{"page_id":3233725,"book_id":3632,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":1,"body":"مقدمة:\rبسم الله الذي يهدي إلى الحق، وإلى الطريق السوي المستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده١.\rوصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه، بعثه الله للناس بما يحييهم وأمرهم بالاستجابة إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٢، وأنزل عليه شريعة من الأمر قويمة محكمة تهدف خير الناس، ونفعهم ودفع الحرج عنهم، شريعة ربطت الدنيا بالآخرة، فعاش المسلم في ظلها ينعم بطاعة الله، وثوابه في كل ما يأتيه من عمل صالح، ويراقب الله ويخشى عقابه على كل ما قاربه من شر أو ضرر، ظهر ذلك واضحًا في نتاج الفكر الإسلامي، الذي سبر أغوار الحياة، وشمل جوانبها، فلم يجد فيها صحيحًا واضحًا قويمًا إلا ما شرعه الله ﷾ لخلقه، وما ذلك إلا تصديقًا لما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ: \"تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما، لن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنتي\".\rوهذان هما الدستور، يحكمان حيان الإنسان بما وضعا من نظم، وتشريعات، وقواعد تنظم السلوك الإنساني:\rوتعني هذه الدراسة بجانب من الجوانب التشريعية الإسلامي إلا وهو تشريعات التجريم، والعقاب في الفقه الإسلامي.","footnotes":"١ من الآية ٨٨ من سورة الأنعام.\r٢ من الآية ٢٤ من سورة الأنفال.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233726,"book_id":3632,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":2,"body":"هذا الجانب الذي توهم أدعياء التحضر أنه لا يواكب الحضارة البشرية في عصرها الحديث، وهم واهموان في هذا جانبهم الصواب فيما ذهبوا إليه.\rودعواهم هذه وأن كانت تستهدف أبعاد التقنينات الإسلامي عن مجال التطبيق، فإنها توجب أيضًا على المشتغلين بالفكر الإسلامي أن يشحذوا هممهم لكشف كنوز تراثهم وتشريعاتهم، وبهذا يمكنهم أن يدحضوا كل هذه الافتراءات بالحجة والدليل.\rوهذا ما حدى بي إلى أن أنتحي هذا الجانب من الدراسة التشريعية إذ أنه في تقديري من أهم ما يجب دراسته، وإبانة ما فيه من فكر إسلامي عادل وقويم إذا ما قيس، وقورن بالفكر الوضعي في هذا المجال، مغتنمًا هذه الصحوة الدينية التي كثيرًا ما يسمع صوتها، وهو ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإحلالها بدلًا من التقنينات الوضعية، وعلى الأخص في مجال التجريم والعقاب، هذا الجانب الذي عطل في أكثر بلاد العالم الإسلامي، واستعيض عنه بالفكر البشري الذي يخضع للتغيير، والتبديل نتيجة الهوى والرغبة، ولا غرو فهو في غالبه فكر حل بلادنا مع ظروف قهر، واستبداد وتسلط من المخرب الأجنبي الذي ادعى لنفسه أنه يريد أن يعمر بلادنا، وحتى في أشد أوقات العداء له أطلقنا عليه كلمة مستعمر، ولا عجب فما أكثر أسماء الأضداد استعمالًا بين شعوب الأمة الإسلامية.\rإن عجز القوانين الوضعية عن الوصول إلى مخرج مما يزداد انتشارًا كل يوم بين صفوف الأمة من جرائم، وفساد أصبح أمرًا واضحًا لا يحتاج إلى برهان، بل إن التقنينات الوضعية بما وضعت من نظم تكون أحيانًا عاملًا من عوامل إذكاء روح الجريمة بين الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233727,"book_id":3632,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":3,"body":"إن ذلك كله أصبح عاملًا ملزمًا لكل مسلم، ومريد للخير أن يوجه إلى الطريق السوى بقلمه وفكره، وبكل ما في وسعه، ومن بين ما يقدم في هذا المجال الدراسة الفقهية التي تكشف ما في الفقه الإسلامي من تفوق، وسمو على كل التقنينات، والفكر الوضعي.\rوأن الفقه الإسلامي في شتى مجالاته، وعلى الأخص في مجال التجريم والعقاب قد وصل بالناس إلى بر الإمان يوم حكمهم، وقضى بينهم بقضائه العادل، ومبدئه القويمة الرشيدة.\rوليس ذلك من باب العاطفة الدينية التي لا يقوم عليها دليل، وإنما الدليل واضح نطق به إنسان غير مسلم يوم قال لعمر قولته المشهورة: حكمت فعدلت، فأمنت فنمت يا عمر.\rوقد كان عمر -رضي الله تعالى عنه- منفذا لتعاليم الإسلاام قاضيًا بين الناس بقانون العدل وقضائه، ولم تكن لديه هذه الكثرة الكثيرة من السجون التي تعج بمن فيها من مجرمين عائدين محترفين، أن حال الأمة الإسلامية الآن ينادي بأعلى صوته. يطلب عودة إلى ما كانت الإمة عليه يوم لم يكن فيها مسجون، ولا سجن ولا مظلوم، ولا مهضوم، واستوى الناس فيها أمام حكم الإسلام، فاقتضص عمر لأحد رعاياه من حاكم مصر، وجلس علي وهو خليفة المسلمين بجوار يهودي أمام قاض من رعية علي ومحكوميه، ويطلب القاضي من علي البينة، والدليل على كل ما يقول.\rإأن كل ما خطه البشر من تقنينات وضعية لم يبق حال الجريمة على ما هي عليه، وهذا أضعف الثمرات المرجوة منه وأدناها، وإنما زادت الجريمة عما كانت عليه من ذي قبل، في ظل هذه التقنينات الوضعية، واحترف المجرمون، وتزايد عدد معتادي الإجرام، والعائدون إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233728,"book_id":3632,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":4,"body":"السجون، وطفح الكيل، فعقدت الندوات والمؤتمرات تبحث عن حلول، وتطلب علاجًا، جربوا كل عقاقير الفكر ولم يصلوا، مع أن الدواء الناجح أمامهم، وهم يصدون أبصارهم عنه.\rأنه العلاج الذي قدره من خلق الناس وعلم ما ينفعهم، وليس ذلك محض خيال، وإنما هو الواقع المجرب.\rلهذا كله، ودعوة إلى محاولة إقناع عن طريق المقارنة بين النظام التشريعي الجنائي الإسلامي، والتقنينات الوضعية، في جانب من قواعده الحاكمة -إن صح التعبير وجازت المقارنة- ولتقديم دليل جديد لكل من أراد المعرفة، وتطلع إلى حلول وعلاج -إن كان صادقًا في تطلعاته ونواياه- أقدم هذه الدراسة حول مبدأ من مبادئ الترشيع العقلي الإسلامي العادل، هذا المبدأ الذي يعد تجسيدا واضحًا لكل ما حاط به هذا التشريع الإسلامي الإنسان من راعية، وحماية وأمن وأمان، لم يضارعه في ذلك أو يدانيه أي تقنين وضعي أيا كان واضعه، ومقننه.\rوسيتضح ذلك بإذن الله تعالى وعونه فيما قدمت من دراسة لموضوع الشبهات، وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنًا بالقانون، ولا يخفى أن المقارنة أن أجيزت، فإنما هي مقارنة بين ما شرع منذ أربعة عشر قرنًا، ولا يزال ثابتًا شامخًا عظيمًا لم ولن يتغير؛ لأنه لا تبديل لكلمات الله ذلك الدين القيم، وبين أحدث ما وصلت إليه النظريات القانونية الوضعية.\rوالشريعة وإن كانت أجل من أن تقارن بغيرها من التقنينات الوضعية، إلا أن هذه الدراسة محاولة لدحض مزاعم لم تبن على دراسات علمية، إذ هي دعاوى قد صدرت عمن لم يدرس الشريعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233729,"book_id":3632,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":5,"body":"ولم يقف على ما فيها من أحكام محكمة، ودعاوى تصدر عن جهل أحكام هذه الشريعة دعاوى باطلة، ومفتراه ولا عجب.\rفقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وقد ينكر الفم طعم الشهد من سقم\rوقد قسمت هذه الدراسة إلى تمهيد وبابين وخاتمة:\rأولًا: التمهيد:\r\"كلمة عامة عن الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي المقارن\"\rويتكون من فصلين:\rالفصل الأول: كلمة عامة عن الجريمة في الفقه الإسلامي المقارن، ويشتمل على ثلاثة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريف الجريمة والجناية، وبيان ما بينهما من اتفاق، وتعريف الجريمة عند القانونيين، وتقسيمها إلى جناية وجنحة ومخالفة.\rالمبحث الثاني: أقسام الجريمة:\rوفيه خمسة مطالب:\r\"أ\" المطلب الأول: أقسام الجريمة باعتبار ما تقع عليه.\r\"ب\" المطلب الثاني: أقسام الجريمة باعتبار العقوبة المستحقة.\rوما يترتب على ذلك من حيث إمكان العفو عن الجاني، ومدى ما للقاضي من سلطة حيال العقوبة الحدية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233730,"book_id":3632,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":6,"body":"ج: المطلب الثالث: أقسام الجريمة باعتبار الحق المعتدى عليه، وما لكل قسم من هذه الأقسام من سمات من حيث لزوم الخصومة، أو مواصفات الإثبات، أو التقادم والتوبة وما ينتج عنها من آثار في كل من الشريعة والقانون.\rد: المطلب الرابع: أقسام الجريمة من حيث القصد وعدمه، وإشارة إلى الجرائم المقصودة وغير المقصودة بين المباشرة، وعدمها.\rهـ: المطلب الخامس: الجريمة من حيث الإيجاب والسلب.\rالمبحث الثالث:\rأركان الجريمة: وفيه ثلاثة مطالب:\rأ: المطلب الأول: الركن الشرعي للجريمة، وما يتصل به من قاعدة لا تجريم، ولا عقاب إلا بشرع مبلغ، وما يرتبط بهذه القاعدة من سريان النص من حيث الزمان والمكان والأشخاص، وحدود ذلك من الشريعة والقانون.\rب: المطلب الثاني: الركن المادي للجريمة، وما يتصل من المساهمة الجنائية، وعقوبة كل من المساهمين في رأي فقهاء الشريعة والقانون.\rج: المطلب الثالث: الركن الأدبي للجريمة، وما يتصل به من الإدراك والإرادة المختارة.\rالفصل الثاني: العقوبة وبعض الجوانب المتعلقة بها، ويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: العقوبة وأقسامها.\rويشتمل على مطلبين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233731,"book_id":3632,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":7,"body":"أ: المطلب الأول: تعريف العقوبة عند اللغويين، وفقهاء الشريعة والقانونيين.\rب: المطلب الثاني: أقسام العقوبة إذ ينقسم باعتبارات مختلفة إلى أقسام عدة:\rفتنقسم باعتبار ذاتيتها إلى:\r١- عقوبة أصلية.\r٢- عقوبة بديلة.\r٣- عقوبة تبعية.\rوتنقسم باعتبار التحديد وعدمه إلى:\r١- عقوبة حدية.\r٢- عقوبة تعزيزية.\rثم بيان المراد بالعقوبة الحدية، مع ذكر عقوبة الزنا في كل من الشريعة والقانون. وعقوبة السرقة، وآراء الفقهاء في القطع في السرقة الأولى، ثم عقوبة الحرابة. وعقوبة شرب الخمر، وبيان الرأي في كونها عقوبة حدية، أم تعزيزية ثم عقوبة الردة.\rالمبحث الثاني:\rبعض سمات التشريع العقابي في كل من الشريعة والقانون، ويشتمل على ثلاثة مطالب:\rأ: المطلب الأول: أهداف التشريع العقابي، ورعاية ظروف الجاني.\rب: المطلب الثاني: موقف الشريعة والقانون من العقاب على الجريمة منذ نشأة فكرتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233732,"book_id":3632,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":8,"body":"ج: بين الشريعة والقانون في مجال التنظيم العقابي من حيث أحكام البناء التشريعي، وأساس التشريع العقابي، وما يترتب عليه.\rالباب الأول: الشبهات:\rويشتمل على تمهيد وثلاثة فصول.\rأما التمهيد: فيتناول بيان مدى حرص الإسلام على أن يستر الإنسان أخاه.\rالفصل الأول:\rتعريف الشبهة، وبيان الرأي في أعمالها في الحدود، ويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول:\rالمراد بالشبهة عند اللغويين، وفقهاء الشريعة وبيان ما يجري مجرى الشبهة من الشك والنسيان، أو السهو وما يتصل بذلك من حديث عن القاعدتين الأصوليتين: اليقين لا يزال بالشك، والأصل براءة الذمة، وأثر هاتين القاعدتين في التقنينات الحديثة، والفرق بين أعمال كل من هاتين القاعدتين في كل من الفقه الإسللاامي، والقانون الوضعي.\rالمبحث الثاني:\rأثر الشبهة في الحد: وهو عبارة عن بيان ما ذهب إليه كل ممن أعمل الشبهة، ومن لم يعملها ومناقشة ذلك.\rالفصل الثاني:\rالشبهات التي تعتري أركان الجريمة.\rويشتمل على مبحثين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233733,"book_id":3632,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":9,"body":"المبحث الأول:\rالشبهات التي تعتري الركن الشرعي.\rويشتمل على ثلاثة مطالب:\rأ: المطلب الأول: شبهة الدليل.\rب: المطلب الثاني: شبهة الحق.\rج: المطلب الثالث: شبهة الملك.\rوتنقسم هذه الشبهة إلى:\r١- شبهة الملك الخالص.\r٢- شبهة الملك المشترك.\r٣- شبهة إباحة الملك. مع بيان ما قيل في ذلك من آراء.\rالمبحث الثاني:\rالشبهات التي تعتري القصد الجنائي.\rويشتمل على مطلبين:\rأ: المطلب الأول: بيان المراد بالجهل وأقسامه من حيث الاعتداد به في درء العقوبة الحدية من عدمه، مع بيان وجهة نظر فقهاء القانون في الجهل بالأحكام.\rب: المطلب الثاني: بيان المراد بالإرادة، وبيان المراد بالإكراه، وما يعتد به منه في درء العقوبة الحدية.\rالفصل الثالث:\rالإثبات:\rويشتمل تمهيدًا، وثلاثة مباحث:\rالتمهيد: وفيه تعريف الإثبات، وبيان طرقه التي سيعرض لها البحث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233734,"book_id":3632,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":10,"body":"المبحث الأول: الإقرار.\rويشتمل على ثلاثة مطالب:\rأ: المطلب الأول: شروط المقر الذي يعتد بإقراره في إلزامه العقوبة الحدية، وآراء الفقهاء في ذلك.\rب: المطلب الثاني: شروط في الإقرار الذي يعتد به، والقول في الرجوع عنه فيما يتصل بحق الله ﷾.\rج: المطلب الثالث: الإقرار عند فقهاء القانون، ومقارنة ذلك بما جاء عن فقهاء الشريعة.\rالمبحث الثاني: الشهادة.\rويشتمل على مطلبين:\rأ: المطلب الأول: شروط في الشاهد الذي يعتد بشهادته، وما يتصل بذلك من الحديث عن الرؤية، والذكورة والنطق والرأي فيه.\rب: المطلب الثاني: شروط في الشهادة من حيث وضوحها، وإفادتها اليقين، ورأي\rفقهاء الأحناف في مسألة التقادم، وقدرة المشهود عليه على الدفاع عن نفسه، والرأي في ذلك.\rالمبحث الثالث: القرائن.\rمعناها وأعمالها في إثبات الحدود والرأي في ذلك.\rالباب الثاني: الجرائم الحدية.\rالشبهات التي تعتريها، وما لها من أثر في عقوباتها، ويشتمل على خمسة فصول.\rالفصل الأول: جريمة الزنا، وما يتعلق بها من شبهات.\rويشتمل على ثلاثة مباحث:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233735,"book_id":3632,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":11,"body":"المبحث الأول: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة.\rكالوطء بعد النكاح الباطل: وهو كل نكاح لم يصح لا بأصله، ولا بوصفه أو كالوطء بعد النكاح الفاسد: وهو ما كان عقده صحيحًا بأصله دون وصفه.\rالمبحث الثاني: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية، لقيام شبهة في القصد الجنائي، سواء كان ذلك نتيجة جهل الفاعل، بالحكم الشرعي أم بمن وقع عليه الفعل جهلًا يعتد به، أم كان انتقاء القصد الجنائي نتيجة إكراه الفاعل إكراهًا يعتد فه في درء العقوبة، وما ذكره فقهاء القانون بالنسبة لذلك.\rالمبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية، لقيام شبهة في إثباته، ويشمل ذلك الحديث عن اشتراط تعدد الإقرار، وبدء القاضي بالرجم، واشترط أن يكون الشهود أربعة، أن يؤدوا الشهادة في مجلس واحد، وأن يعينوا شريك المشهود عليه، وأن يبدأ الشهود بالرجم.\rالفصل الثاني: جريمة السرقة وما يتعلق بها من شبهات، ويشتمل الحديث عنها عن مبحثين:\rالمبحث الأول: جريمة السرقة الصغرى.\rويشتمل الحديث عنها على مطلبين:\rأ: المطلب الأول: وفيه تعريف السرقة عند اللغويين والفقهاء، والقانونيين مع بين ما بين هذه التعاريف من اتفاق واختلاف.\rب: المطلب الثاني: وفيه بيان أنواع من السرقات اختلف الفقهاء في القول بوجوب الحد بها نظرًا لقيام شبهة من الشبهات، التي تعتري الركن الشرعي لجريمة السرقة، ويشمل ذلك الحديث عما يأتي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233736,"book_id":3632,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":12,"body":"١- كون المسروق محرزًا والخروج به من حرزه.\r٢- بيان الرأي في فعل النشال وما يلزمه به.\r٣- مناقشة ما قيل في ما يلزم النباش.\r٤- سرقة أحد الزوجين من مال الآخر، وما يراه فقهاء القانون في ذلك.\r٥- سرقة المال الذي له فيه شركة أو حق، وحديث عن السرقة من بيت المال. أو المال العام، ورأي فقهاء الشريعة والقانون في حكم ذلك.\r٦- الاشتراك في السرقة صوره، وبيان الرأي فيه.\r٧- سرقة ما اختلف في ماليته.\r٨- الخصومة: آراء الفقهاء في اشتراط قياسها لإيجاب القطع.\rالمبحث الثاني: جريمة السرقة الكبرى \"الحرابة\".\rويشتمل الحديث عنها على مطلبين:\rأ: المطلب الأول: تعريفها عند اللغويين والفقهاء.\rب: المطلب الثاني: سرقات اختلف في وجوب حد الحرابة بها.\rويشتمل ذلك الحديث عما يأتي:\r١- إذا قام بالحرابة جماعة، ولم يبلغ نصيب الفرد منهم نصابًا.\r٢- أخذ المال على سبي المغالبة في مكان آهل بالسكان، ورأي القانون في ذلك.\r٣- من تقع منهم، أو عليهم الحرابة ومناقشة ذلك.\r٤- الحرابة بمشاركة الصبي أو المجنون.\r٥- حرابة القرابة المحرمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233737,"book_id":3632,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":13,"body":"الفصل الثالث:\rجريمة شرب الخمر، وما يتعلق بها من شبهات، ويشتمل الحديث عنها ثلاثة مباحث.\rالمبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي، ويشمل ذلك الحديث عما يأتي:\r١ شرب قليل الأنبذة، وما قيل فيه من آراء.\r٢- وصول الخمر في الجوف عن غير طريق الفم، والرأي في ذلك.\rالمبحث الثاني: شرب الخمر الذي لا يوجب الحد لقيام شبهة في القصد الجنائي، وما ورد من أقوال في ذلك.\rالمبحث الثالث: الشبهات التي تعتري إثبات شرب الخمر.\rالفصل الرابع:\rجريمة القذف، وما يتلعق بها من شبهات، ويشمل الحديث عنها مبحثين:\rالمبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي، ويشمل ذلك الحديث عما يأتي:\r١- القذف عن طريف الكناية، أو التعريض وما ورد في ذلك من آراء.\r٢- الشهادة بالزنا إذا جرح الشهود أو أحدهم.\rالمبحث الثاني: شروط في المقذوف، ويتناول ذلك ما يأتي.\r١- أن يكون بالغًا عاقلًا.\r٢- إسلام المقذوف، وما ذهب إليه ابن حزم.\r٣- عفة المقذوف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233738,"book_id":3632,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":14,"body":"الفصل الخامس:\rجريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات.\rويشتمل الحديث عنها مبحثين:\rالمبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي لجريمة الردة، ويشمل ذلك الحديث عما يأتي:\r١- إذا قال الكافر: لا إله إلا الله ثم رجع إلى ما كان عليه.\r٢- من أسلم وهو سكران.\r٣- من أسلم مكرهًا.\r٤- إسلام الصبي.\r٥- السحر تعليمه وتعلمه.\rالمبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي.\rوذكرت بعد ذلك أثر الشبهات في العقوبة التعزيرية، ثم الخاتمة وقد أبرزت فيها أهم نقاط البحث، ثم ما عن لي من مقترحات، وقد حاولت في كل ما عرضت من قضايا ذكر الاتجاهات الفقهية لأئمة فقه الشريعة الإسلامية مغلبًا ما أراه راجحًا مستدلًا لما أقول، ثم أذكر رأي القانون إذا كانت المسألة التي أتحدث عنها قد تناولها القانونيون، من غير تكلف أو افتعال لتغليب، رأي فقهاء الشريعة، أو لإيجاد وجه شبهه، أو اتفاق بين ما ذكره فقهاء الشريعة، ورجال القانون، إذ إن الفقه الجنائي الإسلامي لا يضيره أن يخالفه الفقه الجنائي الوضعي، ولا يؤكد من كماله أن يأخذ القانونيون بما ذكره من نظريات.\rوقد أشرت إلى مصادر البحث، ومراجعه ذاكرًا أسم مؤلفيها، وطبعتها ودار نشرها إن وجد ذلك، ونظرًا لتعدد الطبعات ودور النشر في بعض ما رجعت إليه نظرًا لارتيادي دور كتب متعددة، وعدم تيسر حصولي على مصادر البحث، ومراجعه بصفة مستقرة، فقد أشرت إلى ذلك في مواضع كثيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233739,"book_id":3632,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":15,"body":"كما أن بعض الآراء الفقهية لم يتيسر لي الوقوف عليها من مراجعها الأصلية لعدم استطاعتي الحصول عليها، فأشرت إلى الكتب التي وجدت فيها هذه الآراء، هذا هو جهدي المتواضع فإن أكن قد وفقت فيه، فالحمد لله ﷾ أولًا وأخيرًا، فهو الموفق والمعين ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ .\rوأن أكن قد قصرت وتعثرت خطواتي، فعذري أن الطريق شاق، ويغفر لي أني طالب علم أنشد المعرفة، جزى الله عني خيرًا كل من دلني عليها. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ ١ وأخيرًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ٢.","footnotes":"١ من الآية ١٠ من سورة الكهف.\r٢ من الآية ٤٣ من سورة الأعراف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233740,"book_id":3632,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":16,"body":"التمهيد\rالفصل الأول: كلمة عامة عن الجريمة في الفقه الإسلامي المقارن\rالمبحث الأول: الجريمة والجناية\rأولا: تعريف الجريمة\r...\rباب: التمهيد\rالفصل الأول: كلمة عامة عن الجريمة في الفقه الإسلامي المقارن\rالمبحث الأول: \"لجريمة والجناية\"\rأولًا: تعريف الجريمة\rجاء في كتب اللغة الجرم: التعدي، والجرم: الذنب والجمع أجرام وجروم، وهو الجريمة، وأجرم فهو مجرم، وأجرم جنى جناية، والجاني والمجرم: المذنب١.\rوفي الحديث الشريف: \"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن أمر لم يحرم، فحرم على الناس من أجل مسألته\" ٢، وفي القرآن الكريم اشتقاقات كثيرة كل منها يحمل في بنائه هذه الأحرف الثلاثة \"جرم\"، وقد غاير كل منها الآخر في معناه ومؤداه، وأن كانت كلها تدور حول معان متقاربة بل ومتداخلة أحيانًا.\rفيقول الله ﷾: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ ٣ ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ٤، ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ ٥، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ","footnotes":"١ لسان العرب، مادة جرم.\r٢ رواه البخاري ومسلم وابن حنبل. معجم ألفاظ الحديث ط لندن.\rصحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، وتكلف ما لا يعنيه جـ٩ ص١١٧. ط دار الشعب \"أبي داود ج٢ ص٥٠٧ ط الحلبي\".\r\"٣، ٤\" ١٢، ١٨ من سورة المائدة.\r٥ الآية ٨٩ من سورة هود.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233741,"book_id":3632,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":17,"body":"جَهَنَّمَ﴾ ١، ﴿قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ ٢، ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيه﴾ ٣.\rفالمشتقات من مادة \"جرم\" في كل هذه الآيات الكريمة، قد دار معناها حول الأذناب، والمخالفة. والنهي للمسلمين عن أن يحملهم البغض، والخلاف حملًا آثمًا مخالفًا لما يأمر به الله ﷾، ويرضاه الدين٤ من هذا كله يتضح أن كلمة جريمة تطلق على كل عمل خالف به فاعله أمر ربه، وحاد به عن الطريق المستقيم وجانب باتيانه، الحق والعدل، مع مراعاة أن الأعمال التي يجرمها الشرع تتفاوت في كمها، وكيفها طبقًا لما وضحه الشرع وبينه.","footnotes":"١ الآية ٧٤ من سورة طه.\r٢ الآية ١١ من سورة المعارج.\r٣ الآية ٢٥ من سورة سبأ.\r٤ القرطبي ج٣ ص٢٠٤٣، ج٤ ص ٣٣١٨، ج٥ ص٤٢٦٧ ط دار الشعب الجريمة للشيخ أبو زهرة ص٢٥ در الفكر، التشريع الجنائي عبد القادر عوده ط ص٦٦ ط دار التراث. والجريمة قد وجدت قبل أن تلمس قدم الأرض، فيقول الله ﷾: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الآيات ١١-١٣] من سورة الأعراف كما وجدت الجريمة من الإنسان منذ عصره الأول، وأول مخالفة هي ما حدث من الإنسان الأول بالاعتداء الذي صدر منه، وزوجه بالأكل من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها.\rالمدخل للفقه الإسلامي لأستاذي الدكتور محمد سلام مدكور ص٧٢٢ ط الرابعة دار النهضة العربية ١٩٦٩م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233742,"book_id":3632,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":18,"body":"كما أن العقاب عليها إما أن يكون عقابًا دنيويًا -بدنيا كان، أو ماليًا أوهما معًا وإما أن يكون عقابًا أخرويًا مرجع الحكم فيه إلى الله ﷾\" \"إن شاء سامح وغفر، وإن شاء عاقب واقتص\". ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١.\rوما خصه الفقهاء من هذا ببحوثهم هو ما يفصل فيه القاضي، ويعاقب عليه سواء أكانت العقوبة حدية، أم تعزيرية.\rوقد وضح ذلك من تعريفهم للجريمة بأنها محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد، أو تعزير٢ وعلى هذا فهي عند الفقهاء أخص منها عند اللغويين.","footnotes":"١ الآية ١٤ من سورة الفتح.\r٢ الأحكام السلطانية للماوردي ص١٩٢ ط الأولى مطبعة السعادة","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233743,"book_id":3632,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":19,"body":"ثانيًا: تعريف الجناية\rهي لغة اسم لما يجنيه المرء من شر اكتسبه، يقال: جنى على قومه جناية أذنب ذنبًا يؤاخذ عليه.\rوأصله من جنى الثمر: وهو أخذه من الشجر، وعو عام، إلا أنه خص بما يحرم من الفعل.\rويسمى مكتسب الشر جانبًا، والذي وقع عليه الشر: مجنيا عليه، فالجناية هي الذنب، والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب العقاب، أو القصاص في الدنيا والآخرة١.","footnotes":"١ لسان العرب ج ١٨ ص١٦٨ الدار المصرية للتأليف، المصباح المنير ج١ ص٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233744,"book_id":3632,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":20,"body":"والجناية في الشرع: اسم لفعل مجرم سواء أكان في مال أو نفس، لكن في عرف الفقهاء: الفعل المؤثم الواقع على النفس والأطراف، سواء أكان قتلًا أم ضربا أم جرحًا، أم غير ذلك.\rوقد خصها بعض الفقهاء بما وقع من جرائم الحدود والقصاص١، وزاد على ذلك بعض فقهاء الأحناف، فأطلقها على كل فعل مجرم سواء أكان في مال أم كان في نفس١.\rوقد اتجه ابن قدامة هذا الاتجاه في تعريفه للجريمة، فأطلقها على كل فعل فيه عدوان على نفس أو مال، ثم أشار إلى ما تعارف عليه الفقهاء من الحنابلة وغيرهم من أنهم خصوا الجريمة بالتعدي على الأبدان بما يوجب قصاصًا، أو غيره٢، فقال: \"لكنها في العرف\" أي عرف الكتاب في الفقه، مخصوصة بما يحصل من التعدي على الأبدان.\rوسموا الجناية على الأموال غصبًا ونهبًا وسرقة، وجناية واتلافًا٣.\rوذكر فقهاء الشافعية أن الجناية أعم من أن تكون قتلًا، أو قطعًا أو جرحًا، فهي تشمل الجنايات على الأموال والأعراض، والأنساب والعقول والأديان٤.\rأما ابن رشد فقد ذهب إلى أن الجنايات التي لها حدود مشروعة هي ما يأتي:","footnotes":"١ تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ج٦ ص٩٧ البحر الرائق \"لابن نجيم ج٨ ص٣٢٧ ط دار المعرفة بيروت.\r٢ كشاف القناع ج٣ ص٣٣٢.\r٣ المغني ج٧ ص٦٢٥ الجريمة للشيخ أبو زهرة ص٦٠-٢٦ ط دار الفكر العربي.\r٤ حاشية الباجوري ج٢ ص٥٢٤ ط الحلبي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233745,"book_id":3632,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":21,"body":"١- جنايات على الأبدان والنفوس، والأعضاء وأشار إليها بما يسمى قتلًا وجرحًا.\r٢- جنايات على الفروج، وهي المسماة زنا وسفاحًا.\r٣- جنايات على الأموال، وهذه ما كان منها مأخوذًا بحرب سمى حرابة إذا كان بغير تأويل، وإن كان بتأويل سمي بغيًا، وما كان منها مأخوذًا على وجه المغافصة١ من حرز يسمى سرقة، وما كان منها يعلو مرتبة، وقوة سلطان سمي غصبًا.\r٤- جنايات على الأعراض، وهي المسماة قذفًا.\r٥- جنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الله من المأكولات والمشروبات، وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في الخمر فقط٢.\rوابن رشد لم يذكر ضمن ما ذكره من الجنايات ما يقع من جنايات على الدين، والعقيدة كما ذكر فقهاء الشافعية.\rواقتصار ابن رشد على ما ذكر هنا ناتج من أنه يتكلم عن الجنايات التي لها حدود مشروعة.\rويبين من هذه التعريفات مدى ما بين الجريمة، والجناية من تطابق، واتفاق عند بعض الفقهاء إلى الحد الذي أصبح به اللفظان عندهم يرادف كل منهما الآخر.\rومن هنا كان إطلاقي لفظ الجريمة في مختلف الموضوعات على كل ما هو مأثم شرعًا خصوصًا، أما جمهور فقهاء الحنابلة، ومن وافقهم فقد","footnotes":"١ المغافصة المفاجأة والأخذ على غرة، المنجد مادة غفص.\r٢ بداية المجتهد ونهاية المقصد لابن رشد ج٢ ص٤٢٦-٤٢٧ ط مكتبة الكليات الأزهرية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233746,"book_id":3632,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":22,"body":"خصوا الجناية يما يقع على الأموال من غصب، وسرقة إتلاف، وخصوا الجريمة بما يقع من تعد على الأبدان.\rأما شراح القانون الوضعي، فإنهم قد قسموا الجريمة إلى جناية وجنحة، ومخالفة الأمر الذي يترتب عليه تخصيص نوع من الجرائم لا يجوز إطلاق جناية عليها عند فقهاء القانون، إذ أنهم قد عرفوا الجريمة بأنها: الفعل أو الترك الذي نص القانون على عقوبة مقررة له، أو أنها: سلوك غير مشروع سواء أكان فعلًا أم امتناعا يمكن إسناده لمرتكبه، ويقرر له القانون عقوبة أو تدبيرًا احترازيًا، وخصوا الجناية من ذلك بأنها ما كان معاقبًا عليه بعقوبات الإعدام، أو الأشغال الشاقة المؤبدة كانت أو مؤقتة، أو السجن، وهذا ما نصت عليه المادة العاشرة من قانون العقوبات، كما أطلقوا على الفعل أو الترك جنحة إذا كان معاقبًا عليه بعقوبة الحبس التي تزيد على أسبوع، أو بالغرامة التي تزيد على جنيه مصري \"المادة ١١\"، فإذا لم يزد الحبس على أسبوع، أو لم تزد الغرامة على جنيه مصري كان الفعل، أو الترك حنيئذ مخالفة طبقًا لما نصت عليه المادة \"١٢\" من قانون العقوبات١.\rويتبين من هذا أن القانونيين يطلقون على السلوك غير المشروع جناية إذا كانت العقوبة المقررة له هي الإعدام، أو الأشغال الشاقة مؤبدة كانت، أو مؤقتة أو السجن.","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات القسم العام لكل من أ. د. محمود مصطفى ص٣٥ ط ١٩٧٤م أ. د. محمود نجيب حسني ص٤٥ سنة ١٩٧٧م، أ. د. أحمد الألفي ص٤٠، ٤٩ ط ١٩٧٧م أ. د. فتحي سرور ١٤٣، التشريع الجنائي للأستاذ عبد القادر عوده ط ص٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233747,"book_id":3632,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":23,"body":"أما جمهور فقهاء الشريعة، فإن الجناية عنةدهم تطلق على كل ما جرم من سلوك فعلًا كان، أو امتناعًا ما دام الإثم قد لزم من قام به حتى ولو لم يترتب على هذا الإثم عقوبة من العقوبات الدنيوية، ومن هنا جاء قول الفقهاء: الجناية على الحج والجناية على الصيام، إلى غير ذلك من العبادات.\rفالجناية هنا بإطلاقها العام تشمل كل ما جرم، بصرف النظر عما يلزم به من وقع منه هذا السلوك.\rمع ملاحظة أن الشريعة الإسلامي قد نصت على عقوبات جرائم معينة وحددتها، وتركت تحديد عقوبات باقي الجرائم لولي الأمر الذي يعالج ذلك بما يتفق، وهدف المشروع وغايته.\rونظرًا لما يعتري المجتمع من ظروف، ومتغيرات لزم ولي الأمر دوام النظر في معالجة ذلك بما يحقق المصلحة التي استهدفهًا المشروع الحكيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233748,"book_id":3632,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":24,"body":"المبحث الثاني: أقسام الجريمة\rالمطلب الأول: أقسام الجريمة باعتبار ما تفع عليه\r...\rالمطلب الأول: أقسام الجريمة باعتبار ما تقع عليه\rما يقع من الجاني قد يصيب المجني عليه إصابة ينتج عنها الإتيان على ما هو ضروري بالنسبة له.\rوقد تقع هذه الجناية على أمر آخر من الأمور الحاجية، أو الأمور التحسينية ومن هنا ينقسم ما يقع من الجاني إلى ما يأتي:\r١- جرائم تقع على الضروريات.\r٢- جرائم تقع على الحاجيات.\r٣- جرائم تقع على التحسينات.\rأولًا: الضروريات هي الأمر المقصودة لذاتها، وما يقع من اعتداء على هذه الأمور الضرورية يعد من أغلظ الجرائم، وأشدها عقابًا، ويتضح فيما يأتي:\rأ: جرائم يقع الأعتداء فيها على أمر لازم لبقاء حياة الإنسان، ووجوده مثل جرائم الاعتداء على النفس الإنسانية بالقتل، أو قطع أحد الأطراف.\rب: جرائم يقع الاعتداء فيها على الفروج كالزنا، وما ينتج عنه من إفساد للحرث والنسل.\rج: جرائم يقع الأعتداء فيها على الأموال، كالسرقة التي هي اعتداء على المال الموجود في حوزة صاحبة بما يعرضه للضياع غالبًا؛ لأن الآخذ يصعب تحديده ودفعه لمجيئه مستترًا.\rد- جرائم يقع الاعتداء فيها على الأنساب والأعراض، كالقذف وما ينتج عنه من إشاعة للفاحشة، وطعن في الأعراض، وما يتبع ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233749,"book_id":3632,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":25,"body":"هـ: جرائم يقع الأعتداء فيها على العقل الذي ميز الله به الإنسان، وجعله منا ط التكليف، فالاعتداء عليه بالكسر، أو غيره اعتداء على أمر ضروري إذ المحافظة عليه حق لله والمجتمع.\rو: جرائم يقع الاعتداء فيها على الدين، وهو من أهم الضروريات والزمها، ومن هذه الجرائم الارتداد والكفر، والزندقة لما ينشأ عنها من إفساد بعد هداية وإصلاح، ولذا فإن مثل هذه الجرائم البغيضة تجب مقاومتها، بقوة وحزم يصلان إلى قتل الجاني.\rثانيًا الحاجيات هي: الأمور التي ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي مصالح لا تنفك عن حاجة الإنسان.\rوما يقع من جرائم على هذه الأمور الحاجية يتضح فيما يلي:\rأ: جرائم يقع الاعتداء فيها على حرية الإنسان، بحسبه أو تقييد فكره.\rب: جرائم يقع الاعتداء فيها على المال، بنهبه أو اغتصابه، فهذه الجرائم تقع على حق التملك، إلا أن الاعتداء فيها يمكن دفعه ويسهل إثباته، ويستطيع ولي الأمر إعادة المال بيسر لوضوح أمر الجاني بخلاف السرقة لتخفي الجاني فيها، ومجيئه مستترًا.\rج: جرائم يقع الأعتداء فيها على العرض بصورة لا تصل حد الزنا، مثل معانقة الأجنبية، وغير ذلك مما يؤدي إلى الجريمة الحدية.\rد: جرائم يقع الاعتداء فيها على العقل، ولكن لا ينتج عنها ذهابه، كتعاطي أنواع من المخدرات لا تصل بمن تعاطاها إلى حد إذهاب العقل إلا أن تعاطيها ما يؤدي إلى الإدمان، وما ينتج عنه.\rهـ: جرائم يقع الاعتداء فيها على الدين، ولكنها لا تصل بمن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233750,"book_id":3632,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":26,"body":"وقعت منه إلى حد الكفر أو الزندقه، وذلك كأن ينسب إلى الدين ما ليس منه مما قد ينفر الناس، أو يشكك في العقيدة.\rثالثًا: الجرائم التي يقع الاعتداء على الأمور التحسينية: مثل ما يقع على الإنسان فيما يمس كرامته بما لا يصل إلى حد القذف، ومثل ما يقع على المال من جرائم يترتب عليها ضياعه كالنصب، وما يماثله، ومثل جرائم كشف الستر والتجسس على الأسرار، والعورات التي تقع بالإنسان، وتلحق به الإيذاء والضرر.\rوأقسام الجريمة باعتبار ما يقع عليه بالصورة التي أوضحتها منها ما يعاقب عليه بأشد العقوبات، وأقساها نظرًا؛ لأنها جرائم وقعت على أمور ضرورية مقصودة لذاتها أكد الشرع على حمايتها، وعدم الاقتراب منها وحدد العقوبة التي تنزل بكل من يعبث بهذه الضروريات.\rومن أقسام الجريمة ما يقع على أمور حاجية، أو وتحسينية وهي جرائم تقع على أمر غير مقصود لذاته، ومثل هذه الجرائم أباح الشارع لولي الأمر أن يضع لها من العقوبات ما يكفل حماية المجتمع وأمنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233751,"book_id":3632,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":27,"body":"المطلب الثاني: أقسام الجريمة باعتبار العقوبة المستحقة\rتختلف الجريمة قوة وضعفًا بقدر ما تحلق بالمجني عليه من ضرر، وبقدر ما تخيف المطمئنين، وتروع المجتمع الهادئ الآمن، وتهدر قيمه ومن هنا اختلف العقوبة المستحقة من جريمة إلى آخرى، ولذا يمكن أن تقسم الجرائم باعتبار العقوبات المترتبة إلى قسمين أساسيين:\rالقسم الأول: جرائم ذات عقوبة محددة من لدن الشارع الحكيم لا تتغير عقوبتها باختلاف زمان، أو مكان طالما وقعت الجريمة، وتحققت شروط إلزام عقوبتها.\rوتنقسم هذه الجرائم المحددة العقوبة إلى:\r١- جرائم حدية إذا ثبتت على الجاني لزمته عقوبتها، ولم يعد لأحد الحق في إسقاط هذه العقوبة، أو استبدال عقوبة أخرى بها.\rوهذه الجرائم هي: \"أ\" الزنا، \"ب\" شرب الخمر عند من يرى أن عقوبتها من العقوبات الحدية، \"ج\" السرقة، \"د\" القذف، \"هـ\" الردة، \"و\" الحرابة.\rويطلق الفقهاء على هذه الجرائم الحدود دون ذكر لفظ الجريمة، وعند الحديث عن العقوبة يذكرون لفظ الجريمة التي يعاقب عليها بعد ذكر كلمة الحد، فيقولون مثلًا: حد الزنا، ويريدون بذلك العقوبة المعاقب بها من أتى جريمة الزنا، وهكذا:\r٢- جرائم القصاص والدية: وهي:\rالقتل العمد، أو شبه العمد، أو الخطأ، والجناية على ما دون النفس عمدًا أو خطأ١.\rفهذه الجرائم كلها جرائم حدد المشرع عقوبتها، وجعل العقوبة فيها حقًا للمعتدى عليه، ثم لورثته من بعده.\rفجرائم القصاص حدد الله ﷾ عقوبتها، فيما جاء به القرآن الكريم من قول الله ﷾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.","footnotes":"١ يقصد بالاعتداء على ما دون النفس الاعتداء الذي لا ينتج عنه موت المعتدى عليه.\r٢ الآية: ١٧٨ من سورة البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233752,"book_id":3632,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":28,"body":"\"أ\" دية تجب أصلًا على القاتل.\r\"ب\" دية تجب بدلًا عن القصاص.\rفالدية التي تجب أصلًا على القاتل هي: دية القتل الخطأ.\rوقد بين رسول الله ﷺ حدودها بأن قضى أن من قتل خطأ، فديته مائة من الإبل١.\rوقدرت الدية بثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، واستمر الأمر كذلك حتى استخلف عمر ﵀ فقام خطيبًا فقال:\r\"ألا إن الإبل قد غلت ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح مقدارًا لم يحفظه من روى ذلك\".\rهذا وغيره مما ذكره المحدثون والفقهاء مطولًا في باب الدية٢، أرى أن يلتزم به كحد أدنى للدية بالنسبة لكل ما تجب فيه الدية سواء أكان نفسًا بشرية أم عضوًا من الأعضاء، أو أكثر مع إمكان الزيادة على هذا المقدار على سبيل التعويض في حالة ما إذا كان الشخص المعتدى عليه ذا قيمة خاصة بين مواطنيه وأقرانه، وكذا بالنسبة للعضو الذي تعرض للتلف بسبب الاعتداء؛ لأن الأعضاء تتفاوت قيمتها من شخص","footnotes":"١ سنن أبي داود ج٢ ص٤٩١-٤٩٢ ط مصطفى الحلبي.\r٢ المراجع السابق. الإسلام عقيدة وشريعة للشيخ شلتوت ص٣٩٩، وما بعدها ط مكتبة الجمهورية العربية، العقوبة للشيخ أبو زهرة ص٦٠٦ وما بعدها ط دار الفكر.\rالنظام العقابي الإسلامي دراسة مقارنة د. أبو المعاطي حافظ ص ٤٢٧، وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233753,"book_id":3632,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":29,"body":"لآخر، إذ أن يد الفارس نفعها أكبر من يد العاطل، وقدم لاعب الكرة مثلًا -التي يعتمد عليها في مهارته- تزيد قيمة الاعتماد عليها عن قدم غيره، وهكذا كل عضو أساسي يعتمد عليه صاحبه أكثر من غيره من ذوي الحرف الأخرى في تحصيل كسبه، وإنقاذ عمله.\rوقد يستأنس لذلك بما روي عن الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- من أنه كان يغلظ الدية الواجبة على الوالد الذي قتل ولده عمدًا١.\rوبما روي عن الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- من أنه كان يغلظ الدية في قتل الخطأ إذا كان القتل قد وقع في الحرم، أو في الأشهر الحرم، أو كان المقتول ذا رحم محرم للقاتل٢.\rوقد روى مثل ذلك أيضًا عن الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه٣.","footnotes":"١ المدونة ج٦ ص٣٠٦-٣٠٧ط ١٣٢٣ هـ.\r٢ يقول الشيرازي: وإن كان القتل في الحرم أو في الأشهر الحرم، أو كان المقتول ذا رحم محرم للقاتل وجبت دية مغلظة، لما روى مجاهد أن عمر -رضي الله تعالى عنه- قضى قتل في الحرم أو في الأشهر الحرم أو محرمًا، بالدية وثلث الدية، وروى أبو النجيح عن عثمان -رضي الله تعالى عنه- أنه قضى في امرأة قتلت في الحرم، فجعل الدية ثمانية آلاف دية وألفين للحرم، وروى نافع بن جبير أن رجلًا قتل في البلد الحرام في الأشهر الحرم، فقال ابن عباس: ديته اثنا عشر ألفًا وللشهر الحرام أربعة آلاف، فكملها عشرين ألفًا، فإن كان القتل في المدينة، ففيه وجهان أحدهما أنه يغلظ.\rالمهذب ج٢ ص١٩٦ ط عيسى الحلبي.\r٣ يقول ابن قدمة: وذكر أصحابنا أن الدية تغلظ بثلاثة أشياء، إذا قتل في الحرم، والشهور الحرم، وإذا قتل محرمًا في الحرم أو في الشهر الحرام، فأما إذا قتل ذا رحم محرم، فقال أبو بكر: تغلظ ديته.\rوقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أننا لا تغلظ.. وعن ابن عمر أنه قال: من قتل في الحرم أو ذا رحم محرم، أو في الشهر الحرام فعليه دية وثلث المغني ج٧ ص٧٧٢-٧٧٤ ط مكتبة الجمهورية العربية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233754,"book_id":3632,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":30,"body":"كما جاء عن فقهاء الشيعة الزيدية ما يفيد تغليظ الدية في بعض الحالات، كما في دية شبه العمد، فتغلظ عندهم في الدراهم، والغنم، والبقر، والحلل بزيادة خمس الدية، واعتبر التغليظ في الإبل بأسنانها١.\rففي كل ما سبق مما ذكره الفقهاء غلظت، وتغليظها وأن كان مرجعه فيما ذكر هو الوصف الذي يربط الجاني بالمجني عليه، أو مراعاة للمكان أو الزمان الذين وقعت فيهما الجريمة، إلا أنه وصف خرجت به الدية عن مقدراها، وزادت عن حدها الواجب للحالات الأخرى التي لم يتوافر فيها وصف من هذه الأوصاف السابقة التي أوردها الفقهاء اجتهادًا، واستئناسًا بذلك أرى أن يلتزم بالقدر الذي حدد دية -كحد أدنى بالنسبة لما تجب فيه الدية نفسًا، أو غيرها ثم بعد ذلك يمكن أن يزاد في الدية الاعتبارات الأخرى يقدرها الإسلام، ويرفع من شأن، ومنزلة من تتوفر فيه هذه الاعتبارات على سبيل التعويض، وأمر ذلك كله متروك تقديره لولي الأمر، ما دام النظر إلى ذلك معتبرًا من باب تقدير العقوبات التعزيرية.\rفما يزيد عن الدية العادية نظرًا؛ لأن من وقع عليه ما يوجب الدية له منزلة خاصة -هو عقوبة تعزيرية يلزم بها الجاني زيادة على العقوبة المقررة من لدن الشارع الحكيم.\rالقسم الثاني: جرائم ليست لها عقوبة محددة، إذ لم يرد نص من الشارع بتقدير عقوبة محددة لها، وإنما ترك لولي الأمر، فهو الذي يضع العقوبة المناسبة لكل جريمة من هذه الجرائم التعزيرية بما يكفل حماية المجتمع، وأمن الفرد والحفاظ على القيم، والفضائل","footnotes":"١ الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير، لشرف الدين بن الحسين بن أحمد اليمني الصنعاني ج٤ ص٢٤٩-٢٥٢ ط مطبعة السعادة سنة ١٣٤٩هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233755,"book_id":3632,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":31,"body":"والأخلاق، ومن ثم يمكن أن تختلف هذه العقوبات باختلاف الزمان والمكان، وكذا باختلاف الأشخاص١.","footnotes":"١ الرأي المعتمد عند فقهاء الأحناف؟؟ أن التعزير عقوبة مفوضة إلى رأي الحاكم من حيث المبدأ، والحاكم يحدد لكل عقوبة حدًا أعلى وحدًا أدنى، والقاضي يختار المناسب من الحدين أو ما بينهما وما يعلم أن الجاني ينزجر به مع النظر إلى حال الجريمة والمجرم، أما بالنسبة للجريمة، فيقول الاسترشمني: \"ينبغي أن ينظر القاضي إلى سببه، فإن كان من جنس ما يجب به الحد، ولم يجب لمانع وعارض يبلغ التعزير أقصى غايته، ولكنه مفوض إلى رأي الإمام فصول الاسترشمني ص١٤، وبالنسبة للمجرم ومراعاة حاله يقول الزيلعي: أنه في تقدير التعزير ينظر إلى أحوال الجانين، فإن من الناس من ينزجر باليسر، ومنهم من لا ينزجر إلا بالكثير، ويرى بعض الأحناف عدم تفويض القاضي في العقوبة التعزيرية لغلبة جهل القضاة، وعدم الرأي فيهم من حيث الدين والدنيا، وقد قال الطرسوسي في شرح منظومة الكنز بحواز التفويض للقاضي المجتهد الذي يعرف الأحكام الشرعية، والذي أرجحه هو أن تقدير العقوبة التعزيرية متروك لولي الأمر يقدره حسب المصلحة.\rونظرًا؛ لأن ولي الأمر غالبًا ما يكون من غير المختصين في أمور التشريع، فإنه يختار لذلك من هو أهله من العلماء المتخصصين، ويجعل لكل عقوبة حدًا أعلى، وحدًا أدنى والقاضي مفوض حينئذ في اختيار العقوبة المناسبة من بين ما قدره\rولي الأمر، كما أنه لا يجوز أن يلي القضاء من يجهل الأحكام الشرعية هذا، والراجح عند الحنفية هو الذي عليه المالكية، وهو ما رآه الشافعية والحنابلة كل\rذلك إذا لم يكن التعزير بالضرب، فإذا كان التعزير ضربًا، فولي الأمر مقيد\rبحيث لا يزيد ما حدده الفقهاء فيما ذكروه.\rابن عابدين ٣/ ١٨٣، السندوق ٧/ ٦٠٣-٦٠٥، تبصرة الحكام ٢/ ٣٦٦، نهاية المحتاج ٧/ ١٧٤-١٧٥ الماوردي ص٢٢٤، السياسة الشرعية ص٥٣، الحسبة ص٣٨، د. عبد العزيز عامر: التعزير ط ٣٩٣-٤٠١ الإسلام عقيدة وشريعة، الشيخ محمود شلتوت ص ٣١١ ط دار الشرق النظام العقابي الإسلامي. د. أبو المعاطي حافظ ص٤٧٣-٤٧٤","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233756,"book_id":3632,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":32,"body":"والتقسم السابق للجرائم المبني على أساس تقدير العقوبة، أو عدم تقديرها يظهر أثره بالنسبة للجرائم، وعقوبتها من حيثيات مختلفة.\rأما بالنسبة لجرائم القسم الأول، وعقوبتها فإن منها جرائم لا يجوز العفو عنها إذا بلغت الحاكم حتى ولو لم يحكم فيها.\rومنها ما أجاز فقهاء الشافعية، وابن قدامة العفو فيها حتى وإن رفع الأمر للقاضي نظرًا؛ لأن الحق للآدمي، وتلزم مطالبته١.\rأما الجرائم التي لا يجوز العفو عمن ارتكبها إذا بلغت الحاكم، فمثل جريمة الزنا، وجريمة شرب الخمر عند من يرى أن عقوبتها من العقوبات الحدية.\rأما جريمة القذف، فإن هناك من الفقهاء من أجاز العفو عن الجاني مطلقًا رفعت إلى القاضي، وحكم فيها أو لم يحكم فيها، بشرط أن يكون العفو خالصًا لوجه الله.\rومن الفقهاء من قيد العفو فيها بكونه قد وجد قبل صدور الحكم، أما إذا وجد بعد صدور الحكم فلا أثر له؛ لأنه بعد الحكم في جريمة القذف أصبح الاستيفاء حقًا لله تعالى، ولم","footnotes":"١ ذهب فقهاء الشافعية إلى أن عفو المقذوف يسقط الحد عن القاذف؛ لأن ما يجب بالقذف من حد، وتعزير هو حق للمقذوف يستوفي إذا طلبه، ويسقط إذا عفى عنه، ووافقهم في ذلك ابن قدامة؛ لأن الحق في إسقاط عقوبة القذف لا يستوفى إلا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه. المهذب ج٢ ص٢٧٤ المغني ج٨ ص٢٦٩ أما فقهاء الأحناف، فإنهم لم يجيزوا إسقاط عقوبة القذف بعفو المقذوف إذا ثبتت -الجريمة بالحجة، بدائع الصنائع ج٩ ص٤٦٠١ مطبعة الإمام بالقلعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233757,"book_id":3632,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":33,"body":"يعد للمقذوف حق حينئذ، وبين القائلون بعدم قيام أثر للعفو رأيهم بقولهم: إن حقوق العباد بطريق المماثلة، إما صورة ومعنى، وإما معنى لا صورة؛ لأنها تجب بمقابلة المحل جبرًا، والجبر لا يحصل إلا بالمثل ولا مماثلة بين الحد والقذف لا صورة ولا معنى، فلا يكون حقه ولا ينفي كونه حقًا لله تعالى اشتراط الدعوى من المقذوف١.\rوالذي أميل إليه أنه إذا كان إثبات الجريمة بالبينة، وقد حكم القاضي بالعقوبة الحدية، فلا أثر لعفو المقذوف حينئذ، لكون الحق أصبح لله تعالى خالصًا أما إذا كان عفو المقذوف قبل حكم القاضي بالعقوبة الحدية، فإن ذلك العفو ينتج أثره، ولا يلزم الجاني بالعقوبة الحدية، نظرًا لانعدام المطالبة وطلبًا للستر على المقذوف؛ لأن في إنقاذ الحد على القاذف زيادة أعلام بما كان منه من قذف، وهو أمر مطلوب دفعه، ومنعه وإزالته، أما جرائم القصاص فإن العفو فيها ممكن، سواء قبل رفع الدعوى أو بعد رفعها قبل صدور الحكم، أو بعد صدوره؛ لأن الحق الغالب هنا هو حق العبد٢.\rأما بالنسبة لأثر العفو في جريمة السرقة، فإن ما رود عن النبي ﷺ قد أفاد جواز عفو المسروق منه عن السارق قبل رفع الأمر إلى القاضي، أما بعد رفع الأمر للقاضي، فلا أثر للعفو حينئذ، لما روي من أن رجلًا جاء\rبسارق ردائه إلى النبي ﷺ فأمر النبي بالسارق أن يقطع، فقال من جاء به: لم أرد هذا، ردائي عليه صدقة، فقال رسول الله ﷺ: \"فهلا قبل أن تأتيني\"","footnotes":"١ بدائع الصنائع للكاساني ج٩ ص٤٢٠٣ مطبعة الإمام بالقلعة.\rفتح القدير لابن الهمام ج٥ ص٣٢٧ ج الحلبي.\r٢ لمرجع السابق، الأم للإمام الشافعي ج٦ ص١٣ط دار الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233758,"book_id":3632,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":34,"body":"قال الشوكاني: هذا الحديث رواه الخمسة إلا الترمذي١، أما فقهاء\rالشيعة الزيدية، فقد ورد عنهم أن مما يسقط القطع عن السارق عفو المسروق منه، فإذا كان المال المسروق مملوكًا لشخص واحد، وعفا عن السارق سقط القطع، وإن ألزم السارق رد المال.\rأما لو كان المال المسروق مملوكًا لجماعة، فقد اشترط فقهاء الشيعة الزيدية لإسقاط القطع، أن يكون العفو عن السارق قد صدر عن جميع الخصوم الذين لهم حق في المال المسروق، حتى ولو طلبوا رد المال، ولو لم يكن نصيب كل واحد منهم إلا دون النصاب.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص١٤٥، وذهب الإمام أبو حنيفة، ومحمد إلى أن السارق إذا\rوهب المسروق بعد القضاء، وقبل الإمضاء سقط عنه الحد، وقد ردوا على ما\rذهب إليه أبو يوسف من القول بوجوب القطع استنادًا لما جاء به الحديث المذكور: بأن لا حجة لأبي يوسف فيه؛ لأن المروي قوله: هو عليه صدقة وقوله: \"هو\" يحتمل أنه أراد به المسروق، ويحتمل أنه أراد به القطع، وهبة القطع لا\rتسقط الحد: يدل عليه أنه روى في بعض الرويات أنه قال: وهبت القطع. وكذا يحتمل أنه تصدق عليه بالمسروق، أو وهبة منه، ولكنه لم يقبضه والقطع إنما يسقط بالهبة مع القبض: بدائع الصنائع ج٩ ص٤٢٧٩.\rوما ذهب إليه أبو حنيفة، ومحمد بعيد الاحتمال: إذ كيف يتصور أن المسروق منه يهب القطع؟ وأما ما قالاه من أن بعض الروايات قد جاءت بذلك، فهي رويات لرواة اختلط عليهم الأمر، وأمثال هؤلاء لا يعتد برواياتهم هذه في أمور التشريع الخاصة بالحدود، أما قولهما بأنه تصدق عليهم بالمسروق، أو وهبه ولكنه لم يقبضه، فهو قول لا تنهض به حجة؛ لأنه لو أمكن إسقاط القطع في مثل ذلك بالهبة لأمضى ذلك الرسول قبض الموهوب، أو لم يقبض؛ لأنه لا يتصور من الرسول قطع يد لتأخر قبض الموهوب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233759,"book_id":3632,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":35,"body":"وعلى هذا، فلو عفا البعض وتمسك البعض لزم السارق القطع.\rوأجابوا عما يمكن أن يوجه إليهم من اعتراض مصدره أنهم فرقوا بين عفو أحد الشركاء هنا، وبين عفو أحد الشركاء في استحقاق القصاص إذ أنهم قالوا بأن عفو أحد الشركاء في استحقاق القصاص، إذ أنهم قالو بأن عفو أحد الشركاء في القصاص يترتب عليه إسقاطه أجابوا بقولهم: أن الشركاء في القصاص لا يستحق كل منهم إلا البعض، والقصاص لا يتبعض لذا، فإنه يسقط بعفو أحد الشركاء.\rأما القطع، فإنه لكل واحد من الشركاء ثبت له بهتك حرزه١.\rهذا ما قاله فقهاء الشيعة الزيدية، وإن كنت أخالفهم الرأي نظرًا؛ لأنهم لم يذكروا سندهم الذي اعتمدوا عليه في القول بذلك.\rكما أن الحديث السابق يدل دلالة قاطعة على عكس ما قالوا به، وذهبوا إليه إذ أن المسروق منه لما وجد أن السارق ستقطع يده، بادر بالعفو عنه ووهبه ما سرقه، ومع ذلك أجابه الرسول ﷺ بقوله: \"هلا قبل أن تأتيني\".\rوهذا ولا شك بين واضح في إثبات ما دامت الخصومة قد وجدت، وقضى في القضية، وحكم على السارق بالقطع.\rفلا عبرة بعد ذلك بعفو المسروق منه؛ لأن الحق في القطع وإنفاذه حينئذ أصبح لله ﷾: وحق الله تعالى هنا لا يجوز التنازل عنه.","footnotes":"١ شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٤ ط حجازي سنة ١٣٥٧ هـ التاج المذهب لأحكام المذهب، لأحمد بن القاسم العنسي اليمني الصنعاني ج٤ ص٣٢٨ ط، أولى عيسى الحلبي، ويراجع ما جاء من أقوال الفقهاء في اشتراط النصاب من عدمه نيل الأوطار ج٧ ص١٤١-١٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233760,"book_id":3632,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":36,"body":"وما بقي للآدمي بعد الحكم بالعقوبة هو ملكيته لما سرق منه إن شاء طالب به، وإن شاء تنازل عنه.\rأما بالنسبة لجرائم القسم الثاني، وهي الجرائم التعزيرية، فإن منها جرائم لا تقبل العفو فيها -وعفو المجني عليه في هذه الجرائم، وإن كان لا يسقط العقوبة كلية، إلا أنه يعد من الظروف المخففة عن الجاني.\rوالجرائم التي لا تقبل العفو فيها -مع اعتبار العفو فيها ظرفًا مخففًا هي الجرائم التي تمس حقوق المجتمع.\rأما الجرائم التي تقع على الأفراد، ويعاقب عليها تعزيريا، فإن من حق هؤلاء الأفراد الذين وقعت عليهم أن يعفو عما يمسهم، ويتصل بحقوقهم، وللقاضي بعد ذلك أن يعفو عن الجاني كلية.\rفإذا لم يعف الأفراد عما يتصل بحقوقهم من الجرائم التعزيرية، فإن للقاضي أن يعفو عن الجاني إذا رأى أن ذلك أصلح للمجتمع، وأنفع وهذا ما ذهب إليه فقهاء الشافعية١.\rأما ما عليه الجمهور، فإنه لا يجوز للقاضي أن يعفو عما يتصل بحقوق العباد من جرائم تعزيرية إلا بموافقتهم٢.\rثانيًا: مدى ما للقاضي من سلطة حيال العقوبة الحدية\rذهب فقهاء أهل السنة، ومن وافقهم إلى أن جرائم القسم الأول ذات العقوبة المحددة، إذا رفع أمرها للقاضي، وثبتت عنده لم يكن له","footnotes":"١ أسنى المطالب ج٤ ص١٦٢-١٦٣، نهاية المحتاج ج٧ ص١٧٥.\r٢ حاشية ابن عابدين ج٣ ص١٨٨ تبصرة الحكام لابن فرحون على هامش فتح العلي المالك ج٢ ص ٣٦٩، مواهب الجليل ج ٦ ص ٣٢٠ المغني ج١٠ ص ٣٤٩ يراجع التعزير الدكتور عبد العزيز عامر ص ٤١٤-٤٢٥ التشريع الجنائي ج١ ص ٨١-٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233761,"book_id":3632,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":37,"body":"سوى الحكم بعقوبتها، وإنفاذها على الجاني عملًا بقول الرسول ﷺ: \"تخافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب\"، كما بين ذلك رسول الله ﷺ في قوله: \"إنما أهلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفس محمد بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها\" ١، فقد أفاد الحديث بجانب التسوية بين الناس \"الزام السارق الحد\"، فالسيدة فاطمة -رضي الله تعالى عنها-، وهي من أشراف القوم وسادتهم بين ﷺ أنه لو كان منها هذه الجناية الحدية لإلزمها العقوبة، وأقامها عليها، ولم يكن له وهو النبي الموحي إليه بالشرع أن يعفي أحب الناس إليه من العقوبة الحدية إذا لزمتها.\rأما فقهاء الشيعة الزيدية، فقد أجازوا للإمام إسقاط الحدود عن بعض الناس إذا كان ذلك لمصلحة.\rوله أيضا تأخيرها إلى وقت آخر لمصلحة، كما أجاز بعضهم للإمام إسقاط القصاص إذا كان فيه مصلحة٢.\rوالقائلون بذلك لم يقدموا دليلًا على ما ذهبوا إليه سوى ما ساقوه من أن النبي ﷺ، أخر قتل بني قينقاع حين طلب ذلك منه عبد الله بن أبي أكثر من مرة.\rودليلهم هذا وإن صلح الاستدلال به على جواز تأخير إقامة الحد لمصلحة ما -وهذه قضية لا خلاف عليها؛ لأن النبي ﷺ قد أخر إقامة بعض الحدود لظروف خاصة بمن سيقام عليها الحد-٣","footnotes":"١ نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص١٤٨ المعني ج٨ ص٢٤١ فتح القدير ج٥ ص٢١٢.\r٢ شرح الأزهار ج ٤ ص٣٣٤.\r٣ سنن أبي داود ج ٢ ص٤٦١-٤٦٣ نيل الأوطار ج٧ ص١٢٥-١٢٨ الروض النضير ج٤ ص٢٠١-٢٠٣ ط أولى السعادة سنة ١٣٤٩ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233762,"book_id":3632,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":38,"body":"إن صلح الاستدلال بذلك على تأخير إقامة الحد، فإنه لا يصلح دليلًا على جواز إسقاط الحدود بعد لزومها، بل هو دليل على إلزام الحد إذا وجهت اقامته، وثبتت على الجاني جنايته.\rأما جرائم القسم الثاني ذات العقوبة التعزيرية، فقد خول الشرع الشريف لولي الأمر فيها سلطات واسعة، بحيث يلائم بين الجريمة، وعقوبتها بما يراه رادعًا للجاني محققًا أمن المجتمع، مراعيًا لكل ما يحيط بالجريمة، والمجرم من ظروف وملابسات، وبخاصة في الجرائم التي يترتب عليها حق لأحد الأفراد.