{"page_id":2857715,"book_id":3127,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":1,"body":"مقدمة:\rالحمد لله رب العالمين وصلى على سيد المرسلين، سيدنا محمد الصادق الأمين وعلى آله وصحبه وسلم:\rفي شهر جمادى الأولى سنة ١٣٤٢ للهجرة \"ديسمبر سنة ١٩٢٣ للميلاد\" ابتدأت الدراسة في قسم التخصص بالقضاء الشرعي للعلماء المختارين من خريجي مدرسة القضاء والأزهر المعمور.\rوكان من حسن حظي عهد إلي بدراسة مادة من المواد التي قررت دراستها في هذا القسم وهي السياسة الشرعية.\rبدأنا في دراسة هذا العلم الناشئ الذي لم يدرس من قبل فيما نعلم وليس بين أيدينا سوى منهج دروسه الذي ينتظم عدة بحوث في مختلف الشئون لا تظهر بينها وحدة جامعة ولا صلات ترتبها ترتيب مسائل العلم الواحد.\rلهذا عنينا أول دراستنا بنظرة عامة نستكشف بها الوحدة التي ألفت بين هذه البحوث والصلة التي نظمتها بعنوان واحد لنتعرف الرسم الذي يحد علم السياسة الشرعية ونميز موضوع البحث فيه ونقف على الغاية التي يوصل إليها.\rوقد استبان لنا أن كلمة \"السياسة الشرعية\" اختلف المراد بها في عبارات علماء المسلمين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857716,"book_id":3127,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":2,"body":"فالفقهاء أرادوا بها التوسعة على ولاة الأمر في أن يعلموا ما تقتضي به المصلحة مما لا يخالف أصول الدين وإن لم يقم عليه دليل خاص.\rقال صاحب البحر في باب حد الزنا:\r\"وظاهر كلامهم ههنا أن السياسة: هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لن يرد بذلك الفعل دليل جزئي\".\rفالسياسة الشرعية على هذا هي العمل بالمصالح المرسلة لأن المصلحة المرسلة هي التي لم يقم من الشارع دليل على اعتبارها أو إلغائها.\rوغير الفقهاء أرادوا بها معنى أعم من هذا يتبادر من اللفظ ويتصل باستعماله اللغوي وهو تدبير مصالح العباد على وفق الشرع.\rقال المقريزي في خططه: \"ويقال ساس الأمر سياسة بمعنى قام به وهو سائس من قوم ساسة وسوس. وسوسه القوم جعلوه يسوسهم ...\r\"فهذا أصل وضع السياسة في اللغة. ثم رسمت بأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال. والسياسة نوعان سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر فهي من الأحكام الشرعية علمها من عملها وجهلها من جهلها. وقد صنف الناس في السياسة الشرعية كتبًا متعددة. والنوع الآخر سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها\".\rولما كان هذان المعنيان غير متباينين وبينهما صلة وثيقة من ناحية أن تدبير المصالح على الوجه الأكمل لا يتم إلا إذا كان ولاة الأمر في سعة من العمل بالمصالح المرسلة، وكذلك البحوث المقررة هي شعب من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857717,"book_id":3127,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":3,"body":"المعنيين فليس ما منع أن يراد بالسياسة الشرعية معنى يعم المعنيين وينتظم جميع البحوث المقررة. وعلى هذا فعلم السياسة الشرعية علم يبحث فيما عما تدبر به شئون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص.\rوموضوعه:\rالنظم والقوانين التي تتطلبها شئون الدولة من حيث مطابقتها لأصول الدين وتحقيقها مصالح الناس وحاجاتهم.\rوغايته:\rالوصول إلى تدبير شئون الدولة الإسلامية بنظم من دينها. والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادلة وتقبله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان.\rعلى ضوء هذه الغاية أخذنا في دراسة تلك البحوث بعد أن قسمنا شئون الدولة إلى عدة أقسام: من دستورية، وخارجية، ومالية وغيرها، وجمعنا بين مباحث كل شأن من هذه الشئون. وراعينا في بحث أكثر الشئون المقارنة والمقابلة بين ما شرعه الإسلام وما وضع من النظم الحديثة تدبيرًا لها. وقد تم لنا البحث في ثلاثة من تلك الشئون وهي الشئون الدستورية والخارجية والمالية. وها هي نقدمها للباحثين لا ندعي أننا بلغنا في بحثها حد الكمال أو قاربناه ولكنا والحمد لله على توفيقه مهدنا السبيل وخطونا أولى الخطوات.\rوأسأل الله أن يهيئ لهذا العلم من يقدره حتى تسنح الفرصة لإعادة دراسته في معهد من معاهد التعليم العالي وتأخذ بحوثه حظها من السعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857718,"book_id":3127,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":4,"body":"والتمحيص ويتجلى للمسلمين أن دينهم القويم لا يقصر عن مصلحة ولا يضيق بحاجة وأنه كفيل بالسياسة العادلة جامع لخيري الأولى والآخرة.\rعبد الوهاب خلاف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857719,"book_id":3127,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":5,"body":"محتويات الكتاب:\r٥ المقدمة\r١١ تمهيد\r١٣ التشريع الإسلامي والاجتهاد\r٢٤ الإسلام كفيل بالسياسة العادلة\r٢٩ السياسة الشرعية الدستورية\r٣١ شكل الحكومة الإسلامية والدعائم التي تقوم عليها\r٣٧ حقوق الأفراد\r٤٩ السلطات ومصدرها ومن يتولاها\r٥٩ الخلافة، وجوبها وشروطها\r٦٩ السياسة الشرعية الخارجية\r٧٣ العلاقة بالدول غير الإسلامية\r٩١ أحكام الإسلام الحربية مقارنة بالقانون الدولي\r٩٧ أحكام الإسلام السلمية\r١٠٧ السياسة الشرعية المالية\r١١٩ شروط عدلها\r١١١ أسس الموارد الإسلامية\r١٢١ الموارد المالية الإسلامية\r١٣٤ المصارف المالية الإسلامية\r١٤٤ جباية الإيراد وصرفه في مصارفه\r١٤٨ نبذة من تاريخ بيت مال المسلمين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857720,"book_id":3127,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":6,"body":"تمهيد\rالتشريع الإسلامى والاجتهاد\r...\rالتشريع الإسلامي والاجتهاد:\rكان رسول الله ﷺ في حياته مرجع المسلمين في تدبير شئونهم العامة: من تشريع، وقضاء، وتنفيذ. وكان قانونه في هذا التدبير ما ينزل عليه من ربه، وما يهديه إليه اجتهاده ونظره في المصالح، وما يشير به أولو الرأي من صحابته فيما ليس فيه تنزيل. وكان التدبير بهذه المصادر يتسع لحاجات الأمة ويكفل تحقيق مصالحها.\rوقد ترك الرسول ﷺ في أمته هاديين لا يضل من اهتدى بما في تدبير شئونهما وهما: كتاب الله، وسنته. وأقام منارًا ثالثًا يستضاء به -فيما ليس فيه نص من كتاب أو سنة- وهو: الاجتهاد الذي مهد طريقه، ودعا إليه بقوله، وعمله، وإقراره. ذلك لأنه ﷺ كثيرًا ما كان يبلغ الأحكام مقرونة بعللها والمصالح التي تقتضيها، وفي هذا إيذان بارتباط الأحكام بالمصالح، ولفت إلى أن الغاية إنما هي: جلب المنافع، ودرء المفاسد. فمن أمثلة هذا قوله في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها: \"إنكم إن فعلتك ذلك قطعتم أرحامكم\". وقوله في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم إباحتها: \"إنما نهيتكم من أجل الدافة\". وقوله في الهرة وطهارة سؤرها: \"إنها من الطوافين عليكم والطوافات\". فهذا ونظائره في الكتاب والسنة مما فيه نص على علة الحكم أو إشارة إليها كان تمهيدًا للسبيل إلى الاجتهاد لأنه بهذه العلل يتوصل إلى إلحاق الأشباه بالأشباه، وتعرف الحكم في كل موضع لا نص فيه. وقد أقر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857721,"book_id":3127,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":7,"body":"الرسول ﷺ اجتهاد من اجتهد في حضرته من صحابته. ويقال للمجتهد: إن أصبت أجران، وإن اخطأت فلك أجر. وكان ينهى عن الشيء لمصلحة تقضي بتحريمه ثم يبيحه إذا تبدلت الحال وصارت المصلحة في إباحته، كما في حديث \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها\". ولما خرج صحابيان في سفر وحضرتهما الصلاة وليس معهما ماء وصليا ثم وجدا الماء في الوقت وأعاد أحدهما ولم يعد الآخر صوبهما النبي ﷺ وقال للذي لم يعد: \"أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك\"، وقال للآخر \"لك الأجر مرتين\".\rهذا كله وكثير من مثله بث في نفوس المسلمين أن غاية الشرع إنما هي المصلحة، وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله. وأنار لهم أن السبيل إلى تحقيق المصالح حيث لا نص إنما هو اجتهاد الرأي.\rوقد ظهرت هذه الروح فيما سلكه الراشدون بعد وفاة الرسول ﷺ في تدبير العامة للدولة فكانوا يهتدون في نظمهم وسائر تصرفاتهم بما شرع الله في كتابه، وعلى لسان رسوله. وإن حدث لهم ما ليس له حكم في كتاب ولا سنة اجتهدوا رأيهم واتبعوا ما أدى إليه اجتهادهم مما رأوا فيه مصلحة الأمة ولا يخالف روح الدين. وكثيرًا ما كان اجتهاد أحدهم يخالف اجتهاد صاحبه بل قد يخالف ما يفهم من ظاهر النص.\rوما أتهم مجتهد منهم أنه على غير الحق أو تنكب طريقه، ما دامت الغاية: المصلحة وعدل الله، والوسيلة: اجتهاد الرأي وإنعام النظر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857722,"book_id":3127,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":8,"body":"اجتهد أبو بكر فاستخلف على المسلمين عمر. واجتهد عمر فلم يستخلف واحدًا، وترك الأمر شورى بين ستة. فاجتهاد أحدهما غير اجتهاد صاحبه، واجتهادهما معًا غير ما فعل الرسول ﷺ لأنه لم يستخلف واحدًا كما فعل أبو بكر ولم يترك الشورى لستة كما فعل عمر وما رمي واحدًا منهما بأنه خالف شرع الله لأنه توخى المصلحة، واجتهد ما استطاع.\rاجتهد عمر وأمضى الطلاق الثالث على من طلق زوجه ثلاثًا بكلمة واحدة، ولم يكن ليخفى عليه قول الله في كتابه: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وإن الثلاث في زمن الرسول ﷺ وأبى بكر وصدر من خلافته نفسه كانت تعتبر واحدة، وإن رجلًا على عهد الرسول ﷺ طلق امرأته ثلاثًا فبلغ الرسول ﷺ ذلك فقال: \"أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم\" لم يكن ليخفى عليه من ذلك شيء ولكنه رأى الناس أكثروا من هذا اللعب فألزمهم بنتائجه، ردعًا لهم أو تقليلًا لألاعيبهم. وهذا هو الذي عناه بقوله ﵁: \"إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أنا أمضيناه عليهم\" فأمضاه عليهم. ولهذا قال ابن تيمية: \"إن سياسة عمر قضت بأن ألزم المطلق ثلاثًا بكلمة واحدة بالثلاث، وسد عليهم باب التحليل ليزدجروا ويرتدعوا، ولو علم أن الناس يتتابعون في التحليل لرأي أن إقرارهم على ما كان عليه الأمر زمن الرسول ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافته أولى\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857723,"book_id":3127,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":9,"body":"اجتهد عثمان وجدد أذانًا ثانيًا لفريضة الجمعة لم يكن على عهد الرسول لأنه قضت به المصلحة في إعلام الناس بالصلاة بعدما تزايد عددهم وتباعدت دورهم: وجمع الناس على قراءة القرآن بحرف واحد هو ما دون في المصحف الإمام ولم يكن ليخفى عليه أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. وأن الرسول قال لقارئين بحرفين متغايرين: \"هكذا أنزل، وهكذا أنزل\". ولكنه خشي فتنة الخلف بعد تباعد أطراف الدولة وتفرق الحفاظ في الأمصار واستشهادهم في الجهاد فمنع ما كان مباحًا.\rاجتهد علي وحرق الرافضة وما كان خفيًّا عليه حكم الله في قتل الكافر ولكنه رأى المصلحة في الزجر عن الجرم الشنيع بالعقاب الشنيع وهو التحريق.\rوكذلك كان الشأن في القضاء وطرق الحكم، فكانوا يعتمدون على كل دليل يطمئن إليه القلب ويهدي إلى العدل والحق لا يقفون عند أدلة خاصة ظاهرة من بينة أو إقرار أن نكول. فقد قضى عمر برجم الجارية التي ظهرت حاملًا ولا زوج لها ولا سيدًا اكتفاء بهذه الأمارة. وحكموا بحد السرقة على من وجد المسروق في يده اعتمادًا على هذه القرينة. وقد وفى ابن القيم هذا المقام بما لا مزيد عليه في كتابه \"الطرق الحكمية في السياسة الشرعية\".\rوكانوا كذلك بنظرون في التنفيذ إلى ما تقتضي به المصلحة وحال الناس، فقد عطل عمر تنفيذ حد السارق في عام المجاعة وأسقط سهم المؤلفة قلوبهم لما أعز الله الإسلام. وهذه السبيل التي سلكها المسلمون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857724,"book_id":3127,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":10,"body":"أول أمرهم في التشريع والقضاء والتنفيذ كانت السبيل القويم في تدبير شئون الدولة. وكانت لا تضيق بحادث أو حاجة. ولا تقصر عن تحقيق أية مصلحة. ولا عن مسايرة الزمن في تطوراته، ومراعاة ما تقتضيه تغيرات الأزمان والأحوال. ويسلكونها ما شعر واحد بقصور الشريعة الإسلامية عن مصالح الناس ولا رميت بحاجتها إلى غيرها، وما عرف إذ ذاك حكم شرعي وآخر سياسي وإنما كانت الأحكام كلها شرعية مصدرها ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله وما اهتدى إليه أولو الرأي باجتهادهم الذي تحروا به المصلحة، وبذلوا أقصى الجهد لتحقيقها، والله ما شرع الشرائع إلا لمصلحة عباده.\rجاء بعد هذا عصر التزم فيه مجتهدو الفقهاء طرقًا خاصة في الاجتهاد ووضعوا شروطًا ورسومًا للمصالح الواجب اعتبارها. وسواء أكان الباعث لهم على هذا زيادة حرصهم على أن لا يتعدوا شرع الله أم اتهامهم عقولهم بالقصور على السابقين أم غير ذلك فإن هذا الالتزام قيد من حرية المجتهد وضيق دائرة الاجتهاد، وقضى بإغفال مراعاة كثير من المصالح المرسلة: وهي التي لم يرد في الشرع دليل بشأنها ولم يشهد الشارع باعتبارها ولا بإلغائها وبعد أن كان مجتهدو الصحابة يعملون لمطلق المصلحة لا لقيام شاهد بالاعتبار، وهاديهم في هذا فطرة سليمة ونظر صحح، صار الاعتبار لمصالح خاصة والمرجع إلى قواعد موضوعة. وبهذا بدأت تضيق دائرة التشريع وتلتزم في القضاء طرق خاصة للوصول إلى الحق وتغل اليد عن تنفيذ ما قد يكون فيه بعض الإصلاح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857725,"book_id":3127,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":11,"body":"وكان هؤلاء المجتهدون في بعض الأحوال بحرج هذه القيود وضيق قواعدهم بمصالح العباد فكانوا يخرجون من هذا الضيق بما يدعونه الاستحسان. ومن أمثلة هذا عقد المزارعة فهو على قواعد اجتهادهم باطل لكنهم لما رأوه ضروريًا لمصالح الناس أجازوه بطريق الاستحسان، وما هذا الاستحسان إلا بقية من روح الاجتهاد الفطري الذي كان سبيل السلف الأول.\rوبإغفال المصالح المرسلة في التشريع وإلغاء اعتبار القرائن والأمارات في القضاء والتزام طرائق خاصة للوصول إلى الحق وتنفيذه ظهر الفقه الإسلامي بمظهر القاصر عن تدبير شئون الدولة الذي لا يتسع لمصالح الناس ولا يساير الزمن وتطوراته وأخذ الولاة السياسيون ورجال السلطة التنفيذية في الدولة ينظرون إلى مصالح الناس المطلقة ويدبرونها بما يكفلها من النظم والقوانين غير ملتزمين ما التزمه أولئك المجتهدون. وأكثر ما عنوا بسعته الطرق الحكمية وقوانين العقوبات لأن أكبر همهم توطيد الأمن والضرب على أيدي المجرمين. ولا بد لهذا من الأخذ بالقرائن والاكتفاء بالأمارات والخروج عن قيود الفقهاء. ومن ذلك الحين بدأ المسلمون يرون بينهم نوعين من النظم والأحكام:\rأحدهما:\rما استنبطه الفقهاء المجتهدون على وفق أصولهم وقيودهم.\rثانيهما:\rما لجأ إليه الولاة السياسيون لتحقيق المصالح المطلقة ومسايرة الزمن، وكان هذا النوع الثاني يتبع حال واضعيه؛ فتارة يكون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857726,"book_id":3127,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":12,"body":"في حدود الاعتدال مراعى فيه تحقيق المصالح غير متجاوز به حدود الدين وأصوله الكلية، وتارة يكون مراعى فيه الأغراض والمصالح الجزئية.\rثم زاد قصور الفقه الإسلامي عن مصالح الناس بإغلاق باب الاجتهاد واقتصار الفقهاء على حمل الناس أن يتبعوا ما استنبطه أئمتهم في عصورهم السالفة دون نظر إلى ما بين الأزمان والأحوال من تفاوت.\rفاتسعت مسافة الخلف بين الفقه ومصالح الناس في كثير من الشئون، واتجه ولاة الأمر في الدولة الإسلامية إلى مسايرة الزمن ومراعاة المصالح بتشريع ما يحققها مما يتفق وأصول الدين وإن لم يوافق أقوال الفقهاء المتبوعين.\rوعلى هذا النهج سارت وزارة الحقانية في مصر فيما عدلته من بعض أحكام الأحوال الشخصية: في الطلاق ودعوى النسب ونفقة المعتدة وسن الحضانة وموت المفقود. وأبانت في المذكرة الإيضاحية لهذا التعديل أن الوجهة هي جلب المصلحة أو رفع الضرر العام. وجاء في تلك المذكرة ما نصه:\r\"من الواجب حماية الشريعة المطهرة وحماية الناس من الخروج عليها وقد تكلفت بسعادة الناس دينًا وأخرى وأنها بأصولها تسع الأمم في جميع الأزمنة والأمكنة متى فهمت على حقيقتها وطبقت على بصيرة وهدى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857727,"book_id":3127,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":13,"body":"ومن السياسة أن الشرعية أن يفتح للجمهور باب الرحمة من الشريعة نفسها وأن يرجع إلى آراء لتعالج الأمراض الاجتماعية كلما استعصى مرض منها حتى يشعر الناس بأن في الشريعة مخرجًا من الضيق وفرجًا من الشدة\".\rوعلى هذا الأساس ومراعة للمصلحة العامة منع من مباشرة عقد الزواج أو المصادقة عليه ما لم تكن سن الزوجة ست عشرة سنة وسن الزوج ثماني عشرة سنة وقت العقد ومنع من سماع الشهود على بعض الوقائع والتزام لإثباتها أوراق تدل على صحتها.\rوهذا التعديل في الأحكام والطرق الحكمية مما قصد به درء المفاسد وجلب المصالح وروعي فيه موافقة أصول الدين وإن لم يتفق وأقوال الأئمة الأربعة المجتهدين. وهذه الخطة في تدبير الشئون هي السياسة الشرعية.\rفالسياسة الشرعية:\rهي تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة أو أصولها الكلية وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين. وبعبارة أخرى هي متابعة السلف الأول في مراعاة المصالح ومسايرة الحوادث. والمراد بالشئون العامة للدولة كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء أكانت دستورية أم مالية أم تشريعية أم قضائية أم تنفيذية، وسواء أكانت من شئونها الداخلية أم علاقاتها الخارجية. فتدبير هذه الشئون والنظر في أسسها ووضع قواعدها بما يتفق وأصول الشرع هو السياسة الشرعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857728,"book_id":3127,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":14,"body":"وليس يوجد مانع شرعي من الأخذ بكل ما يدرأ المفاسد ويحقق المصالح في أي شأن من شئون الدولة ما دام لا يتعدى حدود الشريعة ولا يخرج عن قوانينها العامة. وهذه أقوال بعض العلماء التي توضح هذه الوجهة: فقد نقل علاء الدين في كتابه معين الحكام عن الإمام القرافي قال:\r\"واعلم أن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفًا للشرع، بل تشهد له القواعد الشرعية من وجوه:\rأحدها:\rأن الفساد قد كثر وانتشر بخلاف العصر الأول ومقتضى ذلك اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع بالكلية لقوله ﷺ: \"لا ضرر ولا ضرار\" وترك هذه القوانين يؤدي إلى الضرر.. ويؤكد ذلك جميع النصوص الواردة بنفي الحرج.\rوثانيها:\rأن المصلحة المرسلة قال بها جمع من العلماء وهي المصلحة التي لم يشهد الشارع باعتبارها ولا بإلغائها. ويؤكد العمل بالمصالح المرسلة أن الصحابة -رضوان الله عليهم- عملوا أمورًا لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة المصحف، وولاية العهد من أبي بكر لعمر، وتدوين الدواوين، وعمل السكة، واتخاذ السجن، وغير ذلك من كثير لم يتقدم فيه أمر أو نظير وإنما فعل لمطلق المصلحة.\rوثالثها:\rأن الشرع شدد في الشهادة أكثر من الرواية واشترط في الشهادة العدد والحرية لتوهم العداوة، ووسع في كثير من العقود كالعارية والمساقاة للضرورة، ولم يقبل في الشهادة بالزنا إلا أربعة وقبل في القتل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857729,"book_id":3127,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":15,"body":"اثنين لأن القصد الستر وإن كان الدم أعظم. وهذه المباينات والاختلافات كثيرة في الشرع لاختلاف الأحوال، فلذلك ينبغي أن يراعى اختلاف الأحوال في الأزمان فتكون المناسبة الواقعة في هذه القوانين السياسية مما شهدت لها القواعد بالاعتبار\".\rونقل ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية عن ابن عقيل قال:\r\"السياسة ما كان فعلًَا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي. ومن قال: لا سياسة إلا بما نطق به الشرع فقد غلط وغلط الصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالم بالسنن وكفى تحريق علي الزنادقة وتحريق عثمان المصاحف ونفي عمر نصر بن الحجاج\".\rقال ابن القيم في الطرق الحكمية: \"وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرءوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنه حق مطابق للواقع ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول ﷺ وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم. والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًا طويلًا وفسادًا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857730,"book_id":3127,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":16,"body":"عريضًا فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنفاذها من تلك المهالك. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتبه، فإن الله -سبحانه- أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه والله -سبحانه- أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها بل قد بين ﷾ بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له، فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857731,"book_id":3127,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":17,"body":"الإسلام كفيل بالسياسة العادلة:\rالسياسة العادلة لأية أمة هي تدبير شئونها الداخلية والخارجية بالنظم والقوانين التي تكفل الأمن لأفرادها وجماعاتها والعدل بينهم، وتضمن تحقيق مصالحهم وتمهيد السبيل لرقيهم وتنظيم علاقتهم بغيرهم.\rوالإسلام كفيل بهذه السياسة تصلح أصوله أن تكون أسسًا للنظم العادلة وتتسع لتحقيق مصالح الناس في كل زمان وفي أي مكان.\rوبرهان ذلك أمران:\rأحدهما:\rأن الأصل الأول والمصدر العام للإسلام وهو كتاب الله تعالى لم يتعرض فيه لتفصيل الجزئيات بل نص فيه على الأسس الثابتة والقواعد الكلية التي يبنى عليها تنظيم الشئون العامة للدولة. وهذه الأسس والقواعد قلما تختلف فيها أمة من أمة أو زمان من زمان. أما التفصيلات التي تختلف فيها الأمم باختلاف أحوالها وأزمانها فقد سكت عنها لتكون كل أمة في سعة من أن تراعى فيها مصالحها الخاصة وما تقتضيه حالها.\rففي نظام الحكم لم يفصل القرآن الكريم نظامًا لشكل الحكومة، ولا لتنظيم سلطانها ولا لاختيار أولى الحل والعقد فيها. وإنما اكتفى بالنص على الدعائم الثابتة التي ينبغي أن تعتمد عليها نظم كل حكومة عادلة ولا تختلف فيها أمة عن أمة فقرر العدل في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ١، والشورى في قوله عز شأنه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ٢، والمساواة في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٣. أما ما عدا هذه الأسس من النظم التفصيلية فقد سكت","footnotes":"١ النساء: ٥٨.\r٢ آل عمران: ١٥٩.\r٣ الحجرات: ١٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857732,"book_id":3127,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":18,"body":"عنها ليتسع لأولي الأمر أن يضعوا نظمهم ويشكلوا حكومتهم ويكونوا مجالسهم بما يلائم حالهم ويتفق ومصالحهم، غير متجاوزين حدود العدل والشورى.\rوفي القانون الجنائي لم يحدد عقوبات مقدرة إلا لخمس فئات من المجرمين، الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا, والذين يقتلون النفس بغير حق. والذين يرمون المحصنات الغافلات. والزانية والزاني. والسارق والسارقة.\rأما سائر الجرائم -من جنايات وجنح ومخالفات- فلم يحدد لها عقوبات وإنما ترك لأولي الأمر أن يقدروا عقوباتها بما يرونه كفيلًا بصيانة الأمن وردع المجرم واعتبار غيره، لأن هذه التقديرات مما تختلف باختلاف البيئات والأمم والأزمان فمهد السبيل لولاة كل أمة أن يقرروا العقوبات بما يلائم حال الأمة ويوصل إلى الغرض من العقوبة. وأرشد الله -سبحانه- إلى أصل عام لا تختلف فيه الأمم وهو أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، فقال عز من قائل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ١، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٢.