإِنْ أَصَابَهَا بِشُبْهَةٍ فَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ»، مَن وطِئَ أمةَ غيرِه بنكاحٍ، فولدَت منه، فولدُه منها مملوكٌ لسيدِها؛ لأنَّ الولدَ تبَعٌ لأمِّه، ومَن وطِئَها بشبهةٍ، كظنِّه أنَّها أمتُه أو زوجتُه الحرَّةُ، فولدُه منها حرٌّ، وعليه قيمتُه وقتَ الولادةِ للسيدِ.\rقال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ مَلَكَ الْأَمَةَ الْمُطَلَّقَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ»، إذا تزوَّجَ رجلٌ أمةً ثُمَّ طلقَها، ثُمَّ تملَّكَها بعدَ ذلك من سيدِها؛ لم تصِرْ أمَّ ولدٍ بما ولدتْه منه بالوطءِ في النِّكاحِ؛ لأنَّها كانت مملوكةً لغيرِه، أمَّا إذا وطِئَها بشبهةٍ على أنَّها أمتُه أو زوجتُه الحرَّةُ فهناك قولانِ:\rالأولُ: أنَّها تصيرُ أمَّ ولدٍ لتعلُّقِها منه بِحُرٍّ، والعُلُوقُ بالحرِّ سببٌ للحريَّةِ بالموت.\rوالثاني: أنَّها لا تصيرُ أمَّ ولدٍ؛ لأنها تعلَّقت به وهي في غيرِ ملكه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":355104,"book_id":264,"shamela_page_id":499,"part":null,"page_num":503,"sequence_num":499,"body":"والقول الثاني هو الراجحُ -إن شاء اللهُ تعالى- وهو أنها لا تصير أم ولد ما لم يطأْها وتضعُ منه بعدَ ملكِه لها، واللهُ تعالى أعلمُ، وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}