\rأما إذا ترتب على الجريمة حق لأحد الأفراد، كان على ولي الأمر مراعاة هذا الحق بدقة، وإلزام الجاني بما يكفل لصاحب الحق استيفاء حقه١، ويلاحظ في ذلك كله أن يكون دافع القاضي مراعاة الله ﷾، وإصلاح شأن الأمة.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣٤٥-٣٤٦ ط الحلبي.\rالتشريع الجنائي الإسلامي للأستاذ عبد القادر عوده ط٨٢ ط بيروت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233763,"book_id":3632,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":39,"body":"المطلب الثالث: أقسام الجريمة باعتبار الحق المعتدى عليه\rتنقسم الجريمة باعتبار المعتدى عليه إلى أقسام عدة١ منها ما يأتي:","footnotes":"١ ذكر الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور أن للحق في اللغة العربية عدة معان، كلها ترجع إلى الثبوت والوجوب، ثم ذكر أن الشرعيين لم يصطلحوا على تفسير خاص للحق اكتفاء بمعناه اللغوي، ونقل سيادته بعض تعريفات لفقهاء معاصرين يقول الأستاذ الشيخ علي الخفيف: وهو مصلحة مستحقة شرعًا -مذكرات لطلبة الدراسات العليا ص٣٦.\rوعرفه الأستاذ الزرقا بأنه: \"اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفًا\"، الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ج٢ ص١١.\rأما عن أقسام الحق، فتختلف تبعًا لاختلاف المعنى الذي يدور عليه التقسيم باعتبار من يضاف إليه قسمه الأحناف، ومن تابعهم إلى قسمين:\rحق الله، وحق العبد: وفرعوًا منهما قسمين آخرين: هما ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله غالب، أو حق العبد غالب.\rوعرف فقهاء الأخناف حق الله بأنه ما يتعلق به النفع العام للعامل، وحفظ النظام العام فيه، ونسبته إلى الله على وجه التعظيم، والاهتمام به وليصير من النظام بالتعبير القانوني.\rويعرفون حق العبد بأنه ما تتعلق به مصلحة خاصة دنيوية، كحرمة مال الغير، وهي الحقوق التي تتعلق بالأفراد، وليس للنظام العام فيها دخل، وهي قريبة من المسائل التي ينظمها القانون الخاص في القولين الوضعية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233764,"book_id":3632,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":40,"body":"أولًا جرائم يقع الاعتداء، فيها على حق الله تعالى، وهو الحق الذي يخص المجتمع، ويتعلق به الصالح العام.\rوالجرائم التي تقع على هذا الحق تلحق ضررًا عامًا بأمن المجتمع، وسلامته مع ما تحمله في طيها من اعتداء على شخص، أو أكثر من أفراد المجتمع، غير أن الشارع قد نظر إلى ما في هذا النوع من الجرائم من ضرر عام، وعنى به وقدمه عند محاكمة الجاني، وإلزامه العقوبة.\rوالاهتمام بهذا الحق العام أهتمام للشخص ورعاية له، كما أن تغليب الحق العام ينتج فوائد جمة، ويحقق مصالح الجميع.\rكما أن مثل هذه الجرائم تعامل معاملة خاصة من حيث الشكل القضائي، وسمات العقوبة ولزومها للجاني، وعدم جواز العفو عنه، إلى آخر ما يترتب على ذلك، فجريمة الزنا مثلًا قد تقع بين رجل لم","footnotes":"وقسم فقهاء الأحناف الحق إلى:\rأ: حق الله الخاص: وهو الذي لا يملك أحد إسقاطه، والذي نقابله في القوانين الوضعية ما يعرف بالنظام العام الذي تمثله النيابة العامة، ومنه عقوبات الحدود عدا حد القذف.\rب: حق العبد الخالص: وهو ما شرع لمصلحة دنيوية خاصة بالفرد كحق الدية -وبدل المتلف، والمغصوب، وحق الشفعة، وحق المشترى في تملك المبيع، والبائع في تملك الثمن.\rج: ما اجتمع فيه الحقان وحق الله غالب: وهو حد القذف وإن كان الكاساني من فقهاء الأحناف قد عد حد القذف من الحقوق الخالصة لله، فلا يسقط بالعفو من العبد، وقد روي عن أبي يوسف أنه يسقط بالعفو \"التوضيح والتلويح ج٣ ص١٧٨\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233765,"book_id":3632,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":41,"body":"يسبق له الزواج وامرأة مثله غير متزوجة، ولا يوجد في قرابتها أحد، وفي مكان يجوز أن لا ينكر عليهما أحد ممن فيه هذا الفعل، كما أنهما أتيا هذه الجريمة عن رغبة واختيار، ففي ظل ذلك كله قد خلت الجريمة في الظاهر عن الاعتداء الشخصي، ولكنها مع ذلك لم تخل عن الاعتداء على حق المجتمع الإسلامي بصفة خاصة، والمجتمع الإنساني بصفة عامة، فهذه الجريمة قد خالفت ما عليه السلوكي، والأخلاقي من وحهة النظر الإسلامي بصفة خاصة، ووقع بقيامها اعتداء على الأعراض مما يعرض نظام الحياة إلى الخلل والفوضى.\rلذا تولى المشروع الحكيم بيان كل ما يحيط بهذه الجريمة، وتحديده تحديدًا بينا من أول أفعالها حتى تنفيذ العقوبة بمن وقعت منه هذه الجريمة، وما ماثلها من جرائم متعلقة بالاعتداء على المجتمع، والواقعة على الحق العام.\rثانيًا: جرائم يقع الاعتداء فيها على حق الله ﷾، وحق للعبد غير أن حق العبد هنا غلبه الشرع وقدمه.\rومن هنا فمع أن الله ﷾ هو الذي تولى تحديد عقاب مثل ذلك من جرائم القصاص، وما دار في فلكها، وحدد سمات التقاضي فيها، وبين العقوبة وأمر بإنفاذها بالصورة التي حددها، مع ذلك فإن المشرع الحكيم مراعاة منه لحق العبد المعتدى عليه، وأوليائه من بعده.\rجعل لهم حق إسقاط هذه العقوبة التي حكم بها على الجاني إذا أرادوا ذلك وطلبوه، سواء عوضوا عنه أو لم يعوضوا.\rوما ذلك من الشارع إلا مراعاة لما للعبد من حق، فإذا عفا صاحب الحق اعتبر عفوة، وترتب عليه إسقاط العقوبة عن الجاني، لتحقق هدف المشرع من شفاء صد المجني عليه، وراحة نفسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233766,"book_id":3632,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":42,"body":"أما في النوع الأول، وهو الاعتداء على حق خالق لله خالص بالمجتمع، فالضرر قد وقع عامًا، ولذا فإنه لا يقبل عفو من وقع عليه الضرر المباشر؛ لأن دائرة من أصيبوا بالضرر قد تخطت حدود من أصيب مباشرة بالجريمة، وشملت المجتمع بأسره، ولا يتصور العفو من كل فرد في المجتمع عما أصابه حتى، وإن أمكن تصور ذلك فإنه قد بقي الاعتداء على حق الله ﷾، وليس من سلطان لأحد حينئذ بحيث يعفو عن الجاني أو يسامحه؛ لأن ذلك لله وحده.\rثالثًا: جرائم يقع الاعتداء فيها على حق الله ﷾، وحق للعبد غير أن حق العبد المعتدى عليه، وإن كان ظاهرًا وواضحًا، إلا أن حق الله ﷾ قد غلبه، وذلك كما في جريمة القذف، فهذه الجريمة وقع الاعتداء فيها على حق الله ﷾، وحق للعبد.\rغير أن المشروع غلب حق الله ﷾ لما يترتب على هذه الجريمة من إشاعة الفاحشة، والتشكيك في الأعراض والأنساب.\rلذا فإن أمر هذه الجريمة إذا وصل إلى القاضي، فلا شفاعة ولا عفو ولكن لا بد من إنفاذ العقوبة المقدرة عقابًا لمن أجرم بقذفه غيره، هذا في الدنيا ولقد أخبر الله سبحانه عن عذاب القاذف أيضًا في الآخرة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.\rبل إن من الفقهاء من ذهب إلى عد جريمة القذف من الجرائم","footnotes":"١ الآية ١٩ من سورة النور.\r٢ الآية ٢٣ من سورة النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233767,"book_id":3632,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":43,"body":"التي يقع الاعتداء فيها على حق خالص لله ﷾، ووجهة نظر فقهاء الأحناف في قولهم بذلك أن حقوق العباد هي التي تجب فيها العقوبة بطريق المماثلة بين ما وقع من الجاني، وما يعاقب به، كما هو الحال في جرائم القصاص، أما ما لا تجب فيه العقوبة على أساس المماثلة بين الجريمة، وما يلزم به الجاني، فإنها كلها جنايات وقعت على حق الله، وكل جناية يرجع فسادها إلى العامة، ومنفعة جزائها تعود إلى العامة، يكون الجزاء الواجب فيها حقا لله تعالى عز شأنه على الخلوص، تأكيدًا للنفع والدفع كيلا يسقط بإسقاط العبد، وهو معنى نسبة هذه الحقوق إلى الله ﵎، وهذا المعنى موجود في حد القذف؛ لأن مصلحة الصيانة ودفع الفساد يحصل للعامة بإقامة هذا الحد، فكان حق الله تعالى عز شأنه على الخلوص كسائر الحدود، إلا أن الشرع شرط فيها الدعوى من المقذوف، وهذا لا ينفي كونه حق لله ﷿ شأنه على الخلوص كحد السرقة، لا ينفي أنه خالص حق لله تعالى عز شأنه اشتراط الدعوى فيه. ولأن المقذوف يطالب القاذف ظاهرًا، وغالبًا دفعا للعار عن نفسه، فيحصل ما هو المقصود من شرع الحد؛ ولأن حقوق العباد تجب بطريق المماثلة إما صورة ومعنى، وإما معنى لا صورة؛ لأنها تجب بمقابلة المحل جبرًا، والجبر لا يحصل إلا بالمثل، ولا مماثلة بين الحد والقذف لا صورة ولا معنى، فلا يكون حقه.\rوأما حقوق الله ﷾، فلا تعتبر فيها المماثلة؛ لأنهما تجب جزاء للفعل كسائر الحدود١.\rوتعليل فقهاء الأحناف هذا، وإن كان له وجاهته إلا أنه غير ما عليه الجمهور، كما أنه لا بد من مراعاة ما بين الجرائم من مغايرة من حيث ما يتبع من إجراءات التقاضي؛ لأنها أمور جوهرية، ولازمة لا بد","footnotes":"١ البدائع للكسائي ج٩ ص٤٢٠٣ مطبعة الإمام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233768,"book_id":3632,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":44,"body":"من مراعاتها، وهذه الأمور الإجرائية تنتج نوعًا من الفروق بين الجرائم الحدية بعضها البعض.\rوتظهر أن منها ما تقام الدعوى فيه حسبة، ومنها ما لا تقام الدعوى فيه كذلك، وإنما لا بد من أن ترفع من المجني عليه.\rوهذه كلها أمور يترتب عليها كثير من النتائج، كما أن المقذوف قد يحجم عنه رفع الدعوى صيانة لعونه، عن أن تلوكه الألسنة، ويشاع ما قدف به.\rوفي هذه الحالة لا تقام الدعوى الحدية على الجاني، ولا يلزم بعقوبة جنائية.\rهذه هي أقسام الجريمة باعتبار الحق المعتدى عليه، الوثيقة الصلة بموضوع هذا البحث.\rولكل قسم من هذه الأقسام سماته الخاصة التي يغاير غيره من باقي الأقسام فيها كلها أو في بعضها، وهذه المغايرة يترتب عليها بعض الآثار، والمحصلات من حيث:\rأ: لزوم الخصومة أو عدم لزومها.\rب: مواصفات الإثبات.\rج: التقادم وما يترتب عليه.\rد: التوبة وما ينتج عنها من آثار.\r\"أ- الخصومة وممن تشترط\"\rإذا كان الحق المعتدى عليه حقًا خالصًا لله ﷾، فإن الخصومة غير لازمة، بمعنى أنه لا يلزم لإقامة الحد أن يطالب به فرد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233769,"book_id":3632,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":45,"body":"من الأفراد، ويكفي أن تثبت الجريمة على الجاني عند القاضي سواء أكان عن طريق المحتسب، أم إقرار الجاني مثلًا.\rأما إذا كان الحق المعتدى عليه للعبد حق فيه، فإن أبا حنيفة، والشافعي، وابن حنبل يشترطون قيام الخصومة ممن له نصيب في الحق المعتدى عليه، فإذا لم توجد الخصومة، فلا يلزم الجاني بالعقوبة الحدية حتى وإن أقر على نفسه، فلو جاء سارق مقرًا بجريمته، فإنهم لا يلزمونه الحد إلا إذا قامت الخصومة؛ لأن قيام الخصومة عندهم شرط لظهور السرقة، والخصم هو المسروق منه، فلا بد من حضوره مخاصمًا السارق؛ لأن المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن مالكه أباحه إياه أو وقفه على المسلمين، أو على طائفة السارق منهم، أو أذن له في دخول حرزه، فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة١.\rأما الإمام مالك وأبو ثور، فإنهما يريان أن السارق يقطع، ولا يفتقر إلى دعوى ولا مطالبة، إذ إن قيام الخصومة عندهما ليست بشرط لاسيتفاء الحد.\rوأكثر من ذلك يرى أن الإمام مالك أن السارق إذا جاء مقرًا بسرقته، فكذبه رب المال المسروق، فإن السارق يقطع أيضًا ويصير المتاع المسروق للسارق، إلا أن يدعيه ربه بعد ذلك.\rوكذا يقطع السارق إذا أخذ في الليل المتاع المسروق، وقال السارق: رب المتاع أوصلني لأخذه، فلا يصدق ولو صدقه رب المتاع أنه أرسله لكنه إذا أتى بما يشبه، فإنه يصدق ولا يقطع، بأن دخل من مداخل الناس","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٤٠٠ط الحلبي، مغني المحتاج ج٤ ص١٧٦ المغني ج٨ ص٢٨٥-٢٨٦، ج٩ ص٢١٥-٢١٦ط مكتبة الجمهورية العربية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233770,"book_id":3632,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":46,"body":"وخرج من مخارجهم في وقت يشبه أنه أرسله فيه١.\rوما ذهب إليه الأئمة أبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل هو ما أرجحه لقيام شبهة الإباحة، فقد يكون المال المسروق قد أباحه مالكه للسارق، أو جعل له حقًا فيه.\rواستنادًا لما روي من أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إني سرقت جملًا لبني فلان، فطهرني فأرسل رسول الله ﷺ إليهم، إنا افتقدنا جملًا لنا، فأمر به النبي ﷺ فقطعت يده٢.\rفلو لم تكن الخصومة شرطًا لإقامة الحد هنا لما أرسل النبي ﷺ لأصحاب الجمل حتي يحضروا، ويسألهم فيؤكدوا ما وقع تأكيدًا على سبيل الخصومة.\rب- مواصفات الإثبات:\rحدد الشارع الحكيم طريق إثبات الجرائم الحدية تحديدًا لا مجال معه لإضافة أو انتقاص، فقد بين عدد شهود إثبات كل جريمة ومواصفاتهم، وصيغة شهادتهم، وبين الأقرار وحدد ما يكون به ملزمًا كل ذلك وما يتعلق به، وصحة الشارع بطريقة لم يرد عن فقيه من الفقهاء إن قال بما يغايرها، كل ما هنالك أن منهم من حاول التدقيق التماسًا للشبهة، ودفعًا للعقوبة.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٩٥، ٩٦ ط بيروت، شرح الزرقاني على مختصر خليل ج٨ ص٩٧ ط الأميرية.\r٢ رواه ابن ماجه في سننه ج٢ ص٨٦٣ باب السارق يعترف وزاد عليه: قال ثعلبة أنا انظر إليه حين قطعت يده، وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233771,"book_id":3632,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":47,"body":"فقد اشترط فقهاء الأحناف لإثبات الجريمة المتعلقة بحق الله ﷾ عن طريق الإقرار، أن يكون إقراره بعد الشهود الذين حدد الشارع عددهم لإثبات الجناية الحدية.\rفقد نقل عنهم: فلما أوجب سبحانه في الشهادة على الزنا أربعة على خلاف المعتاد في غيره، فكذا يعتبر في إقراره، إنزالًا لكل إقرار منزلة شهادة واحدة، ولو لم يكن ذلك لكان القياس يقتضيه١.\rوقولهم: \"إن كل ما يسقط بالرجوع عن الإقرار، فعدد الإقرار فيه كعدد الشهود٢، وفقهاء الأحناف لم يشترطوا ذلك في الإقرار بحق العبد\"٣.\rوما ذهب إليه فقهاء الأحناف هنا لم يتشرطه الإمام مالك، والإمام الشافعي سواء أكنت الجناية قد وقعت على حق خالص لله ﷾، أم على حق شاركه فيه العبد٤.\rكما أن الإمام الشافعي قد أجاز إثبات جناية القذف بنكول القاذف عن اليمين، وألزمه العقوبة الحدية بنكوله٥.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٢١ ط الحلبي.\r٢ بدائع \"الصنائع للكاساني ج٤ ص٥٠.\r٣ يقول الكاساني: وأما العدد في الإقرار بالقذف، فليس بشرط بالإجماع البدائع ج٧ ص٥٦.\r٤ يقول ابن رشد: \"أما عدد الإقرار الذي يجب به الحد، فإن مالكًا والشافعي يقولان يكفي في وجوب الحد اعترافه به مرة واحدة، وبه قال داود، وأبو ثور الطبري وجماعة، بداية المجتهد ج٢ ص٤٧٣ مغني المحتاج ج٤ ص١٥٠.\r٥ حكى ذلك الشيخ أبو زهرة في كتابه الجريمة ص٧٥ مستدلًا عليه بروايات أوردها عن الكاساني، يرجع إلى تفصيل القول في الحكم بالنكول إلى كتاب القضاء في الإسلام للأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور، فقد فصل القول في ذلك ص٨٩، ٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233772,"book_id":3632,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":48,"body":"هذا ما ذهب إليه الفقهاء، في اعتبار التسوية بين عدد الشهود، وعدد مرات الإقرار تسوية لازمة.\rأما من حيث الرجوع عن الإقرار، فإن فقهاء الأحناف والحنابلة قد رأوا أن الرجوع عن الإقرار يسقط الحد الواجب على من اعتدى على حق من حقوق الله ﷾.\rأما جمهور فقهاء الشافعية، فقد نقل عنهم: أن المقر إذا أقر بحق لله تعالى لا يسقط بالشبهة، ثم رجع في إقراره لم يقبل رجوعه؛ لأنه قد أقر بحق ثبت لغيره، فلم يعد يملك إسقاطه بغير رضاه، وإن أقر بحق لله ﷿ يسقط بالشبهة نظر، فإن كان حد الزنا، أو حد الشرب قبل رجوعه١.\rأما الإمام مالك، فقد فصل القول في ذلك بأنه إذا كان الرجوع لشبهة قبل، وأما إن كان إلى غير شبهة فقد وردت عنه، روايتان إحداهما يقبل وهي الرواية المشهورة، والثانية لا يقبل رجوعه٢.\rوقد ذهب ابن أبي ليلى٣، وأبو ثور٤ وغيرهما إلى عدم","footnotes":"١ المهذب ج٢ ص٢٤٥، مغني المحتاج ج٤ ص١٥٠.\r٢ بداية المجتهد ج٢ ص٤٧٤ ط المنياوي، الموطأ ص٢٤٥ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.\r٣ محمد بن عبد الرحمن، أنصاري كوفي فقيه، قاضي الكوفة ومن أصحاب الرأي، له أخبار مع الإمام أبي حنيفة، وغيره توفى بالكوفة عام ١٤٨هـ.\r٤ إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الفقيه، صاحب الإمام الشافعي، قال ابن حيان: كان أحد أئمة الدنيا فقها، وعلمًا، وفضلًا. صنف الكتب ونوع الفروع على السنن توفي ببغداد سنة ٢٤٠ هـ سنة ٨٥٤م، الإعلام للزركلي ص ١٢ المطبعة العربية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233773,"book_id":3632,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":49,"body":"قبول الرجوع عن الإقرار بذلك، نظرًا؛ لأنه حق ثبت بالإقرار، فلا يسقط بالرجوع كالقصاص وحد القذف.\rوما ذهبوا إليه مردود بما روي أن النبي ﷺ قد عرض للمقر بالرجوع بإعراضه عنه، ولو لم يكن لذلك التعريض فائدته لما فعله النبي ﷺ-١، وسيأتي الحديث عن ذلك مفصلًا عند بيان الرأي في الرجوع عن الإقرار٢.\rهذا بالنسبة للرجوع عن الإقرار بحق من حقوق الله ﷾، أما الرجوع عن الإقرار بحق العبد، فإنه لا يلتفت إليه، ولا يسقط ما ألزم المقر به نفسه.\rوفرق من أسقط بالرجوع عن الإقرار حق الله ﷾، ولم يسقط بالرجوع حق العبد، بأن الرجوع في الأول خبر يحتمل الصدق، وليس أحد يكذبه فيه، فتتحقق به الشبهة في الإقرار السابق عليه، فيندرئ بالشبهة؛ لأنه أرجح من الإقرار السابق.\rبخلاف ما فيه حق العبد من القصاص وحد القذف؛ لأن العبد يكذبه في أخباره الثاني، فينعدم أثره في إخباره الأول بالكلية٣.\rج- التقادم وما يترتب عليه:\rقبل نظر الدعوى أو الحكم فيها، أو بعد صدور الحكم.\rأ: يراد بالتقادم هنا أن تمضي مدة كان يمكن للمدعي أن يتقدم","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص١٥٠ المهذب ج٢ ص٣٤٥ بداية المجتهد ج٢ ص٤٧٤.\r٢ الفصل الثالث من الباب الأول من هذا البحث.\r٣ المهذب ج٢ ص٣٤٥، فتح القدير ج٥ ص٢٢٣، الجريمة للشيخ أبو زهرة ص٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233774,"book_id":3632,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":50,"body":"خلالها بدعواه للقاضي لم يتقدم بها، مع عدم وجود مانع يمنعه١.\rوالفقهاء قد فرقوا حينئذ بين أن قيام الدعوى حسبة، أو من المجني عليه، ويتم إثباتها عن طريق البينة، وبين أن يكون الجاني هو الذي أتى مقرًا بجنايته رافعًا أمره للقاضي طالبًا تطهير نفسه.\rوقد رأي الفقهاء عدا ابن أبي ليلى أن التقادم لا يؤثر إذا جاء الجاني مقرًا على نفسه بجنايته؛ لأنه والحالة هذه يسند لنفسه ما يلزمه العقوبة الحدية التي قد يترتب عليها القضاء عليه، ومثل من يقدم على ذلك لا يتصور منه الكذب على نفسه.\rهذا بالنسبة للإقرار بالجرائم الحدية المتقادمة عدا جريمة شرب الخمر، إذ إن الإمام أبو حنيفة، وصاحبه أبو يوسف قد رأيا أن","footnotes":"١ يرى الإمام أبو حنيفة أن تحديد المدة التي يعد مرورها تقادمًا أمر متروك لرأي القاضي في كل عصر يقدره، حسبما تقتضي الوقائع والأحوال؛ لأن ما يعد تقادمًا في وقعة معينة ببلد معين قد لا يعد تقادمًا في بلد آخر بالنسبة لنفس الواقعة إذا اتحدت ظروفهما، أو اختلف وكذا إذا تغايرت الوقائع، والأمر في رأيي يحتاج إلى قواعد ثابتة حتى ولو اختلفت في بلد عن آخر، حتى لا يصبح الأمر عرضة، لأن يتلاعب فيه تحت ضغط حاكم، أو صاحب سلطة، وقد نقل عن أبي يوسف أن المدة المعتبرة تقادمًا في رأيه شهر، ويرى محمد أنها ستة أشهر، أو مفوضة إلى رأي القاضي، فتح القدير ج٥ ص٢٨٢، ٣٠٣ البحر الرائق ج٥ ص٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233775,"book_id":3632,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":51,"body":"الإقرار بها متقادمة لا يترتب عليه إلزام المقر بها عقوبتها الحدية١.\rومن الفقهاء من يرى أن الحدود جميعها تسقط بالتقادم، فلا تقام عقوبتها المقدرة على الجاني سواء أجاء مقرًا بجنايته المتقادمة، أم أقيمت عليه الدعوى، وتم إثباتها بالبينة.\rوأساس ذلك القول عند من يراه: أن الهدف من إقامة الحدود هو الردع، والزجر للجاني وغيره، وذلك -في رأي من قال بهذا القول- لن يتحقق إلا إذا أقيمت العقوبة الحدية فور وقع الجريمة الموجهة لها.\rكما أن التأخير -في رأيهم- قد يتأتى معه توبة الجاني، وإقراره بجنايته بعد فوات مدة تعد تقادما عليها، ما هو إلا دليل على توبته، وطلبه التطهير من كل ما علق به، حتى وإن كانت نتائجه إزهاق روحه.\rوعقاب من أصحاب هذه حالة عقاب لنفس ثابت، وأنابت وعادت إلى رشدها، وأتبعت طريق ربها وهديه٢.","footnotes":"١ وقولهما هذا أخذا بما قاله ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- ولم يوافقه فيه حد من بقية الصحابة رضوان الله عليهم أجميعن، إذ أنه يرى أنه يشترط أن يؤتى بالشارب، وأثر الخمر ما زال قائمًا، أو أن يقر بجنايته وأثرها ما زال موجودًا.\rفتح القدير ج٥ ص٢١٦-٢٢٢، ص ٢٧٩ وما بعدها، ص٣٠٢-٣٠٤ البحر الرائق ج٥ ص٢٢، ٢٩، ج٨ ص٢٠٧.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٢٧٩ ط مصطفى الحلبي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233776,"book_id":3632,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":52,"body":"وهذا الرأي، وإن كانت له وجاهته مما جعل الماوردي١، وأبا يعلي٢ وابن قيم الجوزية٣ يرونه، إلا أنه رأي يحتاج إلى دليل؛ لأن القول بأن الهدف من الحدود هو الردع، والزجر لم يسلم به كل الفقهاء كما سيأتي.\rكما أن مسألة التوبة هذه لا تصلح شبهة لدرء الحد؛ لأن ادعاءها أمر يسهل على الجاني، والتحقق من صدقه أمر غير ميسور؛ لأن ذلك سر بين العبد وربه، ولا يلعم السر أو يحصل ما في الصدور إلا الله.","footnotes":"١ أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، أقضى قضاة عصره من العلماء الباحثين أصحاب التصانيف الكثيرة النافعة، ولد في البصرة سنة ٣٦٤هـ ٩٧٤م، وانتقل إلى بغداد، كان يميل إلى الاعتزال، وكانت له مكانة رفيعة عند الخلفاء توفى في بغداد سنة ٤٥٠ هـ، ١٠٥٨م من كتبه أدب الدنيا والدين، والأحكام السلطانية الحاوي في فقه الشافعية نيف وعشرون جزءًا.\rالأعلام للزركلي ج٢ ص٦٩٠.\r٢ محمد أبو الحسين بن محد بن خلف بن الفراء أبو يعلي المعروف بالقاضي الكبير، فقيه حنبلي له مؤلفاته الكثيرة، منها أحكام القرآن، وعيون المسائل والأحكام السلطانية توفي سنة ٤٥٨هـ.\r٣ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعيد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله شمس الدين من أركان الإصلاح الإسلامي، واحد كبار العلماء ولد في دمشق سنة ٩٦١هـ ١٢٩٢م تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، وهو الذي نشر عليه وسجن معه في قلعة دمشق كان حسن الخلق محبوب -عند الناس، له تصانيف كثيرة، منها أعلام الموقعين، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية زاد المعاد، مفتاح السعادة، أخبار النساء توفى في دمشق سنة ٧٥١هـ، ١٣٥٠م الأعلام للزركلي ج٣ ص٨٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233777,"book_id":3632,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":53,"body":"ولو كان الأمر، كما رأى أصحاب هذا الرأي، الذي يسقط الحدود بالتقادم لسأل رسول الله ﷺ، من جاءه معترفًا بالزنا متى زنيت لجواز أن يكون إقراره بزنا قديم، لكنه لم يسأله، وليست هناك قرينة تدل على حداثة الواقعة كما أن هذا المقر لا يشك أحد في توبته؛ لأن رسول الله ﷺ قد أخبر أن توبته لو تابها أهل مكس١ لغفر لهم، ومع ذلك أقيم عليه الحد هذا هو أثر التقادم في الإقرار بالجناية الحدية المتقادمة.\rأما إقامة دعوى بالجناية المتقادمة، وإثبات هذه الجناية الحدية، عن طريق البينة، فللفقهاء فيها آراء.\r١- يرى فقهاء الأحناف، وابن أبي ليلى القول بعدم سماع شهادة على جريمة حدية قيدمة، وقع الاعتداء فيها على حق من حقوق الله ﷾، وذلك؛ لأن الشهادة بهذه الجرائم تؤدي حسبة، ولا يلزم أن يسبقها دعوى من أحد، فإذا تأخر الشهود من غير عذر مقبول، حامت الشبهات حول شهادتهم، وشهادة مثل هذه لا يثبت بها حد من حدود الله سبحانه وتعالى٢.\rأما الجرائم الحدية القديمة التي تتعلق بحق العبد، فإن الشهادة تسمح فيها وتثبت الجناية بها، ويلزم الجاني بما يترتب على جناية.\rوذلك مبني على أساس أن مثل هذه الجرائم يلزم أن تقام الدعوى","footnotes":"١ مكس بفتح الميم وسكون الكاف بعدها: هو من يتولى الضرائب التي تؤخذ من الناس بغير حق، والمكس النقص والظلم، نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص١٢٤-١٢٨ ط مصطفى الحلبي.\r٢ روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: أيما شهود شهدوا على حد لم يشهدوا عنه حضرته، فإنما شهدوا على ضغن، فلا شهادة لهم. فتح القدير ج٥ ص٢٧٩، البحر الرائق ج٥ ص٢١، ٢٢ ط بيروت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233778,"book_id":3632,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":54,"body":"بها من جانب الحق المعتدى عليه حتى يمكن أن تسمح الدعوى، والشهادة بها.\rوعلى هذا فإن تأخر قيام الدعوى من جانب المجني عليه، لا يعد مطعنًا في صحة ما يدلي به الشهود، ولا تقوم به شبهة في شهادتهم١.\r٢- يرى الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد بصحة سماع الشهادة على الجرائم الحدية القديمة، والحكم بمقتضاها بالعقوبة الحدية، سواء أوقعت هذه الجريمة الحدية المتقادمة على حق من حقوق الله ﷾، أم على حق من حقوق العبد.\rأما بالنسبة لسماع الشهادة بالجريمة الحدية المتقادمة الواقعة على حق العبد، والاعتداد بها، فقد سبق الحديث عنه، ولم يختلف الفقهاء عليه أما بالنسبة لما وقع على حق من حقو الله ﷾، فإن الأئمة مالكا والشافعي، وابن حنبل قد قاسوه بما وقع على حقوق العبد.\rوقالوا: ما دام التقادم لا يمنع سماع الشهادة بما وقع من جرائم حدية على حق من حقوق العباد، والاعتداد بها في إلزام الجاني بالعقوبة الحدية المقررة لجنايته، فإنه لا يوجد ما يمنع سماعها أيضًا في حقوق الله ﷾، ما دام الشهود عدولًا غير مطعون في عدالتهم.\rوالتأخير وحده في آداء الشهادة لا يكفي لرد شهادتهم، وعدم الاعتداد بها٢.","footnotes":"١ المرجعين السابقين، المغني ج٩ ص٢١٥، الخرشي ج٧ ص١٨٧ اللباب في شرح الكتاب للميداني ج٣ ص٥٨ ط صبيح سنة ١٩٣٥م البدائع للكاساني ج٧ ص٤٦، ٤٧ ط الجمالية سنة ١٣٢٨هـ.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٢٧٩، المغني ج٨ ص٢٠٧ المهذب ج٢ ص٢٢٦ الخرشي ج٧ ص١٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233779,"book_id":3632,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":55,"body":"وقياس أصحاب هذا الرأي حقوق الله ﷾ على حقوق العباد في جواز سماع الشهادة بالجناية المتقادمة، والعمل بمقتضاها قياس فيه نظر.\rوذلك؛ لأن الإعتداء على حق من حقوق الله ﷾، يمكن أن تقام الدعوى به حسبة، بخلاف الاعتداء على حق العبد، فالتأخير إذا كان في قيام الدعوى إذا اعتدى على حق من حقوق الله ﷾، مع انعدام ما يبرر التأخير، يورث شبهة، ويوجد شكا.\rوالحدود تدرأ بالشبهات.\rكما أن الشهود لو طلبوا لأداء الشهادة بجناية حدية، وقعت على حق العبد، فتأخروا في الحضور دون سبب مقبول لتأخرهم، ثم جاءوا بعد مرور مدة تعد تقادمًا، فإن شهادتهم والحالة هذه تصبح مشوبة بشك، وشبهة، فهم متهمون -لذا، فإنه لا تثبت بها الجريمة الحدية، ولا يلزم بها عقوبة مقدرة، وكل ما يلزم بها في جريمة السرقة هو رد المال فقط، ولا يلزم بها حد في باقي الجرائم الحدية. لقيام الشبهة في الشهادة المتأخرة، هذا مع عدم تحقق التهمة بالنسبة للشهود، أما إذا تحققت التهمة، فإن شهادتهم ترد لاتهامهم بها شيء من مال، أو حد١.\rب- آراء الفقهاء في تنفيذ الحكم المتقادم:\rذهب الإمام أبو حنيفة، والصاحبان إلى أن تأخير تنفيذ الحكم بالعقوبة الحدية، التي ألزم بها الجاني نتيجة شهادة الشهود عليه بجنايته التي ارتكبها باعتدائه على حق الله تعالى الخالصة بترتب على هذا التأخير منع إقامة هذه العقوبة الحدية.","footnotes":"١ البحر الرائق ج٥ ص٢٢، فتح القدير ج٥ ص٢٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233780,"book_id":3632,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":56,"body":"أما إذا كانت الجناية قد وقعت على حق من حقوق العباد، فإن تأخير تنفيذ العقوبة الحدية لا يترتب عليه أي أثر، ويلزم الجاني بها متى أمكن تنفيذها عليه.\rوقد بنى الإمام أبو حنيفة، ومن وافقه قولهم هذا على أساس أن الإمضاء عندهم من القضاء بحقوق الله ﷾، بخلاف حقوق الآدميين، كما أن الحاكم بلا شبهة، وعلى هذا فإن الاستيفاء من تتمة القضاء، أو هو هنا إذا لم يحتج إلى التلفظ بلفظ القضاء حتى جاز له الاستبقاء من غير تلفظ به، بخلافه في حقوق العباد، فإنه فيها لإعلام من له الحق بحقية حقه، وتمكينه من استيفائه، وإذا كان كذلك كان قيام الشهادة شرطًا حال الاستيفاء، كما هو شرط حال القضاء بقح العباد إجماعًا، وبالتقادم لم تبق الشهادة، فلا يصح هذا القضاء الذي هو الاستيفاء، فانتفيى الاستيفاء١.\rأما الإمام مالك، والشافعي وابن حنبل، وزفر من فقهاء الأحناف، ومن وافقهم وهم الجمهور، فإنهم قد نفوا وجود أي أثر لتقادم الحكم يمنع تنفيذه متى أمكن التنفيذ على الجاني، ما دام لم يطرأ رجوع من الشهود عن شهادتهم التي أدين الجاني على أساس قيامها صحيحة متكاملة الأركان، والشروط عند نظر القضية أمام القاضي، فإذا حكم القاضي بالعقوبة الحدية، ولم يرجع الشهود عن شهادتهم لزمت الجاني العقوبة الحدية، متى أمكن تنفيذها عليه، ولا علاقة عندهم بين الاستيفاء","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٨١ ط الحلبي، البحر الرائق ج٥ ص٢٢ ط بيروت.\rحاشية ابن عابد ج٣ ص٢١٨ ط الأميرية، التشريع الجنائي عبد القادر عوده ص٧٣٨-٧٨٠ ط دار التراث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233781,"book_id":3632,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":57,"body":"وحضور الشهود، أو غيابهم وكذا حياتهم أو موتهم؛ لأن المعول عليه عندهم هو قيام الشهادة على الجناية الحدية قيامًا صحيحًا حال القضاء، واستمرار ذلك دون رجوع من الشهود كما في الإقرار.\rأما إذا رجع الشهود عن شهادتهم، فإن رجوعهم هذا يترتب عليه وقف تنفيذ العقوبة الحدية، كما في الرجوع عن الإقرار أيضًا١، وسيأتي بيان ذلك مفصلًا٢.\rوما ذهب إليه جمهور الفقهاء هو الذي يناسب طبيعة العقوبة الجنائية، ويلائم أحوال الناس، وظروف الحياة.\rلأن إلزام الشهود بالحضور في أوقات متعددة فيه إثقال عليهم، وتعطيل لمصالحهم، ومدعاة وتحريض على عدم الإقدام على تحمل الشهادة، والإدلاء بها.\rوهذا أمر ملحوظ في الحياة اليومية إذ يقع كثير من الجرائم، والأحداث تحت سمع وبصر العامة، ولا يحاول أحد أن يمد يده ليمنعها حتى ولو بأداء الشهادة على الجاني، نظرًا لما يتبع ذلك من إلزام بالحضور للإدلاء بأقواله وشهادته بما رأى، وغالبًا ما يصيبه بسبب كثرة استدعائه للإدلاء بأقواله ضرر جسيم وتعطيل وإرهاق، ولهذا فإنه إذا حضر الشاهد، وأدى شهادته وحكم بمقتضاها، فليس هناك ما يدعو، لأن تلزمه بما لا يطيقه، وأن تشترط وجوده عند التنفيذ أيضًا، وعلى الأخص","footnotes":"١ بداية المجتهد ج٢ ص٤٧٤، شرح الزرقاني على مختصر خليل ج٨ ص٨١ ط الأميرية الخرشي ج٨ ص٨٠، المهذب ج٢ ص٣٤٥، المغني ج٨ ص١٩٧ فتح القدير ج٥ ص٢٢٣، ص٢٨١، البحر الرائق ج٥ ص٢٢- مباني تكملة المنهاج لأبي القاسم الموسوي ج١ ص١٧٦ ط النجف الأشرف.\r٢ الباب الأول الفصل الثالث من هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233782,"book_id":3632,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":58,"body":"إذا تقادم الأمر؛ لأن ذلك يوقع الإضرار به، ويدعوه إلى أن يكتم شهادته.\rبالإضافة إلى أن الفقهاء قد تحروا الدقة في طرق إثبات الجنايات الحدية إلى الحد الذي يكاد ينعدم فيه ذلك عن طريق شهادة الشهود.\rوقد ذهب الشيخ أبو زهرة إلى محاولة تغليب وجهة نظر الإمام أبو حنيفة، والصاحبين بقوله: ولعل الأولى أن تقول: إن التأخير عن التنفيذ يكون مظنه توبة المرتكب، والحكم في ذاته زجر، والناس يتزجرون بصدوره، وما يريد الله تعالى عذاب عبيده، ولكن يريد إصلاح قلوبهم ويطهر جمعهم، ولعلهم قاسوا حال التأخير في التنفيذ حتى هرب، ولم يعد إلا بعد زمن، بحال رجوع المقر في إقراره بعد الحكم، وقبل التنفيذ١.\rوهذا القول فيه نظر إذ إن الشيخ أبو زهرة قد بنى تغليب وجهة نظر الإمام، والصاحبيين على أساس أن من هرب مدة تعد تقادمًا قد انصلح قلبه، وبذا يكون الهدف قد تحقق، فلم يبق هناك داع لإقامة الحد الذي وصفه بأنه عذاب. إذ كيف يكون الهرب دليلًا على الصلاح؟\rكما أنه لو كان إصلاح القلب هو هدف العقوبة وحده، لكان من انصلح قلبه من غير هروب بالعفو عنه ممن هرب حتى انصلح قلبه.\rهذا مع أن إصلاح القلب -وهو أمر لا يستطيع الوقوف عليه إلا من أعلمه الله- لا يكفي وحده لإسقاط العقوبة الحدية عمن لزمته، ولا أدل على ذلك مما سبق من أن رسول الله ﷺ قد","footnotes":"١ العقوبة للشيخ أبو زهرة ص٢٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233783,"book_id":3632,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":59,"body":"أقام الحد على أشخاص، أخبر بأنهم قد تابوا توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم.\rالتقادم وأثره في القانون الوضعي:\rتحديث فقهاء القانون الوضعي عن التقادم، وأثره في إسقاط الاتهام في الدعوى، وإسقاط العقوبة المحكوم بها، وإن كانوا قد فرقوا بين المدة المعتبرة تقادمًا مسقطًا بالنسبة للحاليين، وكذا بالنسبة لكل عقوبة، فقد نصت المادة ١٥ من قانون الإجراءات الجنائية على ما يأتي:\rتنقضي الدعوى الجنائية في مواد الجنايات بمضي عشر سنين من يوم وقوع الجريمة، وفي مواد الجنح بمضي ثلاث سنين، وفي مواد المخالفات بمضي سنة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.\rكما نصت المادة ٥٢٨ من قانون الإجراءات الجنائية على ما يأتي:\rتسقط العقوبة المحكوم بها في جناية بمضي عشر سنين ميلادية إلا عقوبة الإعدام، فإنها تسقط بمضي ثلاثين سنة، وتسقط العقوبة المحكوم بها في جنحة بمضي خمس سنين، وتسقط العقوبة المحكوم بها في مخالفة بمضي سنتين١، هذا وإن التقى أثر التقادم في القانون مع ما قرره فقهاء الشريعة إلا أن هناك فروقًا جوهريرة سأشير إليها فيما يأتي:","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات أ. د. محمود مصطفى ص٦٧٢-٦٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233784,"book_id":3632,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":60,"body":"التقادم بين الشريعة والقانون:\rتمثل الفروق الجوهرية بين مقالة فقهاء الشريعة، ورجال القانون في التقادم، وما له من أثر، فيما يأتي:\rأولًا: من حيث المادة المعتبرة تقادمًا:\rوضح مما سبق عرضه أن من الفقهاء من حدد مدة معينة للتقادم تصل في أقصاها إلى ستة أشهر، وقد ذهب الإمام أبو حنيفة، ومن رافقه إلى أن تحديد المدة المعتبرة تقادمًا أمر متروك للقاضي، أو لولي الأمر بقدراته حسبما تقتضي الوقائع والأحوال١.\rأما رجال القانون، فقد حددوا المدة المعتبرة تقادمًا سواء أكان ذلك بالنسبة لانقضاءالدعوى، أم بالنسبة لإسقاط العقوبة تحديدًا وضح منه مدى القارق الزمني ما حدده بعض الفقهاء، وما حدده القانون٢.\rوإن كان الإمام أبو حنيفة، ومن وافقه قد ترك الأمر في التحديد لولي الأمر، أو القاضي ولم ينص على مدة معينة.\rوما ذهب إليه أبو حنيفة له وجاهته، إذ أنه قد عالج الأمر علاجًا مناسبًا لاحظ فيه الوقائع والأشخاص.\rورجال القانون وإن لاحظوا فيما حددوه اختلاف المدة المعتبرة تقادمًا باختلاف التكييف القانوني للواقعة، إلا أنهم قد ساووا بين الأشخاص والبلاد، ولم يراعوا اختلاف الطبائع والعادات، ويبين","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٨٢، ٣٠٣ البحر الرائق ج٥ ص٢٩.\r٢ شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د. محمود مصطفى ص٦٧٢-٦٧٥ ط سنة ١٩٧٤م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233785,"book_id":3632,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":61,"body":"مما سبق أيضًا أن فقهاء الشريعة لم يفرقوا بين المدة المعتبرة تقادمًا مسقطًا لإقامة الدعوى، وما يعد مسقطًا للعقوبة الحدية المحكوم بها، إلا ما جاء خاصًا بجناية شرب الخمر كما سبق.\rأما رجال القانون، فإنهم قد فرقوا بين ما يعد تقادما مؤثرًا في إسقاط الدعوى، وبين ما يعد تقادمًا مؤثرا في إسقاط العقوبة المحكموم بها، بل غرقوا أيضا فيما يؤثر في الحالين باعتبار الكيف القانوني للواقعة والعقوبة؟\rوهذا الأمر يحتاج إلى إعادة نظر، وتقنين يناسب كل واقعة، وظروفها بشرط أن\rيوكل ذلك لذويه، وأن يباعد بينه وبين الرغبات التي قد تخرجه عن إطار تحري العدالة.\rثانيًا: باعتبار ما وقع عليه السلوك الإجرامي\rوضح مما سبق أن الجرائم الحدية التي وقع الاعتداء فيها على حق من حقوق العباد لا تتأثر بالتقادم، سواء من حيث سماع الدعوى، أو من حيث إلزام الجاني بما حكم به من عقوبة حدية، وإن تقادم الحكم لا يؤثر ما دام لم يوجد ما ينقضه من انتقاض في الإثبات، أو غيره عدا التقادم.\rأما ما وقع فيه الاعتداء حق من حقوق الله ﷾، وجاء إثباته عن طريق شهادة الشهود، فقد ذهب فقهاء الأحناف، وابن أبي ليلى أن مثل ذلك يؤثر فيه التقادم سواء في سماع الدعوى به، أو في تنفيذ الحكم المتقادم الناتج عنه.\rأما فقهاء القانون، فإنهم لم يفرقوا بين ما وقع عليه السلوك الإجرامي من حيث هو حق للفرد أم للمجتمع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233786,"book_id":3632,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":62,"body":"فالسلوك الإجرامي بصفة عامة عند فقهاء القانون خاضع لتأثير التقادم فيه، كل ما هنالك اختلاف ما يعد تقادمًا مؤثرًا بإختلاف وصف هذا السلوك، ونوع العقوبة المحددة له.\rولا يخفى ما في هذا السلوك الذي سلكه القانون من إضاعة كثير من حقوق الآدميين، الأمر الذي يترتب عليه غرس الاضطراب، وعوامل الفوضي بين صفوف المجتمع، وإشاعة الأحقاد فيه.\rثالثًا: من حيث التلازم بين عدم سماع الدعوى\rوزوال آثار الجريمة، من ذهب من فقهاء الشريعة إلى عدم سماع الدعوى في جريمة من الجرائم المتقادمة التي وقع الاعتداء فيها على حق من حقوق الله ﷾، لم يقل بإسقاط كل ما للجريمة من آثار بالنسبة للجاني.\rفمن لم يلزم الجاني في جريمة الزنا -إذا تقادمت- العقوبة الحدية لا يلزم الشهود الذين جاءوا يشهدون عليه بها -بعد فوات مدة تعد تقادمًا- عقوبة القذف.\rوذلك؛ لأن الجريمة وإن سقطت إقامة الدعوى بها لتقادمها إلا أن آثارها باقية. لذا فلا تقوم في حق الشهود عليها جريمة قذف للجاني.\rأما فقهاء القانون، فإنهم يرون أن إسقاط الدعوى يسقط معه كل آثارهما أما إسقاط العقوبة، فإن من أسبابه ما يقتصر على إسقاط العقوبة فقط، وتبقى الآثار، ومنها ما يمحو كل الآثار الجنائية١.","footnotes":"١ أ. د. محمود مصطفى أن الدعوى الجنائية تسقط بأسباب: منها ما هو خاص ببعض الجرائم التي يعلق تحريك الدعوى، والسير فبها على إرادة صاحب الشأن كما أن الزنا، والسرقة بين الأصول والفروع، ومنها ما هو عام مثل وفاة المتهم والعفو عن الجريمة، ومضي المدة.\r= ثم يقول:\rالأسباب العامة التي ينقضي بها العقوبة منها ما يقتصر أثره على إسقاط العقوبة، وهي وفاة المحكوم عليه، ومضي المدة والعفو عن العقوبة، ومن الأسباب: ما يكون أبعد أثرًا فيمحو الحكم، ويزيل الآثار الجنائية: وهي العفو عن الجريمة \"العفو الشامل\" ورد الاعتبار، القسم العام ص٦٧٢ وما بعدها، الإجراءات الجنائية فقرة ٩٨- وما بعدها، ١٠٤، ٤١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233787,"book_id":3632,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":63,"body":"رابعًا: من حيث إمكان إلزام الجاني عقوبة من نوع آخر\rذهب من يعمل أثرًا للتقادم من فقهاء الشريعة الإسلامية إلى أن من سقطت الدعوى بالجريمة الحدية في حقه، أو زالت عنه العقوبة الحدية المحكوم عليه بها، لتقادم ذلك بالنسبة له، يمكن للقاضي أن يلزمه بعقوبة تعزيرية حسبما يرى. فسقوط سماع الدعوى، أو إلزام العقوبة للتقادم، لا ينفي حق القاضي في إلزام الجاني عقوبة من العقوبات التعزيرية المناسبة.\rأما فقهاء القانون، فلا يرون مثل ذلك، إذ أن من سقط سماع الدعوى في حقه، أو زالت عنه العقوبة للتقادم لا يمكن للقاضي أن يلزمه بعقوبة أخرى نظير جنايته، أو العقوبة التي سقطت لتقادم أي منهما.\rولا يخفى ما في النظم العقابي الذي أخذ به فقهاء الشريعة في هذا الموضوع من علاج، وإصلاح للمجرم.\rإذ أن تركه بلا أي عقاب، قد يكون فيه بالنسبة لكثير من المجرمين تحريض على الجريمة، واستساغة لها طالما قد أعفي، ونجا من كل عقوبة بأمر من القانون نفسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233788,"book_id":3632,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":64,"body":"د: التوبة وما ينتج عنها من آثار\rالجرائم: التي يأتيها الجاني إما أن تكون جرائم تعزيرية، أو جرائم حدية.\rوالجرائم التعزيرية قد فوض الشارع فيها ولي الأمر في اختيار ما يناسب كل جريمة، ومن جناها من العقوبات.\rوعلى هذا فإن ولي الأمر إذا رأى أن الجاني قد تاب توبة ظهرت أماراتها، فإن له أن يعفو عنه، ويكفي ما كان من أمر إحضاره، أو حضوره لمجلس القضاء، ويطالب بما للآدميين من أموال، إن كانت جنايته قد أتت عليها إلا أن يسامحوه فيها.\rيدل على قبول التوبة، وإسقاط العقوبة التعزيرية بها ما ورد من أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا، فأقمه علي، ولم يسأله الرسول، وحضرت الصلاة، فصلى الرجل مع النبي ﷺ فلما انتهت الصلاة، قام الرجل، وقال: يا رسول الله إني أصبت حد، فأقم علي ما في كتاب الله قال ﷺ: \"أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو حدك\". أخرجه البخاري ومسلم.\rوفي رواية: إني عالجت امرأة من أقصى المدينة، فأصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فأقم علي ما شئت، فقال له عمر: لقد ستر الله عليك، لو سترت على نفسك١.\rفرسول الله ﷺ أسقط العقوبة عن هذا الرجل لتوبته التي رأى أماراتها في مجيئه تائبًا يطلب أن تقام عليه العقوبة.","footnotes":"١ نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص١١٤ ط مصطفى الحلبي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233789,"book_id":3632,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":65,"body":"والعقوبة هنا عقوبة تعزيرية بدليل ما جاء في الرواية الأخيرة، وأمرها هنا مفوض لولي الأمر.\rأما الجرائم الحدية، فإن ما وقع منها على حق العبد، فإنه لا أثر للتوبة فيه، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.\rيقول الإمام الشافعي عند حديثه عن التوبة، وأثرها في إسقاط الحدود: \"فإما حدود الآدميين من القذف وغيره، فتقام أبدًا لا تسقط\"١.\rأما ما وقع من الجرائم الحدية على حق من حقوق الله ﷾، فإن للفقهاء فيه مقالًا.\rإذ إن منه جرائم اتفق الفقهاء على إسقاط عقوباتها الحدية بالتوبة، ألا وهي جريمة الحرابة بشرط أن تكون من المحارب قبل القدرة عليه أخذا بما جاء من قول الله ﷾: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.\rفالآية قد نصت على أن توبة المحارب قبل القدرة عليه تسقط عنه حد الحرابة.","footnotes":"١ الأم ج٧ ص٥١ ط دار الشعب. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ج٧ ص٦ سنة ١٢٩٢هـ البدائع للكاساني ج٧ ص٩٦، فصول الاستروشني ص٣، ٤ مواهب الخليل ج٧ ص٣١٦ جناية المجتهد ج٢ ص٣٨٢، المغني ج٨ ص٢٩٥-٢٩٦ أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ج٢ ص١٩٧، ١٩٨ط سنة ١٣٢٥هـ مطبعة الكردي بالأزهر.\r٢ الآية ٣٤ من سورة المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233790,"book_id":3632,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":66,"body":"أما ما لزمه من حدود أخرى، فإن بعض فقهاء الشافعية، والحنابلة قد قالوا بأن توبة المحارب قبل القدرة عليه يترتب عليها إسقاط كل ما لزمه من حدود، وقع الاعتداء على حق من حقوق الله ﷾.\rوقد أجاب الإمام الشافعي على ما يمكن أن يثار من أن الآية الكريمة إنما تتكلم عن الحرابة، وهذه قرينة على أن أثر التوبة قاصر على التأثير في الحرابة فقط، فقال بعد أن ذكر أن الحد حدان، حد الله تعالى وحد للآدميين: \"فأما أصل حد الله ﵎ في كتبه، فقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، إلى قوله ﴿رَحِيم﴾ ، فأخبر الله تبارك اسمه بما عليهم من الحد إلا أن يتوبوا من قبل أن يقدر عليهم، ثم ذكر حد الزنا والسرقة، ولم يذكر فيما استثنى، فاحتمل ذلك أن لا يكون الاستثناء إلا حيث جعل في المحارب خاصة، واحتمل أن يكون كل حد لله ﷿، فتاب صاحبه قبل أن يقدر عليه سقط عنه، كما احتمل حين قال النبي ﷺ في حد الزنا في ماعز \"ألا تركتموه\" أن يكون كذلك عند أهل العلم، السارق إذا اعترف بالسرقة، والشارب إذا اعترف بالشرب، ثم رجع عنه قبل أن يقام عليه الحد، سقط عنه.\rومن قال هذا: قاله في كل حد لله ﷿، فتاب صاحبه قبل أن يقدر عليه سقط عنه حد الله ﵎ في الدنيا، وأخذ بحقوق الآدميين، واحتج بالمرتد عن الإسلام، ثم رجع إلى الإسلام، فيسقط عند القتل١.\rوما دام إطلاق الآية الكريمة قد احتمل أن يكون أثر التوبة مسقطًا لكل حد لله ﷿، فلم يضيق الأمر إذا.","footnotes":"١ الأم ج٧ ص٥١ط دار الشعب نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ج٨ ص٦ القرطبي ج٣ ص٢١٥٥ دار الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233791,"book_id":3632,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":67,"body":"كما أن في إسقاط كل ما لزمهم زمن حرابتهم، وما كان قبله نتيجة توبتهم في ذلك حيث لهم على الإسراع إلى التوبة، وترغيب لهم فيها، ومزيد العون لهم وضمهم إلى صفوف الأمة.\rولا يخفى أن في إلزامهم عقوبة ما ارتكبوا من حدود غير الحرابة، ومطالبتهم بهذه الحدود بعد توبتهم عن الحرابة، وعودتهم إلى حوزة الأمة، فيه تنفير لهم فقد يكون منهم من ارتكب جناية حدية يترتب عليها إلزامه الرجم، فإذا علم أنه إذا تاب وعاد إلى حوزة الأمة، أقيم عليه حد الرجم -فإنه لا بد أن يحجم عن العودة إلى صفوف الأمة.\rويثبت على ما هو فيه من تشريد لنفسه، وإضرار للآخرين.\rوالتوبة إذا أسقطت حد الحرابة مع ما فيها من هتك للحريات، واستباحة للأموال، وإرهاب وقطع سبيل فأولى بها أن تسقط ما دون ذلك من حدود.\rوهذا ما ذهب إليه ابن تيمية، وابن القيم من فقهاء الحنابلة١.\rكما ذهب جمهور فقهاء الشيعة الزيدية إلى أن من جاء إلى الإمام تائبًا قبل القدرة عليه سقط عنه كل ما لزمه من حد، وسقط عنه أيضًا ما قد أتلف من حقوق الآدميين، ولو كان الذي عليه قتلًا٢.\rولا يخفى ما في القول بإسقاط كل حد بالتوبة من تعويض حقوق الآدميين إلى الضياع، ودمائهم إلى الإهدار وحرمانهم إلى تهتك، فما أسهل على أصحاب النزوات إذا انكشف سترهم، ادعاء التوبة كي يفلتوا من عقاب جرائمهم.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٩٥-٢٩٦، \"أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ج٢ ص١٩٧.\r٢ شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٨ ط حجازي بالقاهرة سنة ١٣٥٧هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233792,"book_id":3632,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":68,"body":"المطلب الرابع: أقسام الجريمة من حيث القصد وعدمه\rتنقسم الجرائم من حيث القصد، وعدمه إلى جرائم مقصودة، وجرائم غير مقصودة.\rأولًا: الجرائم المقصودة\rهي الجرائم التي تعمد الجاني القيام بها مريدًا تحقيق نتيجة سلوكه عالمًا بأن سلوكه هذا منهي عنه معاقب عليه.\rومن هذا يتضح أن عناصر الجريمة العمدية، أو أركانها المكونة لها هي:\rالعمد، والإرادة الفاعلة المختارة، والعلم بالنهي والتجريم.\rثانيًا: الجرائم غير المقصودة\rهي الجرائم التي لم تكتمل أركانها من عمد، وإرادة فاعله مختارة وعلم بالتحريم.\rفالجريمة إذا وقعت، وكانت غير متعمدة، فهي الجريمة الخطئية١.\rوالخطأ نوعان: خطأ في القصد، وخطأ في الفعل.","footnotes":"١ هذا ما قاله الإمام، وإن كان أكثر الفقهاء قد رأى أن غير العمد قسمان:\rأ: شبه العمد.\rب: الخطأ وزاد غيره القتل بالتسبب.\rوذكر بعضهم ما جرى مجرى الخطأ، واعتبره قسمًا رابعًا، ومثل له بما إذا انقلب نائم على شخص فقتله، مواهب الجليل ج٦ ص٢٤١ ط أولى السعادة. أحكام القرآن للرازي ج٢ ص٢٢٣ ط أولى مطبعة الأوقاف المغني ج٧ ص٦٣٧، مغني المحتاج ج٤ ص٣-٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233793,"book_id":3632,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":69,"body":"فالخطأ في القصد يتمثل في أن يأتي الفاعل فعلًا لا يريد به إصابة المقتول، كأن يريد صيد طير وهدف، وما يجوز له فعله، فيئول الأمر إلى اتلاف إنسان حر مسلمًا كان أو كافرًا له عهد، فيكون الواجب بذلك دية على عاقلة الفاعل ويلزم هو بعتق رقبة مؤمنة، والأصل في وجوب الدية والكفارة قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ١.\rولا قصاص في شيء من هذا؛ لأن الله تعالى، أوجب الدية ولم يذكر قصاصًا؛ ولأنه لم يوجب قصاصا في عمد الخطأ، ففي الخطأ أولى.\rوالخطأ في الفعل يتمثل في أن يقصد الفاعل -وهو في أرض الحرب قتل من يظنه كفرًا، ويكون مسلمًا أسلم، وكتم إسلامه إلى أن يقدر على التخلص إلى أرض الإسلام، ولا خلاف في أن هذا خطأ لا يوجب قصاصًا؛ لأنه لم يقصد قتل مسلم، فأشبه ما لو ظنه صيدًا فبان أدمي، إلا أن هذا لا يجب فيه دية أيضًا ولا يجب إلا الكفارة، وهذا ما روي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ومجاهد وعكرمة وقتادة، والأوزاعي والثوري، وأبي ثور وأبي حنيفة، وعن الإمام أحمد رأيان أحدهما تجب به الدية، والكفارة وهو ما ذهب إليه الإمام مالك، والإمام الشافعي لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ؛ ولأنه قتل مسلما خطأ، فوجبت ديته كما لو كان في دار الإسلام.\rوذهب ابن قدامة إلى القول بوجوب الدية فقط، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ، ولم يذكر","footnotes":"١ الآية ٩٢ من سورة النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233794,"book_id":3632,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":70,"body":"دية هنا مع أنه ذكرها فيما قبله، وذكره لهذا قسمًا مفردًا يدل على أنه لم يدخل في عموم الآية التي احتج بها من أوجب الدية مع الكفارة هنا، ويخص بها عموم ما ورد١.\rوقد علل ذلك التقسيم بأن الإنسان يتصرف بفعل القلب، والجوارح، فيحتمل في كل منهما الخطأ على الانفراد٢.\rأما بالنسبة للإرادة الفاعلة المختارة، فهي شرط أساسي لكي تكون الجناية عمدية.\rفإذا انتفت يعتد به، تغير التجريمي للواقعة أما إذا كان انتفاء الإرادة لا يرقى إلى تغيير الوصف التجريمي للواقعة، فإنه يعد انتفاء لا أثر له، ويعامل الفاعل معاملة المريد المختار لسلوكه.\rوعلى هذا إذا ما أكره شخص على ارتكاب جناية قتل، فقام بارتكابها فإن هذا الشخص يعامل على أساس أنه فاعل مختار لما أتى، وذلك؛ لأن الضرر المدفوع عن نفسه لا يزيد عن الضرر الذي وقع منه.\rكما أن الضرر الذي يدفعه عن نفسه غير متيقن، ومثل هذا لا يجوز دفعه بما هو أكثر منه، أو مثله من ضرر متيقن، وعلى هذا فإنه لا يجوز أن يقوم شخص بقتل\rآخر تحت تأثير الإكراه بالقتل، وأنه إن فعل ذلك لم يكن له فيما فعله عذر.\rوأيضًا لا يجوز لمكره قطع عضو من إنسان تحت تأثير الإكراه بقطع عضو من أعضائه هو إن لم يفعل، فإن نفذ ما أكره عليه لم يعد","footnotes":"١ المغني ج٧ ص٦٥٠-٦٥٢ مواهب الجليل ج٦ ص٢٤١، المهذب ج٢ ص١٨٩ مغني المحتاج ج٤ ص٣-٥ بدائع الصنائع ج٧ ص١٧٩ مغني البحر الرائق ج٨ ص٧٤.\r٢ تبيين للحقائق للزيلعي ج٦ ص١٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233795,"book_id":3632,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":71,"body":"الإكراه هنا عذرًا يعفيه من العقاب، إذ الراجح عند الشافعية هنا لزوم القصاص، ويرى الأئمة مالك وأحمد، وزفر تخفيف العقوبة، وعند أبي يوسف، ورواية عند الشافعية الدية، ويرى الإمام أبو حنيفة، ومحمد التعزير١.\rأما بالنسبة للعلام بالتجريم، فإنه شرط لاعتبار الفعل جناية عمدية يعاقب عليها بالعقوبة الأصلية.\rفإذا انتفى العلم بصورة معتبرة شرعًا، فإن الجريمة وإن كانت ثابتة في حق من قام بها، إلا أنه يعاقب عليها بالعقوبة الأصلية الموضوعة لها.\rومثله ما يقع من غير المكلف، فإنه لا يعاقب عليه بالعقوبة الموضوعة لما وقع منه، وإن ألزم بالتعويض المالي؛ لأن الجريمة حينئذ قد اعتبرت مما جرى مجرى الخطأ٢.\rأولًا: لا يتصور وجود الشروع المعاقب عليه إلا في الجرائم المقصودة، أما في الجرائم غير المقصودة -وهي الجرائم غير العمدية-، فلا يتصور فيها شروع معاقب، نظرًا؛ لأن إرادة الجاني لم تتجه إلى تحقيق النتيجة.\rثانيًا: الجرائم المقصودة يأثم مرتكبها منذ نية ارتكابها؛ لأنه نوى","footnotes":"١ يراجع مواهب الجليل ج٦ ص٢٤٢ الخرشي ج٨ ص٨٠ المغني ج٧ ص٦٤٥، المهذب ج٢ ص١٨٩ بدائع الصنائع ج٧ ص١٧٩ البحر الرائق ج٨ ص٧٤ القرطبي ج٥ ص٣٧٩٩، الإباحة عند الأصوليين والفقهاء ص٣٩٠، ٣٩١.\r٢ المغني لابن قدامة ج٧ ص٦٣٧، ط مكتبة الجمهورية العربية، الجريمة للشيخ أبو زهرة ص٥٤٢ ط دار الفكر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233796,"book_id":3632,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":72,"body":"إرتكاب معصية، فإذا استمر ولم يعدل عما نواه، وبلغ الإثم تمامه، ووقعت الجريمة لزمت الجاني عقوبة جريمته.\rأما إذا عدل عما نواه، وتراجع فلا عقوبة تحلقه على نيته هذه.\rأما الجريمة غير المقصودة، فالنية ليست موجودة أصلًا، ومن ثم فلا عقاب ولا إثم إلا إذا وقع من الجاني ما يأثم به، وعقاب الجاني حينئذ على ما كان منه من إهمال، وعدم احتياط.\rوهذا مقيد بما إذا كان قصد الفاعل في أول الأمر مباحًا، أما إذا كان غير مباح، فإنه إثم حتى ولو لم تتجسد هناك جريمة.\rثالثًا: لا يتصور وجود الاشتراك إلا في الجرائم المقصودة، أما في الجرائم غير المقصودة، فلا يتصور فيها اشتراك.\rفإذا تمت مساهمة من الفاعل الأصلي في الجريمة غير المقصودة اعتبر كل من ساهم فاعلًا أصليًا يعاقب على ما وقع منه من فعل.\rرابعًا: الجرائم المقصودة إذا وقع فيها اعتداء على النفس يعاقب عليه بالقصاص بصورته، ومعناه أما الجرائم غير المقصودة، فلا يعاقب عليها بالقصاص من حيث الشكل إذا وقعت على النفس، وإنما العقاب على هذه الجرائم يتم بالقصاص معنى، كاستحقاق الدية مثلًا.\rالجرائم المقصودة وغير المقصودة بين المباشر وعدمها:\rالجرائم المقصودة غالبًا ما تقع بالمباشرة، التي هي عبارة عن اتجاه الجاني للعدوان على المجني عليه.\rومن غير الغالب تقع الجرائم المقصودة بغير المباشرة، كأن يكون وقوعها بالتسبب مثلًا، كما إذا أتى شخص فعلًا منهيا عنه، كأن وضع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233797,"book_id":3632,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":73,"body":"سيارته في مكان غير مسموح بوضعها فيه، ثم جاء شخص آخر لم يكن وجود السيارة، ولم يستطع رؤيتها لوجود ما يمنع ذلك من العوامل الجوية، فنتج عن وجود السيارة الأولى في المكان الممنوع تواجدها فيه اصطدام السيارة الثانية بها مما ترتب عليه موت قائد السيارة الثانية، ومثل ما ترتب على شهادة الشهود زورًا على شخص بريء بأنه ارتكب جناية من الجنايات التي يعاقب عليها بالإعدام، فأعدم نتجية هذه الشهادة الزور.\rوالجرائم غير المقصودة تقع أيضًا بالمباشرة، كما يحدث عند ما يطلق الصياد مقذوفا ناريًا ليصيد طيرًا، فإذا بهذا المقذوف يصيب إنسانًا.