\rوفي قانون المعاملات اكتفى بالنص على إباحة ما يقتضيه تبادل الحاجات ودفع الضرورات فأحل البيع والإجارة والرهن وغيرها من عقود المعاملات وأشار إلى الأساس الذي ينبغي أن تبنى عليه تلك المبادلات وهو التراضي فقال عز شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ","footnotes":"١ النحل: ١٢٦.\r٢ البقرة: ١٩٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857733,"book_id":3127,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":19,"body":"بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ١. أما الأحكام التفصيلية لجزئيات هذه المعاملات فلولاة الأمر في كل أمة أن يفصلوها حسب أحوالها على أساس التراضي.\rوكذلك اكتفى بالنص على منع المعاملات التي تفضي إلى النزاع وتوقع في العدواة والبغضاء فحرم الربا والميسر على أساس دفع الضرر وقطع أسباب الشحناء وسكت عن تفصيل الأحكام الجزئية لهذه المعاملات ليتسنى أن يكون تفصيلها في كل أمة على وفق حالها.\rوفي النظام المالي فرض في أموال ذوي المال وعلى رءوس بعض الأنفس ضرائب وجهها في مصارف ثمانية مرجعها إلى سد نفقات المنافع العامة ومعونة المعوزين وترك تفصيل الترتيب لهذه الموارد وتصريفها في مصارفها لكل أمة تتبع فيه ما يلائمها.\rوفي السياسة الخارجية أجمل علاقة المسلمين بغيرهم في قوله سبحانه: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢. فالقرآن الكريم لم ينص في الشئون العامة على تفصيل الجزئيات، وما كان هذا لنقص فيه أو قصور وإنما هو الحكمة بالغة حتى يتسير لكل أمة أن تفصل نظمها على وفق حالها وما تقتضيه مصالحها على ألا تتجاوز في تفصيلها حدود الدعائم التي ثبتها، فهذا الذي يظن أنه نقص هو غاية الكمال في نظام التقنين الذي يتقبل مصالح الناس كافة ولا يحول دون أي إصلاح.","footnotes":"١ النساء: ٢٩.\r٢ الممتحنة: ٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857734,"book_id":3127,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":20,"body":"والثاني أن الإسلام أبان بكثير من أحكامه وحكمه وآياته أن غايته هي تحقيق مصالح الناس ورفع الضرر عنهم، ومقصوده إقامة العدل بينهم ومنع عدوان بعضهم على بعض. يتبين هذا من حكم التشريع التي نص عليها مع الأحكام في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٢، وقول الرسول ﷺ في منع بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه: \"أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه\". بل إن العبادات نفسها قرن التكليف بها بما يدل على أن المقصود منها إصلاح حال الناس، كما قال تعالى في حكمة الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٣، وفي الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤، وفي الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٥، وفي الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ٦.\rوينطق بهذا قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٧، وقوله عز شأنه: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وقول الرسول ﷺ: \"لا ضرر ولا ضرار\"، وقوله ﷺ: \"بعثت بالحنيفية السمحة\".\rوإذا كان الإسلام غايته ومقصده إصلاح حال الناس وإقامة العدل فيهم وخطته وطريقته اليسر بهم ورفع الحرج عنهم فهو بلا ريب كفيل","footnotes":"١ البقرة: ١٧٩.\r٢ المائدة: ٩١.\r٣ العنكبوت: ٤٥.\r٤ البقرة: ١٨٣.\r٥ التوبة: ١٠٣.\r٦ الحج: ٢٨.\r٧ البقرة: ١٨٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857735,"book_id":3127,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":21,"body":"بكل سياسة عادلة ويجد كل مصلح في أصوله وكلياته لكل ما يريد من إصلاح ولا يقصر عن تدبير شأن من شئون الدولة.\rورب قائل: إذا كان الإسلام كفيلًا بالسياسة العادلة يتقبل كل نظام تقتضيه مصالح أية أمة، ولا يقصر عن تدبير شأن من شئونها، فلماذا اضطرت بعض الدول الإسلامية إلا الأخذ بقوانين غيرها، ولم يكن الإسلام مصدرها في سن نظمها وتشريع قوانينها، وبعبارة أخص لماذا نرى دولة إسلامية مثل مصر تأخذ من غيرها قوانين المعاملات والعقوبات وتحقيق الجنايات وطرق المرافعات ونظم الإجراءات؟\rوالجواب:\rإن هذا ليس منشؤه قصور الإسلام ولكن تقصير المسلمين، وذلك أن الإسلام بما نص عليه من الأحكام وبما وضعه من الأصول للاستنباط، وبما أرشد إليه من اعتبار المصالح، فيه غناء لكل دولة إسلامية لو أن المسلمين وفقوا وكان لهم في كل عصر جمعية تشريعية مؤلفة من خيرة أهل العلم بأصول الدين والبصر بأمور الدنيا وعهد إليهم أن يسايروا تطورات الناس والأزمان ويستنبطوا للوقائع المختلفة الأحكام التي تتفق ومصالح الناس، ولا تخالف أصول الدين ولكنهم فرطوا في هذا فتصدى للاستنباط من هو غير أهل له وعمت فوضى الاجتهاد الفردي واضطروا لمعالجة هذه الفوضى بسد باب الاجتهاد والاقتصار على فهم وتطبيق ما استنبط الأئمة المجتهدون السابقون، وكان من نتائج هذا الوقوف تركهم وما وقفوا عنده ومسايرة الزمن بالقوانين والنظم التي تقتضيها المصلحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857736,"book_id":3127,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":22,"body":"السياسة الشرعية الدستورية\rأولا: شكل الحكومة الإسلامية ودعائمها\r...\rأولًا: شكل الحكومة الإسلامية ودعائمها\rاتفقت كلمة علماء القانون على أنه لا بد من تحديد علاقة القوة الحاكمة بالأمة المحكومة حتى يمكن التوفيق بين سلطان الحاكم وحرية المحكوم، ومن اختلاف هذه العلاقات اختلفت أشكال الحكومات وتنوعت إلى دستورية واستبدادية، وتعددت أشكال كل واحدة من النوعين.\rوالناظر في آيات الكتاب الكريم وصحاح السنة يتبين أن الحكومة الإسلامية دستورية وأن الأمر فيها ليس خاصًا بفرد وإنما هو للأمة ممثلة في أولى الحل والعقد لأن الله -سبحانه- جعل أمر المسلمين شورى بينهم وساق وصفهم بهذا مساق الأوصاف الثابتة والسجايا اللازمة كأنه شأن الإسلام ومن مقتضايته، فقال عز من قائل في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ١، وأمر الرسول المعصوم أن يشاور في الأمر فقال سبحانه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ٢، وجعل الطاعة لأولي الأمر والمرجع إليهم فقال عز شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٤.\rووردت في السنة عدة أحاديث تدوعو إلى الشورى، وكان عمله ﷺ وسنن الراشدين من بعده على التشاور وعدم الاستقلال بالأمور.","footnotes":"١ الشورى: ٣٨.\r٢ آل عمران: ١٥٩.\r٣ النساء: ٥٩.\r٤ النساء: ٨٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857737,"book_id":3127,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":23,"body":"وكذلك تضافرت الأدلة على أن الرياسة في الحكومة الإسلامية ليست حقًا لقريش ولا لغير قريش لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة ما يدل على أن أمر المسلمين بعد رسول الله يكون في أسرة خاصة ولأفراد معينيين ومقتضى ترك هذا التعيين أن يكون أمر الرياسة العليا موكلًا إلى الأمة تختار له من تشاء. ورسول الله ﷺ لم يستخلف على الناس أحدًا ولو كان الأمر وراثيًا لعهد به إلى صاحبه.\rوالمسلمون لما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة على أثر وفاة الرسول واختلفوا فيمن يلي الأمر بعده كانت حجج الفريقين المختلفين ناطقة بأنهم لا يعرفون الأمر حقًا لمعين حتى إن بعض الأنصار دعا إلى بيعة سعد بن عبادة، وبعضهم قال للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير وأبو بكر لما حجهم بأن الأئمة من قريش لم يحجهم به على أنه نص من الدين ولكن على أنه نظر صحيح لما لقريش إذ ذاك من العصبية والمنعة. وقد بين أبو بكر نفسه وجهة هذا النظر إذ قال: \"إن هذا الأمر إن تولته الأوس نفسته عليهم الخزرج وإن تولته الخزرج نفسته عليهم الأوس ولا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش\" ولو كان نصًا من الدين ما خفي على جميع من كان في السقيفة من الأنصار والمهاجرين ما عدا أبا بكر وما احتاج أبو بكر إلى حديث المنافسة بين الأوس والخزرج وما ساغ لعمر أن يقول وهو يفكر زمن خلافته فيمن يستخلفه: \"لو كان سالم مولى حذيفة حيًا لوليته\" إذ كيف يولي مولى بعدما سمع في السقيفة أن الأئمة من قريش. ويؤيد هذا النصوص الواردة بالاعتماد على الأعمال لا على الأنساب وبالتبرؤ من عصبيته الجاهلية وبأن أكرم الناس عند الله أتقاهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857738,"book_id":3127,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":24,"body":"وكذلك قرر الإسلام مسئولية رجال الحكومة أمام الأمة وهذا واضح من النصوص التي يطلب بها من الأمة نصح ولاة الأمر والأخذ على أيدي ظالميهم كقوله ﷺ: \"إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا يرضى لكم أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم\" وقوله: \"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده\". وهذه المسئولية من نتائج الشورى إذ لولا أن للأمة حق الرقابة على الحاكم ما أمر أن يستشيرها.\rوالخلفاء الراشدون كانوا يقرون هذه المسئولية فأبو بكر أول ما ولي الخلافة قال: إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فاعينوني وإن صدقت فقوموني. وعمر لما ولي الخلافة قال: من رأى منكم في اعوجاجًا فليقومه. قال له أعرابي: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا. وكثير من الأحاديث والآثار متضافرة على تقرير هذه المسئولية.\rوقد استنتج الأستاذ الإمام ﵀ من إيجاب المشاورة على الحكام وإيجاب النصح على المحكومين أن النظام النيابي واجب في الإسلام قائلًا: \"إن النصح والشورى لا يتمان إلا بقيام فئة خاصة من الناس تشاور وتناصح إذ ليس في وسع جمهور الأمة القيام بهما. وإذا كان ذلك الواجب المفروض على الحكام والمحكومين لا يتم إلا بوجود هذه الفئة كان تخصيص فريق من الأمة لهذا العمل واجبًا عملًا بالأصل المتفق عليه: \"ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857739,"book_id":3127,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":25,"body":"ومن هذا يتبين أن دعائم الحكومة في الإسلام هي الشورى ومسئولية أولي الأمر واستمداد الرئاسة العليا من البيعة العامة.\rوهذه دعائم تعتمد عليها كل حكومة عادلة لأن مرجعها كلها أن يكون أمر الأمة بيدها وأن تكون هي مصدر السلطات.\rوقد قضت الحكمة ان تقرر هذه الدعائم غير مفصلة لأن تفصيلها مما يختلف باختلاف الأزمان والبيئات. فالله أمر بالشورى وسكت عن تفصيلها ليكون ولاة الأمر في كل أمة في سعة من وضع نظمها بما يلائم حالها، فهم الذين يقرون نظام انتخاب رجالها والشرائط اللازمة فيمن ينتخب وكيفية قيامهم بواجبهم وغير ذلك مما تتحقق به الشورى ويتوصل به إلى الاشتراك في الأمر اشتراكًا يحقق أمر المسلمين شورى بينهم.\rوكذلك نظام المسئولية وكيف يؤدي رجال الشورى واجب النصح وتقديم ما يمكن أن يطرأ، ترك تفصيله لتراعى فيه المصلحة ومقتضيات الزمن.\rومثله البيعة ومن يتولاها وشرائطها وكل ما يتعلق بها مما يحقق الغرض منها، وإذًا لا يمكن القول بأن في الإسلام قصورًا عن مسايرة الزمن في شكل الحكومة الملائمة لأن الإسلام أقر أسسًا عادلة لا تختلف فيها أمة عن أمة، وأفسح للناس في أن يقرروا على هذه الأسس ما يرونه -من التفصيلات- كفيلًا بمصالحهم وملائمًا لأحوالهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857740,"book_id":3127,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":26,"body":"وإذا كان المسلمون أهملوا تنظيم هذه الشورى حتى ذهبت روحها وجرؤ بعضهم أن يقول إنها مندوبة لا محتومة، وأغفلوا المسئولية حتى استقل بأمرهم ولاتهم وخرست الألسنة عن النصيحة وصمت الآذان عن سماعها. وأضاعوا البيعة ومسخوها حتى جعلوها أمرًا صوريًا لا يحقق الغرض منها ولا يشعر بإرادة الأمة.\rإذا كانوا قد فعلوا هذا حتى ظهرت حكوماتهم في كثير من الأزمان على أشكال بعيدة عن شكل الحكومات الدستورية فليس هذا من الإسلام ولكنه من إهمال المسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857741,"book_id":3127,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":27,"body":"ثانيا: حقوق الأفراد\rمدخل\r...\rثانيًا: حقوق الأفراد\rمن الأسس التي تبنى عليها النظم الدستورية كفالة حقوق الأفراد والمساواة بينهم في التمتع بها، ولا يخلو قانون أساسي لحكومة دستورية من تقرير الحرية والمساواة وتشريع الأحكام الكفيلة بتحقيقها وصونها.\rوجميع الحقوق على تعددها ترجع إلى أمرين عامين:\rالأول:\rالحرية الشخصية.\rالثاني:\rالمساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857742,"book_id":3127,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":28,"body":"الحرية الشخصية:\rالمراد من الحرية الشخصية أن يكون الشخص قادرًا على التصرف في شئون نفسه وفي كل كل ما يتعلق بذاته، آمنًا من الاعتداء عليه في نفس أو عرض أو مال أو مأوى أو أي حق من حقوقه، على أن لا يكون في تصرفه عدوان على غيره. ومن هذا التعريف يتبين أن الحرية الشخصية تتحقق بتحقيق أمور؛ وأنها معنى مكون من حريات عدة وهي: حرية الذات، وحرية المأوى، وحرية الملك، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي، وحرية التعليم. ففي تأمين الفرد على هذه الحريات كفالة لحريته الشخصية، وهذا ما قرره الإسلام في شأن هذه الحريات.\rالحرية الفردية أو حرية الذات:\rفي أحكام الإسلام ما يقرر هذه الحرية ويؤمن الفرد على ذاته من أي اعتداء: وذلك أن الإسلام حد حدودًا بأوامره ونواهيه، وشرع لمجاوزة هذه الحدود عقوبات، بعضها مقدرة وهي الحدود، وبعضها موكول تقديره إلى ولاة الأمر وهي التعازير. فلا جريمة إلا في تعدي حدود الله، ولا عقوبة إلا على وفق ما شرع الله. واتفقت كلمة علماء الإسلام على أن العقوبات مما لا تثبت بالرأي والقياس وأنها لا تثبت إلا بالنص، وجاء في القرآن الكريم قوله عز شأنه: ﴿فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٢ ففي النهي عن العدوان إلا وعلى ظالم وفي الأمر بأن يكون الاعتداء على الظالم مماثلًا لاعتدائه لا يزيد، وفي قصر الجريمة على مخالفة حدود الله، ومنع تشريع العقوبات بالرأي والقياس كفالة للحرية الفردية وتأمين من الاعتداء على الذات. وجميع ما في كتاب الله وسنة رسوله، من النهي عن الظلم والإيذاء للمسلم والذمي، يؤيد حرية الذات وأمان الإنسان من أذى غيره.","footnotes":"١ البقرة: ١٩٣.\r٢ البقرة: ١٩٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857743,"book_id":3127,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":29,"body":"حرية المأوى:\rفي أحكام الإسلام ما يكفل هذه الحرية فإن النفي والإبعاد عقوبة لم يذكرها القرآن الكريم إلا جزاء للذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١.\rوفي القرآن الكريم والسنة تقرير حرمة المسكن قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٢. وقال ﵊: \"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع\".\rحرية الملكية:\rالإسلام أقر هذه الحرية وكفلها بأحكام عدة:\rمنه أن كل ما شرعه الله من التصرفات التي تفيد نقل ملكية العين أو منفعتها، من بيع وإجارة وقرض وغيره، جعل أساس صحته ونفاذه حرية المتصرف ورضاه واختياره. فالركن الأول لصحة المبادلات المالية التراضي والأصل في هذا قوله عز شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٣.","footnotes":"١ المائدة: ٣٣.\r٢ النور: ٢٧، ٢٨.\r٣ النساء: ٢٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857744,"book_id":3127,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":30,"body":"ومنها النهي في مواضع عدة القرآن والسنة عن التعدي على مال الغير وأخذه من مالكه بغير حق، قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١، وقال عز شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٢.\rوليس تقرير عقوبة السارق وتضمين الغاصب إلا ضمانًا لحرية الملكية. قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣، وقال ﵇: \"لا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا، فإن أخذه فليردده عليه\" وقال: \"على اليد ما أخذت حتى ترد\".\rومما يؤيد حق الملكية في أحكام الإسلام قوله ﷺ لمن كان يغبن في المبادلات: \"إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام\" ونهيه عن بيع الغرر، فإن في تجويز شرط الخيار والنهي عن بيع الغرر ضمانة لتحقق أو خداع له. بل إن تقرير حق الشفعة إذا نظر إليه من ناحية أنه لدفع الضرر عن الجار أو الشريك يؤيد احترام الملكية وإحاطة المالك بما يدفع عنه الضرر ويحول بينه وبين الانتفاع بمكه.\rحرية الاعتقاد ٤:\rالإسلام أقر هذه الحرية، وترك لكل فرد الحرية التامة في أن يكون","footnotes":"١ البقرة: ١٨٨.\r٢ النساء: ١٠.\r٣ المائدة: ٣٨.\r٤ يجب توضيح وتقييد هذا المعنى بأن قصد المؤلف أنه لا يجوز إجبار أحد على الدخول في الإسلام، ولكن بالنسبة للذين أسلموا أي المسلمين بالفعل فإنه لا يجوز للمسلم أن يبدل دينه ويرتد عن الإسلام فهو ملتزم به أمام الله والشريعة، وحكم الشرع الحنيف أن جزاء المرتد عن الإسلام هو القتل إذا أصر على الردة بعد أن يستتاب، لأن الردة تعتبر خيانة كبرى للدين والمجتمع، فكلام المؤلف إذن ينبغي أن يفهم منه أنه خاص بغير المسلمين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857745,"book_id":3127,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":31,"body":"عقيدته بناء على ما يصل إليه عقله ونظره الصحيح، وذلك أن الإسلام جعل أساس التوحيد والإيمان البحث والنظر، لا القهر والإلجاء، ولا المحاكاة والتقليد. ففي كثير من آي الكتاب الكريم لفت الناس إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ليهتدوا هم بهذا النظر إلى الإيمان الصحيح والدين الحق، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢، وفي كثير من الآي الكريمة نعى على من آمن بطريق التقليد لا بطريق البحث والنظر، كقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣، وفي كثير من الآي نفي للإيمان بطريق الإكراه والقسر كقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٤، وكقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٥، وكقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٦.","footnotes":"١ الأعراف: ١٨٥.\r٢ البقرة: ١٦٤.\r٣ الزخرف: ٢٢.\r٤ البقرة: ٢٥٦.\r٥ يونس: ٩٩.\r٦ الكافرون: ٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857746,"book_id":3127,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":32,"body":"فإذا كان أساس الاعتقاد في الإسلام النظر العقلي والبحث والتفكير في آيات الله ولا محاكاة، ولا تقليد، ولا إلجاء، ولا إكراه، فليس أضمن لحرية الاعتقاد من هذا. ويؤيده ما جاء في الكتاب الكريم من أنه لا سلطان للداعي غير سلطان التذكير والموعظة الحسنة، قال تعالى لرسوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ١.\rهذا ما يؤيد حرية الاعتقاد في الإسلام وأما ما يقرره حماية إقامة الشعائر، فإن الإسلام جعل لغير المسلمين الحرية التامة في أن يقيموا شعائر دينهم في كنائسهم ومعابدهم وجعل لهم أن يتبعوا أحكام دينهم في معاملاتهم وأحوالهم الشخصية. والأصل في هذا قوله ﷺ في شأن الذميين: \"لهم ما لنا وعليهم ما علينا\" وجميع العهود التي كانت تعطى للمعاهدين كان يقرون فيها بالتأمين على الأنفس والأموال التأمين على العقائد وإقامة الشعائر، وفي عهد عمر لأهل إيليا ما نصه \"أعطاهم الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسائر ملتهم، لا تسكن كنائسهم ولا ينقص منها ولا من خيرها ولا من صلبهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم\". فالإسلام في تكوين العقيدة أطلق للعقل عنان النظر، وفسح له في مجال البحث والتفكير في الآيات والدلائل وفي حماية عقائد المسلمين أحاطها بما يكفلها ويحفظها وترك أرباب كل دين وما يدينون به.","footnotes":"١ الغاشية: ٢١-٢٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857747,"book_id":3127,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":33,"body":"حرية الرأي ١:\rالإسلام في شأن هذا الحق نظر إلى موضوع الرأي: إما أن يكون أمرًا دينيًا، أو غير ديني.\rفإن كان الأمر غير ديني، فلكل فرد أن يبدي رأيه فيه حسبما يراه، ويعرب عنه بالوسيلة الميسورة له، وقد حدث في صدر الإسلام وبعده عدة حوادث تدل على حرية الرأي وإقراره في هذه المواضع: من ذلك أن رسول الله ﷺ أشار على المسلمين في بعض الغزوات أن ينزلوا موضعًا معينًا، فسأله أحد الصحابة: أهذا منزل أنزلكه الله؟ أو هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: \"بل هو الرأي والحرب والمكيدة\".. قال الصحابي للرسول: ليس هذا بمنزل ... وأشار بإنزال المسلمين منزلا آخر، وتحولوا. واختلاف أبي بكر وعمر في حكم الأسرى على مسمع من الرسول خبره مستفيض. وكذلك اختلاف كبار الصحابة في شأن الخلافة وكثير من الشئون.\rوأما في الأمور الدينية فلكل واحد أن يجتهد فيها، ويرى الرأي الذي يوصله إليه اجتهاده، ما دام اجتهاده في غير موضع النص، ورأيه في حدود أصول الدين الكلية ونصوصه الصحيحة: وذلك أن الإسلام جعل القياس أحد أصوله، ومصدرًا من مصادر التشريع فيه، والقياس هو إلحاق الأشباه بالأشباه، والنظائر بالنظائر، لاستنباط الأحكام التي لم ينص عليها، ... وفي هذا الإلحاق والاستنباط مجال فسيح للرأي،","footnotes":"١ يجب أن يقيد هذا الكلام أيضًا بأن قصد المؤلف أن حرية الرأي مكفولة بشرط عدم الخروج على المبادئ الأساسية في الإسلام.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857748,"book_id":3127,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":34,"body":"ومتسع عظيم النظر، وفي جعله مصدرًا تشريعيًا اعتبار للرأي وتقرير لحقه.\rوكذلك جاء في السنة، أن كل مجتهد مأجور: إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران. فالمثوبة على الاجتهاد -سواء أدى إلى خطأ أو صواب- دليل على تقدير الإسلام للرأي، وإقراره هذا الحق.\rويؤيد هذا ما ورد في كثير من النصوص من ذم التقليد والنعي على المقلدين الذين يهملون عقولهم ولا يحررونها من أسر التقليد، وما جاء على ألسنة كثير من المجتهدين من التصريح بأنهم ما اجتهدوا ليقلدوا وإن آرائهم لأنفسهم وخطأهم عليها.\rفليس في أصول الإسلام ونصوصه ما ينافي حرية الرأي بالمعنى الذي بيناه، بل فيها ما يؤيده ويقرره. وأما ما ورد عن ابن عباس من قول الرسول ﷺ: \"من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\"، وما ورد عن أبي بكر من قوله: \"أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي؟ \" ... فهو محمول على الرأي الذي يستند إلى مجرد الهوى ولا يعتمد على مصلحة عامة ولا أصل ديني كلي.\rوأما ما حدث في الإسلام من سد باب الاجتهاد وإيجاب التقليد لأئمة معينين، فإن هذا ليس مقتضى أصول الدين أو نصوصه وإنما هو علاج لجأ إليه المتأخرون سدًا لباب الفوضى، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين، ولو وفق المسلمون إلى علاج تلك الفوضى ما كان في الإسلام مانع من الاجتهاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857749,"book_id":3127,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":35,"body":"حرية التعليم:\rالإسلام نص على أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ونفى أن يستوي الذين لا يعلمون، ولم ينص على أنواع معينة من العلوم وحظر ما عداها، فكل علم يوصل إلى مصلحة دنيوية أو دينية فهو مطلوب وهو حق مشاع بين أفراد الناس ذكورهم وإناثهم.