\rوتقع أيضًا بغير المباشرة كما إذا قام أحد المزارعين برش زراعته بمبيد حشري، فأتى شخص لا يعلم رش الزراعة بالمبيد، وأكل منها فمات متأثر بما أكل١.\rولقد ذهب جمهور فقهاء الأحناف إلى عدم التسوية بين عقوبة الجريمة المقصودة إذا وقعت بالمباشرة، وبين مثيلتها إذا وقعت بغير المباشرة، فمن يسقي إنسانا سمًا قاتلًا بطريق الإكراه متعمدًا قتله، فيقتل المكره نتيجة شربه هذا السم، فإن الجاني في هذا ومثله يعد مرتكبًا جناية قتل عمدية يجب القصاص فيها.\rوإن كان الإمام أبو حنيفة لا يرى في مثل هذا إلا الدية على","footnotes":"١ بين الخرشي أن الاتلاف بالتسبب هو أن يفعل فعلًا يكون سببًا للاتلاف، والمعني أن من حفر بئرًا في موضع لا يجوز له حفرها فيه، كطريق المسلمين، أو حفرها في موضع يجوز له حفرها فيه كبيته، وقصد بذلك الضرر كهلاك شخص معين، وهلك فيها ذلك المعين فإنه يقتل به، فإن هلك فيها غير المعين فعليه ديته إن كان حرًا أو قيمته، إن كان عبدًا. الخرشي ج٨ ص٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233798,"book_id":3632,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":74,"body":"العاقلة أما إذا شربه بمحض إرادته، فلا قصاص ولا دية سواء علم الشارب أن ما شربه سم، أو لم يعلم١.\rوقد نسب جمهور الفقهاء إلى التسوية بين ما يقع من الجرائم المقصودة بالمباشرة وغير المباشرة، مستدلًا على ذلك بما كان من رسول الله ﷺ مع اليهودية التي دست السم في الطعام، فمات بسببه أحد الصحابة٢.","footnotes":"١ البحر الرائق ج٨ ص٣٣٥-٣٣٦ ط بيروت.\r٢ مسند أبي داوود ج٢ ص٤٨٢، المغني ج٧ ص٦٤٣ مغني المحتاج ج٤ ص٧ الجريمة للشيخ أبو زهرة ص١٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233799,"book_id":3632,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":75,"body":"بامتناعه عن القيام بما ألزم به، قد سلك سلوكًا يعاقب عليه، سواء أكان هذا الإلزام قانونيًا أم أخلاقيًا.\rويتطلب بيان ذلك عربض وجهة النظر الفقهية من فقهاء الشريعة، ورجال القانون، عرضًا موجزًا.\rوجهة نظر فقهاء الشريعة:\rاتفق فقهاء الشريعة على أن كل ما طلبه الشرع، يأثم من يتركه، ويؤاخذ على هذا الترك قضائيًا، إذ تحققت بسبب هذا الترك نتائج أمكن إثباتها هي، وما تترتب عليه.\rفمن كان عنده فضل زاد ولم يعد به على من لا زاد له، كان آثما فإذا كان ذلك في صحراء، أو وقعت مجاعة، ولم يجد المحتاج للطعام غيره، وبخل به مالكه، ونتج عن ذلك أن مات المحتاج إلى الزاد جوعًا، فإن الامتناع من مالك فضل الزاد هنا سلوك يعاقب عليه.\rوالفقهاء وإن اتفقوا على عقوبته إلا أن منهم من قال: إنه يعاقب بعقوبة القاتل عمدصا، ومنهم من رأى غير ذلك.\rوقبل عرض مقالة الفقهاء، أعرض للحديث عن الترك بشيء، من البيان من حيث هو جريمة أم لا، وإذا كان جريمة فهل ترتب عليه حدوث جريمة أخرى أم لم تترتب؟\rينقسم الترك من حيث هو جريمة أم لا إلى قسمين:\r١- ترك ليس بجريمة، وذلك كترك الشخص فعل ما أبيح له فعله، تركًا لا يترتب عليه شيء ما.\r٢- ترك هو في حد ذاته جريمة، كما إذا ترك الشخص فعل أمر كلفه الشرع بفعله.\rوهذا النوع من الترك ينقسم إلى قسمين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233800,"book_id":3632,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":76,"body":"القسم الأول:\rترك هو في حد ذاته جريمة، ولكن لا يترتب عليه حدوث جريمة أخرى، ومثل ذلك ترك القيام بالعبادات الكلف به، من زكاة وصيام وصلاة، وكذا ترك إطعام الجائع، وسقي العطشان في المكان الآهل بالسكان، إذا قام بذلك الإطعام والسقي شخص آخر.\rالقسم الثاني:\rترك هو في حد ذاته جريمة، وينتج عن جريمة أخرى، ومثله ترك صرة المولود بعد قطعها دون ربطها حتى يموت، ومثله أيضًا ما روي من أن رجلًا استسقى قومًا، فلم يسقوه حتى مات من العطش، فضمنهم عمر بن الخطاب ﵁، الدية١ فالترك المعاقب عليه قضائيًا هو ما كان في حد ذاته جريمة، سواء أنتج عنه جريمة أخرى أم لا -مع ملاحظة أن الترك إذا لم ينتج عنه جريمة، فإنما يعاقب عليه من لازمه، وظل على تركه، وعصيانه لأوامر الشارع الحكيم.\rأما من تاب، وانصاع لما أمره به الشرع، فإنه يتوب الله عليه، ويعفو عنه.\rأما الترك الذي ينتج عنه جريمة أخرى -كامتناع الأم عن إرضاع ولدها حتى يموت- فهو ما يعاقب عليه؛ لأنه ترك أنتج جريمة تسمى بالجريمة السلبية.\rوللفقهاء آراء فيما يلزم به مرتكب الجريمة السلبية من عقوبة فقهاء المالكية قاسوا فعل من منع إنسانًا طعامًا، أو شرابًا قاصدًا قتله، حتى مات بفعل من قام بخنق إنسان، فعندهم أن كل منهما قد ارتكب","footnotes":"١ المحلي لابن حزم ج١٠ ص٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233801,"book_id":3632,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":77,"body":"جريمة قتل عمدية، تستحق على ارتكابها عقوبة القتل قصاصًا١، ومثل هذا أيضًا قاله فقهاء الشافعية والحنابلة٢.\rكما يقول ابن حزم في الذين لم يسقوا شخصًا طلب منهم السقيا حتى مات: \"إن الذين لم يسقوه إن كانوا يعلمون أنه لا ماء ألبته إلا عندهم، ولا يمكنه إدراكه أصلًا حتى يموت، فهم قتلوه عمدًا، وعليهم القود ... وهكذا القول في الجائع، والعاري.. وهكذا كمن أدخوله بيتًا، ومنعوه الطعام حتى مات\"٣.\rمن هذا يبين أن الترك الذي هو موقف سلبي قد يكون، وجريمة في حد ذاته، وقد يترتب عليه جريمة أخرى يلزم التارك بعقوبتها ما دام قد قصد العدوان.\rهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، أما الإمام أبو حنيفة، فإنه لا يسوي بين عقوبة الجريمة بالترك، وبين مثيلتها التي وقعت بالعمل الإيجابي.\rفهو يرى أن من لم يعط إنسانًا طعامًا، وهو يعلم أن لا طعام هناك يمكن لهذا الإنسان الحصول عليه حتى مات الطالب للطعام جوعًا، فإن الممتنع عن إعطائه الطعام لا تلزمه القصاص، ولا يلزم أيضًا بالدية.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٧، مواهب الجليل للحطاب ج٦ ص٢٤٠ ط السعادة حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٨٥، الشرح الكبير للدردير ج٤ ص٢١٥.\r٢ مغني المحتاج ج٤ ص٥ ط الحلبي، المهذب ج٢ ص ص١٧٦، نهاية المحتاج ج٧ ص٢٣٩ الفتاوى الكبرى لابن حجر ج٤ ص٢٢٠-٢٢١ ط الميمنية المغني ج٧ ص٦٤٣، الشرح الكبير ج٩ ص٣٢٧ ط المنار.\r٣ المحلى ج١٠ ص٥٢٢ مطبعة الجمهور العربية سنة ١٩٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233802,"book_id":3632,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":78,"body":"وحكى صاحب البحر الرائق ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن من أدخل إنسانًا في بيت حتى مات جوعًا أو عطشًا، لا يضمن شيئًا، ومن طين على آخر بيتا حتى مات جوعًا، أو عطشًا لم يضمن شيئا، أما صاحباه أبو يوسف ومحمد فقد قالا في هاتين الحالتين بوجوب الدية على الفاعل.\rوقد ورد أن محمدًا قال: يوجع الفاعل عقوبة والدية على عاقلته، وأن كانت الفتوى في ذلك كله هي ما قاله الإمام أبو حنيفة١.\rهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة في مثل هذه الجرائم، مع أن القتل فيها لم يكن نتيجة الترك فقط، وإنما وجد معه عمل إيجابي، ألا وهو حبس هذا الإنسان، ومنعه من أن يصل إليه، أو يصل هو إلى طعام.\rكما أنه لا يخفى ما للحبس من دور هام في تحصيل جريمة القتل هذه، ومع هذا فالإمام أبو حنيفة لا يرى فيما ذكر قصاصًا، ولا دية لكون الإهلاك حصل نتجة الجوع والعطش، وهما عنده ليسا من صنع الحابس، فلا يوصف الحابس إذا عند أبي حنيفة بأنها القاتل في كل ذلك٢.\rويبين من هذا أن الإمام أبا حنيفة، والصاحبين لا يسوون بين الجرائم التي تقع بالفعل، وبين مثيلاتها من الجرائم التي تقع بالترك، فيما يترتب على كل منهما من نتائج وأحكام، وما يلزم الجاني من عقوبة.","footnotes":"١ يقول ابن نجيم: ومن أدخل إنسانًا في بيت حتى مان جوعا، أو عطشا لم يضمن شيئًا في قول أبي حنيفة، وقالا: عليه الدية، وفي الخانية قال محمد: يعاقب الرجل وعلى عاقلته الدية. وفي الظاهرية، ولو أن رجلًا أخذ رجلًا، فقيده وحبسه حتى مات جوعًا: قال محمد: أوجعه عقوبة والدية على عاقلته، والفتوى على قول أبي حنيفة أنه لا شيء عليه.\rالبحر الرائق ج٨ ص٣٣٦ ط دار المعرفة بيروت.\r٢ البدائع للكاساني ج٧ ص٣٣٥، الجريمة للشيخ أبو زهرة ص ١٤١ التشريع الجنائي للأستاذ عبد القادر ج١ ص٨٦، ٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233803,"book_id":3632,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":79,"body":"فهم وإن قرروا عقوبة لما يقع بالترك من جرائم، إلا أنها تقل عن عقوبة نفس الجرائم إذا وقعت بالفعل الإيجابي.\rبينما ذهب فقهاء الشافعية، ومن وافقهم وهم الجمهور، إلى التسوية بين عقوبة ما يقع بالفعل، وما يقع بالترك من جرائم ما دامت النتيجة النهائية للفعل والترك واحدة.\rبل حتى ولو لم يصاحب الترك عمل إيجابي في تحصيل النتيجة.\rفهم قد رأيا أن من يأخذ طعام شخص آخر، وهما في مكان ليس فيه طعام غيره، فمات المأخوذ منه طعامه جوعًا، فإن الآخذ يكون قد ارتكب جريمة قتل عمدية.\rعلمًا بأن الآخذ للطعام هنا قد ارتكب جريمة اغتصابه، وهي جريمة لا يعاقب عليها بعقوبة القتل العمد، لكنه لما كان أخذه للطعام قد نتج عنه ترك غيره بلا طعام، الأمر الذي يترتب عليه موت المأخوذ منه، فإنه والحالة هذه يعتبر ارتكب جناية قتله عمدًا، وتلزم آخذ الطعام هنا عقوبة القتل العمد.\rهذا ما ذهب إليه فقهاء الشريعة من رأي فيما يلزم بكل من الجريمة الإيجابية والسلبية، يبين منه مدى عنايتهم ببحثهما، وفي وقت لم تحظ فيه الجريمة من غيرهم أو بيان.\rوجهة نظر فقهاء القانون:\rذكر رجال القانون عند حديثهم عن الجرائم الإيجابية والسلبية أن القصد الجنائي قد يكون إيجابيًا، بمعنى أن يقوم الجاني بعمل من الأعمال العدوانية؛ لتنفيذ قصده الجنائي، كأن يطلق النار على من يريد قتله، أو يطعنه بسلاح قاصدًا القضاء عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233804,"book_id":3632,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":80,"body":"وقد يكون سلبيًا، بمعنى أن يمتنع الجاني عن القيام بعمل ما قاصدًا بذلك قتل إنسان.\rولكنهم اعتبروا أن القصد في هذا النوع الأخير ما هو إلا نوع من الإهمال الفاحش، ترتب عليه مسئولية من أهمل، عن وقوع جناية غير عمدية، وبينوا أنه لا يعاقب ما يعاقب به من وقعت منه هذه الجناية بفعل إيجابي١.\rهذه وجهة نظر رجال القانون، بصورة إجمالية، وهي تحتاج إلى شيء من الإيضاح، الأمر الذي يقتضي عرض مقالة رجال القانون في بعض بلاد العالم، وعلى الأخص في كل من ألمانيا وفرنسا، نظرًا؛ لأن رجال القانون في مصر قد اهتموا بدراسة اتجاه هاتين المدرستين، كما أن بعض ما ذهب إليه فقهاء الشريعة الإسلامية قد بدا واضحًا، فيما ذهبت إليه آراء هاتين المدرستين.\rوجهة نظر رجال القانون الألماني:\rذهب فقهاء القانون الألماني إلى أن الجرائم السلبية التي تقع نتيجة امتناع عن القيام بعمل ما من الأعمال، ينظر قبل الحكم على الممتنع، إلى امتناعه الذي نتج عنه وقوع الجريمة؛ لتحديد ما إذا كان هذا الامتناع عن عمل قد كلفه به القانون، بمعنى أنه وظيفته تحتم عليه القيام بما امتنع عن القيام به.\rأم أن مبادئ الأخلاق، والمروءة والدوافع الإنسانية هي التي تطالبه بالقيام بما امتنع عنه، وليس القانون.","footnotes":"١ الأحكام العامة في القانون الجنائي، للأستاذ الدكتور علي بدوي ص٣٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233805,"book_id":3632,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":81,"body":"فإن كان قد امتنع عن القيام بعمل ألزمه به القانون، وجبت معاقبته على ما وقع من جريمة نتيجة موقفه السلبي، وامتناعه، بعقوبة تماثل عقوبة من ارتكب نفس الجريمة بفعل إيجابي، ويتضح ذلك فيما لو امتنع محول القطارات المكلف بالعمل، عن تحويل القطار من طريق إلى آخر، قاصدًا بذلك وقوع تصادم هذا القطار، وقطار آخر أو وقع حادث غير التصادم أو غيره، فرتب هذا الحادث على امتناعه عن تحويل القطار.\rفإن المحول الذي ألزمه القانون بتحويل القطار فامتنع، يعاقب على ما وقع من جرائم نتيجة امتناعه، بعقوبة من يقوم بإحداث هذه الجرائم بعمل إيجابي.\rومثل ذلك أيضًا، الأم التي تمتنع عن إرضاع ولدها: وليس هناك من يرضعه غيرها -قاصدة بامتناعها قتله، فإنها والحالة هذه تعاقب إذا مات الولد بعقوبة القتل العمد.\rوكذلك بالنسبة لعامل المجاري الذي يقوم بكشف فتحاتها للإصلاح، ثم يرى طفلًا أو أعمى قد أشرف على الوقوع فيها، فيمتنع هذا العامل عن إبعاده عنها، فإذا وقع فيها الطفل، أو الأعمى مثلًا فمات عوقب هذا العامل بعقوبة القتل العمد.\rأما لو لم يكن الممتنع ملزمًا قانونًا بالعمل الذي امتنع عن القيام به، فإنه لا يعاقب على امتناعه، ولا عما نتج عنه من أحداث؛ لأنه في هذه الحالة لم يخالف القانون.\rوإن كان قد خالف مبادئ الأخلاق والإنسانية.\rفالشخص العادي الذي يمتنع عن إنقاذ أعمي، أو غريق أشرفا على الهلاك حتى هلكا لا يلزمه عقابا على امتناعه هذا بالرغم مما وقع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233806,"book_id":3632,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":82,"body":"من هلاك، أو غيره لأشخاص كل يمكن أن يمد إليهم يد عون، أو مساعدة تحول بينهم وبين ما تردوا فيه، نظرًا لكونه غير مكلف بالعون والمساعدة قانونًا.\rوجهة نظر رجال القانون الفرنسي:\rكان القانون الفرنسي القديم متأثرًا بالقانون الكنسي، ولذا فإنه كان ينص على أن من يقدر على منع الفعل المكون للجريمة ولا يمنعه، يعتبر مقترفًا له.\rأما ما ذهب إليه القانون الفرنسي حديثا، فهو أن من يمتنع عن أداء واجب قاصدًا بامتناعه وقوع جريمة، لا يعد مسئولا عن هذه الجريمة مسئولية من قام بارتكابها بفعل إيجابي.\rواستثني من ذلك حالات خاصة تعززها أيضًا النصوص القانونية.\rوذلك كما جاء في المادة ٣١٢ عقوبات بعد تعديلها في ديسمبر ١٩٥٨، والتي تقرر معاقبة من يمتنع بنية القتل عن تقديم الطعام، أو العناية بصغير يقل عمره عن ١٥ سنة بعقوبة القتل العمد.\rكما أضاف البعض حالات أخرى مثل امتناع من أوجب عليه القانون أداء عمل، كمن وكل إليه قيادة أعمى، أو تغذية طفل أو مجنون أو أشل، فمن وكل إليه شيء من ذلك، فامتنع عن أداء واجبه فحدثت إصابة، أو وفاة من وكل به، فإنه والحالة هذه تجب معاقبته على جناية عمدية؛ لأن امتناعه حنيئذ يصل في قسوته حد الارتكاب١.","footnotes":"١ الأحكام العامة في القانون الجنائي أ. د. علي بدوي ص ٧٢، ٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233807,"book_id":3632,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":83,"body":"ما عليه القانون في مصر:\rأما ما عليه القانون في مصر، فهو التسوية بين الفعل والامتناع في ترتيب المسئولية الجنائية، متى توافرت علاقة السببية بين السلوك، والنتيجة بشرط أن يكون الامتناع مخالفًا لإلزام قانوني، أو أن الشخص الممتنع هو الذي أوجد الظروف التي أدت إلى وقوع الحادث.\rفمن أدى إهماله إلى إشعال النار في مكان كان فيه طفل، وكان في وسعه إنقاذه إلا أنه تعمد تركه حتى يموت، فإنه يسأل عن قتل هذا الطفل عمدًا١.\rورأى رجال القانون في العقوبة على الجرائم التي تقع بالترك يتلاقى في جملته مع ما يراه الإمام أبو حنيفة، وإن كان الفقه الألماني قد توسع إلى حد ما في الجرائم التي تقع بالترك، عن القانون الفرنسي الحديث، أما القديم فإنه كان يقارب ما عليه جمهور الفقهاء الشرعيين الذين رأوا أن الالتزام الديني هو أساس ما يحاسب عليه الإنسان، ولذا فإن للالتزام الديني درجة ما للإلزام القضائي في القوانين الوضعية، من تحمل التبعة المحاسبة القانونية على كل ما ينص القانون على المحاسبة عليه.","footnotes":"١ الأحكام العامة في قانون العقوبات. أ. د: السعيد مصطفى سنة ٤٦، ٥٨.\rقانون العقوبات أ. د: السعيد مصطفى ص٢٦٩.\rشرح قانون العقوبات القسم العام. أ. د: محمود نجيب حسني ص٣٣٢.\rشرح قانون العقوبات القسم العام أ. د: أحمد الألفي ص ٦٢، ٦٣ الجريمة للشيخ أبو زهرة ص١٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233808,"book_id":3632,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":84,"body":"المبحث الثالث: أركان الجريمة\rمدخل\r...\rالمبحث الثالث: أركان الجريمة\rعرف اللغويون الركن بأنه الجانب الأقوى، وأركان كل شيء جوانبه التي يستند إليها ويقوم بها، والتي هي جزء من ماهيته، كالركوع بالنسبة للصلاة١. وعرفه جمهور الفقهاء بأنه ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءًا من ماهيته أو شرطًا له.\rأما فقهاء الأحناف، فإنهم قد عرفوه بأنه ما لا يتم الشيء إلا به، وكان جزءًا منه٢. ويبين من هذا اتقاف اللغويين، وفقهاء الأحناف على أن ركن الشيء ما كان جزءًا من ماهيته.\rوطبقًا لهذا فإن ما يصدق عليه مفهوم ركن الجريمة هو ما يأتي:\rأولًا: ما يقوم به الجاني من تفكير وتدبير، وإعداد نفسي بإرادة، وإدراك معتبرين شرعًا، مع علمه بما سيترتب على سلوكه من نتائج ومسببات، وهذا هو ما يطلبق عليه الركن المعنوي للجريمة.\rثانيًا: قيام الجاني بالسلوك المادي المكون للجريمة، سواء أكان هذا السلوك إيجابيًا أم سلبيًا -فعلًا أم امتناعًا- قام به الجاني بمفرده أم شاركه غيره.\rوهذا هو ما يطلق عليه الركن المادي للجريمة.\rهذان وحدهما هما اللذان يصدق عليهما تعريف اللغويين، وفقهاء الأحناف للركن؛ لأنهما جزء من ماهية الجريمة.","footnotes":"١ لسان العرب مادة ركن.\r٢ المدخل للفقه الإسلامي أ. د: سلام مدكور ص٥١٣ ط سنة ١٣٨٩ هـ النهضة العربية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233809,"book_id":3632,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":85,"body":"وذهب إلى ذلك أيضًا بعض فقهاء القانون، إذ قالوا: إن اعتبار نص القانون الذي يبين الفعل المكون للجريمة، والعقوبة التي تفرض على مرتكبه ركنًا من أركان الجريمة، أمر غير منطقي؛ لأن القانون هو خالق الجريمة، ومن غير المتصور اعتبار الخالق عنصرا فيما يخلقه١.\rهذا ما ذهب إليه كثيرون من فقهاء القانون.\rغير أن فيما ذهب إليه فقهاء الشريعة حين عرف جمهورهم الركن بأنه ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان منه أو شرطًا له، في ذلك رد لما قد أثير من اعتراضات فقهاء القانون الوضعي؛ لأن النص على الفعل المكون للجريمة، والعقوبة التي تفرض على مرتكبها، إن لم يكن داخلًا ضمن الفعل المادي الذي يكونت الجريمة، فهو من غير نزاع شرط لتجريم هذا الفعل المادي والعقاب عليه، إذ بدون وجود هذا الشرط لا يعد الفعل جريمة معاقبًا عليها عقابًا قضائيا.\rوما دام النص على تجريم الفعل شرطًا للعقاب عليه، فهو إذن ركن بمفهوم الجمهور للركن.\rوعد الشرط ركنا لا يترتب عليه عد الخالق عنصرًا فيما يخلقه، كما قال فقهاء القانون؛ لأن هذا العنصر غير خالق لنفسه، وإنما هو من وضع المشرع، الذي رأى أن يرتب على وجود هذا العنصر وجود شيء آخر، وهذا هو ما يساير المنطق.\rوقد حاول بعض فقهاء القانون الوضعي أن يتفادى الطعن الموجه","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د: محمود مصطفى ص٣٧-٣٨ ط سنة ١٩٧٤م.\rشرح قانون العقوبات القسم العام أ. د: أحمد الألفي ص٨٨ ط سنة ١٩٧٧م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233810,"book_id":3632,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":86,"body":"لعد النص المنشئ للجريمة ركنا من أركانها، فقام بتعريف هذا الركن بأنه الصفة غير المشروعة للسلوك.\rوقال: فهذه الصفة متميزة عن نص التجريم، وإن كانت مستخلصة منه١، وهذا لا يحل القضية كما عالجها تعريف جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية إذ أن ما يعد ركنًا شرعيًا عند فقهاء القانون الوضعي، ليس هو المنطوق المادي للنص المنشئ للجريمة، وإنما هو ما فهم منه، وما أضفاه على السلوك من صفة غير مشروعة.\rوعلى هذا فمحاولة تفادي الطعن الموجه بتعريف الركن بأنه الصفة غير المشروعة للسلوك، محاولة لم تقدم جديدًا لحل القضية، وإنما قامت بتفسير المقصود من النص المنشىء للجريمة فقط، وبقى معها لطعن الموجه كما هو.\rوإما الذي حسم القضية ورد الطعن الموجه ردًا مقنعًا، فهو تعريف فقهاء الشريعة الإسلامية.\rونخلص من هذا إلى أنه لا بد لقيام جريمة من وجود ثلاثة عناصر أساسية هي العنصر الشرعي، والعنصر المادي، والعنصر المعنوي.\rفالعنصر الشرعي هو عبارة عن النص الذي يحرم السلوك، ويعاقب عليه، والعنصر المادي هو عبارة عن السلوك المكون للجريمة.\rوالعنصر المعنوي هو عبارة عن الصلة النفسية بين السلوك، وبين من قام به، وهو مكلف مسئول عن سلوكه٢.","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د: أحمد الألفي ص٨٨.\r٢ المدخل للفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور ص ٧٢٥-٧٢٨ط سنة ١٣٨٩ هـ دار النهضة العربية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233811,"book_id":3632,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":87,"body":"هذه هي العناصر أو الأركان العامة التي لا بد من وجودها لقيام جريمة ما من الجرائم.\rوهذا لا يمنع من وجود أركان خاصة لا بد من توافرها لقيام جرائم معينة؛ لأنه لا يمكن الحكم لقيام هذه الجرائم المعينة، إلا إذا توافرت في السلوك وغيره أركان خاصة بالإضافة إلى الأركان العامة للجريمة.\rإذ لا يمكن أن تقوم مثلًا جريمة زنا إلا إذا توافر ركن الوطء، وهو ركن خاص بهذه الجريمة وحدها.\rوكذا لا يمكن أن تقوم جريمة السرقة إلا إذا توافر ركن الأخذ خفية.\rفهذان الركنان، وما يماثلهما أركان خاصة، لا بد من توافرها في جرائم معينة؛ لأن هذه الجرائم لا تقوم إلا بتوافر بعض هذه الأركان الخاصة، إذ لا يكفي وجود الأركان العامة لقيام مثل هذه الجرائم.\rهذه فكرة موجزة عن الأركان العامة والخاصة للجريمة.\rولا يخفى منهج فقهاء الشريعة الإسلامية في دراستهم لهذه الأركان، إذ أنهم قد تحدثوا عن أركان كل جريمة على حدة عند حديثهم عن الجريمة التي تخصها هذه الأركان.\rكما أنهم لم يفردوا دراسة مستقلة لأركان الجريمة بصفة عامة، كما هو منهج رجال القانون.\rوهذا ما أحاول تناوله مبينًا الأركان العامة للجريمة، تاركًا بيان الأركان الخاصة إلى حين الحديث عن كل جريمة على حدة١.","footnotes":"١ سيأتي ذلك في الباب الثاني من هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233812,"book_id":3632,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":88,"body":"المطلب الأول: الركن الشرعي للجريمة\rيراد بالركن الشرعي: النص الذي يجرم السلوك -إيجابا أو سلبا- ويضع عقابًا يلزم به كل من وقع منه هذا السلوك المجرم، سواء عن طريق الإيجاب أو السلب.\rوعلى هذا فإنه إذا لم يرد نص يجرم السلوك، فهو سلوك مباح طالما لم يترتب عليه مضارة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة١.\rأمكا إذا ترتب عليه مضارة، فهو إذا عمل مجرم طبقًا لما ورد به النهي عن المضارة، في قول الرسول ﷺ: \"لا ضرر ولا ضرار\" ٢.\rوقد ناقش الأستاذ الدكتور: سلام مدكور هذه القضية مناقشة مستفيضة يعنينا منها هنا، ما جاء من أن الأصل فيما سكت عنه الشارع، الإباحة هذه هي خلاصة لما ورد في هذه القضية على ألسنة الفقهاء","footnotes":"١ هذا ما اختاره. أ. د: سلام مدكور في قوله: ما دمنا قد اخترنا القول -بالإباحة، فإننا نشير إلى القائلين به من الأصوليين والفقهاء، ونبسط وجه الاستدلال به، جاء في التحرير ج٢ ص١٧٢ \"المختاران الأصل الإباحة عن جمخور الحنفية والشافعية، ومثله في مسلم الثبوت\" ط٤٩.\rويقول ابن عابدين ط ص٧٨. وهذا ما جرى عليه صاحب الهداية. الفتح على الهدية ج٣ ص٢٩٥-٢٩٦، وصاحب الخانية في أوائل الحظر والإباحة، ونقل عن شرح التحرير أنه قول معتزلة البصرة، وكثير من الشافعية، وأكثر الحنفية لا سيما العراقيين. الإباحة أ. د: سلام مدكور ص٥٠٤.\r٢ رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس، الجامع الصغير ج٣ ص٤٢٧ الإباحة أ. د: سلام مدكور ص٤٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233813,"book_id":3632,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":89,"body":"والأصوليين، من أنه لا حكم لأفعال العقلاء ورود النص، ومن أن الحق أصالة الإباحة فيما ليس فيه نص من الأفعال النافعة، وهو ما يطلق عليه إباحة أصلية.\rومن أنه لا يكلف شرعًا إلا من كان قادرًا على فهم دليل التكليف، أهلًا لما كلف به، ولا يكلف شرعًا إلا بفعل ممكن مقدور للمكلف معلوم له علمًا يحمله على امتثاله١.\rوعلى هذا، فإنه يتحتم أن يكون الفعل المكلف به معلومًا للمكلف علما يحمله على الامتثال لما علم، فإن لم يخضع لما كلف به وعلمه، لزمته العقوبة لمخالفته، وعدم امتثاله لما نص عليه الشرع.\rومن هنا فقهاء الشريعة قد اعتادوا عند حديثهم عن كل جريمة، أن يذكروا النصوص التي تجرم الفعل، وتلزم العقاب عليه، مبينين وقت نزول النص وسببه إن اقتضى الأمر.\rوالحديث عن الركن الشرعي يتطلب بيان ما يجب أن يتوفر للنص التشريعي من سمات تتمثل فيما يأتي من كونه:\r١- نافذا وقت وقوع الجريمة.\r٢- ساريا على مكان وقوعها.\r٣- ملزمًا للشخص الذي وقعت منه.\rوقبل الحديث عن هذه السمات الواجب توافرها في النص التشريعي أحب أن أشير في كلمة موجزة إلى موقف الشريعة الإسلامية بالنسبة لتجريم الأفعال والعقاب عليها، والتزامها في ذلك بما شرعته هي من أنه لا تجريم، ولا عقاب بشرع مبلغ.","footnotes":"١ الإباحة أ. د: سلام مدكور ص٥٠٥ أصول الفقه لفضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف ص١٧٣ ط الثانية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233814,"book_id":3632,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":90,"body":"لا تجريم ولا عقاب إلا بشرع مبلغ:\rمنذ بدء الخليقة وضع الله ﷾ قواعد تشريعية عادلة، وقاطعة فلا جريمة ولا عقوبة إلا بشرع مبلغ، ويحدد ويوضح.\rوليس ذلك في الأمور القضائية التي تحكم علاقات الناس فحسب، وإنما أيضًا في الأمور الدينية، التي تنظم علاقات الناس بخالقهم.\rولا أدل على ذلك مما جاء به القرآن الكريم مما كان من أمر آدم ﵇ حين أسكنه الله الجنة، وأباحها له، عدا شجرة نهاه عن الأكل منها: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.\rفهذا النهي تشريع بلغ لآدم أولًا، ثم لما لم يلتزم به ألزم بما ترتب على المخالفة: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ ٢ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ ٣.\rكما جاء القرآن الكريم بنصوص واضحة، وصريحة خاصة بتقرير هذا المبدأ السماوي العدل مثل قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٤.\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ٥.","footnotes":"١ الآية ٣٥ من سورة البقرة.\r٢ الآية ١٢١ من سورة طه.\r٣ الآية ٣٦ من سورة البقرة.\r٤ الآية ١٥ من سورة الإسراء، تفسير القرطبي ج٥ ص٣٨٤٧ ص٤٢٩٥.\r٥ الآية ٥٩ من صورة القصص.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233815,"book_id":3632,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":91,"body":"هذا هو المبدأ التشريعي السماوي عرفه آدم أبو البشر، قبل أن تخطو قدم إنسان فوق هذه الأرض.\rكما ضمن إليه ﷾ ما أنزله على خاتم الرسل والأنبياء، هذا المبدأ التشريعي، وطبقه فقهاء المسلمين والتزموا به١.","footnotes":"١ ذكر الأستاذ الدكتور محمود مصطفى أن قاعدة لا جريمة، ولا عقوبة إلا بنص لم تكن معروفة في مصر قبل قوانين سنة ١٨٨٣م، وقد تكفل بالرد عليه الأستاذ الدكتور سلام مدكور، فقال: نحن نوافقه على أنها لم تكن معروفة لدينا في قانون موضوع، لكنا نقول: أنها كانت معروفة في الفقه الإسلامي، بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ ، ومن القواعد الأساسية في الأشياء والأفعال الإباحة وهاتان القاعدتان، تفيد كل منها أن الركن الشرعي للجريمة هو وجود نص محرم، فإذا لم يوجه نص يحرم الفعل أو الترك، كان ذلك الفعل مباحًا لا إثم فيه.\rكما أن ما جاء النص بتحريمه إنما يعتبر جريمة بتقرير عقوبة عليها، حدًا كانت العقوبة أو تعزيرًا، وفي ذلك يقول الماوردي في الأحكام السلطانية ص٢١١: الجرائم محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير\".\rوعلى هذا فإن كانت القوانين الوضعية جميعها في مختلف الأوطان لم تعرف هذه القاعدة إلا في القرن الثامن عشر، أو حتى الثالث عشر في إنجلترا، فإنها جاءت في التشريع الإسلامي من نحو أربعة عشر قرنا هجريا، وقد كان المطبق في مصر قبل سنة ١٨٨٣ هي أحكام الشريعة، ومعنى هذا أن القاعدة المذكورة كانت معروفة في مصر معمولًا بها قبل أن تعرف مصر التقنين، والقوانين بصفة عامة، الإباحة عند الأصوليين أ. د: سلام مدكور ص٥٠-٥١ ط سنة ١٩٦٥ دار النهضة العربية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233816,"book_id":3632,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":92,"body":"القوانين الوضعية، وقاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص:\rذكر فقهاء القانون أن هذه القاعدة عرفها القانون الروماني، ونص عليها العهد الأعظم الذي منحه أحد ملوك إنجلترا لرعاياه سنة ١٩١٥م في المادة ٣٩ من هذه العهد١، ولكنه لم يكن مبدأ ملزمًا.\rفقد كان قضاة القوانين الوضعية يجرمون ما يشاءون من الأفعال، ويعاقبون بأي عقوبة يرونها دون قيد أو شرط٢.\rكما تدخلت عوامل عدة بالنسبة للأشخاص والأفعال، والعقوبات التي أن كان القرن الثامن عشر، الذي تعالت فيه صيحات الفلاسفة والمصلحين، مطالبة بوضع ضوابط للقضاء، والتنديد بهذه الفوضى في التجريم والعقاب، ولكنهم لم يقترحوا حلا إيجابيًا لتحقيق العدالة، وبناء الإصلاح القضائي، حتى قام المحامي الإيطالي \"بيكاريا\" بنشر مقترحاته البناءة لإصلاح القضاء في كتابه المشهور عن الجرائم والعقوبات، والذي أخرجه سنة ١٧٦٤م، والذي اعتبر بسببه الأب الروحي لعلماء القانون الجنائي٣، ثم ظهر هذا المبدأ -لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص- في إعلان حقوق الإنسان سنة ١٧٧٤م، ولم تتم صياغته الواضحة المحددوة إلا في المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان٤، الذي أصدره رجال الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩م -هذه لمحة موجزة عن قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في كل من الشريعة والقانون، ومنها يظهر:","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د: أحمد الألفي ص٩٣.\r٢ شرح قانون العقوبات أ. د: مصطفى السعيد ص١٠١ التشريع الجنائي عبد القادر عوده ط ص١٥٧.\r٣ شرح قانون العقوبات أ. د: محمود مصطفى ص٦٤.\r٤ شرح قانون العقوبات أ. د: أحمد الألفي ص٩٣.\rالجريمة والمجرم والجزاء أ. د: رمسيس بهنام ص٩٠-٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233817,"book_id":3632,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":93,"body":"أن الشريعة الإسلامية التي سبقت قواعد التقنين الوضعي قد جاءت بنظام متكامل للتجريم والعقاب.\rفهي قد جاءت بتحديد واضح للجرائم وعقوباتها، وشددت في تحديد بعض الجرائم وتعيين عقوباتها، نظرًا لما لهذه الجرائم من طبيعة خاصة ونظرا؛ لأنها تمس أمن المجتمع وسلامته، وعرفت هذه الجرائم بجرائم الحدود والقصاص.\rكما وضعت القواعد العامة التي تشمل كل ما يمكن أن يقع من جرائم مختلفة، وأعطت ولي الأمر الحق في أن يختار ما يناسب هذه الجرائم من عقوبات، كما أنه تجدر الإشارة إلى أن الشريعة الإسلامية قد أفسحت مجال الاجتهاد أمام الفقهاء قضاء كانوا أو غير قضاة، وحثتهم على تقصي النصوص، واستنباط الأحكام منها، وقياس القضايا بعضها على بعض، وتطبيق أحكام ما ورد فيه نص على غيره مما لم يرد فيه نص مما يماثله طبقًا لقواعد الفقه وأصوله.\rولذا فإن الفقيه يمكنه الحكم بإباحة بعض ما لم ينص الشرع صراحة على أنه مباح، وطبقًا لمفهوم المخالفة يمكن أيضًا أن يحكم الفقيه بحظر أشياء لم يرد نص من الشارع بحظرها.\rوهذا مما امتازت به الشريعة على القانون في مجال التجريم والعقاب، إذ أنه لا يسمح لقضاة القانون الوضعي أن يجرموا أفعالًا، أو أن يحكموا بعقوبات، طبقًا لقياس أو غيره مما أعطت الشريعة فيه الحق للقاضي في الاجتهاد، وأعمال القواعد القياسية١ بشرط أن يستهدف في","footnotes":"١ الإباحة عند الأصوليين والفقهاء أ. د: سلام مدكور ص٥٠٧. دار النهضة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233818,"book_id":3632,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":94,"body":"ذلك مصلحة الناس جميعًا، دون تفرقة أو تمييز، لحسب أو جاه أو سلطان.\rهذه إشارة موجزة وضح فيها ما للشريعة الإسلامية من أصالة في مجال تقعيد القواعد والأصول التشريعية، أعاود بعدها الحديث عما يجب أن يتوافر للنص التشريعي من سمات، وشروط، حتى يمكن أن يلتزم به، ويطبق على كل ما يقع من أحداث.\rأولًا: سريان النص من حيث الزمان\rاتفق رجال القانون على عدم سريان القوانين الجنائية إلا على ما يقع اعتبارا من تاريخ العمل بها، ولا يرتب القانونيين لها أثرًا فيما وقع قبل صدورها، والعمل بها إلا في حالة ما إذا كان في ذلك نفع للمتهم الذي لم يتم الحكم عليه بصورة نهائية١.\rورجال القانون قد أخذوا في ذلك بما جاءت به الشريعة الإسلامية منذ بدء تشريعها، فيما حكاه القرآن الكريم من قضايا، وأحكام منها على سبيل المثال، وما جاء من قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ، حتى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢.\rفالآية الأولى حرمت نكاح زوجات الآباء، وذلك منذ نزلت هذه","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د: محمود مصطفى ص٩٥ وما بعدها.\rشرح قانون العقوبات القسم العام أ. د: أحمد الألفي ص١٠٩ وما بعدها.\rالجريمة والمجرم والجزاء أ. د: مسيس بهنام ص٩٢ وما بعدها.\r٢ من الآيتين ٢٢، ٢٣ من سورة النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233819,"book_id":3632,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":95,"body":"الآية وبينت أنه فاحشة، وأن كان منه في الماضي لا عقاب عليه١.\rأما الآية الثانية، فإنها قد بينت أنواعًا من المحرمات آخرها تحريم الجمع بين الأختين، ثم وضحت أن ما وقع من هذه المحرمات قبل نزول هذه الآية، فإنه لا عقاب عليه٢.\rفهذه النصوص وما يماثلها ببين منهما ما وضحته الشريعة الإسلامية من قواعد وأصول تشريعية، تحكم العمل في تطبيق النص الجنائي، وتقضي بأنه لا يجرم سلوك إلا بعد ورود النص الذي يجرمه، وأخذ بهذا وتطبيقا له على ما يلتزم به من نصوص تشريعية، وضع الأصوليون قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية، والتزموا بها، وإن كانوا قد استثنوا منها أمرين.\rالأول: ويخص ما وقع قبل ورود النص من جرائم خطيرة تمس النظام، والأمن ففي مثل ذلك أجازوا أن يكون للأحكام المتعلقة بمثل هذه الجرائم أثر رجعي.\rالثاني: ويختص بما إذا كان في تطبيق النصوص التشريعية الجديدة نفع للجاني، فإنهم والحالة هذه أجازوه رجعية النص، وتطبيقه حتى لو كان صدور هذا النص بعد الحكم في الواقعة٣.\rفهاتان هما الحالتان اللتان استثنيتا من عدم رجعية النص، وإن كان المشرع الوضعي قد استنثى من هاتين الحالتين بعض الوقائع، ورأى عدم الأخذ فيها بتطبيق مبدأ الأخذ بالقانون الأصلح للمتهم٤.","footnotes":"١ تفسير القرطبي ج٢ ص١٦٧٣ ط دار الشعب.\r٢ المرجع السابق ج٢ ص١٦٨٩.\r٣ المدخل للفقه الإسلامي أ. د: سلام مدكور ص٧٢٥-٧٢٦ ط الرابعة دار النهضة العربية.\r٤ وذلك خاص بالحالات التي تحكمها القوانين المحددة الفترة شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د: أحمد الألفي ص١٣١ ط ١٩٧٧م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233820,"book_id":3632,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":96,"body":"وقد أثيرت بعض أقول حاولت التشكيك في الالتزام بهذه القاعدة، فزعموا أن من النصوص التشريعية ما طبق على وقائع سابقة على نزوله، وضربوا لذلك مثالًا بما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١.\rوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ٢.\rذكر القرطبي أن آية اللعان نزلت بعد قول هلال بن أمية للنبي ﷺ: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله من أمري ما يبرئ ظهري من الحد٣.\rولا يخفى أن في تطبيق ما نزلت به الآيات من أحكام -في شأن من قذف زوجته ومن ظاهر- تخفيفًا لما كان موجودًا قبل نزول الآيات من عقاب، وفي ذلك نفع للجاني ومصلحة له٤.","footnotes":"١ الآيتان ٦-٧ من سورة النور.\r٢ الآيات ١-٣ من سورة المجادلة.\r٣ فقد ذكر القرطبي أن آية اللعان نزلت بعد ما كان من مناقشة بين النبي ﷺ وبين هلال بن أمية الذي رمى زوجته بشريك بن سمحاء، أحكام القرآن ج٥ ص ٤٥٧٥.\r٤ نقد كان حكم ذلك قبل نزول الآية الكريمة \"إثبات ما قذفها به، وإلا لزمته عقوبة القذف\"، وقد ورد أن النبي ﷺ طلب من هلال بن أمية البينة على ما قال، وإلا أقام عليه عقوبة القذف.\rأما بالنسبة لإقامة البينة، فلم يستطع ذلك هلال، بدليل أنه قال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلًا على امرأته يلتمس البينة، وبذا أصبح ابن أمية ملزمًا بالعقوبة، وتطبيق النص عليه يعفيه من غير شك، فهو إذا أنفع له تفسير القرطبي ج٥ ص٤٥٧٥. أما آية الظهار فقد كان فيها تخفيف التحريم المؤيد الذي كان مطبقًا قبل نزولها بالنسبة لكل من ظاهر من زوجته، وآية المجادلة جاءت بما فيه المصلحة تفسير القرطبي ج٧ ص٦٤٣٩ وما بعدها ج٨ ص٦٤٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233821,"book_id":3632,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":97,"body":"أما آية الحرابة، فقد اختلف في سبب نزولها.\rوالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين١.\rوقال الإمام مالك والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد٢.\rوقال ابن جرير الطبري: أن الآية قد نزلت بعد عقاب العرنيين، فيكون الرسول ﷺ قد عاقبهم طبقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٣.","footnotes":"١ هم قوم قدموا على رسول الله ﷺ من عريبة، وآلمهم الجو في المدينة، فأمر لهم الرسول ﷺ، بلقاح يشربون ألبانها فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا النعم، فأرسل الرسول ﷺ من أحضرهم، وعاقبهم بجريمة حرابتهم.\rالقرطبي ج٣ ص٢١٤٥ ط دار الشعب، الطبري ج١٨ ص٥٣ الألوسي ج١٨ ص٧٩.\r٢ تفسير القرطبي ج٣ ص٢١٤٦ ط دار الشعب.\r٣ الآية ٤٠ من سورة الشورى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233822,"book_id":3632,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":98,"body":"وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ١ وعلى هذا تكون الآية قد نزلت بحكم جديد، يطبق على كل من يأتي مثل ذلك السلوك، وطبقًا لهذا الرأي، فإن الرسول ﷺ لم يطبق حكم الآية بأثر رجعي على من وقعت منه جريمة الحرابة، قبل ورود النص المحدد لعقوبتها٢.\rأما على قول الجمهور، فإن الرسول ﷺ بتطبيق ما جاء بها من عقاب على من وقع منه فعل سابق على ورود النص، يكون قد وضع قاعدة رجعية النص الجنائي بالنسبة للجرائم الخطيرة، التي تعرض أمن الدولة وسلامتها للخطر.\rهذا هو سريان النص الجنائي، وضحته الشريعة الإسلامية، والتزم به قضاتها ولم تعرفه القوانين الوضيعة إلا بعد مجيء الثورة الفرنسية فقط٣.\rثانيًا: سريان النص من حيث المكان\rالإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله ﷾ للناس كافة في كل زمان ومكان، واقتضت حكمته تعالى أن يبقى أناس حتى اليوم لا تطبق شريعة الله وأحكامه، التي ضمنها ما أنزله على رسوله -صلى","footnotes":"١ الآية ١٩٤ من سورة البقرة.\r٢ تفسير الطبري ج٦ ص١١٩.\r٣ القانون الجنائي أ. د: علي بدوي ص١١٦-١١٧ الموسوعة الجنائية ج٥ ص٥٦٨ التشريع الجنائي الإسلامي أ. د: عبد القادر عوده ط ص٢٢٦-٢٧٣ ط دار التراث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233823,"book_id":3632,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":99,"body":"الله عليه وسلم-، ومن بين العوامل التي يرجع إليها ذلك، عدم وصول سلطان الدولة الإسلامية إلى حيث يقيمون.\rمن هنا قسم الفقهاء العالم من حيث بسط سلطان الإسلام عليه إلى دارين دار الإسلام، ودار الحرب، ومنهم من زاد دار العهد.\rأما دار الإسلام:\rفهي الدار التي تجري عليها أحكام الإسلام، ويأمن من فيها بأمان المسلمين سواء أكانوا مسلمين أم ذميين١.\rوبلاد المسلمين كلها تعتبر دار واحدة، ولو اختلفت حكامها، وصارت دولًا شتى، لنفوذ حكم الإسلام فيها؛ لأن هذه الفرقة لا تقضي على نفوذ حكم الإسلام فيها جميعها٢.\rوالأصل في أهل دار الإسلام الأصليين أن يكونوا مسلمين، ولكن قد يكون من سكانها غير المسلمين، وهم الذميون.\rولأهل دار الإسلام -سواء المسلمين منهم والذميون- العصمة في أنفسهم وأموالهم٣.","footnotes":"١ شرح السرخسي ج ٣/ ١٨ السياسة الشرعية، أو نظام الدولة الإسلامية للمرحوم الشيخ عبد الوهاب خلاف ص٦٩ بدائع الصنائع ج٧ ص١٣٠، أسنى المطالب ج٤ ص٢٤٠.\r٢ الوصايا في الفقه الإسلامي أ. د: سلام مدكور ص٥٤.\r٣ بدائع الصنائع ج٧ ص١٠٦ أسنى المطالب ج٤ ص٢١٠ أحكام الزميين والمسلمين في دار الإسلام، رسالة دكتوراه إعداد د/ عبد الكريم زيدان، بإشراف أ. د. محمد سلام مدكور، المغني ج١٠ ص٥٧٨ ط المنار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233824,"book_id":3632,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":100,"body":"أما دار الحرب، فهي الدار التي لا سلطان للمسلمين عليها، وهي الدار التي شوكتها لأهل الكفر، ولا سلطان عليهم.\rوأهل دار الحرب هم الحربيون، والحربى لا عصمة له في نفسه، ولا في ماله بالنسبة لنا؛ لأن العصمة لا تكون إلا بالإيمان، أو الأيمان وليس لحربي واحد منهما١، ومن كان مسلمًا ومقيمًا بدار الحرب، فإنه لا يمنع من دخول دار الإسلام، بل إن الإمام أبا حنيفة يرى أنه لا بد من دخوله دار الإسلام حتى يصبح معصوم الدم والمال؛ لأن العصمة عنده أساسها منعة الإسلام القائمة على أساس قوته وسلطانه٢.\rأما دار العهد: أو دار الصلح، فهي البلاد التي لم يستول عليها المسلمون استيلاء يمكنهم من تطبيق شرائعهم، وسننهم فيها، ولكن أهلها دخلوا في عقد مع المسلمين، وعهدهم على شرائط معينة٣.\rهذا ويرى بعض فقهاء القانون الدولي أن اصطلاح \"دار الإسلام\"","footnotes":"١ شرح الأزهار ج٤ ص٥٥٢ شرح النيل ج١٠ ص٣٩٥.\r٢ بدائع الصنائع ج٧ ص٢٥٢ البحر الرائق ج٣ ص١٠٢.\r٣ نظم الحكم في الإسلام أ. د: سلام مدكور محاضرات ألقيت على طلبة معهد الدوريات العربية في العام الدراسي ١٩٧٧-١٩٧٨م تحت الطبع التاج المذهب لأحكام المذهب شرح فن الأزهار، لأحمد بن القاسم الصنعاني ج٤ ص٤٥٨ ط أولى تفسير المنار ج١٠ ص٢٧٩ العلاقات الدولية في الإسلام للشيخ أبو زهرة\rص٥٤، الشرع الدولى في الإسلام د/ نجيب الأرمنازي ص٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233825,"book_id":3632,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":101,"body":"اصطلاح مقبول في وقت ظهور الإسلام، وذلك؛ لأن اصطلاح \"الدولة\" بمفهومها الحديث لم يكن معروفًا وقتذاك.\rكما أن اصطلاح دار الحرب، اصطلاح عادي يتميز بالعمومية واليسر إذ يجمع بين كل المجتمعات الإنسانية، التي لم يكن يربط بينها، وبين الدولة الإسلامية أي رباط، والتي كانت ترفض التعاون السلمي مع الدولة الإسلامية١.\rهذا هو تقسيم الفقهاء للعالم من حيث بسط سلطان الإسلام عليه، أما إمكان أحكام الشريعة الإسلامية، وسريان نصوصها على المقيمين فيه، فهو ما سأتناوله في الصفحات التالية:","footnotes":"١ أحكام القانون الدولي في الشريعة الإسلامية د: حامد سلطان ص١١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233826,"book_id":3632,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":102,"body":"الشريعة الإسلامية، والمبادئ التي تحكم سريان النص على المكان:\rالأصل كما سبق أن تطبق أحكام الإسلام على الناس عامة، ولكن ما عليه المسلمين من حال أدى إلى قصر تطبيق هذه الأحكام على من يدين بدين الإسلام بصفة خاصة، وبالولاة للدولة الإسلامية بصفة عامة، وعلى ضوء هذا اتجه فقهاء الإسلامي إتجاهين أساسيين، يحكمان سريان تطبيق أحكام الشريعة على المكان، خصوصًا من حيث الإلزام الجنائي.\rالاتجاه الأول: ويمكن أن يطلق عليه اتجاه الإقليمية.\rيقوم هذا الاتجاه على الأسس الآتية:\rالأساس الأول: الولاية على المكان الذي وقعت فيه الجريمة.\rالأساس الثاني: من وقعت منه الجريمة.\rالأساس الثالث: نوع الجريمة التي وقعت.\rأما بالنسبة للاتجاه الأول الذي يقرن العقوبة على الجريمة بالولاية على المكان الذي وقعت فيه الجريمة وقت وقوعها، فإن أقوال الفقهاء بالنسبة لذلك تنحصر فيما يأتي:\r١- تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على كل من يقيم في إطار حدود الدولة الإسلامية \"أي على إقليمها\"، سواء أكان مسلمًا أم ذميًا أم مستأمنا.\r٢- تطبق أحكام الشريعة الإسلامية على كل من يقيم على إقليم الدولة الإسلامية، عدا المستأمن إذا ارتكب جريمة تمس حقا لله \"هو الذي يعرف الآن بحقوق الجماعة\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233827,"book_id":3632,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":103,"body":"وليس معنى هذا أن يترك المستأمن يفلت من الالتزام بضمان ما أتلفه، وإنما عليه ضمانه لا على سبيل العقوبة، وإنما على سبيل التعويض١.\rويتفق هذه الاتجاه، وما يطبقه فقهاء القانون من مبدأ الإقليمية، والذي يعني أن يطبق القانون الجنائي للدولة على كل ما يقع على إقليمها من جنايات، وغيرها، وعدم تطبيق هذا القانون خارج إقليم الدولة٢.\rغير أن هذا الإتجاه الأول لفقهاء الشريعة يرى بعض القائلين به عدم معاقبة من لا يقيم إقامة دائمة بالدولة الإسلامية، على ما يأتيه من جرائم يقع الاعتداء فيها على حق خالص، أو غالب لله ﷾.\rتقييم الاتجاه الأول لفقهاء الشريعة:\rراعى الإمام الأعظم أبو حنيفة، ومن وافقه في أخذهم بهذا الاتجاه الحرية الشخصية للأفراد إلى حد كبير، وقد راقت هذه المراعاة كثيرين من فقهاء القانون الوضعي، فنسجوا على منوالها.\rغير أن الاتجاه قد فتح الباب على مصراعيه أمام الدولة الإسلامية، إذا ذهبوا إلى دولة أخرى، فإن كثيرين منهم يعبون الجرائم في نهم، وينتهكون الحرمات، لأمنهم حينئذ وبعدهم عن تطبيق عقوبات ما تردوا فيه من جرائم عليهم. وذلك وآثاره ليس يخاف على أحد.","footnotes":"١ فتح القدير ج٦ ص٢١-٢٦، البحر الرائق ج٥ ص١٨٦ بدائع الصنائع ج٧ ص١٣١-١٣٤ ط الجمالية، الأم للإمام الشافعي ج٧- ص٣٢٥ ط دار الشعب المدخل للفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور ص٧٢٣ ط الرابعة سنة ١٩٦٩ دار النهضة العربية.\r٢ شرح قانون العقوبات لكل من أ. د: محمود مصطفى ص١١٩، أ. د: محمود نجيب حسني ص١٣١، أ. د: أحمد الألفي ص١٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233828,"book_id":3632,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":104,"body":"كما أن القول بالتفريق بين المستأمن وغيره، ممن يقيم بالدولة الإسلامية في محاولة إنجاء المستأمن، وغيره من العقاب على بعض ما يرتكبه من جرائم، قد فتح باب مفارقة الجرائم أمام هؤلاء المستأمنين، وقد يكون منهم من لا رادع له من خلق أو دين، وإنجاؤه من العقاب تضييع لحرمات الله، وحث له ولغيره على الإثم والخطيئة، ولكم عانت الأمة من التفريق في المعاملة القانونية، وألوان الحماية المختلفة١.\rوإنه لمن الأنفع للدولة وللأفراد جميعًا، أن يدفع الفساد بالعقوبة العنيفة الرادعة. وفي ذلك الخير وحماية الأخلاق، والفضيلة بدلًا من أن تراعى حرية بعض فاسدي النفوس والطبائع، الذين يعيثون في الأرض فسادًا، وهم آمنون من العقاب.\rمما لا شك فيه أن الضرب على أيدي هؤلاء، وإلزامهم عقوبة ما ارتكبوه من جرائم حتى ولو لم تكن الأفعال محرمة في قانون وطنهم أنفع من كل الوجوه، مما ذهب إليه، ورعاه الإمام أبو حنيفة، أيا كان هدفه، أو قاعدته التي اعتمد عليها في القول بذلك.\rالاتجاه الثاني: ويمكن أن يطلق عليه اتجاه الإلزام الشخصي.\rوالولاية فيه أعم من سابقه، إذ أنه مبني على أساب ولاية الدولة الإسلامية على كل من يقيم، أو يوجد فيها وقت ارتكابه الجريمة بصرف النظر عن ديانته، أو بلده التابع له، سواء أكان مسلمًا أم ذميًا، أم مستأمنًا.\rثم يلزم القائلون بهذا الاتجاه أيضًا كل مسلم عقوبة جنايته التي","footnotes":"١ التشريع الجنائي الإسلامي للأستاذ عبد القادر عوده ط ص٢٩٠ ط بيروت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233829,"book_id":3632,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":105,"body":"ارتكبها في أي مكان حتى ولو كانت قد وقعت في دار الحرب، وكذا الحال بالنسبة للذي يعد في رعايا الدولة الإسلامية، فمعيار الأفعال، وإلزام العقوبة عليها يلزم به كل رعايا الدولة الإسلامية، سواء ارتكبوا جرائمهم دار الإسلام أم في دار الحرب، ما دامت الشريعة الإسلامية قد جرمت الفعل، وألزمت من قام به العقوبة.\rفالإلزام عند أصحاب هذا الاتجاه إلزام شخصي، لا علاقة له بالإقليم الذي وقعت الجريمة على أرضه، من حيث إعفاء من وقعت منه هذه الجريمة، لكون أهل هذا الإقليم لا يعتبرون ما وقع جريمة يعاقب عليها.\rإذ المقياس هو نظرة الشريعة الإسلامية لما وقع، من حيث تجريمه أو إباحته، إلى الشخص الذي وقع منه الفعل، أهو أحد رعايا الدولة الإسلامية، أم من غيرهم١.\rالاتجاه الثاني: ومبدأ العينية والشخصي\rلاحظ فقهاء القانون الوضعي أن مبدأ الإقليمية ترد عليه بعض استثناءات يحتاج علاجها وجود مبادئ أخرى لتدراك إفلات المجرم، ومحاولة لتتبعه وإنزال العقاب به.\rلذا فقد وضعوا مبادئ أخرى بجانب مبدأ الإقليمية، وذلك كمبدأ","footnotes":"١ المدونة الكبرى ج١٦ ص٩١ ط أولى مطبعة السعادة، مواهب الجليل ج٣ ص٣٥٨ ط الحلبي المهذب للشبرازي ج١ ص٣٨٣ ط المنار.\rالمغني ج١٠ ص ٤٣٩، ٥٣٧ ط المنار الجريمة للشيخ أبو زهرة ص٣٤٧.\rاتشريع الجنائي الإسلامي للأستاذ عبد القادر عوده ج١ ص٢٨٧-٢٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233830,"book_id":3632,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":106,"body":"العينية، ومبدأ الشخصية بنوعيها الإيجابي والسلبي، ويعني مبدأ العينية ملاحقة الجاني بصرف النظر عن جنسيته، إذا ارتكب جنايات معينة، وهي عادة تتمثل في الجنايات التي تمس أمن الدولة وسلامتها، سواء ارتكبت داخل الدولة، أو خارجها بصرف النظر عن كون هذه الأفعال معاقبا عليها في مكان ارتكابها أو لا.\rوهذا المبدأ لا يعني إلا بأمن الدولة فقط، وإن كان غالبًا ما يوجه إلى العناية بأمن الحاكم وسلامته، والحفاظ على حكمه وسلطانه، يصرف النظر عن أي شيء آخر.\rومبدأ العينية هذا ما هو إلا بداية سير فقهاء القانون الوضعي نحو الاتجاه الثاني لفقهاء الشريعة الإسلامية، الذي لم يعن بأمن الدولة فقط، أو بالحفاظ على طائفة دون أخرى، أو إقليم دون إقليم، وإنما عني بالحفاظ على الأمة كلها وسلوكياتها وأخلاقياتها؛ لأن ذلك أساس البناء الشامخ للأمم وحضاراتها.\rأما مبدأ الشخصية، فإنه يعني في أحد مفهوميه تتبع المواطن إذا ارتكب جريمة في الخارج؛ لأن على الدولة أن تضمن حسن سلوك رعاياها خارج حدودها أيضًا، كما أن ذلك يعمل على مكافحة الجريمة، وتهدئة الشعور العام١.\rغير أن هذا المبدأ يشترط للعقاب على السلوك، أن يكون سلوكًا مجرمًا في المكان الذي وقع فيه، وأن يكون سلوكه هذا مكونًا جريمة في قانون بلده \"جناية أو جنحة في القانون المصري\".\rوبذا يظهر شمول الإتجاه الثاني لفقهاء الشريعة الإسلامية، لمبدأ","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات. أ. د: محمود مصطفى ص١٣٠-١٣٦، والتشريع الجنائي ج١ ص٢٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233831,"book_id":3632,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":107,"body":"العينية والشخصية والزيادة عليهما؛ لأنه يعني بالأمن العام للفرد والأمة، ولا يعنيه أن يكون الفعل معاقبًا عليه في المكان الذي وقع فيه أم لا، وإنما المعيار هو ما تقرره الشريعة؛ لأن ما يقرره الأفراد يخضع للأهواء، والرغبات، وهو سهل التغير والتبديل.\rأما ما تقرره الشريعة الإسلامية، فهو بجانب كونه قانونًا واجب الاتباع -هو أيضًا جزء من عقيدة ثابتة، لا تخضع لشهوة أو هوى.\rكما أن البلاد الإسلامية كلها من وجهة نظر الشريعة، بلد واحد، فالجاني أينما ذهب فشريعة الإسلام تحكمه، وهذا أقدر على استئصال الإجرام والمجرمين، وإحكام القبضة القانونية، وهو حلم مشرعي القانون.\rثالثًا: حدود سريان النصوص الجنائية على الأشخاص\r١- القانون الوضعي، وحدود سريان النص الجنائي على الأشخاص:\rحتى قيام الثورة الفرنسية لم تكن تعرف القوانين الوضعية طريق المساواة في تطبيق النصوص الجنائية على الأشخاص، فقد كان التمييز واضحًا في وضع المحكمة وسيرها، وفيما يحكم به، بل وفي كيفية تنفيذ العقوبة.\rوبعد قيام الثورة الفرنسية، بدأ وضع قاعدة تحكم سريان النص الجنائي على جميع من يقيم على إقليم الدولة.\rغير أن هذه القاعدة لم تسلم من الاستثناءات، فخص بعض الأفراد بإعفاءات معينة، وأكثر من ذلك نص عليها في دساتير بعض الدول، ومن هذه الفئات المستثناة على سبيل المثال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233832,"book_id":3632,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":108,"body":"\"أ\" رئيس الدولة: إذ هو لا يخضع للقانون كما يخضع له باقي الأفراد. بحجة أنه مصدر السلطة العليا والقانون، وإن كانت بعض الدساتير قد نصت على إخضاعه للقانون عند ارتكابه جناية الخيانة العظمى.\r\"ب\" رؤساء الدولة الأجنبية: فهؤلاء لا يخضعون لأي قانون جنائي في أي بلد يذهبون إليه، سواء أكانوا في زيارة رسمية أو غيرها، هم ومن معهم من أفراد أسرهم، ومرافقيهم من حاشية، وأتباع.\r\"ج\" رجال السلك السياسي، وأعضاء الهيئات التشريعية:\rوإعفاء هؤلاء ليس مثار جدل -معلن على الأقل-، وإنما الجدل الذي يدور هو حول طبيعة هذه الإعفاءات من تطبيق القانون عليهم، أم إعفاء من المثول أمام القضاء، إلى آخر ما زال يدور همسًا في غالبه١.\rهذا هو موقف القوانين الوضعية في مسألة حدود سريان النصوص الجنائية على الأشخاص، في نهاية القرن العشرين.\rوهو يماثل ما كان عليه القوم منذ أربعة عشر قرنًا، يوم جاء يلتمسون من رسول الله ﷺ، إعفاء إحدى شريفاتهم، وكانت قد سرقت، فأنكر رسول الله ﷺ ذلك منهم، وأنزل بها العقوبة٢.","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات أ. د: محمود نجيب ص١١٣، الأسس العامة لقانون العقوبات أ. د: سمير الجنزوري ص٢٥١-٢٥٨.\r٢ الخراج لأبي يوسف ص٥٠، نيل الأوطار للشوكاني ج٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233833,"book_id":3632,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":109,"body":"٢- الشريعة الإسلامية، وحدود سريان النص الجنائي على الأشخاص:\rسوى الله ﷾ بين الناس في أصل الخلقة، فالناس جميعًا أبناء لآدم ﵇، وجعل الله ﷾ أساس المفاضلة بينهم واحدًا، وهو التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .\rوهذا ما التزم به الرسول ﷺ وأكده بقوله: \"لا فضل لعربي على أعجمي إلى بالتقوى\".\rوهذه المفاضلة هي مقياس الناس عند ربهم ﷾، أما عند الاحتكام للقانون الشرعي، فالناس سواسية كأسنان المشط، والتسوية بينهم واجبة١.\rوالنبي ﷺ قد أبى هذا الأساس الثابت يوم خرج، وهو مريض يتحامل على كتفي بعض أصحابه، حتى وصل إلى المنبر، ولم يستطع الوقوف، فجلس ثم قال: \"أيها الناس من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي، فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس\" ٢.\rولقد علم الصحابة الأجلاء ذلك جيدًا، وطبقو وجعلوا منه قانونًا نافذًا، وأمرًا ساريًا على جميع الناس.\rفهذا عمر بن الخطاب خليفة المسلمين، يعلن للناس جميعا في موسم الحج، وقد جمع ولاة أمصاره على مشهد من الحجاج، وقال للجميع: أيها الناس إني لم أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا يأخذوا أموالكم","footnotes":"١ الإقناع ج٥ ص١٤٥ صبيح الطبعة الثالثة.\r٢ تاريخ ابن الأثير ج٢ ص١٥٤ ط بولاق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233834,"book_id":3632,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":110,"body":"وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به شيئًا سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقص منه: وقد رأيت النبي ﷺ يقص من نفسه١.\rوهكذا يسوي الإسلام بين الحاكم والمحكوم، ويشترط في الحاكم شروطًا لا بد من أن تتوفر في سلوكه حتى يكون أهلًا لتولي سلطة حكم الدولة الإسلامية.\rوقد رأى بعض فقهاء الشريعة عزل رئيس الدولة إذا ارتكب منكرًا، أو أقدم على فعل محظور، وتحكمت فيه شهوته، وتسلط عليه هواه؛ لأن من كان هذا حخاله عد من الفساق، ولا تنعقد له إمامة المسلمين، ويعزل منها إن كان قد وليها٢.\rأما موقف فقهاء الشريعة الإسلامية في سريان النص الجنائي على الأشخاص، فيمكن إجماله في اتجاهين متقاربين.\rالاتجاه الأول: يرى الإمام الشافعي، والإمام مالك تطبيق النص الجنائي على الجميع، الحاكم والمحكوم، لا يعفي أحد من انطباق النص الجنائي عليه مهما كان وضعه وسلطانه، وعند أصحاب هذا الاتجاه رئيس الدولة، \"الإمام\" مسئول عن كل ما يأتيه من جرائم، سواء وقع الاعتداء فيها على حق الله، أم على حق العبد، ويقوم بتنفيذ العقوبة على الإمام من ينوب عنه في القضاء، أو في تنفيذ العقوبات٣.","footnotes":"١ المرجع السابق ج٣ ص٢٠٨، الخراج لأبي يوسف ص٦٦.\r٢ الأحكام السلطانية للماوردي ص١٤. أسنى المطالب لأبي بحر زكريا الأنصاري ج٤ ص١١١.\r٣ الأم ج٦ ص٣٦ المهذب ج٣ ص١٨٩، المدونة ج١٦ ص٥٧ فقه القرآن والسنة للشيخ شلتوت ص٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233835,"book_id":3632,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":111,"body":"الاتجاه الثاني: ويخالف الإمام أبو حنيفة أصحاب الاتجاه الأول بالنسبة لرئيس الدولة، إذا لم تكن هناك سلطة تعلوه، أو تستطيع تنفيذ العقوبة عليه، فإنه والحالة هذه إذا ارتكب جناية، وقع الاعتداء فيها على ما فيه حق الله، فإن القائلين بهذا الاتجاه يعفو رئيس الدولة \"الإمام\" من إقامة الحد عليه.\rلأن إقامة الحد عند أصحاب هذا الاتجاه حق لله تعالى، ورئيس الدولة هو المكلف بذلك، ولا ولاية لأحد عليه، فمن يحاكمه؟\rولا يعقل أن ينكل الإمام، ويعرضها للخزي والهوان، كما أن الإمام إذا وجب عليه حد لارتكابه إحدى الجرائم الموجبة للحد، والتي يلزم بارتكابها الرجم مثلًا، كان مهدر الدم، فإذا قتله أي فرد من الأمة لا يعاقب على قتله بالقصاص نظرًا؛ لأنه قتل شخصًا مباح الدم، وبذا يصبح الحاكم عرضه لتسلط العامة عليه، وهذا ما لم يرتضه القائلون بهذا الاتجاه١.\rوليس معنى هذا أن يصبح الفعل الذي يقوم به رئيس الدولة غير مجرم، بل هو فعل مجرم، ولكن العقاب عليه غير ممكن، إلا في حالة ما إذا فصل رئيس الدولة بين السلطات، وجعل القضاء سلطة مستقلة، وعين من يقوم بالقضاء في الدولة، وأناط بمن يقوم بالقضاء سلطة تنفيذ ما يقضى به، إذا حدث ذلك فإن ما يقوم به رئيس الدولة من أفعال مجرمة تلزمه عقوبتها، ويقوم القاضي بتنفيذ العقوبة الحدية على رئيس الدولة إذا ارتكب من الأفعال ما يوجبها عليه٢.","footnotes":"١ حاشية الطهاوي على الدر المختار ج٤ ص٢٦٠ ط الثالثة.\r٢ فتح القدير ج٤ ص١٦١ الأميرية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233836,"book_id":3632,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":112,"body":"المسلمون والذمييون: وقاعدة المساواة في سريان النص على الأشخاص\rالشريعة الإسلامية شريعة المساواة والعدل، وأساسها القوي الذي تعتمد عليه في تشريعها الأحكام، والإلزام بها هو القيدة الدينية.\rومن هذا المنطلق كانت معاملتها للمسلم حسبما تقتضي عقيدة الإسلام، ولغير المسلم تقضي عقيدته الدينية.\rومن هنا اختلف تطبيق بعض النصوص، ولم يكن إلزام المسلم، والذمي بها على حد سواء.\rوليس هذا من باب الاستثناء الذي يرد دائمًا في القوانين الوضعية، وإنما هو من باب تأكيد مبدأ العدالة، إذ كيف أن تسوي بين اثنين بالحكم عليهما في قضية واحدة لارتكابهما فعلًا واحدًا بحكم متماثل، بينما عقيدة أحدهما تبيح بالفعل، وعقيدة الآخرة تجرمه.\rوعلى سبيل المثال لا يمكن أن تحكم بحكم متماثل، ومتساو على كل من مسلم وذمي شربا خمرا، إذ إن عقيدة المسلم تجرم ذلك تجريمًا حديًا أما غير المسلم، فقد يعتقد طبقًا لما تعلم إباحة شرب الخمر، وعدم تجريمه١.\rمن هنا كانت الجرائم في الشريعة الإسلامية قسمين:\rالقسم الأول: جرائم يعاقب مرتكبها، مسلمًا كان أم غير مسلم.\rالقسم الثاني: جرائم يعاقب مرتكبها إذا كان مسلمًا فقط.\rوهذا وإن وافق في الظاهر ما في القوانين الوضعية من جعل بعض الجرائم عامًا، يوقع العقاب عليه بالنسبة لكل من يرتكبه من رعايا الدولة، وبعض الجرائم خاصا يعاقب على ارتكابها البعض دون البعض","footnotes":"١ الإقناع ج٥ ص٢٠ ط صبيح ط \"الثالثة\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233837,"book_id":3632,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":113,"body":"الآخر، إلا أن ذلك يخلف في حقيقته، وأساسه وجوهره ما في القوانين الوضعية -إذ أن أساس التفرقة في التشريع الإسلامي، هو ما يعتقد من العقائد الدينية بالنسبة لكل شخص، وليست التفرقة ناتجة عن وضع طبقي أو جاه، أو سلطان.\rومع كل ما سبق بيانه، فقد تبقى بعض الشبه يمكن لمن ولعوا بها أن يثيروها، ويتمثل فيما جاء من خلاف بين أقوال بعض الفقهاء بالنسبة لبعض القضايا الآتية:\r١- يرى الإمام أبو حنيفة أن من شروط الإحسان في جريمة الزنا، الإسلام وعلى هذا فلا يعد الذمي محصنًا عنده، ولا تلزمه عقوبة الرجم إذا زنى، وإنما عقوبة الذمي على ارتكابه جريمة الزنا هي دائمًا الجلد.\rبينما ذهب جمهور فقهاء المسلمين إلى أن الإسلام ليس شرطًا من شروط الإحصان، وعلى هذا فمن الذمي يلزمه ما يلزم المسلم من عقوبة على جريمة الزنا، سواء أكانت العقوبة جلدا أم رجما١.\r٢- يرى الإمام أبو حنيفة القصاص من المسلم إذا قتل ذميًا، تمسكًا منه بعموم النص.\rبينما يرى غيره عدم جواز القصاص من المسلم إذا قتل ذميًا، وأن يكون سلوكه هذا مكونا جريمة في قانون بلده \"جناية، أو جنحه في تمسكا من هؤلاء بما ورد عن النبي ﷺ من أنه لا يقتل مسلم بكافر٢، إذ أنهم قد فسروا الكافر بأنه غير المسلم.\rبينما فسر الإمام أبو حنيفة الكافر بأنه من لا عهد له.\rوأخلاف في ذلك، وما ماثله خلاف في تفسير النص وفهمه.\rوتفسير النص وفهمه أمر من أمور الإجتهاد المشروع الذي لم يختلف أحد على إباحته من فقهاء أهل السنة؛ لأنه يفتح باب شحذ الذهن، وتحري الدقة في استنباط الحكم، وذلك كل مبعث رحمة وهداية٣.","footnotes":"١ بدائع الصنائع للكاساني ج٧ ص٣٨.\rالبحر الرائق لابن نجيم ج٥ ص١١ ط دار المعرفة بيروت.\rالإقناع ج٥ ص٨ الثالثة.\r٢ صحيح البخاري كتاب الديات باب لا يقتل مسلم بالكافر ج٩ ط دار الشعب.\r٣ أستاذي الدكتور سلام مدكور تاريخ التشريع الإسلامي ص٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233838,"book_id":3632,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":114,"body":"المطلب الثاني: الركن المادي للجريمة\rهو مظهر الجريمة المجسد الناتج عما دار في فؤاد مرتكب الجريمة قبل وقوعها، وقيامه بسلوك تسبب في وقوع الجريمة، وتحققها.\rفالركن المادي هو الذي توجد بتحققه الجريمة، وتتخطى مرحلة التفكير، والإعداد إلى حيز الوجود والإعلان، وبذا يمكن إثبات ما كان خفيًا من تفكير وتدبير؛ لأنه لا يمكن إثبات ذلك إلا بقيام الأثر في الخارج.\rوهذا الأثر هو مزاج بين التفكير والسلوك، ما هو إلا المحصلة النهائية لكل ما قام به الفاعل، متجسدًا في النتيجة المجرمة، ويتكون الركن المادي مما يأتي:\rأولًا: السلوك غير المشروع الذي يقوم به الجاني.\rثانيًا: النتيجة التي تنجم عن هذا السلوك، وتتحصل بسببه سواء قصدها الفاعل أو لم يقصدها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233839,"book_id":3632,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":115,"body":"ثالثًا: الصلة التي تربط بين السلوك، والنتيجة بصورة تجعلها ناتجة عنه واقعة بسببه١.\rهذه مكونات الركن المادي التي إذا وجدت تحقق وجوده الذي هو تجسيد للجريمة الكاملة.\rأما إذا لم تكتمل هذه المكونات بسبب قيام مانع خارج عن إرادة الجاني، فإن ما يقع يعد شروعًا في جناية، إلا إذا كان ما وجد يشكل في حد ذاته جناية كاملة من الجنايات، وإن نقصت عن التي كان يريد الجاني تحقيقها.\rهذا ما ذهب إليه فقهاء القانون؛ لأنهم قد عرفوا الشروع بأنه:\rالبدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية، أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها٢.\rوذلك كمن يصوب مقذوفًا لعدوه، يقصد قتله، فيطيش المقذوف، وتنعدم النتيجة تمامًا.\rأو تتحقق النتيجة غير أن علاقة السببية بينها، وبين الفعل قد","footnotes":"١ الجريمة للشيخ أبو زهرة ص٣٨٤ \"العودة للجريمة\" د. محمود نجيب حسني ص٣١٦، شرح قانون العقوبات د. أحمد الألفي ص٢٥٣. د. سمير الجنزوري ص٢٧٠ \"المدخل الإسلامي للفقه الإسلامي د. سلام مدكور ص٧٢٧.\r٢ المادة ٤٥ من قانون العقوبات.\rشرح قانون العقوبات القسم العام د. محمود نجيب حسني ص٣٥٣.\rشرح قانون العقوبات العام د. أحمد الألفي ص٢٨٧، ٢٨٨ شرح قانون العقوبات القسم العام د. محمود مصطفى ص٣٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233840,"book_id":3632,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":116,"body":"انعدمت كما إذا أصاب المقذوف من صوب إليه إصابة يسيرة، وفي أثناء ذلك حدثت غارة جوية، فمات من صوب إليه المقذوف بسبب حدوث الغارة الجوية، وليس بسبب الإصابة اليسيرة الناتجة عن المقذوف.\rففي كلتا الحالتين توافر الفعل الجاني كل عناصر الجريمة التامة، غير أنه لم يحقق الأثر الذي أراده الجاني، ولا علاقة للمقذوف بما وقع من نتيجة لذا، فإن فعل الجاني هنا يعد شروعًا، ويعاقب عليه بعقوبة الشروع، وليس بعقوبة الجريمة الكاملة، فإذا كان عدم اكتمال الجريمة راجعًا إلى إرادة الفاعل نتيجة عدولة الاختياري عن إتمامها، ومحاولته تجنب النتيجة التي كان يبغي تحقيقها بحيث لم تتم هذه النتيجة، فإن الشروع ينعدم حينئذ، وترغيبًا في العدول الاختياري، والحث عليه يرى فقهاء القانون عدم المعاقبة، حنيئذ عما تم قبل هذا العدول الاختياري، وهذا أسلوب من أساليب السياسة الجنائية، يهدف إلى مكافحة الجريمة.\rويعتبر العدول اختياريًا إذا كان نابغا من داخل الجاني نفسه، كأن راجع نفسه، أو أشفق على المجني عليه، أو خاف أن يلحقه عار أو عقاب.\rهذا ما قاله فقهاء القانون١.\rأما فقهاء الشريعة، فإنهم لم ينظروا لما سبق على أساس أنه جريمة ناقصة، فلم يسموه شروعًا، وإنما عالجوه على أساس أنه جريمة لها عقابها الخاص بها، سواء أكان عقابًا محددًا من قبل المشرع، أم من قبل ولي الأمر٢.\rوقد يظن أن فقهاء الشريعة لم يعرفوا الشروع الذي تحدث عنه","footnotes":"١ المراجع السابقة.\r٢ الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٠٦، ٢٠٧ ط مطبعة السعادة التشريع الجنائي للأستاذ عبد القادر عودة ج١ ص ٣٤٥ط دار التراث. الجريمة للشيخ أبو زهرة ص٣٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233841,"book_id":3632,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":117,"body":"القانونيون لكن حقيقة الأمر هي أن فقهاء الشريعة عالجوا ما أسماه رجال القانون شروعا، عالجوه على أساس أنه جرائم لها عقوباتها الخاصة بها.\rفإذا جاء رجال القانون، وأطلقوا على هذا النوع من الجرائم مسميات خاصة بها، فإن ذلك يكون من باب الجرائم المعروفة مسميات عصرية، ولا يعني ذلك اكتشاف ما لم يعرف.\rوالجريمة في كل مراحلها قد يقوم بها شخص واحد، وقد يشاركه آخرون عمله، أو مرحلة من مراحله، لذا لزم بيان المساهمة الجنائية في كلمة موجزه لما لها من صلة بما نحن فيه.\rالمساهمة الجنائية:\rوتعني قيام عدد من الأشخاص بأعمال تقضي في مجموعها إلى قيام جريمة، بحيث يسهم عمل كل شخص منهم في احداث هذه الجريمة، مع قيام رابطة معنوية بينهم جميعًا.\rوعلى هذا يمكن تمييز الجريمة التي تقع نتيجة المساهمة الجنائية عن غيرها من تلك الجرائم التي يرتكبها فاعل واحد بمفرده، مهما تعددت وتغايرت، وأيضًا بين تعدد الجناة، وتعدد جرائمهم، مثلما يحدث عند التجمهر من وقوع حوادث متعددة، من إحراق وتدمير وغير ذلك، دون أن يكون من المتجمهرين اتفاق على إحداث تلك الجرائم.\rولذا فإن كل من يرتكب جريمة يسأل عنه فقد دون غيرها، مما ارتكبه الآخرون، وإن كان هناك توافق بين الإدارات المتعددة إلا أن هذا التوافق، وتوارد الخواطر لا يرقيان إلى مرتبة الاتفاق، وبذا يخرج عن حيز المساهمة الجنائية؛ لأن إرادة كل منهم صادرة عن باعث خاص به، إذا تصادف أن كان لغيره باعث يسير في نفس الاتجاه، فإنه لا يمكن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233842,"book_id":3632,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":118,"body":"أن يترتب عليه مسئولية تضمانية بينهم مع أن عدوانهم قد يقع على شخص واحد١.\rوهذا ما ذهب إليه فقهاء الشريعة، إذ فرقوا بين التوافق والتمالؤ، وحاسبوا من توافقت إرادتهم، فقاموا بارتكاب جرائم، حاسبوهم على أساس مسئولية كل فرد عما قام به من أفعال فقط.\rلأن توافقهم جاء نتجية توارد الخواطر، وليس ناتجًا عن إتفاق سبق أما التمالؤ، فإنه يقضي وجود اتفاق مسبق بين الشركاء، وعزمهم على ارتكاب جريمتهم مجتمعين مستهدفين غرضًا واحد.\rلذا فإن كلا من المتماثلين يعتبر فاعلًا أصليًا، ويسأل عن الجريمة كاملة، وإن كان الإمام أبو حنيفة لا يفرق بين التوافق والتمالؤ، فحكمها واحد عنده، ويسأل كل فاعل في الحالتين عما جناه فقط٢.\rأركان المساهمة الجنائية:\rتقوم المساهمة الجنائية على ركنين أساسيين وضحًا مما سبق وهما:\rالركن الأول: تعدد الجناة، فلو لم يتعدد الجناة لم تكن هناك مساهمة جنائية، وإنما جناية ارتكبها شخص واحد.\rالركن الثاني: وحدة الجريمة، ويراد بها أن تؤدي أفعال عدد من","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات لكل من د. محمود مصطفى ص٣٢٥، ٣٣٤ د. محمود نجيب حسني ص٣٩٨، د. أحمد الألفي ص٣٠٤، ٣٠٦ د. سمير الجنزوري ص٣٥٣، د. رمسيس بهنام ص٣٩١.\r٢ الإقناع لشرف الدين موسى الحجاوي ج٧ ص٢٦١ ص٢٦٣ ط الحلبي الشرح الكبير للدردير ج٤ ص٢١٧، ٢١٨ ط الأميرية تبيين الحقائق ج٦ ص١١٤ ط الأميرية، البحر الرائق ج٨ ص٣١٠ ط أولى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233843,"book_id":3632,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":119,"body":"الأشخاص إلى أحداث جريمة واحدة، نشأت بسبب أفعالهم مجتمعة، في وحدتها المادية والمعنوية.\rويراد بالوحدة المادية: أن تكون نتيجة أفعالهم جميعًا واحدة مترتبة على ما قاموا به، متصلة بكل فعل من أفعالهم اتصال المسبب بالسبب.\rوليس معنى ذلك إنه إذا تخلف فعل واحد من هذه الأفعال تخلفت النتيجة تمامًا وإنما اختلفت النتيجة، سواء انعدمت، أو اتخذت شكلًا آخر.\rويراد بالوحدة المعنوية أن يكون هناك قصد، وإرادة ترتبط بينهم تستهدف تحقيق النتيجة، ويتجسد بذلك القصد وحده الركن المعنوي للجريمة١.\rالمساهمة الجنائية، والجرائم المحددة العقوبة:\rتنقسم الجرائم المحددة العقوبة في الفقه الإسلامي، من حيث قبولها للمساهمة الجنائية، وإمكان وقوعها بالمشاركة من عدمه إلى ما يأتي:\rأولًا: جرائم لا تقع بالمساهمة والاشتراك، ويندر وقوعها من فرد واحد، وهي جرائم الحرابة، إذ إنها عمل يستلزم اشتراك عدد من الأفراد، واتفاقهم على العدوان، وتعاونهم على الإثم.\rفالاتفاق ركن من أركان هذه الجريمة، ولا يتصور إلا بين عدد من الأفراد.","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات د. محمود نجيب حسني ص٤٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233844,"book_id":3632,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":120,"body":"ثانيًا: جرائم شخصية لا يتصور وقوعها بالاشتراك، أو إمكان وجود المساهمة الجنائية في قيام ركنها المادي، إذ هي جرائم فردية بحته.\rوذلك مثل جرائم القذف وشرب الخمر، والزنا؛ لأن من يقارف هذه الجرائم، ويدلي بدلوه فيها لا يعد شريكًا، وإنما هو فاعل أصلي.\rوإذا أمكن تصور قيام جماعة بجريمة من هذه الجرائم، فإن كلا منهم يعاقب على أساس أنه فاعل أصلي، ارتكب جريمة بمفرده.\rثالثًا: جرائم يمكن أن تتأنى من فرد أو من جماعة، أي أن إمكان قيام المساهمة الجنائية فيها متوافر، حتى في إيجاد الركن المادي لكل جريمة من هذه الجرائم، وذلك كما في جرائم السرقة، فإنه يمكن أن يساهم في قيامها أكثر من فرد. كما يمكن أن يقوم بها فرد واحد، وإن كان جمهور الفقهاء قد اشترطوا لمعاقبة المساهمين في قيامها أن يكون كل منهم قد سرق نصابًا، أو سيناله ما قيمته ذلك من المسروق١، ومثل ذلك أيضًا جرائم القصاص، فإنه يمكن أن يقوم بها فرد واحد يمكن أن يقوم بها عدة أفراد، وإن كان الإمام أبو حنيفة لم يعتبر الاشتراك في هذه الجريمة موجبًا للعقوبة الأصلية لها، إلا في حالة ما إذا قتل جماعة فردًا واحدًا، وإن كان ذلك عنده على خلاف القياس٢.\rأنواع المساهمة الجنائية:\rالمساهمة الجنائية باقتضائها قيام عدد من الأشخاص مشتركين بأحداث جناية واحدة، تكون قد شملت نوعين من المساهمة.","footnotes":"١ حاشية الدسوقي ج٤ ص٢٣٥ الخرشي ج٨١ ص٩٥ الموطأ بشرح الرفاني ج٥ ص١١٥، المغني ج٨ ص٢٨٢ مباني المنهاج ج١ ص٢٨٩ المبسوط ح٩ ص١٤٧.\r٢ البحر الرائق ح٨ ص٣٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233845,"book_id":3632,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":121,"body":"لأن المساهمة قد تكون نتيجة لارتكاب بعض الأعمال المكونة للركن المادي للجريمة، وهذه هي السياسة الأصلية.\rوقد تكون المساهمة نتيجة للقيام بعمل غير رئيسي في تنفيذ الجريمة بعيدًا عن الأعمال المكونة للركن المادي لها، وهذه هن المساهمة التبعية.\rوأساس هذه التفرقة: أن الأول يباشر تنفيذ الركن المادي للجريمة، فهو إذا شريك في المباشرة.\rأما الثاني: فإنه يتسبب في الجريمة، باتفاقه أو تحريضه أو بذله العون، ولكنه لا يباشر تنفيذ ركن الجريمة المادي، فهو إذا شريك بالتسبب١.\rالمساهمة الأصلية:\rوهي الحالة التي يكفي لوجودها أن يقوم الفاعل باتيان عمل هو في حد ذاته كاف لاعتباره بادئًا في تنفيذ الجريمة، حتى ولو كان هذا العمل خارجًا عن الركن المادي لها.\rوذلك كمن يوقف عربة بها شخص يقصد قتله، ثم يقوم زميل من أوقف العربة بقتل الشخص الذي بداخلها.\rوكمن يكسر بابا ليمكن آخر من الدخول للسرقة، وتتم السرقة.\rفموقف العربة، وكاسر الباب في هاتين الحالتين قد ساهما مساهمة أصلية في قيام الجريمة، وإن كان فعل كل منهما قد خرج عن حيز الركن المادي للجريمة نظرًا؛ لأن كلا منهما قد توافرت لديه نية من نوع","footnotes":"١ شرح الزرقاني على مختصر خليل ج٨ ص١٠ ط مطبعة محمد مصطفى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233846,"book_id":3632,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":122,"body":"خاص -ولذا اعتبر فاعلين أصليين، ولم يعتبرا شريكين١.\rوما ذهب إليه فقهاء القانون، يوافق ما ذهب إليه الفقه المالكي الذي يسوي بين المباشرة للقتل والإعانة عليه، وحضوره فالمباشرة عند فقهاء الماليكة تصدق على الفاعل، والمعين على الفعل والحاضر وقت وقوع الجريمة، إذا قبل قيامها، واشترط لاعتبار من أعان، أو من حضر مساويين للمباشرة أن يكونوا بحيث لو استعان بهم أعانوه، أو إذا لم يقم المباشر بالقتل قام به الباقون٢.\rوقد خالف هذا جمهور الفقهاء من الأحناف، والشافعية والحنابلة والظاهرية، وقالوا: إن القصاص على من قام بالقتل فقط، وليس على من شارك بعمل يخرج عن حيز الركن المادي قصاص، حتى وإن توافرت لديه نية القتل٣.\rجاء في كتاب الأم: ما ذكر عن أبي حنيفة ﵁ في الرجل يمسك للرجل، فيضربه بسلاح فيموت مكانه، إنه لا قود على الممسك والقود على القاتل، ولكن الممسك يوجع عقوبة، ويستودع في السجن.\rوقال أهل المدينة: إن أمسكه وهو يرى أن يرد قتله قتلا به جميعًا قال الشافعي -رحمه الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ، وقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ ، فكان معروفًا عند من","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات لكل من أحمد نجيب حسني ص٤٠٦ د. محمود مصطفى ص٣٣١، سنة ١٩٧٧م الأسس العامة لقانون العقوبات د. سمير الجنزوري ص٣٦٥ ط سنة ١٩٧٧م.\r٢ مواهب الجليل ج٦ ص٢٤٢، الشرح الكبير ج٤ ص٢١٨.\r٣ البحري الرائق ج٨ ص٣٥٤ برائع الصنائع ج٤ ص١٨٠ المغني ج٩ ص٥٨٠-٥٨١ المحلي ج١٣ ص٥٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233847,"book_id":3632,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":123,"body":"خوطب بهذه الآية أن السلطان لولي المقتول على القتال نفسه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: من اعتبط مسلمًا بقتل فهو قويده، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ . ولم أجد أحدًا من خلق الله تعالى يقتدي به حد أحدًا قط على فعل غير فعل نفسه.. فلو أن رجلًا حبس رجلًا لرجل، فقتله قتل به القاتل وعوقب الحابس، ولا جوز في حكم الله تعالى إذا قتلت القاتبل بالقتل أن أقتل الحابس بالحبس، والحبس غير القتل وروى علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال في رجل قتل رجلًا متعمدًا، وأمسكه آخر.\rيقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت١.\rوما ذهب إليه الجمهور أولى بالاتباع لتوافقه مع ما تقضي به الأدلة، ويراه العقل.\rالمساهمة التبعية:\rوهي الحالة التي يقوم فيها الجاني بعمل ثانوي بحيث لا يعد نشاطه جزءا رئيسيًا في قيام الركن المادي، وإنما هو من عمل تحضيري لا يكفي أن يعتبر فاعله شارعًا في الجريمة بافتراض عدم تمامها.\rولقد حدد القانون ما يمكن أن تتم به المساهمة التبعية، وجعلها التحريض والاتفاق، والمساعدة التي لا ترقى إلى تتميم الجريمة أو تسهيلها، ولا تكون معاصرة لتنفيذ الجريمة، وتسمى الأعمال التحضيرية للجريمة.\rوهي في الأصل أعمال مشروعية في نظر القانون، أي ليس معاقبًا عليها ابتداء، والذي جعلها تدخل في حيز الأعمال غير المشروعة، علاقتها بالأفعال التنفيذية للجريمة.","footnotes":"١ الأم: للإمام الشافعي ج٧ ص٣٠٠-٣٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233848,"book_id":3632,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":124,"body":"والمساهمة التبعية في الجريمة يقرر القانون لها عقوبة الجريمة المساهم فيها، شأنها في ذلك شأن المساهمة الأصلية، إذ يحكمها نص واحد من حيث تطبيق العقوبة عليهما، إلا في بعض حالات مستثناه جعل المشرع فيها للمساهمة التبعية عقوبة أقل من عقوبة الجريمة المساهم فيها١.\rكما أن هناك حالات يغلظ المشرع فيها العقوبة على المساهمة أكثر من العقوبة على الجريمة نفسها٢.\rأما عند فقهاء الشريعة الإسلامية، فالأمر مختلف عما ذهب إليه فقهاء القانون.\rإذ إن الإمام أبا حنيفة لا يسوى بين عقوبة الفاعل الأصلي والشريك، إلا إذا كان الشريك قد أكره الفاعل الأصلي، أو أمره أن يقتل، أمرًا بلغ درجة الإكراه٣.\rأما الأئمة مالك، والشافعي وأحمد، فإنهم لا يسوون بين الفاعل الأصلي والشريك، إلا إذا كان الفاعل الأصلي غير مميز، وكان كالآلة في يد الشريك يحركها كيفما يشاء.\rوإن كان الإمام ملك يرى معاقبة الشريك بعقوبة الفاعل الأصلى","footnotes":"١ المادة ٢٣٥ من قانون العقوبات تقرر أن للشريك في القتل العمد المعاقب عليه بالإعدام، عقوبة الإعدام، أو الأشغال الشاقة المؤبدة.\r٢ المواد ١٣٨، ١٤٠، ١٤٢ من قانون العقوبات تقرر لمن يساعد مقبوضًا عليه على الهرب عقوبة أشد من العقوبة التي يقررها لقانون الجريمة الهارب نفسه، وتزاد العقوبة شدة إذا كان من يساعد على الهرب هو المكلف بالحراسة شرح قانون العقوبات د. محمود نجيب حسنى ص٤١١.\r٣ بدائع الصنائع للكاساني ج٤ ص١٨٠ ط أولى مطبعة الجمالية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233849,"book_id":3632,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":125,"body":"إذا كان حاضرًا وقوع الجريمة، وفي وضع من ينفذها ما لم ينفذها الفاعل الأصلي١.\rويبين مما سبق أن الفقه الوضعي يعاقب من ساهم في جناية، إما بعقوبة الفاعل الأصلي، أو بعقوبة أشد منها، أو بعقوبة أقل، ومعاقبة الشريك بعقوبة مساوية لعقوبة الفاعل الأصلي، أو أقل منها لا تخرج عما رآه فقهاء الشريعة من حيث مقدار العقوبة مع اختلاف في التفصيل بالنسبة للشريك، أما معاقبة الشريك بعقوبة أشد من عقوبة الفاعل الأصلي، فهي التي تحتاج إلى وقفة، إذ هي حالة غير واردة بالنسبة لجرائم القتل.\rومما هو معلوم أن كل عقوبات الفقه الوضعي -غير عقوبة الإعدام- عقوبات تعزيرية، يد المشرع في اختيارها حرة، كما أن للقاضي حرية اختيار أحد حدي العقوبة المقررة للجريمة أو ما بينهما، طبقًا لما يراه مناسبا للحالة التي يحكم فيها.\rوالقاضي حين يحكم على من قام بالمساهمة بعقوبة أشد بما حكم بها على الفاعل الأصلي، فإنه يراعى ما وقع فيه المساهم من خروج عما يمليه عليه واجب العمل المكلف به بالإضافة إلى المُساهمة في الجريمة التي ارتكبها الفاعل الأصلي.\rأما بالنسبة لما ذهب إليه فقهاء الشريعة الإسلامية من تسوية بين عقوبة من أسهم في قتل إنسان، وبين عقوبة الفاعل الأصلي، أو عدم التسوية بين عقوبة كل منهما، فإن المقياس الذي أراه مناسبًا لاعتبار كل منهما فاعلًا أصليًا يجب معاقبته بعقوبة مساوية لعقوبة من","footnotes":"١ النرديري: الشرح الكبير ج٤ ص٢١٦، ٢١٨.\rالشيرازي: المهذب ج٢ ص١٨٩ ابن قدامه المغني ج٩ ص١٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233850,"book_id":3632,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":126,"body":"قام بتنفيذ الجريمة، هو وجود رابطة السببية بين فعل كل من الفاعل الأصلي والمساهم، وبين النتيجة التي تحققت ثمرة لما قاما به.\rفإذا وجدت رابطة السببية بين الفعل الذي قام به الفاعل الأصلي، والفعل الذي قام به المساهم، وبين النتيجة التي تحققت، فإن كلا من الفاعل الأصلي والمُساهم تلزمه عقوبة الجريمة التي وقعت، أما إذا لم توجد رابطة السببية هذه بين فعل المُساهم وبين النتيجة، فإن عقوبة الجريمة التي وقعت تلزم الفاعل الأصلي فقط.\rوإن جاز للقاضي أن يُعاقب المُساهم في هذه الحالة بعقوبة تعزيرية مُناسبة لما وقع منه من فعل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233851,"book_id":3632,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":127,"body":"المطلب الثالث: الركن الأدبي للجريمة\rوهو ما يعنيه فقهاء القانون بالركن المعنوي.\rإذ إن الجريمة ليست كيانًا ماديًا فقط، ولكن هذا الكيان المادي لا بد وأن يُحاط برباط من الصلة النفسية التي تجمع بينه، وبين من يقوم بذلك الكيان المادي للسلوك الذي أسبغ عليه المشرع صفة التجريم، وعاقب على اقترافه، والقيام به كما أم من يقوم بذلك السلوك لا بد، وأن يكون من الأشخاص ذوي الصفة الأدبية، التي تجعلهم أهلًا للمساءلة، وتحمل التبعة، وانضوائهم تحت لواء من يسألون عما يقترفونه من الأعمال التي يحويها المُشرع.\rوقديمًا لم يكن ذلك واضحًا أمام واضعي القوانين، إذ كان يحاكم الحيوان، والجماد، والإنسان على السواء١.\rتغيرت المفاهيم، وأصبحت القواعد القانونية لا تلزم إلا بمساءلة الإنسان عما يأتيه من الأعمال.\rذلك؛ لأن الإنسان وحده هو صاحب الإرادة التي يعتد بها لدى المُشرع، وهو الذي يوجه تلك الإرادة حسبما يشاء ورغب، وإن كان هناك من رأي أن بعض العوامل تؤثر على سلوكه إلى حد الوصول إلى حتمية السلوك.","footnotes":"١ شرع قانون العقوبات د. محمود نجيب حسني ص٥٣١ ط سنة ١٩٧٧م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233852,"book_id":3632,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":128,"body":"كما أن المسئولية الأدبية تمر بمراحل تحتم أن تكون العقوبة أحيانًا في شكل تدبير احترازي أو تعزيري، حسبما يتفق وحال من خالف أمر المشرع، وما يستلزم البحث بيانه هنا هو ما يقوم به الركن الأدبي لدى الجاني، ويصبح به أهلًا للمساءلة الجنائية، وذلك محدد في عنصرين أساسيين:\rأولهما: الإدراك: إذ لا بد من أن يكون من يقوم بالسلوك مدركًا إدراكًا يعتد به حتى يمكن معاقبته على سلوكه.\rفإذا فقد هذا العنصر من قام بالسلوك، انعدمت مساءلته جنائيًا عما قام به استنادًا لما قاله رسول الله ﷺ: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ\" ١.\rثانيهما: الاختيار: أي أن يكون من قام بالسلوك المُعاقب عليه، قد قام بسلوكه مختارًا بناء على رغبة منه واختيار حر.\rفإذا اختلت إرادة من يقوم بالسلوك: فإن تلك الإرادة تصبح إرادة معينة، وعليه تنعدم مساءلة صاحب هذه الإرادة المعينة٢.\rلأن الأصل أنه لا يساءل جنائيًا إلا من أتي متعمدًا فعلًا قد حرمه الشارع لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٦ ص١٦٠، سنن أبي داود ج٢ ص٤٥٢ ط مصطفى الحلبي.\r٢ أصول الفقه للشيخ الخضري ص١٠٩ ط ثانية، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ج١ ص٢٥١ ط دار الكتب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233853,"book_id":3632,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":129,"body":"مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ١. هذا هو الأصل، وإن كانت الشريعة قد عاقبت على الخطأ في بعض الجرائم استثناء من هذا الأصل، كما هو الحال في عقابها على جرائم القتل الخطأ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ٢.\rهذه بعض الجوانب المتعلقة بالجريمة فيما يتصل بموضوع البحث، حاولت فيها إلقاء الضوء على ما لفقهاء الشريعة الإسلامية من وجهات نظر في كل ما عرضت من موضوعات، مقارنا ذلك بما ذهب إليه فقهاء القانون الوضعي.\rوقد ظهر واضحا في كل ذلك مدى سمو نظرة الشريعة الإسلامية، وأصالتها وشمولها، سمو من شرعها على غيره ممن خلق، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ .","footnotes":"١ الآية: ٥ من سورة الأحزاب، والتي يتضح منها أنه لا يعاقب على الجرائم العمدية إلا من قام بها متعمدا إتيانها أما من وقعت منه هذه الجرائم العمدية بطريق الخطأ، فإنه لا يعاقب عليها بعقوبتها الموضوعة لمن أتاها عمدا.\rكما أن من وقعت منه الجريمة العمدية، وهو مكره على إثباتها إكراها يعتد به فإنه أيضا لا يلزم بعقوبتها، كما روي من قول الرسول ﷺ: \"إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\"، وما روي من أن رقيقا وقع على وليدة، فاستكرهها حتى اقتضها، فجلده عمر ونفاه ولم يجلد الوليدة؛ لأنها استكرهت\"، سنن ابن ماجه ج١ ص٦٥٩ ط الحلبي، صحيح البخاري ج٩ ص٢٧ ط دار الشعب.\r٢ من الآية ٩٢ من سورة النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233854,"book_id":3632,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":130,"body":"الفصل الثاني: العقوبة وبعض الجوانب المتعلقة بها\rالمبحث الأول: العقوبة وأقسامها\rالمطلب الأول: معنى العقوبة\r...\rالفصل الثاني: العقوبة وبعض الجوانب المتعلقة\rالمبحث الأول: العقوبة معناها وأقسامها\rويشتمل على مطلبين.\rالمطلب الأول: معنى العقوبة.\rالمطلب الثاني: أقسام العقوبة.\rالمطلب الأول: معنى العقوبة\rجاء في كتب اللغة: عاقبته عقابا، ومعاقبة بذنبه وعلى ذنبه: أخذه به واقتص منه والاسم العقوبة.\rوالعرب تقول: أعقبت الرجل: أي جازيته بخير وعاقبته: أي جازيته بشر.\rفالعاقبة الجزاء بالخير والعقاب الجزاء بالشر١. وعرفها الفقهاء بأنها جزاء وضعه الشارع للردع عن ارتكاب ما نهى عنه، وترك ما أمر به٢.\rوذكر الفقهاء الأحناف أن الحد هو العقوبة المقدرة شرعا، وقال المرغيناني: الحد هو العقوبة المقدرة لله تعالى، وعلى هذا فلا يسمى القصاص حدا؛ لأنه حق العبد.\rولا التعزير لعدم التقدير على ما عليه عامة شيوخ الأحناف، أما على","footnotes":"١ المنجد: مادة عقب ط بيروت سنة ١٩٣٧م.\r٢ أستاذي الدكتور سلام مدكور المدخل للفقه الإسلامي ص٣١، وقد عرف المارودي الجريمة بأنها محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير، فالعقوبة عنده هي هذه الزواجر التي وضعت لكل من ارتكب محظورا شرعيا، الأحكام السلطانية ص٢١٤ط المطبعة المحمودية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233855,"book_id":3632,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":131,"body":"التعريف الأول الذي يورد القيد المذكور من كونه حقا لله، فيسمى القصاص حدًّا١.\rوقد بين الشاطبي أن حق الله وحق العبد ثابتان في كل حكم، ورأي أن حق الله هو عبادته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وحق العبد ما فيه مصلحة للعباد إما عاجلا، وإما آجلا٢.\rكما عرف القانونيون العقوبة بأنها الجزاء الذي يقرره القانون، ويوقعه القاضي، من أجل الجريمة، ويتناسب معها.\rأو بأنها جزاء يوقع باسم المجتمع تنفيذا لحكم قضائي على من تثبت مسئوليته على الجريمة، فالعقوبة جزاء ينطوي على ألم يحيق بالمجرم نظير مخالفته القانون٣، وتعريفات فقهاء الشريعة تؤدي في مجموعها إلى أن العقوبة هي:\rالجزاء الذي يستحقه الجاني نظير ما وقع عنه منه من معصية لأمر الشارع، أو نهيه سواء أكان هذا الجزاء مقدار من قبل الله سبحانه","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢١٢، وقد ذكر القرطبي عند بيانه معنى قول الله ﷾: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ \"أن معنى ذلك من جازى الظلم بمثل ظلمه، فيسمى جزاء \"العقوبة جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في الصورة، فهو مثل ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية ٤٠ من سورة الشورى، ومثل ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ \"من الآية ١٩٤ من سور البقرة\" الجامع لأحكام القرآن ج٥ ص٤٤٨٢.\r٢ يراجع المدخل للفقه الإسلامي ص٤٢٤، وقد بين ابن تيمية، وأن العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الخلق، وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم، الفتاوي ص١٧١، وراجع المدخل للفقه الإسلامي ص٧٣١.\r٣ شرح قانون العقوبات د. محمود نجيب حسني ص٧٢١.\rشرح قانون العقوبات د. محمود مصطفى ص٥٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233856,"book_id":3632,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":132,"body":"وتعالى، حقًا لله أو للعبد، أو كان مقدرا من قبل ولي الأمر بما خول الله له من سلطة.\rولا تختلف تعريفات القانونيين عن ذلك كثيرًا، سوى أن من العقوبة من وجهة نظر الشريعة، ما هو مقدر ومحدد، من قبل الله ﷾، فإذا ثبتت جنايته حكم القاضي بما حدده المشرع، من غير زيادة أو نقصان.\rومن العقوبات ما هو متروك لولي الأمر يحدده، ويقدره بقدر الجريمة مع مراعاة الظروف التي أحاطت بها، متوخيًا تحقيق العدالة١، أما العقوبة من وجهة النظر القانونية، فإنها مقدرة كلها من لدن ولي الأمر غير أن لكل عقوبة حدا أعلى وحدا أدنى، وللقاضي سلطة اختيار العقوبة المناسبة من بين ما قدره ولي الأمر للواقعة مراعيًا الإطار الذي حدده القانون.\rوسيتضح ذلك كله بما له، وما عليه من خلال ما سيأتي من حديث عن أقسام العقوبة، وبيان كل قسم.\rوكذا فيما سيتبع ذلك من بيان الملامح البارزة، والهامة للنظام العقابي، كما وضعته الشريعة الإسلامية مستهدفة العدل، والإصلاح، والرحمة.","footnotes":"١ المدخل للفقه الإسلامي د. سلام مدكور ص٧٣٣.\rالعقوبة للشيخ أبو زهرة ص٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233857,"book_id":3632,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":133,"body":"المطلب الثاني: أقسام العقوبة\rتنقسم العقوبة باعتبارات مختلفة إلى أقسام عدة:\rفتنقسم أولًا باعتبار ذاتيتها إلى:\r١- عقوبة أصلية.\r٢- عقوبة بديلة.\r٣- عقوبة تبعية.\r٤- عقوبة تكميلية.\r١- العقوبة الأصلية:\rهي العقوبة التي حددها المشرع الحكيم، ونص على لزومها لكل من أتى جريمة معينة.\rومن ذلك العقوبات الحدية التي نص الشارع على وجوبها على من ارتكب من الجنايات الحدية، كالسرقة أو الزنا أو شرب الخمر، عند من رأى ذلك.\rومثل عقوبة القصاص التي تلزم كل من ارتكب جناية من الجنايات التي توجبها، وكذا الدية والكفارة.\rوكالعقوبات التعزيرية التي نص المشرع عليها، ولم تصل مقدار العقوبة للحدية.\r٢- العقوبة البدلية:\rهي العقوبات التي يلزم بها الجاني لسبب من الأسباب، التي يراها المشرع مانعة من إلزام الجاني العقوبة الأصلية المقررة للجنايات التي ارتكبها.\rوذلك كما إذا اندرأ الحد عن الجاني لقيام شبهة من الشبهات المانعة من إلزام الجاني العقوبة الحدية لكن الجناية لا تزال قائمة، ففي مثل ذلك يلزم الجاني بعقوبة من العقوبات البدلية على سبيل التعزير كإلزامه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233858,"book_id":3632,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":134,"body":"الدية مثلا بدلا من القصاص الذي اندرأ عنه لسبب من الأسباب التي يقرها الشرع.\rوالعقوبات البدلية هذه ما هي في حقيقتها، إلا عقوبات أصلية غير أنها أخف من غيرها.\rولذا فإن القاضي لما لم يلزم الجاني بالعقوبة الأشد لسبب شرعي ألزمه بعقوبة أصلية أخرى، ولكنها هنا بدلًا من العقوبة الأشد.\r٣- العقوبة التبعية:\rهي العقوبة التي تلزم الجاني بناء على ما ارتكب من جناية استحق بارتكابها عقوبة من العقوبات الأصلية، التي يترتب على الحكم بها عليه، إلزامه بعقوبة أخرى لم ينص عليها القاضي في حكمه، ولكنها مترتبة على ارتكاب الجريمة، والحكم عليه بعقوبتها، ومثل ذلك: حرمان القاتل من أن يرث المقتول، فإن الحرمان هنا عقوبة تبعية تلزم الجاني بمجرد حكم القاضي عليه بأنه هو الذي -أي الجاني- ارتكب جناية قتل مورثه.\r٤- العقوبة التكميلية:\rهي العقوبة التي تلحق الجاني نتيجة الحكم عليه بعقوبة أصلية بشرط أن ينص القاضي في حكمه على إلزام الجاني العقوبة التكميلية، ومثل ذلك: عقوبات النفي أو التغريب، التي ينص القاضي في حكمه على إلزام الجاني بجانب عقوبته الأصلية، عقوبة التغريب هذه.\rوالعقوبة التكميلية توافق العقوبة التبعية في أن كلًا منهما تأتي مترتبة على الحكم بعقوبة أصلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233859,"book_id":3632,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":135,"body":"ويختلفان في أن العقوبة التكميلية لا بد وأن يحكم بها القاضي على الجاني، مع حكمه عليه بالعقوبة الأصلية.\rأما العقوبة التبعية، فإنها لا يشترط فيها ذلك، إذ أنها تلزم الجاني بمجرد إلزامه بعقوبة أصلية من العقوبات التي يتبعها غيرها.\rهذه هي أقسام العقوبة باعتبار ذاتيتها.\rولما كان هذا البحث خاصًا بالشبهات التي تعترى العقوبات الحدية، التي هي أحد أنواع العقوبات الأصلية.\rلذا فسأقصر التفصيل على بيان هذه العقوبات الحدية التي هي مقررة، ومحددة من لدن المشرع الحكيم.\rبادئا ببيان الحكمة من تقسيم العقوبات إلى عقوبات حدية، وعقوبات تعزيرية.\rمعرفًا العقوبة الحدية، ذاكرًا العقوبات التي حددها المشرع الحكيم، ونص على بيانها.\rأولًا: الحكمة من تقسيم العقوبات إلى حدية، وتعزيرية\rقد يسأل سائل لماذا حدد المشرع بعض العقوبات، ونص على ذلك وبينه، وترك البعض الآخر ولم يحدده؟\rأو يقول قائل: لماذا لم يترك المشرع لولي الأمر شأن تحديد العقوبات كلها، وتقديرها حسبما يرى ولي الأمر ويقدر؟\rوالإجابة عن مثل هذا سهلة ميسورة لمن تدبر حكمة المشرع ورعاها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233860,"book_id":3632,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":136,"body":"أما بالنسبة للسؤال الأول: فإن المتدبر أن المشرع الحكيم العليم الخبير بالنفوس والعقول، في كل أطوارها وأزمانها، يعلم أن الناس سيعتريها، من الأحداث والأحوال، وأمور دينها ومعيشتها ما ينشأ عنه استحداث أمور لم تكن من قبل موجودة؛ لأن الأحداث، والأشياء لا تنتهي عند حد أو زمن.\rلذا ورعاية من المشرع الحكيم لخلقه، لم ينص على كل العقوبات على سبيل الحصر والتحديد، والتقدير.\rوإنما ترك لولي الأمر أن يضع من العقوبات، ويستحدث ما يناسب الجرائم المختلفة التي تستحدث، وتنشأ تبعًا لتطور الأحداث، واختلاف الظروف والأحوال.\rواقتصر ﷾ على تحديد بعض العقوبات، وتقديرها بالنسبة لجرائم معينة ناط بها هذه العقوبات المقدرة من لدنه، حفظًا للأمور الضرورية للإنسانية جمعاء، والتي لا تختلف بالنسبة لأنفس دون آخرين، ولا لزمن دون زمن.\rأما بالنسبة للسؤال الثاني: فإن من تبصر يجد أن الشريعة الإسلامية هدفها خلق المجتمع الفاضل، الذي يأمن الناس فيه على أنفسهم، وأعراضهم، ودينهم ودنياهم، وكل ما لا تتحقق إنسانيتهم إلا به من ضروريات لذا رأى المشرع هذه الضروريات، وحدد عقوبة من يعتدي عليها، لا فرق بين رئيس ومرءوس أو غني وفقير، وإنما الجميع سواء.\rأما عدا ذلك، فلولي الأمر أن يضع من التشريعات ما يحميه، ويحفظه ملتزمًا في ذلك الحق، والعدل بالصورة التي يرضى عنها الله ورسوله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233861,"book_id":3632,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":137,"body":"ثانيًا: العقوبة الحدية\rالحد في اللغة المنع.. لذا سمي البواب حدادا، لمنعه الناس من الدخول، وسمي السجان حدادا لمنعه من في السجن من الخروج.\rويطلق للحد على الفصل بين الشيئين؛ لئلا يختلط أحدهما بالآخر، وجمعه حدود وحد كل شيء منتهاه؛ لأنه يرده ويمنعه عن التمادي، وحدود الديار نهايتها لمنعها ملك الغير عن الدخول فيها، أو خروج بعضها إليه.\rويسمى اللفظ المانع حدا؛ لأنه يجمع معنى الشيء، ويمنع دخول غيره فيه، وسميت العقوبات حدودا؛ لأنها موانع من ارتكاب أسبابها معادوة، وحدود الله محارمه؛ لأنها ممنوع عنها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ ، وهي أيضا أحكامه؛ لأنها تمنع من التخطي إلى ما وراءها ومنه ﴿حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ ١، أما عند الفقهاء فالحد يطلق على العقوبة شرعًا، ومنهم زاد على ذلك قيدًا آخر بقوله \"حقًا لله تعالى\"٢.\rفمن رأي أن الحد هو العقوبة المقدرة شرعًا، جعل المعيار عنده للتسمية تقدير الشارع للعقوبة، سواء أكان الحق المعتدى عليه لله ﷾، كما في جنايات الزنا والسرقة مثلًا.\rأم كان الحق المعتدى عليه حقًا للعبد كما في الجنايات المعاقب عليها قصاصًا، وكون العقوبة الحدية مقدرة من لدن الشارع الحكيم، ويترتب","footnotes":"١ لسان العرب.\r٢ البحر الرائق ج٥، ص٢، شرح التحرير ج٢، ص٤٢ط الحلبي كشاف القناع للبهوتي ج٦، ص٧٧، المبسوط ج٩، ص٣٦، شرح الزرقاني ج٤، ص٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233862,"book_id":3632,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":138,"body":"عليه مغايرتها للعقوبات التعزيرية؛ لأن تقدير هذه العقوبات مرده لولي الأمر، وقد يشاره في ذلك القاضي الذي يحكم الواقعة من هنا، فإن من يرى أن الحدود هي العقوبة المقدرة شرعًا، جعلها تشمل القصاص وحد القذف، وحد الردة، وحد الزنا، وحد السرقة، وحد الشرب على الرأي القائل بأنه من العقوبات الحدية.\rأما حد قطع الطريق، فمن الفقهاء من عهده حدا متميزا، ومنهم من اكتفى بذكر حد السرقة، وجعل نوعين سرقة صغرى وسرقة كبرى، وأطلق السرقة الكبرى على قطع الطريق، لما فيه من الإرهاب وإخافة السالكين، وما إلى ذلك١.\rومن زاد على تعريف الحد السابق \"حقا لله\"، فإنه قصر العقوبات الحدية على العقوبات التي ليس للعبد حق فيها يخول له إسقاطها، أو إبدالها بغيرها.\rوالعقوبات الحدية عند أصحاب هذا الاتجاه هي: حد الزنا، وحد السرقة، وحد الشرب عند عده عقوبة مقدرة، \"وحد القذف\"؛ لأنه متى ثبت لم يعد للمجني عليه حق إسقاطه، وحد السكر عند من يشترط للعقوبة على شرب أنواع معينة من الشراب أن تصل بمن شربها إلى السكر.\rكما أن من أصحاب هذا الاتجاه من ذكر قطع الطريق، ومنهم من لم يذكره باعتبار أنه داخل في حد السرقة الذي يشمل السرقة الصغرى، والسرقة الكبرى.\rكما أن هؤلاء أيضًا من لم يذكر حد الردة، بناء على أن المرتد","footnotes":"١ تحفة المُحتاج لأحمد بن حجر ج٩، ص١٠١ ط مصطفى محمد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233863,"book_id":3632,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":139,"body":"عندما يعامل معاملة الكافر الحربي من حيث إهدار الدم، وكما أنه لا يسمى قتل الكافر الحربي حدًا.\rكما أن من قيد الحد يذكر قيد \"حق الله\"، جعل منه حد البغي الذي هو عقوبة مقدرة حقًا لله تلزم كل من خرج على الإمام، بشروطها كما أخرج عقوبة القصاص من الحدود؛ لأنها وإن كانت عقوبة مقدرة شرعًا، إلا أنها حق للعبد يمكنه التنازل عنه وإسقاطه، حتى بعد الحكم بها على الجاني١.\rوما كان كذلك من العقوبات، فإنه يكون قد خرج عن النطاق الذي رسمه رسول الله ﷺ للعقوبات الحدية، إذ العقوبات الحدية لا يجوز إسقاطها، أو الشفاعة فيها، إذا وجبت وألزم الجاني بها.\rفالرسول ﷺ قد أنكر شفاعة من جاء يشفع في حد من حدود الله تعالى، وقال: ﷺ: \"فما بلغني من حد، فقد وجب\" ٢.\rلهذا كله، فسأقصر حديثي على العقوبات الحدية التي تلزم الجاني، ولا تسقط عنه، طالما ارتكب حدها، وألزمه القاضي بها.","footnotes":"١ كشاف القناع ج٦، ص٧٧ وما بعدها، بدائع الصنائع ج٧، ص٣٣، البحر الرائق ج٥، ص٢٧-٣١ المبسوط ج٩، ص١٣٣.\rحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج٤، ص٢٩٨-٣٠٠.\r٢ شرح فتح الباري على صحيح البخاري ج١٢، ص٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233864,"book_id":3632,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":140,"body":"عقوبة جريمة الزنا:\rتختلف النظم التشريعية الوضعية في نظرتها إلى الزنا، فالتشريع الإنجليزي لا يعقاب على الزنا حتى وإن وقع من زوج أو زوجة، ووجهة النظر عندهم مبنية على أساس أنه لا فائدة من معاقبة من لا تردعه مبادئ الأخلاق، هذا فضلًا على أن إثارة الفضيحة قد ينجم عنها ضرر بالعائلة، أبلغ مما يترتب للمجتمع.\rالجزاء الطبيعي في نظر المشرع الإنجليزي هو الحكم بالطلاق، أو الفرقة١، أما باقي التشريعات الوضعية الأخرى، فإنها تتفق والتشريع الإنجليزي في عدم العقاب على الزنا إذا ما تم برضاء الرجل والمرأة، إذ أن ما تم بينهما في نظر هذه التشريعات علاقات شخصية بحتة لا يتدخل القانون فيها، طالما ليست هناك علاقة زوجية تربط أحدهما بشخص آخر.\rأما ما تعاقب عليه من زنا، فهو ما وقع من رجل، أو امرأة أثناء ارتباطهما بزواج صحيح من وجهة النظر القانونية.\rوالعقاب هنا في حقيقته ليس عقابًا على الفعل، وإنما عقاب على الاعتداء على حرمة العلاقة الزوجية.\rكما أن هذه النظم ضيقت من داترة العقاب على ذلك، فاشترطت لتحريك الدعوى، أن يقوم به المجني عليه وحده.","footnotes":"١ كما أوصى المؤتمر الدولي التاسع لقانون العقوبات المنعقد بلاهاي في أُغسطس سنة ١٩٦٤م بعدم تحريم الزنا.\rشرح قانون العقوبات القسم الخاص أ. د. محمود مصطفى ص٣٣٤ط سنة ١٩٧٥م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233865,"book_id":3632,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":141,"body":"كما نص المُشرع المصري على أن هذه الجريمة لا تقوم بالنسبة للزوج، إلا إذ وقع منه الزنا في منزل الزوجية.\rوجعل للزوج الحق في إسقاط العقوبة عن زوجته إذا زنت حتى بعد الحكم النهائي عليها.\rثم بعد ذلك كله جعل عقوبة الزوجة إذا زنت الحبس مدة لا تزيد على سنتين، وعقوبة الزوج إذا زنى الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر١.\rهذه هي نظرة التشريعات الوضعية لجريمة الزنا، والعقوبة عليها.\rأما الشريعة الإسلامية، فإنها قد وضعت من النظم ما يمكن معه للإنسان السوي أن يعف نفسه، ويحفظ عرضه من الدنس، ولم تبح العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة بأي صورة من الصور إلا في ظل العلاقة الشرعية، التي تكفلت الآيات القرآنية ببيانها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٢، والعادون هؤلاء رصدت لهم الشريعة الإسلامية من العقاب ما يكفل إصلاحهم، وتخليص المجتمع من شرهم، والقضاء على هذه الجريمة، فهي قد أمرت برجمه إن كان محصنًا، وجلده إن كان غير محصن.","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات، لقسم الخاص أ. د. محمود نجيب حسني ص٤٥٧، وما بعدها في أصول النظام الجنائي الإسلامي د/ محمد سليم الغواص ٢٠٠، وما بعدها دار المعارف.\r٢ الآيات ٥، ٦، ٧ من سورة المؤمنين ٢٩، ٣٠، ٣١ من سورة المعارج.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233866,"book_id":3632,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":142,"body":"الرجم عقوبة الزاني المحصن:\rيطلق الرجم على الرمي بالحجارة، ويطلق على القتل، أي على النتيجة التي يؤدي إليها الرجم، ويطلق أيضًا على ما يرجم به، كما يطلق على العقوبة التي تجب على الزاني المحصن، ويلزم بها١.\rوهذا ما جاءت به السنة الشريفة، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\". رواه الجماعة إلا البخاري والكسائي٢.\rكما ورد أن النبي ﷺ قد حكم في قضية العسيف بقوله:\r\"الوليد والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها\" ٣.\rهذا وغيره كثير مما رواه الصحابة الأجلاء من قول الرسول ﷺ ومن فعله، يدل على أن عقوبة الزاني المحصن هي الرجم.\rوقد ذكر فقهاء الحنابلة، فيما استدلوا به على وجوب رجم الزاني المحصن، ما روي عن ابن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: كان فيما","footnotes":"١ معجم ألفاظ القرآن الكريم ط، ص٤٧١-٤٧٩ط الهيئة المصرية للتأليف والنشر.\r٢ مشكاة المصابيح ج٢، ص٢٢٨، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ج٢، ص١٨٦، النووي على مسلم ج١١، ص٢٠٧.\r٣ نيل الأوطار ج٧، ص ٩٧-١٠٦ط الحلبي تفسير القرطبي ج٢، ص١٦٥٢-١٦٥٨ط، دار الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233867,"book_id":3632,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":143,"body":"أنزل آية الرجم فقرأتها ووعيتها، وقرأ الآية: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم١.\rوعد الأصوليون ذلك مما نسخ لفظه، وبقي حكمه٢.","footnotes":"١ المغني ج٣، ص٢٠٠، ج٨، ص١٥٧-١٥٨ مكتبة الجمهورية العربية نيل الأوطار للشوكاني ج٧، ص١٠٢ ط مصطفى الحلبي.\rفتح الباري شرح صحيح البخاري ج٢ ص١١٩.\rأصول الفقه الإسلامي أ. د/ سلام مدكور ص١٠ط دار النهضة العربية.\r٢ وجود مثل هذا مما نسخ لفظه، وبقي حكمه فرض مرفوض، القول به غير مقبول وغير معقول، وما ورد من ذلك منسوب إلي السيدة عائشة ﵂، وإلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- يحتاج إلى تحقيق، فقد استبعده البعض، كما أن صحة السند لا تعني في كل الأحوال سلامة المتن.\rفقد نسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: ولولا أن يقال: زاد عمر في المصحف لكتبتها.\rوذلك يوهم أن لفظها لم ينسخ، مع أن من رواها يقول: أنها منسوخة اللفظ.\rومما يطعن في أن يكون مثل ذلك فيما أنزل من القرآن، أن الآية كما يطلق عليها جاءت بعبارات مختلفة في كل رواية من الراويات المتعددة، التي تحدثت بها.\rفمن الروايات ما ذكرت قيد الزنا بعد ذكر الشيخ والشيخة، ومنها ما لم نذكره، ومنها ما ذكرت عبارة \"نكالًا من الله\"، وأخرى لم تذكرها، رواية تعلل الحكم، فتورد \"بما قضيا من اللذة\" إلى آخر ذلك من الائتلافات، وما هكذا تكون الآيات القرآنية، ولو نسخ لفظيًا، كم أنه يقال: كنت أقول كذا، لغير القرآن وعمر -رضي الله تعالى عنه- قال: ولولا أني أكره أن يقال: زاد عمر في القرآن لزدته، إذا فهذا ليس من القرآن. النسخ في القرآن الكريم أ. د/ مصطفى زيد ص٢٨٣-٢٨٥ط دار الفكر العربي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233868,"book_id":3632,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":144,"body":"وهو قول لا مبرر لوجوده ولا حكمه من ورائه، وقد ذكر ابن كثير أن هذا مما نسخ لفظه وحكمه١.\rوعلى هذا فعقوبة الرجم المحصن جاءت بها السنة الشريفة، لذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في المرأة التي جلدها ورجمها: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله، وهذا ما استقر عليه رأي الفقهاء عدا الأزارقة من الخوارج، الذين قالوا: إن ما جاء به القرآن الكريم من عقوبة الزاني هو الجلد بكرًا أم ثيبًا، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢.\rوهذا فقط هو الثابت عندهم بطريق القطع واليقين، أما الرجم واليقين للأخذ بما جاء عن طريق أخبار الآحاد.\rولأن ذلك في رأيهم يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة، وهو غير جائز٣.","footnotes":"١ تفسير ابن كثير ج٣، ص٤٦٥، الحلبي سنة ١٣٧٦هـ.\r٢ من الآية ٢ من سورة النور.\r٣ خبر الآحاد قسم من أقسام السنة النبوية المُطهرة، روي عن الرسول ﷺ رواية لم تبلغ حد التوتر أو الشهرة، وهذا القسم ينقسم من حيث قبوله إلى صحيح وحسن لذاته، وحسن لغيره، وضعيف.\rوالثلاثة الأولي مقبولة ويعمل بها، أما الضعيف فغير مقبول إذا اعتضد شاهد، أو متابع.\rويروي الجبائي، ومن وافقه أن العمل بخبر الواحد مستحيل، بما يستلزمه من احتمال إحلال الحرام، وتحريم الحلال، وهو باطل.\rوقد رد ذلك على الأستاذ الدكتور/ سلام مدكور بقوله: هذا احتمال يقابله احتمال آخر رجع ما دام الراوي عدلا، فإن احتمال الصدق في خبره أقوى، وأرجح والعمل به هو ما أجازه جمهور العلماء، مناهج الاجتهاد أ. د/ سلام مدكور ص٤٥-٤٩ ج١، ص١٩٦٩ أصول الفقه الإسلامي أ. د/ سلام مدكور ص١١٦-١٧ط سنة ١٩٧٦. الأحكام للآمدي ج١، ص١٦١ط دار المعارف سنة ١٩١٤م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233869,"book_id":3632,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":145,"body":"وما ذهبت إليه هذه الفرقة من الخوارج، دعوى واهية، فرجم الزاني المحصن قد ثبت وروده عن النبي ﷺ من طرق روايات كثيرة، كما أن القضايا التي تحكم فيها بالرجم من القضايا المشهورة، والتي ألزم فيها الرسول ﷺ من زنى وهو محصن عقوبة الرجم، مسلمًا كان أم كتابيا١.\rكما أن القول برجم الزاني المحصن، لا يترتب عليه نسخ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، وإنما هو من باب التفصيل والبيان تخصيص الجلد بغير المحصن، وتخصيص القرآن بالسنة أمر جائز٢، بل إن هناك من أجاز نسخ القرآن","footnotes":"١ نيل الأوطار للشوكاني ج٧، ص١٠٣-١٠٦ط، مصطفى الحلبي النسخ في القرآن أ. د/ مصطفى زيد، ص٨٢٨: ٨٣٦.\r٢ يقول أ. د/ سلام مدكور: يخصص القرآن بالسنة، ومن ذلك تخصيص حل البيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ، بما ورد في السنة من النهي عن البيوع الفاسدة، وتخصيص عموم تحريم الربا =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233870,"book_id":3632,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":146,"body":"بالسنة، وإن كان الإمام الشافعي، والإمام أحمد، ومن تابعهما لا يرون ذلك١.\rوقد قال ابن المنذر عارض بعضهم الشافعي، فقال: الجلد ثابت على البكر بكتاب الله، والرجم ثابت بسنة رسول الله، كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه٢.\rوتصبح عقوبة الزاني المحصن هي الجلد والرجم، وعلى الأخذ بهذا لا يبقى وجه للقول بالنسخ الذي اعترضه الأزارقة.\rكما أن عمر بن عبد العزيز -رضي الله وتعالى عنه- الذين يعدهم","footnotes":"= بما ورد في السنة من ترخيص رسول الله ﷺ في بيع العرايا بخرصها، فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق، أصول الفقه الإسلامي ص١٢١.\rويذكر أ. د/ زكريا البري أن من السنة ما يخصص ما جاء به القرآن عامًا، وذلك كحديث: \"نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\"، فقد خصص هذا الحديث عموم قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْإِنْثَيَيْنِ ... ﴾ ، وجعله غير شامل للأنبياء.