\rوليس في أصول الإسلام ما يدل على أنه يضيق بعلم أو يقف في سبيل تعليم بل إن في حوادث التاريخ دليلًا على أن المسلمين وسعت صدورهم وبلادهم مختلف العلوم وطبقات العلماء الذين ما وجدوا في غير الإسلام متسعًا لعلومهم ونظرياتهم. وإن ما نقل إلى العربية من علوم الفرس على يد ابن المقفع وأضرابه، وما عرب من علوم اليونان في عهد المنصور والرشيد والمأمون، وما كانت عليه حال العلم والتعليم في معاهد بغداد وقرطبة وسمرقند، دليل على تقدير الإسلام لحرية العلم وتأييده للتعليم.\rوكيف لا يتفق الإسلام وحرية التعليم، وأول أسس الإسلام أن يكون الإيمان عماده البرهان والحجة والنظر في ملكوت السماوات والأرض!\rوهذا النظر يحتاج إلى مختلف العلوم وتعرف كثير من النظريات! ...\rوكيف يكلف المسلمون بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ إذ كان في الإسلام ما يقيد حريتهم في إعداد القوة بحظر البحث في أنواع من العلوم أو الفنون التي تتطلبها حاجات الإعداد في مختلف العصور.\rفالحقيقة الثابتة أن الإسلام يقرر حرية العلم، بل يجعل طلبه فريضة محكمة على كل مسلم ومسلمة، وما يرمي به المسلمون من اضطهاد أنواع من العلوم في بعض العصور، فليس سببه أمرًا في طبيعة الإسلام.\rوفيما كتبه الأستاذ الإمام في كتابه \"الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية\" مقنع لمن في نفسه ريب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857750,"book_id":3127,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":36,"body":"المساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية\r...\rالمساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والدستورية:\rالمساواة شعار من أظهر شعائر الإسلام، ونصوصه وأحكامه ناطقة بتقريرها على أكمل وجوهها: وذلك أن الإسلام لا يفرق بين واحد وآخر في الخضوع لسلطان قانونه، وليس فيه فرد فوق القانون مهما علت منزلته، وأمير المؤمنين والوالي وكل واحد من الأفراد متساوون في أحوالهم المدنية والجنائية، لا يمتاز واحد بحكم خاص ولا بطرق محاكمة خاصة بل جميعهم أمام القانون سواء.\rوكذلك لا يميز الإسلام واحدًا في التمتع بالحقوق: فلم يجعل منزلة أو ميزة حقًا لأفراد أسرة معينة، لا يستمتع بها سواه، بل ناط الأمر بالعمل له، ومهد السبيل لكل عامل، فكل مناصب الدولة إمارة المؤمنين إلى أصغر منصب فيها حق مشاع بين أفراد الأمة، لا يحول بينه وبينها نسب أو عصبية وينطق بهذا قوله ﷺ: \"لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى\" وقوله ﷺ لبني هاشم: \"يا بني هاشم. لا يجئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857751,"book_id":3127,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":37,"body":"وفي كثير من النصوص تقرير المساواة وجعلها من شعائر الإيمان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقوله ﷺ: \"إخوانكم خدمكم\" وقوله ﵇: \"الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحمر على أسود ولا لعربي على عجمي\".\rوفي كثير من الأحكام تحقيق هذه المساواة: ففي الحج كلهم بلباس واحد عراة الرءوس لا يلبسون مخيطًا، وفي الصلاة كلهم في صفوف متساوية، وفي التناصح للوضيع على الرفيع ما للرفيع على الوضيع وفي الجنايات النفس بالنفس والعين بالعين والجروح قصاص، ... وهكذا في سائر الأحكام الإسلامية الناس سواسية. وقد كانت هذه المساواة في صدر الإسلام شعار المسلمين في حربهم وسلمهم، وكان الذميون والمعاهدون يستمتعون في بلادهم بنعمة هذه المساواة عملًا بقول الرسول ﷺ: \"لهم ما لنا وعليهم ما علينا\" وقوله ﷺ: \"من آذى ذميًا فأنا خصمه يوم القيامة\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857752,"book_id":3127,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":38,"body":"ثالثا: السلطات في الإسلام مصدرها ومن يتولاها\rالسلطة التشريعية\r...\rثالثًا: السلطات في الإسلام مصدرها ومن يتولاها\rا- السلطة التشريعة:\rيتولى السلطة التشريعية في الحكومات الدستورية الحاضرة أعضاء المجالس النيابية، فهم الذين يقومون بسن القوانين وتشريع الأحكام التي تقتضيها حاجات الزمن ومصالح الناس ويشرفون على تنفيذها.\rوأما في الدولة الإسلامية فالذي يتولى السلطة التشريعية هم المجتهدون وأهل الفتيا، وسلطتهم لا تعدو أمرين: أما بالنسبة إلى ما لا نص فيه فعلمهم قياسه على ما فيه نص واستنباط حكمه بواسطة الاجتهاد وتخريج العلة وتحقيقها، وذلك أن الدولة الإسلامية لها قانون أساسي إلهي شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله فحيث يوجد نص في هذا القانون يجب اتباعه ولا يكون تطبيق النص صحيحًا.\rوإذا لم يوجد نص في هذا القانون كان لرجال التشريع الإسلامي مجال نصوص القانون الأساسي فيشرعون الأحكام فيما لا نص فيه بواسطة القياس على ما فيه نص.\rوكل دولة إسلامية في أي عصر من العصور لا تستغني عن وجود جماعة من أهل الاجتهاد الذين استكملوا شرائطه وتوفرت لهم القدرة التامة. يرجع إليهم في فهم نصوص القانون الأساسي الإلهي وتطبيقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857753,"book_id":3127,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":39,"body":"وفي تشريع الأحكام لما يحدث في الأقضية والحوادث وما يطرأ من المصالح والحاجات.\rوقد انقضى القرن الأول الهجري ولم يكن للدولة الإسلامية قانون مدون سوى القرآن الكريم الذي جمع في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق وكان التشريع في ذلك القرن على عهد الخلفاء الراشدين وصدر الدولة الأموية بالرجوع إلى القرآن وإلى حفاظ السنة، فإن وجد أهل الفتيا -من الصحابة والتابعين وتابيعهم- نصًا اتبعوه وإلا اجتهدوا رأيهم، وما كانت تدون هذه الآراء الاجتهادية ولا تعتبر قانونًا ولا شرعًا إلا باعتبار أن مستندها ومرجعها إلى القرآن والسنة.\rلكن ما اتسعت دائرة الفتح وانتشر الإسلام في الممالك القاصية وتفرق حفاظ الشريعة ورواتها في مختلف الأنحاء مع زيادة وسائل الحضارة والعمران وتجدد الأقضية والحوادث بتشعب المعاملات والأحوال خيف من تشتت أحكام الشريعة ودخول الفوضى في التشريع فكان هذا باعثًا على أمرين:\rالأول:\rتدوين الحديث للرجوع إلى ما فيه من الأحكام.\rالثاني:\rتدوين المجتهدين اجتهاداتهم وأصولهم التي استندوا إليها في التفريع والاستنباط. وأول من قام بالأمر الأول الإمام الزهري بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز فقد دون ما وصل إليه من السنة في صحف وعني الخليفة بتوزيعه على الأمصار في أواخر القرن الأول الهجري، وقام بالأمر الثاني الأئمة المجتهدون: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وداود وزيد بن علي وجعفر الصادق وغيرهم، ومن هذا الحين صار رجال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857754,"book_id":3127,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":40,"body":"التشريع يرجعون إلى الكتاب والسنة واجتهادات الأئمة، وما كان في هذا من بأس لأن الرجوع إلى مجتهدات الأئمة ما كان إلا للاهتداء إلى فهم نصوص الكتاب والسنة والاستعانة على الاستنباط لا لأنها أصل في الدين وقانون أساسي. وهذه هو الغرض الذي قصد إليه المجتهدون، فهم إنما أرادوا أن يضيئوا السبيل لمن يريد الاستنباط من أهله وأن لا يدعوا السبيل ليتهجم على الكتاب والسنة من ليس أهلًا للاستنباط، وبعبارة أخرى أرادوا أن يسنوا طريق التشريع لرجال التشريع الذين يأتون بعدهم ويمكنوا من ليس له وسائل الاجتهاد من تعرف الأحكام. وما خطر لإمام منهم ﵃ أن تلتزم الأمة آراءهم ولا أن يكون تدوين مجتهداتهم حائلًا بين أولي العلم وبين الرجوع إلى نصوص القانون الأساسي ليفهموا كما فهموا ويستنبطوا كما استنبطوا ولكن من جاء بعدهم أساء فهم غرضهم وحمل المسلمين على اتباع آرائهم وحرم الاجتهاد بالرجوع إلى أصل القانون الأساسي فكان من ذلك الحرج قصور التشريع الإسلامي عن مسايرة الزمن وتحقيق مصالح الناس والتجاء بعض الحكومات الإسلامية إلى العمل بقوانين أمم إسلامية. والحق أن السلطة التشريعة في الإسلام لو أنها مع اعتمادها على القانون الأساسي الإلهي وضع لها نظام لانتخاب رجالها من بين من تتوفر فيهم شرائط الاجتهاد وحدد عددهم واختصاصهم والتزمت الدولة بآرائهم قضاء وتنفيذًا لكانت كأفضل سلطة تشريعية في حكومة دستوية ولكفلت حاجات المسلمين في مختلف العصور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857755,"book_id":3127,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":41,"body":"ولكن ترك أمر التشريع فوضى فادعى الاجتهاد من ليس أهلًا له وتعذر تعيين من له السلطة التشريعية واستحال اجتماعهم وتبادلهم الآراء، وكان من هذا تشعب الآراء واختلاف الأحكام اختلافًا لم يتيسر للحكومات الإسلامات معه أن ترجع إلى آرائهم أو تلتزمها. ولما وجد العلماء أن هذه الفوضى التشريعية لا تقف عند حد اضطروا إلى تدبير علاج لها، وكانت الحكمة في أن يعالجوها بوضع نظام لرجال السلطة التشريعية يحول بين التشريع وبين هذه الفوضى، ولكنهم عالجوها بسد باب الاجتهاد ووقف حركة التشريع فوقعوا في شر مما اتقوه ونبا التشريع الإسلامي عن مصالح الناس وحاجاتهم لأن المصالح في تغير والحاجات في تجدد والتشريع الإسلامي واقف عندما وصل إليه الأئمة في القرن الثاني الذين راعوا في استنباطهم حال عصرهم ومصالح الناس في زمنهم وبلادهم.\rومن هذا يتبين أن فتح باب الاجتهاد الفرد شر على التشريع الإسلامي لأنه يمهد السبيل للأدعياء ويكثر الخلف ويشعب الآراء.\rوشر منه سد باب الاجتهاد لأنه يوقف حركة التشريع ويجعل القانون الإسلامي قاصرًا عن مصالح الناس والخير كله هو اجتهاد الجماعة وتشريعهم، وهذا هو سبيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان فقد كان أبو بكر إذا أعياه أن يجد في الأمر نصًا في كتاب الله أو سنة رسوله جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وكذلك كان يفعل عمر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857756,"book_id":3127,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":42,"body":"وفي الدولة الأموية بالأندلس أنشئت دار في قرطبة لشورى القضاء أعضاؤها من جلة العلماء يرجع إليهم في تقرير الأحكام وكثيرًا ما يذكر في تراجم علماء الأندلس أن فلانًا كان مشاورًا. وطلب فلان إلى الشورى فأبى وذكر القرطبي هذه الشورى بقوله إن الشورى خالفت الإمام مالكًا في عدة أحكام أخذت الدولة العثمانية في وضع أساس لعلاج وقوف حركة التشريع الإسلامي فكونت من علماء الأمة وفقهائها جماعة سمتهم \"جمعية المجلة\" وانتخبوا من كتب مذهب أبي حنيفة \"مجلة الأحكام العدلية\" وقد كان مبدأ عملها قاصرًا على الترتيب وتهذيب الوضع والاختيار من كتب المذهب، ولو طال زمنها لتطور عملها إلى التشريع ومسايرة الزمن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857757,"book_id":3127,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":43,"body":"ب- السلطة القضائية:\rالذي يتولى هذه السلطة في الإسلام هم رجال القضاء. وقد روعي في الحكومات الدستورية الحاضرة أن يكون رجال القضاء غير رجال التشريع تطبيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات ولكن في صدر الإسلام كانت السلطة التشريعية والقضائية تجتمع في يد واحدة لأن الخليفة كان يتولاها فإن وجد نصًا قضى به وإن لم يجد يستشير الفقهاء والمفتين من الصحابة بالقضاء: فكان رجال القضاء من المجتهدين الذين لهم السلطة التشريعية وكان قانونهم هو كتاب الله والسنة الصحيحة وما يستقر عليه رأي جماعة التشريع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857758,"book_id":3127,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":44,"body":"أخرج البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وكان عمر يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان فيه لأبي بكر قضاء فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رءوس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به. وأول خليفة ولى السلطة القضائية نفرًا هو عمر بن الخطاب.\rفقد ولى أبا الدرداء قضاء المدينة وولى شريحًا قضاء البصرة وولى أبا موسى الأشعري قضاء الكوفة وكان هؤلاء جميعًا يولون القضاء والتشريع مما يدل على ذلك ما ورد في كتب تعيين القضاة فقد جاء في رسالة عمر لأبي موسى الأشعري ... \"الفهم الفهم فيما ورد عليك مما ليس فيه نص في كتاب ولا سنة\".\rولما دون الأئمة المجتهدون اجتهاداتهم واتخذها رجال القضاء مرجعًا لهم كان عمل القضاة لا يخرج عن تطبيق ما رآه غيرهم وكانوا يقلدون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857759,"book_id":3127,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":45,"body":"المجتهدين والمفتين حتى وصل الأمر إلى أن قال علماء الحنفية: إن تقليد الجاهل القضاء صحيح عندنا ويحكم بفتوى غيره. ومن هذا أن القضاء في الحكومات الإسلامية كان له طوران:\rالأول:\rكان مرجع القضاة فيه إلى القانون الأساسي وكانت لهم مع السلطة القضائية سلطة التشريع.\rوالثاني:\rكان مرجع القضاة فيه إلى اجتهاد الأئمة وما كان لهم إلا التطبيق بالتقليد.\rوتعيين القضاء من حق الخليفة فتارة يتولى حقه بنفسه ويعين رجال القضاء وتارة يكل هذا التعيين إلى ولاة الأمصار. يدل على هذا ما جاء في عهد علي بن أبي طالب إلى الأشتر النخعي حين ولاه مصر إذ يقول له: \"ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا يمحكه الخصوم ... إلى آخر ما جاء فيه. وليس تعيين القضاة مانعًا الخليفة أن ينظر بنفسه في فصل بعض الخصومات لأنه هو صاحب السلطة القضائية وهؤلاء إنما يعملون بالنيابة عنه وهذه الإنابة لا تسلبه حقه.\rوقد حالت فوضى التشريع دون أن يكون للقضاة في الحكومة الإسلامية قانون مفصل يرجعون إليه في أحكامهم بل كان المرجع إلى اجتهادهم في الدور الأول من القضاء الذي كان يرجع فيه إلى الأصول وإلى اجتهاد سائر المجتهدين والمفتين في الدور الثاني الذي كان فيه القضاة مقلدين يرجعون إلى مجتهدات غيرهم. ولذا كانت تضطرب الأحكام ولا يتقيد القضاة بقانون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857760,"book_id":3127,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":46,"body":"والأحكام يخالف بعضها في الولاية الواحدة والولايات المختلفة.\rوأظهر فرق بين رجال السلطة القضائية في الحكومات الحاضرة ورجالها في الحكومة الإسلامية، أن القضاة في الحكومة الإسلامية لم يحد اختصاصهم بحد يمنع غيرهم من أرباب السلطة التنفيذية أن يعتدى على اختصاصهم ويتصرف فيما هو من حقهم. ولذلك سلب منهم النظر في المظالم والجرائم وإقامة الحدود. وكذلك لم يوضع نظام يبين علاقتهم برجال السلطة التنفيذية، بل ترك الأمر بين ضعفاء وأقوياء بدون قانون، فكان تنفيذ الأحكام إلى الولاة إن رضوا نفذوا وإن لم يرضوا عطلوا. ولا كذلك الحال في الحكومات الحاضرة فإن اختصاص القضاء مبين بالقانون وما يدخل من السلطة القضائية في اختصاص غير القضاء مبين بالقانون ولا سبيل إلى الاعتداء. وكذلك علاقة القضاء برجال السلطة التنفيذية التي يناط بها تنفيذ الحكم القضائي أن تنفذوه ولو بالقوة بحيث إذا وجدت هوادة في التنفيذ تكون مسئولية الجهة التنفيذية كبيرة بحكم القانون وليس في الإسلام ما يمنع وضع نظام للسلطة القضائية يحد اختصاصها ويكفل تنفيذ أحكامها ويضمن برجالها حريتهم في إقامة العدل بين الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857761,"book_id":3127,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":47,"body":"ج- السلطة التنفيذية:\rأما رجال السلطة التنفيذية فهم ولاة الأمصار وقواد الجيوش وجباة الضرائب ورجال الشرطة وسائر عمال الحكومة. وكانت الأعمال التنفيذية في الحكومات الإسلامية مقسمة بين هؤلاء العمال على غير نظام معروف فقد جمع ليحيى بن أكثم بين القضاء وقيادة الجهاد في بعض الغزوات وجمع لآخر بين الحسبة والشرطة وبين ولاية الحرب والنظر في المظالم، وكان عموم الولاية وخصوصها لا يستند إلى نظام ولا يعتمد على قانون. وقد أدى هذا إلى تشعيب مسالك الولاة وجعل ديدنهم تناهب السلطة يسعى كل منهم في بسط نفوذه وإضعاف نفوذ غيره لأنه لم يكن لكل ولاية حد معروف. وليس أضيع لحقوق الأفراد وأدعى إلى سلب حريتهم من عدم تحديد وظيفة كل من القابضين على مقاليد السلطة العامة. وكان أشد الولايات تأثرًا بهذه الفوضى السلطة القضائية لحاجتها إلى معاونة السلطة التنفيذية في تنفيذ أحكامها فكانت كرامة القضاء موقوفة على شخصية القاضي فإذا كان مؤيدًا من الوالي نفذت أحكامه وأحلت مكانتها من الاحترام وإذا لم يكن مؤيدًا منه لم يكن له حق تكليف السلطة التنفيذية بأن تنفذ أحكامه. وهذا ما دعا الناس إلى طرق أبواب رجال السلطة التنفيذية للمطالبة بحقوقهم لأنه ليس للقضاء سلطان في نظرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857762,"book_id":3127,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":48,"body":"رابعا: الخلافة، وجوبها وشروطها\rمدخل\r...\rرابعا: الخلافة وجوبها وشروطها\rالإمامة الكبرى والخلافة وإمارة المؤمنين ألفاظ مترادفة على معنى واحد رسمه العلماء بأنه رياسة عامة في الدين والدنيا قوامها النظر في المصالح وتدبير شئون الأمة وحراسة الدين وسياسة الدنيا.\rوالبحث في هذا الموضوع ذو شعب متفرقة والباحثون أفاضوا القول فيه من جميع نواحيه.\rوالموضوعات التي سنخصها بالبحث ثلاثة:\rما الذي أوجب نصب الخليفة؟\rوما الشروط المعتبرة فيمن يولى الخلافة؟\rوما مكانة الخلافة من الحكومة الإسلامية؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857763,"book_id":3127,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":49,"body":"أ- وجوب نصب الخليفة:\rجمهور المسلمين على أن نصب الخليفة أي توليته على الأمة واجب بالشرع، ومستندهم في هذا الإيجاب أمور:\rأولًا: إجماع الصحابة على تولية خليفة حتى قدموا أمر البيعة على دفن الرسول.\rوثانيًا: أن ما هو واجب من إقامة الحدود وسد الثغور لا يتم إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\rوثالثًا: أن فيه جلب المنافع ودفع المضار، وهذا واجب بالإجماع.\rوفريق من المسلمين ذهبوا إلى أنه واجب بالعقل محتجين بأن كل أمة لا تستغنى عن قوة تحمي قوانينها وتدير شئون أفرادها وبأن وجود الحاكم الوازع ضروري من ضروريات الاجتماع البشري.\rوالنظر الصحيح ينتج أن هذين الرأيين يمكن التوفيق بينهما لأنه لا مانع أن تكون تولية الخليفة مما يقضي به العقل لحياطة القوانين وحماية الأفراد وقرره الشرع تأييدًا لمقتضى العقل فيكون العقل والشرع متوافقين على إيجاب تولية الخليفة غير أن العقل قاض بوجود الوازع المطلق والشرع داع إلى مثل أعلى ووازع يستمد سلطانه من بيعة الأمة لا من القهر فمقتضى الشرع أكمل فرد من أفراد ما يقتضيه العقل.\rقال ابن خلدون في المقدمة \"وقد شذ بعض الناس فقال بعدم وجوب نصب الخليفة رأسًا لا بالعقل ولا بالشرع، منهم الأصم من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857764,"book_id":3127,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":50,"body":"المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم. والواجب عند هؤلاء إنما هو إمضاء أحكام الشرع فإذا تواطأت الأمة على العدل وتنفيذ أحكام الله تعالى لم تحتج إلى إمام ولا يجب نصبه. وهؤلاء محجوجون بالإجماع والذي حملهم على هذا المذهب إنما هو الفرار من الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلب\" والنتيجة أن عامة العلماء متفقون على أن من الواجب أن يكون للمسلمين إمام أكبر أو رياسة عليا تجتمع حولها كلمة الأمة وتكون شعار وحدتها والمنفذة لإرادتها. والخلف في منشأ هذا الوجوب لا يتوقف عليه عمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857765,"book_id":3127,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":51,"body":"ب- الشروط المعتبرة فيمن يولى الخلافة:\rقال أبو الحسن المارودي في الأحكام السلطانية \"وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة:\rالأول: العدالة على شروطها الجامعة.\rالثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.\rالثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.\rالرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض.\rالخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.\rالسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو.\rالسابع: النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857766,"book_id":3127,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":52,"body":"الإجماع عليه ولا اعتبار بضرار حين شذ فجوزها في جميع الناس لأن أبا بكر الصديق ﵁ احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبي ﷺ: \"الأئمة من قريش\". فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا: منا أمير ومنكم أمير تسليمًا لروايته وتصديقًا لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وقال النبي ﷺ: \"قدموا قريشًا ولا تتقدموها\" وليس مع هذا النص المسلم شبهة لمنازع فيه ولا قول لمخالف له\".\rفأما الشروط الستة الأولى: من العدالة، والعلم، وسلامة الحواس وسلامة الأعضاء، والرأي، والشجاعة فظاهر اشتراطها وكلها ترجع إلى العدلة والكفاية والقدرة على حمل المسلمين أن يتبعوا قانونهم ومنع غيرهم أن يعتدي عليهم. وكلها لا بد منها ليقوم الإمام بواجبه من حراسة الدين وسياسة الدنيا. وكلها متفق عليها.\rوأما الشرط السابع فمختلف فيه ومنشأ الخلاف عدم القطع بصحة النص الوارد فيه، ومعارضته للنصوص الكثيرة التي وردت بإلغاء اعتبار الأنساب والاعتماد على الأعمال والنعي على من دعا إلى عصبية وفقد الرابطة بينه وبين الغاية التي من أجلها يولى الإمام، لأن شرط الشيء لا بد أن يكون ذا صلة في الوصول إلى المقصود به. والنسب القرشي إن كان مشروطًا لذاته فليست الغاية تقتضيه لأن حراسة الدين وسياسة الدنيا تكون من الكفء القادر أيا كان نسبه، وإن كان مشروطًا لما كان لقريش من المنعة والقوة التي يستعين بها الخليفة على أداء واجبه وجمع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857767,"book_id":3127,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":53,"body":"الكلمة حوله فهو شرط زمني مآله اشتراط أن يكون الخليفة من قوم أولي عصبية غالبة ولا طراد لاشتراط القرشية.\rقال ابن خلدون بعد بحث مستفيض: \"فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية. فاشترطنا في القائم بأمر المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية غالبة ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية ولا يعلم ذلك في الأقطار والآفاق كما كان في القرشية إذ الدعوة الإسلامية التي كانت لهم كانت عامة وعصبية العرب كانت وافية بها فغلبوا سائر الأمم، وإنما يخص لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية الغالبة. وإذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا. لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبًا عنه في القيام بأمور عبادة ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم وهو مخاطب بذلك ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه\".\rومن استجمع الشروط المتفق عليها لا يصير إمامًا له على الناس حق الطاعة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد الذين تختارهم الأمة من أهل العدالة والعلم والرأي وتتبعهم في أمورها العامة وأهمها اختيار الخليفة ومبايعته. وقد ذكر العلماء أن الإمام كما يصير إمامًا بالبيعة يصير إمامًا بالاستخلاف وبولاية العهد. وهذا القول ظاهره ليس صوابًا لأن الاستخلاف والعهد إن لم يقره أهل الحل والعقد لا يكون المستخلف به","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857768,"book_id":3127,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":54,"body":"إمامًا ولا يجب له حق الطاعة. فالعمدة على بيعة أهل الحل والعقد، لا على الاستخلاف والعهد. ولو أن المسلمين رأوا بعد وفاة أبي بكر خيرًا من عمر وبايعوه ما عارضهم معارض ولا كان عهد أبي بكر حجة عليهم، وكذلك لو بايع المسلمون واحدًا غير الستة الذين جعل عمر الشورى فيهم، فالعهد أو الاستخلاف لا يعدو أن يكون ترشيحًا من السلف للخلف. والأمة بعد ذلك صاحبة القول الفصل فيمن تختاره إمامًا، كما أن لها الحق في الإشراف على سياسته في عهد إمامته ولها الحق في عزله إذا لم يقم بما عاهدهم عليه في بيعته.\rفالرأي في تولية الخليفة لأولي الحل والعقد لا للفرد أيا كان ولذلك عد عمر مبادرته ببيعة أبي بكر فلته وقي الله المسلمين شرها لأنه بايعه قبل التشاور بين أولي الحل والعقد. وأبو بكر لم يرشح عمر حتى أطال التشاور مع كبار الصحابة ولم يعبه أحد إلا بشدته، ولما أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من رجال الشورى الستة وجعلوا له الاختيار بقي ثلاثًا لا تنكحل عينه بكثير نوم وهو يشاور كبراء المهاجرين والأنصار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857769,"book_id":3127,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":55,"body":"ج- مكانة الخلافة من الحكومة الإسلامية:\rقدمنا أن أمر المسلمين يجب أن يكون شورى بينهم لا يستقل به واحد منهم وأن تكون الرياسة العليا لمن يبايعه أولو الحل والعقد أيا كانت أسرته وأيا كان منبته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857770,"book_id":3127,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":56,"body":"وهذه الرياسة العليا مكانتها من الحكومة الإسلامية مكانة الرياسة العليا من أية حكومة دستورية، لأن الخليفة إنما يستمد سلطانه من الأمة الممثلة في أولي الحل والعقد ويعتمد في بقاء هذا السلطان على ثقتهم به ونظره في مصالحهم، ولهذا قرر علماء المسلمين أن للأمة خلع الخليفة لسبب يوجبه، وإن أدى إلى الفتنة احتمل أولى المضرتين وعللوا هذا بأن من ملك المسئولية ليستقيم الأمر يملك العزل عند اعوجاجه، وأبو بكر الصديق أول من ولي الخلافة قال في فاتحة خطبته: \"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني، وإن صدقت فقوموني\" وقال في خاتمتها: \"أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم\". وروي مثل هذا عن عمر وعثمان مما يؤيد إيمانهم بسلطة الأمة عليهم وشعورهم بالمسئولية أمامها.\rوإنما تختلف الخلافة عن سائر الرياسات العليا في الحكومات الدستورية في أن الخلافة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا وكما أن الخليفة تشمل ولايته التشريع والقضاء والتنفيذ وغير هذا مما تقتضي به سياسة الملك ونظام الشئون الدنيوية فإن له أيضًا إمامة الصلاة وإمارة الحج والإذن بإقامة الشعائر في المساجد والخطبة في الجمع والأعياد، وغير هذا من الشئون الدينية. ومنشأ الجمع بين الولايتين له أن الغاية من إقامته ومبايعته أن يقوم بحراسة الدين وسياسة الدنيا به، وذلك قاض بأن يكون له النظر في الشئون الدينية والدنيوية معًا، وكذلك جميع الشئون هي وسائل لإصلاح الرعية واستقامة أمورها، وهذا الإصلاح هو الغاية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857771,"book_id":3127,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":57,"body":"المرجوة من نصب الخليفة ومبايعته، ولا تجد في الإسلام شأنًا دينيًا لا صلة بينه وبين سعادة الإنسان في دنياه.\rوليس عموم ولاية الخليفة وشمولها للشئون الدينية بجاعل الخليفة ذا صلة إلهية أو مستمدًا سلطانه من قوة غيبية، وما هو إلا فرد من المسلمين وثقوا بكفايته لحراسة الدين وسياسة الدنيا فبايعوه على أن يقوم برعاية مصالحهم، وله عليهم حق السمع والطاعة، وسلطانه مكتسب من بيعتهم له وثقتهم به.\rومن هذا يتبين أن الصفة الآلهية التي ألصقها بالرياسة العليا في الحكومة الإسلامية بعض الجهال من عباد السلطة تفخيمًا لشأن الخلفاء وتقديسًا لهم ليست من أصل الدين في شيء وقد قيل لأبي بكر: يا خليفة الله فقال: لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله. وجمهور العلماء على أنه لا يجوز تلقيب الخلفاء بهذا اللقب ونسبوا قائله إلى الفجور وقالوا: يستخلف من يغيب أو يموت، والله لا يغيب ولا يموت. وكثير من آيات الكتاب الكريم تنفي أن يكون للرسول سلطة دينية على أحد، وأولى أن لا تكون هذه السلطة لواحد من خلفائه. قال تعالى لرسوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ١، وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ ٢، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣. وفي كثير من آي الكتاب وسنة الرسول وخلفائه الراشدين ما يؤيد الاهتداء برأي الجماعة ورجوع الخليفة عن رأيه إذا بان الصواب في رأي غيره. في كتاب الإسلام والنصرانية \"الخليفة عن المسلمين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط","footnotes":"١ الغاشية: ٢١.\r٢ ق: ٤٥.\r٣ البقرة: ٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857772,"book_id":3127,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":58,"body":"الوحي ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة وهو لا يخصه الدين في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية ولا يرتفع به إلى منزلة بل هو وسائر طلاب الفهم سواء إنما يتفاضلون بصفاء العقل، وكثرة صاحبة الحق في السيطرة عليه وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدني من جميع الوجوه، وليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما خولها لأعلاهم يتناول بها من هو أدناهم\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857773,"book_id":3127,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":59,"body":"السياسة الشرعية الخارجية\rمدخل\r...\rالسياسة الشرعية الخارجية:\rالسياسة الخارجية للدولة تدبير علاقاتها بغيرها من الدول. والأمم قديمًا كانت حالها لا تساعد على وجود صلات بين إحداها والأخرى لأن القوية كانت تطمع في استبعاد الضعيفة والضعيفة كانت في خوف من تغلب القوية، وما كانت إذ ذاك ضمانات تقف بالمطامع أو تنفي المخاوف، فلهذا كانت كل أمة في عزلة عن الأخرى، وما كانت لواحدة منها سياسة خارجية إلا تدبير الحروب والإغارات.\rولكن الأمم حديثًا لما اشتدت حاجة كل واحدة منها إلى الأخرى وأصبحت كالأفراد مدينة بطبعها لا غنى لأمة عن غيرها، مست هذه الحاجات المتبادلة إلى تدبير العلاقات الخارجية بوضع الأسس التي تبنى عليها، والقوانين التي تتبع فيها، والقوى الكفيلة بتنفيذها. ولهذا وضع علم القانون الدولي لتقرير القواعد التي تستبين بها حقوق كل دولة وواجباتها قبل غيرها من الدول في حالي السلم والحرب. وأول ما قرره العلماء من قواعده أن تكون علاقات الدول أساسها السلم حتى يتيسر لها تبادل المنافع والتعاون على بلوغ النوع الإنساني درجة كماله وقرروا أنه لا يسوغ قطع هذه الصلة السلمية إلا عند الضرورة القصوى التي تلجئ إلى الحرب وبعد أن تفشل جميع الوسائل السلمية في حسم الخلاف. وسنوا لحال السلم أحكامًا تكفل لكل دولة حقوقها وواجباتها قبل غيرها حتى تقطع أسباب الخلاف بالقدر الممكن وسنوا لحال الحرب -إذا اضطر الخلاف إلى وقوعها- أحكامًا تخفف ويلاتها وتهون من شرورها بالقدر الممكن كذلك. فمن الأحكام السليمة وجوب اعتراف الدول بوجود الدولة التي استكملت شرائط الدولية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857774,"book_id":3127,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":60,"body":"ووجوب تمتع كل دولة بحريتها التامة في سياستها الداخلية واحترام حدودها ومعاملة رعايها بالحسنى وإزالة العقبات من طريق تجارتها وإكرام وفادة سفرائها وقناصلها وغير هذا من الأحكام التي يقصد بها تجنب وقوع الخلاف. ومن الأحكام الحربية وجوب إعلان الحرب بطريق يمنع الغدر والأخذ غيله، وتحريم استعمال أنواع من القنابل والقذائف والأسلحة التي تزيد في تعذيب الإنسان، وإحسان المعاملة للجرحى والأسرى وغير هذا من الأحكام التي يراد بها تخفيف ويل الحرب، ورحمة الإنسان بالإنسان.\rوهذا بيان ما قرره الإسلام أساسًا لعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها وما شرعه لتدبير هذه العلاقة في حالي السلم والحرب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857775,"book_id":3127,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":61,"body":"علاقة الدولة الإسلامية بالدول غير الإسلامية:\rاتفقت كلمة علماء المسلمين على أن الدولة الإسلامية إنما تعتمد في تكونها على الوحدة الدينية وأن جميع من جمعتهم هذه الوحدة هم أمة واحدة وإن اختلفوا في اللغة أو الجنس أو الحكومات أو الملوك أو سائر المميزات القومية، لأن وحدة الدين غلبت كل هذه الفروق.\rواختلفوا في أساس العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها، فقال فريق منهم: إن الإسلام يأمر بدعوة مخالفيه إلى أن يدينوا به وهذه الدعوة دعوتان دعوة باللسان ودعوة بالبنان. فمن دعوا باللسان وبلغوا هذا الدين على وجه صحيح يتبين به الحق ولم يجيبوا الدعوة وجب على المسلمين دعوتهم بالسيف وقتالهم. وإن كانوا من مشركي العرب لا يحل الكف عن قتالهم حتى يسلموا. وإن كانوا من أهل الكتاب أو من مشركي غير العرب لا يحل الكف عن قتالهم حتى يسلموا. وإن كانوا من أهل الكتاب أو من مشركي غير العرب لا يحل الكف عن قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وقبل الوصول إلى هذه الغاية لا تجوز مسالمتهم ولا يحل الكف عن قتالهم إلا للضرورة بأن كان بالمسلمين ضعف وبمخالفيهم قوة فحينئذ تجوز المسالمة المؤقتة للضرورة ويجب أن تقدر هذه الضرورة بقدرها.\rواحتج هؤلاء على رأيهم بعدة براهين:\rالأول: أن الله سبحانه أمر المسلمين في كتابه الكريم بأن يقاتلوا غير المسلمين حتى يسلموا أو يعطوا الجزية أمرًا مطلقًا غير مقيد بأن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857776,"book_id":3127,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":62,"body":"يكون القتال رفعًا لعدوان أو في مقابلة قتال فدل هذا الإطلاق على أنه أمر بالقتال على أنه دعوة إلى الإسلام وحمل للمخالفين على نبذ دينهم واعتناق الإسلام. وإذا كان القتال دعوة إلى الدين فلا يحل تركه مع القدرة عليه بحال.\rفمن هذه الآيات قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ١، وقوله في سورة النساء: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ٢، وقوله في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال﴾ ٣، وقوله في سورة التوبة: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤، وقوله فيها ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٥ وقوله فيها: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٦.\rوالثاني: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله\" وهذا","footnotes":"١ البقرة: ٢١٦.\r٢ النساء: ٧٤.\r٣ الأنفال: ٦٥.\r٤ التوبة: ٥.\r٥ التوبة: ٢٩.\r٦ التوبة: ٣٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857777,"book_id":3127,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":63,"body":"نص على أن الأمر بقتال الناس هو للدخول في الإسلام أي أنه طريق الدعوة إليه.\rوالثالث: أن الله سبحانه في كثير من آي الكتاب الكريم نهى عن اتخاذ الكافرين أولياء وعن الإلقاء إليهم بالمودة. وفي هذا دلالة على أن لا تكون للمسلمين بغيرهم محالفة أو موالاة. فمن هذه الآيات قول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢، وقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ ٣.\rوالرابع: أن من دعوا إلى الإسلام على وجه صحيح لا عذر لهم في البقاء على غيره، لأن الله سبحانه أبلى معاذيرهم بدلائله التي أقامها على وحدانيته وصدق بها رسوله، وإذا لم يجيبوا الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ولا معذرة لهم في الإباء فلا مندوحة أن نسوقهم إلى خيرهم وهداهم بوسائل قسرية، حتى إذا لم تفلح وسائل القهر بعد أن لم تفلح سبل الحكمة لم يكن بد من قتلهم وقطع دابر شرهم وقاية للمجتمع من ضلالهم كالعضو المصاب إذا تعذر علاجه تكون مصلحة الجسم في بتره.","footnotes":"١ آل عمران: ٢٨.\r٢ المائدة: ٥١.\r٣ الممتحنة: ١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857778,"book_id":3127,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":64,"body":"وأصحاب هذا الرأي أسسوا السياسة الخارجية للدولة الإسلامية على القواعد الآتية:\r١- الجهاد فرض ولا يحل تركه بأمان أو موادعة إلا أن يكون الترك سبيلًا إليه بأن كان الغرض منه الاستعداد حين يكون بالمسلمين ضعف وبمخالفيهم في الدين قوة.\rوإذا بدئ المسلمون، بالقتال فهو فرض عين على كل مسلم أهل للجهاد وإذا لم يبدءوا به فهو فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الأمة سقط عن الباقين وإذا لم يقم به فريق من الأمة كانت كلها آثمة.\r٢- أساس العلاقة بين المسلمين ومخالفيهم في الدين الحرب ما لم يطرأ ما يوجب السلم من إيمان أو أمان.\rوالأمان نوعان: أمان مؤقت، وأمان مؤبد. والمؤقت نوعان: خاص، وعام.\rأما الأمان المؤقت الخاص: فهو ما يبذله المسلم من المقاتلة لواحد أو جمع محصورين. وقد منح كل مسلم من المقاتلة حق هذا التأمين الخاص لأن الضرورة قد تقضي به وتكون فيه المصلحة للمسلمين ويمكن لكل مقاتل أن يقدر هذه المصلحة الجزئية ويعمل لتحقيقها بدون حاجة إلى الرجوع إلى الإمام أو نائبه، فإذا قال مقاتل من المسلمين لواحد أو جمع معين من المحاربين أمنتكم أو أنتم آمنون كانت هذه الكلمة ذمة في عنق المسلمين جميعهم وصار بها هذا الواحد أو الجمع المعين آمنا لا يحل قتاله ولا التعرض له.. وأصل هذا قول الرسول ﷺ: \"المسلمون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857779,"book_id":3127,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":65,"body":"تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم\" وفي رواية \"ويجبر عليهم أدناهم\".\rوأما الأمان المؤقت العام: فهو ما يبذل لكافة المسلمين ولا يخص واحدًا أو جمعًا معينًا، وهذا حق لا يملكه إلا الإمام أو نائبه لأن المصلحة العامة من شئونه هو النظر فيها وهو الذي يرجع إليه في تقدير الضرورة القاضية بالتكاف عن القتال في مدة معينة.\rوفي حكم هذا الأمان المؤقت العام المهادنة وهي المعاقدة بين المسلمين ومخالفيهم في الدين على نبذ الحرب والتكاف عن القتال مدة معينة تقدر في العقد. وأصل هذه المهادنة التي تعاقد عليها المسلمون مع مشركي قريش في صلح الحديبية فإنه كان من مواد معاهدة ذلك الصلح التكاف عن القتال عشر سنين وقد أمضى رسول الله ﷺ ذلك لما كان يقدره من المصلحة العامة في هذا التكاف عن القتال وذلك لأن المسلمين أمنوا من الاعتداء عليهم واختطلوا بمخالفيهم في الدين وأسمعوهم آيات الله وبثوا بينهم الدعوة إليه فدخل المشركون في دين الله أفواجًا ونال المسلمون بهذه الهدنة من النصر أكثر مما نالوه بالقتال حتى قال بعض العلماء: إن الفتح المبين المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينا﴾ ١ هو صلح الحديبية لا فتح مكة.","footnotes":"١ الفتح: ١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857780,"book_id":3127,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":66,"body":"والأمان المؤقت بنوعيه والمهادنة إنما تجوز إذا كان فيها خير المسلمين ودعت إليها حالهم حتى لو رأى الإمام أن الخير والمصالحة في نقضه واستئناف القتال كان له ذلك. وإذا نقضه فلا بد من النبذ إلى المؤمنين أو المهادنين قبل القتال تحرزًا عن الغدر والأخذ على غرة. وأصل هذا قول الرسول ﷺ \"في العهود وفاء لا غدر\" ولا بد من اعتبار مدة يبلغ فيها خبر النبذ إلى جميعهم ويكتفي في ذلك بمضي مدة يتمكن فيها ملكهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ الخبر إلى أطراف مملكته لأن ذلك أنفى للغدر. وأما إذا كان النقض من قبلهم هم فإنهم يقاتلون من غير أن ينبذ إليهم لأنهم هم الذين نقضوا العهد وآذنوا بالحرب وفي هذه الحال إذا كانت في يد المسلمين رهائن لا يحل قتلهم لأن الوفاء بالغدر خير من الغدر بالغدر ولقول الرسول ﷺ \"لا تخن من خانك\".\rوأما الأمان المؤبد فهو ما يكتسب بعد الذمة، وإنما يتولى هذا العقد من قبل المسلمين الإمام أو نائبه وهو إنما يصح مع أهل الكتاب ومشركي غير العرب، ولا يصح مع مشركي العرب والمرتدين ولا يصح إلا أن يكون مؤبدًا. وإذا عقد فهو لازم في حق المسلمين فلا يملكن نقضه بحال. وأما في حق الذميين فيقبل النقض بأحد ثلاثة أمور بإسلام من يسلم منهم. أو بلحوقة بدار الحرب. أو بثورته على المسلمين وتغلبه على بعض أماكنهم. وأما امتناعه عن إعطاء الجزية أو جنايته على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857781,"book_id":3127,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":67,"body":"مسلم أو ارتكابه أية جناية فردية فلا تستوجب نقض العقد. والأصل في هذا أن كل ما صدر من ذمي واحتمل أن يؤول لغير النقض لا ينقض به عقد الذمة.\r٣- دار الإسلام: هي الدار التي تجرى عليها أحكام الإسلام ويأمن من فيها بأمان المسلمين سواء أكانوا مسلمين أم ذميين.\rودار الحرب: هي الدار التي لا تجرى عليها أحكام الإسلام ولا يأمن من فيها بأمان المسلمين.\rوإنما أسس أصحاب هذا الرأي رأيهم وقواعدهم على أساس أن غير المسلمين إذا دعوا إلى الإسلام وأقيمت لهم دلائله الحقة وأبليت معاذيرهم برفع الشبهات وإيضاح الآيات كان إصرارهم على خلافهم وإعراضهم عن الإسلام وآياته ورفضهم إجابة دعاته بمثابة إيذان المسلمين بالحرب، فيجب على المسلمين أن يسوقهم إلى الحق قسرًا ما داموا لم يذعنوا له بالحكمة والموعظة الحسنة.\rوقال فريق آخر من العلماء: إن أساس علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول لا تغاير ما قرره علماء القانون الدولي أساسًا لعلاقات الدول الحاضرة. وإن الإسلام يجنح للسلم لا للحرب. وأنه لا يجيز قتل النفس لمجرد أنها تدين بغير الإسلام، ولا يبيح للمسلمين قتال مخالفيهم لمخالفتهم في الدين وإنما يأذن في قتالهم ويوجبه إذا اعتدوا على المسلمين، أو وقفوا عقبة في سبيل الدعوة الإسلامية ليحولوا دون بثها فحينئذ يجب القتال دفعًا للعدوان وحماية للدعوة حتى إذا لم يكن من المخالف في الدين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857782,"book_id":3127,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":68,"body":"عدوان لا على المسلمين ولا على دعوتهم فلا يحل قتاله، ولا تحرم معاملته ومبادلته المنافع. فلم يؤذن في القتال لأنه طريق الدعوة إلى الدين وإنما أذن فيه لحماية الدعوة من اعتداء المعتدين. واحتجوا على هذا ببراهين:\rأولًا: أن آيات القتال في القرآن الكريم جاءت في كثير من السور المكية والمدنية مبينة السبب الذي من أجله أذن في القتال وهو يرجع إلى الكفار على عهد الرسول ﷺ سواء أكانوا من المشركين أم من أهل الكتاب أمعنوا في إيذاء المسلمين بألوان العذاب فتنة لهم وابتلاء حتى يرجعوا من أسلم عن دينه ويثبطوا من عزيمة من يريد الدخول في الإسلام، وغايتهم من هذه الفتن والمحن أن يخمدوا الدعوة ويسدوا الطريق في وجه الدعاة، فالله سبحانه أوجب على المسلمين أن يقاتلوا هؤلاء المعتدين دفعًا لاعتدائهم وإزالة لعقابتهم حتى لا تكون فتنة ولا محنة، ولا يحول حائل بين المدعوين وإجابة الدعوة وإذ ذاك يكون الدين كله لله. قال تعالى في سورة البقرة المدنية: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ١، وقال تعالى في سورة النساء المدنية: ﴿مَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ","footnotes":"١ البقرة: ١٩٠-١٩٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857783,"book_id":3127,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":69,"body":"الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ١، وقال تعالى في سورة الأنفال المدنية: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢. وقال سبحانه في سورة الحج المكية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ٣.\rثانيًا: احتجوا باتفاق جمهور المسلمين على أنه لا يحل قتل النساء والصبيان والرهبان والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم لأنهم ليسوا من المقاتلة، ولو أن القتال كان للحمل على إجابة الدعوة وطريقًا من طرقها حتى لا يوجد مخالف في الدين ما ساغ استثناء هؤلاء فاستثناؤهم برهان على أن القتال إنما هو لمن يقاتل دفعًا لعدوانه. ولو قيل إنهم استثنوا لأنهم لغيرهم تبع فهذا إن سلم في الصبيان والنساء لا يسلم في البواقي وخاصة في الرهبان.\rوثالثًا: وسائل القهر والإكراه ليست من طرق الدعوة إلى الدين لأن الدين أساسه الإيمان القلبي والاعتقاد وهذا أساس تكونه الحجة لا السيف، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٤، ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٥.","footnotes":"١ النساء: ٧٥.\r٢ الأنفال: ٣٩.\r٣ الحج: ٣٩-٤٠.\r٤ البقرة: ٢٥٦.\r٥ يونس: ٩٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857784,"book_id":3127,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":70,"body":"وأصحاب هذا الرأي أسسوا السياسة الخارجية للدولة الإسلامية على القواعد الآتية:\r١- دعوة غير المسلمين إلى الإسلام فرض كفاية على الأمة الإسلامية إذا قام به فريق منها سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به فريق منها كانت كلها آثمة وذلك لأن رسالة محمد ﷺ عامة، فهو مرسل من الله إلى الناس كافة لا فرق بين أمة وأمة، ولا بين من كانوا في عصره ومن وجدوا بعده. والله أمره أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه إلى كل من أرسل إليهم، وقد قام في حياته بتبليغ كل من استطاع أن يبلغهم بلسانه وكتبه ورسله. وفي خطبته يوم حجة الوداع أشهد ربه على البلاغ وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب، فمن هذا وجب على المسلمين في عصورهم المتتابعة أن لا ينقطعوا عن هذه الدعوة وأن يبلغوا ما أنزل على محمد ﷺ إلى كل من لم يبلغه.\rوأن يكون أول شئونهم الخارجية تنظيم الدعوة إلى الإسلام وإعداد الدعاة وبثهم بين الأمم التي لا تدين بالإسلام في مختلف البلدان مع مدهم بجميع الوسائل التي تقدرهم على القيام بواجبهم.\r٢- أساس العلاقة بين المسلمين ومخالفيهم في الدين السلم، ما لم يطرأ ما يوجب الحرب من اعتداء على المسلمين أو مقاومة لدعوتهم بمنع الدعاة من بثها ووضع العقبات في سبيلها وفتنة من اهتدى إلى إجابتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857785,"book_id":3127,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":71,"body":"٣- دار الإسلام هي الدار التي تسود فيها أحكامه ويأمن فيها المسلمون على الإطلاق ودار الحرب هي الدار التي تبدلت علاقتها السلمية بدار الإسلام بسبب اعتداء أهلها على المسلمين أو على بلادهم أو على دعوتهم أو دعاتهم. وعلى هذا إنما يتحقق اختلاف الدارين بين بلاد الدولة الإسلامية وبلاد غير المسلمين الذين بدءوا المسلمين بالعدوان أو حالوا بينهم وبين بث دعوتهم وقام المسلمون بما يجب عليهم من دفع العدوان عنهم وحماية دعوتهم وقطعوا بتلك البلاد علاقتهم وانقطعت العصمة بينهم بحيث يصبح أهل البلدين لا يأمن واحد منهم في بلاد الآخر.\rأما الأمة غير الإسلامية التي لم تبدأ المسلمين بعدوان، ولم تعترض لدعاة الإسلام وتركتهم أحرارًا يعرضون دينهم على من يشاءون، ويقيمون براهينهم بما يريدون، لا تقاوم داعيًا ولا تفنن مدعوا، ولم ترسل إليها بعثة من الدعاة؛ فهذه لا يحل قتالها ولا قطع علاقتها السلمية، والأمان بينها وبين المسلمين ثابت، لا ببذل أو عقد، وإنما هو ثابت على أساس أن الأصل السلم ولم يطرأ ما يهدم هذا الأساس من عدوان على المسلمين أو على دعوتهم.\rوخلاصة الفروق بين الرأيين أنه على الرأي الأول: الجهاد مشروع على أنه طريق من طرق الدعوة إلى الإسلام، على معنى أن غير المسلمين لا بد أن يدينوا بالإسلام: طوعًا بالحكمة والموعظة الحسنة، أو كرهًا بالغزو والجهاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857786,"book_id":3127,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":72,"body":"وعلى الرأي الثاني: الجهاد مشروع لحماية الدعوة الإسلامية ودفع العدوان على المسلمين فمن لم يجب الدعوة ولم يقاومها ولم يبدأ المسلمين باعتداء لا يحل قتاله ولا تبديل أمنه خوفًا.