\rأصول الفقه الإسلامي ص٧٤٢ دار النهضة العربية سنة ١٩٧٩.\r١ أصول الفقه الإسلامي أ. د/ محمد سلام مدكور ص١٠٩ط دار النهضة العربية سنة ١٩٧٦م.\rالنسخ في القرآن الكريم أ. د/ مصطفى زيد ص٢٠٣-٢٠٤، ص٨٢٨-٨٣٦ دار الفكر العربي.\r٢ نيل الأوطار للشوكاني ج٧، ص١٠٣ط مصطفى الحلبي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233871,"book_id":3632,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":147,"body":"للجمهور من الخوارج كذلك -فبينوا أن عقوبة الرجم ثابتة بسنة رسول الله ﷺ، ثم وصفوا الأزارقة الذين رأوا غير ذلك بالكفر، والخروج من الدين١، ٢.\rوجمهور الفقهاء، وإن اتفقت كلمتهم على التفرقة بين عقوبة المحصن، وعقوبة غيره إذا زنا، إلا أنهم لم يتفقوا فيما قبل من جلد الزاني المحصن قبل رجمه.\rفقد ذهب الظاهرية، والشيعة الزيدية كما ورد في رواية عن فقهاء الحنابلة أيضًا، إلا أن المحصن إذا زنى يجب أن يجلد مائة جلدة قبل أن يقام عليه حد الرجم.","footnotes":"١ جاء رسل الخوارج إلا عمر بن عبد العزيز ﵀، وكان في جملة ما عابوا عليه الرجم، وقالوا: ليس في كتاب الله إلا الجلد ... فقال لهم عمر: وأنتم لا تأخذون إلا بما في كتاب الله؟ قالوا: نعم. فأخبروني عن عدد الصلوات المفروضات، وعدد أركانها، وركعاتها، ومواقيتها أين تجدونه في كتاب الله تعالي؟ وأخبروني عما تجب الزكاة فيه، ومقاديرها ونصبها؟ فقالوا: لم نجده في القرآن. قال: فكيف ذهبتم إليه؟\rقالوا: لأن النبي ﷺ فعله، وفعله المسلمون بعده، فقال لهم: فكذلك الرجم.\rالمغني ج٨، ص١٥٨ط مكتبة الجمهورية العربية.\rالمحلى لابن حزم ج١٠، ص١٩٦ط مكتبة الجمهورية العربية.\r٢ المدونة في فقه الإباضية لأبي غانم، ورقة ٢٦١، والإنصاف في أصول الفقه الإباضي للوارجلاني مخطوط ورقة ٧٣ من المجلد الثالث.\rعن أ. د/ محمد سليم العوا، في أصول النظام الجنائي الإسلامي ص٢٠٢ط دار المعارف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233872,"book_id":3632,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":148,"body":"واستدلوا لذلك بما روي عن رسول الله ﷺ من أنه قال: \"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\" ١.\rواستدلوا أيضًا بما روي عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- من أنه حين رجم المرأة التي زنت وهي محصنة، ضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال:\rجلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢.\rوقد روي عن عمر وعثمان -رضي الله تعالى عنهما- رجمًا ولم يجلدا، وروي عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: إذا اجتمع حدان لله تعالي منهما القتل، أحاط القتل بذلك٣.","footnotes":"١ رواه الإمام أحمد في مسنده، وأخرجه مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصامت نيل الأوطار ج٧، ص٩٨، مشكاة المصابيح ج٢، ص٢٢٨، اللؤلؤ والمرجان، فيما اتفق عليه الشيخان ج٢، ص١٨٦، أ. د/ محمد سليم العوا، في أصول التشريع الجنائي الإسلامي ص٢٠٣.\r٢ وقد روي هذا الرأي أيضًا عن ابن عباس، وأبي بن كعب، وأبي ذر -رضي الله تعالى عنهم أجمعين، المغني ج٨، ص١٦٠، نيل الأوطار ج٧، ص٩٧-١٠٣.\r٣ وهذا ما ذهب إليه النخعي، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو ثور أصحاب الرأي، واستدل هؤلاء بما روي عن النبي ﷺ من أنه رجم ماعز، ولم يجلده ورجم الغامدية، ولم يجلدها المغني ج٨، ص١٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233873,"book_id":3632,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":149,"body":"وقد حاول البعض التوفيق بين ما ذكر من أقوال، فذهب إلى القول بأن الجلد من استحق الرجم غير واجب لا غير جائز١.\rوالذي أميل إليه، وأرجحه هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم الجمع بين الرجم والجلد، وذلك؛ لأن الرجم هو العقوبة الأشد، وأنه محتم أن ينتهي بالموت فما فائدة الجلد حينئذ، إن كان للردع أو الزجر، فإن الرجم أشد ردعًا وزجرًا، وما دامت العقوبة قد فقدت ما وضعت له، وتحقق الهدف الذي يرجى من ورائها بعقوبة أشد منها، وضعها المشرع الحكيم، فلا داعي لها لاشتمال العقوبة الأشد عليها وزيادة.\rوما روي عن الإمام علي -رضي الله تعالى عنه- من الجمع بين الرجم، والجلد يمكن حمله على أن جلدها يوم الخميس؛ لأنه لم يكن يعلم إحصانها، أو لعدم ثبوت إحصانها، فلما علم ذلك، أو ثبت ندبه أقام عليها عقوبة المحصنة إذا زنت.\rالجلد والتغريب عقوبة غير المحصن:\rإذا ارتكب غير المحصن جناية الزنا، فإن عقوبة المتفق عليها عند الفقهاء هي ما جاءت بها الآية القرآنية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧، ص١٠٢-٢٠٣، شرح فتح القدير ج٥، ص٢٢٤.\rالمحلى ج١٣، ص٣٢٠، المهذب ج٢، ص٢٢٦.\rالخرشي ج٨، ص٨١-٨٢، حاشية الدسوقي ج٤، ص٣٢٠.\rمباني تكملة المنهاج لأبي قاسم الموسوي ج١، ص١٩٥-١٩٩، القرطبي ج٢، ص١٦٥٧.\r٢ من الآية ٢ من سورة النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233874,"book_id":3632,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":150,"body":"فهذه الآية القرآنية الكريمة قد حددت عقوبة الزاني غير المحصن، التي لم يختلف أحد من الفقهاء فيها.\rوقد ورد في الحديث الشريف: \"البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام\" ١، كما ورد أيضًا أن رسول الله ﷺ قد حكم في قضية العسيف بالجلد مائة، وتغريب عام٢.\rمن هذا يبين أن الزاني غير المحصن يعاقب بعقوبة التغريب بالإضافة إلى عقوبة الجلد.\rوالفقهاء لم تتفق كلمتهم، فيما قالوه بالنسبة لعقوبة التغريب إذ إن فقهاء المالكية والشافعية، والحنابلة قد قالوا بوجوب عقوبة التغريب بالإضافة إلى عقوبة الجلد بالنسبة للزاني غير المحصن، أخذا بما جاء في الأحاديث النبوية المشرفة، ووافقهم فقهاء الشيعة٣، والمالكية وإن وافق قولهم ما قال به الشافعية والحنابلة، إلا أنهم يفرقون بين الذكر، والأنثى بالنسبة لوجوب عقوبة التغريب، فهم يوجبونها فقط على الزاني غير المحصن إذا كان ذكرًا، أما الأنثى إذا زنت وكانت غير محصنة، فإنهم لا يوجبون عليها التغريب بالإضافة","footnotes":"١ صحيح مسلم بشرح النووي ج٤، ص٢٦٦.\r٢ العسيف هو الأجير -صحيح البخاري مع شرح فتح الباري ج١٣، ص١١٤.\r٣ المهذب ج٢، ص٢٦٧، مغني المحتاج ج٤، ص١٤٨-١٤٩.\rنيل الأوطار ج٧، ص١٠٠، المغني ج٨، ص١٦٨، مباني تكملة المنهاج ج١، ص١٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233875,"book_id":3632,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":151,"body":"إلى العقوبة الأصلية، لما يخشى عليها في غربتها من التردي في مثل ما ارتكبت١.\rأما فقهاء الأحناف، فإنهم قد ذهبوا إلى أن التغريب غير واجب، وأن عقوبة الزاني غير المحصن هي الجلد فقط، ويمكن للإمام أن يحكم بتغريب الزاني غير المحصن إذا رأى في تغريبه مصلحة، بالقدر الذي يراه مناسبًا، على سبيل العقوبة التعزيرية٢.\rهذا ما ذهب إليه الفقهاء بالنسبة لعقوبة التغريب.\rوما أميل إليه، وأرجحه هو ما قال به فقهاء الأحناف.\rغير أنني أرى أن يحبس الجاني بدلًا من التغريب، وعلى الأخص في مثل ما نحن فيه الآن؛ لأن التغريب لن يؤدي إلى الهدف المرجو منه، بل قد يكون باعثًا على الفساد للانحراف؛ لأن المغرب سيجد نفسه في مكان لا يعرفه أحد فيه، وقد يدعوه ذلك للتمادي في مسلكه الذي غرب بسببه، وحينئذ يصبح تغريبه مفسدة له، ووبالًا على المجتمع.\rكما أرى أن الحبس بدلًا من التغريب لا يقتصر على الذكور فقط، وإنما يطبق أيضًا على النساء غير المحصنات إذا ارتكبن جريمة الزنا.\rمع ملاحظة أن يكون حبسهن في أماكن خاصة بهن.","footnotes":"١ الخرشي ج٨، ص٨٢-٨٣ط، دار المعرفة ببيروت.\rحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج٤، ص٣٢١، ٣٢٢.\r٢ شرح فتح القدير ج٥، ص٢٤١-٢٤٤ط، مصطفى الحلبي، المبسوط للسرخسي ج٩، ص٤٤-٤٥.\rتفسير القرطبي ص١٦٥٧، ١٦٥٩ط، دار الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233876,"book_id":3632,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":152,"body":"ويحبسهن يصبحن غير محتاجات لمحرم، الأمر الذي ذهب المالكية إلى إسقاط عقوبة التغريب عنهم بسببه.\rعقوبة السرقة:\rالعقوبة الحدية التي تجب على السارق بعد ثبوت جريمة السرقة عليه مع توافر ما وضعه الفقهاء من شروط هي القطع.\rوالأصل في ذلك ما حكم الله ﷾ حيث قال:\r﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.\rهذه عقوبة السرقة التي نص عليها القرآن الكريم.\rوالحديث عن هذه العقوبة يقتضي ذكر بعض ما يتصل بها، خصوصًا من حيث وجوبها على من وقعت منه جريمة السرقة للمرة الأولى، ثم بيان ما يقطع إذا تكررت هذه الجريمة.\r١- القطع في السرقة:\rأورد أبو بكر الرازي، وابن حزم ما رواه البعض مما يقضي بعدم قطع السارق على سرقته الأولي، وإنما القطع على السارق العائد، والقائلون بهذا قد استشفوا مقالتهم مما جاء به القرآن الكريم، حين عبر عمن تجب عليه عقوبة السرقة الحدية، يقول الله ﷾: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ، يقول الشيخ أبو زهرة ناقلًا ما أورده أبو بكر الرازي: فجاء بعض الذين يبحثون، وقال: إن كلمة السارق وكلمة السارقة وصفان لا فعلان، والوصف لا يتحقق في الشخص إلا بالتكرار.","footnotes":"١ الآية ٣٨ من سورة المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233877,"book_id":3632,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":153,"body":"فلا يقول لمن ظهر منه الجود مرة أنه جواد، ولا من وقع منه الكذب مرة أنه كذاب، ولا للفاسق الذي لا يقول الحق، أو المنافق الذي يخفي لمن يتكرر منه فعلها حتى تكون اسمًا له، وعنوانًا يعرف به.\rوقد عضد هؤلاء رأيهم بأن الله ﷾، قد ذكر عقب آية السرقة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وذكر التوبة الظلم ممن سرق لا يكون له محل في الظاهر، إلا إذا كان العقاب أن وقع، لذا فإن بعض الباحثين يرى أن التوبة تمنع القطع إذا وقعت قبله.\rويعقب الشيخ أبو زهرة على هذا بقوله: وظاهر الآية يقرب من تفكيرهم.\rوالتوبة النصوح لا تكون في الغالب ممن يتكرر منه الفعل، بل إنها تكون لمن يرتكب الفعل بجهالة٢.\rكما أورد ابن حزم ما استدل بمن يقول بعد القطع في السرقة الأولى من أن رسول الله ﷺ قد أتى بعبد قد سرق، فقيل: يا رسول الله هذا عبد سرق، وأخذت معه سرقته، وقامت البينة عليه.\rفقال رجل: يا رسول الله هذا عبد بني فلان، أيتام، وليس لهم مال غيره فتركه، قال: ثم أتي به الثانية سارقًا، ثم الثالثة، ثم الرابعة","footnotes":"١ الآية ٣٩ من سورة المائدة.\r٢ أحكام القرآن لأبي بكر الرازي ج٢ ص٤١٦ط استامبول العقوبة للشيخ أبو زهرة ص١٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233878,"book_id":3632,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":154,"body":"كل ذلك يقول فيه كما قيل في الأول، ثم أتي به الخامسة، فقطع يده ثم أتي به السادسة فقطع رجله، ثم السابعة فقطع يده، ثم أتى به السادسة فقطع رجله، ثم السابعة فقطع يده، ثم الثامنة فقطع رجله.\rويعلق راوي الحديث عليه بقوله: أربع بأربع، فأعفاه الله أربعا وعاقبه أربعًا١.\rكما يذكر الشيخ أبو زهرة مستدلًا لهذا الرأي ما روي من أن عمر -رضي الله تعالى عنه- لما أراد قطع يد شاب سرق، قالت له أم هذا الشاب: اعف عنه يا أمير المؤمنين، فإن هذه أول مرة فقال عمر لها: إن الله أرحم من أن يكشف ستر عبده لأول مرة.\rثم يعقل الشيخ أبو زهرة على ذلك بقوله: ويظهر أن الإمام عمر ﵁ يرى أن القبض على السارق متلبسا، أو وجود شهود يشهدون، يدل على التكرار.\rوالشيخ أبو زهرة وإن ذكر الآثار الواردة لم يكن فيها ما يشير إلى وجوب التكرار لإقامة الحد.\rإلا أنه يظهر اتجاهه إلى وجاهة هذا الرأي القائل القطع في السرقة الأولى بقوله: ونذكر هنا كلمة نهمس بها، وهي أن الحدود","footnotes":"١ أورد ابن حزم هذا الحديث برواية حمام عن ابن مفرج عن ابن الأعرابي عن الديري عمر عبد الرازق، عن ابن جريح عن عبد ربه بن أبي أمية، عن الحرث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وابن سابط الأحوال، وعلق عليه بقوله: هذا حديث مرسل ولا حجة في مرسل، المحلي ج١٣ ص٣٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233879,"book_id":3632,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":155,"body":"غير مطبقة، فلا يصح أن نخالف الإجماع، ونوهن أقوالل الفقهاء في أمر غير مطبق١.\rوالقضية هنا ليست هي فيما حاول به الشيخ أبو زهرة ستر رأيه، ورآه من أن الحدود غير مطبقة.\rوإنما القضية هل حل تقطع يد السارق في السرقة الأولى أم لا؟ والذي عليه الجمهور هو القطع في السرقة الأولى، استنادًا لما ورد من نصوص فهم منها جمهور فقهاء المسلمين وجوب القطع بالسرقة الأولى، والذي أميل إليه هو أن الخلاف هنا خلاف اعتمد فيه القول على أدلة معقولة ومقبولة، ومثل هذا يعد ضمن ما أطلق عليه الفقهاء شبهة الجهة، التي يترتب عليها إسقاط الحد.\rوسأذكر بيان ذلك عند الحديث عن الشبهات في الباب الأول من هذا البحث.\r٢- آراء الفقهاء فيما يقطع إذا تكررت السرقة:\rثم تتفق كلمة الفقهاء على ما يقطع في السرقة الثانية، وما بعدها، فمنهم من قال: لا يقطع شيء بعد قطع اليد اليمنى.\rومنهم من قال: تقطع في السرقة الثانية الرجل اليسرى، ولا قطع بعد ذلك إذا سرق مرة ثالثة، فما فوق، وإنما يحبس حتى يتوب، ومن الفقهاء من قال: إن محل القطع هو اليدان فقط، ولا يقطع بعد ذلك.\rومنهم من قال: تقطع يمناه ثم إن سرق تقطع رجله اليسرى، وفي الثالثة تقطع يده اليسرى، وفي الرابعة تقطع رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عذر.","footnotes":"١ العقوبة للشيخ أبو زهرة ص١٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233880,"book_id":3632,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":156,"body":"ومن الفقهاء من يرى أن من يسرق بعد قطع يديه، ورجليه يجب قتله، وهذه هي مقالة كل ودليله.\rالمقالة الأولى:\rذهب عطاء فيما روى عنه إلى أن من يسرق بعد ذلك لم يقطع منه شيء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، ولو شاء أمر بالرجل، ولم يكن الله تعالى نسيًا١.\rالمقالة الثانية:\rيرى ابن حزم ومن وافقه أن من قطعت يده في سرقة، ثم سرق ثانيًا قطعت يده الثانية، فالقطع لا يقع إلا على اليدين فقط، ولا تقطع الرجل، وهذا ما جاء به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ .\rكما روي عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- قولها: \"لم تكن الأيدي على عهد رسوله الله ﷺ تقطع في الشيء التافه\".\rكما روي في الأحاديث الشريفة: \"لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها، لا تقطع اليد إلى في ربع دينار فصاعدًا، لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده\".","footnotes":"١ جاء في المحلى لابن حزم ج١٣ ص٣٩٩. فأما من قال: لا تقطع إلا يده فقط -كما نا حمام بن مفرج نا ابن الأعرابي، نا الديري نا عبد الرازق، عن ابن جريح قلت لعطاء: سرق الأولى، قال: تقطع كفه ... قلت لعطاء: سرق الثانية قال: ما أرى أن يقطع إلا في السرقة الأولى اليد فقط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233881,"book_id":3632,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":157,"body":"فالسنة الصحيحة، والآثار الثابتة بالإضافة إلى الآية الكريمة، فقد جاءت كلها بقطع الأيدي، ولم يأت فيها للرجل ذكر، وقد قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١.\rيقول ابن حزم: قد بينا أنه لم يصح عن رسول الله ﵌ في قطع رجل السارق شيء أصلًا، ولو صح لقنا به وما تعديناه.\rورد ابن حزم على ما روي عن أقوال تفيد غير ما ذهب إليه بأن هذه الأقوال ليست بإجماع؛ لأن الإجماع عنده هو ما تيقن أن الصحابة، والفقهاء أولهم وآخرهم قد قال به، وعلموه جميعًا دون سكوت أحد منهم، ولا خلاف من أحد منهم.\rأما غير ذلك فليس بإجماع عنده، وعلى هذا فهو يرى أن ما جاء به القرآن الكريم، والسنة النبوية هو قطع اليد، ولا تقطع رجل، وهذا ما لا إشكال فيه عنده٢.\rالمقالة الثالثة:\rذهب فقهاء الأحناف إلى القول بأن من سرق تقطع يده اليمنى، فإن سرق بعد ذلك تقطع رجله اليسرى، فإن ثالثًا يقطع بل يعزر، ويخلد في السجن حتى يتوب أو يموت.\rواستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة كثيرة منها ما روي عن على بن أبي طاب كرم الله وجهه أنه قال: إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خبرا،","footnotes":"١ من الآية ٣ من سورة الأعراف، نيل الأوطار ج٧ ص١٤٠-١٤٣.\r٢ المحلى لابن حزم ج١٣ ص٣٩٨-٤٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233882,"book_id":3632,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":158,"body":"إني لأستحي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها، ويستنجي بها، ورجل يمشي عليها.\rكما استدلوا أيضًا بما روي من أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- استشار أصحابه في سارق، فأجمعوا على مثل قول علي.\rوأصحاب هذا الرأي يرون أن في قطع أكثر من يده، ورجله إهلاكًا للمقطوع، والحدود زواجر لا مهلكات؛ ولأن من يسرق بعد قطع يده، ورجله نادر الوجود، والحد لا يشرع إلا فيما يغلب.\rخبر لحقه.\rولا يتعرض على ذلك بالقصاص؛ لأنه حق العبد فيستوفيه ما أمكن، ويقول الكاساني: إن في قطع يده اليسرى تفويتا لجنس منفعة من منافع النفس أصلًا وهي منفعة البطش؛ لأنها تفوت بقطع اليد اليسرى بعد اليمنى، فتصبر النفس في حق هذه المنفعة هالكه، فكان قطع اليد اليسرى إهلاك النفس من وجه؛ لأن الثابت من وجه ملحق بالثابت من كل وجه، وإهلاك النفس من كل وجه، لا يصلح حدًا في السرقة، وهكذا إهلاك النفس من وجه١.\rالمقالة الرابعة:\rذهب الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد ومن وافقهم أن السارق الذي قطعت يده اليمنى، ورجله اليسرى لو سرق بعد ذلك تقطع يده اليسرى. فإن سرق للمرة الرابعة تقطع رجله اليمنى.","footnotes":"١ بهذا قال علي والحسن، والشعبي والنخعي والزهري، وحماد والثوري وأصحاب الرأي.\rفتح الباري ج١٥ ص١٠٦، شرح فتح القدير ج٥ ص٣٩٤.\rبدائع الصنائع ج٧ ص٨٦، المبسوط ج٩ ص١٤٠، المغني ج٨ ص٢٦٠-٢٦٥، المحلى ج١٣ ص٣٩٩-٤٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233883,"book_id":3632,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":159,"body":"فقد روى الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- بإسناده، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال في السارق: \"إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق، فاقطعوا رجله\" ١.\rكما استبدل أصحاب هذا الرأي بما روي من أن رجلًا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل نزل على أبي بكر، فشكا إليه أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فقدوا عقدًا لأسماء بنت عيسى امرأة أبي بكر، فجعل الرجل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف الأقطع وشهد عليه، فأمر به أبو بكر، فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: لدعاؤه على نفسه أشد عليه من سرقته٢.\rوقد قال أصحاب هذا الرأي أن الحكمة في قطع اليد والرجل، أن السارق يعتمد في سرقته على البطش والمشي، والقطع من خلاف يفوت جنس المنفعة على السارق، كما في قطع الطريق، فتضعف حركته.\rولأن السرقة مرتين تعدل الحرابة، ولما كان المحارب تقطع أولًا يده اليمنى، ورجله اليسرى، فإن عاد إلى الحرابة تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى، فكذا في السرقة إن تعددت.\rكما أن أصحاب هذا الرأي يرون أن من قطعت أطرافه الأربعة، وسرق بعد قطعها، فإنه يعزر ولا يقتل.","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٧٨، المغني ج٨ ص٢٦٥.\r٢ شرح الزرقاني ج٥ ص١١٣، شرح فتح القدير ج٥ ص٣٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233884,"book_id":3632,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":160,"body":"وذلك؛ لأن القطع ثبت بالكتاب والسنة، ولم يثبت بعد ذلك شيء بالنسبة للسرق من قتل، أو غيره من العقوبات المحددة، لذا فإنه يعاقب بعقوبة تعزيرية منسبة لكونه أتى معصية من المعاصي١.\rالمقالة الخامسة:\rوهي مقالة أبي مصعب الزهري المدني من أصحاب الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه-، وروى ابن القدامة أنها مقالة عن عثمان، وعمرو بن العاص، وعمر بن عبد العزيز، وهي تتفق مع ما ذهب إليه الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والقول المشهور عند الإمام مالك من أن السرق إذا سرق بعد قطع يده اليمنى، تقطع رجله اليسرى، فإن سرق بعد ذلك تقطع يده اليسرى، ثم إن سرق للمرة الرابعة تقطع رجله اليمنى، فهي تتفق والمقالة الرابعة، غير أنها تزيد على المقالة الرابعة أن السارق إذا سرق بعد قطع يده ورجليه، وجب قتله وقد استدلوا لذلك بما رواه جابر -رضي الله تعالى عنه- من أنه جيء إلى النبي ﷺ بسارق، فقال: \"اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جيء الثانية، فقال: اقتلوه، قالو: يا رسول الله إنما سرق. قال: اقطعوه فقطع، ثم جيء به الثالثة، فقال: اقتلواه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال: اقطعوه. ثم أتي به الرابعة، فقال: اقتلواه فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: اقطعوه ثم أتي به الخامسة، فقال: اقتلواه قال جابر: فانطلقنا، فقتلناه ثم اجتررناه، فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة\" ٢.","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٧٨، المهذب ج٢ ص١٨٣، الخرشي ج٨ ص٩٣، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٢.\r٢ سنن أبي داود ج٢ ص٤٥٤ الخرشي ج٨ ص٩٣، فتح القدير ج٥ ص٣٩٥ المغني ج٨ ص٢٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233885,"book_id":3632,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":161,"body":"هذا ما ذهب إليه الفقهاء في مقالاتهم عن عقوبة السرقة.\rوما أميل إليه، وأرجحه هو ما ذهب إليه الإمام علي -رضي الله تعالى عنه- من أنه لا يقطع إلا اليد اليمنى، فإن سرق ثانية قطعنا رجله اليسرى، فإن سرق بعد ذلك لا يقطع، وإنما يعزر ويسجن حتى يتوب، أو يموت وما ذكره الإمام علي من حجة أرى أنها حجة قوية، تتفق وما تهدف إليه الشريعة سواء من حيث العناية بالإنسان، أو من حيث معاقبته إذا سرق.\rولا شك أن هذا الرأي يوائم بين الهدفين؛ لأنه يعاقب السارق بالعقوبة الرادعة الزاجرة، كما أنه يحميه من أن يصبح عالة عاجزًا عن العمل والتكسب.\rكما أن من لم يقلع عن هذه الفعلة القبيحة بعد قطع يده، ورجله لا علاج له إلا العزل عن المجتمع حماية له، وللمجتمع حتى يغير الله من أمره، ويقوم إعوجاجه، وما ذهب إليه من القول بقطع اليد، وعدم قطع شيء بعدها إذا سرق المقطوع\rمردود بما روى عن علي، وعمر وأصحابه ﵃ أجمعين.\rأما ما استدل به من رأى قطع الأعضاء الأربعة، فإن سنده مطعون فيه، وعلى هذا لا يصح أن يطون دليل عقوبة حدية، كما أن ما رد به ابن حزم من اشتراط كون الإجماع هو ما صوبه الجميع، وعملوا به دون سكوت من أحد منهم، ولا خلاف، فهو رد غير مقبول؛ لأنه لا يخفى أن كثيرًا من أصحاب الرسول ﷺ كانت لهم أعمال تشغلهم عن حضور مثل هذه الأمور، وما ذلك من ابن حزم إلا سعى للأخذ بما جاء به القرآن، ووافقته السنة، دون إضافة أو تفسير، كما هو اتجاه ابن حزم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233886,"book_id":3632,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":162,"body":"عقوبة الحرابة:\rبين الله ﷾ عقوبة الحرابة١ في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.\rوقد ذهب الفقهاء مذهبين، فيما للحاكم من حرية اختيار العقوبة هنا المذهب الأول، وبه قال الإمام أبو حنيفة، والشافعي، وأصحاب الإمام أحمد وغيرهم أن جرائم الحرابة لما كانت متعددة، فإن الله ﷾ قد وضع لكل جريمة منها عقوبة من العقوبات، وعلى هذا فتكون الآية قد بينت نوعيات العقوبة.\rفكلمة \"أو\" التي وردت في الآيات الكريمة مقصود بها البيان، والتنويه المذهب الثاني، وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب، ومجاهد والحسن والضحاك وغيرهم: أن كلمة \"أو\" للتخيير، فالإمام مخير في إنزال ما يراه مناسبًا من العقوبات التي تحدثت عنها الآية بمن ارتكب جناية من جنايات الحرابة، على ما هو ظاهر النص مطلقًا.\rوإن كان الإمام مالك قد فصل الرأي في ذلك بأن المحارب الذي لم يصدر منه قتل يندب للإمام أن ينظر في حاله، فمن كان له تدبير في الحروب، وفي الخلاص منها تعين له القتل لا القطع من خلاف؛ لأنه لا يدفع ضرورة، وإن كان المحارب من أهل البطش، والشجاعة، فيتعين قطعه من خلاف فإن لم يكن عنده تدبير، ولا بطش بل اتصف بغيرهما، أو وقعت منه الخرابة فلتة مخالفة حاله، وموافقة لغيره تعين له الضرب منه الحرابة، فله مخالفة لظاهر حالة، وموافقة لغيره تعين له الضرب","footnotes":"١ يأتي الحديث عن الحرابة في الباب الثاني.\r٢ الآية ٣٣ من سورة المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233887,"book_id":3632,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":163,"body":"والنفي أي يضربه وينفيه، ثم إن الإمام هو الذي يعين ما يفعل بالمحارب من العقوبات الأربع المذكورة١.\rهذه نظرات إجمالية تقتضي البيان بذكر آراء الفقهاء، والعقوبة التي جعلوها قرينة كل من أفعال الحرابة.\rهذه الأفعال التي لا تخرج في جملتها عما يأتي:\r١- إخافة السبيل دون أخذ مال أو قتل.\r٢- إخافة السبيل وأخذ المال لا غير.\r٣- إخافة السبيل والقتل دون أخذ المال.\r٤- إخافة السبيل وأخذ المال والقتل.\rولكل مذهب من المذاهب الفقهية رأيه حيال عقوبة كل فعل من هذه الأفعال، وسأحاول فيما يأتي ذكر ما يلقي الضوء على هذه الآراء.\rأولًا: عقوبة إخافة السبيل دون أخذ مال أو قتل\rيرى الإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد أنه إذا خرج فرد، أو جماعة محاربين فقطعوا الطريق، ثم استطاع الإمام أخذهم قبل أن يحدثوا جناية أخرى من الجنايات التي يحدثها أمثالهم، فإن عقوبتهم حينئذ هي النفي.\rوقد قرر الإمام الشافعي، وبعض فقهاء الشيعة أن الإمام إذا علم","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٤٢٣ بدائع الصنائع ج٧ ص٩٣، المغني ج٨ ص٢٩٨، ص٢٩٩، مغني المحتاج ج٤ ص١٨٢ شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٧ الخرشي ج٨ ص١٠٦، تفسير القرطبي ج٣ ص٢١٤٩ ط دار الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233888,"book_id":3632,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":164,"body":"أن قومًا يخيفون الطريق، ولم يأخذوا مالًا، ولم يقتلوا نفسًا عزرهم بحبس وغيره، ويظل الحسب واقعًا بهم حتى تظهر توبتهم١.\rويرى الإمام مالك وابن حزم، ومن وافقهما أن الإمام مخير في هؤلاء بين النفي، أو القطع أو القتل أو الصلب، وذلك طبقًا لما قالوا به من أن العقوبة هنا تخيير به يختار الإمام منها ما يناسب الحالة، ويؤدي إلى العلاج٢.\rوقد أطلق النفي إطلاقات عدة منها أن المراد بالنفي الطرد من دار الإسلام، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم.\rوروي عن ابن عباس أن المراد بنفي هؤلاء طلب الإمام لهم ليقيم فيهم حدود الله.\rوقال ابن سريج: نفيهم حبسهم في بلد غير بلدهم، وهذا ما قال به الإمام مالك؛ لأن إخراجهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق، ويؤذون به الناس لا يفي بالغرض الذي تهدف إليه عقوبتهم.\rوقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفية من بلد إلى بلد فيؤذيهم، وهذا هو الرأي] ؛ لأن تركهم بعد نفيهم فيح حث لهم على","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٤٢٣، بدائع الصنائع ج٧ ص٩٧، المغني ج٨ ص٢٩٤، مغني المحتاج ج٤ ص١٨١، أسنى المطالب ج٤ ص١٥٤-١٥٥، شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٦، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٣١٨.\r٢ المدونة ج١٦ ص٩٨-٩٩، الخرشي ج٨ ص١٠٦، شرح الزرقاني ج٨ ص١١٠-١١١ المحلى ج١٣ ص٣١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233889,"book_id":3632,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":165,"body":"مواصلة جرائهم، كما أن نقلهم من بلد إلى أخرى لحبسهم هناك، لا طائل من ورائه، ما دام حبسهم في البلد الذي أخذوا فيه سيحقق الهدف من العقوبة.\rوقد ذكر ابن القيم أن نفيهم يحتمل أن يكون مدة عام كالنفي في الزنا، أو يكون حتى تظهر توبتهم١.\rوالذي أرجحه هو أن لا يقتصر في النقل على عام، وإنما يظل النفي حتى تظهر توبتهم، ولا مجال لقياس النفي هنا في جريمة الزنا، لاختلاف ما يقصد من وراء النفي في كل.\rثانيًا: عقوبة إخافة السبيل، وأخذ المال\rإذا قطع المحاربون السبيل على المارة، وأخذوا مالًا -على التفصيل الذي أورده الفقهاء، فيما يطقع به من المال- فإن الإمام أبا حنيفة والشافعي، وابن حنبل وبعض الشيعة يرون قطع المحاربين من خلاف، فتقطع يد كل منهم اليمنى، ورجله اليسرى.\rوقد فصل الفقهاء القول في ذلك، وفي حالة ما إذا كانت إحدى يديه، أو رجله أو كلاهما مقطوعة أو شلاء٢.","footnotes":"١ القرطبي ج٣ ص٢١٤٩-٢١٥٠ ط دار الشعب، المغني ج٨ ص٩٤.\r٢ يقول الشيرازي: وإن سرق وله يد ناقصة الأصابع قطعت؛ لأن اسم اليد يقع عليها، وإن لم يبق غير الراحة، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يقطع وينتقل الحد إلى الرجل؛ لأنه قد ذهبت المنفعة المقصودة بها، ولهذا لا يضمن بأرش مقدر، فصار كما لو لم يبق منها شيء، والثاني: أنه يقطع ما بقي =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233890,"book_id":3632,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":166,"body":"أما قطع يد المحارب فللسرقة، وأما قطع رجله للحرابة وإخافة السبيل، وهي الحالة التي صاحبت السرقة، وتمت السرقة في ظلها وتحت وطأتها، تغليظ للعقوبة لتناسب الجناية١.\rوقد ذهب الإمام مالك وابن حزم، ومن وافقهما إلى القول بأن الإمام مخير ينزل بالمحاربين العقوبة التي يراها مناسبة من بين العقوبات التي تحدث عنها الآية الكريمة٢.","footnotes":"= لأنه جزء من العضو الذي تعلق به القطع فوجب قطعه، كما لو بقيت أنملة فإن سرق وله يد شلاء، فإن قال أهل الخبرة: إنها إذا قطعت انسددت عروقها قطعت، وإن قالوا: لا تسد عروقها لم تقطع؛ لأن قطعها يؤدي إلى أن يهلك.\rالمهذب ج٢ ص٢٨٣، ويقول ابن قدامة: وإن سرق من يده اليسرى مقطوعة أو شلاء، أو مقطوعة الأصابع، أو كانت يداه صحيحتين قطعت اليسرى، أو شلت قبل قطع يمناه لم تقطع يمناه على الرواية الأولى، ويقطع على الثانية.. وفي قطع رجل السارق وجهان: أصحهما لا يجب؛ لأنه لم يجب بالسرقة، وسقوط القطع عن يمينه لا يقتضي قطع رجله كما لو كان المقطوع يمينه، والثني: تقطع رجله.. وإن كانت يمناه صحيحة ويسراه ناقصة نقصًا يذهب بمعظم نفعها مثل أن مذهب منها الإبهام أو الوسطى، أو السبابة احتمل أن يكون كقطعها وينتقل إلى رجله، وهذا قول أصحاب الرأي، واحتمل أن تقطع يمناه؛ لأن له يد ينتفع بها. المغني ج٨ ص٢٦٦.\r١ فتح القدير ج٥ ص٤٢٣، أسنى المطالب ج٤ ص١١٥، المهذب ج٢ ص٢٨٤ مغني المحتاج ج٤ ص١٨١، المغني ج٨ ص٢٨٨، شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٧.\r٢ شرح الزرقاني ج٨ ص١١٠-١١١، الخرشي ج٨ ص١٠٥، للمحلى ج١٣ ص٣١٤ تفسير القرطبي ج٣ ص٢١٤٨-٢١٤٨ ط دار الشعب مباني تكملة المنهاج ج١ ص٣١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233891,"book_id":3632,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":167,"body":"ثالثًا: عقوبة إخاقة السبيل والقتل دون أخذ مال\rإذا قتل قطاع الطريق ولم يأخذوا مالًا، فإن الإمام أبا حنيفة والشافعي وغيرهما، ورواية عن الإمام أحمد، أن الإمام في هذه الحالة يجب عليه قتلهم حتعى وإن عفا أولياء الدم، فإن عفوهم لا يقبل؛ لأن الحد هنا خالص لله تعالى، ولا يسمع فيه عفو غيره.\rوقد جاءت رواية عن الإمام أحمد أن المحاربين هنا يصلبون بعد قتلهم، كالذين أخذوا المال.\rوقد روى ابن قدامة هذه الرواية مستدلًا بالخبر المروي في مثل هؤلاء، والذي جاء فيه: \"ومن قتل ولما يأخذ المال قتل ولم يذكر صلبًا\".\rولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده، فيجب أن تكون عقوبتهم أغلظ، ولو شرع الصلب هنا لاستويا، والحكم في تحتم القتل وكونه حدا ههنا، كالحكم فيه إذا قتل وأخذ المال١.\rوالإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- قد ذهب إلى أن الإمام مخير في هذه الحالة بين شيئين فقط.\rأحدهما قتلهم فقط، وثانيهما صلبهم ثم قتلهم، ولا خيار للإمام في هذه الحالة غير هاتين الحالتين٢.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٤٢٣، مغني المحتاج ج٤ ص١٨٢، المهذب ج٢ ص٢٨٤ المغني ج٨ ص٢٩٢.\r٢ المدونة ج١٦ ص٩٩، شرح الزرقاني ج٨ ص١١٠-١١١ الخرفس ج٨ ص١٠٥ حاشية الدسوقي ج٣٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233892,"book_id":3632,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":168,"body":"رابعًا: عقوبة إخافة السبيل، وأخذ المال والقتل معًا\rأما الظاهرية فهم على رأيهم بأن الإمام مخير في كل الحالات يختار ما يناسب من العقوبة، بشرط ألا يجمع على المحارب عقوبتين من العقوبات التي ذكرتها الآية الكريمة١.\rإذا أخذ المحاربون المال، وقتلوا فالإمام أبو حنيفة يرى أن ولي الأمر بالخيار في أن يقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف ثم يقتلهم ويسلبهم، أو يقتلهم فقط دون صلب أو قطع، وله أيضًا صلبهم أحياء ثم قتلهم.\rواشترط أبو يوسف الصلب للنص عليه.\rورأي محمد بن الحسن أن للإمام قتلهم وصلبهم، وليس له قطعهم، وقد وافق رأي محمد بن الحسن كل من الإمام الشافعي والإمام أحمد، والشيعة الزيدية٢.","footnotes":"١ يقول ابن حزم بعد مناقشة لآراء من جمع بين عقوبتين: فصح يقينا أن الله تعالى لم يوجب قط عليهم حكمين من هذه الأحكام، ولا أباح أن يجمع عليهم خزيين من هذه الأخزاء في الدنيا، وإنما أوجب على المحارب أحدها لا كلها. ولا اثنين منها ولا ثلاثة، فصح بهذا يقينا لا شك فيه أنه إن قتل فقد حرم صلبه وقطعه ونفيه، وإنه إن قطع فقد حرم قتله وصلبه وقطعه، وإنه إن صلب فقد حرم قتله وقطعه ونفيه، لا يجوز ألبتة غير هذا، فحرم بنص القرآن صلبه أن قتل، المحلى ج١٣ ص٣٣٥، والإمام مالك -لا يرى أن صلبهم وقتلهم عقوبتان، وإنما هما عقوبة واحدة؛، لأن الصلب عنده من صفات القتل، الخرشي ج٨ ص١٠٥.\r٢ فتح القدرير ج٥ ص٤٢٥، مغني المحتاج ج٤ ص١٨٢، المغني ج٨ ص٢٩٠ شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233893,"book_id":3632,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":169,"body":"أما فقهاء الشيعة الجعفرية فإنهم يرون، أن على الإمام أن يقطع اليد اليمنى للمحاربين الذين أخذوا المال وقتلوا، ثم يدفعهم إلى أولياء المقتول، فيتبعونهم بالمال، ثم يقتلونهم وإن عفا عنهم أولياء المقتول كان على الإمام قتل المحاربين. ولا يجوز لأولياء المقتول أن يأخذوا من المحاربين الدية، ويتركوهم١.\rوقد أثار ابن قدامة مسألة التكافؤ بين القاتل والمتقول، وبين أنه قد ورد فيها روايتان:\rإحداهما: لا يعتبر التكافؤ وعلى هذا يقتل المسلم بالذمي، والأب بالابن وذلك؛ لأن القتل حد لله تعالى، فلا تعتبر فيه المكافأة.\rالثانية: تعتبر المكافأة لما ورد من أنه لا يقتل مسلم: بكافر والحد فيه انحتامه٢، بدليل أنه لو تاب قبل القدرة عليه سقط انحتامه، ولم يسقط القصاص.\rفعلى هذه الرواية إذا قتل المسلم ذميًا، أو الحر عبد وأخذ ماله، قطعت يده ورجله من خلاف لأخذه المال، وغرم دية الذمي، وقيمة العبد، وإن قتله ولم يأخذ مالًا غرم دينه ونفي، وذكر القاضي: إنه يتحتم قتله إذا قتله ليأخذ المال، وإن قتله لغير ذلك من عداوة مثلًا كانت بينهما، فالواجب القصاص٣.","footnotes":"١ مباني تكملة المنهاج لأبي القاسم الموسوي ج١ ص٣١٨ ج النجف الأشراف.\r٢ الحتم: القضاء، قال ابن سيده: الحتم إيجاب القضاء وحتمت عليه الشيء: أوجبت: وانحتم الأمر: وجب وجوبًا لا يمكن إسقاطه. لسان العرب والمنجد مادة حتم.\r٣ المغني ج٨ ص٢٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233894,"book_id":3632,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":170,"body":"والذي أميل إليه أن المحارب الذي قطع الطريق، وقتل المارة تجب معاقبته بالقتل حدا لا قصاصًا بصرف النظر عما قيل من تكافؤ، سواء صاحب القتل أخذ مال أم لم يصاحبه.\rلأن اشتراط أخذ المال لإيجاب القتل حدا على المحارب الذي وقع منه القتل اشتراط في غير محله.\rلجواز أن المحارب قتل بهدف أخذ المال، ثم بعد أن نفذ القتل لم يجد مع المقتول مالًا.\rفكيف ترتب على عدم وجود المال مع المقتول حينئذ تغاير العقوبة من القتل حدا إلى القتل قصاصًا.\rوكذا من قتل حال حرابته شخصًا، ثم ادعى أنه قتله لعداوة بينهما، فإن ما ادعاه\rحتى ولو كان صحيحًا لا يجوز أن يعد مبررًا؛ لأن تغاير بين عقوبته وجعلها القتل قصاصًا بعد أن كانت القتل حدًا.\rلأنه لا يخفى ما في ذلك من فتح باب الهروب من العقوبة بدفع الدية، الأمر الذي يغري المحاربين بارتكاب عديد من جنايتهم، وقتلهم للأبرياء.\rوالأولى بهم إن كانوا يبحثون عن باب للنجاة الحقة، هو أن يتوبوا ويبادروا بالعودة إلى الله؛ لأن في ذلالك نجاة حقيقية لهم في الدنيا والآخرة.\rهذا ما ذهب إليه أصحاب الاتجاه القائل بالترتيب.\rأما الإمام مالك، وابن حزم، ومن ذهب معهم إلى القول بالتخيير فهم هنا، وفي حالة القتل، ولإخافة السبيل دون أخذ مال، قد حكموا على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233895,"book_id":3632,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":171,"body":"المحاربين بعقوبة متوافقة، من صلب وقتل عند الإمام مالك، ومن تطبيق عقوبة واحدة عند ابن حزم.\rوالذي أرجحه في كل ما سبق هو أن الإمام ملزمًا بالترتيب، وليس به اختيار العقوبة حسب ما يرى ويرغب؛ لأن عقوبات الحدود من سماتها، أن الشارع الحكيم قد حددها تحديدًا دقيقًا، ولم يبق لولي الأمر إلا إثبات الجناية فقط، والقول بالتخيير يتعارض مع هذا، كما أنه يفتح باب المجاملة ومراعاة الأشخاص، الأمر الذي كم عانت منه النظم الوضعية، والذي نهى عنه الرسول ﷺ.\rعقوبة شرب الخمر:\rاتفق الفقهاء على تحريم شرب الخمر١، ووجوب عقاب شاربها، وأن عقوبته هي الجلد، ولكنهم لم يتفقوا على مقدار هذه العقوبة، فقد حددها فقهاء الأحناف، والمالكية، والغالب عن الحنابلة ثمانين جلدة.\rأما فقهاء الشافعية، والظاهرية، ومن وافقهم من الشيعة، وما جاء في رواية عن الإمام أحمد، فإنهم ذهبوا إلى أن حد شرب الخمر أربعون جلدة.\rواستدل كل لرأيه بأدلة.\rأولًا: ما استدل به القائلون بأنها ثمانون جلدة:\r١- لما أتى رسول الله ﷺ بشارب خمر، وكان عنده ﷺ أربعون رجلًا أمرهم أن يضربوه، فضربه كل رجل منهم بنعليه، فكان ذلك في معنى ثمانين جلدة٢.","footnotes":"١ يأتي تعريف الخمر في الباب الثاني من هذا البحث.\r٢ صحيح الترمذي بشرح ابن العربي ج٦ ص٢٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233896,"book_id":3632,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":172,"body":"٢- سأل خالد بن الوليد أمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنه- حين انهمك من عنده في شرب الخمر وتحاقروا العقوبة، فاستشار عمر -رضي الله تعالى عنه- أصحابه، ومنهم المهاجرون والأنصار، فأجمعوا على أن يضرب الشارب ثمانين، وقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد، وأبي عبيدة بالشام١.\r٣- روي أن عليًا -رضي الله تعالى عنه- قال: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة٢.\rأما ما استدل به القائلون بأن عقوبة شارب الخمر أربعون، فهو ما يأتي:\r١- روى أنس أن رسول الله ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر، فضربه بالنعال نحوا من أربعين٣.\r٢- ما روي من أن عليًا -رضي الله تعالى عنه- جلد الشارب أربعين ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر أربعين، وكل سنة وهذا أحب إلي٤.","footnotes":"١ صحيح مسلم بشرح النووي ج٤ ص٢٨٩، سنن أبي داود ج٢ ص٤٧٢.\r٢ نيل الأوطار ج٧ ص١٦٣، تفيسر ابن كثير ج٣ ص٢٦٥. فتح القدير ج٥ ص٣١٠.\r٣ صحيح مسلم بشرح النووي ج٤ ص٢٨٩.\r٤ المرجع السابق ص٢٩٠-٢٩١، مختصر المازني على الأم ج٥ ص١٧٤، المغني ج٨ ص٣٠٧، مغني المحتاج ج٤ ص١٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233897,"book_id":3632,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":173,"body":"هذا جانب من أقوال الفقهاء في عقوبة شارب الخمر.\rكما روي أيضًا عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ \"ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين\".\rوروي عن السائب بن يزيد قوله: كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وأمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا، وأرديتنا حتى كان آخر أمره عمر، فجلد أربعين حتى إذا عفوا أو فسقوا جلد ثمانين١.\rمن هذا كله، وما ماثله يبين أن القرآن لم يات بنص يبين مقدار العقوبة، وأن رسول الله ﷺ لم يحدد مقدار عقوبة شارب الخمر، وأنه كان يأمر بضرب شارب الخمر دون أن يحدد للضاربين عددًا مبينًا.\rولهذا فإن الصحابة الأطهار لم يتفقوا على مقدار معين، وإنما؛ لأنهم فهموا أن المقصود ردع الشاربين وزجرهم، اجتهدوا في تقدير ما يحقق ذلك، فقدر أبو بكر العقوبة بأربعين جلدة، وتبعه في ذلك أمير المؤمنين عمر في أول خلافته، فلما تحاقر المجرمون هذه العقوبة ردها أمير المؤمنين بمشورة أصحابه إلى ثمانين.\rبل إن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- لم يقرر أربعين جلدة، إلا بعد أن يسأل أصحابه، وإذا كان أبو بكر، وهو صاحب الرسول","footnotes":"١ صحيح البخاري ج٨ ص١٩٦، ١٩٧ ط دار الشعب بالقاهرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233898,"book_id":3632,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":174,"body":"ورفيقه لا يعلم لهذه العقوبة مقدار معينًا قد ورد عن الرسول ﷺ، وإذا كان عمر -رضي الله تعالى عنه لا يعلم أيضًا مقدارًا معينا قد ورد عن الرسول في ذلك، وإذا كان علي -رضي الله تعالى عنه- قد لجأ إلى القياس لاستخراج مقدار معين للعقوبة، فجعلها تساوي عقوبة الافتراء، إذا كان ذلك كله قد وقع، فلا أدل منه على أن عقوبة شرب الخمر عقوبة تعزيرية يترك تقدير عدد الجلدات فيها لولي الأمر، حسب ظروف الأمة، وأحوال الرعية أما ما استدل به القائلون بأن عقوبة شرب الخمر عقوبة حدية مقدرة من لدن رسول الله ﷺ؛ لأنه ضرب في شرب الخمر أربعين، وأن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه قد تابع رسول الله ﷺ في ذلك، وكذلك عمر في أول ولايته، وقال هؤلاء: لو كانت عقوبة شرب الخمر تعزيرية من أول أمرها لما كتب خالد إلى عمر -رضي الله تعالى عنهما يستشيره، ويأخذ رأيه في زيادة العقوبة لما شاعت هذه الجريمة، وتحافر الناس عقوبتها١.\rوما استدل به هؤلاء هو نفسه يرد عليهم، ويدرأ مقالتهم وذلك؛ لأن الرسول ﷺ، وإن كان قد ضرب بعض شاربي الخمر أربعين، فإنه أيضًا قد ورد عنه لما أتى بشارب وهو بحنين، حثا في وجهه التراب، ثم أمر أصحابه فضربوه بنعالهم وما كان في أيديهم، حتى قال لهم: \"ارفعوا\" فرفعوا.\rفهو ﵊، هنا تركهم يضربون الشرب حتى وجد أن فيما ضرب كفاية لزجره، وردعه هو أو أمثاله.\rومن هنا، فإن الصحابة الأجلاء لم يعرفوا لهذه العقوبة حدا معينًا.","footnotes":"١ البخاري بشرح الكرماني ج٢٣ ص١٨٢-١٨٤، نيل الأوطار ج٧ ص١٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233899,"book_id":3632,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":175,"body":"ولو عرفوا لما استطاع أحد منهم أن يخالف ذلك الحد، ولما سأل أبو بكر، ولكان هذا الحد قد عرف، واشتهر كباقي الحدود، ولما كان باستطاعة عمر أن يزيد، ولا لعلي أن يقبس؛ لأن عقوبات الحدود لا تثبت بالقياس.\rأما سؤال خالد لأمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنهما-، فإنه لا يصلح دليلًا على كونها عقوبة محددة.\rفخالد قد سأل؛ لأن عمر حدد له مقدارًا معينا، فكيف لخالد أن يخالفه، فلا بد له من مشورة عمر ورأيه.\rكما أن العقوبة التعزيرية إن كانت تقدر بأمر من ولي الأمر، فإن خالد لا بد وأن يسأل عمر ليقدر عمر له، وإن كان أمرها متروكًا للقاضي، فإن سؤال خالد يكون من باب الاستئناس برأي أمير المؤمنين، ولا يؤخذ ذلك على أنها عقوبة حدية لسؤال خالد أمير المؤمنين.\rولأنه قد روي عن علي بن أبي طالب \"أن رسول الله ﷺ لم يسن في ذلك سنة\"١، وليس أصرح من هذا في أن عقوبة شارب الخمر عقوبة تعزيرية، وليست عقوبة حدية.\rهل يقتل شارب الخمر في المرة الرابعة:\rذهب ابن حزم إلى أن شارب الخمر يقتل في المرة الرابعة، واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة مروية، عن طريق معاوية بن أبي","footnotes":"١ نيل الأوطار د٧ ص١٥٩، سنن أبي داود ج٢ ص٤٧٥، المدخل للفقه الإسلامي أ. د/ سلام مدكور ص٧٣٨، المسئولية الجنائية أ. د/ سلام مدكور ص١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233900,"book_id":3632,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":176,"body":"سفيان، وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهما، جاء فيها: أن النبي ﷺ قال: \"إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم\".\rوقال أيضًا: \"إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه\" ١.\rيقول ابن حزم معلقًا على ذلك: فكانت الرواية في ذلك عن معاوية، وأبي هريرة ثابتة تقوم بها الحجة ... وقد صح أمر النبي ﷺ بقتل الشارب في المرة الرابعة ولم يصح نسخه، ولو صح لقلنا به -ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ-٢.\rأما جمهور الفقهاء، فقد ذهبوا إلى أن هذا منسوخ، واستدلوا لذلك بما رواه الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: \"إن شرب الخمر فاجلوده، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به الثانية فجلده، ثم أتي به الثالثة فجلده، ثم أتي به الرابعة فجلده، ووضع القتل فكانت رخصة\"، ثم يقول الإمام الشافعي: والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره وهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم علمته٣.","footnotes":"١ سنن أبي داود ج٢ ص٤٧٣-٤٧٤.\r٢ المحلى ج١٣ ص٤١٨-٤٢٦.\r٣ الأم للإمام الشافعي ج٦ ص١٣٠ ط دار الشعب، سنن أبي داود ج٢ ص٤٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233901,"book_id":3632,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":177,"body":"والواقع يشهد لما قال به الإمام الشافعي من أن ذلك نسخ ما جاء، فيما رواه معاوية؛ لأن الحديث اللاحق ينسخ ما سبق، وقد كان ذلك الذي رواه الإمام الشافعي بعد الفتح متأخرًا عما رواه معاوية الذي أسلم قبل الفتح١.\rكما أن رسول الله ﷺ لم يقتل شاربًا للمرة الرابعة، ولو كان فعل ذلك لاشتهر عنه، لكنه له يعرف، كما لم يقل به أحد من الصحابة الأجلاء، حتى زمن تفشي هذه الجريمة في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه-، الأمر الذي دعاه لاستشارة الصحابة، فأشاروا عليه برفع العقوبة إلى ثمانين جلدة، ولم يشر عليه أحد بقتل الشارب للمرة الرابعة.\rهذا ما أميل إليه وأرجحه، ويمكن لولي الأمر حبس مدمن الخمر إذا رأى في ذلك علاجًا له خصوصًا، وقد أنهيت إلى أن العقوبة هنا كلها عقوبة تعزيرية.\rعقوبة القذف:\rحدد الله ﷾ عقوبة القذف٢ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص١٦٥-١٦٨ ط مصطفى الحلبي ط الأخيرة.\r٢ يأتي تعريف القذف بالباب الثاني.\r٣ الآيتان: ٤-٥ من سورة النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233902,"book_id":3632,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":178,"body":"فهذا النص القرآني الكريم قد اشتمل على عقوبتين للقذف.\rإحداهما عقوبة أصلية وهي الجلد، والثانية عقوبة تبعية وهي عدم قبول الشهادة.\rالعقوبة الأولى:\rحدد الله ﷾ عقوبة القذف بثمانين جلدة١.\rوللفقهاء آراء في إمكان إسقاط هذه العقوبة بعفو المجني عليه، وهم يربطون بين ذلك، وبين اشتراط مطالبة المقذوف، وقيامه برفع الدعوى أمام القاضي.\rفقهاء الشافعية، والحنابلة يرون أن عقوبة القذف حق للآدمي، ومن ثم فلا بد من مطالبته بها، وإقامة الدعوى منه على الجاني، كما أنهم جعلوا له حق إسقاط العقوبة بعفوه عن الجاني؛ لأنه لما كانت هذه العقوبة لا تستوفى إلا بعد مطالبته بها، فإنها تسقط بعفوه كالقصاص.\rكما أنها لا تقام بقذف الوالد ولده، وإن نزل، وقد وافقهم في ذلك أبو يوسف، فأسقطها بعفو المجني عليه٢.\rأما جمهور فقهاء الأحناف والظاهرية، فإنهم يرون أن عقوبة القذف حق لله تعالى؛ لأن الفائدة تعود من إقامتها إلى المجتمع كله.","footnotes":"١ إذا كان مرتكب الجريمة من الأحرار، إما إذا كان عبدًا، فإنه يلزم نصفها وهو أربعين جلده نظرًا؛ لأنها عقوبة تبعض فيكون العبد فيها على النصف من الحر، المغني ج٨ ص٢١٧، الخرشي ج٨ ص٨٨، المهذب ج٢ ص٧٢، فتح القدير ج٥ ص٣١٩.\r٢ المهذب ج٢ ص٧٤، المغني ج٨ ص٢١٧-٢١٩، تحفة المحتاج لابن حجر ج٧ ص١٢٠ فتح القدير ج٥ ص٣٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233903,"book_id":3632,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":179,"body":"ويتحقق بها صيانة سمعة الأفراد، وحفظ أنسابهم، وما كان نفعه عامًا اعتبر الحق فيه لله سبحانه وتعالى١.\rأما فقهاء المالكية، فإنهم يفرقون بين العقوبة قبل رفع الدعوى للقاضي، وبينهما بعد رفع الدعوى.\rفالعقوبة عندهم حق للآدمي طالما يرفع الدعوى للقاضي، فإذا قام برفع الدعوى، فإن العقوبة حينئذ تصبح حقًا لله ﷾.\rفلا تسقط بعفوا المجني عليه.\rكما ذهب فقهاء المالكية إلى أن الحد لا يجب للولد على ابنه، وهذا هو الراجح، وذكر بعضهم أنه إذا طالب الابن حد الأب، وعد الابن فاسقا، هذا رأي عند المالكية، وإن كانت المعتمد عندهم أنه لا حد على الأب لو صرح لولده.\rكما يرون أن من قذف كافرًا أو عبدًا، فلا حد له عليه ما لم يكن أبوا الرقيق حرين مسلمين٢.\rمن هذا يبين أن من الفقهاء من جعل عقوبة القذف حقا للآدمي، وأسقطها بعفوه عن الجاني.\rومنهم من جعلها حقا لله، فلم يسقطها بعفو المجني عليه.\rومنهم من فصل القول، وفرق بينهما قبل رفع الدعوى وبعدها.\rوهذا الخلاف أساسه ما ذهب إليه بعضهم من اشتراط مطالبة المقذوف، وإقامته للدعوى.","footnotes":"١ بدائع الصنائع ج٧ ص٥٦، وما بعدها شرح فتح القدير ج٥ ص٣١٩، وما بعدها المحلى لابن حزم ج١٣ ص٢٨٧-٢٩٠.\r٢ الخرشي ج٨ ص٨٨-٩٠، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٢٧ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233904,"book_id":3632,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":180,"body":"والذي أميل إليه وأرجحه، أن الأعتداء هنا قد وقع على حقين حق لله ﷾، وهو ما يمس المجتمع وسمعة الأفراد، وحق للعبد وهو ما تعرض له شرفه ونسبه عن ضرر، وأذى غير أن حق العبد هنا هو الحق الغالب، وعليه فلا بد من مطالبته بحقه، وإقامته للدعوى، مادام قادرًا على ذلك، فإذا لم يطالب بحقه ولم يقم الدعوى، ويثبت الجناية عند القاضي، وأمكن القاضي أن يلزم الجاني بعقوبة تعزيرية مناسبة، ولا يلزمه بالعقوبة الحدية لعدم مطالبة المجني عليه التي تحتمل معها الشبهة.\rأما إذا أقام المجني عليه الدعوى، وثبتت الجناية، فإن الحق هنا أصبح حقا لله ﷾، ولا يسقط بعفو المجني عليه.\rكما أن قذف الوالد لولده لم تلزم به العقوبة الحدية، إلا أن للقاضي أن يقيم على الوالد عقوبة تعزيرية مناسبة لتعريضه للضرر.\rعقوبة الردة:\rيرى جمهور الفقهاء أن من ارتد من المسلمين يجب قتله أن لم يعد إلى الإسلام بعد عرضه عليه، عملًا يقول الرسول ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\" ١.\rوالمراد من بدل دين الإسلام الذي اعتنقه، وخرج منه إلى دين الكفر وجب قتله.","footnotes":"١ نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص٢١، البخاري بشرح ابن حجر ج٢ ص٢٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233905,"book_id":3632,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":181,"body":"ولا يجوز الاعتراض بأن الحديث على عمومه، فيشمل كل دين.\rلأن الدين الذي ورد في الحديث هو الإسلام؛ لأن الله ﷾ بين: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلام﴾ ١.\rكما أن الكفر ملة واحدة، فقد بين ذلك الإمام مالك بقوله: لم يعن بذلك فيما نرى والله أعلم، من خرج من اليهودية إلى النصرانية، ولا من النصراية إلى اليهودية، ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها، إلا الإسلام.\rفمن خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك، فذلك الذي عني به، والله أعلم٢، هذا ما ذهب إليه الجمهور من أن من خرج من الإسلام إلى غيره، وجب قتله رجلًا كان أو امرأة.\rوإن كان الإمام أبو حنيفة، وبعض فقهاء الشيعة لا يرون قتل المرأة إذا ارتدت: وقالوا بأنها تجبر على الإسلام بأن تحبس، ثم يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت كان بها، وإلا ظلت في حبسها حتى تموت.\rواعتمدوا في ذلك على ما روي من أن رسول الله ﷺ قد نهى عن قتل المرأة الكافرة، فإذا كانت المرأة لا تقبل بالكفر الأصلي، فالأولى لا تقتل بالكفر الطارئ.\rوقد ورد الفقهاء على ذلك بأن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها النبي ﷺ، فأمر أن تستتاب","footnotes":"١ من الآية ١٩ من سورة آل عمران.\r٢ فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج١٢ ص٢٧٢، الموطأ ص٤٥٩ ط دار الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233906,"book_id":3632,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":182,"body":"فإن تابت وإلا قتلت؛ ولأنها شخص مكلف بدل دينه، فتقتل كالرجل١.\rأما نبي الله ﷺ عن قتل المرأة الكافرة، فالمراد بها الكافرة الأصلية؛ لأن رسول الله ﷺ قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، ولذا فإنه ﷺ قد نهى الذين بعثهم للدفاع عن الإسلام -عن قتل النساء، ولم يكن فيهم مرتدة، كما نهى عن قتل الأطفال والشيوخ.\rويخالف الكفر الأصلي الكفر الطارئ، بدليل أن الرجل يقر على كفره الأصلي، والإسلام قد نهى عن قتل أهل الصوامع، والشيوخ، والمكافيف عند فتحه لبلاد الكفر٢.\rوذهب النخعي إلى أن المرتد يستتاب أبدًا رجلًا كان أو امرأة، ووافقه في ذلك غير من تحدث عنهم ابن حزم، وأورد مقالتهم دليلهم رواه الشعبي، عن أنس بن مالك: أنا أبا موسى الأشعري قتل جحينه الكذاب وأصحابه، قال أنس: فقدم على عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، وهل كان سبيل إلا القتل؟. فقال عمر: لو أتيت بهم لعرضت عليهم الإسلام، فإن تابوا وإلا استودعتهم السجن، وقد رد ابن حزم هذا القول؛ لأنه لو صح في رأيه لبطل الجهاد جملة؛ لأن الدعاء يلزم أبدًا مكررًا بلا نهاية، وهو يرى أن مثل هذا القول لا يقول به مسلم٣.","footnotes":"١ بدائع الصنائع ج٧ ص١٣٥، نيل الأوطار ج٧ ٢١٨ مباني تكملة المنهاج؟؟؟ ص٣٣٠-٣٣١ مغني المحتاج ج٤ ص٣٩. المحلى لابن حزم ج١٣ ص١١٩ وما بعدها.\r٢ المغني ج٨ ص١٢٣-١٢٤، نيل الأوطار ج٧ ص٢١٨.\r٣ المرجع السابق ص٢١٧-٢٢١، الموطأ للإمام مالك ص٣١٠ المحلى ج١٣ ص١٢٤-١٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233907,"book_id":3632,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":183,"body":"هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في عقوبة الردة، وقد أورد الشيخ شلتوت والدكتور العوا أقوالًا حولا ما استدل به الجمهور من حديث: \"من بدل دينه فاقتلوه\"، وأنه حديث أحاد، وحديث الأحاد لا يثبت به حد، وعليه فإن عقوبة الردة ليست عقوبة حدية، وإنما هي عقوبة تعزيرية يستطيع الإمام أن يصل بها إلى حد القتل، كما أن له قتل شارب الخمر في المرة الرابعة١.