\rوكذلك على الرأي الأول لا يكون بين المسلمين وغيرهم أمان إلا بسبب طارئ من تأمين خاص أو عام أو موادعة أو عقد ذمة وعلى الرأي الثاني لا يكون بين المسلمين وغيرهم حرب إلا بسبب طارئ من اعتداء أو مقاومة للدعوة أو إيذاء الدعاة أو المدعوين وعلى الرأي الأول يتحقق اختلاف الدارين بانقطاع العصمة. وليس مناط الاختلاف الإسلام وعدمه وإنما مناطه الأمن والفزع.\rوالنظر الصحيح يؤيد أنصار السلم القائلين بأن الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على المسالمة والأمان لا على الحرب والقتال إلا إذا أريدوا بسوء لفتنتهم عن دينهم أو صدهم عن دعوتهم فحينئذ يفرض عليهم الجهاد دفعًا للشر وحماية للدعوة وهذا بين في قوله تعالى في سورة الممتحنة المدنية: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١، وقوله تعالى في سورة النساء المدنية: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ ٢، وقوله في سورة الأنفال المدنية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٣. وفي","footnotes":"١ الممتحنة: ٨-٩.\r٢ النساء: ٩٠.\r٣ الأنفال: ٦١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857787,"book_id":3127,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":73,"body":"كثير من آي الكتاب وأصول الدين ما يعزز هذه الروح السلمية ويبعد أن يكون الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على الحرب الدائمة وأن يكون فرض الجهاد وشرع القتال على أنه طريق الدعوة إلى الدين لأن الله نفى أن يكون إكراه على الدين وأنكر أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين. وكيف يتكون الإيمان بالإكراه ويصل السيف إلى القلوب. إن طريق الدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله وحده هي الحجة لا السيف ولو أن غير المسلمين كفوا عن فتنتهم وتركوهم أحرارًا في دعوتهم ما شهر المسلمون سيفًا ولا أقاموا حربًا.\rوما احتج به الفريق الأول من آيات القتال التي جاءت مطلقة ليس برهانًا قاطعًا على ما يقولون لأنه لم يوفق بين هذه الآيات المطلقة والآيات المقيدة بحمل المطلق على المقيد على معنى أن الله سبحانه أذن في القتال لقطع الفتنة وحماية الدعوة وتارة ذكره مقرونًا بسببه وتارة ذكره مطلقًأ اكتفاء بعلم السبب في آيات أخرى. ولو كان بين الآيات تعارض كانت المتأخرة ناسخة للمتقدمة فلم يذكر السبب الذي من أجله أذن في القتال آخرًا كما ذكر السبب في الأذن به أولًا، وكيف تكون الآيات المقيدة منسوخة مع أن وجوب القتال لدفع العدوان مجمع عليه ولم يقل بنسخ هذا الوجوب أحد. فلا موجب لتقرير تعارض الآيات والقول بنسخ المطلق للمقيد لأن هذا تمزيق للآيات ويترتب عليه نسخ كثير منها، حتى قال بعض المفسرين: إن المنسوخ بآية السيف نحو مائة وعشرين آية ومن هذه الآيات كل ما يدل على أخذ بالعفو أو دعوة بالحكمة أو جدال بالحسنى أو نفي للإكراه على الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857788,"book_id":3127,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":74,"body":"وما احتجوا به ثانيًا من حديث \"أمرت أن أقاتل الناس\" فهو لا يثبت مدعاهم؛ لأن جميع المسلمين متفقون على أن المراد من الناس في هذا الحديث مشركو العرب خاصة لأن غيرهم من أهل الكتاب ومشركي غير العرب حكمهم يخالف ما جاء في الحديث لأنهم يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وإذا كان المراد من الناس مشركي العرب خاصة وهؤلاء حالهم من العدوان على المسلمين والدعوة غير مجهولة فالله أمر رسوله أن يقاتلهم حتى يدفع شرهم، ولجمودهم على ما وجدوا عليه آباءهم ولشدة طغيانهم لم يكن سبيل إلى دفع شرهم إلا بأن يسلموا أو يستأصلوا، ولو كان يرجى منهم خير لأبيح معهم عقد الذمة وقبول الجزية كما شرع لغيرهم، فالحديث في طائفة خاصة والقتال فيه لدفع الشر لا للدعوة ولو كان للدعوة لكانوا هم وغيرهم سواسية.\rوما احتجوا به ثالثًا من النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء فهذا ليس بدليل لأن مورد النهي موالاتهم ومخالفتهم ونصرتهم على المسلمين وهذا لا خلاف في حظره، وأما موالاتهم بمعنى المسالمة والمعاملة بالحسنة وتبادل المنافع فهذا غير محظور وكيف يكون محظورًا وقد أباح الله للمسلم أن يتزوج بالكافرة الكتابية. وليس بعد علاقة الزوجية موالاة. ونفى الله سبحانه النهي عن برهم والقسط إليهم ما داموا لم يقاتلوا المسلمين ولم يعتدوا عليهم وقد قال الفخر في تفسيره \"الموالاة تحتمل درجات ثلاثًا\":\r١- أن تكون موالاته توجب الرضا بكفره وذلك حرام لأن الرضا بالكفر كفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857789,"book_id":3127,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":75,"body":"٢- المعاشرة الجميلة في الدنيا وذلك غير ممنوع منه.\r٣- وهي كالوسط بين الدرجتين الأوليين وهي بمعنى الركون إليهم والمظاهرة والنصرة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا منهي عنه لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجر إلى استحسان طريقه والرضا بدينه وذلك يخرج عن الإسلام.\rومن أقوال العلماء التي تؤيد الروح السلمية قول الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي﴾ إنه تعالى لما بين دلائل التوحيد بيانًا شافيًا قاطعًا للمعذرة قال بعد ذلك إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل عذر للكافر في الإقامة على كفره إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء؛ إذ إن في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ١.\rويؤكد هذا التأويل قوله سبحانه بعد نفي الإكراه في الدين: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيْ﴾ ٢ يعني وهو أعلم قد ظهرت الدلائل ووضحت البينات ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف والابتلاء.\rوقال ابن تيمية في كتابه \"السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية\": وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو أن","footnotes":"١ يونس: ٩٩.\r٢ البقرة: ٢٥٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857790,"book_id":3127,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":76,"body":"يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن منع هذا قوتل بتفاق المسلمين وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالا للمسلمين. والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١. وفي السنن عنه ﷺ أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس فقال: \"ما كانت هذه لتقاتل\". وقال لأحدهم الحق خالدًا فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا. وفيها أيضًا عنه ﷺ أنه كان يقول: \"لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلا صغيرًا ولا امرأة\" وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل﴾ أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أشد فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه\".\rوقال الأستاذ الإمام في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ ٢. الآيات: مجمل تفسير الآيات ينطبق على ما ورد من سبب نزولها وهو إباحة القتال للمسلمين في الإحرام بالبلد الحرام والشهر الحرام إذا بدأهم المشركون بذلك وأن لا يبغوا عليهم إذا نكثوا عهدهم واعتدوا في هذه المدة وحكمها بأن لا","footnotes":"١ البقرة: ١٩٠.\r٢ البقرة: ١٩٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857791,"book_id":3127,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":77,"body":"ناسخ فيه ولا منسوخ فالكلام فيها متصل بعضه ببعض في واقعة واحدة فلا حاجة لتمزيقه ولا لإدخال آية براءة فيه. وقد نقل عن ابن عباس أنه لا نسخ فيها ومن حمل الأمر بالقتال فيها على عمومه ولو مع انتفاء الشرط فقد أخرجها عن أسلوبها وحملها ما لا تحتمل، وآية سورة آل عمران نزلت في غزوة أحد وكان المشركون هم المعتدين، وآيات الأنفال نزلت في غزوة بدر الكبرى وكان المشركون هم المعتدين أيضًا، وكذلك آيات سورة براءة نزلت في ناكثي العهد من المشركين ولذا قال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُم﴾ ١، وقال بعد ذكر نكثهم ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٢. الآيات.\rكان المشركون يبدءون المسلمين بالقتال لأجل إرجاعهم عن دينهم ولو لم يبدءوا في كل واقعة لكان اعتداؤهم بإخراج الرسول من بلده وفتنة المؤمنين وإيذائهم ومنع الدعوة كل ذلك كان كافيًا في اعتبارهم معتدين فقتال النبي ﷺ كله كان مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق، ولذلك كان تقديم الدعوة شرطًا لجواز القتال وإنما تكون الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، فإذا منعنا من الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل فعلينا أن نقاتل لحماية الدعوة ونشر الدعوة لا للإكراه على الدين فالله تعالى يقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٣، ويقول: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٤. وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو يقتلهم أو يهدد الأمن","footnotes":"١ التوبة: ٧.\r٢ التوبة: ١٣.\r٣ البقرة: ٢٥٦.\r٤ يونس: ٩٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857792,"book_id":3127,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":78,"body":"ويعتدي على المؤمنين فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإزهاق الأرواح ولا لأجل الطمع في الكسب، ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة ومنع المسلمين تغلب الظالمين لا لأجل العدوان، فالروم كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت في حوزة الإسلام ويؤذونهم وأولياءهم من العرب المتنصرة ومن يظفرون به من المسلمين. وكان الفرس أشد إيذاء للمؤمنين منهم فقد فرقوا كتاب النبي ﷺ ورفضوا دعوته وهددوا رسوله وكذلك كانوا يفعلون. وما كان بعد ذلك من الفتوحات اقتضته طبيعة الملك ولم يكن كله موافقًا لأحكام الدين فإن طبيعة الكون أن يبسط القوي يده على جاره الضعيف. ولم تعرف أمة قوية أرحم في فتوحاتها بالضعفاء من الأمة العربية شهد لها علماء الإفرنج بذلك.\rوجملة القول في القتال أنه شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها فعلى من يدعي من الملوك والأمراء أنه يحارب للدين أن يحمي الدعوة الإسلامية ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب حال العصر وعلومه ويقرن ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من العدوان ومن عرف حال الدعاة إلى الدين عند الأمم الحية وطرق الاستعداد لحمايتهم يعرف ما يحب على المسلمين في ذلك وما ينبغي في هذا العصر.\rوبما قررناه بطل ما يهذي به أعداء الإسلام حتى من المنتمين إليه من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين والمتعصبين أنه ليس دينًا إلهًيا لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء وأن العقائد الإسلامية خطر على المدنية فكل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة\rللعالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857793,"book_id":3127,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":79,"body":"أحكام الإسلام الحربية مقارنة بالقانون الدولي:\rسواء أكانت الحرب أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم أم كانت تدبيرًا استثنائيًّا لا يلجأ إليه إلا لضرورة دفع العدوان وقطع الفتنة، فإن الأحكام التي أوجب الإسلام مراعاتها لتخفيف ويلات القتال من خير ما عرف من قوانين الرحمة بالإنسان. وهذه الأحكام وإن كانت تتفق مع أحكام القانون الدولي في كثير من المواضع إلا أنها تخالفها من جهة أنها أحكام دينية شرعها الدين ويقوم بتنفيذها إيمان المسلمين وقوة يقينهم مثل سائر الأحكام الدينية. وأما أحكام القانون الدولي فإنها ليس لها قوة تنفيذية تكفل إمضاءها حتى إن بعض الباحثين يرى في تسمية الأحكام الدولية قانونًا ضربًا من التسامح لأن القانون لا يكسب هذا الوصف إلا إذا كان من ورائه قوة لحمايته وتنفيذ أحكامه ولا توجد قوة ما لإخضاع الدول لأحكام القانون الدولي فالأحكام الإسلامية الحربية مع أنها ترمي إلى العدل والرحمة لها من إيمان المسلم قوة تنفيذية تكفل إمضاءها.\rوالأصل في هذا الباب ما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: \"اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857794,"book_id":3127,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":80,"body":"بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث فأيتهن ما أجابوك إليها فأقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن أبوا فاسألهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم خير من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم فإنك لا تدري أصبت حكم الله فيهم أم لا، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم\".\rوعلى هذا الأساس شرعت الأحكام الحربية في الإسلام كما يأتي:\r١- قرر القانون الدولي أن الدولة التي تضطر إلى إعلان الحرب على دولة أخرى يجب عليها قبل البدء أن تعلن الدولة الأخرى بميعاد الحرب وتعلن رعايها وتخطر الدول الأخرى لتلزم حيادها، والغرض من هذا الإعلان توقي الغدر والأخذ على غرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857795,"book_id":3127,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":81,"body":"وجاء في الشرع الإسلامي أنه يجب على المسلمين قبل البدء بقتال الكافرين أن يدعوا من لم تبلغه الدعوة منهم، ويندب أن يجددوا دعوة من بلغته. فقد قال أبو يوسف: \"لم يقاتل رسول الله ﷺ قومًا قط فيما بلغنا حتى يدعوهم إلى الله ورسوله\" وقال صاحب الأحكام السلطانية: \"ومن لم تبلغهم دعوة الإسلام يحرم علينا الإقدام على قتالهم غرة وبيانًا بالقتل والتحريق ويحرم أن نبدأهم بالقتال قبل إظهار دعوة الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة ومن ساطع الحجة بما يقودهم إلى الإجابة. فإن بدأ بقتالهم إلى الإسلام وإنذارهم بالحجة وقتلهم غرة وبياتًا ضمن ديات نفوسهم\".\rوفي هذا من إعلان الحرب والإنذار به قبل ابتدائه وتوقي الغدر والخيانة ما يحبب في الإسلام حتى إن الإمام إذا عقد صلحًا مع الأعداء لمصلحة رآها فقد أجازوا له نقض الصلح إذا تبدلت الحال وصارت المصلحة في استئناف القتال، لكن حرموا عليه استئناف القتال في هذه الحال إلا إذا مضى زمان يتمكن فيه ملك الأعداء من إنفاذ خبر النقض إلى أطراف مملكته توقيًا عن الغدر وحذرًا من الأخذ على غرة.\r٢- قرر القانون الدولي أن الرعايا غير المنتظمين في الجيش لا يعدون أعداء ولا يجوز إلحاق الأذى بهم، وأن وصف المحاربين خاص بكل جند أو جيش محارب، ونصت الشريعة الإسلامية على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان والقسس في كنائسهم والرهبان في صوامعهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857796,"book_id":3127,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":82,"body":"والشيوخ الكبار والزمنى والمرضى ومن اعتزل القتال أو حالت عاهته دون أن يكون من المقاتلة إلا إذا اشترك واحد من هؤلاء في الحرب بقول أو فعل أو رأي.\r٣- أوجب القانون الدولي العناية بالمرضى والجرحى، وقرر حياد المستشفيات، وصيانة الأطباء والممرضين، والجنود النقالة.\rونهت الشريعة الإسلامية عن قتل الوصفاء، والعسفاء والوصفاء هم المملكون والعسفاء هم المستخدمون ويدخل في هؤلاء الممرضون والنقالة وكل من يستخدمون لإسعاف الجرحى والمرضى والقيام بحاجتهم وتخفيف آلامهم.\r٤- حرم القانون الدولي الإجهاز على الجرحى وتعذيب العدو والفتك به غيلة واستعمال القنابل والقذائف والأسلحة التي تزيد في التعذيب وحرم تسميم الآبار والأنهار والأطعمة.\rوقد نهى رسول الله ﷺ عن الغدر وعن المثلة وقال: \"لا تعذبوا عباد الله\". وجاء في الشريعة الإسلامية النهي عن قتل الأعزل وعن الإحراق بالنار لميت أو حي وعن إفساد الثمار والزروع وإحراق الدور والأمتعة وعن كل إتلاف وإفساد تكون منه مندوحة.\r٥- جوز القانون الدولي التضييق على المحصورين وتعجيزهم حتى يضطروا إلى التسليم.\rوجوزت الشريعة الإسلامية -في حصار العدو- نصب العرادات والمنجنيقات، وعمل كل ما يستضيفهم للظفر بهم، على أن لا يقطع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857797,"book_id":3127,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":83,"body":"نخيلهم، ولا تسمم مياههم. ومن هذا يتبين أن الإسلام في بدء القتال قرر من الأحكام ما يقضي به توقي الغدر والأخذ غرة. وفي أثناء القتال قرر من الأحكام ما يستوجبه تخفيف ويلات الحرب: من تجنب المثلة والتعذيب وإتلاف ما لا تدعو الحاجة إلى إتلافه حتى إن أعداء المسلمين إذا مثلوا بهم فالأفضل عدم مجاراتهم في هذا التمثيل. يدل على هذا ما روي من أنه لما مثل المشركون في غزوة أحد بحمزة بن عبد المطلب وغيره من الشهداء قال الرسول ﷺ: \"لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا\"، فأنزل الله عليه قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ١ فقال الرسول ﷺ: \"بل نصبر\" وقال عمران بن حصين: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة.\rوأساس هذه الأحكام أن الإسلام ما قصد من تشريع القتال إزهاق الأرواح وتعذيب عباد الله وإنما أراد دفع الشر وحماية المسلمين ودعوتهم من العدوان، فهو وسيلة لا يلجأ إليها إلا للضرورة ولا يتجاوز فيها أدنى حدودها والله سبحانه لما بعث رسوله وأمره بدعوة الخلق إلى دينه لم يأذن له في قتل ولا قتال حتى بدأ المدعوون بظلم الداعين وإخراجهم من ديارهم وأموالهم بغير حق فأذن الله للمسلمين بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ٢.","footnotes":"١ النحل: ١٢٦-١٢٧.\r٢ الحج: ٣٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857798,"book_id":3127,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":84,"body":"أحكام الإسلام السلمية:\rمما قدمنا من أحكام الإسلام الحربية تبين أن الإسلام شرع من الأحكام في حال القتال ما يكفل تجنب الغدر والاغتيال والتعذيب والمثلة والإتلاف، وما يدل على أنه إنما أراد هداية الناس وحسم شرهم لا إبادتهم وسحقهم. ونحن نبين ما شرعه الإسلام من الأحكام تدبيرًا لعلاقة المسلمين بغيرهم في حال السلم، ومنها يتبين أن الإسلام أسس هذه العلاقة على قواعد العدل واحترام حقوق الأفراد وكفالة الحرية لهم وتبادل المعاملات معهم.\rوالأصل في هذا قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١، وقوله ﷺ: \"ألا من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته أو انتقصه أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة\".\rوالأحكام التي قررها الإسلام في هذا الباب يعامل بها غير المسلمين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين ولم يعتدوا عليهم أي عدوان سواء كانوا مقيمين مع المسلمين في دار الإسلام أم في دارهم وهذا على الرأي","footnotes":"١ الممتحنة: ٨-٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857799,"book_id":3127,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":85,"body":"الراجح من أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم وأن الأمان ثابت بينهم لأنه أساس العلاقة ولم يطرأ ما ينقضه لا لأنه مكتسب ببذل أو عقد ذمة.\rوأما على الرأي الآخر فانما يعامل بهذه الأحكام من اكتسبوا حق الأمان بتأمين إمام المسلمين ودخولهم في ذمتهم.\rقرر الإسلام المساواة بين الذميين والمسلمين فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وكفل لهم حريتهم فأمر المسلمين أن يتركوهم وما دينون ولا يتعرضوا لهم فيما يتعقتدون.\rوعلى أساس هذه المساواة لهم أن يتعاملوا مع المسلمين جميع المعاملات المباحة.\rقال صاحب البدائع: \"ويسكنون في أمصار المسلمين يبيعون ويشترون لأن عقد الذمة شرع ليكون وسيلة إلى إسلامهم. وتمكينهم من المقام في أمصار المسلمين أبلغ في هذا المقصود، وفيه أيضًا منفعة للمسلمين بالبيع والشراء\".\rوما يحرم على المسلم التعامل به ولا يحرم على الذمي مثل الخمر أو الخنزير فإنه يباح للذميين الإتجار بها حيث شاءوا. ولكن ليس لهم أن يجاهروا بالإتجار بها في أمصار المسلمين لأن المصر الإسلامي إنما يجهر فيه بما لا يأباه شعار الإسلام.\rوعلى أساس هذه المساواة لم يفرق الإسلام على أرجح الأقوال بين المسلم والذمي في العقوبات ففي القصاص ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857800,"book_id":3127,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":86,"body":"بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ .\rوفي أحكام الديات والضمان والتعازير يجري على الذميين ما يجري على المسلمين.\rوفي الأحوال الشخصية أبيح لهم كل زواج يتفق ودينهم ولو خالف شرائط الزواج عند المسلمين. واعتبر كل طلاق صدر من أحدهم ولو لم يتفق وأحكام الطلاق عند المسلمين. ولا يتعرض لهم في شيء من ذلك إلا إذا ترافعوا إلى المسلمين وطلبوا إجراء حكم الإسلام بينهم. وكما حرم الزواج بالمحصنات من المؤمنات حرم الزواج بالمحصنات من الكتابيات كما قال تعالى في عد المحرمات: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ ١، هكذا بإطلاق من النساء حتى لا يتوهم أن المحرمات المحصنات من المسلمات خاصة فدفعًا لهذا التوهم قال سبحانه: ﴿مِنَ النِّسَاء﴾ ، احترامًا لحق الزوج من غير المسلمين.\rوفي الميراث سوى في الحرمان بين الذمي والمسلم، فلا يرث الذمي قريبه المسلم ولا يرث المسلم قريبه الذمي.\rوفي المعاملة وحسن العشرة شرع الإسلام من الأحكام ما شرح له صدور مخالفيه وحببه إليهم، وكفى أن الله سبحانه نفى النهي عن برهم والإقساط إليهم وأباح للمسلمين طعامهم، وأحل لهم ذبائحهم وأباح","footnotes":"١ المائدة: ٤٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857801,"book_id":3127,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":87,"body":"مصاهرتهم والتزوج منهم كما قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١.\rوللزوجة غير المسلمة من الحقوق على زوجها ما للزوجة المسلمة. ونهى الله عن مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن. ونص علماء المسلمين على أن للمسلم أن يضيفهم ويذهب إلى ضيافتهم ويتبادل معهم التهادي والتصافح.\rوفي العبادات والاعتقادات أطلقت لهم الحرية ومنع التعرض لهم فيما يعبدون وما يعتقدون، فلهم إقامة شعائر دينهم في كنائسهم وبيعهم، ولهم في القرى إعادة ما تهدم من الكنائس والبيع وإنشاء ما يريدون إحداثه منها. وأما في الأمصار الإسلامية فلهم إعادة المهدوم فحسب، ولهم دق النواقيس في جوف كنائسهم، ولهم أن يفعلوا كل ما لا يثير العداء ولا يعارض شعار الإسلام.\rوفي ظل هذه الأحكام السمحة والعدالة والمساواة عاش غير المسلمين معهم في بلاد الإسلام طوال السنين لا يشكون ضيمًا ولا يبخسون حقًا.\rومن نظر إلى العهود التي كان يقطعها المسلمون على أنفسهم لغير المسلمين أيام قوة الإسلام وسطوة أهليه تتجلى له الروح السمحة التي عامل بها الإسلام غير المسلمين لأنه لا يعقل أن تكون تلك العهود مما","footnotes":"١ المائدة: ٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857802,"book_id":3127,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":88,"body":"يأباها الدين ثم يلتزمها الخلفاء الراشدون وقواد المسلمين بمحضر من كبار الصحابة وأولي العلم بالدين، فلولا أنهم مؤمنون بسماحة الإسلام وتقبله لهذ المعاملات ما أقروا تلك الشروط. ولولا أن هذه السماحة من طبيعة الإسلام ما كانت لتتفق وروح العهود التي تلتزم لغير المسلمين من مختلف القواد في مختلف البلدان.\rوهذا عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة في عهد أبي بكر الصديق وعهد أبي عبيدة بن الجراح لأهل الشام في عهد عمر بن الخطاب قد كان لهما أثرهما في أنحاء الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية لما تضمنه كل منهما من الوفاء وحسن المعاملة حتى وجد غير المسلمين من المسلمين ما لم يروه ممن كانوا يدينون بدينهم.\rروى الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج أن خالد بن الوليد صالح أهل الحيرة على أن لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة ولا قصرًا من قصورهم التي كانوا يتحصنون فيها إذا نزل بهم عدو لهم ولا يمنعون من ضرب النواقيس ولا من إخراج الصلبان في يوم عيدهم وعلى أن لا يشتملوا على نغبة وعلى أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين مما يحل لهم من طعامهم وشرابهم وكتب بينهم هذا الكتاب.\r﷽\rهذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل الحيرة:\rإن خليفة رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ أمرني أن أسير بعد منصرفي من أهل اليمامة إلى أهل العراق من العرب والعجم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857803,"book_id":3127,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":89,"body":"بأن أدعوهم إلى الله جل ثناؤه وإلى رسوله ﵇، وأبشرهم بالجنة وأنذرهم من النار. فإن أجبوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. وأني انتهيت إلى الحيرة فخرج إلى إياس بن قبيصة الطائي في أناس من أهل الحيرة من رؤسائهم وأني دعوتهم إلى الله وإلى رسوله فأبوا أن يجيبوا فعرضت عليهم الجزية أو الحرب فقالوا: لا حاجة لنا بحربك ولكن صالحنا على ما صالحت عليه غيرنا من أهل الكتاب في إعطاء الجزية. وأني نظرت في عدتهم فوجدت عدتهم سبعة آلاف رجل: ثم ميزتهم فوجدت من كانت به زمانة ألف رجل فأخرجتهم من العدة فصار من وقعت عليه الجزية ستة آلاف فصالحوني على ستين ألفًا.\rوشرطت عليهم أن عليهم عهد الله وميثاقه الذي أخذ عن أهل التوراة والإنجيل أن لا يخالفوا ولا يعينوا كافرًا على مسلم من العرب ولا من العجم ولا يدلوهم على عورات المسلمين. عليهم بذلك عهد الله وميثاقه الذي أخذه أشد ما أخذه على نبي من عهد أو ميثاق أو ذمة. فإن هم خالفوا فلا ذمة لهم ولا أمان. وإن هم حفظوا ذلك ورعوه وأدوه إلى المسلمين فلهم ما للمعاهد وعلينا المنع لهم. فإن فتح الله علينا فهم على ذمتهم لهم بذلك عهد الله وميثاقه أشد ما أخذ على نبي من عهد أو ميثاق، وعليهم مثل ذلك أن لا يخالفوا. فإن غلبوا فهم في سعة يسعهم ما وسع أهل الذمة ولا يحل فيما أمروا به أن يخالفوا.\rوجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857804,"book_id":3127,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":90,"body":"من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على عيالهم. وأيما عبد من عبيدهم أسلم أقيم في أسواق المسلمين فبيع بأعلى ما يقدر عليهم في غير الوكس ولا تعجيل ودفع ثمنه إلى صاحبه ولهم كل ما لبسوا من الزي إلا زي الحرب من غير أن يتشبهوا بالمسلمين في لباسهم وأيما رجل منهم وجد عليه شيء من زي الحرب سئل عن لبسه ذلك فإن جاء منه بمخرج وإلا عوقب بقدر ما عليه من زي الحرب.\rوشرطت عليهم جباية ما صالحتهم عليه حتى يؤدوه إلى بيت مال المسلمين. عما لهم منهم. فإن طلبوا عونًا من المسلمين أعينوا به. ومؤنة العون من بيت مال المسلمين.\rوروى الإمام أبو يوسف قال: حدثني بعض أهل العلم عن مكحول الشامي أن أبا عبيدة بن الجراح صالحهم بالشام واشتراط عليهم حين دخلها على أن تترك كنائسهم وبيعهم على أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة. وعلى أن عليهم إرشاد الضال، وبناء القناطر على الأنهار من أموالهم، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام. وعلى أن لا يشتموا مسلمًا ولا يضربوه، ولا يرفعوا في نادي أهل الإسلام صليبًا، ولا يخرجوا خنزيرًا من منازلهم إلى أفنية المسلمين وأن يوقدوا النار للغزاة في سبيل الله ولا يدلوا للمسلمين على عورة، ولا يضربوا نواقيسهم قبل أذان المسلمين ولا في أوقات أذانهم ولا يخرجوا الرايات في أيام عيدهم ولا يلبسوا السلاح يوم عيدهم ولا يتخذوه في بيوتهم فإن فعلوا من ذلك شيئًا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857805,"book_id":3127,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":91,"body":"عوقبوا وأخذ منهم. فكان الصلح على هذا الشرط. فقالوا لأبي عبيدة اجعل لنا يومًا في السنة نخرج فيه صلباننا بلا رايات وهو يوم عيدنا الأكبر ففعل ذلك لهم وأجابهم إليه. فلما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين لهم وحسن السيرة فيهم صاروا أشداء على عدو المسلمين وعونا للمسلمين على أعدائهم فبعث أهل كل مدينة ممن جرى الصلح بينهم وبين المسلمين رجالًا من قبلهم يتجسسون الأخبار عن الروم وعن ملكهم وما يريدون أن يصنعوا فأتى أهل كل مدينة رسلهم يخبرونهم بأن الروم قد جمعوا جمعًا لم ير مثله.\rولما تتابعت الأخبار على أبي عبيدة اشتد ذلك عليه وعلى المسلمين فكتب أبو عبيدة إلى كل والٍ ممن خلفه في المدن التي صالح أهلها بأمرهم أن يردوا عليهم ما جبي منهم من الجزية والخراج وكتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك. وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم. فلما قالوا ذلك لهم وردوا عليهم الأموال التي جبوها منهم قالوا: ردكم الله علينا ونصركم عليهم فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئًا وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئًا. وكان أن غلبت الروم ونصر الله المسلمين وكتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب بما أفاء الله على المسلمين وما أعطى أهل الذمة من الصلح فكتب إليه عمر ﵁ كتابًا مما جاء فيه قوله: \"وامنع المسلمين من ظلمهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857806,"book_id":3127,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":92,"body":"والإضرار بهم وأكل أموالهم إلا بحقها. ووف لهم بشرطهم الذي شرط لهم في جميع ما أعطيتهم\".\rومما تقدم من الأحكام السلمية التي شرعها الإسلام لمعاملة غير المسلمين، ومن نصوص العهود التي التزمها القواد في صلحهم يتبين أن الإسلام لا يأبى مسالمة من لا يدينون به ما داموا غير عادين. وأنه لا مانع يمنع أية دولة إسلامية من أن تتبادل مع دولة غير إسلامية علاقات تجارية وسفراء لنظر المصالح ومعاهدات لضمان حقوق أفراد كل من الدولتين وإجراء العدل بينهم كما أنه لا يأبى حسن معاشرة المسلمين لغير المسلمين والمساواة بينهم في الحقوق والحريات وتبادل الحاجات والبر والإقساط ويؤخذ من قول خالد بن الوليد في عهده: \"ولهم كل ما لبسوا من الزي إلا زي الحرب من غير أن يتشبهوا بالمسلمين في لباسهم\" ومن قول أبي عبيدة في عهده \"ولا يلبسوا السلاح يوم عيدهم\" إن المسلمين لم يحرموا على غير المسلمين أي لباس إلا زي الحرب لأنه يثير الشحناء ولا يتفق والمسالمة. ولم يحرموا عليهم التشبه بالمسلمين في زيهم ازدراء لهم لأنهم قد يلبسون ما هو أغلى وأقوم وإنما أراد المسلمون أن تكون لكل طائفة قومية مميزة بمميزاتها من دين ولغة ولباس وسائر المميزات، ولهذا يوجد في السنة كثير من الأحاديث ترمي إلى الاحتفاظ بالقومية وعدم فناء الأمة في غيرها، مثل \"خالفوا سنة المجوس\"، ومثل النهي عن التشبه بغير المسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857807,"book_id":3127,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":93,"body":"السياسة الشرعية المالية:\rشروط عدلها:\rالسياسة المالية للدولة هي تدبير مواردها ومصارفها بما يكفل سد النفقات التي تقتضيها المصالح العامة من غير إرهاق للأفراد ولا إضاعة لمصالحهم الخاصة.\rوهي إنما تكون عادلة إذا تحقق فيها أمران:\rالأول: أن يراعى في الحصول على الإيراد العدل والمساواة بحيث لا يطالب فرد بغير ما يفرضه القانون ولا يفرض على فرد أكثر مما تحتمله طاقته وتستدعيه الضرورة.\rالثاني: أن يراعى في تقسيم الإيراد جميع مصالح الدولة على قدر أهميتها بحيث لا تراعى مصلحة دون أخرى ولا يكون نصيب المهم أوفر من نصيب الأهم.\rوالموارد الإسلامية التي رتبت لسد نفقات المصالح العامة هي ما يأتي:\r١- الزكاة في الأموال، وعروض التجارة، والسوائم، والزروع والثمار.\r٢- ضريبة الأرض الزراعية من الخراج والعشر ونصف العشر.\r٣- ضريبة الأشخاص التي تؤخذ من أهل الكتاب وهي الجزية.\r٤- العشور: وهي الرسوم التي تؤخذ على الواردات إلى البلاد الإسلامية والصادرات منها.\r٥- خمس الغنائم. وخمس ما يعثر عليه من الركاز والمعادن.\r٦- تركة من لا وارث له أصلا أو لا وارث له غير أحد الزوجين،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857808,"book_id":3127,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":94,"body":"ومال اللقطة، وكل مال لم يعرف له مالك، وكل مال صولح عليه المسلمون.\rهذه أبواب الإيراد المالي للدولة الإسلامية وبعضها ثابت أصله في الكتاب والسنة، وبعضها ثبت باجتهاد الصحابة في صدر الإسلام ولكل باب منها أحكام تفصيلية مبسوطة في مواضعها. وسنقتصر في كل باب على الكلم الجامعة التي تتبين منها أسس الموارد الإسلامية والشرائط التي أحيطت بها، ثم نبحث في المصارف التي قسمت بينهم هذه الأموال لتتضح من جملة هذا السياسة الشرعية المالية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857809,"book_id":3127,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":95,"body":"أسس الموارد الإسلامية\rمدخل\r...\rأسس الموارد الإسلامية:\rللباحثين في أساس فرض الضرائب رأيان:\rفالقائلون بنظرية العقد الاجتماعي يرون أن أساس فرض الضرائب تراضي الأفراد على أن يؤدي كل واحد منهم للحكومة جزءًا من ماله في مقابل قيامها بحماية الأجزاء الباقية وتمتعه بماله وحقوقه في ظل هذه الحماية كما تراضى الأفراد على أن يخرج كل واحد منهم عن عزلته ويعقد مع بني جنسه عقدًا اجتماعيًا يتنازل به عن مطلق حريته في مقابل كفالتهم لأمنه وسلامته. فالضريبة في رأي هؤلاء معاوضة أساسها التراضي.\rوغير القائلين بنظرية العقد الاجتماعي يرون أن أساس فرض الضرائب ما للحكومة بمقتضى وظيفتها من الولاية العامة التي تخولها إلزام الأفراد بدفع جزء من مالهم لتقوم بمصالحهم من توطيد الأمن وتأمين البلاد من العدوان وإصلاح طرق مواصلاتها وري أرضها وكل ما تقتضيه مرافق الحياة فيها. فالضريبة في رأي هؤلاء فرض إلزامي تفرضه الحكومة على الأفراد بما لها من السلطان الذي كسبته بالتزامها تدبير المصالح العامة.\rولا خلاف بين اصحاب هذين الرأيين في أن الأفراد ملزمون بالضرائب وإنما الخلف في منشأ الإلزام. فعلى الرأي الأول منشأ الإلزام التزام الأفراد أنفسهم بأدائها في نظير قيام الحكومة بمصالحهم وحماية أموالهم. وعلى الرأي الثاني منشأ الإلزام ما للحكومة من السلطان باعتبارها مسئولة عن تأمين الأفراد وتدبير مصالحهم وليس لهذا الخلف أثر عملي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857810,"book_id":3127,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":96,"body":"أما أساس الموارد الإسلامية فالذي يؤخذ مما ورد في شأنها أن هذه الموارد واجبات ألزم بها الأفراد في مقابل تمتعهم بالحقوق.\rفالزكاة وسائر أنواع الصدقات أوجبت على ذوي الأموال في مقابل تمتعهم بحقين: أحدهما أمانهم على أنفسهم وأموالهم من أضغان المعوزين وأطماعهم، لأن المحاويج إذا لم يكن لهم من مال ذوي المال نصيب كان خطرًا عليهم وعلى أموالهم. وثانيها تمتعهم باستغلال مرافق الدولة في سبيل تزكية هذه الأموال وتنميتها والمحافظة عليها. وإلى هذه الإشارة بقول الله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١، وقوله عز شأنه في وصف المتقين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ٢، وقوله في زكاة الزروع: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ ٣.\rوالجزية أوجبت على غير المسلمين كما أوجبت الزكاة على المسلمين في مقابل تمتعهم بحقوقهم، وأمانهم على أنفسهم وأموالهم لأن أهل الكتاب ينتفعون بمرافق الدولة العامة كما ينتفع المسلمون وهم لا تجب عليهم الزكاة وأنواع الصدقات الواجبة على المسلمين لأنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة فأوجبت عليهم الجزية بدلا من الزكاة التي أوجبت على المسلمين، ولهذا إذا أسلم واحد منهم سقطت عنه الجزية وأوجبت عليه أداء الزكاة في ماله إن كان ذا مال فهي كسائر الموارد الإسلامية واجب في نظير حقوق، يدل على ذلك أن أبا عبيدة بعدما صالح أهل الشام وجبى منهم الجزية والخراج ثم بلغه أن الروم قد جمعوا له واشتد الأمر عليه","footnotes":"١ التوبة: ١٠٣.\r٢ المعارج: ٢٤-٢٥.\r٣ الأنعام: ١٤١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857811,"book_id":3127,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":97,"body":"وعلى المسلمين كتب إلى الولاة الذين خلفهم في المدن أن يردوا إلى أهلها ما جبي منهم وكتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وأنا لا نقدر على ذلك وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم.\rوالخراج ضرب على الأرض التي في يد غير المسلمين مؤنة لها كما ضرب العشر ونصف العشر على الأرض التي في يد المسلمين. قال القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج \"لما قدم على عمر بن الخطاب جيش العراق من قبل سعد بن أبي وقاص شاور أصحاب محمد ﷺ في قسمة الأرضين التي أفاء الله على المسلمين من أرض العراق والشام، فتكلم قوم فيها وأرادوا أن يقسم لهم حقوقهم وما فتحوا، فقال عمر: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت على الآباء وحيزت. ما هذا برأي. فقال له عبد الرحمن بن عوف: فما الرأي؟، ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم. فقال عمر: ما هو إلا ما تقول ولست أرى ذلك والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل بل عسى أن يكون كلا على المسلمين، فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أهل الشام والعراق؟ فأكثروا على عمر وقالوا: نقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ولأبناء القوم ولأبناء أبنائهم ولم يحضروا؟ فكان عمر لا يزيد على أن يقول هذا رأي. قالوا: فاستشر. قال: فاستشار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857812,"book_id":3127,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":98,"body":"المهاجرين الأولين فاختلفوا. فأما عبد الرحمن بن عوف فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم. ورأى عثمان وعلي وطلحة وابن عمر رأي عمر.\rفأرسل إلى عشرة من الأنصار خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم، فلما اجتمعوا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني لم أزعجكم إلا لأن تشركوا في أمانتي وفيما حملت من أموركم فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق. قالوا: قل نسمع يا أمير المؤمنين. قال: قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وأني أعوذ بالله أن أركب ظلمًا، لئن كنت ظلمتهم شيئًا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام -كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر- لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج فقالوا جميعًا: الرأي رأيك فنعم ما قلت وما رأيت. إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجرى عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدتهم. فقال: قد بان لي الأمر، فمن رجل له جزالة وعقل يضع الأرض مواضعها ويضع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857813,"book_id":3127,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":99,"body":"على العلوج ما يحتملون؟ فاجتمعوا له على عثمان بن حنيف وقالوا: تبعثه إلى أهم ذلك فإن له بصرًا وعقلًا وتجربة، فأسرع إليه عمر وولاه مساحة أرض السواد\".\rوعلى هذا الأساس حبس عمر الأرضين عن قسمتها بين الفاتحين وتركها في يد أهليها يؤدون عنها الخراج للمسلمين وفعل بالشام ما فعل بالعراق.\rقال القاضي أبو يوسف: والذي رأى عمر ﵁ من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك توفيقًا من الله كان له فيما صنع، وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين. وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عموم النفع لجماعتهم لأن هذا لو لم يكن وقوفًا على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور ولم تقوَ الجيوش على السير في الجهاد ولما أمن من رجوع أهل الكفر إلى مدنهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة. والله أعلم بالخير حيث كان.\rوالعشور التي تؤخذ في البلاد الإسلامية على عروض التجارة الواردة إليها والصادرة منها أساسها تبادل المعاملة المتماثلة بينها وبين غيرها من البلدان والمساواة بين التجار وأموالهم في المعاملة بالبلاد الإسلامية وغيرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857814,"book_id":3127,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":100,"body":"وما يؤخذ غنيمة بالقتال فرض فيه خمسة لمصلحة عامة بينها الله سبحانه في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١. وفي تخصيص هذا الخمس لمن سمى الله رعاية للمصلحة العامة وتزكية الأربعة الأخماس للفاتحين حتى لا يحقد عليهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل وما يوجد من الركاز في موات أو طريق سابل يؤخذ منه خمسه لصرفه في مصارف الزكاة الثمانية التي مرجعها إلى المصلحة العامة وسد حاجات المعوزين. ويكون للواحد أربعة أخماسه.\rوأما أخذ كل مال لا وارث له ومال اللقطة وما لم يعرف له مالك فأساسه أن الغرم بالغتم وأن كل مال لا يستحقه مالك خاص فالمصلحة العامة أحق به، كما أن من لا يجد نفقة ولا منفقًا فنفقته في بيت مال المسلمين.\rوجملة القول أن النصوص الواردة في شأن الموارد المالية الإسلامية ووجهة النظر التي أبانها كبار الصحابة في اجتهادهم وشوراهم يؤخذ منها أن الأساس الذي بنيت عليه هذه الموارد هو توفير ما تتطلبه المصالح العامة من النفقات وتأمين أرباب الأموال على أنفسهم وأموالهم، وتحقيق ما تقضي به الوحدة الاجتماعية من التضامن والتعاون؛ وهذه أسس تتقبل رعاية كل المصالح وتتفق وقواعد العدل.","footnotes":"١ الأنفال: ٤١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857815,"book_id":3127,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":101,"body":"شرائط الضريبة العادلة:\rجباية الضرائب من الأفراد فيها استيلاء على جزء من مالهم وحرمان لهم من التمتع به. وهذا الحرمان إنما رخص فيه لأن الضرورة قضت به إذ لا يمكن القيام بالمصالح العامة بدونه. وبما أن الضرورات تقدر بقدرها فيجب أن لا يتجاوز بالضريبة القدر الضروري وأن يراعى في تقديرها وطرائق تحصيلها ما يخفف وقعها، ولهذا ذكر علماء الاقتصاد أنه لا بد أن يتوفر في كل ضريبة شرائط أربعة:\rالأول: العدل والمساواة بحيث تفرض الضرائب على جميع الأفراد بطريق واحدة تناسب مقدرتهم المالية.\rالثاني: الاقتصاد بحيث لا يفرض إلا القدر الضروري.\rالثالث: النظام المبين الذي يعلم به كل فرد ما يجب عليه أداؤه وموعده وطريقة أدائه.\rالرابع: مراعاة مصلحة الأفراد في تعيين مواعيد الأداء وطرائقه.\rوذكروا كذلك أنه لا يجوز فرض الضريبة إلا في مال نام متجدد حتى تكون الضريبة من ثمرة المال ولا تكون من عوامل نقص أصله حتى قال بعضهم: \"ما يؤخذ من الثمرة ضريبة وما يؤخذ من الأصل نهب وسلب\".\rولا يجوز أن تستنفذ الضريبة كل الثمرة حتى لا يشعر الفرد بأنه إنما يعمل لغيره فيذهب نشاطه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857816,"book_id":3127,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":102,"body":"والناظر في الضرائب الإسلامية يتبين أنها مشروطة بعدة شرائط اقتصادية مراعي فيها العدل والتوفيق بين مصالح الأفراد والمصالح العامة: فنماء المال الواجبة فيه الضريبة شرط مراعى في كل الموارد الإسلامية، ففي الزكاة لا تجب إلا في مال نام حال عليه الحول الذي هو مظنة إنتاجه وإثماره ومظنة لأن يكون أداء الزكاة من ثمرته لا من أصله. وفي الخراج لا يجبي إلا من أرض أمكن زرعها بل قال مالك بن أنس: لا يجبى إلا من أرض مزروعة وإنما شرط زرعها أو إمكان زرعها لتكون الضريبة من ثمرتها ونمائها. وفي العشر أو نصف العشر الواجب من نفس الثمرة ووجوبه مشروط بأن يكون الزرع قد بدا صلاحه. والمقصود من هذه الشرائط أن لا يرهق ذو المال وأن تكون الضريبة من ثمرة ماله لا من أصله.\rوأما تناسب الضريبة الواجبة مع الحال المالية لمن تجب عليه فهو مراعى في الموارد الإسلامية كذلك ففي الزكاة والعشر ونصف العشر والعشور الواجب مقدار نسبي لا يفترق فيه مال عن مال ولا فرد عن فرد فما دون النصاب عفو. وما بلغ النصاب يؤخذ منه الواجب بنسبة معينة. وفي الجزية لا تؤخذ إلا من الغني القادر ولا يؤخذ من أحد إلا ما يناسب ماليته ودرجة يساره. وفي الخراج يجب أن يراعى ما تخرجه الأرض وما يطيقه أهلوها: روى القاضي أبو يوسف عن عمر بن ميمون قال: بعث عمر ﵁ حذيفة بن اليمان على ما وراء دجلة وبعث عثمان بن حنيف على ما دونه، فأتياه فسألهما: كيف وضعتما على الأرض؟ لعلكما كلفتما أهل عملكما ما لا يطيقون. قال حذيفة: لقد تركت فضلا. وقال عثمان: لقد تركت الضعف ولو شئت لأخذته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857817,"book_id":3127,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":103,"body":"فقال عمر عند ذلك: أما والله لئن بقيت لأرامل أهل العراق لأدعنهم لا يفترقون إلى أمير بعدي.\rوأما مقدار الواجب وموعد أدائه وطريقته فقد روعي فيها أيضا الاقتصاد والرفق بذوي الأموال من غير تفويت حق المصلحة العامة فجعل موعد أداء الواجب حين يحول الحول على المال وجعل الأداء موكولا إلى رب المال في الأموال الباطنة كالنقود لأن في عدها على صاحبها واستقصائها حرجا وإضرارا به فوكل إليه أداؤها بوازع من دينه وسائر الأموال جعل لولاة الأمور تحصيلها لصرفها في مصارفها على أن يراعوا في هذا التحصيل ما يقضي به الرفق والعدل. قال القاضي أبو يوسف في خطابه إلى أمير المؤمنين الرشيد في كتاب الخراج وتقدم إلى من وليت أن لا يكون عسوفا لأهل عمله. ولا محتقرا لهم. ولا مستخفا بهم. ولكن يلبس لهم جلبابا من اللين يشوبه بطرف من الشدة والاستقصاء من غير أن يظلموا أو يحملوا ما لا يجب عليهم.\rوقد كان العدل في الضرائب الإسلامية وإحاطتها بالشرائط الاقتصادية من أقوى الأسباب التي ساعدت المسلمين على فتح البلدان وثبتت أقدامهم فيما فتحوه؛ لأن الفرس والرومان كانوا قد أرهقوا الناس بالضرائب الفادحة وحملوهم فوق ما يطيقون ولم ينصفوا مالكا ولا زارعا. وفيما دار بين أبي عبيدة وأهل الشام لما أمر أن يرد عليهم ما جبي منهم دليل على ما كانت تكنه صدورهم وما كانت ترهقهم به الإمبراطورية الرومانية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857818,"book_id":3127,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":104,"body":"الموارد المالية الإسلامية\rمدخل\r...\rالموراد المالية الإسلامية:\rتنقسم الموارد المالية التي يتكون منها إيراد بيت مال المسلمين إلى قسمين: موارد دورية يجبى منها الإيراد في مواعيد معينة من السنة، وموارد غير دورية.\rفالموارد الدورية هي: الزكاة، والخراج، والجزية، والعشور.\rوالموارد غير الدورية هي: خمس الغنائم، وخمس المعادن، والركاز، وتركة من لا وارث له، ومال اللقطة، وكل مال لم يعرف له مستحق معين من الأفراد.\rوسنبين ما شرعه الإسلام في كل مورد من هذه الموارد من الأحكام الكلية، وما راعاه من الشرائط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857819,"book_id":3127,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":105,"body":"الموارد الدورية:\r١- الزكاة:\rفرضت على المسلمين بعدة نصوص في الكتاب الكريم منها قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ ٢، وقوله عز شأنه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٣.","footnotes":"١ التوبة: ١٠٣.\r٢ البقرة: ١١٠.