\rكما أن الدكتور العوا يرى صرف الأمر في حديث: \"من بدل دينه، فاقتلوه\" من الوجوب إلى الإباحة، واستدل لذلك بأدلة كثيرة أهمها ما رواه البخاري، ومسلم من أن أعرابيًا بايع رسول الله ﷺ، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى رسول الله ﷺ ثم جاءه، فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى فخرج الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ: \"إنما المدينة تنفي خبثها، وينصع طيبها\"، وقد ذكر الحافظ ابن حجر، والإمام النووي نقلًا من القاضي أن الأعرابي كان يطلب من رسول الله ﷺ-٢.\rوقد حاول من ساق هذا الحديث الاستدلال به على أن هذه حالة ردة ظاهرة، ومع ذلك لم يعاقب رسول الله ﷺ الرجل، ولا أمر بعقابه بل ترك يخرج من المدينة دون أن يتعرض له أحد.","footnotes":"١ الإسلام عقيدة وشريعة للإمام محمود شلتوت ص٣٠١ ط دار الشروق، في أصول النظام الجنائي الإسلامي أ. د/ محمد سليم العواص ١٥٠-١٥٥ ط دار المعارف.\r٢ البخاري بشرح ابن حجر ج٤ ص٩٦ وما بعدها، مسلم بشرح النووي ج٩ ص٤٥٥-، وما بعدها في أصول التشريع الجنائي الإسلامي أد/ محمد سليم العوا ص١٥٢ ط دار المعارف -يراجع في ذلك المحلى ج١٣ ص١١٩ وما بعدها، المصنف لعبد الرازق الصنعاني ج١٠ ص١٦٤، وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233908,"book_id":3632,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":184,"body":"وليس لمن أورد هذا الحديث أن يستدل به على ذلك.\rلأن من روى الحديث لم يورد أن إشارة تدل على أن الرسول ﷺ، لم يأمر بعقاب هذا الرجل، أو لم يتعرض له.\rفكيف استخلص ذلك، وهو أمر لا يجوز استنتاجه من غير دليل صريح؟.\rكما أن من قال: إن الرجل كان يطلب إقالته من الإسلام لم يذكر أن رسول الله ﷺ ناقش الرجل، أو استتابه أو نظر فيما دعاه إلى الرجوع عن الإسلام، وهو أمر لا يجوز من أحد خصوصًا رسول الله -صلى الله عليه\rوسلم-، وإلا كنا غير مطالبين باستتابة المرتد، ومناقشته- وهو ما لم يقل به أحد، ثم إن الحديث جاء فيه أن الرجل أصابه وعك بالمدينة، فهو إذا طلب الخروج من المدينة لعدم احتماله جوها، مثلًا بدليل ما أصابه من وعك، وليس طلب الخروج، والإقالة نتجا عن ارتداده عن الدين؛ لأن من يرتد لا يأتي يستأذن الرسول عله يقيله من دينه خصوصًا، وأنه لن يعاقب على حد قول هؤلاء، هذا أمر بعيد الاحتمال، ولا يدل عليه الحديث، وليس في ذلك العقاب على الرده بالقتل إكراه على الدخول في الإسلام؛ لأنه لا يعاقب بها إلا من كان مسلمًا، وأراد أن يهزا بالإسلام، وفرق كبير بين الحالين، هذا ما أرجحه واختاره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233909,"book_id":3632,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":185,"body":"سمات تمتاز بها العقوبة الحدية:\rتمتاز العقوبات الحدية عن غيرها من باقي العقوبات التي تقررها الشريعة الإسلامية، سواء أكانت عقوبات قصاص أو تعزير، نص عليها المشرع الحكيم، أو حددها ولي الأمر.\rفعقوبات القصاص، وإن كان الشارع هو الذي وضعها، وبين حدودها إلا أنها حق للعباد يمكنهم التنازل عنها في أي مرحلة من مراحل إقامة الدعوى، أو بعد الحكم بها.\rكما أن العقوبات التعزيرية التي يقررها الحاكم، وإن وضع لها حدا ما إلا أنه حد مرن إذ يمكن للقاضي أن يختار العقوبة المناسبة للواقعة التي ينظرها، ومن بين ما وضعها ولي الأمر، سواء أكان ذلك هو حد العقوبة التعزيرية الأعلى، أو الأدنى أو ما بينهما.\rوقد لا يخلو الأمر عند القانونين أحيانًا من النزول عن الحد الأدنى للعقوبة المحددة قانونًا بتطبيق مواد قانونية تبيح للقاضي ذلك، وتلزمه في حالات معينة النزول عن الحد الأدنى المحدد قانونًا للعقوبة١.\rومن أهم ما تتميز به العقوبات الحدية ما يأتي:","footnotes":"١ تنقسم أسباب التخفيف إلى نوعين: أسباب تخفيف وجوبي يطلق عليها تعبير \" الأعذار\"، وأسباب تخفيف جوازي يطلق عليها تعبير \"الظروف المخففة\"، والفرق الجوهري بينهما أن التخفيف عند توافر القدر الزمني للقاضي في حين أنه جوازي عند توافر الظروزف المخففة، شرح قانون العقوبات القسم العام لكل من أد/ محمود نجيب حسني ص٦٨١ط ١٩٧٧.\rأد/ محمود مصطفى ص٦٣٥، ٦٣٨ ط ١٩٧٤م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233910,"book_id":3632,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":186,"body":"أولًا: المشرع الحكيم هو الذي حددها، وبين نوعها ومقدارها، ولم يدع لغيره -حاكما كان أو محكومًا، قاضيا كان أم مقضيا عليه- أن يمس مقدارها بالزيادة أو النقصان، التغيير أو التبديل، أو الإسقاط عمن وجبت عليه، من غير مبيح\rشرعي، وليس له أيضًا أن يلزم بها أحدًا من غير أن يكون قد ارتكب ما يقضي بإلزامها له.\rوكل ما لهؤلاء هو أن يتحروا وجوبها على الجاني الذي وقع منه عما يوجبها عليه، وليست هناك شبهة في فعله، أو قصده.\rكما أن على من يلزمه بها أن يدقق، ويمحص إدلة إثبات جناية الجاني بالصورة التي\rرسمها الشرع الشريف.\rثانيًا: ليس لشخصية الجطاني أي اعتبار من حيث التأثير في كم العقوبة الحدية أوكيفيتها، إذ إن ذلك لا يختلف باختلاف الأشخاص.\rولا يعارض ذلك ما تجب مراعاته في الحكم بعقوبة الزنا من كون الزاني محصنًا، أو غير محصن إذ إن ذلك ليس راجعًا لاعتبار شخص، وإنما؛ لأن الشارع وضع لكل منهما عقوبة خاصة به.\rثالثًا: عقوبات الحدود إذا ثبتت جنايتها، فإن القاضي لا يملك إلا الحكم بعقوبة ما ثبت عنده، ولا يجوز له أن يحجم عن الحكم بالعقوبة الحدية التي ثبتت، ولا أن يقبل شفاعة أحد أيا كان الشافع، أو المشفوع له.\rكما أنه ليس من حقه أيضًا أن يعفو عن الجاني إشفاقًا عليه أو رحمة به، وإن كان له أن يؤجل استيفاء الرجم مثلًا بالنسبة للحامل، حتى تضع حملها، وحتى ترضع١.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص٢٥ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233911,"book_id":3632,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":187,"body":"رابعًا: لا تجب العقوبات الحدية بشبهة، ولا تقام مع وجود الشبهة المعتبرة شرعًا، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء، ووافقهم ابن حزم في أنها لا تجب لشبهة.\rومبنى ذلك عند الفقهاء أن هذه العقوبات عقوبات شديدة، وجسيمة فلا بد إذن من تيقن وقوع جريمتها من الجاني، وإثبات ذلك عليه عند القاضي الذي يحكم الواقعة، إثباتًا بالصورة التي حددها الشرع.\rوالعقوبات الحدية تغاير في ذلك كله العقوبات التعزيرية؛ لأن الأخيرة عقوبات لم يرد نص من الشارع ببيان مقدارها فيه عقوبات تأديبية، يصلح بها الحاكم اعوجاج الأفراد، والمجتمع ولذا، فإن أمر تقديرها متروك لولي الأمر الذي يستطيع أن يقدرها بالصورة المناسبة، والتي قد تختلف من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، ومن زمان لآخر كما أنه يمكن لولي الأمر أن يسقط العقوبة التعزيرية عن الجاني مع ضمان حقوق الأفراد، إذا كانت الجناية متعلقة بها١.\rوبالإضافة إلى ما سبق فإن الإمام الشافعي، ومن وافقه يرون أن من حده الإمام، فترتب على حده تلف، فإنه لا ضمان فيه بخلاف ما يحدث من تلف نتيجة العقوبة التعزيرية، وإن كان الإمام أبو حنفية، ومن معه لا يرون فرقًا بينهما٢.","footnotes":"١ الأحكام السلطاانية لأبي يعلى ص٢٦٤. مغني المحتاج ٤٠٠ ص١٩٣، شرح فتح القدير ج٥ ص٣٤٦.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٣٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233912,"book_id":3632,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":188,"body":"المبحث الثاني: بعض سمات التشريع العقابي في كل من الشريعة والقانون\rالمطلب الأول: أهداف التشريع العقابي ورعايته ظروف الجاني\r...\rالمبحث الثاني: بعض سمات التشريع العقابي في كل من الشريعة والقانون\rويشتمل على المطالب التالية:\rالمطلب الأول: أهداف التشريع العقابي.\rالمطلب الثاني: موقف التشريعيين من العقاب على الجريمة منذ نشأة كونها.\rالمطلب الثالث: بين التشريعين في مجال التنظيم العقابي.\rالمطلب الأول: أهداف التشريع العقابي، ورعايته ظروف الجاني\rأولًا: علاج الجاني لإصلاح سلوكه.\rثانيًا: تحقيق العدل والإصلاح.\rثالثًا: الحفاظ على الضروريات الإنسانية.\rرابعًا: الردع هدف الإنسانية.\rأولًا: من حيث علاج الجاني\rمما هو متفق عليه أن العقاب بكل ألوانه، وأشكاله ما هو إلا أذى ونوع من المكروه بنزل بالجاني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233913,"book_id":3632,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":189,"body":"وليس إنزال هذا الأذى بالجاني هو الهدف في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لغاية، وهدف عظيم نبيل.\rذلك أن العقاب يهدف إلى دفع المفسدة، وعلاج المتلفة التي لحقت بنفس الجاني وأصابت فكره، وظهر أثرها في سلوكه، وعليه فإن ما ينزل بالجاني من عقاب بألوانه المتعددة، والمتغايرة ما هو في حقيقته إلا علاج لما أصاب فكر الجاني، وانقاد لنفسه مما لحق بها من فساد، وحماية لمجتمعه، وأمان لمن يعايشهم، وعلاج الجاني بمثل ما وضع من عقاب، وإن كان يلحق به إيلاما وضررًا إلا أنهما ضروريان لتحقيق النفع له، وإنقاذ مجتمعه، فالعقاب لا يؤمر به لكونه عقابًا في حد ذاته فقط، وإنما؛ لأنه يحقق المنافع ويؤدي إلى المصالح، مثله في ذلك مثل قطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد صيانة للمبادئ، والأوطان وإعلاء للحق والفضيلة.\rكل ذلك من قبيل ما يقوم به الطبيب حين يدفع أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، فالطبيب في فعله هذا كالشرع الذي وضع العقاب ليحقق السلامة، ويدرأ الأضرار والأسقام١.\rففي ذلك كله الصحوة والشفاء للجاني، والراحة والأمان للأمة، وصون حماية للدين والعرض والنفس، والمال والفضلية والأخلاق.\rوقد يتساءل البعض كيف تتحقق الرحمة، والنفع مع العقوبات الحدية من جلد من ملأ من الناس، أو قطع للأيدي والأرجل، أو رجم حتى الموت أو قصاص مع ما فيه من إزهاق للروح، وقضاء على الحياة؟.","footnotes":"١ يراجع \"عز الدين عبد السلام\" القواعد الكبرى ج١ ص١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233914,"book_id":3632,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":190,"body":"والإجابة سهلة ميسورة، فالشريعة الإسلامية لم تفرض عقوباتها، وتنزلها بالأبرياء الآمنين، وإنما فرضتها، وأنزلتها بالأشقياء الخائنين الذين ينتهكون حرمات الناس والمجتمع، ويقوضون أمن الناس وسلامتهم، ويدنسون الأعراض، ويبطشون ويقتلون الآمنين، وهؤلاء الأشرار لهم تباغتهم الشريعة بعقوباتها، وإنما أعلنت الشريعة عقوباتها الصارمة الحازمة لهؤلاء ولغيرهم، فإذا استهان الأشقياء بهذه العقوبات، وانتهكوا الحرمات، وأصبحوا معاول هدم في بناء المجتمع وكيانه، بعد أن ضمن لهم المجتمع حياة آمنة مطمئنة، وأعطاهم من الحقوق ما لغيرهم وساوى بينهم وبين حاكمهم، فهل يكون عقاب هؤلاء الأشرار على ما أجرموا -في حق المجتمع الذي كفل لهم كل هذا- منافيًا للرحمة؟.\rإن القضية معكوسة ولا شك؛ لأن الرفق بمثل هؤلاء هو القسوة على المجتمع والإجرام في حقه، فكيف يرحم من لا يرحم، إن ذلك من البديهات التي لا يحتاج عناء في إثباتها، والقطع بها.\rكما أن العقاب بالرجم ونحوه مما يزهق الروح يكون العلاج لمجموع الأفراد؛ لأن في هذا من الزجز ما يرجى منه إصلاحهم، ولا يخفى أن الشريعة قد كفلت لهؤلاء الجناة كافة صور الدفاع عن أنفسهم، وإحاطتهم بسياج من الحماية حتى تتأكد إدانتهم بالدليل القاطع الذي لا يعتريه شك.\rإن الرحمة الحقة هي التي تقيم العدل، وتهدم الظلم وتفوض أركان الباطل، هذه هي الرحمة التي يرضاها الله ورسوله، وتكفلت بتحقيقها الشريعة الإسلامية السمحة بصورة لا يستطيع مجاراتها في تحقيق هذه الرحمة أي قانون وضعي، مهما كان واضعه، ومشرعه فهي شريعة الله ﷾ الذي أنزل من القرآن ما هو شفاء، ورحمة للمؤمنين، وأمرنا بالاستجابه إليه؛ لأن في الاستجابة إليه الحياة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233915,"book_id":3632,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":191,"body":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ١.\rثانيًا: في مجال تحقيق العدل والإصلاح\r١ الشريعة الإسلامية قد ساوت بين الناس في الثواب والعقاب، ولا يملك أحد أن يغير من ذلك شيئًا بالزيادة أو النقصان، نظرًا لأي سبب من الأسباب التي لا تخضع للموازين الشرعية؟\rوالقوانين الوضعية، وإن نصت على العقوبة بصورة موضوعية، إلا أنها جعلت تحديدها للعقوبة تحديدًا مرنا يخضع لكثير من الاعتبارات التي يراها القاضي، سواء أكانت اعتبارات موضوعية، أو أخذت شكل الموضوعية.\rبل وأكثر من ذلك تخضع هذه القوانين لسلطان التغيير، والتبديل والإلغاء والإعفاء، ولكم اكتوى الناس بذلك كثيرًا.\rب- الشريعة الإسلامية قد ساوت بين الجريمة، وعقوبتها في جرائم الاعتداء على النفس، ففرضت القصاص وقررته.\rوليس بخاف ما يحققه ذلك النظام العقابي من شقاء صدر المجني عليه، وذويه الأمر الذي يحقق القضاء على مصدر من مصادر إشاعة الجريمة، في المجتمع، وصدق الله\rالعظيم إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢ بيد أن القانون الوضعي في أغفل المساواة بين الجريمة وعقوبتها، وعلى الأخص في مسائل القصاص هذه.","footnotes":"١ من الآية ٢٤ من سورة الأنفال.\r٢ الآية ١٧٩ من سورة البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233916,"book_id":3632,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":192,"body":"الأمر الذي ينتج عنه ليل نهار ما تعانيه المجتمعات في حياتها من عبث، وفوضى وثأر ودماء.\rج- الشريعة الإسلامية لم تترك جريمة ما من الجرائم دون عقاب، خصوصًا الجرائم التي يقع الاعتداء فيها على الضروريات التي تمس الإنسان في ذاته وعرضه.\rثم هي مع حرصها على الإنسان ذاته وعرضه، لم تترك الباب ليلجه كل من يريد الأضرار، وإنما الضوابط المحكمة دون إسراف أو تضييع، تحقيقًا للعدل وصونا لكرامة الفرد والمجتمع.\rبيد أن القوانين الوضعية قد أغفلت كثيرًا الحفاظ على هذه الضروريات ولم تعاقب عل كثير مما يرتكب من جرائم، بدعوى الحضارة والحرية، فالعقاب فيها يكون على فعل أو قول اعتبر جريمة، وعلى هذا فما لم يجرمه القانون فلا عقاب عليه.\rد- حقوق الأفراد من وجهة نظر التشريع الإسلامي منح إلاهية، أعطاها الله ﷾ للأفراد، وفق ما تقضي به مصلحتهم جميعًا، وهذا قيد شرعي لاستعمال الحق، يقضي مراعاة مصلحة الغير، وعدم الإضرار بالجماعة.\rوالتشريعات الوضعية لم تعرف هذا القيد إلا مؤخرًا، فقد كانت نظرياتها إلى عهد تأخذ بمبدأ أن للفرد مطلق الحرية في استعمال حقه، بمعنى أنه السيد المطلق الذي لا يحد من سلطانه في استعماله في ذلك أي إنسان، حتى ولو تعسف في استعمال هذا الحق، وأضر بالآخرين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233917,"book_id":3632,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":193,"body":"ولا يخفى أن الشريعة الإسلامية، وهي تراعي حق الجماعة، ولم تهمل انفرد، وإنما عنيت به، وعملت على إنصافه١.\rج- الشريعة الإسلامية لا تعاقب بالحبس، أو السجن إلا على القليل من الجرائم، وبذا أراحت المجتمع من السهر على هؤلاء المحبوسين والمسجونين، هذا من ناحية.\rومن ناحية أخرى أراحت هؤلاء من كل ما يلاقونه في حبسهم أو سجنهم، فلم تقطعهم عن الحياة، والناس وعنه مباشرة أعمالهم ومزاولة انتاجيتهم، إلا في القليل النادر.\rبينما أغلب عقوبات القوانين الوضعية في الحبس أو السجن، وفي هذا ما فيه من إفساد للفرد، وتعطيل لإنتاجه، بل وقضاء على أسرته، وإلزام المجتمع بحراسته، والسهر عليه وما إلى ذلك، مما فيه من إذكاء لروح الصراع، والكراهية بين الفرد ومجتمعه، الأمر الذي لا يثمر إلا الخسران للفرد، والمجتمع كليهما.\rو قد يزعم البعض أن الشريعة فيما وضعته من نظام عقابي لم تراع حالة الجاني، ولم تهتم بنفسيته وإصلاحه، بل قست عليه وأهملته، وعاقبته بعقوبة لا تتناسب وجريمته، إذ هي تقطع يده إذا سرق قدرًا يسيرًا، كما تعاقب الشهود على جريمة الزنا بالجلد إذا لم يبلغ عددهم أربعة، مع أنهم لم يزنوا وإنما أبلغو عما شاهدوه.\rومثل هذا الزعم لا يجوز إيراده.","footnotes":"١ المدخل للفقه الإسلامي أد/ سلام مدكور ٤٢٠-٤٢٢ ط الرابعة\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233918,"book_id":3632,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":194,"body":"إذ إن الشريعة الإسلامية في نظامها العقابي قد اهتمت بالجاني، وعنيت به وتلمست له كل طريق التخفيف ودرء العقوبة.\rكما أنها لم تبث عيونها وجواسيسها وراء كل فرد تتلمس له الزلل، فكم جاء من يعترف بجرائمه، فإذا بالرسول ﷺ يعرض عنه تاره. ويقول له أخرى: هل صليت معنا..؟ ليس عليك من وزر دون أن يسأله، ويتقصى جريمته وذنبه١.\rكما أن ابن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-، وقد جاءه رجل يقول له: إن لي بنتًا أسلمت، وأصابت حدًا من حدود الله، فعمدت إلى الشفرة لتذبح نفسها، فأدركتها، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تخطب إلي يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها الذي كان؟ فقال عمر: أتعمد إلى ما ستره الله فتبديه؟ والله لأن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلك نكالًا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح المسلمة العفيفة٢.\rفعمر رضي الله تعالى عنه يهدد الرجل بالعقاب إذا كشف ستر ابنته ... صونا للحياء وسترًا على المسلمين، وحفاظًا على الفضيلة فيهم، كما أنه يعاقب الغلمان الذين سرقوا حين ألجأهم الجوع لذلك، بل قال لسيدهم: إنكم تجيعون غلمانكم، لو سرقوا مرة أخرى، فإني لن أقيم الحد إلا عليك أنت.\rكما أنه أبطل حد السرقة عام الرمادة، مراعاة لحال الناس....","footnotes":"١ نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص١١٣ وما بعدها ط مصطفى الحلبي.\r٢ الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة أد/ سلام مدكور. بحث في مجلة إدارة قضايا الحكومة العدد الرابع من السنة الثالثة عشرة ص١٤-١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233919,"book_id":3632,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":195,"body":"وقد أفتى أبو عباس -رضي الله تعالى عنهما- بعدم قطع يد من سرق دابة غيره، وذبحها لدفع الجوع١.\rمن هذا كله يبين مدى للتشريع العقابي في الإسلام من فضل السبق في الدعوة إلى اعتبار ظروف المجرم، وجعل ذلك مبدأ واجب الالتزام، والخروج بهذا المبدأ إلى حيز التطبيق الفعلي على يد الرسول الكريم، والصحابة الأطهار.\rهل بقي مع هذا زعم لقائل.\rكما أن هناك أمرًا تجب الإشارة إليه، إلا وهو أن الشريعة الإسلامية، وإن كانت فيما وضعته من نظام عقابي قد لاحظت فيه حال المجرم، واهتمت به فهي أيضًا قد اهتمت بالمجني عليه، وأولته من الرعاية والعناية، والاهتمام ما هو أحق به وأولى.\rأما من حيث كون العقوبة لا تتناسب والفعل، فإنه ينبغي أن لا ننظر إلى الشيء القليل الذي سرقه الجاني فقط، وإنما لا بد وأن ننظر إلى المسروق منه، ونرعاه -فقد كان آمنا في بيته وأهله على نفسه وماله، فإذ به يفزع بدخول السارق عليه، وما قد يسببه ذلك من هلع وخوف","footnotes":"١ يقول الأستاذ الدكتور: محمد سلام مدكور في بحثه الدفاع الاجتماعي ضد الجريحة ص٦ وما بعدها: \"وهنا نشير إلى أن الإسلام قد سبق إلى اعتبار ظروف المجرم، واختلاف النظرة إليه باختلافها، وأن من العلماء المسلمين من تبين ذلك من أمثال ابن حجر الهيثمي الذي أشار في مقدمة كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر إلأى أن كثيرًا من الجرائم، والآثام تختلف النظرة إليه باختلاف حال الآثم من جهة كونه مصرًا على جريمة، وكونها هفوة أو عمدًا، وكونه مضطرًا أو غير مضطر، فليس كل المذنبين في نسبة واحدة ولا مستوى واحد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233920,"book_id":3632,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":196,"body":"لكل من في البيت، وقد يكون الأطفال أو النساء، وقد يكون السارق مسلحًا، وقد يلجأ إلى استعمال ما معه من سلاح إلى آخر ذلك.\rفالشارع الحكيم حين يعاقب السارق بقطع يده، لم ينظر فقط إلى عشرة الدراهم التي سرقها، وإنما نظر إلى الجريمة بكل أبعادها كما أن السارق الذي سرق عشرة الدراهم، لم يتقصر على هذه العشرة لعفته أو حاجته إليها، ولكنه مغلوب على أمره في اقتصاره عليها؛ لأنه لم يجد غيرها، وإلا لو وحد لما ترك. كما أن السارق قد عرض نفس المجني عليه وأهله، وعرضه للضياع والخطر، فقد يسمرئ السارق إشباع رغبته، ويمعن في إجرامه بما يسول له الشيطان والهوى.\rمن أجل ذلك كله، وما علمه الشارع الحكيم كان العقاب الذي وضعه هو العلاج الشافي، والحاسم الذي تبرأ به الأمة، ويحفظ عليها أمنها وسلامتها١.\rأما بالنسبة لمعاقبة من شهدوا بواقعة زنا، أو أبلغوا عنها ولم يكتمل حساب الشهادة، فإن ذلك مبني على أساس أن الأصل براءة من ينسب إليه فعل ما دام لم يكتمل دليل إثبات هذا الفعل في حقه.\rكما أن دعوة الشريعة الإسلامية إلى الستر على النفس، وعلى الآخرين ظاهرة وبينة.\rولا يخفى أن في التبليغ عن حادثة زنا، أو الشهادة بها دون أن يكتمل نصاب الشهادة -وإن كان ذلك لن يترتب عليه عقاب الجاني، أو","footnotes":"١ المسئولية الجنائية، ومراعاة ظروف الجاني في الفقه الإسلامي أد/ سلام مدكور بحث بمجلة إدارة قضايا الحكومة العدد الأول السنة الثانية والعشرون ص١٣-١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233921,"book_id":3632,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":197,"body":"المدعي عليه -إلا أن ذلك-، وإن لم يكن فيه تجن ومكر ومكيدة -قد أصاب المبلغ عنه بأضرار في عرضه، وحيائه لا تقف عند حد المساس به هو فقط، بل تتعداه إلى أهله وذويه الذين يعتزون به، والذين قد يصل بهم الأمر إلى قتله والتخلص منه، وقد يعترضون أيضًا لهذا المبلغ، أو الشهود الذين لم يكتمل نصاب شهادتهم، كل ذلك بهدف الانتقام، والثأر لعرضهم وكرامتهم.\rإذا كان الأمر سيترتب عليه ذلك كله، وأكثر أفلا يكون الأولى أن يستر المسلم أخاه١، وأن يتحرى الدقة، وأن يتأكد أن الداني الذي رآه في حالة جنايته عدد كبير سيفتح أمره حتى وإن لم تقم العقوبة عليه.\rثم قبل هذا كله وبعده، هذه العقوبة قد نصت عليها الآيات الكريمة، في قول الله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.\rإن الطبيب الماهر والحاذق هو الذي يضع لرواده النظاز العلاجي الدقيق والدواء الناجح، والذي وأن كان مرًا وقاسيًا في ظاهره إلا أن السلامة والأمن، والراحة في المحصلة النهائية لكل ما وضعه هذا الطبيب، وعالج به وإن كان قد بتر بعض الأعضاء ليسلم الجسد كله.","footnotes":"١ لا يتعارض ذلك مع ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ ، فقد ذكر القرطبي أن النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع الحق، وقال ابن عباس: على الشاهد أن يشهد حينما استشهد، ويخبر حيثما استخبر، الجامع الأحكام القرآن ج٢ ص١٢٢٣.\r٢ الآية ٩ من سورة النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233922,"book_id":3632,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":198,"body":"ثالثًا: الحفاظ على الضروريات الإنسانية\rأنزل الله ﷾ الشرائع السماوية بوجه عام، والشيعة الإسلامية الخاتمة بوجه خاص، للمحافظة على مصالح الناس وسلامتهم، واهتمت بصفة خاصة بالضروريات التي تتضمن بقاء نظام الحياة أمنا مستقرًا، وكفلت الحفاظ على هذه الضروريات، وعاقبت على أدنى مساس بها، \"ذلك؛ لأن جلب المنفعة، ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم\".\rويقصد المصلحة المحافظة على مقصود الشارع، ومقصود الشارع من الخلق رحمة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقابهم.\rونسلهم ومالهم، فكل ما يضمن حفظ هذه الأصول الخمسة، فهو مصلحة.\rوكل ما يفوت هذه الأصول، فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضروريات، فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشارع بقتل الكافر، المضل وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعة، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص، إذ به حفظ النفس.\rوإيجاب عقوبة الشرب، إذ به حفز العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنى، إذ به حفظ النسف والأنساب، وزجر النصاب والسراق، إذ به حفظ الأموال التي هي معايش الخلق.\rوتحريم تفويت هذه الأمور الخمسة، والزجر عليها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل، أو شريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233923,"book_id":3632,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":199,"body":"الخلق، ولذا لم تخلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل والزنى، والسرقة وشرب المسكر١.\rوعلى هذا اعتبر المساس بهذه المصالح الضرورية جريمة من الجرائم التي وضعت لها عقوبات صارمة، بهدف حفظ إنسانية الإنسان، وأكدت الأديان كلها أهمية المحافظة على هذه الأمور الضرورية، بكل الوسائل الفعالة، وما ذلك إلا عناية من الشارع بالخلق وشئونهم.\rرابعًا: الردع هدف للعقوبة\rخلق الله الإنسان، وجعل له الخلافة في الأرض، وسخر له الكون، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.\rولكن الإنسان مع هذا كله يستولي عليه شيطانه، ويشيع في الكون فسادا، وهذا ما رأته الملائكة بنور من الله، وطرحته عند أخبار الله لهم بأنه جاعل في الأرض خليفة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.\rوبهذا العلم الرباني أنزل الله للإنسان من الشرائع ما تقوم اعوجاجه، وتصلح من شأن نفسه، وما ذلك إلا رحمة بهذا الإنسان","footnotes":"١ المستصفى للغزالي ج١ ص٢١٧، ٢٨٨.\rالمسئولية الجنائية، ومراعاة ظروف الجاني في الفقه الإسلامي أد/ سلام مدكور ص٦ وما بعدها، بحث منشور بمجلة قضايا الحكومة العدد ١ السنة ٢٢.\r٢ الآية ٣٠ من سورة البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233924,"book_id":3632,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":200,"body":"وبرا به وتظهير له، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.\rوالتطهير في الدنيا يتأتى باجتناب ما يلوث، والابتعاد عنه، لذا وضعت الشرائع معالم السلوك محذرة من الغواية، ومنبهة على الرشاد.\rفإذا غلب الهوى، ولم يغن تحذير ولا إرشاد، وعلق اللوث بالثيباب.\rكان لا بد لهذه الثياب من أن تطهر، وأن تعرض على ما يزل علق بها، ويخلصها من دنسها.\rوما ذلك بالنسبة للإنسان إلا بالتزام ما شرعه الله ﷾، وبينه رسوله ﷺ، وحدد حدوده التي هي ردع، ومنع من ارتكاب المعصية، وزجر وإيلام لمن وقع فيها، وفكرة الردع والزجر هذه، قد ثار حولها جدل ومناقشة.\rبل إن مجرد محاولة استجلاء بعض أهداف التشريع العقابي، قد لاقت نفسها كثيرًا من الاعتراضات.\rفيقول ابن حزم منكرًا مقالة من ذهب إلى القول بأن الردع، والزجر هدفان من أهداف تشريع العقوبة.\rقالوا: إن الحدود إنما جعلت للردع، قلنا لهم: كلا، ما ذلك كما تقولون إنما ردع الله تعالى بالتحريم، وبالوعيد في الآخرة فقط، وأما بالحدود فإنما جعلها الله تعالى كما شاء، ولم يخبرنا الله تعالى أنها للردع ...\rولو كانت للردع كما تدعون لكان ألف سوط أردع من مائة، ومن ثمانين ومن أربعين ومن خمسين، ولكان قطع اليدين والرجلين أردع من","footnotes":"١ من الآية ٦ من سورة المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233925,"book_id":3632,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":201,"body":"قطع يد واحدة، ولكنا نقول: هي نكال وعقوبة وعذاب وجزاء، وخزي كما قال الله تعالى في المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، إلى أن يقول: وإنما التسمية في الدين إلى الله تعالى، لا إلى الناس فصح أنه جعلها كما شاء حيث يشاء، فلم يجعلها حيث لم يشأ١.\rوما قاله ابن حزم ليس بجديد على أحد، إذ هو من هؤلاء الذين يقفون عند ظاهر النص، ويرى أن ما فوق ذلك مرجعه إلى الله ﷾.\rلكن ماذا يمنع المؤمن من أن يحاول استجلاء النصوص، والرسول ﷺ قد حث على الاجتهاد، ولتحقيق مصحلة البشر جميعًا خصوصًا، وإن عقوبات الحدود ليست هي الغاية، والهدف من تشريعها، وإنما هي وسيلة حاول المشروع بها أن يحول بين الإنسان واقتراف الجريمة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ ٢.\rكما أن ذهب إليه ابن حزم، واعتمد عليه في إلغاء القول بالردع من أن الحد لو كان ألفًا لكان أردع، هو قول بعيد في القياس بل لا يصلح؛ لأن الحد لو كان ألفًا كان أردع، ولما كان إلا إهلاكا وقتلًا.\rوالله ﷾ لم يرد ذلك بعباده، وإنما أراد أن يباعد بينهم، وبين معاصيه، وأن ينتهوا عما نهى عنه رحمة منه ورأفة٣.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٨٩.\r٢ من الآية ١٤٧ من سورة النساء.\r٣ أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ص١٢٠ ط١٩٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233926,"book_id":3632,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":202,"body":"وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ١.\rفالله ﷾ قد حذر، فمن الناس من يتبع طريق الله، ومنهم من ينساق وراء الشيطان، وهؤلاء لا بد لهم من رادع قوي، وزاجر شديد عنيف يردهم عما انساقوا فيه، وما ذلك إلا ما وضعه المشرع من حدود وعقوباته.\rوالردع في حدد منه ما هو موجه للناس جميعًا، ومنه ما هو خاص واقع على من اقترف الجناية، وبتعبير آخر، منه ما هو ردع وقائي، ومنه ما هو ردع علاجي.\rالردع الوقائي:\rالإنسان مزاج من مادة وروح، والصراع بينهما دائم متصل ...\rوتحيط الدوافع المادية بالإنسان من كل جانب، بل وفي أعماقه ذاتها، تتخذ هذه الدوافع في النفس الأمارة بالسوء.\rوالعصمة لقليل من الخلق الذين اصطفاهم الله رب العالمين.\rأما غير هؤلاء فإن الله ﷾ من رحمته بهم، قد هيأ لهم ما يتسلحون في مواجهة الشهوات والنزوات.\rومن هذا الذي يتسلحون به، وما شرعه الله ﷾ من عقوبات تردع وتهدد، تشعل خشية العار وخوف الفضيحة، وتركى مخالفة الألم وبأس العقوبة.","footnotes":"١ من الآية ٣٠ من سورة آل عمران.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233927,"book_id":3632,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":203,"body":"وكلما أزداد الدافع إلى الجريمة ناسبه ازدياد بأس العقوبة حتى يصل إلى حد القتل، تناسبًا طرديًا.\rوهكذا يقوى الردع كلما كان الدافع قويًا متسما بصفة العمومية، ليحول بين الإنسان، وبين ما تغويه به نفسه.\rهذا هو جانب الردع الوقائي، فيما شرعه الله ﷾ من عقوبات. وهو ما عناه الماوردي بقوله: \"والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة، فجعل الله من زواجر الحدود ما يروع به ذا جهالة حذرًا من ألم العقوبة، وخيفة من نكال الفضيحة، ليكون ما حظر من محارمه ممنوعًا، وما أمر به من فروضه متبوعًا، فتكون المصلحة أعم، والتكليف أتم١.\rوتمتاز فكرة الردع، وهدف الزجر في التشريع العقابي من وجهة نظر الشريعة عن القانون، فيما يأتي:\rأولًا: نوعية العقوبات في الشريعة تحقق الردع الكافي لحماية الحقوق.\rثانيًا: لزوم العقوبة الشرعية للجناية التي حددها الشارع، بحيث لا يمكن تغييرها أو تبدليلها تحت أي ظرف من الظروف التي لا يقرها الشرع الشريف، فإذا أقر الشرع تبديلها أو إلغاءها، فإن ذلك يهدف منفعة عامة، وطبقًا لقواعد العدالة والإنصاف، والناس جميعًا أمام ذلك سواء.","footnotes":"١ الأحكام السلطانية للماوردي ص٢١٣، المطبعة المحمودية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233928,"book_id":3632,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":204,"body":"الردع العلاجي:\rخاطب الله ﷾ الناس جميعها بما يصلح حالهم إن أطاعوه، ووضع لهم روادع، وزواجر إذا حدثتهم أنفسهم بالعصيان والتمرد، وقد تؤتى هذه الروادجع، والزواجر ثمارها إذا صادفت معدنا طيبًا، وقد تصادف أرضًا جدباء فلا يثمر فيها نبت، وتضعف هذه الروادع والزواجر عن أن تتغلب على خبث هذه الأرض، وفسادها ومن هنا كان لزامًا على من يريد الإصلاح أن يعالج هذه التوبة، علاجًا ينفي عنها خبثهعا، ويزيل فسادها.\rوهذا هو الردع العلاجي، الذي يتتبع موضوع الداء فيأتي عليه، ويجز عفنه ويكسر ما فيه من حدة الفساد والعصيان.\r﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١.\rهكذا الطبيعة البشرية إذا ما أجدب فيها الردع الوقائي، كان لزامًا لشفائها ذلك الردع العلاجي، الذي ينزل بالشقي الذي انتهك حرمات صانها الشارع ورعاها.\rفمعاقبة ذلك الشقي تردعه، وتمنعه من أن يعادو جنايته؛ لأن ما حل به من عقاب كفيل بأني يشفي نفسه السقيمة بما طبع، وترك من بصمات الألم والنكال على جسد الشقي وماله.\rذلك الجزاء نفسه كفيل بأن يشفي صدور من وقعت عليهم الجناية كل ذلك متى كانت العقوبة متناسبة مع العمل الجنائي، وظروفه، وحال من","footnotes":"١ من الآية ٧٤ من سورة البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233929,"book_id":3632,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":205,"body":"ارتكبه، فلا تكون قاسية مهلكة في موضع العلاج، ولا تكون هينة ضئيلة في موضع تناسبه الشدة والصرامة١.\rوصدق الله العيظم إذ يقول: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾ ٢ هذا وإن توافقت فكرة الردع الخاص في ظاهرها في كل من الشريعة والقانون، إلا أن هناك فروقًا جوهرية تجدر الإشارة إليها:\rأولًا: من جهة القضاء النهائي على القصد الإجرامي لدى المجرم، واقتلاع ما نبت من بذور الشر في نفسه وفكره، فإن النظام العقابي في الشريعة الإسلامية يحقق هدم ما يكون قد تكون لدى الجاني من ذلك كله، وما يعضده من سطوة الجاني، ومنعته واستعلائه على المجني عليه.\rإذ إن النظام العقابي للشريعة الإسلامية يقضي في جرائم الاعتداء على النفس والأعضاء بالقصاص، فإذا بالمجني عليه، أو من يقوم مقامه، وقد كان مستضعفًا بالأمس يقف أمام الجاني الذي كان متسلطًا بالأمس أيضًا، وتنعكس الحال، ويصبح الضعيف قويًا والقوي ضعيفًا، يلتمس العفو والصفح، والأمر حينئذ موكول لمن كان مجنيًا عليه بالأمس، فإن شاء اقتص من الجاني، وإن شاء عفا عنه.\rوفي كلا الحالين لم يصبح للجاني حول، ولا قوة أمام المجني عليه، وفي ذلك قضاء على الشر في نفسه الجاني، وشفاء لصدر المجني عليه.","footnotes":"١ تبصرة الحكام لابن فرحون ج٢ ص١١٤ سنة ١٣٠٢هـ.\r٢ من الآية ٤٨ من سورة الزخرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233930,"book_id":3632,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":206,"body":"ومثل هذا لا يمكن تحقيقه إذا وقعت على الجاني عقوبة من العقوبات الوضعية؛ لأنها لن تحقق زجر الجاني بالصورة السابقة، كما أنها لن تشفي صدر المجني عليه فيظل مشحونًا، ينتظر الفرصة المواتية ليثأر لنفسه، وتتكرر المأساة.\rأو يضعف ويفترسه الوهن، والخذلان كلما رأى المعتدي.\rثانيًا: من حيث الردع المدني الذي لا يجدي غيره مع من تبلدت نفسه، وبهذا الردع البدني تحقق الشريعة هدفين:\r١- إيلام المجرم إيلامًا جسديًا ليذوق مثل ما نزل بالمجني عليه، والشأن في هذا أن يقوم الاعوجاج، وكل من تحدثه نفسه بارتكاب جناية لكيلا يعرض نفسه مرة أخرة لما لاقاة من الآم أوجعت جسده.\rولا يخفى أن ما ينزل بالجاني من عقاب يكون في ملأ من الناس، وفي ذلك الألم كله للجاني، وأشق عليه من وقع السياط.\r٢- إنزال العقوبة بالجاني بالصورة التي رسمها التشريع الإسلامي لا يستغرق وقتًا طويلًا، يترك بعده الجاني ليرعى شئون نفسه ومن يعول، حتى لا يضيع، ويضيعهم معه.\rوذلك على العكس من العقوبة في النظام الوضعي التي تقضي بسجنه، فيضيع هو من يعولهم، ويخرج من سجنه، وقد تمرس على الإجرام، ولقن دروسه على أيدي عتاة الأشرار، فلا يلبث أن يعود إليه مرة ومرات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233931,"book_id":3632,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":207,"body":"المطلب الثاني: موقف التشريعيين على الجريمة منذ نشأة فكرتها\r...\rالمطلب الثاني: موقف التشريعيين من العقاب على الجريمة منذ نشأة فكرتها\rكل من يقدم على ارتكاب ما من الجرائم، لا بد له قبل القيام بها من عقد النية على ذلك، وإرادة هذا العمل الإجرامي إرادة تصرف الجوارح، وتوظف التفكير في حياكة خيوط ما أرد من الجرائم.\rغير أن التنفيذ قد يأتي وفق ما أراد الجاني، أو أقل مما أراد لأمر حال بين الجاني وبين أن يتم قصده.\rوالتشريع الجنائي الإسلامي لا يعاقب على ما خالج النفس، وانشغل به القلب.\rولقد أرسى هذا المبدأ رسول الله ﷺ، فيما روي عنه \"من أن الله ﷾ قد تجاوز لأمته عما وسوست، أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم\"١.\rفلا عقاب إذا على النية التي يبيتها شخص من الأشخاص للقيام بأي عمل إجرامي، ما دام لم يقم بما نواه، ولم يحقق ما عزم عليه.","footnotes":"١ يقول الإمام الشافعي ﵁: أطلع الله رسوله على قوم يظهرون الإسلامي ويسرون غيره، ولم يجعل له أن يحكم عليه بخلاف حكم الإسلام، ولم يجعل له أن يقضي عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا ...\rإلى أن يقول: وبذلك قضت أحكام رسول الله ﷺ، فيما بين العباد من الحدود، وجميع الحقوق وأعلمهم، أن جميع أحكامه على ما يظهرون، وأن الله يدين بالسرائر.\rالأم للإمام الشافعي ج٧ ص٢٦٨، ٢٦٩، ط دار الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233932,"book_id":3632,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":208,"body":"هذا هو موقف التشريع العقابي من وجهة النظر الإسلامية، أما الشرائع الوضعية، فإنها لم تأخذ بهذا المبدأ إلا منذ فترة وجيزة، وهي وإن أخذت به الآن إلا أنها لم تلزم به التزامًا كاملًا، إذ لا زال التجريم فيها يضع ضمن ما يعاقب عليه، سبق الإصرار والترصيد، فالجريمة تزاد عقوبتها إذا صاحبها سبق إصرار وترصد، وتقل عقوبتها إذا لم تقترن بذلك١.\rالعقاب على الأعمال التحضيرية:\rالأعمال التحضيرية التي تسبق القيام بجريمة ما من الجرائم نوعان:","footnotes":"١ يقول الإمام الشافعي مبينا جانبًا من مواقف الشريعة الإسلامية من العقاب على النية: \"أطلع الله رسوله على قوم يظهرون الإسلام، ويسرون غيره ولم يجعل له أن يقضي عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا.. وقد أعلم الله رسوله ﷺ أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ، فجعل حكمه عليهم جل وعز على سرائرهم، وحكم نبيه عليهم في الدنيا على علانيتهم. الأم ج٧ ص٢٦٨.\rويعلق الشيخ أبو زهرة على ذلك كله بقوله: \"هذه حقيقة يذكرها التاريخ لمحمد رسول الله، ويذكرها التاريخ للإسلام الحر، ومن احتقار العقول أن يقارن هذا بما كان من زعماء النصارى في عهد قسطنطين عندما دخل الرومان في المسيحية، وما كان من محاكم التفتيش في القرون الأخيرة، وما يسلكه سياسة اليوم من نشر الجاسوسية، والتنقيب عن الخواطر والقلوب، ولكن هكذا الإسلام، وسيستمر حجة على الناس إلى يوم القيامة.\r\"الجريمة ص٣٨٨\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233933,"book_id":3632,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":209,"body":"أ- أعمال تعتبر في حد ذاتهلاا جريمة، وذلك مثل حمل سلاح غير مرخص بقصد استعماله في جريمة ما من الجرائم، والتي بدأ الجاني في أعمال التحضير لها.\rوكمن يشتري خمرًا ليستخدمه في جريمة ينوي ارتكابها.\rفهذه الأعمال التحضيرية، وما يماثلها هي في حد ذاتها أعمال إجرامية يعاقب عليها في كل من الشريعة والقانون١.\rب- أعمال هي في حد ذاتها مباحة، ولكنها قد تدخل ضمن الأعمال التحضيرية لجريمة ما من الجرائم، وذلك مثل من يعد مفاتيح ليستعملها في فتح أبواب بقصد السرقة.\rومن يشتري سلاحًا بقصد إعداده لاستعماله في جريمة من الجرائم.\rومن يعد أماكن ليجمع فيها الأقوات يقصد تخزينها، واحتكارها ورفع ثمنها والتحكم في الناس إن ذلك، وإن كان لا يعد ارتكابًا لما أعد له من جرائم؛ لأنه عمل مباح في أصله؛ ولأنه لم يتخط بعد مرحة الإعداد، إلا أنه وسيلة لهذه الجرائم وإعداد للقيام بها، ومثل هذه الأعمال يرى فقهاء الحنفية والشافعية، أنه لا عقاب عليها، وقد أخذ برأيهم رجال القانون٢.","footnotes":"١ الجريمة للشيخ أبو زهرة ص٣٨٩-٣٩١ ط دار الفكر العربي شرح قانون العقوبات أد/ محمود نجيب حسني ص٣٦٢ط ١٩٧٧.\r٢ ولذ أجاز الشافعي بيع السلاح لمن يشتريه ليقتل به إنسانًا.\rفقد جاء في كتاب الأم: \"ألا ترى أن رجلًا لو اشترى سيفا ونوى بشرائه أن يقل به كان الشراء حلالًا، وكانت النية بالقتل غير جائزة، ولم يبطل بها البيع، وهكذا لو باع البائع سيفًا من رجل يرى أنه يقتل به رجلًا كان هكذا، الأم ج٧ ص٢٧٠، ويراجع أستاذي الدكتور سلام مدكور أصول الفقه الإسلامي ص١٨٢ للشيخ أبو زهرة الجريمة ص٣٨٦-٣٨٨ أد: محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات ص٣٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233934,"book_id":3632,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":210,"body":"ويرى ابن القيم، والقرافي أن مثل هذه الأعمال، وسائل لفعل إجرامي حرمته الشريعة، وعليه فإنها تأخذ حكم الفعل الإجرامي التي هي وسيلة له، من حيث الحرمة ويعاقب عليها بعقوبة أقل من عقوبة الجريمة الأصلية، التي هي الغاية لمن اتخذ هذه الوسائل وصولًا إليها.\rوذلك في حالة عدم الوصول إلى الغاية التي ابتغاها الجاني، ووقوفه عند مرحلة الإعداد والتحضير١.","footnotes":"١ يقول ابن اقيم: وسائل المحرمات في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطها بها، فوسائل المقصود تابعة للمقصود.\rوكلاهما مقصود بقصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب شيئًا، وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها، ويمنع فيها تحقيقًا وتثبيتًا له، ومنعا ممن أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقصا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه تأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي أعلى الدرجات الحكمة والمصلحة والكمال.\rإعلام الموقعين ج٣ ص١١٧ طبع الشيخ منير الدمشقي.\rويقول القرافي:\rالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسط \"فالوسيلة تأخذ حكم الغاية\" الفروق للقرافي ج٢ ص٣٢، أستاذ الدكتور سلام مدكور أصول الفقه ص١٨٠ وما بعدها، الشيخ أبو زهرة الجريمة ص٢٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233935,"book_id":3632,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":211,"body":"مرحلة ارتكاب الفعل:\rوجهة نظر كل من الشريعة والقانون في العقاب عليها.\rتبدأ هذه المرحلة بإقدام الجاني على فعل من الأفعال هو الطريق إلى تحقيق الجريمة التي يريد ارتكابها.\rوهذا الفعل الذي يبدأ به، وينظر إليه في حد ذاته بصرف النظر عن قربه، أو بعده من الركن المادي للجريمة.\rفمن وجهة النظر التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.\rيحرم هذا الفعل الذي يبدأ به الجاني الإقدام على ارتكاب جريمته.\rفمن يحاول فتح باب غير مأذون له في فتحه، قاصدًا من وراء فتح هذا الباب ارتكاب جريمة سرقة لزمتة العقوبة التعزيرية على محاولة فتح الباب هذه.\rبل إن من يراقب بيتا لينقض على ما فيه، ويسرقه يعزر أيضًا على مجرد هذه المراقبة.\rومن يوجد في مكان، ومعه آلة من الآلات التي يستخدمها السراق في تسهيل عملياتهم الإجرامية، وكسر أقفال أبواب المتاجر مثلًا، في وقت غير معتاد السير فيه، أو في مكان ليس من حقه التواجد فيه في مثل الوقت الذي ألقي القيض عليه فيه، ومعه هذه الأدوات والوسائل حتى ولو لم يستخدم هذه الأدوات، أو الوسائل في شيء مما أعدت له، لزمته عقوبة تعزيرية مناسبة على هذا كله١، أما فقهاء القانون","footnotes":"١ الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٠٦-٢٠٧ط مطبعة السعادة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233936,"book_id":3632,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":212,"body":"الوضعي، فإن الماديين منهم يرون أن لا عقاب إلا على البدء في تنفيذ الركن المادي للجريمة، وما عدا ذلك، فلا عقاب عليه عندهم.\rوأما أصحاب المذهب الشخصي، فإنهم متفقون مع وجهة النظر الشرعية، ويرون أنه يكفي لتحقيق الشروع، أن يبدأ الفاعل في تنفيذ فعل ما سابق مباشرة على تنفيذ الركن المادي للجريمة، ومؤد إليه حتمًا، وهنا يأتي دور نية الشخص، ومعرفة أحواله لكي يمكن أن يبين قصده١.\rهذه هي وجهة نظر كل من الشريعة والقانون، يبين منها حرص الشريعة على أمان الفرد، وأمن المجتمع صورة لا تخضع لمقاييس غير منضبطة.","footnotes":"١ يعتبر الجاني مرتكبًا لمعصية يعزر عليها، وبالتالي يعتبر شارعًا في الزنا إذا دخل منزل لمرأة التي يقصد الزنا بها، أو اجتمع بها في غرفة واحدة، أو قبلها أو ضمها، أو نعل ذلك من مقدمات الزنا، وهو يعاقب على =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233937,"book_id":3632,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":213,"body":"المطلب الثالث: بين التشريعين في مجال التنظيم العقابي\rأولًا: من حيث حكم البناء التشريعي\rالنظام العقابي في الشريعة الإسلامية شق من الشريعة ذاتها، التي وضعها الله ﷾ وأحكم بناءها، إحكامًا لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.\rفقد نهى ﷾ كل من حاول أن يحل لنفسه، أو لغيره ما حرم الله، أو أن يحرم على نفسه أو الأخرين ما أحله الله؛ لأن محاولة ذلك افتراء وكذب: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ١، فسلطة التحريم أو الإباحة للشارع وحده، كما جاء النهي صريحًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ ٢، والاعتداء مراد به تغيير الأحكام.\rويوضح هذه القضية الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور بقوله: هذا بالنسبة للأحكام القطعية، فليس لكائن من كان تغيير الحكم القطعي الذي جاءت به الشريعة، أو الاتيان بتشريع ليس من تشريع الله","footnotes":"= هذه الأفعال، ولو أن بينه وبين الفصل المادي ليكون لجريمة الزنا أكثر من خطوة.\rويرى أبو عبد الله الزبيري تعزير الجاني باعتباره مرتكبًا لمعصية، أو شارعًا في السرقة إذا وجد بجوار المنزل المراد سرقته، ومعه مبرد ليستعمله في فتح الباب، أو منقب لينتقب به الحائط، ولو أنه لم يبدأ في فتح الباب، أو ينقب الحائط إذا ثبت أنه جاء بقصد السرقة، ويرى تعزير الجاني كذلك إذا وجد مرصدًا بجوار محل السرقة بترصد غفوة الحارس، ليسرق المتاع الذي يحرسه.\rالأحكام السلطانية ص٢٠٦-٢٠٧ التشريع الجنائي ج١ ص٣٤٩ الأستاذ الدكتور نجيب حسني، شرح قانون العقوبات ص٣٥٧ وما بعدها.\rالأستاذ الدكتور نجيب حسني، شرح قانون العقوبات ص٢٧٩ وما بعدها.\r١ الآية ١١٦ من سورة النحل.\r٢ الآية ٨٧ من سورة المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233938,"book_id":3632,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":214,"body":"ورسوله، أما الأحكام التي لم يرد فيها نص قطعي ولا إجماع، وهي المعروفة بالأحكام الظنية، فإنه يمكن للحاكم التصرف فيها، وربطها بمصالح\rالناس على أساس ما وضعه الشارع من أدلة وأمارات.\rوليس هذا الحق قاصرًا على الحاكم فقط، بل إن للمكلف إنشاء الوجوب فيما ليس بواجب، كما في المنذور الذي تنتقل به الطاعة غير الواجبة إلى الوجوب١.\rولقد أنتج هذا الأحكام التشريعي في الحدود، وأصالته وفي العقوبات التعزيرية التي تخضع للقواعد الثابتة استقرارًا قانونيًا، لكل من اتبعه وآمن به، لم يتوفر مثله لأحد من الناس الذين يحتكمون إلى التقنيات الوضعية، مع أن تحقيق الاستقرار القانوني مطلب من أهم مطالب، وأهداف المشرعين الوضعيين، بل هو عندهم أهم من هدف العدالة نفسها٢.\rوتتمثل أولى دعائم الاستقرار القانوني التشريعي الإسلامي في كون القواعد الحاكمة للسلوك قواعد موضوعية، تؤثر في السلوك، ولا تتأر به؛ لأنها هي التي توجده بالصورة التي تراها مناسبة، وليس","footnotes":"١ الإباحة عند الأصوليين والفقهاء، أد/ محمد سلام مدكور ص٣٢٥-٣٤٢ ط الثانية سنة ١٩٦٥م دار النهضة العربية.\r٢يرى د/ محمود مصطفى أن الاستقرار القانوني كهدف للقانون.\rيجب أن يعلو على هذه العدالة؛ لأنه من الممكن أن يضحي للقانون بمبدأ تحقيق العدالة، إذا كانت في ذلك مصلحة عامة، ولكن المصلحة العامة لا تبرر الاعتداء على الاستقرار القانوني، شرح قانون العقوبات القسم العام فقرة ٦ ص٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233939,"book_id":3632,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":215,"body":"للسلوك الحق في إيجادها بالصورة التي يجنح إليه، كما أن الشارع قد قضى بتحريم مخالفة السلوك السليم، ولا يمكن تغير هذا الوصف.\rوهذا ما تفتقده باقي النظم التشريعية؛ لأن القاعدة المقررة فيها لا تقوم على أساس من الموضوعية التي تخالط فيها العقيدة، كما هو الأمر في التشريع الإسلامي، إذ الموضوعية في النظم الوضعية إن وجدت موضوعية غير ملتزمة؛ لأنها نتاج تناقص المذاهب الفكرية لكل من مدرسة من المرادس التشريعية، الوضعية، التي بنيت على أسس متغايرة ومتناحرة، الأمر الذي أدى إلى عدم استقرار القاعدة القانونية في التشريع الوضعي١.\rثانيًا: أحكام التشريع العقابي أحد أركان البناء العقائدي للمسلم\rالإسلام نظام متكامل، مترابط الأحكام، متماسك البنيان، إذا تطرق الوهن إلى أحد أركانه تداعت له سائر الأركان.\rلهذا كان حرص الصديق -رضي الله تعالى عنه- على أن تظل أركان الإسلام بعيدة عن أن يمسها أي عدوان أو تقصير، فحارب مانعي الزكاة، وهو في أول أيام ولايته، وقال قولته المشهورة: \"والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه للرسول ﷺ لقاتلتهم عليه\".","footnotes":"١ علم العقاب أد/ محمود نجيب حسني ص٦٠-٧٢.\rمقال أد/ محمد البهي بعنوان: التخلف الحضاري بين المسلمين، مجطلة الوعي الإسلامي العدد ١١١ مارس ١٩٧٤.\rمقال أد/ سمير الجزوري المجلة الجنائية العدد الأول مارس سنة ١٩٦٥م ص١١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233940,"book_id":3632,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":216,"body":"والقضية التي كانت تشغل فكر الصديق لم تكن قضية التمرد على أداء الزكاة، وإنما قضية تكامل العقيدة الإسلامية.\rوإذا كان جحد الزكاة أمرًا يتصدع به بنيان العقيدة، فما بالها إذا عطلت أحكامها العقابية؟.\rوالشريعة الإسلامية قد أحاطت أبناءها بكل ما يكفل لهم الوقاية.\rفإذا تسرب الشر إلى أحدهم خصته الشريعة بالعلاج من كل ناحية آخذة بيده منقذة له مما تردى فيه، واضعة في اعتبارها تناسب الدواء والداء.\rويوضح ذلك بالنظر إلى ما حرمته الشريعة، وكيف وضعت كل أساليب الحماية للإنسان، لتقيه الوقوع في المهلكات، وتدفع عنه غائلة الشيطان، وما يزين.\rفالشريعة مثلًا قد وضعت نظامًا يحكم علاقة الرجل بالمرأة التي تشاركه الحياة بالصورة التي تحفظ علها دينها وحياءها، وتصون عفتها وجمالها، فبينت الشريعة حدود الثياب والسلوك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ١.\r﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ٢.","footnotes":"١ الآية ٥٩ من سورة الأحزاب.\r٢ الآيتان ٣٠-٣١ من سورة النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233941,"book_id":3632,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":217,"body":"هذه صورة رسمتها الشريعة، وبينتها بيانًا يحقق الحفظ والصيانة، فستر الجسد يحفظ على المرأة دينها، ولا يعرضها للإيذاء.\rوفي غض البصر صيانة ووقاية؛ لأن البصر رائدة الشهوة، ورسولها وحفظه أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده نفسه موارد الهلكات.\rفالنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثقم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جارفة، فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده١ بمثل هذا حاول التشريع الإسلامي الحيلولة بين الإنسان، وبين الوقوع في جريمة الزنا، وصدق الله العظيم الذي قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ٢، فالنهي عن الاقتراب نهي عما يؤدي إلى الجريمة٣.\rثم وضع من العقاب عليها ما يزجر ويردع، من وقع فيها أو من تسول له نفسه الاقتراب منها.\rوحماية للإنسان وصونا لعرضه، أحاد المشرع هذه العقوبة الرادعة الزاجرة بأسوار وحواجز، وأقام على جانبي الطريق الموصل اليها حصونا يمكن أن يحتمي بها الجاني صونا لنفسه، وسترا لعرضه","footnotes":"١ الداء والدواء لابن قيم الجوزية ص١٢٢ ط ١٩٥٨م.\r٢ الآية ٣٢ من سورة الإسراء.\r٣ يقول القرطبي: وهذا أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا، فإن معناه لا تدنوا من الزنى تفسير القرطبي ج٥ ص٣٨٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233942,"book_id":3632,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":218,"body":"هذه كلها وسائل، وحصون أحيط بها التشريع العقابي الإسلامي مستهدفًا بها تحقيق الغرض الذي شرع من أجله.\rكما أن هذا التشريع العقابي بكل ماله من وسائل، وحصون وزواجر وروادع، يمثل أحد أركان البناء العقائدي للمسلم، هذا البناء الذي يربطه بربه وخالقه.\rأما التشريع العقابي الوضعي، فإنه وإن استند على خلفية من النظام الاجتماعي الذي يحاول حمايته، إلا أن تصور وجود \"التكامل بين القواعد العقابية، وقواعد النظام الاجتماعي الأخرى أمر صعب.\rقليل الوجود، نظرًا؛ لأن النظام الاجتماعي لأي مجتمع ما هو إلا نتاج تطور طويل، كما أن التطور لا يحدث في مختلف الميادين في المجتمع الواحد بمقاييس متاسوية، نظرًا؛ لأن أسسه الفكرية لم تنفرد شخص واحد بوضعها، وإنما هي نتاج ما وضعه آلاف الأشخاص على مدى عصور التاريخ المختلفة، ولكل منهم عقيدته، ومفاهيمه وميوله.\rوأصدق دليل على ذلك يتمثل في نظرة النظم العقابية الوضعية لجريمة الزنا مثلًا، وما قرر لها من عقاب إذ لا يكاد نظام عقابي وضعي يتفق مع الآخر في ذلك التكيف القانوني لهذه الجريمة، بل إن النظام العقابي في البلد الواحد مثلًا لا نجده يتفق مع باقي النظم الاجتماعية لهذا البلد في الاتجاه العام زيادة على انعدام الوسائل الوقائية، بل وأكثر من هذه وجود وسائل الترغيب في الجريمة، والعمل على انتشارها، فأي ترابط إذن بين ما يحكم المتجمع من نظام عقابي وضعي، وبين ما يدين به المجتمع من نظم اجتماعية أخرى، تقرر دستور سلوكه في غدوه ورواحه؟؟؟.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233943,"book_id":3632,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":219,"body":"ثالثًا: أساس التشريع العقابي في كل من النظامين، وما يترتب عليه من فروق جوهرية بالنسبة للعقوبة.\rالتشريعي العقابي لحمته وسداه الدين، يقوم به ويعتمد عليه، والدين طبيب يعالج المريض، رضي أم لم يرض، وذهب إليه أو أعرض عنه، يهمس في إشفاق محذرًا، فإذ لم يفد هذا ووقعت الجناية، تعهد الدين الجاني بالعناية، والرعاية فيما يلزمه به من عقوبات.\rوهذه العقوبات منها ما ينزل بالجاني في الدنيا، وسيأتي بعضها في هذا البحث، ومنها من ينتظر الجاني في الآخرة، إذا أفلت من الجزاء الدنيوي، وما ينتظر في الآخرة أشد وأنكى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ ١.\rفالجاني طبقًا للنظام العقابي الإسلامي لا يستطيع الإفلات من العقاب لمن استطاع الإفلات في الدنيا، فلن يمكنه ذلك في الآخرة.\rفالتشريع الإسلامي قد أعلم الناس جميعًا: أنه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٢، وأعلمهم أن الشهود في الآخرة حاضرون، ولا يمكن ردهم أو الطعن عليهم: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.","footnotes":"١ الآيتان ٦٨-٦٩ من سورة الفرقان.\r٢ الآية ١٨ من سورة ق.