\r٣ التوبة: ١١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857820,"book_id":3127,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":106,"body":"ووردت في السنة عدة أحاديث قررت فرضيتها، وفسرت المجمل من آياتها. وأبانت حكمتها والسر في تشريعها. ففي حديث قواعد الإسلام عد إيتاء الزكاة من الدعائم الخمس التي بني عليها الإسلام. وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: أتى رجل من تميم رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: إني ذو مال كثير وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق فقال رسول الله ﷺ: \"تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك وتصل أقرباءك، وتعرف حق المسكين، والجار والسائل\". وفي كثير من أحاديث الرسول ﷺ وكتبه إلى ولاة الصدقات بيان أنصباء الأموال المزكاة، ومقدار الواجب أداؤه من كل نصاب ومن أشهر ما ورد في هذا كتابه ﷺ إلى عمر بن حزم.\rومن المقرر في الإسلام أنه ليس في مال المسلم حق مفروض سوى الزكاة. والأموال التي تفرض فيها الزكاة أربعة: النقود من الذهب والفضة، وما في حكمها من عروض التجارة، والسوائم من الإبل والبقر والغنم، وما تخرج الأرض العشرية من زروع، وما تثمر الأشجار والكروم من ثمار.\rولا تفرض الزكاة في مال من هذه الأموال إلا إذا بلغ مقداره النصاب المعين الذي اعتبره الشارع مناطا للغني واليسار واعتبر ما دونه قليلا لا تؤخذ منه زكاة.\rونصاب النقود من الذهب عشرون دينارا، ومن الفضة مائتا درهم. وبهذا يقدر النصاب في قيم العروض التجارية، ونصاب السوائل من الإبل خمس ومن البقر ثلاثون ومن الغنم أربعون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857821,"book_id":3127,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":107,"body":"ونصاب الزرع والثمار خمس أوسق.\rوقد شرط لاستحقاق الزكاة من كل نصاب من هذه الأموال عدة شرائط كلها ترجع إلى توفير نمائه حتى تكون الزكاة من ثمرته وليست من عوامل نقص أصله.\rفشرط في المال المزكى الذي بلغ مقداره نصابا أن يكون ناميا، وليس الشرط نموه فعلا وإنما الشرط كونه قابلا للنماء ومعدا له سواء أكان معدا له بأصل خلقه كالنقود أم معدا له بإعداد مالكه كعروض التجارة.\rوشرط أن يحول عليه الحول لأنه لا بد لنماء المال من مدة تكون مظنة له، وأقل مدة لهذا عادة هي الحول، ولذا جاء في الحديث \"لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول\".\rوشرط أن يكون فاضلا عن حاجة المالك الأصلية لأن المال المعد للحاجة الأصلية لا يتحقق به يسار ولا يكون له نماء وفي الأخذ منه مخبئة لنفس صاحبه، وفي الحديث \"وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم\".\rوشرط في الماشية أن تكون سائمة ترعى الكلأ في أكثر السنة لأنها بالسوم تقل مؤنتها ويتوفر درها ونسلها فيكون أداء الزكاة من نمائها ولا كذلك إن كانت عاملة أو معلوفة.\rوشرط في الزروع أن تبلغ حد قوتها واشتدادها وفي الثمار أن يبدو صلاحها ويستطاب أكلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857822,"book_id":3127,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":108,"body":"والمقدار المفروض أداؤه زكاة لهذه الأموال منه مقرر ومنه نسبي. فالمقرر هو زكاة السوائم ففي خمس من الإبل شاة إلى تسع فإذا بلغت عشرا ففيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، إلى آخر الترتيب المنصوص عليه.\rوفي ثلاثين من البقر تبيع أتم ستة أشهر، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة أتمت سنة، إلى آخر المنصوص عليه.\rوفي أربعين شاه شاه غلى مائة وعشرين، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت عن مائتين ففيها ثلاث شياه، إلى آخر المنصوص عليه.\rوالنسبي هو زكاة سائر الأموال المستحق فيها الزكاة ففي النصاب من الذهب والفضة ربع العشر، وفي النصاب من أوثق الزروع والثمار نصف العشر إذا احتمل المالك مئونة سقيها بأن سقيت بالآلات والعشر إذا لم يحتمل المالك مئونة سقيها بأن سقيت سيحا أو بالأمطار.\rومن هنا يتبين أن الشارع راعى في الزكاة وشرائط استحقاقها ومقدار المستحق ما يتفق وقواعد الاقتصاد وما يوفق بين مصلحة المالك والمصالح العامة.\r٢- الخراج:\rالأرض الزراعية من حيث الضريبة الواجبة فيها نوعان: أرض يجب فيها عشر ما يخرج منها أو نصف عشره وتسمى الأرض العشرية. وأرض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857823,"book_id":3127,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":109,"body":"يجب فيها مقدار يعين عليها باعتبار مساحتها أو الخارج منها يسمى الخراج وتسمى الأرض الخراجية.\rومرجع هذا التقسيم إلى صفة اليد الموضوعة على الأرض ابتداء وقت فرض ضريبتها، فإن كانت يدا إسلامية كانت الأرض عشرية وإن كانت غير إسلامية كانت الأرض خراجية. فكل أرض استأنف المسلم إحياءها من أرض الموات، أو أسلم أهلها عليها طوعا وكانوا أحق بها، أو غنمها المسلمون وقسموها بين الفاتحين فهي أرض عشرية يجبى منها عشر الخارج أو نصفه على ما فصلناه في الزكاة.\rوكل أرض ظهر عليها المسلمون عنوة وتركوها في يد أهليها، أو صولح أهلها عليها بخراج يؤدى عنها فهي أرض خراجية يجبى منها ما يعين عليها.\rوكل من الخراج والعشر ونصف العشر هو ضريبة الأرض الزراعية. ولكن منشأ هذا التفصيل أن الأرض الزراعية إذا كانت اليد عليها في مبدأ فرض ضريبتها يد مسلم يكون ذو اليد مخاطبا بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١. وهذا الحق المجمل بينته السنة في حديث \"ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر\".","footnotes":"١ الأنعام: ١٤١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857824,"book_id":3127,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":110,"body":"فيكون المفروض عليه في أرضه الزراعية مقدارا نسبيا معينا بالنصوص ولا يتدخل في تقديره أحد ويكون من أنواع الزكاة ومصرفه مصارفها. أما إذا كانت اليد التي على الأرض في مبدأ فرض ضريبتها يد غير مسلم فلا يخاطب ذو اليد عليها بالآية الكريمة لأن غير المسلمين لا يخاطبون بفروع الشريعة فلا يفرض عليها ما قضت به النصوص. ولا يسوغ تركها بدون فرض ضريبة عليها ما قضت به النصوص. ولا يسوغ تركها بدون فرض ضريبة عليها؛ لأنه لا بد للأرض من مئونة يكون بها بقاؤها واستثمارها وصلاحها ولهذا جعل للإمام أن يفرض عليها خراجا حسبما يقدره فالخراج من الأرض الخراجية هو في مقابلة العشر من الأرض العشرية غير أنه للفارق الذي بيناه عد العشر أو نصفه من الزكاة وصرف في مصارفها وعد الخراج من الفيء وصرف في مصارفه، ولهذا لا يوضع الخراج ابتداء على أرض في يد مسلم ولا يوضع العشر أو نصفه ابتداء على أرض في يد غير مسلم. أما بعد حال الابتداء فقد تنتقل الأرض الخراجية إلى يد المسلم وتبقى خراجية، وتنتقل العشرية إلى يد غير المسلم وتبقى عشرية.\rوقد يضرب الخراج قدرا معينا على كل مساحة من الأرض كأن يضرب على كل فدان قدر معين وهذا يسمى خراج وظيفة.\rوقد يضرب حصة شائعة فيما يخرج من الأرض وهذا يسمى خراج مقاسمة، ولا حد لأقل ما يضرب ولا لأكثره.\rوأول إمام اجتهد في فرض الخراج عمر بن الخطاب ﵁ ضربه على أرض السواد لما حبسها أهلها على خراج يؤدونه بعد أن استشار كبار المهاجرين والأنصار وكان عمله سنة متبعة في كل أرض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857825,"book_id":3127,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":111,"body":"يظهر عليها المسلمون ويقرون أهلها عليها. والسياسة التي وضعت لضرب الخراج سياسة عادلة قد نص الفقهاء على أن الأرض تختلف من وجوه ثلاثة لكل منها أثر في زيادة الخراج ونقصانه.\rأحدها: ما يختص بالأرض من جودة يزكو بها زرعها أو رداءة يقل بها ريعها.\rوالثاني: ما تختص بالزرع مما يكثر ثمنه وما يقل.\rوالثالث: ما يختص بالسقي لأن ما احتمل المئونة في سقيه بالآلات لا يسوى بما سقي بالسيوح والأمطار.\rوقالوا: لا بد لواضع الخراج من اعتبار هذه الأوجه الثلاثة واعتبار كل ما تتفاوت به الأرضون ليعلم قدر ما تحتمله الأرض من خراجها فيقصد العدل فيها من غير زيادة تجحف بأهل الخراج ولا نقصان يضر بالمصارف وكما أوجبوا أن يراعى في كل أرض ما تحتمله، أوجبوا أن لا يستقصى غاية المحتمل، وأن يترك لأرباب الأرض ما يجبرون به النوائب والجوانح. وقد قرر علماء أصول الفقه ان العشر مئونة فيها معنى العبادة، والخراج مئونة فيها معنى العقوبة.\rأما كون كل منهما مئونة الأرض فوجهه واضح لأن مئونة الشيء ما به بقاؤه وقوامه وبقاء الأرض بأيدي أهليها وصلاحها واستثمارها إنما هو بما يؤدي عنها مما يستعان به على دفع العدوان عليها وتمهيد ريها وطرق استثمارها من العشر أو الخراج. وأما كون العشر فيه معنى العبادة فكذلك وجهه واضح لأنه من أنواع الزكاة وفي أدائه امتثال لما نص عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857826,"book_id":3127,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":112,"body":"في الكتاب وما بينته السنة. وأما كون الخراج فيه معنى العقوبة فليس له وجه ظاهر؛ لأن أحاديث عمر مع الصحابة في بدء وضعه والآراء التي تبودلت في تلك الشورى صريحة في أنه إنما وضع ليستعان به على حماية التعذر وإدرار العطاء على الجند وسائر ما تقتضيه المصالح العامة وليس فيه ذكر العقوبة.\rومن هذا يتبين أن الخراج هو ما يضرب ابتداء على الأرض الزراعية التي يقر عليها غير المسلمين وأن أساسه هو اجتهاد عمر بن الخطاب وكبار الصحابة. وقد يطلق الخراج على كل ما يرد للدولة من الموارد الدورية وغير الدورية إطلاقا على سبيل التغليب. ومن هذا كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة كتبه إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد مبينا له موارد الدولة وكيف يجبى المال منها وفيم يصرف؛ وهو كتاب قيم جمع شتيت هذه الموضوعات بأبلغ الأساليب وأفصح العبارات، وضمنه من العظات والنصائح ما يهتدي به إلى أقوم الطرق في تدبير الشئون المالية. وكذلك كتاب الخراج للإمام يحيى بن آدم المتوفى سنة ٢٠٣هـ وهو لا يبلغ مرتبة الأول.\r٣- الجزية:\rهي ضريبة تفرض على رءوس من دخل في ذمة المسلمين من أهل الكتاب، وهي من غير المسلمين قائمة مقام الزكاة من المسلمين وذلك أن كل فرد من أفراد الدولة قادر على أن يؤدي قسطا مما يصرف في المصالح العامة يجب أن يفرض عليه هذا النصيب ليكون له في مقابل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857827,"book_id":3127,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":113,"body":"في الواجب التمتع بالحقوق. غير أن هذا الفرد إن كان من المسلمين فالواجب عليه معين في أمواله وهو الزكاة، وإن كان من غير المسلمين فالواجب عليه معين على رأسه وهو بمنزلة الزكاة من المسلم ولذا لا تجب على الذمي زكاة في أمواله ولا في سوائمه. وإذا أسلم سقطت عنه الجزية ووجبت عليه الزكاة في ماله، وهذا لأنه لا يجمع بين واجبين.\rوالأصل في فرض الجزية قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١.\rوجميع أحكامها وشرائطها مراعى فيها العدل والرحمة، ففيمن تجب عليه؟ روعى أن لا تجب إلا على كل رجل حر عاقل قادر على أدائها لأن الله عز شأنه قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ ٢، أي عن قدرة وغنى.\rوفي موعد وجوبهما روعى أنها لا تجب إلا مرة واحدة في السنة بعد انقضائها بشهور هلالية.\rوفي تعيين قدرها اختلف الفقهاء فذهب أبو حنيفة إلى تصنيف من تجب عليهم ثلاثة أصناف: أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما، وأوساط يؤخذ منهم أربعة وعشرون درهما، والباقون يؤخذ منهم اثنا عشر درهما فجعلها مقدرة الأقل والأكثر وذهب الشافعي إلا أنها مقدرة الأقل فقط وهو دينار، وأما الأكثر فغير مقدر وهو موكول إلى اجتهاد الولاة.","footnotes":"١ التوبة: ٢٩.\r٢ التوبة: ٢٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857828,"book_id":3127,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":114,"body":"وأرجح الأقوال وهو قول مالك بن أنس إنه لا حد لأقلها ولا لأكثرها والأمر فيها موكول إلى اجتهاد ولاة الأمر ليقدروا على كل شخص ما يناب حاله ولا يكلفوا أحدا فوق طاقته.\rوقد وردت عدة أحاديث بالنهي عن الإرهاق في تقدير الجزية أو القسوة في تحصيلها وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وهم راضون بجريان أحكام الإسلام عليهم. وروى نافع عن ابن عمر قال: كان آخر ما تكلم به النبي ﷺ أن قال: \"احفظوني في ذمتي\". وجاء في الحديث: \"من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه\" وروى عن ابن عباس \"ليس في أموال أهل الذمة إلا العفو\".\r٤- العشور:\rقال القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج: حدثنا عاصم بن سليمان عن الحسن قال: كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب أن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخون منهم العشر فكتب إليه عمر: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين. وخذ من أهل الذمة نصف العشر. ومن المسلمين من كل أربعين درهما درهما. وليس فيما دون المائتين شيء فإذا كانت مائتين فيها خمسة دراهم وما زاد فبحسابه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857829,"book_id":3127,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":115,"body":"وعلى هذا درجت الحكومات الإسلامية من عهد عمر فأقيم العاشر عند ممر التجار بأموال التجارة الصادرة من البلاد الإسلامية أو الواردة إليها فإن كان التاجر مسلما أخذ منه ربع العشر على قدر الواجب في الزكاة، وإن كان ذميا أخذ منه نصف العشر وإن كان حربيا عومل كما يعامل قومه تجار المسلمين فإن كانوا يأخذون منه العشر أخذ منه أو نصف العشر أخذ منه أو ربع العشر كذلك وإن لم يعلم ما يأخذونه أخذ منهم العشر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857830,"book_id":3127,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":116,"body":"الموارد المالية غير الدورية:\rفمنها خمس الغنائم، وذلك أن كل ما يغنمه المسلمون من أعدائهم بالقتال يؤخذ خمسة لبيت مال المسلمين لصرفه في المصارف التي بينها الله سبحانه في قوله في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.\rويقسم أربعة أخماسه بين القائمين على ما جاء في الأحاديث والآثار وإنما أخذ الخمس لمن سمى الله في كتابه العزيز لتكون قلوب هؤلاء مع المقاتلين ولأجل أن لا يكون من وراء الجند من يحقد عليهم، ولذا قال الرسول ﷺ: \"وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم\".\rومنها خمس المعادن والركاز، وهي ما يوجد دفينا في الأرض سواء أكان جزءا من باطن الأرض خلقه الله فيها يوم خلقها وهو المسمى بالمعدن أم","footnotes":"١ الأنفال: ٤١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857831,"book_id":3127,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":117,"body":"كان مدفونا في باطنها بفعل الإنسان وهو المسمى بالكنز، فإذا وجد شيء من ذلك في غير ملك أحد يؤخذ خمسة لبيت مال المسلمين لصرفه في مصارف خمس الغنائم ويترك أربعة أخماسه للواجد. قال القاضي أبو يوسف في كتابه \"الخراج\": \"في كل ما أصيب من المعادن من قليل أو كثير الخمس، ولو أن رجلا أصاب في معدن أقل من وزن مائتي درهم فضة، أو أقل من وزن عشرين مثقالا ذهبا فإن فيه الخمس، ليس هذا على موضع الزكاة إنما هو على موضع الغنائم، وليس في تراب ذلك شيء، إنما الخمس في الذهب الخالص وفي الفضة الخالصة والحديد والنحاس والرصاص، ولا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شيء، قد تكون النفقة تستغرق ذلك كله فلا يجب إذن فيه خمس عليه، وفيه الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلا كان أو كثيرا ولا يحسب عليه من نفقته شيء، وما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة -مثل الياقوت والفيروزج والكحل والزئبق والكبريت والمغرة- فلا خمس في شيء من ذلك إنما ذلك كله بمنزلة الطين والتراب\" قال: \"وأما الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه الله ﷿ في الأرض يوم خلقت، فيه أيضا الخمس، فمن أصاب كنز عاديا في غير ملك أحد فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب فإن في ذلك الخمس وأربعة أخماسه للذي أصابه وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمس وما بقي لهم\".\rومنها تركة من لا وراث له من أصحاب الفروض أو العصبة أو ذوي الأرحام أو لا يرثه إلا أحد الزوجين، ففي الحال الأولى يستحق التركة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857832,"book_id":3127,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":118,"body":"كلها بيت مال المسلمين تصرف في مصارف الدولة العامة، وفي الحال الثانية يستحق الباقي بعد نصيب أحد الزوجين بيت مال المسلمين كذلك، وإنما فرق بين أحد الزوجين وبين غيرهم من أصحاب الفروض لأن كل واحد من الزوجين لا يستحق إلا بالفرض ولا يرد عليه بعد فرضه شيء فيكون الباقي بعد فرضه لا مستحق له فيستحقه بيت المال، وأما غيرهما من أصحاب الفروض فإنه يستحق فرضه ويستحق أن يرد عليه ما بقي وما دام للمال الموروث مستحق فهو أحق من بيت المال لأن بيت المال إنما يوضع فيه ما لا مستحق له على قاعدة أن المصالح العامة هي مصرف كل ما ليس له مستحق خال، وعلى هذه القاعدة نفسها توضع أموال اللقطة والودائع والعواري التي لم يعرف مالكها وهذا باب من أبواب الإيراد لبيت مال المسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857833,"book_id":3127,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":119,"body":"المصارف المالية الإسلامية:\rمن القواعد المقررة أن كل ما يرد من موارد الدولة المالية فهو حق للأمة لا يصرف إلا في مصالحها العامة.\rوعلى هذا الأساس رتبت المصارف التي ينفق فيها إيراد الدولة الإسلامية، وقد قدمنا أن أبواب الإيراد في الإسلام هي: الزكاة بأنواعها، والخراج، والجزية، والعشور، وخمس الغنائم، وخمس المعادن، وتركة من لا وارث له، ومال اللقطة، وكل مال لم يعرف له مستحق.\rوقد بين الله ﷾ في القرآن الكريم مصارف بابين من تلك الأبواب وهما الزكاة وخمس الغنائم وسكت عن بيان مصارف باقي الأبواب ليكون ولاة الأمور في سعة من صرفها في سائر مصالح الدولة العامة حسبما يلائم حالهم، وليس ما سماه جل شأنه من المصارف لإيراد هذين البابين خارجا عن حدود المصلحة العامة للأمة، وإنما هي من المصالح العامة التي خصها جلت حكمته بالنص عليها تنبيها على رعايتها وعدم التفريط فيها:\rفالزكاة بسائر أنواعها بين الله مصارفها بقوله عز شأنه في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.","footnotes":"١ التوبة: ٦٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857834,"book_id":3127,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":120,"body":"وروي عن رسول الله ﷺ أن رجلا سأله من الصدقة، فأجابه بقوله: \"إن الله لم يرض في الصدقة بقسم نبي ولا غيره ولكن جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك\".\rفسهم من هذه الصدقات للفقراء والمساكين وسواء كان الفقير أسوأ حالا من المسكين أم كان المسكين أسوأ حالا من الفقير فإنهما يجمعهما معنى الحاجة إلى الكفاية فيكون من هذا السهم سد حاجاتهم رفقا بهم ووقاية للأمة من أضغانهم.\rوسهم منها للعاملين عليها الذين يقومون بشئونها من إحصاء وتدوين وجباية وحفظ وكل ما تتطلبه من عمل ليعطلوا منه جزءا عملهم على قدر كفايتهم من غير سرف ولا تقتير حتى لا يقصروا في واجبهم ولا يطمعوا في غير حقهم مما بأيديهم.\rوسهم منها للمؤلفة قلوبهم الذي يرى من مصلحة الإسلام تألفهم رجاء تأييدهم أو اتقاء كيدهم فينفق من هذا السهم على وسائل الترغيب في الإسلام ومقاومة الدعاية ضده.\rوسهم في الرقاب أي في سبيل فكها وتخليصها من قيد الرق فمن هذا السهم يعان الأرقاء على رفع نير الرق عنهم وإعادة نعمة الحرية إليهم، فمنه تفتدى الأسرى، ومنه يؤدى بدل الكتابة للمكاتبين، ومنه تشتري العبيد لتعتق.\rوسهم للغارمين الذين لزمتهم ديون من طرق المعاملات المشروعة وعجزوا عن الوفاء بها فمن هذا السهم يقضى الدين عن المدين العاجز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857835,"book_id":3127,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":121,"body":"عن أدائه حتى لا تضيع الثقة بين المتداينين ويبقى التعاون بين الأفراد.\rوسهم في سبيل الله يعطى منه المجاهدون على قدر كفايتهم وإعداد عدتهم ويعاون منه الحجاج الذين يطرأ عليهم ما يعجزهم عن إتمام فريضتهم.\rوسهم لابن السبيل الذي انقطع به الطريق فمن هذا السهم يحمل ويعان على الوصول.\rهذه هي المصارف التي وجه الله فيها أموال الزكاة، ومنها يتبين أنها من المصالح العامة لأن مرجعها إلى أمور ثلاثة: سد حاجة ذوي الحاجات من الفقراء والمساكين والأرقاء والغارمين وأبناء السبيل وتأييد الدين وإعزازه بالجهاد في سبيله وتأليف القلوب إليه، ومجازاة العامل بجزء من عمله صونا لما في يده من أطماع نفسه، وهذه الثلاثة من أحق المصالح العامة بالرعاية لأن ذوي الحاجات إذا لم تدبر شئونهم وتركوا تحت عبء حاجاتهم خسرتهم الأمة وكانوا خطرا على أمنها، وفي بعض الدول الآن يترتب في الميزانية أموال لصرفها مساعدة للعمال العاطلين سدا لحاجتهم واتقاء لأخطارهم، وكذلك تأييد دين الدولة وإعزازه من أهم مصالحها العامة، ومكافأة العاملين على ما عملوا فيها تحقيق مصالح الأعمال والعمال.\rوقد ألحق بأموال الزكاة عشور الأرض العشرية وما يؤخذ من تجار المسلمين على صادراتهم ووارداتهم فمصرفها الوجوه الثمانية التي تصرف فيها أموال الزكاة لأن هذه كلها أموال تجبى من المسلمين وفيها معنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857836,"book_id":3127,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":122,"body":"القربة فتصرف في مصرف الصدقة، قال القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج: \"فإذا جمعت الصدقات جمع إليها ما يؤخذ من المسلمين من العشور وعشور الأموال وما يمر به على العاشر من متاع وغيره ولأن موضع ذلك كله موضع الصدقة فيقسم ذلك أجمع لمن سمى الله ﵎ في كتابه قال الله تعالى في كتابه فيما أنزل على نبيه محمد ﷺ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ .\rوأما خمس الغنائم فقد بين الله سبحانه مصرفه بقوله في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.\rفسهم الله تعالى مرود على من سماهم وسهم الرسول وذوي القربى سقط بوفاته ﷺ وآل الخمس كله إلى اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، وبهذا يكون مصرف خمس الغنائم بعض مصارف الصدقات، وبعبارة أخرى يكون بعض ذوي الحاجات ينفق عليهم من أموال الصدقات وما ألحق بها ومن خمس الغنائم، فمصرفه إذًا مصلحة عامة. قال القاضي أبو يوسف: \"وأما الخمس الذي يخرج من الغنيمة فإن محمد بن السائب الكلبي حدثني عن أبي صالح عن عبد الله بن عباس أن الخمس كان في عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم: لله","footnotes":"١ الأنفال: ٤١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857837,"book_id":3127,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":123,"body":"وللرسول سهم، ولذي القربى سهم ولليتامى، والمساكين، وابن السبيل ثلاثة أسهم، ثم قسمه أبو بكر وعمر وعثمان -ضي الله عنهم-على ثلاثة أسهم وسقط سهم الرسول وسهم ذوي القربى وقسم على الثلاثة الباقي ثم قسمه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على ما قسمه عليه أبو بكر وعثمان -ضي الله عنهم-.\rوقد ألحق بخمس الغنائم خمس المعادن والركاز، فمصرفهما واحد، وهو ما بينه الله في آية سورة الأنفال.\rقال القاضي أبو يوسف: في كل ما أصيب من المعادن من قليل أو كثير الخمس، ليس هذا على موضع الزكاة إنما هو على موضع الغنائم، وقال: وأما الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه الله ﷿ في الأرض يوم خلقت، فيه أيضا الخمس، فمن أصاب كنز عاديا في غير ملك أحد فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب فإن في ذلك الخمس وأربعة أخماسه للذي أصابه وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمس وما بقي فلهم.\rوأما سائر أبواب الإيراد من الخراج والجزية وما يؤخذ من تجار غير المسلمين على صادراتهم ووارداتهم فكل ما يرد منها يسمى الفيء، ومصرفه سائر المصالح العامة للدولة، ويلحق به تركة من لا وارث له، ومال اللقطة، وكل مال لم يعلم مستحقه فيصرف ذلك في المصالح العامة، وذلك لأن عمر ﵁ لما رأى وضع الخراج على أرض السواد بيّن مصرفه بقوله: \"وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئا للمسلمين المقاتلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857838,"book_id":3127,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":124,"body":"والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام -كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر- لا بد لها أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم\". إني وجدت حجة في كتاب الله وتلا آيات الفيء في سورة الحشر.\rوألحق بالخراج الجزية وكل إيراد لم يسم له مصرف معين فيكون مصرفه مصالح الدولة العامة.\rقال القاضي أبو يوسف في الجزية: \"ويحملها ولاة الخراج مع الخراج إلى بيت المال لأنه فيء للمسلمين، وكل ما أخذ من أهل الذمة من أموالهم التي يختلفون بها في التجارات، وممن دخل إلينا بأمان، وما أخذ من أهل الذمة من أرض العشر التي صارت في أيديهم فإن سبيل ذلك أجمع كسبيل الخراج يقسم فيه الخراج، وليس هذا كموضع الصدقة ولا كمواضع الخمس، قد حكم الله ﷿ في الصدقة حكما قسمها عليه فهي على ذلك وقسم الخمس قسما بقي عليه فليس للناس أن يتعدوا ذلك ولا يخالفوه\".\rوجملة ما فصلناه أن موارد الدولة الإسلامية من حيث ما يصرفه فيه إيرادها ثلاثة أقسام:\rقسم يضرب إيراده في مصارف الصدقات الثمانية المبينة في آية سورة التوبة وهو: الزكاة وعشور الأرض العشرية التي تؤخذ من المسلمين وما يؤخذ من تجار المسلمين إذا مروا بالعاشر وقسم يصرف إيراده في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857839,"book_id":3127,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":125,"body":"مصارف خمس الغنيمة المبينة في آية سورة الأنفال وهو خمس الغنائم وخمس المعادن والركاز.\rوقسم يصرف في سائر مصالح الدولة العامة وهو إيراد سائر مواردها المالية.\rوقد ترتب على هذا التقسيم وتخصيص كل نوع من الإيراد بوجوه معينة من المصارف أنهم منعوا أن يوجه إيراد نوع إلى غير مصرفه ومنعوا أن يجمع بين إيراد نوع وإيراد نوع آخر، بل منعوا أن يولى عمال الخراج العمل في الصدقات وكأنهم اعتبروا ميزانية الدولة العامة مجموع ميزانيات ثلاث لكل واحدة أبواب إيراد وأبواب صرف.\rقال لقاضي أبو يوسف في كتاب الخراج: \"ومر يا أمير المؤمنين باختيار رجل أمين، ثقة، عفيف، ناصح، مأمون عليك وعلى رعيتك فوله جميع الصدقات في البلدان، ومره فليوجه فيها أقواما يرتضيهم ويسأل عن مذاهبهم وطرائفهم وأماناتهم يجمعون إليه صدقات البلدان فإذا جمعت إليه أمرته فيها بما أمر الله جل ثناؤه به فانفذه، ولا تولها عمال الخراج فإن مال الصدقة لا ينبغي أن يدخل في مال الخراج، وقد بلغني أن عمال الخراج يبعثون رجالا من قبلهم في الصدقات فيظلمون ويعسفون ويأتون ما لا يحل ولا يسع، وإنما ينبغي أن يتخير للصدقة أهل العفاف والصلاح فإذا وليها رجلا ووجه من قبله من يوثق بدينه وأمانته أجريت عليهم من الرزق بقدر ما ترى ولا تجر عليهم ما يستغرق أكثر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857840,"book_id":3127,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":126,"body":"الصدقة، ولا ينبغي أن يجمع مال الخراج إلى مال الصدقات والعشور لأن الخراج فيء لجميع المسلمين والصدقات لمن سمى الله ﷿ في كتابه.\rوعلى هذا الأساس قال صاحب البدائع:\r\"أما ما يوضع في بيت المال من الأموال فأربعة أنواع:\rأحدها: زكاة السوائم والعشور، وما أخذه العشار من تجار المسلمين إذا مروا عليهم.\rوالثاني: خمس الغنائم والمعادن والركاز.\rوالثالث: خراج الأرض، وجزية الرءوس، وما صولح عليه بنو نجران من الحلل، وبنو تغلب من الصدقة المضاعفة، وما أخذه العشار من تجار أهل الذمة والمستأمنين من أهل الحرب.\rوالرابع: ما أخذ من تركة الميت الذي مات ولم يترك وارثا أصلا أو ترك زوجا أو زوجة.\rفأما مصرف النوع الأول: فقد ذكرناه وهو الذي بينه الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ١ الآية.\rوأما النوع الثاني: وهو خمس الغنائم والمعادن فنذكر مصرفه في كتاب السير وهو الذي بينه الله تعالى في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ الآية.","footnotes":"١ التوبة: ٦٠.\r٢ الأنفال: ٤١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857841,"book_id":3127,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":127,"body":"وأما مصرف النوع الثالث من الخراج وأخواته: فعمارة الدين وإصلاح مصالح المسلمين من رزق الولاة والقضاة وأهل الفتوى من العلماء والمقاتلة ورصد الطرق وعمارة المساجد والرباطات والقناطر والجسور وسد الثغور وإصلاح الأنهار التي لا ملك لأحد فيها.\rوأما النوع الرابع: فيصرف إلى دواء الفقراء والمرضى وعلاجهم وإلى أكفان الموتى الذين لا مال لهم، وإلى نفقة اللقيط وعقل جنايته، وإلى نفقة من هو عاجز عن الكسب وليس له من تجب عليه ونحو ذلك، وعلى الإمام صرف هذه الحقوق إلى مستحقيها.\rهذا ما قرره العلماء في تقسيم المصارف وتوجيه الإيراد فيها ولنا فيما قرروه بحث جدير بالنظر.\rوذلك أن الله سبحانه لما بين مصارف الصدقات في آية التوبة ذكر فيها ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولما بين مصارف خمس الغنائم في سورة الأنفال بدأها بقوله ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ﴾ ولما بين مصارف الفيء في سورة الحشر قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ﴾ ١، فالمواضع الثلاثة التي ذكرت فيها وجوه الصرف في القرآن ذكر فيها ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ﴾ ، ﴿فَلِلَّهِ﴾ فالذي يؤخذ من هذا الصدقات وخمس الغنائم والفيء تشترك في أنها يصرف منها في سبيل الله، ولله، والمراد من الصرف لله وفي سبيل الله الصرف للمصلحة العامة التي لعدم اختصاص فرد بها نسبت إلى الله فتكون جميع الموارد مشتركة في أن يصرف منها للمصلحة العامة، غير أن كل آية من آيات المصارف لما نصت على المصلحة العامة خصت بالذكر بعض أفراد هذه المصالح لفتا للنظر إليها وتنبيها على رعايتها.","footnotes":"١ الحشر: ٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857842,"book_id":3127,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":128,"body":"وعلى هذا لا أرى تباينا بين المصارف المالية التي ذكرت في القرآن للصدقات وخمس الغنائم والفيء، ولا أرى في النصوص ما يمنع الجمع بين إيراد هذه الموارد وتوجيهه في مصالح الدولة العامة مع مراعاة البدء بالأهم منها وعدم التفريط في نوع مما خصه الله سبحانه بالنص عليها في الآيات، ولا أرى موجبا لأن نقصر المراد من سبيل الله على خصوص الجهاد أو ما يشمل الجهاد والحج فإن كل ما يصرف في المنافع العامة وفيما تقتضيه حاجات الأمة هو في سبيل الله، ألا يرى أن علماء الأصول لما قسموا الحدود الشرعية إلى ما هو حق الله والعبد قالوا: إن المراد بما هو حق الله ما كان حقا للمصلحة العامة ولمنفعة المجتمع مثل حد الزنا وحد السرقة، ولذلك ما أجازوا للمجني عليه فيها العفو ولا أباحوا الشفاعة فيها وجعلوا حق إقامتها للإمام أو نائبه، فحق الله يرادف حق المجتمع، وكذلك ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يرادف في سبيل المجتمع والمصلحة العامة، فمن هذا الوجه تشترك الموارد المالية في المصرف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857843,"book_id":3127,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":129,"body":"جباية الإيراد وصرفه في مصارفه:\rجباية الإيراد واستيفاؤه من أربابه وتوجيهه في مصارفه من شئون ولاة الأمر في الدولة الإسلامية لأن هذه الإيرادات فرضت للمصالح العامة، وفي توجيهها إلى مصارفها تحقيق هذه المصالح، فيكون النظر فيها لمن له ولاية الشئون العامة، ولهذا أمر الله سبحانه رسوله أن يتولى أخذ الصدقات فقال عز من قائل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ١، وجعل من مصارف الصدقات العاملين عليها وكان رسول الله ﷺ يبعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ الصدقات من الأنعام، وعلى سنته سار الخلفاء الراشدون من بعده، وقد كان السبب الباعث على حروب الردة في أول عهد أبي بكر بالخلافة امتناع قبائل من العرب عن أداء الزكاة فحاربهم أبو بكر قائلا: \"والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لحاربتهم عليه\" وورد أن الرسول ﷺ أخذ زكاة الأموال من النقود وعروض التجارة وكذلك فعل أبو بكر وعمر، ولكن في عهد عثمان رُئي أن الأموال كثرت وأن في إحصاء النقود وعرض التجارة حرجا وفي إظهار مقاديرها وإعلان أمرها أضرارا بأرباب الأموال، ولهذا جعل لأرباب هذه الأموال من النقود وعروض التجارة أن يتولوا هم بأنفسهم إخراج الزكاة الواجبة فيها وصرفها في مصارفها.\rومن ذلك قسم إيراد الدولة من حيث جبايته إلى قسمين: قسم جعل لأربابه إخراجه وصرفه في مصارفه دفعا للحرج ومنعا لتتبع أسرار","footnotes":"١ التوبة: ١٠٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857844,"book_id":3127,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":130,"body":"الناس وهو زكاة المال غير الظاهر من النقود وعروض التجارة ولكن إذا قدم أرباب هذه الأموال زكاتها من تلقاء أنفسهم إلى العاملين عليها تقبلوه وصرفوه في مصارفه، وقسم جعل ولاية أخذه وصرفه في مصارفه لولاة الأمر وأوجب على أرباب الأموال أداء الواجب فيها إليهم، وعلى أرجح الأقوال ليس لهم الانفراد بإخراجه وصرفه في مصارفه وإن فعلوا لا يجزأهم وهو ما عدا زكاة النقود والعروض التجارية من زكاة السوائم والخراج والجزية والعشور وسائر أبواب الإيراد الظاهر الذي ليس في تعيينه ولا في تقدير الواجب فيه حرج ولا ضرر.\rوهذا السنن في الجباية سنن عادل مراعى فيه المصلحة العامة ومصلحة المالك فقد فوض إليه أداء الزكاة من ماله الخفي الذي يناله الضرر من إظهاره والإعلان عن مقداره دفعا للحرج عنه والإضرار به، ولا ضرر في هذا على المصلحة العامة لأن من مصارف هذه الصدقات ذوي الحاجات وهم بين يدي كل غني ولا يعوزه أن يوصل الصدقة إليهم فليست المصارف للزكاة مجهولة؛ لأنها مبينة في الكتاب الكريم ولا الصرف فيها متعذر لأن ذوي الحاجات في كل مكان، وفي أداء هذه الزكاة معنى العبادة فيكون على المالك حسيب من دينه وضميره أما سائر أبواب الإيراد فليس على الملاك في أخذ الواجب منهم ضرر فسارت على الأساس العام وجعل أخذها من حق الحكومة وليس للأفراد أن يوجهوها في مصارفها، ولهذا كان يعين لجباية الإيراد عمال مستقلون، وكان يعين لكل باب من أبواب الإيراد عمال لجباية إيراده، وقليلا ما كان يعهد إلى الوالي بالجباية والمرجع في هذا إلى ما تقتضيه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857845,"book_id":3127,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":131,"body":"المصلحة التي تختلف باختلاف ما يجبي قلة وكثرة واختلاف كفاءات الولاة قوة وضعفا.\rوخلاصة القول في السياسة الشرعية المالية أن الإسلام وضع الموارد المالية على أسس من العدل والرحمة والتوفيق بين المصلحة العامة ومصلحة أرباب الأموال وشرط في الأموال التي يجب الأداء منها وفي الأشخاص الذين يجب الأداء عليهم وفي مقدار الواجب ووقت أدائه شروطا تتفق وقواعد العدل والاقتصاد، ورتب المصارف بحيث لا تهمل مصلحة من مصالح الدولة العامة وبحيث يجد ولاة الأمور سعة لتحقيق هذه المصالح وخاصة سد حاجة ذوي الحاجات حتى لا يكونوا خطرا على نظام المجتمع، وراعى في جباية الإيراد وصرفه في مصارفه دفع الحرج عن أباب الأموال من غير تفريط في المصالح العامة وشرع أحكاما لمعاملة الجباة أرباب المال ومراقبة ولاة الأمر لهؤلاء الجباة على أساس أنه لا يحل لعامل أن يأخذ غير الواجب كما لا يحل لمالك أن يمنع أي واجب، وهذه نظم تكون قانونا ماليا عادلا على خير أساس ينشده علماء الاقتصاد وتتقبل كل إصلاح تقتضيه حال الأمم والعصور.\rوإذا كان تاريخ بعض الدول الإسلامية ينطبق بسوء سياستها المالية وبالإفراد في جباية الإيراد والتفريط في رعاية المصالح العامة، فليس منشأ هذا ما شرعه الإسلام في السياسة المالية وإنما منشؤه إهمال ما قرره الإسلام والسير وراء الشهوات والأغراض، والناظر إلى الدول الإسلامية في مرآة التاريخ يتبين له أنه كلما استقام أمر الدولة وسارت على نهج","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857846,"book_id":3127,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":132,"body":"الدين اعتدل ميزانها المالي ولم يشعر أفرادها بعسف ولا إرهاق ولم تهمل مصلحة من مصالحها وكلما عوج أمر الأمة وحادت عن سبيل الدين اختل فيها التوازن المالي وزادت أعباء الأفراد وضاعت المصالح العامة، فميزانية الدولة مرآة عدلها وجورها ونظامها وفوضاها، وبرهانا على هذا نجمل كلمة تاريخية عن مالية بعض الدول الإسلامية، ومنها يتبين بدء تكوين بيت مال المسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857847,"book_id":3127,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":133,"body":"نبذة من تاريخ بيت مال المسلمين:\rكان إيراد الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ قاصرا على الغنائم والصدقات والجزية التي صولح عليها أهل الكتاب وكان كل ما يرد من هذه الموارد يصرف في مصرفه ساعة يرد: فالغنائم تقسم أربعة أخماسها بين الغانمين وخمسها يقسم على ما بين الله في كتابه والصدقات توجه في مصارفها التي بينها الله في كتابه والجزية تنفق في حاجات الغزو والجهاد وسائر المصالح العامة وما كان ذاك فضل للإيراد على المصروف، وما مست الحاجة إلى حفظ مال في بيت مال وما أهملت مصلحة عامة، ولا أخذ من فرد غير ما يجب، وكذلك كانت الحال المالية في عهد أبي بكر ليس في الدولة مال مدخر، وكل ما يرد يوجهه في مصارفه، حتى إنه لما توفي ﵁ لم يجدوا عنده من مال الدولة إلا دينارا واحدا سقط من غرارة!\rولما اتسعت الدولة الإسلامية في عهد عمر وفتح الله للمسلمين أرض الشام ومصر وفارس زاد إيراد الدولة، وبلغ إيراد ما يجبى من الخراج والعشور وسائر الموارد الشرعية مبلغا لفت المسلمين إلى وجوب ضبطه، وحصر أرباب المرتبات، وتقدير الحقوق والأعطيات وسائر أبواب المصالح العامة، اتخذ عمر ﵁ ديوانا ضبط فيه الدخل والخرج وأحصى أرباب الاستحقاق ومقادير ما يستحقون وأوقات الصرف لهم، واتخذ بين مال للمسلمين يحفظ فيه ما زاد من إيراد الدولة على مصروفاتها للإنفاق منه على ما يطرأ من الحاجات وما يجد من المصالح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857848,"book_id":3127,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":134,"body":"فهو أول من فعل هذا وما اتخذ قبله في الدولة الإسلامية ديوان ولا بيت مال لأنه لم تكن إليها حاجة.\rقال ابن خلدون: \"أول من وضع الديوان في الدولة الإسلامية عمر -ضي الله عنه-يقال لسبب مال أتى به أبو هريرة من البحرين فاستكثروه وتعبوا في قسمه، فسعوا إلى إحصاء الأموال وضبط العطاء والحقوق فأشار خالد بن الوليد بالديوان، وقال رأيت ملوك الشام يدونون، فقبل منه عمر، وقيل: بل أشار عليه به الهرمزان لما رآه يبعث البعوث بغير ديوان، فقيل له: ومن يعلم بغيبة من يغيب منهم؟ فإن من تخلف أخل بمكانه، وإنما يضبط ذلك الكتاب، فأثبت لهم ديوانا وسأل عمر عن اسم الديوان فعبر له، ولما اجتمع ذلك أمر عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من كتاب قريش، فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية على ترتيب الأنساب، تبدأ من قرابة رسول الله ﷺ الأقرب فالأقرب وهكذا كان ابتداء ديوان الجيش في المحرم سنة عشرين من الهجرة على ما روى الزهري عن ابن المسيب، وأما ديوان الخراج والجبايات فقد كان في حاضرة الدولة باللغة العربية كديوان الجيش، وأما في الولايات فبقي بعد الفتح الإسلامي على ما كان عليه قبله ديوان العراق بالفارسية ديوان الشام بالرومية وديوان مصر بالقبطية وكتاب الدواوين من المعاهدين من هذه الأمم، ولما جاء عبد الملك بن مروان ظهر في العرب ومواليهم مهرة في الكتاب والحساب، أمر والي الأردن لعهده سليمان بن سعد أن ينقل ديوان الشام إلى العربية فأكمله لسنة من يوم ابتدائه ووقف عليه سرجون كاتب عبد الملك، فقال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857849,"book_id":3127,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":135,"body":"للكتاب الروم: اطلبوا العيش في غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم! وأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن، وكان يكتب العربية والفارسية، أن ينقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية، ففعل وفي عهد الوليد بن عبد الملك نقل ديوان مصر من القبطية إلى العربية على يد ابن يربوع الفزاري.\rوليس من الميسور أن نعين بالضبط كم كان إيراد الدولة في عهد عمر أو فيما بعد عهده لأن المؤرخين الذين عنوا بالتقدير تارة يذكرون مقدار الخراج مريدين به خراج الأرض الخراجية خاصة، وتارة يذكرونه مريدين به ما يشمل الخراج والجزية العشور فلا يتيسر مع هذا معرفة الإيراد جملة ولا تفصيلا، والدواوين التي كان يضبط فيها الدخل والخرج أتت عليها يد التدمير ونار الحروب والثورات، وإنما الثابت أن مالية المسلمين في دولة الخلفاء الراشدين كانت على حال مرضية لأن الإيراد، كان كثيرا، فقد بلغ الخراج من سواد الكوفة وحدها في آخر عهد عمر مائة ألف وألف درهم ولأن المصروفات كانت تصرف باقتصاد وحساب فكانت رواتب العمال والولاة على قدر ضرورتهم في ذلك العهد والجند كانوا لا يزالون على حال البدو يكفيهم القليل، والخلفاء أنفسهم كانوا متعففين عن مال المسلمين، وكان ولاتهم على دينهم يحذرون الإسراف في مال الدولة ويخشون غضب الخلفاء إن هم ضيعوا مال الجباية في غير مصلحة عامة، وقد كان عمر إذا كسب أحد عماله مالا غير عطائه قاسمه فيه، ولا يرى في ذلك غبنا كما فعل بسعد بن أبي وقاص عامله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857850,"book_id":3127,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":136,"body":"على الكوفة وعمرو بن العاص عامله على مصر وأبي هريرة عامله على البحرين وغيرهم.\rوبهذا القصد في المصروفات، والعناية والأمانة في الجباية، حسنت حال الدولة المالية وما مست حاجة إلى إرهاق الناس بالضرائب الفادحة أو الخروج عن سنن الموارد الشرعية وساعدهم على هذا فتوح البلدان ودخول الناس في الإسلام.\rوأما فيما بعد دولة الراشدين، فقد تغيرت الحال بالانتقال من البداوة إلى الحضارة ومن الخلافة إلى الملك، فزادت مصروفات الخلفاء وتبعهم الولاة وسائر عمال الدولة، وكثرت الحروب الداخلية بين أحزاب الأمويين والهاشميين والخوارج، ولم يوجد غناء في الإيراد، فاضطروا إلى الخروج عن سنن الموارد الشرعية، وانطلقت الأيدي بالجور والعسف في جباية الأموال بالوسائل غير المشروعة وبإرهاق الناس بالضرائب الفادحة فزادوا في الخراج والجزية على حين كانت الزيادة تناقض العهد وفرضوا الضرائب على الأرض الخراب، وفرضوا هدايا على الذميين في عيد النيروز، ووضعوا ضرائب على مرور السفن بالماء ووضع مروان بن محمد في ولايته على أمينية ضرائب الأسماك، ومع هذا التفنن في ضرب الضرائب استخدموا القسوة في تحصيلها وكل هذا لم يجد نفعا في حفط التوازن المالي، وأدى إلى نفور الناس منهم واستخدمه الدعاة لإسقاط دولتهم، لأن المصالح العامة أهملت وأرباب الأموال ناءوا بأعباء من الضرائب ثقيلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857851,"book_id":3127,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":137,"body":"ولما آل الأمر إلى بني العباس، وكان من أول همهم جمع القلوب حولهم والقضاء على مظالم الأمويين وإزالة أسباب الشكاية من سياستهم وجهوا عنايتهم إلى المالية وشددوا الرقابة على جباة الأموال حتى لا يجوروا، وأخذت الحال المالية تتحسن، حتى كان عهد الرشيد، فسأل قاضيه أبا يوسف أن يضع له نظاما شرعيا عادلا يتبع في جباية الخراج والعشور والصدقات، لا جور فيه على الملاك ولا إهمال للمصالح العامة، فوضع -ضي الله عنه-كتابه المسمى بالخراج، وهو كما قدمنا خير أساس لنظام مالي عادل، وقد سار عليه الرشيد وكان من سيره عليه أن زادت ثروة البلاد في ذلك العهد للدولة والأفراد حتى إن بعض أخبار الثراء في ذلك العهد لا تكاد تصدق! ولما دب دبيب الضعف وثارت الحروب الداخلية في هذه الدولة، أصاب ماليتها ما أصابها من قبل في عهد الأمويين فاختلت، ولم يراع في جبايتها ولا في فرضها نظام ولا مصلحة! ولما انقسمت الدولة الإسلامية إلى عدة دول، لم يكن النظام المالي لواحدة منها على السنن الشرعي ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ ١.","footnotes":"١ هود: ١١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857852,"book_id":3127,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":138,"body":"\"لمحة عن حياة المؤلف\":\r- ولد في شهر مارس سنة ١٨٨٨ ببلدة كفر الزيات.\r- التحق بالأزهر الشريف سنة ١٩٠٠ بعد أن حفظ القرآن الكريم في أحد \"كتاتيب\" البلدة.\r- انتظم في سلك طلبة مدرسة القضاء الشرعي إثر افتتاحها وتخرج منها عام ١٩١٥ وكان أول دفعته فعين مدرسا بها في نفس السنة.\r- اشترك في ثورة سنة ١٩١٩ فبرزت خلالها مواهبه الخطايبة والكتابية، ترك المدرسة أو أجبر على تركها فانتقل إلى القضاء الشرعي.\r- عين قاضيا بالمحاكم الشرعية سنة ١٩٢٠ ثم نقل مديرا للمساجد بوزارة الأوقاف سنة ١٩٢٤ وبقي بها حتى عين مفتشا بالمحاكم الشرعية في منتصف سنة ١٩٣١.\r- انتدبته كلية الحقوق جامعة فؤاد مدرسا بها في أوائل سنة ١٩٣٤ ثم نقل وبقي أستاذا لكرسي الشريعة الإسلامية حتى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857853,"book_id":3127,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":139,"body":"أحالته إلى المعاش سنة ١٩٤٨ وقد ظلت تمد خدمته حتى عام ٥٥/ ١٩٥٦ الذي أقعده المرض خلالها عن إلقاء المحاضرات.\r- زار كثيرا من دول الوطن العربي للاطلاع على المخطوطات النادرة وإلقاء المحاضرات فكان سفيرا ناجحا لمصر.\r- انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية فأشرف على وضع معجم القرآن.\r- ترك للشريعة الإسلامية ثروة من المؤلفات امتازت بوضوح العبارة وجلاء الأحكام: أصول الفقه، تاريخ التشريع الإسلامي، أحكام الأحوال الشخصية، مصادر التشريع فيما لا نص فيه وشرح وافٍ لقانوني \"الوقف والموارث\" وكتاب فريد \"السياسة الشرعية أو السلطات الثلاث في الإسلام\" وفي التفسير نور من الإسلام، نور على نور. هذا عدا ما كان ينشره من بحوث ومقالات في جريدتي الأهرام والمصري ومجلة القضاء الشرعي، مجلة الأحكام، لواء الإسلام، الرسالة والثقافة.\rمجموعة من الأحاديث أذاعها من منبر الإذاعة المصرية في مختلف الموضوعات الدينية والاجتماعية وأخصها \"من قصص القرآن\".\rمجموعة ضخمة من المحاضرات التي ألقيت في المناسبات الدينية والاجتماعية وما ألقاه في تفسير القرآن الكريم بدار الحكمة لعدة سنوات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2857854,"book_id":3127,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":140,"body":"- وأخيرا طواه الموت في الساعة الثالثة بعد ظهر الخميس ١٩/ ١/ ١٩٥٦ وشيع جثمانه الطاهر إلى مقره الأخير صباح الجمعة ٢٠/ ١/ ١٩٥٦.\r- كرمته الدولة في شهر مايو سنة ١٩٨٠ بمناسبة مرور مائة عام على إنشاء كلية الحقوق فمنحت اسمه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.\r- منحته إذاعة جمهورية مصر العربية سنة ١٩٨٤ في احتفالها بعيدها الذهبي شهادة تقدير لخدماته الجليلة في مجال الإعلام والكلمة المسموعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}