\r٣ الآيتان: ٢٠-٢١ من سورة فصلت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233944,"book_id":3632,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":220,"body":"وغير خاف أنه ما دام اللأمر بهذه الصورة من الحساب والعقاب، فإنه لا بد منتج أعظم الأثر في إبعاد من تسول له نفسه الاقتراب من الجريمة خصوصًا، وأن التشريع الإسلامي قد مد يده للإنسان من بداية الطريق وحذره، وباعد بينه وبين المعصية: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ١.\r﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٢، نهي حتى عن مجرد الاقتراب. وهذا النهي إن امتثله الإنسان، باعد بينه وبين الجريمة، وما يتبعها من عقوبة، وليس ذلك فقط فهذا قد يشاركه فيه النظام العقابي الوضعي من قريب أو بعيد، لكن التشريع الإسلامي ينفرد بأنه يطي الإنسان على مجرد الامتثال والابتعاد عن الشر، أعظم جائزة تفرح بها نفسه ويجني ثمارها، ألا وهي الجنة الواسعة.\rوعلى العكس منه من انساق وراء الشر، ووقع في الجريمة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٣.\rوتفسير ذلك أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدًا جعال الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا، ومن لم يقتل نفسًا، فكأنه قد أحيا الناس جميعًا، نظرا؛ لأنه صان حرمتها واستحياها خوفا من الله سبحانه وتعالى٤.\rهذه هي طبيعة الجزاء الديني عقابًا على الفعل، ومثوبة على الانقياد، والترك أما العقاب الوضعي، فإنه وإن عاقب على الفعل، إلا أنه لا يثيت","footnotes":"١ من الآية ٣٢ من سورة الإسراء.\r٢ من الآية ١٥١ من سورة الأنعام.\r٣ من الأية ٣٢ من سورة المائدة.\r٤ تفسير القرطبي ج٣ ص٢١٤٣-٢١٤٤ ط دار الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233945,"book_id":3632,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":221,"body":"على الترك كما أن العقاب الوضعي لا ينزل إلا بالجاني الذي فشل في إخفاء جنايته، أما المتمرس الماهر فإن النظام الوضعي لا يستيطع النيل منه، بل يحميه ولا يعاقبه، في الوقت الذي يتغامز الجناة على هذا النظام، ويهزءون به.\rفكم من المجرمين يقرر النظام الوضعي براءتهم، ليس ذلك راجعًا؛ لأنهم أبرياء حقيقة، ولكن؛ لأن أمر التفتيش والضبط مثلًا لم يصدر لمن قبض عليهم، وهم متلبسون -بالصورة التي لا يراها القانون تسمح بمطاردة المجرمين وضبطهم. وبذا يبرأ المجرمون، ويخرجون وهم يتغامزون على هذا النظام وليس معنى ذلك أن النظام العقابي الإسلامي يبطش بالأبرياء، ولكنه وإن كان يلتزم أيضًا بشكليات معينة حتى ينزل العقاب بالجناة، إلا أن عدم اكتمال هذه الشكليات، لا تغل يده على إنزال عقاب بالمجرمين، إذ إن درء العقوبة الحدية مثلًا لا يترتب عليه إعفاء الجاني من عقوبة تعزيرية يراها القاضي مناسبة لحال الجاني، وما ارتكب من أفعال، وهذا فرق جوهري بين النظامين، لا يسطعي مكابر إنكاره وآثاره.\rكما أن النظام الإسلامي يقوم على أساس ديني، ولذا فإنه حتى مع أشد الناس جريمة، يحافظ على إنسانيتهم ولا يمتهنها، حتى ساعة إنزال العقوبة بهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233946,"book_id":3632,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":222,"body":"هذه ملامح التجريم، والعقاب في كل من التشريع الإسلامي والتشريع الوضعي، بدا فيها واضحًا مدى ما بين النظامين من بون شاسع، كما هو بين من وضع كل من التشريعين.\rلعل الناس يصححون ما هم عليه، ويسلكون سبل ربهم.\rوعلى الله قصد السبيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233947,"book_id":3632,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":223,"body":"الباب الأول: الشبهات\rمدخل\r...\rالباب الأول: الشبهات\rتمهيد:\rحارب الإسلام الجريمة.. ووضع لها عقوبات رادعة، حرصًا منه على أمن الأفراد، وحمايتهم حتى من أنفسهم، فطالب الجميع بأن يستروا أنفسهم.\rوحض الرسول ﷺ الناس على ذلك بقوله:\r\"أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله\" ١.\rوقد كان النبي ﷺ أستر على الناس من أنفسهم.\rفقد روي أنه جاء رجل، فقال: \"يا رسول الله أن أصبت حدًا فأقمه علي، فلم يسأله عنه، وحضرت الصلاة، فصلى الرجل مع النبي ﷺ فلما قضى النبي الصلاة قام الرجل إليه، فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقم في كتاب الله، قال: \"أليس قد صلت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك\"، أو قال: \"حدك\" ٢.\rوقد روى أصحاب رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم أجمعين كل هذه المعاني، والتوجيهات الرحيمة الحكيمة، وعلموا أن من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة، ومن أقال مسلمًا من عثرته في الدنيا أقاله الله تعالى من عثرات يوم القيامة.","footnotes":"١ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٧ ص٢١ \"ط المصرية\".\rالموطأ للإمام مالك ص٢٤٤ \"الطبعة الثانية المجلس الأعلى للشئون الإسلامية\".\r٢ صحيح البخاري ج٨ ص٢٠٧ \"ط دار الشعب\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233948,"book_id":3632,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":224,"body":"ولهذا، فإن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه، لما جاءه ماعز قبل أن يذهب إلى رسول الله ﷺ، وقص عليه ما كان من أمره، قال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري؟ قال: لا. قال أبو بكر: تب إلى الله واستتر بستر الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده.\rولم تقر نفس ماعز، فذهب إلى عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه، وقال له ما قاله لأبي بكر، فقال له عمر: اذهب فاستتر بستر الله تعالى، تب إلى الله، فإن الناس يعبرون ولا يغيرون، والله تعالى يغير، ولا يتغير فتب إلى الله، ولا تخبر أحدًا.\rولم تقر نفس ماعز حتى أتى رسول الله ﷺ، وقال له ما قاله لأبي بكر وعمر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وأخذ ماعز يكرر مقالته، ورسول الله ﷺ يكرر إعراضه عنه، حتى أكثر ماعز على رسول الله ﷺ، والرسول يحاول تلقينه الستر على نفسه، وليحمله على الرجوزع عن إقراره تلميحًا وتصريحًا، فيقول له ﷺ: \"لعلك قبلت، لعلك لامست، لعلك فاخذت، لعلك. لعلك، فلما لم يجد منه الرسول ﷺ إلا الإصرار أرسل إلى أهله يسألهم عنه، أيشتكي؟ أبه جنة\"؟ ١.\rكل ذلك في محاولة من الرسول ﷺ للستر على عبد من عباد الله، ثم يضع الرسول ﷺ مبدأ يعلنه أكل من يتبع الإسلام، ادرؤوا عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان","footnotes":"١ الموطأ للإمام مالك ص٢٤٤-٢٤٥ ط الثانية المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، المغني لابن قدامة ج٨ ص١٩٣-١٩٩، شرح فتح القدير ج٥ ص٢١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233949,"book_id":3632,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":225,"body":"له مخرج، فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خهير من أن يخطئ في العقوبة١.\rثم يقول ﷺ لمن جيء به، واعترف بسرقته، ولم يوجد معه المتاع، \"وما أخالك سرقت \"مرتين أو ثلاثًا\" ٢، أي ستر أبلغ من هذا، أو أستر منه؟: تعلم فقهاء الإسلام هذا وعملوا بمقتضاه، فيقول ابن قدامة: ويستحب للإمام، أو الحاكم الذي يثبت عنده الحد بالإقرار.\rالتعريض للمقر بالرجوع، إذا تم، والوقوف عن إتمامه إذا لم يتم.\rويستدل ابن قدامة لذلك بما كان من أمر ماعز، ويقول الرسول ﷺ لمن أقر بالسرقة: \"ما أخالك فعلت\".\rثم يقول: ويحكى عن أبي الدرداء أنه أتي بجارية سوداء سرقت، فقال لها: \"أسرقت؟ قولي: لا، فقالت: لا، فخلى سبيلها.\rكما يروى عن الأحنف أنه كان جالسًا عند معاوية، فأتي بسارق، فقال معاوية: أسرقت؟ فقال له بعض الشرطة: أصدق الأمير. فقال الأحنف: الصدف في كل المواطن معجزة، فعرض له بترك الإقرار٣.\rأيبقى بعد هذا مقالة أو ادعاء مدع يزعم قسوة النظام العقابي في التشريع الإسلامي؟ إنه النظام القويم الذي يحفظ على المجتمع أمنه، ويدرأ العقوبة بقيام شبهة ينثلم بها عقد أركان الجريمة، أو دليل إثباتها اللذان لا بد وأن يكونا متكاملين أوثق ما يكون التكامل، وأتمه وإلا تغايرت العقوبة، أو برئ المدعي عليه.","footnotes":"١ نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص١١٨ ط مصطفى الحلبي.\r٢ المراجع السابق ص١٥٠.\r٣ المغني ج٨ ص٢١٢ \"ط مكتبة الجمهورية العربية\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233950,"book_id":3632,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":226,"body":"الفصل الأول: تعريف الشبهة وأُثرها في الحدود\rالمبحث الأول: المراد بالشبهات\rأولا: عند علماء اللغة\r...\rالفصل الأول: تعرف الشبهة وأثرها في الحدود\rالمبحث الأول: المراد بالشبهات\rأولًا: عند علماء اللغة\rالشبهات جمع شبهة، والشبهة بضم الشين المعجمة، وسكون التحتية الموحدة، الالتباس. وأمور مشتبة، ومشبهة، مشكلة، يشبه بعضها بعضًا وشبه عليه، خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره.\rوشابهه وأشبهه ماثله، وتشابها واشتبها: أشبه كل منهما الآخر، وشبه عليه الأمر: لبس عليه الأمر.\rويسمى الأمر غير المتميز والمتلبس شبهة، لكونه يشبه الحق، وليس حقًا١.","footnotes":"١ لسان العرب لابن منظور. المعجم الوسيط ج١ ص٤٧٤ المصباح المنير ج١ ص٣٢٤ القاموس المحيط للفيروزآبادي ج٤ ص٢٨٦ \"ط المطبعة المصرية أساس البلاغة للزمخشري ج١ ص٤٧٧ ط دار الكتب: الصحاح، للجوهري ج١ ص٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233951,"book_id":3632,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":227,"body":"ثانيًا: عند فقهاء الشريعة\rاهتم فقهاء الشريعة الإسلامية، وعنوا عناية فائقة بالجرائم الحدية، وتحدثوا عنها حديثًا تناول هذه الجرائم، وعقوباتها من كل نواحيها وأركانها وشروط إثباتها.\rولكنهم لم يعرضوا هذا كله مصنفًا، بجمع كل ما يتصل بالجريمة، وعقوبتها في صورة متتابعة متكاملة.\rوإنما جاء حديثهم عن الجرائم وعقوباتها، وما يتصل من شروط وأركان، وما يعتري الأفعال المجرمة من شبهات تخرجها عن دائرة التجريم الحديث، حديثًا متناثرًا.\rلهذا سأعرض ما جاء من تعريف للشبهة عند بعض الفقهاء الذين وضعوا تعريف لها مثل فقهاء الأحناف.\rأما من لم يضعوا تعريفًا مستقلًا لها، فسأحاول أن أجمع ما جاء من حديث لهم من الشبهات، وأستخرج مه ما يرسم، ويحدد معنى الشبهة عندهم.\rوهذا البيان الذي وضعه الجرجاني للشبهة بيان لها بحسب حال الجاني الذي اختلط عليه حل الفعل وتحريمه، ولا يوجد ما يقوي أحد الاحتمالين عند الجاني، أو يغلب أحدهما على الآخر١.\rوتردد الفعل بين الحال والحرمة في نظر الجاني، ينتج غالبًا من اختلاف الفقهاء في بيان الحكم مسألة لم يرد في حكمها نص صريح.\rففي مثل هذه المسألة يعمل كل من الفقهاء رأيه في استنباط حكم لها، بقدر ما يتيسر له من علم ومعرفة واجتهاد، حتى يوصله ذلك كله إلى استنباط حكم معين، وقد يكون هذا الحكم مخالفًا لما رآه الآخرون من الفقهاء، كما قد يكون موافقًا لرأيهم، فإذا كان بعض الفقهاء قد رأى رأيا في حكم مسألة ما من المسائل، ورأى البعض الآخر رأيا مخالفًا","footnotes":"١ التعريفات لعلي بن محمد الحسيني الجرجاني ت٨١٦هـ ص١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233952,"book_id":3632,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":228,"body":"لنفس المسألة، فإنه في مثل هذا ومع وجود التعارض، والاختلاف في الرأي ينتج عدم تيقن حكم لمثل هذه المسألة الخلافية.\rويتضح هذا فيما يأتي من أمثلة للمسائل الخلافية بين الفقهاء.\rأ- يرى فقهاء الأحناف القول بصحة الزواج الذي لم يتول العقد فيه ولي الزوجة نيابة عنها.\rوعلى هذا فمن عقدت لنفسها عقد زواج، فإن هذا العقد صحيح عند الأحناف ما دام قد حضره الشاهدان.\rفإذا تم دخول في ظل مثل هذا العقد، فإن الفقهاء الأحناف يرون أنه دخول مباح؛ لأنه تم في ظل عقد صحيح١.\rأما باقي فقهاء المذاهب الأربعة، فإنهم يرون أن الزواج الذي يتم من غير حضور ولي الزوجة -التي تحتاج إلى وجوده لكونها بكرا ليس لها مخالطة سابقة، أو ممارسة لمثل هذا- زواج باطل.\rوعلى هذا، فإنه إذا حدث دخول في ظل مثل الزواج، فإنه يصبح دخولًا حرامًا تلزم به العقوبة، لكونه تم في ظل عقد غير صحيح٢، وعلى هذا أصبح للفقهاء رأيان في حكم هذه المسألة.","footnotes":"١ فتح القدير لابن الهمام ص٢٥٦ \"ط مصطفى الحلبي\".\r٢ وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه على ما ذهبوا إلى القول به بما روى ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: \"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل\". وبما روت السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- من أن النبي ﷺ قال: \"كل نكاح لم يحضره أربعة، فهو سفاح خاطب، وولي وشاهدان\". المهذب للشيرازي ج٢ ص٤٠، الخرشي ج٣ ص١٦٥ وما بعدها. الوجيز لأحكام الأسرة أد. سلام مدكور ص١١٥.\r-١١٧ \"ط النهضة العربية سنة ١٩٧٨م\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233953,"book_id":3632,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":229,"body":"الأول يقول بصحة الزواج، وعليه فالدخول مباح.\rوالثاني يقول ببطلان مثل هذا الزواج، وعليه فالدخول حرام.\rووجود هذا الخلاف ينتج عنه عدم تيقن الحكم بالحل، أو الحرمة وينتج عن ذلك شبهة تدرأ الحد عمن وقع منه الدخول في ظل مثل هذا الزواج.\rويماثل ما سبق مما اختلف الفقهاء فيه، اشتراط وجود شاهدي عقد الزواج وقت العقد.\rفقد ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط وجوج الشاهدين عند قيام العقد وانعقاده، فإذا تأخر وجودهما لم ينعقد العقد وعلى هذا، فإن من يدخل في ظل عقد لم يحضر وقت إجرائه شاهدان، فإنه يكون قد أتى فعلا حرامًا معاقبًا عليه حتى، ولو حضر شاهدان بعد إجراء العقد، وقبل الدخول وأخبرا بما حدث، أما فقهاء المالكية فإن الشهادة، وإن كانت مطلوبة عندهم وقت العقد، إلا أن المشهور عندهم أن وقت وجوبها هو قبل الدخول.\rوعلى هذا فإنهم يرون صحة الزواج الذي لم يحضره شاهدان، لكنه لا يجوز الدخول إلا بعد حضور الشاهدين.\rفوجود الشاهدين عند المالكية شرط لإباحة الدخول، وليس حضورهما شرطا لصحة العقد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233954,"book_id":3632,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":230,"body":"وعلى هذا، فمن دخل في ظل عقد لم يحضر إجراءه شاهدان، لكنهما حضرا بعد إجراء العقد، فإن دخوله هذا مباح عند فقهاء المالكية.\rويبين من هذا أن للفقهاء رأيين في حكم من دخل في ظل عقد لم يحضره شاهدان وقت إجرائه، وإن كانا قد حضرا قبل الدخول، وأخيرًا بما تم من عقد.\rالرأي الأول:\rوهو رأي الجمهور، إن مثل هذا الدخول يعد دخولًا في ظل عقد غير صحيح.\rالرأي الثاني:\rوهو المشهور عند فقهاء المالكية. أن مثل هذا الدخول دخول في ظل عقد صحيح١.\rووجود مثل الخلاف ينتج عنه عدم تيقن الحكم، الأمر الذي يصبح معه الفاعل مترددًا في حكم فعله بين الحال أو الحرمة.\rووجود الفاعل على هذه الحالة ينهض شبهة تدرأ الحد عنه.\rوهكذا كل خلاف ينتج تردد الفعل بين الحل، والحرمة بسبب تعارض أقوال الفقهاء، وتفسيراتهم المتباينة.\rوقد ذكر ابن قدامة جانبًا من ذلك قوله: \"ولا يجب الحد","footnotes":"١ حاشبة الباجوري ج٢ ص١٠٢ المهذب ج٢ ص٤٠، فتح القدير ج٣ ص٢٥٦ وما بعدها، الخرشي ج٣ ص١٦٧، الوجيز لأحكام الأسرة أ. د: سلام مدكور ص٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233955,"book_id":3632,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":231,"body":"بالوطء في نكاح مختلف، كنكاح المتعة١ أو الشغار٢، والتحليل٣ والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها من طلاق بائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح المجوسية، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيها شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات\"٤.\rوتعريف الجرجاني للشبهة تعريف قاصر، نظرًا؛ لأنه حصر الشبهة","footnotes":"١ نكاح المتعة هو كما يقول ابن عطية: أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل مسمى على ألا ميراث بينهما، وقيل: هو ما ليس بولي ولا شاهدين، وروى الدارقطني عن علي بن أبي طالب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المتعة قال: وإنما كانت لمن لم يجد فلما نزل النكاح والطلاق، والعدة والميراث بين الزواج والمرأة نسخت. القرطبي ج٢ ص١٧٠٠ \"ط دار الشعب. المهذب ط دار النهضة العربية\".\r٢ نكاح الشغار هو: أن يزوج ابنته أو أخته من رجل، على أن يزوجه ذلك ابنته، أو أخته، \"ويكون بضع كل واحدة منهما صداقًا للأخرى\".\rوهذا الزواج غير جائز، فإذا عقد عقده كان باطلًا. المهذب ج٢ ص٤٦.\r٣ نكاح التحليل: أن يتزوج رجل امرأة ليحللها لزوجها الذي طلقها للمرة الثالثة، وهو الذي قال عنه ﷺ، فيما رواه ابن مسعود لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل. \"أو أن يتزوجها على أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما، وذلك ليحللها لزوجها الأول، وفيه رأيان الأول أنه باطل، والثاني أنه زواج صحيح ويبطل الشرط.\rالقرطبي ج٢ ص٩٥٧، المهذب ج٢ ص٩٥٧، المهذب ج٢ ص٤٦ أحكام الأسرة أ. د: سلام مدكور ص١٠٠.\r٤ المغني لابن قدامة ج٨ ص١٨٣-١٨٤ \"ط مكتبة الجمهورية العربية\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233956,"book_id":3632,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":232,"body":"في الركن الشرعي للجريمة، ولم يشمل ما قد يطرأ على دليل إثباتها من شبهات،\rوهذا قصور مخل بكون التعريف جامعًا مانعًا.\rكما عرف ابن الهمام الشبهة بأنها ما يشبه الثابت، وليس بثابت١ أورد ابن قدامة اثناء حديثه، عمن تزوج ذات محرم ما يفيد الإباحة، والحل إلى حد أن الذي قام بالفعل قد اعتقد حله، وإباحته نتيجة وجود هذه الشكلية التي رتب عليها اعتقاده.\rأما من حيث الواقع، فإن الفعل لا يزال كما هو محرم، وغير مباح وهو الجانب الواقعي كان بعيدا كل البعد عن فكرة من قام بالفعل معتقدًا إباحته وقت قيامه به.\rفلو لم يكن معتقدًا إباحة فعله نتيجة وجود هذا المبيح من الناحية الصورية، لم تعن عنه هذه الصورة شيء، ولم تنهض بها شبهة تترتب عليها درء العقوبة٢.\rج- أما فقهاء الشافعية، فقد تحدثوا عن الشبهات حديثًا بينوا فيها أنواعها وذكروا أمثلة لها، ولكنهم لم يوردوا في شروحهم الفقهية تعريفًا للشبهة، وإن كان قد جاء في بعض كتب القواعد، والفروع ما يمكن عده عريفًا للشبهة بأنها ما تسقط الحد٣.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٤٩ \"ط مصطفى الحلبي، وقد جاء مثل ذلك -أيضًا في بدائع الصنائع ج٧ ص٣٦ \"ط المطبوعات العلمية\" البحر الرائق ج٥ ص١٢.\r٢ ورد هذا التعريف بمعناه في المغني لابن قدامة ج٨ ص١٨٢ \"ط مكتبة الجمهور العربية\".\r٣ مغني المحتاج للشربيني ج٤ ص١٤٤ \"ط مصطفى الحلبي سنة ١٩٥٨م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233957,"book_id":3632,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":233,"body":"كما جاء فيما أورده السيوطي بأنها ما جهل تحليله على الحقيقة، وتحريمه على الحقيقة١.\rوهذا التعريف للشبهة يوافق تمامًا ما عرفها به الجرجاني الحنفي من تعريف سبقت الإشارة إليه.\rغير أن جهل الحكم، وعدم الاهتداء إلى قوم فصل فيه لا يجوز عده من الشبهات المسقطة للعقوبة الحدية على إطلاقه؛ لأن منه ما يعتبر كذلك، ومنه ما لا يعتد به الفقهاء، ولا يعدونه مما يدرأ الحد، وسيأتي بيان ذلك بما يسمح به المقام من تفصيل.\rد- أما فقهاء الماليكة، فإنهم مع اهتمامهم بالحديث عن الشبهات، وبيانهم لأنواعها إلا أنهم لم يوردوا لها تعريفًا، وإن كان فيما قالوه عنها من بيانهم لأنواعها، وحديثهم عن كل نوع، وذكرهم أمثلتها وما يعتد به، وما لا يعتد. قد وافقوا ما قاله الفقهاء الذين سبق ذكر تعريفاتهم للشبهة، بصورة تكاد تكون مطابقة، إلا في القليل النادر، والذي سيأتي ذكره عن الحديث عن الشبهات التي تعتري أركان الجريمة، وعرض وجهات نظر الفقهاء في كل منها٢.\rهـ- أما فقهاء الشيعة، فإنهم قد عرفوا الشبهة عند حديثهم عن جريمة الزنا، فقالو أبو القاسم الموسري: المراد بالشبهة الموجهة لسقوط","footnotes":"١ الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٠٩-١١٠، المواهب السنية لسليمان الجوهري الشافعي، مطبوع بهامش الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٤٥-٢٤٩.\r٢ الخرشي ج٨ ص٧٥-٧٠، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٣ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233958,"book_id":3632,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":234,"body":"الحد: هو الجهل عن تصور، أو تقصير في المقدمات مع اعتقاد الحلية حال الوطء١.\rومع أنه واضح أن هذا التعريف قد ورد عند الحديث عن جريمة الزنا، إلا أنه قد ورد ما يفيد أنه هو تعريف الشهبة بصفة عامة، إذا ما قصرناه على قولهم: هو الجهل عن قصور، أو تقصير في المقدمات مع اعتقاد الحلية.\rوذلك نظرًا لما جاء في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله حين قال: لو أن رجلًا دخل في الإسلام، وأقر به ثم شرب الخمر، وزنا وأكل الربا، ولم يتبين له شيء من الحلال والحرام، لم أقم عليه الحد إذا كان جاهلًا٢ من هذا يتبين أن الشبهة عندهم تتمثل في الجهل بالحكم مع اعتقاد الحلية.\rومنشأ هذه الاعتقاد الخاطئ يرجع إلى كون الجاهل بالأحكام قريب عهد بالإسلام، أو نشأ في منأى عن الناس، ولم تتح له معرفة الأحكام الصحيحة.\rمع ملاحظة أن يكون جهلة هذا لقصوره لا لتقصيره؛ لأن من كان جهله ناتجًا عن تقصيره، فإنه جهل لا يلتفت إليه، ويلزم من كان جهله لهذا السبب بعقوبة ما يأتيه من أفعال","footnotes":"١ مباني تكملة المنهاج ط١ ص١٦٩ \"ط النجف الأشرف بالعراق\".\r٢ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٦٧ \"ط النجف الأشرف بالعراق\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233959,"book_id":3632,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":235,"body":"وقد بينوا ذلك بقولهم: أما من كان جاهلًا بالحكم عن تقصير، وملتفتا إلى جهله حال العمل، حكم عليه بالزنا وثبوت الحد، وذلك؛ لأنه عالم بالحكم الظاهري، وجهله بالواقع لا يكون -في مفروض المسألة- عذرًا له، ومثلوا لذلك بامرأة تزوجت في عدتها حالة كونها تعلم أن عليها عدة، ولكنها لا تدري كم هي، حيث ألزمها بالحد، وعللوا ذلك بقولهم: إذا علمت أن عليها العدة لزمتها الحجة، فتسأل حتى تعلم١.\rوعرفها صاحب البحر الزخار بأنها: \"توهم الفاعل، أو المفعول بأن ذلك الفعل سائغ له\".\rأو بأنها \"ما أوجبت ظن الإباحة\"٢.\rوهذان التعريفان قد توسعا في الشبهة كثيرًا عن التعريف الأول.\rحيث جعلا مجرد توهم الفاعل، أو المفعول أن ما يقوم به من أعمال سائغ له جائز أن يأتيه، شبهة من الشبهات الدارئة للحد.\rومجرد التوهم هذا لا ضابط له، وهذا أمر يفتح باب ادعاء الشبهة على مصراعيه.\rوإن كان تقيد ذلك بقيد الجهالة المغتفرة أمر لا بد منه حتى يتسنى قبول هذين التعريفين.","footnotes":"١ البحر الزخار للمرتضى ج٥ ص١٤٥-١٤٧ \"ط الخانجي سنة ١٩٤٨م\".\r٢ التاج المذهب لابن قاسم العجس ج٤ ص٢٠٩-٢٢٠ \"ط مصطفى الحلبي سنة ١٩٤٧م\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233960,"book_id":3632,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":236,"body":"وهذا ما جاء على لسان جمهور فقهاء الشيعة، وإن لم يكن قد جاء بلفظ يدل على تخصيص هذين التعريفين فقط، وإنما جاء في معرض الحديث عن الوطء بشبهة حين عرفه أبو القاسم الحلبي، ومن وافقه بأنه: الوطء الذي ليس بمستحق في نفس الأمر مع اعتقاد فاعله الاستحقاق، أو صدوره بجهالة مغتفرة في الشرع، أو مع ارتفاع التكليف بسبب غير محرم١.\rوبهذا يمكن ضبط ما قد يفهم من عموم التوهم، ورده إلى الحد الذي -يحكم القول بالشبهة، وهو الجهالة المغتفرة شرعًا.\rولا يخفى ما في تعريف فقهاء الشيعة للشبهة من قصور أيضًا، إذ أنهم لم يشيروا إلى ما قد يعتري طرق الإثبات من شبهات.\rوقد عرف الشيخ أبو زهرة الشبهة بأنها: الحال التي يكون عليها المرتكب، أو تكون بموضوع الارتكاب، ويكون معها المرتكب معذورًا في ارتكابها، أو يعد معذورًا عذرًا يسقط الحد، ويستبدل به عقاب دونه، على حسب ما يرى الحاكم٢.\rوهذا التعريف الشبهة حاول فيه واضعه أن يتتبع الحالات التي تنشأ الشبهة عند وجودها، سواء أكانت لصيقة بالجاني، أو وجدت في محل الجناية، وموضوعها.","footnotes":"١ المختصر النافع لأبي القاسم الحلبي ص٢٩٠-٢٩٢ ط وزارة الأوقاف سنة ١٣٧٧هـ الخلاف لأبي جعفر الطونسي ج٣٠ ص١٨٠-١٨٢ \"ط طهران سنة ١٣٨٢هـ.\r٢ العقوبة للشيخ محمد أبو زهرة ص٢١٨ \"ط دار الفكر العربي\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233961,"book_id":3632,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":237,"body":"كما تضمن هذا التعريف أيضًا شرط قيامها بالنسبة للجاني، وهو أن يكون معذورًا في ارتكابها، أو يعد في ذلك.\rكما أن قول الشيخ أبو زهرة: ويستبدل به عقاب دونه، يفهم منه أنه لا بد من إلحاق عقاب بالجاني الذي قامت الشبهة في حقه، ولا يخفى أن من الشبهة ما يترتب على قيامها إسقاط العقوبة كلية، وتبرئة المدعى عليه مما نسب إليه تبرئة لا يمكن معها إلحاق أي عقوبة به على الواقعة المنظورة.\rوهذا التعريف للشبهة لم يتضمن أي إشارة إلى ما يمكن أن يشوب أدلة الإثبات من شبهات يترتب على قيامها، ووجودها درء العقوبة الحدية.\rوبعد هذا العرض لتعاريف الشبهة عند الفقهاء، يمكن أن أستخلص من كل هذه التعاريف أن الشبهة المسقطة للعقوبة الحدية هي:-\rما يعتري أحد أركان الجريمة، أو دليل إثباتها من خلل يدرأ عقوبتها الحدية، ويؤدي هذا التعريف أن أحد أركان الجريمة -وعلى الأخص ركنها الشرعي، أو المعنوي- لم يخلص من شبهة، سواء أكانت في انطباق النص، أو كانت نتيجة تعارض أدلة التحريم والإباحة.\rأو كانت الشبهة لصيقة بالفاعل من حيث ما يعتري أهليته، وقصد مما يخص الركن المعنوي.\rكما يشمل التعريف أيضًا، ما يمكن أن يعرض دليل إثبات الجناية من شبهة يصبح بعدها غير كاف لإقامة العقوبة الحدية على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233962,"book_id":3632,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":238,"body":"الجاني، سواء أكان دليل الإثبات إقرار الجاني، أم شهادة الشهود، ويتضح هذا كله، فيما يأتي من أمثلة:\rأ- شبهة أنتجها اختلاف الفقهاء حول انطباق اللص على المكان الذي وقعت فيه الجريمة.\rوذلك في حالة ما إذا ارتكب مسلم جناية حدية في دار الحرب، فالفقهاء قد اختلفوا في إلزامه عقوبة جنايته الحدية، فمنهم من يرى إلزامه العقوبة الحدية على جنايته.\rومنهم من يرى عدم إلزامه ذلك نظرًا لعدم قدرة الإمام على الجاني في المكان الذي ارتكبت فيه الجريمة.\rوأصحاب هذا الرأي يشترطون لإقامة العقوبة الحدية أن يكون الإمام قادرًا على مرتكب الجناية الحدية وقت ارتكابه لها، فإذا كان قد ارتكبها في دار حرب، فإنه حينئذ لا تلزمه العقوبة الحدية لعدم قدرة الإمام عليه، وقت ارتكابه الجناية، ووجود هذا الخلاف ينهض شبهة ينتج عنها درء الحد عن الجاني١.\rب- شبهة نتجت من وجود تعارض بين أدلة الحل والحرمة في ظاهر الأمر، وإن كانت هذه الأدلة غير متعاونة في الحقيقة، ولكن بعضها قد خصص إطلاق البعض الآخر وعمومه.\rويتحقق ذلك في حالة ما إذا سرق الوالد من مال ولده.\rإذ أن نصوص تجريم السرقة تشمل في عمومها هذه الواقعة، غير","footnotes":"١ شرح فتح القدير ج٥ ص٢٦٦ \"ط مصطفى الحلبي\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233963,"book_id":3632,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":239,"body":"أنه قد ورد عن رسول الله ﷺ، ما يفيد حل مال الابن لأبيه بوجه ما من الوجوه التي تثبت له فيه حقًا.\rوعلى هذا تكون الواقعة قد خصصت بنص آخر، يعارض في حكمه ومدلوله انطباق النص العام على الواقعة، وما يترتب عليه، ووجود مثل هذا ينتج شبهة يترتب على وجودها عدم إلزام الوالد عقوبة السرقة الحدية إذا سرق مال ولده١.\rج- شبهة نتجت بسبب جهل الجاني جهلًا يعتد به، ومن أمثلتها التي ذكرها الفقهاء، الرجل الذي يدخل بيته، ويأوي إلى فراشه، فيجد فيه امرأة فيعتقد أنها زوجته نظرًا لتقاربهما، وتشابههما فيواقعها على أساس اعتقاده أنها زوجته، ثم يبين أنها امرأة أخرى غير زوجته.\rففي مثل هذه الحالة من جهل الفاعل جهلًا ينتفي معه قصده الجنائي، يرى الفقهاء قيام شبهة الجهل هذه بدرء العقوبة الحدية عن الفاعل.\rوهكذا كل ما ينتج انتفاء القصد الجنائي، أو يزيل أهلية الفاعل بحيث يوجد خلل في قيام الركن المعنوي للجريمة٢.\rد- أما ما يعتري دليل إثبات الجنايات الحدية من شبهات، فيتوقف على نوع دليل الإثبات.","footnotes":"١ فيض القدير ج٢ ص٥٠ \"ط المطبعة التجارية طبعة أولى سنة ١٣٥٧هـ\" المغني لابن قدامة ج١٠ ص١٥٢ \"ط المنار ط أولى\".\r٢ المغني لابن قدامة ج٢ ص١٨٤ \"ط مكتبة الجمهورية العربية\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233964,"book_id":3632,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":240,"body":"فإذا كان الإقرار، فإن ما يعتريه من شبهات كثير منها على سبيل المثال: كون الإقرار غير مفصل، كمن يقول: إنه زنى، ولم يزد على ذلك ولا يخفى أن كلمة الزنا كلمة تشمل الجناية الحدية وغيرها، بدليل قول الرسول ﷺ: \"العينان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\" ١.\rفالإقرار بمثل هذه الصورة إقرار غير واضح، ولا تلزم المقر العقوبة الحدية بمثله، ومن ذلك أيضًا من يقر بأنه زنى بامرأة، فتكذبه المرأة، فإن من الفقهاء من يرى أن في تكذيبها له شبهة تدفع عنه العقوبة الحدية٢.\rأما إذا كان دليل الإثبات هو شهادة الشهود، وحضر الشهود متفرقين، أو لم تتفق أوصافهم للواقعة، فإن الفقهاء من لا يلزم العقوبة الحدية بمثل ذلك، لقيام شبهة في دليل الإثبات٣.\rهذا هو تعريف الشبهة، وبعض الأمثلة الموضحة له، من أنواع\rالشبهات الكثيرة التي أوردها الفقهاء، والتي سأعرض لها بالتصنيف والبيان، موضحًا رأيهم في الاعتداد بها من عدمه، مبينًا العلاقة بيم الشبهة، وما يجرى مجراها من الشك أو النسيان والسهو، وما لذلك من أثر في كل من العبادات والمعاملات، وغيرهما من أبواب الفقه -بادئًا به ثم بما يليه.","footnotes":"١ مصنف عبد الرازق ج٧ ص٤١٤ \"ط بيروت سنة ١٣٩٠هـ\".\r٢ تبين الحقائق للزيلغي ج٣ ص١٩٦، المغني ج٨ ص٣٠٩.\r٣ المغني ج٨ ص١٩٣ \"ط مكتبة الجمهورية العربية\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233965,"book_id":3632,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":241,"body":"ما يجرى مجرى الشبهة من الشك والنسيان، أو السهو وآثاره في العبادات والمعاملات، وما يماثلها من أبواب الفقه.\rأما الشك فأصله الضيق، وهو يقبض الصدر ويضمه، ويطلق على عدم التأكد. وقد أورد الشك بهذا المعنى كثيرًا في القرآن الكريم، فيقول الله ﷾ مبينًا حال من اختلفوا في أمر عيسى ﵇، وسعوا في إيذائه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ ١.\rويقول تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ٢.\r﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ ٣.\r﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٤، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ٥.\rوعلى هذا، فالشك قريب من الالتباس الذي هو المعنى اللغوي للشبهة، أو موافق له، فمن شك في وقوع شيء، فقد التبس عليه الأمر ولم يصل فيه إلى يقين، ومن تيقن الطهارة ثم شك في وقوع الحدث منه، فإن الحدث والحالة هذه أشبه الشيء الثابت، وإن كان مشكوكًا فيه، ولذا فهو ليس بثابت من حيث سريان ما يترتب على ثبوته من أحكام، فهو إذا قد وافق الشبهة أيضًا، المعنى الاصطلاحي الذي ذكره فقهاء الأحناف \"ما يشبه وليس بثابت\".\rأما السهو أو النسيان فمعناهما واحد، ولذا قال صاحب لسان العرب \"السهو نسيان الشيء والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره","footnotes":"١ من الآية ١٥٧ من سورة النساء.\r٢، ٣ الآيتان ٩٤، ١٠٤ من سورة يونس.\r٤، ٥ من الآيتان ٦٢، ١١٠ من سورة هود، القرطبي ج٤ ص٣٢٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233966,"book_id":3632,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":242,"body":"والسهو في الصلاة الغفلة عن الشيء منها، والسهو في الشيء تركه عن غير علم، والسهو عن الشيء تركه من العلم١.\rومن ذلك قول الله ﷾: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ٢، ولما كان الناس حميعًا معرضين للنسيان اعتبره الشارع الحكيم عذرًا رفع بسببه المؤاخذة عمن أتى سلوكًا آثمًا، وجعل كلمة حكمه الخطأ، أو انعدام الإرادة بالإكراه على إتيان فعل من الأفعال المعاقب عليها.\rوعلى هذا فمن وقع في محظور نتيجة نسيانه، فلا إثم عليه بوقوعه في هذا المحظور، وإن كان يلزم بما ترتب على سلوكه هذا مما يتعلق بحقوق الآدميين، كما يلزم أيضًا بما فاته من واجبات يمكن أن تقضى، فمن لم يصل الفروض مثلًا لوقوعه في النسيان، لزمه قضاء هذه الفروض عند تذكره لها٣.\rوقد بين ذلك القرطبي عند حديثه عن قول الله ﷾: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٤، فقال: المعني: أعف عن إثم ما يقع هنا على هذين الوجهين أو أحدهما، كقوله ﵇: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\" أي إثم ذلك، وهذا لم","footnotes":"١ لسان العرب ج١٩ ص١٣٢ط الدار المصرية للتأليف والترجمة.\r٢ الآية ٥ سورة الماعون، تفسير القرطبي ج٨ ص٧٣٠٢ط دار الشعب.\r٣ الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج٥ ص١٤٩ط السعادة الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ج١ ص٢١٧ط دار الكتب.\rأصول الفقه للشيخ محمد الخضري ص١١٩ط الثانية.\r٤ من الآية ٢٨٦ من سورة البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233967,"book_id":3632,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":243,"body":"بختلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء، أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه. والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيًا في رمضان أو حنث ساهيًا، وما كان مما يقع خطأ ونسيانًا١.\rوعلى هذا، فإنه قد وضح ما بين الشبهة، والشك، والنسيان أو السهو من تشابه وإن كانت الشبهة أعم، سواء من حيث الإثراء أو التكوين؛ لأن منها ما ينتج عن الشك، ومنها ما ينتج عن النسيان، أو السهو ومنها ما ينتج عن غير ذلك.\rكما أن الشك أعم من النسيان أو السهو؛ لأن منه ما ينتج عنهما، ومنه ما ينتج عن غيرهما.\rكما أن الشبهة في الجنايات قد لا تزيل الأثر كلية، وإنما يقتصر تأثيرها على تغيير نوع العقوبة، أما ما ينشأ عن الشك والنسيان، أو السهو من آثار فإنه يغاير ذلك، ولبيانه أورد فيما يأتي بعض القواعد الفقهية التي تتصل بهذا، ذاكرًا ما ينتج عن تطبيقها من آثار في مسائل الفقه المختلفة، حتى يتضح ما بين الشبهة، وكل من الشك والنسيان، أو السهو من تشابه.","footnotes":"١ تفسير القرطبي ج٢ ص٢٣٩-١٢٤٠ \"ط دار الشعب\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233968,"book_id":3632,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":244,"body":"القاعدة الأولى: اليقين لا يزال بالشك\rويراد بهذه القاعدة أن ما تيقن الإنسان وقوعه، فإنه يظل ثابتًا لا يرفعه ما يقع شك حياله؛ لأنه وقع يقينًا وما كان كذلك لا يرفعه إلا يقين مماثل له، ولا أثر للشك فيه.\rوقد استدل على ذلك بما روي عن رسول الله ﷺ من أنه قال: \"إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه فأخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا\"، رواه مسلم من حديث أبي هريرة١.\rوقول رسول الله ﷺ: \"إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين؟ فليبن على واحدة، فإن لم يتيقن صلى اثنتين أم ثلاثًا؟ فليبن على اثنتين ... \"\rوقوله ﷺ: \"إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن\"، رواه مسلم٢، فالشك في كل هذا لم يثبت به حكم، ولم يرتفع به يقين.\rوهو في ذلك مثل الشبهة من حيث إنها لا يثبت بها أو معها عقوبة حدية، لكون الأصل براءة الذمة مما تلزم به العقوبة الحدية.\rوهذا الأصل هو المتيقن، فلا يعدل عنه إلى غيره إلا بالأدلة اليقينية.\rفمن تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث، ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، فهو متطهر.\rومن شك في الطاهر المغير للماء، هل قليل أو كثير؟ فالأصل بقاء","footnotes":"١ صحيح مسلم ج١ ص١٥٦ \"ط عيسى الحلبي\".\r٢ صحيح مسلم ج١ ص٢٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233969,"book_id":3632,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":245,"body":"الطهورية مع أن تغير الماء قرينة تقوي كثرة المغير له، ومع ذلك طرحت ولم يلتفت إليها أخذا بالأصل، وهو بقاء الطهارة.\rومن ذلك ما لو أكل آخر الليل، وشك في طلوع الفجر صح صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وعلى العكس منه من أكل آخر النهار، وشك في الغروب فالأصل بقاء النهار.\rوكما إذا وقع بيقين ثم شك في حدوث ما يفسخه، فالعقد قائم١ من هذا كله تبين أن اليقين لا يزال بالشك.\rالقاعدة الثانية: الأصل براءة الذمة\rلا تختلف هذه القاعدة عن سابقتها كثيرًا؛ لأنها تعني الإبقاء على ما هو الأصل حتى يرفع بدليل يقيني، ولذا فإنه لما كان الأصل براءة الذمة من كل تبعة، فإنه لا يجوز العدول عن هذا الأصل، إلا إذا قام دليل يقيني ينفيه، ويثبت الإدانة والتبعة.\rويمثل ما بين هذه القاعدة، وسابقتها من تقرب قول الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه: \"أصل ما انبنى عليه الإقرار أني أعمل اليقين وأطرح الشك، ولا أستعمل الغلبة\"٢.\rويمثل هذه القاعدة ما هو مطبق في الفقه الإسلامي من إلزام المدعي البينة؛ لأن الأصل براءة ذمه المدعى عليه، وإبقاء الأصل هو القاعدة.\rوعلى هذا لو توجهت اليمين للمدعى عليه، فنكل فإنه لا يقضي بمجرد","footnotes":"١ الأشباه والنظائر الفقهية للسيوطي ص٥٨-٦٣ ط عيسى الحلبي أصول الفقه الإسلامي أ. د/ سلام مدكور ص٣٣٩ ط دار النهضة العربية.\r٢ الأشباه والنظائر الفقهية للسيوطي ص٥٩ ط الحلبي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233970,"book_id":3632,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":246,"body":"نكوله؛ لأن الأصل براءة ذمته، ولذا تعرض اليمين على المدعي حتى ينظر في أمر الحكم لصالحه بما ادعى به١.\rومن ذلك أيضًا ما إذا اختلف في قيمة التلف، حيث تجب قيمته على متلفه، كالمستعير، والغاصب، والمودع المتعدي، فالقول قول الغارم؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد.\rوذكر السيوطي من الأمثلة المطبقة فيها هذه القاعدة أيضًا، أنه لو قال رجل: أن كان هذا الطائر غرابًا فامرأتي طالق، فقال رجل آخر كان موجودًا: إن لم يكن نفس الطائر -الذي أشار إليه الأول- غرابًا فامرأتي طالق، فطار الطائر، ولم يعرف، فإنه يباح لكل واحد من","footnotes":"١ ذكر ابن قيم أن الإمام الشافعي قال لبعض مناظريه: \"إن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد، وذكر عمر بن حزم، والمغيرة بن شعبة قالا: بينما نحن عند رسول الله ﷺ دخل رجلان يختصمان، مع أحدهما شاهد له على حقه، فجعل رسول الله ﷺ يمين صاحب الحق مع شاهده، فاقتطع بذلك حقه\".\rوروى البيهقي أيضًا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعثمان كانوا يقضون بشهادة الشاهد الواحد، ويمين المدعي\"، قال جعفر: والقضاة يقضون بذلك عندنا اليوم.\rوقد نسب إلى البخاري إنكار الحكم بشاهد ويمين، وقد ذكر ابن قيم أن عدم رواية البخاري حديثًا، أو أثرًا في الشاهد واليمين ظاهر في أنه لا يذهب إليه. وهذا ليس بصريح مذهبه، ولو صرح به فالحجة فيما يرويه لا فيما يراه.\rالطرق الحكمية ص١٩٤، ٢٠٢.\rوقد أورد أستاذي الدكتور/ سلام مدكور أن النبي ﷺ قد حكم بالشاهد بالشاهد واليمين على ما رواه مسلم عن ابن عباس، وأبو داود عن أبي هريرة والبيهقي، وكذا الإمام علي وهذا مذهب الشافعي، وأحمد والليث، في المال وما يتعلق به، ورد الآخرون شهادة الواحد مع اليمين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233971,"book_id":3632,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":247,"body":"الرجلين في الظاهر الاستمتاع بزوجته؛ لأن الأصل حل الاستمتاع بالزوجة ولا يعدل إلا بدليل يقيني، ولا يكفى الشك حتى وإن كان شكًا يصل في حق أحدهما حد اليقين، فإنه يبقي الأصل المتيقن في حق كل منهما ابتداء١.\rويوافق هذه القاعدة أيضًا ما جاء من الأصل العدم، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل.\rولهذا فإن عامل القراض لو قال: لم أربح مطلقًا، أو لم أربح إلا كذا، صدق في مقالته هذه ما لم يقم دليل على غير ما قال؛ لأن الأصل عدم الربح أو عدم الزيادة التي يطالب بها، هذه وما ماثلها مسائل فقهية ظهر فيها بوضوح أثر الشبهة، وما قاربها من الشك والسهو.\r- وقضى فيها الفقهاء ببقاء ما هو متيقن، وطرح ما هو مشكوك فيه.\rإذ إن بقاء المتيقن هو الأصل، وبراءة الذمة هي القاعدة، وما عداها لا بد وأن يثبت بدليل قوي يصل في قوته إلى حد اليقين، حتى يمكن رفعهما، وإحلاله محلهما.","footnotes":"١ السيوطي الأشباه والنظائر الدكتور/ سلام مدكور ص٣٣٩ ط دار النهضة المصرية يراجع القضاء في الإسلام ص٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233972,"book_id":3632,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":248,"body":"وليس ذلك قاصرًا على باب من أبوبا الفقه دون بقية الأبواب، وإنما ما جاءت به هذه القاعدة يحكم أحكام أبواب الفقه المختلفة، وما تشتمل عليه من مسائل وقضايا، وعلى الأخص ما نحن بصدده من أحكام التشريع الجنائي.\rلذا جاء ذكره هنا تتميمًا لما تتناوله هذه الرسالة من موضوع الشبهات لما بين هذا، وبين الشبهات من تقارب في المفهوم، واتفاق في الآثار.\rأثر هاتين القاعدتين في التقنينات الحديثة:\rيظهر أثر هاتين القاعدتين في التقنينات الجنائية الحديثة، واضحًا فقد نصت دساتير الدول المختلفة على الأخذ بهاتين القاعدتين١، كما طاللب كل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان بمراعاة العمل في المواد الجنائية، والأدلة القانونية طبقًا لهاتين القاعدتين٢، كما ينص فقه الإجراءت الجنائية على تفسير الشك لمصلحة المتهم، والربط بين هذه","footnotes":"١ نص الدستور السوداني على الأخذ بقاعدة الشك يفسر لمصلحة المتهم، وهي القاعدة المأخوذة من كون اليقين لا يزال بالشك. المادة ٦٩ من الدستور السوداني.\rكما ينص الدستور المصري الصادر في ١٩٧١ في مادته ٦٧ بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولا يجب أن يطلب منه الدليل على براءة نفسه، بل المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته دون شك معقول، وقد نص على ذلك أيضًا قانون الإجراءات الجنائية السوداني رقم ٦٥/ ١٩٧٤م في المادة الثالثة.\r٢ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ١٠/ ١٢/ ١٩٤٨م، والمادة الرابعة عشرة من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية، والسياسية، التي وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ١٦/ ١٢/ ١٩٦٦م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233973,"book_id":3632,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":249,"body":"القاعدة وأختها التي تفيد أن الأصل افتراض البراءة، كما جرى القضاء في الدولة العربية على مراعاة هذا، والأخذ بالقاعدتين السابقتين، من تفسير الشك لمصلحة المتهم، التي هي وليدة القاعدة الفقهية \"اليقين لا يزال بالشك\".\rومن أن الأصل في الإنسان البراءة، حتى تثبت إدانته بدليل قطعي، فقضت محكمة النقض المصرية بأن الأحكام في المواد الجنائية، يجب أن تبنى على الجزم، واليقين لا على الظن والاحتمال.؟\rوأن الأحكام الصادرة بالإدانة يجب ألا تبنى إلا على حجج قطعية الثبوت تفيد الجزم واليقين.\rهذا جانب من تطبيقات هاتين القاعدتين في النظم القانونية الحديثة، والأخذ بهما وإعمالهما لما قبل به، فقهاء الشريعة الإسلامية في مجال التجريم والعقاب.\rوإن كانت القاعدتين قد توافق في العمل بهما في هذا المجال كل من الشريعة والقانون، إلا أن التنظيم الشريعي قد أعملهما منذ نزل من أربعة عشر قرنا، والتزمم بهما في كل أحكامه، أما النظم القانونية فلم تعرفهما إلا حديثا منذ عهد قريب، وإن كانت حتى بعد أن عرفتها، ونصت عليهما لم يلتزم بهما قضاتها في كثير من الأحكام التي يقضى بها في ظل الأحكام العرفية، أو العسكرية وما إلى ذلك.\rكما أن أعمال الفقه الإسلامي لهاتين القاعدتين أوسع من أعمال التنظيم الوضعي لهما، فقد قصرهما الأخير على المجال الجنائي.\rأما الفقه الإسلامي، فقد أعملهما في كافة فروعه الدينية والتكليفية، وفي كل أحكامه وقضاياه١.","footnotes":"١ الأشباه والنظائر للسيوطي ص٥٦-٦٥، ١٥٨ الأشباه والنظائر لابن تجيم ص٥٦ وص١٥-١٥٦ ط سنة ١٩٦٨م قواعد الأحكام في مصالح الأنام لعز الدين بن عبد السلام ج٢ ص٣٢ ط سنة ١٩٦٨م أصول الفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور سلام مدكور ص٣٣٩-٣٤٠، دار النهضة أصول السياسة الجنائية أ. د: أحمد فتحي سرور ص١٤١-١٤٢ ط ١٩٧٢م. رؤوف عبيد، مبادئ الإجراءات الجناية ص٦٧٦. وفي أصو النظام الجنائي الإسلامي أ. د: محمد سليم العوا ص٩١- ٩٦ دار المعارف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233974,"book_id":3632,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":250,"body":"المبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد\rمدخل\r...\rالمبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد\rهناك قاعدة فقهية أعملها جمهور الفقهاء في المجال العقابي هي: درء الحدود بالشبهات، وتتصل هذه القاعدة بما سبقها من قاعدة تقضي بأن اليقين لا يزال بالشك، وبأن الأصل براءة الذمة.\rهاتان القاعدتان اللتان قررتهما الشريعة الإسلامية، وألزمت قضاتها بهما وطبقتهما على كل الأحكام دينية أو تكليفية، وفي ما يتصل بحقوق الغير مدنية كانت هذه الحقوق، أو جنائية وتعني قاعدة درء الحدود بالشبهات أنه متى وجدت شبهة لدى القاضي، ترتب عليها عدم قيام ركن من أركان الجريمة بالصورة التي حددتها الشريعة الإسلامية، أو شابه إثبات الجريمة شي ترتب عليه عدم اكتمال اليقين لدى القاضي بأن الجريمة قد وضعت ممن مثل أمامه للمحاكمة..\rفإن وجدت شبهة من ذلك، ومما يعتد به عند الفقهاء، لم يصبح في إمكان القاضي الحكم بالعقوبة الحدية بالنسبة لهذه الجريمة التي خالط أحد أركانها، أو دليل إثباتها شيء من ذلك، فوجود الشبهة إذا قدر درأ الحد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233975,"book_id":3632,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":251,"body":"عن الجاني، سواء ترتب على درء الحد هذا تبرئه المدعى عليه، ونجاته من العقوبة مطلقًا، أو إلزامه بعقوبة تعزيرية أخرى، تتناسب مع ما وقع منه من أفعال لم تصل إلى حد الجريمة الحدية بالصورة التي حددها الفقه الإسلامي، فمن لم تقم البينة على ارتكابه الجريمة الحدية بالصورة التي يقتنع معها القاضي، ويصل اقتناعه حد اليقين بأن الشخص الماثل أمامه، قد ارتكب الجناية الحدية التي أقيمت بينتها عليه، لم تلزم هذا المدعى عليه عقوبة الجناية الحدية المدعى عليه بها، ووجبت تبرئته من هذه الجناية؛ لأن الأصل فيه البراءة.\rأما من وقعت منه كجريمة قذف مثلًا، وتخلف شرط الإحصان في المقذوف.\rأو من وقعت منه جريمة سرقة، وتخلف شرط الحرز بالصورة التي اشترطت لإقامة الحد، فإن الجاني في هاتين الجريمتين لا يلزم بالعقوبة الحدية لتخلف شرط قيسام الجريمة الحدية، أو ألزم بغيرها من العقوبات التعزيرية التي يراها القاضي مناسبة لما وقع من جريمة، لم تتوفر فيها شروط الجريمة الحدية.\rوقاعدة درء الحدود بالشبهات هذه من القواعد التشريعية التي أوردها المحدثون عن رسول الله ﷺ، بروايات متعددة في مسائل كثيرة وقعت في أوقات مختلفة، كما سيأتي أقر الصحابة الأجلاء هذه القاعدة، وأعملوها في ما عرض عليهم من قضايا سيأتي الحديث عنها.\rوقد أجمع جمهور الفقهاء على أعمال هذه الفقهاء عدا بن حزم، ومن وافقه من الذين عارضوا الأخذ بهذا المبدأ، وإن كانوا قد عادوا إلى الأخذ بما يحقق ما يهدف إليه الفقهاء من أعمالهم، قاعدة درء الحدود بالشبهات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233976,"book_id":3632,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":252,"body":"فقد رأى ابن حزم أن الحدود لا يجوز أن تقام بشبهة، ولا أن تدرء بشبهة.\rوهو في الشق الأول من قوله هذا، قد وافق عليه ما عليه الفقهاء جميعًا موافقة صريحة لا يختلف عليها أحد.\rوفي الشق الثاني من مقالته هذه، وإن لم يوافق ما عليه جمهور الفقهاء موافقة صريحة، إلا أن الشق الأول من مقالته ما يفيد أن الحدود تدرء بالشبهات؛ لأنها ما دامت لا تقام بشبهة، فإنها لا بد من أن تقام على أساس من اليقين الذي لا يشوبه شك، فإذا تطرق الشك لم يبق هذا اليقين، وحلت الشبهة محله، وبذا تنتفي العقوبة الحدية، ويتحقق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من انتفاء الحد بوجود الشبهة.\rوفيما يأتي عرض لأدلة من يعمل هذه القاعدة، ولأدلة من ينفيها ولا يأخذ بها، يبين منه الرأي الذي انتهى إليه البحث وأقره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233977,"book_id":3632,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":253,"body":"أولًا: أدلة من يدرأ الحد بالشبهة\rيعمل جمهور الفقهاء قاعدة درء الحد بالشبهة أخذًا منهم بما ورد في ذلك من آثار، وجريا منهم من قاعدة عدم إزالة اليقين إلا بيقين مماثل له؛ لأن الأصل البراءة.\rوقد استدل الجمهور بأدلة نقلية، وردت عن الرسول ﷺ، وأعملها صحابته الأطهار رضوان الله عليهم أجمعين، قد رأوا العقوبة الحدية بمقتضاها لوجود الشبهة.\rكما استدل الجمهور أيضًا لأعمال الشبهة بأدلة عقلية مستقاة من مبادئ الشريعة الحكمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233978,"book_id":3632,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":254,"body":"أ- الأدلة النقلية:\rاروي عن الصديقة بنت الصديق -رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: \"ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فأخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة\"، رواه الترمذي وذكر أنه قد روي موقوفًا، وأن الوقف أصح١.\r٢ روي عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه: \"ادراءوا الحدود ما استطتعتم، فإنكم إن تخطئوا في العفو، خير من أن تخطئوا في العقوبة، وإذا وجدتم لمسلم مخرجًا، فادرءوا عنه الحد\" ٢.\r٣ ما رواه ابن مسعود موقوفًا بإسناد حسن، قال: \"ادرءوا الحدود بالشبهات، وأقيلا ذوي الكرام عثراتهم، إلا في حد من حدود الله تعالى\" ٣.","footnotes":"١ سنن الدارقطني ج٢ ص٣٢٤، مسند أبي حنيفة ص٣٢، التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ج٣ ص١٣٨ ط عيسى الحلبي، المستدرك ج٤ ص٣٨٤، نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص١١٨، سبل السلام ج٤ ص١٥ سنن الترمذي ج٢ ص٢٣٨، مطبعة المدني بمصر، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي ج٢ ص٣١٨، مختصر صحيح الترمذي ج١٠ ص١٠٤ ط مصطفى الحلبي سنة ١٩٣٢م.\r٢ السنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٢٣٨ ابن مسعود، هو عبد الله بن مسعود بن غافل، أحد كبار الصحابة من جهر بقراءة القرآن الكريم، خادم رسول الله ﷺ، ورفيقه في حله وترحاله. ت سنة ٣٢ هـ، الأعلام للزركلي ج٤ ص٢٨ الإصابة ج٢ ص٣٦٨-٣٦٩.\r٣ قال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ج١ ص٢٢٨ \"ط المكتبة التجارية الكبرى سنة ١٤٥٧هـ\" في نهاية شرحه لهذا الحديث، \"وقال ابن حجر في شرح المختصر\": هو موقف حسن الإسناد، وبه يرد قول السخاوي: طرقه كلها ضعيفة.. وأشار السيوطي إلى هذا الحديث في الجامع الصغير بأنه حديث حسن","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233979,"book_id":3632,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":255,"body":"٤ روي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ، قال: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\" ١.\r٥ روى البيهقي، عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ادرءوا الحدود، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود\" ٢.\r٦ روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: \"ادفعوا الحدود عن عباد الله، ما وجدتم لها مدفعًا\" ٣.","footnotes":"١ أخرجه أبو حنيفة في مسنده ص٣٢. ابن عباس، هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم النبي ﷺ، ولد وبنو هاشم بالشعب قبل الهجرة بثلاث، كان نعم ترجمان القرآن، قال عنه ابن عمر: لقد أوتى ابن عباس علمًا صدقًا، روى عنه كثير من الصحابة والتابعين، الإصابة في تمييز الصحابة ج٢ ص٣٣٠-٣٣٤.\r٢ السنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٢٣٨ط الهند سنة ١٣٤٤هـ البيهقي، هو الإمام الحافظ أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ت سنة ٤٥٨هـ، سنن الدارقطني ج٢ ص٣٢٤، نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص٣٥، قال المناوي في فيض القدير ج١ ص٢٢٨، وضعفه البيهقي، وقال السخاوي: فيه المختار بن نافع، قال البخاري: منكر الحديث، نعم هو حديث حسن بشواهده، وعليه يحمل رمز المؤلف لحسنه.\r٣ أبو هريرة اختلف اسمه، فقال أهل النسب: اسمه عمير بن =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233980,"book_id":3632,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":256,"body":"٧ روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: \"لأن أعطل الحدود بالشبهات، أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات\"١، كما روي عنه أنه قال: \"إذا حضرتمونا، فاسألوا في العفو جهدكم، فإني إن أخطئ في العفو أحب إلي من أن أخطئ في العقوبة\"٢.\r٨ روي عن معاذ، ٣ وعبد الله بن مسعود، وعقبة بن عامر","footnotes":"= عامر وروي أن اسمه كان في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسماه رسول الله ﷺ، عبد الرحمن أبا هريرة لزم النبي ﷺ وكان من أكثر رواة الحديث، توفي بالمدينة سنة ٥٩هـ، الأعلام ج٤ ص٨٠/ ٨١، الإصابة لابن حجر ج٤ ص٢٠٢-٢١١ \"ط المثنى ببغداد\"، وقد جاء هذا الحديث في سنن ابن ماجه ج٢ ص٨٥٠ \"ط دار إحياء الكتاب سنة ١٣٧٢هـ\"، مبوب له يقول ابن ماجه: باب الستر على المؤمن، ودفع الحدود بالشبهات، وذكر نقلًا عن الزوائد أن في إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي وقد ضعفه أحمد، وابن معين والبخاري وغيرهم، وقال المناوي في فيض القدير ج١ ص٢٢٩: قال ابن حجر في تخريج أحاديث المختصر: فيه إبراهيم بن الفضل، وهو مدني ضعيف، وقد خرجه ابن عدي، وقال: هذا رجل اتهمه سفيان الثوري. وانتهى، وبه يعرف سقوط رمز الصنف -رحمه الله تعالى- لحنه، إلا أن يراد أن ما مر يعضده نيل الأوطار ج٧ ص١٠٤-١٠٥.\r١ نصب الراية ج٣ ص٣٣٣.\r٢ السنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٢٣٨.\r٣ معاذ بن جبل بن عمرو بن أوسى بن عابدين بن عدي، إمام مقدم في علم الحلال والحرام، شهد المشاهد كلها، وروى عن النبي ﷺ روى عنه ابن عباس وغيره كثيرون، ت سنة ١٧ هـ بالشام الإصابة في تمييز الصحابة ج٣ ص٤٢٦-٤٢٧ط مكتبة المثنى ببغداد","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233981,"book_id":3632,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":257,"body":"رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا١: \"إذا اشتبه عليك الحد، فادرأ ما استطعت\"٢.\r٩ روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: \"ادرءوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم\"٣.\r١٠ كما روي عن سعيد بن المسيب٤ أنه قال: \"ذكرنا الزنا بالشام، فقال رجل: زنيت البارحة، فقالوا: ما تقول؟ قال: ما علمت أن الله ﷿ حرمه، فكتبوا بذلك لعمر بن الخطاب، فكتب إليهم: إن كان عالمًا فحدوه، وإن لم يكن قد علم فعلموه، فإن عاد فحدوه\"٥.\r١١ روي عن علي -رضي الله تعالى عنه أنه أتى بامرأة مع رجل","footnotes":"١ عقبة بن عامر بن عباس بن عمر بن عدي الصحابي المشهور، روى عن النبي ﷺ، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس كان قارئًا عالمًا بالفرائض والفقه، مات في خلافه معاوية، الإصابة في تمييز الصاحبة ج٢ ص٤٨٩.\r٢ السنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٢٣٨، سبنن الدارقطني ج٢ ص٣٢٤، المغني مع الشرح الكبير ج٣ ص١٩٤.\r٣ السنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٢٣٨، مجمع الزوائد للطبراني ج٦ ص٢٤٨.\r٤ هو، سعيد بن المسيب بن حزم بن أبي وهب، جمع بين الحديث والفقه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وتوفي بالمدينة سنة ٩٣هـ على الراجح.\r٥ مصنف عبد الرزاق ج٧ ص٧٠٣، المهذب للشيرازي ج٢ ص٢٦٧ \"ط عيسى الحلبي\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233982,"book_id":3632,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":258,"body":"فجر بها، فقالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحد١.\r١٢ كما روي أن عليًا -رضي الله تعالى عنه قال في امرأة أقرت على نفسها: أنه استكرهها رجل على نفسه، قال: هي السائبة، لا تملك نفسها فلو شاء لقتلها، فليس عليها جلد ولا نفي ولا رجم٢.\r١٣ روي أن جارية سوداء رفعت إلى عمر -رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنها زنت، فخفقها بالدرة خفقات، وقال: أي لكاع زنيت، فقالت: من غواش بدرهمين، تخبر بصاحبها الذي زنى به، ومهرها الذي أعطاها، فقال عمر -رضي\rالله تعالى عنه: ما ترون؟ وعنده علي وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف٣.\rفقال ﵁: أرى أن ترجمها، وقال عبد الرحمن: أرى مثل ما رأى أخوك. فقال: ما تقول؟ قال: أراها تستهل بالذي صنعت لا ترى بأسا، وإنما حد الله على من علم أمر الله ﷿، فقال: صدقت٤.\rمن كل ما ذكر من الأحاديث النبوية الشريفة، وما روي عن الصحابة رضوان الله عليهم يتضح ما استدل به جمهور فقهاء الشريعة، على أن الحدود تدرأ بالشبهات، والأحاديث السابقة، وإن كان في بعض","footnotes":"١ مباني تكملة المنهاج لأبي القاسم الموسوي ج١ ص١٧٠ ط مطبعة الآداب بالنجف الأشرف.\r٢ المرجع السابق.\r٣ عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحرث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهوي، ولد بعد الفيل بعشرة سنين، أسلم قبل دخول دار الأرقم وشهد المشاهد كلها، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى كريم سخي، أنفق الكثير توفي عام ٣١هـ أو ٣٢هـ.\rالإصابة في تمييز الصحابة ج٢ ص٤١٦-٤١٧.\r٤ المهذب للشيرازي ج٢ ص٢٦٧-٢٦٨ \"ط عيسى الحلبي\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233983,"book_id":3632,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":259,"body":"رواتها مقال، إلا أنها أحاديث كثيرة قد وردت من طريق عدة يعضد بعضها بعضا ويقويه١، كما أنها تتوافق وما تهدف إليه شريعة الله العادلة الرحيمة، إذ المتبصر فيها يجد أنها بقدر ما تشددت في العقوبة، التي وضعتها للجرائم الحدية، فهي بالقدر نفسه قد حرصت، وتوخت دفع هذه العقوبة عن المسلم، ويتضح هذا فيما وضعته من شروط لإقامة هذه العقوبة، وتلمس درئها عمن وجبت عليه.\rهذا ما عليه إجماع جمهور الفقهاء٢؛ لأنهم يرون أن الحد إذا ثبت، فإن إقامته تصبح واجبة، فإذا ما روي النبي ﷺ والصحابة، والتابعين إسقاط هذا الواجب بشبهة، فإن مثل هذه الرواية تصبح في قوة الرواية المرفوعة؛ لأنها أسقطت ما وجب حدًا٣","footnotes":"١ يقول الصنعاني: وأحاديث درء الحدود بالشبهات، وإن كان في إسنادها مقال، إلا أنها يعض بعضها بعضًا، كما أن الروايات الموقوفة في ذلك تعاضد المرفوع.\rسبل السلام شرح بلوغ المرام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ج٤ ص١٥ ط، سنة ١١٨٢هـ.\r٢ يقول ابن الهمام: \"في إجماع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات كفاية، شرح فتح القدير ج٥ ص٢٤٩ ط الحلبي.\rوقد ذكر ابن قدامة مثل ذلك، وحكي عن ابن المنذر قوله: \"أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهات. المغني ج١٠ ص١٥٤ ط الأميرية.\r٣ يقول ابن الهمام: والموقوف في هذا الباب له حكم المرفوع؛ لأن إسقاط الواجب بعد ثبوته بشبهة خلاف مقتضى العقل، بل مقتضاه أن بعد تحقق الثبوت لا يرتفع بشبهة، فحيف ذكره صاحبي حمل على الرفع، شرح فتح القدير ج٥ ص ٢٤٨-٢٤٩ط مصطفى الحلبي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233984,"book_id":3632,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":260,"body":"ب- الأدلة العقلية:\r١- لم يكتف رسول الله ﷺ بمجيء ماعز مقرًا بما ارتكبه، ولكنه استفهمه وراجعه، إلى الحد الذي وصل استفهامه إياه إلى نطق ﷺ بكلمة ما كان لينطق بها، لولا ما في الموقف من ضرورة التأكد، وإزالة الشك باليقين، ولم تسمع منه ﷺ تلك الكلمة، إلا في هذا الموطن الذي لم يكتف فيه، إلا بما يصور الواقعة تصويرًا حسيًا١.\r٢ جيء إلى رسول الله ﷺ بلص، وقد اعترف بجريمته لكنه لم يوجد معه المتاع الذي سرق، فقال الرسول ﷺ للص المعترف: \"ما أخالك سرقت، فقال: بلى يا رسول الله، فأعادها ﵊ مرتنين أو ثلاثًا\" ٢.\rفما فائدة سؤال اللص والاستفسار منه، وإعادة ذلك عليه مرتين أو ثلاثًا؟ إن لم يكن في ذلك فائدة، فهو لغو \"والرسول ﷺ حاشاه أن يقول لغوا\".\r٣ يقول الله ﷾: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣ هذه هي علة الخلق وسببه، فالإبقاء على حياة الإنسان إذا مصلحة عظمى تتحقق بها علة الخلق، وإقامة الحدود قد تكون مهلكة يترتب عليها فناء بعض من تقام عليه، كما إذا كانت رجمًا لمحصن، لذا","footnotes":"١ صحيح البخاري بهامش فتح الباري ج١٢ ص١٠١ سنن أبي داود ج٢ ص٢٤٧، صحيح مسلم ج٢ ص٤٩.\r٢ سنن أبي داود ج٢ ص٢٤٧ ط مصطفى الحلبي.\r٣ الآية ٥٦ من سورة الذاريات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233985,"book_id":3632,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":261,"body":"وجب التثبت والتيقن من وجوبها، ولا يتحقق مع وجود الشبهة لذا فهى تدرء الحد.\rيقول صاحب قواعد الأحكام: \"وإنما غلب درء الحد مع تحقق الشبهه؛ لأن المصلحة العظمى في استيفاء الإنسان لعبادة الديان، والحدود محظرة فلا تثبت إلا عند كمال المفسدة وتمحضها١.\rويقول أبو القاسم الموسوي: والأولى التمسك بعصمة الدم إلا في موضوع اليقين عملًا بالنص المتواتر بدفع الحد بالشبهات٢.\r٤ الشريعة الإسلامية -وهي العدل والرحمة- تقرر أن العقوبة إن لم تكن مساوية بالجناية من حيث اكتمالها، فلا يجوز أن تزيد عنها بحال من الأحوال.\rفإذا ما شابت الجناية شبهة، فالعقاب عليها بالعقوبة المقررة للجناية الكاملة حيث وجور، يأباهما عدل الإسلام وإنصافه، يقول الكاساني: \"إن الحد عقوبة متكاملة، فتستدعى جناية متكاملة.. والنكاح لا تتكامل جنايته إلا عند انقضاء الشبهة، فإذا كانت هناك شبهة كانت الجناية غير متكاملة٣.\r٥ الشريعة الإسلامية تهدف إزالة الضرر، وتبغي اليسر ودفع المفاسد الذي هو مقدم على جلب المصالح، وإقامة الحدود وإن كان فيها مصلحة، إلا أن الضرر الذي يقع بسببها على من تقام عليه ضرر فادح","footnotes":"١ قواعد الأحكام في مصالح الأنام لشيخ الإسلام العز بن عبد السلام ت سنة ٦٦٠هـ ج٢ ط الاستقامة بمصر.\r٢ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٦٨ ط مطبعة الآداب -النجف الأشرف سنة ١٩٧٥.\r٣ بدائع الصنائع للكسائي ج٩ ص٤١٥ ط المطبوعات العلمية","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233986,"book_id":3632,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":262,"body":"فلا يجوز إلا بحقه؛ لأن الضرر بدون تأكد موجبه ظلم، والله لا يحب الظالمين.\rيقول الشوكاني: \"إن أقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به، والإضرار قبح عقلًا وشرعًا، فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود بعد حصول اليقين، ولا يقين مع قيام الشبهة\"١.\rوبعد عرض هذه الأدلة العقلية التي استدل بها جمهور الفقهاء لأعمال قاعدة ردء الحدود بالشبهات، يبين ما يهدفون إليه من حرصهم على إحقاق الحق وتوخي العدل، وإبقاء ما هو متيقن حتى يثبت يقينًا عكسه، عندئذ يقام الحد.\rفإن لم يتيقن وجوب الحد على من قدم للمحاكمة، أو جاء بنفسه مقرًا درئ الحد إعمالًا لقاعدة درء الحدود بالشبهات، استنادًا لما ذكره.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٢ ص١١٠ للشوكاني محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني، ولد في إحدى القرى القريبة من صنعاء في آخر ذي القعدة سنة ١١٧٢هـ، حفظ القرآن وبرع في الفقه، وعلوم اللغة والحديث، وألف في ذلك كله، تتلمذ عليه كثيرون آخر جمادى الآخر سنة ١٢٥٠هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233987,"book_id":3632,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":263,"body":"ثانيًا: أدلة من لم يقل بدرء الحد بالشبهة\rذهب فقهاء الظاهرية إلى إنكار مشروعية درء الحدود بالشبهات، وردوا ما جاء في ذلك ما آثار، وطعنوا في كل ما ما روي عن الرسول ﷺ في تقرير ذلك، وعابوا على جمهور الفقهاء أعمالهم لهذه القاعدة.\rيقول ابن حزم: وأما درء الحدود بالشبهات، فما جاء عن النبي ﷺ قط من طريق فيها خير، ولا نعلمه أيضًا جاء عنه ﵇ لا مسندًا، ولا مرسلًا، وإنما هو قول روي عن ابن مسعود وعمر١.\rويقول: ذهب قوم إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات، وأشدهم قولا بها واستعمالًا لها، أبو حنيفة وأصحابه ثم المالكيون، ثم الشافعيون، وذهب أصحابنا إلى أن الحدود لا يحل أن تدرأ بشبهة، ولا أن تقام بشبهة، وإنما هو الحق لله تعالى ولا مزيد، فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة لقول الرسول ﷺ\": \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام\"، وإذا ثبت الحد لم يحل أن تدرأ بشبهة لقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ ٢.\rثم قال: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر في اللفظ الذي يتعلق به من تعلق أيصح أم لا؟ فنظرنا فيه، فوجدناه قد جاء من طريق ليس فيها عن النبي ﷺ نص، ولا كلمة، وإنما هي عن بعض أصحابه من طرق كلها لا خير فيها٣.\rهذا طرف من مقالة ابن حزم في رده لقاعدة درء الحدود بالشبهات","footnotes":"١ المحلى لابن حزم ج٩ ص١٢٦ ط مكتبة الجمهورية العربية الحديث المرسل هو، ما انقطع إسناده على أوجه، وهو نوعان:\r١ مرسل الصحابي: وهو ما يرويه صحابي عن صحابي.\r٢ مرسال التابعي وهو: الحديث الذي أخبر به التابعي.\r٢ الآية ٢٢٩ من سورة البقرة.\r٣ المحلى لابن حزم ج١٣ ص٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233988,"book_id":3632,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":264,"body":"وتتمثل الطعون التي وجهها لهذه القاعدة فيما يلي:\r١- رد ابن حزم كل ما روي عن رسول الله ﷺ في هذا الخصوص، والذي يتمثل في: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\"، وعلل ابن حزم رده لذلك بأن الروايات التي أتى ذلك كله عن طريقها روايات مرسلة١.\r٢- لم يعمل ابن حزم قاعدة درء الحدود بالشبهات، وذلك؛ لأن أعمالها في رأيه يؤدي إلى إبطال الحدود جملة على كل حال.\rوحجته في ذلك أن كل واحد مستطيع أن يدرأ كل حد يأتيه، وعنده","footnotes":"١ ذكر أستاذي الدكتور مدكور: أن الحديث المرسل عند الفقهاء والأصوليين، وجماعة من المحدثين، ما انقطع إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وقال كثير من المحدثين: لا يسمى الحديث مرسلًا إلا إذا أخبر فيه التابعي عن رسول الله مباشرة، فلا يعتبر حديث الصحابي مرسلًا إذا رواه عن الرسول، وهو يطلق عليه عند الآخرين مرسل الصحابي، وما أكثر مراسيل ابن عباس.\rوالأصوليون والفقهاء يعتبرون مراسيل الصحابي إنفاقًا؛ لأن ما يرويه الصحابي محمول على سماعه من النبي ﷺ، أو من صحابي آخر، وكلهم عدول.\rأما مرسل التابعي، فالإمام أبو حنيفة ومالك يعملان به أيضًا كمرسل الصحابي، وافقهم أحمد في إحدى روايتين منه، أما الشافعي فإنه لا يأخذ به إلا إذا انضم إليه ما يقويه، كان يكون قد عمل به بعض الصحابة أن روي مرسلا من طريق آخر، أو كان من مراسيل سعيد بن المسيب أصول الفقه الإسلامي ص١١٩-١٢٠، ويراجع أيضًا نهاية السول ج٣ ص٨١١ الأحكام للآمدي ج١ ص٣٣٣ وما بعدها، أ. د: زكريا البري أصول الفقه ص٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233989,"book_id":3632,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":265,"body":"أن ذلك خلاف إجماع أهل الإسلام، وخلاف الدين والقرآن والسنن، ولهذا فهو يسقط هذه القاعدة، وينفي أن يكون فيما جاء حجة لاستعمالها، أو للقول بها.\r٣- يرى ابن حزم أن لفظ الشبهات الذي جاء في: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\" لا سبيل إلى استعماله؛ لأنه ليس فيه بيان لتلك الشبهات، فليس لأحد عنده -أن يقول في شيء يريد أن يسقط به حدًا: هذا شبهة- إلا كان لغير أن يقول: ليس بشبهة، ولا كان لأحد أن يقول في شيء لا يريد أن يسقط به حدًا، ليس هذا شبهة، إلا كان لغيره أن يقول: بل هو شبهة، ويعقب على هذا بقوله: ومثل هذا لا يحل استعماله في دين الله تعالى، أنه لم يأت به قرآن ولا سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا قول صاحب ولا قياس، ولا معقول مع الاختلاط الذي فيه كما ذكرنا١.\rهذا ما وجهه ابن حزم من طعون للقائلين بقاعدة درء الحدود بالشبهات، مستهدفًا بذلك عدم الاعتداد بها في شيء.\rلكن ابن حزم وهو المجادل البارع قد جانبه الصواب هنا فيما وجهه من طعون.\rأما عن طعنه الأول ورده لما روي عن رسول الله ﷺ، من قوله: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\"، بحجة أنه حديث مرسل، فالإرسال لا ينفي صحة الحديث في مثل هذا؛ لأن الموقوف في هذ له حكم المرفوع٢؛ لأن إسقاط الواجب بعد ثبوته بشبهة خلاف","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٦١-٦٣.\r٢ الموقوف: هو ما انتهى إسناده إلى الصحابي من قول أو فعل، أو تقرير وخلا عن قرينة الرفع سواء اتصل سنده أولًا، والمرفوع: هو ما انتهى إسناده- إلى النبي ﷺ أ. د: موسى لاشين، أ. د: عبد العال أحمد. المنهل الحديث ج١ ص١٢ ط١٩٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233990,"book_id":3632,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":266,"body":"مقتضى العقل، بل مقتضاه أن بعد تحقق الثبوت لا يرتفع بشبهة، فحيث ذكره صحابي حمل على الرفع.\rكما أن الرواية المرسلة إذا وردت رواية أخرى تتضمن معنى ما في الرواية المرسلة: فإنها تعضدها وتقويها.\rكما أن تتبع المروي عن النبي ﷺ، والصحابة الأطهار ما يقطع في المسألة، فقد راجع النبي ﷺ ماعزا عند مجيئه مقرًا، وكأنه ﷺ كان يلقنه الرجوع عن الإقرار، كما أن مراجعه للنبي ﷺ لماعز يفهم منها حثه ماعزا على الرجوع؛ لأن المراجعة وإن كان من بين أهدافها التأكد والاستيثاق، إلا أن الوصول بها إلى هذا الحد مع إعراض النبي ﷺ عن ماعز يدل على ترجيح إرادة الرجوع على التأكد والاستيثاق؛ لأنه ﷺ لو كان مريدً التأكد، والاستيثاق بصفة خاصة لأقيل على ماعز إقبال من يريد التأكد، أما وقد أعرض وأشاح بوجهه الشريف، فإن ذلك يدل على إرادته الرجوع من ماعز، مرجحًا الرجوع على ما عداه، ومثل ما كان مع ماعز من مراجعة، بل وزيادة عليه قال الرسول ﷺ لمن جيء به سارقًا، إذ قال ﷺ له: \"أسرقت ما أخاله سرق\".\rومثل ذلك أيضًا قاله النبي ﷺ للغامدية١.\rوقد حاول ابن حزم التشكيك في أن مقالة النبي ﷺ لماعز لم تكن محاولة إرجاعه عن إقراره أيضًا، ورأى أن مراجعته","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233991,"book_id":3632,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":267,"body":"-ﷺ لماعز كانت لتهمته إياه في عقله، وفي جهله ما هو الزنا فقط١.\rومقالة ابن حزم هذه تستوجب وقفة لمناقشته في قوله: \"إنما كان لتهمته في عقله، وفي جهله ما هو الزنا\".\rفتهمة ماعز في عقله، أو جهله تورث الشك والشبهة في دليل الإثبات، أو في القصد الجنائي، أو فيهما معا لهذا أراد النبي ﷺ بالمراجعة على حد قول ابن حزم -الاستيثاق، وما ذلك إلا إزالة الشبهة، ثم ما مراد \"ابن حزم من الجهل بالزنا؟ أن كان جهلًا لتحريمه، فهو شبهة في الركن الشرعي لقيام الجريمة.\rوإن كان جهلًا ماديًا، فهو شبهة في قيام الركن المادي للجريمة الثابت أن الرسول ﷺ، قد راجع ماعزا بقوله: \"لعلك\" حتى وصل إلى حد النطق بما يكره، وهذا ثابت عند ابن حزم، إذا فما هدف الرسول ﷺ من ذلك كله؟\rإن كان التأكد من سلامة الإقرار الحد بحيث لا يقيمه بشبهة، فهذا نتفق فيه مع ابن حزم وأصحابه.\rوإن كان للتأكد من عدم وجود شبهة تتصل بالجاني، أو بدليل الجناية أو بمادياتها، وهذا ما لا يستطيع ابن حزم إنكاره، فهذا هو الدليل القاطع على إعمال مبدأ درء الحدود بالشبهات، يقدمه ابن حزم نفسه رادًا به على نفسه.\rويقول ابن حزم: وإنما روي عن بعض الصحابة أنه قال: كنا","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص١٠٢-١٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233992,"book_id":3632,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":268,"body":"نتحدث أن ماعزا والغامدية لو رجعا بعد اعترافهما، أو لم يرجعا \"بعد اعترافهما\" لم يطلبهما.\rويعلق ابن حزم على هذا بقوله: وهذا ظن والظن لا يجوز القطع به، وقول القائل لو فعل فلان كذا لفعل رسول الله ﷺ أمرًا كذا، ليس بشيء إذ لم يفعل ذلك لفلان١.\rوالأمر ليس بظن كما قال ابن حزم، وإنما هو تقرير لما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه.\rوإطلاق ابن حزم على هذه الحالة بأنها من باب الظن، إطلاق خطأ إذ إن الظن يتحقق فيما لو أن ماعزًا، والغامدية رجعا عن إقرارهما، أو لم يرجعا إلى الرسول ﷺ بعد الإقرار الأول، فتوهم الصحابة أن الحد قد سقط عنهما، وقالوا مقالتهم هذه، وإذ بالرسول يقيم الحد عليهما بإقرارهما مرة واحدة، أو يرسل يطلبهما، ويستنطقهما الإقرار.\rهذه هي الحالة التي يمكن أن يطلق ما على قبله الصحابة ما ذكره ابن حزم من أنه ظن، والظن لا يجوز القطع به.\rولكن الحالة مختلفة، والأمر متغاير، فما قاله الصحابة ليس بظن، وإنما هو تقرير لما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه الأبرار.\rكما أن ابن حزم قد قال فيما ذكره عن جابر٢، وأقر بصحته","footnotes":"١ المحلى لابن حزم ج٩ ص١٢٥.\r٢ جابر بن عبد الله بن عمر بن حرام بن كعب الأنصاري السلمى أحد المكثرين عن النبي ﷺ، شهد تسع عشرة غزوة، كانت له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم، ت عام ٧٨هـ، عن أربع وتسعين سنة الإصابة في تمييز الصحابة ج١ ص٢١٣ \"ط المثنى ببغداد\"","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233993,"book_id":3632,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":269,"body":"ووروده عن الرسول ﷺ، وقد قال جابر: \"أنا أعلم الناس بأمر ماعز، إنما قال رسول الله ﷺ: \"هلا تركتموه وجئتموني به\"؟ ليستثبت رسول الله ﷺ منه، فأما لترك حد فلا.\rهذا نص كلام جابر فهو أعلم بذلك، ولم يرجع ماعز قط عن إقراره، وإنما قال: ردوني إلى الرسول ﷺ، فإن قومي قتلوني، وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي١.\rوالوقفة هنا لمناقشة ابن حزم، فيما أورده في مسألتين:\rالأولى: قول جابر -رضي الله تعالى عنه: ليستثبت رسول الله ﷺ.\rماذا يريد جابر \"بيستثبت\" هذه مع أن الرسول قد راجع ماعزا، وسأله واستفسر منه، وسأل قومه عنه ...\rثم إن الاستثبات هنا لا يمكن أن يكون معناه إثبات الجناية على ماعز؛ لأن الجناية قد تثبت عليه، وبدأ تنفيذ العقاب.\rإن ما يبقى من معنى تستثبت ها هنا هو التأكد من عدم وجود","footnotes":"١ المحلى لابن حزم ج٩ ص١٢٦ \"ط مكتبة الجمهورية العربية\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233994,"book_id":3632,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":270,"body":"ما يدرء الحد عن ماعز كرجوعه عن إقراره مثلًا، أو غير ذلك من الشبهات الدارئة: التي قد يثيرها ماعز.\rالثانية: عند قول ماعز: إن قومي قتلوني وغرروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي.\rهذا القول يدل صراحة على أن ماعزا قد توهم أن الرسول ﷺ، سيعفو عنه كما أخبره قومه، وهذا ما دفع ماعزا إلى الإصرار على إقراره بالرغم من مراجعة الرسول ﷺ له.\rوالنتيجة أن ماعزا لو لم يكن متوهمًا ذلك لما استمر في إقراره، ولرجع عنه قبل أن يصل به إقراره إلى حالته التي كان فيها، ويتبين من ذلك في وضوح أن رجوع ماعز عن إقراره كان كافيًا لدفع العقاب عنه، وإسقاط ما لزمه من حد نتيجة إقراره.\rأما الظن الثاني الذي قدمه ابن حزم، وهو أنه لم يصح عنده ما ورد عن: \"ادرءوا الحدود ما استطعتم\"، وما في معناه، نظرًا؛ لأن أعمال ذلك يؤدي في رأيه إلى إبطال الحدود، إذ أن في استطاعة كل فرد أن يدرأ كل حد يأتيه، فلا يقيمه.\rفهذا التعليل الذي ذكره ابن حزم، وبنى عليه رده لقاعدة درء الحدود بالشبهات، تعليل مردود ودليل ذلك ما يأتي:\r١ يناقض ما ذهب إليه ابن حزم من الحرص على الإبقاء على الإدانة بالحد، وعدم نفيها أو إسقاطها، ما ورد عن النبي ﷺ من نصوص تأمر المسلم أن يحاول ستر نفسه بستر الله ﷾، بقدر ما يستطيع، يقول الصادق المصدوق ﷺ: \"أيها الناس: قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233995,"book_id":3632,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":271,"body":"القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله\" ١.\rفهذا الحديث الشريف قد حض المسلمين على التستر على أنفسهم بصورة، جعلت المستر على النفس من بين الواجبات على كل المسلمين.\rكما أن الرسول ﷺ، قد قال لمن جاء يشهد على آخر: \"لو سترته بردائك كان خيرًا لك\" ٢.\rوقال ﷺ: \"من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة\" ٣.\rوقال ﷺ: \"لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة\" ٤.\rفإذا كان جزاء الستر على الآخرين بهذه الصورة المبينة في الحديث الشريف، والتي تصل بالمسلم إلى منزلة استحقاق ستر الله له في الآخرة، وتصور الأحاديث لزوم الستر على المسلم بصورة تقارب الواجب الذي إذا خولف أثم من خاله، مما لا شك فيه أن ستر الإنسان على نفسه","footnotes":"١ رواه الإمام مالك في الموطأ قال: أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن سلم إلخ الموطأ ص٢٤٤ \"ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سنة ١٣٨٧هـ\".\r٢ رواه الإمام مالك عن مالك عن يحيى بن سعيد، كما أخرجه النسائي بسنده إلى الليث عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن المتكدر عن ابن هزال، عن أبيه يرفعه إلى النبي ﷺ الموطأ ص٢٤٥.\r٣ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٧ ص٢١ ط المصرية.\r٤ المرجع السابق ج١٦ ص١٤٣ ط القاهرة عام ١٣٤٩هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233996,"book_id":3632,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":272,"body":"ومحاولته دفع الحد عنها أمر حث عليه الأحاديث الشريفة، فماذ يغضب ابن حزم إذا من محاولة المسلم أن ينفي الحد عن نفسه، أو أن يدرء كل حد يأتيه، فلا يقام الحد عليه، كما أن درء الحدود بالشبهات لا يقصد به إبطال الحدود، وإلغاؤها وإضاعة حقوق الناس، وإشاعة الفوضى.\rوإنما المراد به التثبت من وجوب الحدود، وإكمال مقتضاها بصورة تصل إلى اليقين، فإذا لم يكتمل ما يوجب الحد، اكتمال يصل حد اليقين، فكيف يمكن إقامة هذا الحد الذي أحاطت به الشبهات، وخالطه الشك.\rإن عدم إقامة الحد لا يجوز أن يوصف بأنه تضييع للحدود أو تعطيل لها، وإنما هو التثبت من وجوبها بالصورة التي حددها الإسلام، وعرفها عنه أتباعه ومن يطبقون أحكامه، والتزم بها كل من يشهد على جناية من الجنايات إذ لا بد أن يكون الأمر الذي يشهد بها واضحًا له وضوح الشمس، وإلا فليدع الشهادة به، وليس عليه من إثم، بهذا يحتقق العدل ولا تضيع حدود الله، على أن الشبهة الدارئة للحد لم يقل أحد أنها دائمًا تسقط العقوبة كلية، فإن كثيرًا ما ينقل العقاب من الحد إلى التعزير، أما الطعن الثالث الذي يقول فيها ابن حزم: إن لفظ الشبهات الذي جاء في: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\"، لا سبيل إلى استعماله؛ لأنه ليس فيه بيان لتلك الشبهات.\rفما ذلك القول من ابن حزم إصرارا منه، وتأكيدًا لتمسكه بظاهر النصوص، كما هو مبدأ الظاهرية جميعهم.\rأما محاولة تفسير المسائل، وشرح المبهم وبيانه بما يتفق، ويتحقق غرض الشريعة. فذلك أمر يبتعدون عنه في ظاهر مذهبهم، وإن كانوا قد استخدموه، وعملوا به كما هو واضح مما جاء في كتبهم، وعلى الأخص كتاب المحلى لابن حزم نفسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233997,"book_id":3632,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":273,"body":"كما أن السابقين قد يبنوا المراد بالشبهات، وإن كان قد جاء اختلاف في تفسيراتهم للشبهات، فليس ذلك عيبًا يسقط الأخذ بها، أو ينفي أعمالها، وإنما هو رحمة من الله ﷾، وإقرار لمبدأ الاجتهاد، وإعمال له.\rويكفي في الرد على ابن حزم في كل ما أثاره من طعون ما ذكره هو نفسه، فيما رواه عن أبي موسى الأشعري١ -رضي الله تعالى عنه- من أنه قال: \"أتيت وأنا باليمن بامرأة فسألتها؟ فقالت: ما تسأل عن امرأة حبلى، ثيب من غير بعل، أما والله ما خاللت خليلًا، ولا خادنت خدنا، منذ أسلمت، ولكني بينما أنا نائمة بفناء بيتي، فوالله ما أيقظني إلا الرجل حين ركبني، وألقى في بطني مثل الشبهات، فقال: فكتبت فيها إلى إلى عمر بن الخطاب، فكتب إلي: أن وافني بها وبناس من قومها، فوافيته بها في الموسم، فسأل عنها قومها؟ قالوا: خيرًا، وسألها، فأخبرته كما أخبرتني، فقال عمر: شابة تهامية تنومت قد كان ذلك يفعل، فمارها عمر وكساها، وأوصى بها قومها خيرًا\".\rثم يقول ابن حزم معقبًا على هذا كله: \"هذا خبر في غاية الصحة\"٢، وهنا سؤال يوجه إلى ابن حزم فيما رواه بصحته، لماذا لم يقم أبو موسى الأشعري الحد على هذه المرأة؟.\rوما الذي حدا به لسؤال عمر في أمرها؟.","footnotes":"١ أبو موسى الأشعري، اسمه عبد الله بن قيس بن سليم، ينتهي بسبه إلى الأشعر أسلم، وهاجر إلى الحبشة استعماله النبي على اليمن، واستعمله عمر على البصرة، ففتح بلاد الأهواز وأصبهان ت سنة ٤٢هـ.\r٢ المحلى لابن حزم ج٩ ص١٢٣-١٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233998,"book_id":3632,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":274,"body":"إن الإجابة واضحة، فأبو موسى لم يكن يسأل عمر في كل ما يعرض عليه من قضايا، وإنما؛ لأن الأمر اشتبه عليه، وحفت قضية هذه المرأة بالشبهات التي حالت بين أبي موسى، وبين إقامة الحد على هذه المرأة، ولم يجد إلا سؤال عمر ﵄، وتجيء المرأة وثمرة جريمتها واضحة لا لبس فيها ولا خفاء. فهل حدها عمر، وترك مقالتها؟ ولم يلتفت إلى ما أثارته من شبهة؟ لقد دفع عمر الحد عنها؛ لأن مقالتها أورثت شبهة في حقها، فليس أمام عمر إلا أن يدرء عنها الحد أعمالًا للشبهة واعتدادًا بها، وليس ذلك فقط بل أطعمها وكساها، وأوصى بها خيرًا.\rمن هذا يتبين أن ابن حزم قد صحح خبرًا ورد عن الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁، أعمل فيه الشبهة، ودرء بها الحد.\rكما أن الخبر تضمن أيضًا توقف الصحابي الجليل، أبي موسى الأشعري، عن القضاء، فيما تلزم به هذه المرأة، لما اشتبه عليه أمرها.\rونهضت في حقها شبهة جهلها الحكم، نظرًا؛ لأنها لم تعلم، أو؛ لأنها أكرهت على الفعل أو أتاها وهي نائمة، آلى غير ذلك مما عده الفقهاء شبهة تدرء الحد.\rوقد أوضح ابن الخطاب حالتها بأنها \"تنومت وقت أن كان ذلك يفعل\".\rومما لا شك فيه أن ذلك يحتمل أنها لم تكن نائمة، وإنما تنومت، ومع ذلك درء عمر عنها الحد.\rفإذا انضم هذا إلى ما روي عن الرسول ﷺ، وعده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3233999,"book_id":3632,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":275,"body":"ابن حزم مرسلًا، تقوي به ما روي مرسلًا١ خصوصًا، وأن ابن حزم قد صححه.\rكما أن ورود ذلك عن صحابي جليل، وقد حكم أمام صحابة أجلاء يفصل في القضية، ويصحح ما حاول ابن حزم التشكيك فيه توطئه لعدم الأخذ به، وطريقًا لرده، وعدم إعماله.\rكما يبين مما سبق أن ابن حزم، وإن كان قد أنكر قاعدة درء الحدود بالشبهات، إلا أنه لا يخالف الفقهاء القائلين بها، فيما تؤدي إليه من أنه لا يجوز أن يقام حد بشبهة، بل هو قد صرح بذلك حين بين أن الحدود لا يجوز أن يقام حد بشبهة، بل هو قد صرح بذلك حين بين أن الحدود لا يجوز أن تقام بشبهة، ولا أن تدرء بشبهة، فمتى لم يتم إثبات الجريمة على الجاني بصورة يقينية، فإنه لا يجوز إقامة الحد عليه.","footnotes":"١ يقول ابن القيم: إن الصحابي إذا قال قولًا أو حكم بحكم أو أفتى بفتيا، فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك تشابهة فيها، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شفاها، أو من صحابي آخر عن رسول الله ﷺ، وأن ما انفرد به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به لم يركل منهم ما سمع، وأين ما سمعه الصديق ﵁، والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إلى ما رووه: فلم يرو عن صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين البعث، بل قبل البعث إلى أن توفي وكان أعلم الأمة به ﷺ، وبقوله وفعله وهديه، وكذلك جلة الصحابة روايتهم قليلة جدًا بالنسبة إلى ما سمعهو من نبيهم، وشاهدوه: أعلام الموقعين ج٤ ص١٤٧-١٤٨. ويقول الشيخ أبو زهرة: إن آراء الصحابة لا يمكن أن نعتبرها آراء عقلية خالصة.،إنما اجتهادهم أقرب إلى التلقي منه إلى الاستنباط العقلي المجرد، تاريخ المذاهب الفقهية ص٢١ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234000,"book_id":3632,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":276,"body":"ومتى تم ذلك وجب إنفاذ الحد على الجاني، ولم يخالف أحد من الفقهاء في ذلك.\rوعليه فإن الفريق بين ابن حزم، وجمهور الفقهاء فيما قال به كل منهم، وإن بدا بعيدًا من الناحية النظرية، إلا أنه يكاد يتطابق من الناحية الجوهرية.\rلأن ما يسقطه جمهور الفقهاء من الحدود لقيام الشبهة، يعتبره ابن حزم لم يجب أصلًا؛ لأن شروطه لم تكتمل في رأيه بمقاييسه، فما يسقطه جمهور الفقهاء من الحدود لوجود شبهة في الفاعل، كأن كان جاهلًا الحكم جهلًا يعتد به، لا يوجبه ابن حزم أصلًا حتى يمكن أن يسقطه، ومثل هذا كثير.\rويبقى بعد ذلك مسائل قليلة هي التي يتحقق فيها اختلاف وجهتي النظر، وذلك مثل ما اكتملت فيه شروط الحد مع وقائع، وتم إثباتها وألزم الجاني فيها بعقوبة السرقة الحدية، ثم تملك السارق الشيء المسروق قبل إقامة الحد لسبب أو لآخر.\rأو غاب أحد الشهود قبل تنفيذ الحكم سواء أكان غيابًا حقيقيًا، أم كان اعتباريًا كأن يفقد أهليته عند من يشترط بقاء الشهود على حالتهم التي أدوا الشهادة بها حتى ينفذ الحكم، وهذه وما ماثلها من المسائل هي التي ينحصر الخلاف فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234001,"book_id":3632,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":277,"body":"الفصل الثاني: الشبهات التي تعتري أركان الجريمة\rمدخل\r...\rالفصل الثاني: الشبهات التي تعتري أركان الجريمة\rتقديم:\rاهتم الفقهاء القدامى بالحديث عن الشبهات المسقطة للحدود، وبيان أنواعها واختلافها بحسب ما تتعلق به، وذكروا أن منها ما يتعلق بالفاعل، ومنها ما يتعلق بالفعل أو بالمحل، ومنها ما يتعلق بالإثبات إلى غير ذلك مما ذكروه عنها، مع تفاوت بيان ذلك من مذهب إلى آخر، كل حسب عنايته واهتمامه، ولكنهم مع هذا الجهد المشكور لم يعنوا بتصنيف ما ذكروه من الشبهات، بالقدر الذي عنوا به ببيان أفراد هذه الشبهات، وإن كان فقهاء الأحناف قد اهتموا بتصنيف الشبهات تصنيفًا محددًا، وتبعهم في ذلك أيضًا فقهاء الشافعية، أما فقهاء المالكية، والحنابلة، فقد اكتفوا ببيان أنواع الشبهات في مواضع متفرقة عند حديثهم عن الحدود تارة، وعند بيان كل جناية من الجنايات الحدية تارة أخرى، وثالثة عند بيانهم طرق الإثبات.\rالأمر الذي ترتب عليه محاولة جمع ما كتبوه في هذه المواضع المتناثرة، وتصنيفه وعرضه، والتأليف بينه بقدر المستطاع، واستخلاص تصورهم للشبهات بصفة عامة.\rوعلى أيه حال، فهذا هو المنهج الغالب على ما كتبه الفقهاء جميعًا في بداية نشأة المذاهب، وقيام المدراس الفقهية.\rإذ أنهم قد أولوا اهتمامهم كله ببيان الأحكام الشرعية لما عرض من مسائل فقهية، تتطلب بيان رأي المشرع فيها، وتحديد أحكامها.\rالأمر الذي شغل به الأقدمون أكثر من اشتغالهم بتأصيل المسائل، والتأليف بين المتناظر منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234002,"book_id":3632,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":278,"body":"وقد ذكر البعض أن ذلك يرجع إلى أن فكرة الشبهة فكرة نسبية، وأن المرجع فيها في أغلب الأحيان إلى اجتهاد الحاكم، فهي تختلف باختلاف الحدود والزمان والأحوال، وبذلك انصرف الفقهاء عن تقسيمها، وبيان أنواعها واكتفوا بالتصدي لها واحدة بعد الأخرى، كلما اقتضى الأمر١.\rوقد رد على هذا العليل، بأن المتأمل في الشبهات التي عددها الفقهاء، لا يتردد في رفض دعوى نسبيتها، فهي ليست أمور قلقة متغيرة، ولا هي أحاد شاردة تفتقر إلى ما يربط بينها، بل إنها -أيا ما كان الرأي في بعضها قابلة للتصنيف والتقسيم٢، كما أنه قد خفي على من ادعى نسبية الشبهات، أن أحكام الشريعة في مسائل الحدود أحكام ثابتة لا تقبل هذه الدعوى بالنسبية، ومثلها في ثباتها هذا كل ما اتصل بها، وإذا كان المدعي للنسبية بنى دعواه هذه في إرجاعه والشبهة إلى اجتهاد الحاكم، على ما وقع من مسائل، وقضايا في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كما حدث في عام المجاعة، وما ماثل ذلك.\rفإن الفرق واضح بين كل ما كان من عمر ﵁، وبين ما تحتمله هذه النسبية التي يتحدث عنها، وما قد تنطوي عليه، فعمر -رضي الله تعالى عنه، وضع مبدأ وطبقه على الجميع، وتوخى فيه إرضاء الله، والعمل بروح الشريعة، ولم تستهدف من ذلك إرضاء أحد، أو مجاملة فرد، أو إسقاط الحد عن قريب، أو شريف أو صاحب جاه، أو سلطان","footnotes":"١ السرقة في الشريعة الإسلامية والقانون للدكتور أحمد الكبيس ص٣١٢.\r٢ نظرية الشبهة في الفقه الشرعي للأستاذ الدكتور عوض محمد عوض بحث منشور بالمجلة للدفاع الاجتماعي. ص٢٧ العدد التاسع مارس سنة ١٩٧٩م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234003,"book_id":3632,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":279,"body":"تمسكا بما أرساه الرسول ﷺ في قضايا الحدود وعموميتها، ورفض النسبية فيها، ورده للشفاعة فيما حكم فيه، كما أن الفقهاء القدامى قد ضبطوا ما تحدثوا عنه من أنواع الشبهات بضوابط ثابتة، بما ذكروه من أمثلة لها بصفة عامة عند جميع الفقهاء، وبما حاول بعضهم تصنيفه، وجمع مسائله تحت مسميات محدودة.\rوقد قسم فقهاسء الأحناف الشبهة، وتبعهم في ذلك فقهاء الشافعية مع اختلاف في التسمية والتبويب، وسيتضح ذلك من خلال ما سأبينه في المبحثين الآتيين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234004,"book_id":3632,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":280,"body":"المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\rمدخل\r...\rالمبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\rويشتمل على المطالب الآتية:\rالمطلب الأول: شبهة الدليل.\rالمطلب الثاني: شبهة الحق.\rالمطلب الثالث: شبة الملك.\rتقديم:\rبينت الشريعة الإسلامية للإنسان الحلال والحرام، فهي قد نصت على ما يجب على الإنسان أن يتجنبه، وبينت مراتب النهي، ودرجات الحظر، ووضحت عقوبة مخالفة أوامرها ونواهيها.\rوهذا ما يسمى بالركن الشرعي، وهو يعني ورود نص يحرم فعلًا ما من الأفعال، ويعاقب على اتيانه.\rواختصت أفعالًا معينة في النظام العقابي الإسلامي -بعقوبات محددة، ما لم يكن هناك سب من الأسباب التي تقتضي إباحة فعل ما من هذه الأفعال المحددة العقوبة، فإذا أوجد سبب من هذه الأسباب، فقد يترتب عليه انتفاء العقوبة كلية، وقد يترتب عليه تغير العقوبة، واختلاف درجاتها.\rوتندرئ العقوبة الحدية أيضًا عمن وقع منه الفعل، إذا كان تحريم هذا الفعل، وإلزام عقوبة حدية عليه موضع شك أو شبهة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234005,"book_id":3632,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":281,"body":"سواء أنتج وجود ذلك الشك، أو الشبهة إسقاط جنس العقوبة كلية، أو إسقاط نوع العقوبة الحدية، وإلزام من وقع منه هذا الفعل عقوبة تعزيرية مناسبة.\rويتضح ذلك فيما يأتي:\rأولًا: وجود سبب من أسباب الإباحة، وذلك في حالة إذا سرق والد من مال ولده، فإنه بالرغم من وجود نص يخرجد السرقة بصفة عامة، إلا أن وجود صفة الأبوة في السارق هنا يعد سببًا من أسباب الإباحة، وذلك نظرًا لما جاء من قول الرسول ﷺ: \"أنت ومالك لأبيك\"، وسيأتي الحديث عن ذلك بشيء من التفصيل.\rثانيًا: إذا وجد ما يجعل تحريم الفعل موضع شك أو شبهة، وذلك لمن يدخل بامرأة تزوجها بلا ولي، أو بلا شهود، فقد أسقط الإمام أبو حنيفة الحد في الأولى، وأسقط الإمام مالك الحد في الثانية.\rكما روي عن ابن عباس ﵄ إباحة نكاح المتعة١.\rففي هذه كله، وما أشبهه قد اعترى الركن الشرعي للجريمة ما أنتج درء حدها.\rوتنحصر الشبهات التي تعتري الركن الشرعي، فيما يأتي:\r١ شبهة الدليل.\r٢ شبهة الحق.\r٣ شبهة الملك.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٥٠، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥ حاشية الباجوري ج٢ ص١٣٠، أستاذي الدكتور سلام مدكور الإباحة عند الفقهاء والأصوليين ص٥٠-٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234006,"book_id":3632,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":282,"body":"المطلب الأول: شبهة الدليل\rوتنتج من وجود دليلين يقرر كل منهما حكما يغاير الحكم الذي يقرره الآخر، ويتنازعان محلا واحدًا.\rوالدليلان المتغايران اللذان تنتج عن وجودهما شبهة الدليل، قد يقومان لدى مجتهد واحد، ويثبتان عنده.\rوقد يثبت أحدهما عن مجتهد فيعمله، ويثبت الآخر عند مجتهد آخر، فيعمله.\rفشبهة الدليل إذا تقوم في موضعين:\rأ- الموضع الأول:\rإذا اجتمع لدى مجتهد واحد دليلان يتجاذبان حكم فعل واحد من الأفعال، وقد تفاوتا على الدرجة، بمعنى أن أحدهما راجح والآخر مرجوح، فإنه يترتب على وجود مثل هذين الدليلين أعمال المجتهد لهما -وهو ما يسميه الحنفية الشبهة الحكمية، ويرون أنها أحد قسمي شبهة المحل١.\rبمعنى أنه يعمل الدليل الراجح أولًا، فإذا كان أعمال هذا للدليل يترتب عليه تجريم الفعل، والعقاب عليه بالعقوبة الحدية، وجب إلزام مقترفة بالعقوبة المقررة.\rثم كان على المجتهد، أن يعمل الدليل المرجوح أيضًا بمعنى أنه إذا كان هذا الدليل المرجوح، يفيد حل الفعل، أو إباحته أعمله المجتهد على سبيل أنه ينتج شبهة في الدليل الراجح بالنسبة لهذه","footnotes":"١ لما كان متعلق الشبهة هنا هو الدليل آثرت تسميتها بشبهة الدليل؛ لأن الدليل مقدم في الوجود على الحكم، وما الحكم الانتاج الدليل، فتح القدير ج٥ ص٢٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234007,"book_id":3632,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":283,"body":"الواقعة، وعليه يترتب على وجود هذا الدليل المرجوح، درء العقوبة الحدية التي قرره الدليل الراجح على كل من ارتكب الفعل.\rوذكر فقهاء الأحناف مثالًا للمحل الذي اجتمع فيها الدليلان، فأنتجا شبهة الدليل، بالرجل الذي سرق من مال ابنه المقدار الذي تلزم به العقوبة الحدية للسارق لو كان المسروق لأجنبي، وقال فقهاء الأحناف: إن فعل هذا الأب الذي سرق من مال ابنه، قد اجتمع فيه دليلان متغايران يتجاذبان حكمه.\rأما الأول وهو الدليل الراجح، فإنه يفيد التحريم، ويلزم العقوبة الحدية، ويتمثل هذه الدليل فيما جاء من قول الله ﷾: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١.\rفهذا الدليل تنطوي تحته أفعال السارقين، ومنهم هذا الأب الذي سرق.\rأما الدليل الثاني، وهو الدليل المرجوح، فإنه يفيد إباحة فعل الأب، ولا يعاقب عليه، ويتمثل هذا الدليل المرجوح فيما روي عن قول الرسول ﷺ: \"أنت ومالك لأبيك \" ٢.\rوعليه فإن وجود هذا الدليل المرجوح يورث في انطباق دليل التحريم الراجح، على ما ورد في حقه دليل الإباحة المرجوح.","footnotes":"١ من الآية ٣٨ من سورة المائدة.\r٢ روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا، وإن والدي يحتاج مالي، قال: \"أنت ومالك لوالدك إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم\"، سنن أبي داود ج٢ ص٢٥٩ \"ط الحلبي\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234008,"book_id":3632,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":284,"body":"ويترتب على وجود هذه الشبهة درء العقوبة الحدية على الأب الذي سرق من مال ابنه.\rسواء أظن الأب الحل أو علم الحرمة؛ لأن ثبوت شبهة الدليل في حقه قائم سواء أعلمها، أو لم يعلمها١.\rب- الموضع الثاني:\rالذي تقوم فيه شبهة الدليل هو عند اجتماع دليلين متعارضين لدى مجتهدين مختلفين، وكان هذان الدليلان المتعارضان يتنازعان محلًا واحدًا.\rبمعنى أن الفعل يعد حلالًا على الحقيقة عند أحد المجتهدين بما ثبت عنده من دليل حل هذا الفعل.\rويعد نفس الفعل حراما على الحقيقة عند المجتهد الآخر بما ثبت عنده من دليل تحريم نفس الفعل.\rوعلى هذا فإن من ثبت عنده دليل حل الفعل، وإباحته لا يلزم من أتى هذا الفعل بعقوبة ما لكونه أتى فعلًا مباحًا، أما من ثبت عنده دليل تحريم هذا الفعل، فإنه يلزم من أتاه بالعقوبة المقررة له؛ لأنه أتى فعلًا محرمًا معاقبا عليه.\rوهذا النوع من شبهة الدليل هو ما أطلق عليه جمهور فقهاء الشافعية، والحنابلة شبهة الجهة أو الطريق.\rأما فقهاء الأحناف، فقد أوردوا هذه الشبهات تحت اسم شبهة العقد٢.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٥٠-٢٥٢، البدائع ج٧ ص٣٥-٣٦ \"ط أولى ص١٩١٠\" البحر الرائق لابن نجيم ج=٥ ص١٢-١٣.\r٢ ذكر فقهاء الأحناف، هذا تحت شبهة العقد، وجعلوا من شبهة =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234009,"book_id":3632,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":285,"body":"وقد ذكر جمهور فقهاء الشافعية أمثلة لما اختلف الفقهاء، في حكمه إذا أباحه بعض الفقهاء، ولم يبحه البعض الآخر، من ذلك ما يأتي:\rأ- الزواج الذي لم يحضره ولي، أو لم يحضر وقت عقده شهود، فقد أجاز الإمام أبو حنيفة الزواج الذي لم يحضر وقت إجراء عقده ولي، كما أجاز الإمام مالك الزواج الذي لم يحضر إجراء عقده شهود، وعلى هذا فقد ذهب جمهور فقهاء الشافعية، إلى القول بأنه ما دام أحد الفقهاء قد أجاز هذا الزواج، فإن إجازته له تنتج شبهة في حق من دخل بامرأة في ظل زواج مثل هذا.\rوعليه فلا يعد فعله جريمة من الجرائم المعاقب عليها، لقيام شبهة الدليل في حقه، وهي شبهة تدرء العقوبة الحدية.\rوقد أورد جمهور فقهاء الشافعية في معرض حديثهم عن شبهة الجهة حكم الوطء في ظل زواج المتعة١.","footnotes":"العقد أيضًا وطء الحرمة عليه، إذا كان ذلك الوطء في ظل عقد، وذكر الإمام أبو حنيفة تحت شبهة العقد أيضًا وطء المستأجرة للزنى، وأسقط الحد بسبب هذا العقد، وإلزمها التعزير، وخالف في ذلك الصاحبان والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد فتح القدير ج٥ ص٢٥٣-٢٦٢.\rأما فقهاء المالكية، فقد تحدثوا عن حكم ذلك كله، ولكن لم يذكروا تسمية لهذه الشبهات \"حاشية الدسوقي ج٤ ص٢١٤ وما بعدها الخرشي ج٨ ص٧٨ وما بعدها\".\rولقد أطلقت على هذه الشبهات شبهة الدليل؛ لأن الخلاف في ذلك مرجعه أن كل صاحب رأي استدل بدليل، ورجحه واعتمد عليه في ما ذهب إليه، لهذا أثرت تسميتها بشبهة الدليل.\r١ أورد أستاذي الدكتور سلام مدكور صورة نكاح المتعة، كما صورها الكاساني بقوله:\r\"أعطيتك كذا على أن أتمتع بك يومًا أو شهرًا أو سنة، وكذا منه أن يقول: رجل غريب عن البلاد لامرأة واطنة خالية من الأزواج، وعدتهم ومن الموانع الشرعية: أتمتع بك منذا إقامتي في البلدة نظير أن أعطيك كذا، فتقول: قبلت\"، وهذا عقد باطل باتفاق فقهاء المسلمين عدا الشيعة الإمامية -وإن حضره شهود، ولا يترتب عليه أي حكم من أحكام الزواج.\rالوجيز لأحكام الأسرة ص٤١، \"نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء ص٢٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234010,"book_id":3632,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":286,"body":"فذكروا في أحد أقوالهم: أن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهم قال بإباحته، وعليه لا حد بالوطء فيه، وإن اعتقد الواطئ تحريمه: لوجود شبهة الخلاف.\rأما القول الثاني: فإنه يجب الحد بالوطء في ظل نكاح المتعة؛ لأنه قد ثبت نسخه وقد رجع عنه ابن عباس.\rوفي قول ثالث: يجب الحد على معتقد التحريم دون غيره١.","footnotes":"١ يقول الشربيني الخطيب: \"واحترز على شبهة الطريق التي تضمنها قوله: \"وكذا كل جهة أباحها\"، أي قال بالوطء بها عالم كنكاح بلا شهود فقط، كما قال به مالك، أو بلا ولي فقط كما قال به أبو حنيفة.\rأو بولي وشهود، ولكنه مؤقت وهو نكاح المتعة كما قال به ابن عباس -رضي الله تعالى عنهم- لأحد بالوطء فيه \"على الصحيح\"، وإن اعتقد تحريمه لشبهة الخلاف، وقيل: يجب على معتقد التحريم دون غيره، وقيل: يجب على معتقد الاباحة أيضًا، كما يحد الحنفي على شرب النبيذ، وفي قول يجب في نكاح المتعة؛ لأنه ثبت نسخه وابن عباس رجع عنه كما رواه البيهقي \"مغني المحتاج ج١ ص١٤٥، حاشية الباجوري ج٢ ص٢٣٠، ويقول ابن قدامة: ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار والتحليل، والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة ونكاح المجوسية، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، المغني ج٨ ص١٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234011,"book_id":3632,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":287,"body":"وجمهور فقهاء الشافعية، وإن قالوا بشبهة الجهة هذه، فإنهم لم يتركوا باباها مفتوحًا ليدخل فيه كل خلاف بين الفقهاء، وإنما قصروا ذلك على وقائع محدده، هي التي قالوا بانضوائها تحت ما وضعوه من ضابط للقول بهذه الشبهة.\rمن هذه الوقائع النكاح بلا ولي، أو بلا شهود ومثلهما نكاح المتعة، ثم ذكروا وقائع أخرى اختلف فيها فقهاء، لكنهم لم يروا اختلاف الفقهاء فيها اختلافًا منتجا لشبهة الجة، أو الطريق؛ لأنهم يرون أن الضابط في الشبهة قوة المدرك، لا عين الخلاف، كما ذكرها الشيخان.\rفلو وطئ أمة غيره بإذنه حد على المذهب عند جمهور الشافعية، وإن حكي عن عطاء حل ذلك، وهو ما ذهب إليه الشيعة الجعفرية.\rكما أن فقهاء الشيعة يشترطون في محل الخلاف المذكور أن لا يقارنه حكم، فإن قارنه حكم بأن حكم شافعي يبطلانه حد قطعًا، أو حنفي أو مالكي بصحته لم يحد قطعًا؛ لأن حكم القاضي يمنع النزاع، ويرفع الخلاف، وعلى هذا فإن جمهور فقهاء الشافعية لم يقل بشبهة الجهة بصفة عامة، وإنما وضع لها من الضوابط ما يخصصها، ويحدد مرادهم بها، وقد وضح الشربيني الخطيب ذلك بقوله:\rوقد مر أن شرط الشبهة أن تكون قوية المدرك مسقطة للحد ليخرج أيضًا شبهة من استؤجرت للزنا، فلذلك قال: ويحد في وطء مستأجر للزنا بها لانتفاء الملك والعقد، وعقد الإجارة باطل، ولا يورث شبهة، مؤثرة كما لو اشترى خمرًا فشربها، وهذا ما ذهب إليه المالكية والحنابلة أيضًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234012,"book_id":3632,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":288,"body":"وعن أبي حنيفة أنه لا حد؛ لأن الإجارة شبهة، وعورض بأنها لو كانت شبهة لثبت النسب، ولا يثبت اتفاقًا.\rفإن قيل: لم لم يراع خلافه هنا كما مر في نكاح بلا ولي؟ أجيب بضعف مدركه هنا.\rويحد أيضًا في وطء مبيحة فرجها للوطء؛ لأن البضع لا يباح بالإباحة، وتحد هي أيضًا في المسألتين، وفي وطء محرم بنسب أو رضاع، أو مصاهرة وأن كان تزوجها؛ لأنه وطء صادف محلًا ليس فيه شبهة، وإن كان أبو حنيفة قد قال لا حد عليه؛ لأن صورة العقد شبهة١.\rمن هذا يبين تأكيد جمهور فقهاء الشافعية، والحنابلة على أن تكون الشبهة قوية المدرك حتى يمكن الاعتداد بها في إسقاط الحد، فإن تخلف هذا الشرط، فإنها تصبح شبهة ضعيفة لا يلتفت إليها، ولا يدرأ بها حد.\rوعلى هذا فإن شبهة الجهة، أو الطريق لا تقوم عندهم إلا إذا كان الخلاف في حل الفعل وتحريمه، بشرط أن يكون هذا الخلاف ناتجًا من اعتداد من يقول بالحل بدليله الذي ثبت عنده، واعتداد من يقول بالحرمة بدليله الذي ثبت عنده.\rوعلى هذا أيضًا لا يعد من شبهة الجهة، أو الطريق كل خلاف في أن هذه شبهة أم لا، ما دام الفقهاء قد اتفقوا على تحريم الفعل، ولم يوجد عند أحدهم دليل يقول بحله.","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥-١٤٦، فتح القدير ج٥ ص٥٥٠-٢٦٢ط الحلبي الخرشي ج٨ ص٧٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٤ المغني ج٨ ص٢١١، المختصر النافع ص٢١٠ الروضة البهية شرح اللمعغة الدمشقية ج٢ ص١١٣ نقلًا عن أستاذي الدكتور سلام مدكور نظرية الإباحة ص٢٢٢-٢٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234013,"book_id":3632,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":289,"body":"أي أن ما اختلف عليه جمهور الفقهاء -مع أبي حنيفة، فيما يرى الإمام أبو حنيفة أنه شبهة عقد، أو اشتباه ويرى جمهور الفقهاء أنه ليس بشبهة، لا يجوز الاعتداد به، ولا يترتب عليه إسقاط العقوبة الحدية، ما دام الجمهور يرون أن الفعل الذي وقع حرام عندهمن ويتمثل ذلك فيما قال به الإمام أبو حنيفة من شبهة العقد، أي عقد، حتى ولو كانت العقوبة عليه محرمة على من عقد عليها لنفسه حرمة ثابتة بإجماع الفقهاء، حتى ولو كان التحريم على التأبيد.\rوقد بقين الكساني بقوله: \"والأصل عند أبي حنيفة عليه الحرمة أن النكاح إذا وجد من أهله مضافًا إلى محل قابل لمقاصد النكاح بمنع وجود الحد، سواء أكان حلالًا أم حرمًا، وسواء أكان مختلفًا فيه أم مجمعًا عليه، وسواء أظن الحل فادعى الاشتباه أم علم الحرمة\"١.\rوعلى هذا فلو عقد رجل على من تحرم عليه من نسب، أو رضاع أو مصاهرة أو لأي سبب غير ذلك، ثم دخل بها، فإن عقده عليها يعد عند أبي حنيفة شبهة تسقط الحد، نظرًا؛ لأن هذا الرجل وهذه المرأة يشملها عموم النص الذي ورد بإباحة نكاح من تطيب من النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٢.\rويشملها أيضًا العموم الذي جاء في قول الله ﷾: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٤.","footnotes":"١ بدائع الصنائع ج٧ ص٣٦ ط الجمالية سنة ١٩١٠، فتح القدير ج٥ ص٢٥٩-٢٦٢ الحلبي.\r٢ من الآية ٣ من سورة النساء.\r٣ من الآية ٢١ من سورة الروم.\r٤ الآية ٤٥ من سورة النجم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234014,"book_id":3632,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":290,"body":"فالإمام أبو حنيفة، يرى أن الآيات قد جعلت الأنثى من بنات آدم ﵇ محلًا صالحًا لمقاصد النكاح من السكنى، والولد والتحصين وغيرها، فكانت محلًا لحكم النكاح؛ لأن حكم التصرف وسيلة إلى ما هو المقصود من التصرف، فلو لم يجعل محل المقصود محل الوسيلة، لم يثبت معنى التوسل، إلا أن الشرع أخرجها من أن تكون محلًا للنكاح شرعًا مع قيام الحلية حقيقة، فقيام صورة العقد والمحلية يورث شبهة إذ الشبهة اسم لما يشبه الثابت، وليس بثابت.\rكما أن الإمام أبا حنيفة يرى أن النكاح، والمحلية قد وجدا غير أن شرط الصحة قد فات، فكان نكاحًا فاسدًا، والوطء في النكاح الفاسد لا يكون زنا بالإجماع١.\rكما ذكر صاحب المبسوط أن الإمام أبا حنيفة لا يرى حدًا على من استأجر امرأ ة ليزني بها؛ لأن عقد الاستئجار مشروع لملك المنفعة، أو باعتبار ذلك ينتج شبهة تدرأ الحد.\rفقد جاء في المبسوط: رجل استأجر امرأة ليزني به، فزنى بها، فلا حد عليهما في قول أبي حنيفة ...\rواحتج ﵀ بحادثتين ذكرهما عن عمر -رضي الله تعالى عنه، إحدهما ما روي أن امرأة استسقت راعيًا، فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ عمر الحد عنها.\rوالثانية أن امرأة سألت رجلًا مالًا، فأبى أن يعطيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ الحد، وقال: هذا مهر، ولا يجوز أن يقال: إنما درأ الحد؛ لأنها كانت مضطرة تخاف الهلاك من العطش؛ لأن هذا المعنى لا يوجب سقوط الحد عنه، وهو غير موجود فيما إذا كانت سائلة مالا كما ذكرنا","footnotes":"١ بدائع الصنائع ج٧ ص٣٦ ط الجمالية سنة ١٩١٠م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234015,"book_id":3632,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":291,"body":"في الثانية أنه علل، فقال: هذا مهر ومعنى هذا أن المهر والأجر يتقاربان، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ١ سمى المهر أجرًا. ولو قال: أمهرتك كذا لأزني بك لم يجب الحد، وكذلك إذا قال: استأجرتك، توضيحية أن هذا الفعل ليس بزنا، وأهل اللغة لا يسمون الوطء الذي يترتب على العقد زنا، ولا يفصلون بين الزنا وغيره إلا بالعقد، فكذلك لا يفصلون بين الاستئجار والنكاح؛ لأن الفرق بينهما شرعي، وأهل اللغة لا يعرفون ذلك، فعرفنا أن هذا الفعل ليس بزنا لغة، وذلك شبهة في المنع من وجوب الحد حقًا لله تعالى، كما لا يجب الحث على المختلس؛ لأن فعله ليس بسرقة لغة، يوضحه أن المستوفي بالوطء، وإن كان في حكم العتق، فهو في الحقيقة منفعة، الاستئجار عقد مشروع لملك المنفعة، وباعتبار هذه الحقيقة يصير شبهة، بخلاف الاستئجار للطبخ والخبز؛ لأن العقد هناك غير مضاف إلى المستوى بالوطء، ولا إلى ما هو سبب له، فالعقد المضاف إلى محل يوجب الشبهة في ذلك المحل لا في محل آخر\"٢.\rوما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من إطلاق شبهة العقد قم يرضه جمهور الفقهاء، وقالوا بوجوب الحد على من عقد على امرأة مجمع على تحريمها عليه؛ لأنهم يرون أن صورة المبيح، إنما تكون شبهة إذا كانت صحيحة، والعقد في المسائل التي قال بها الإمام أبو حنيفة باطل محرم وفعله جناية تقتضي عقوبة تنضم إلى عقوبة الزنا، فلم تكن شبهة٣.","footnotes":"١ من الآية ٢٤ من سورة النساء.\r٢ المبسوط للسرخسي ج٩ ص٥٨-٥٩.\r٣ المغني ج٨ ص١٨٢ المهذب ج٢ ص٢٦٨، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٦ الشرح الكبير لابن قدامة ج١٠ ص١٨٨-١٨٩ كشاف القناع ص٩٨، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٤.\rالخرشي ج٨ ص٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234016,"book_id":3632,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":292,"body":"واستند نقد الفقهاء لأبي حنيفة، فيما ذكر من إسقاط الحد بالنسبة لمن استأجر امرأة فزنى بها.\rوقالوا: إن عقد الإجارة باطل ولا يورث شبهة، وقاسوا ذلك بحال من اشترى خمرًا فشربها، وأن عقد الإجارة لو كان يورث شبهة لثبت به النسب، والنسب لا يثبت في مثل ذلك اتفاقًا١.\rويزيد ابن القيم على ما سبق من قول الفقهاء منكرًا على أبي حنيفة قوله بشبهة عقد الاستئجار: كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنا والمبالغة في المنع منه، ثم يسقط الحد بالتحايل عليه بأن يستأجره لذلك، أو لغيره ثم يقضي غرضه منها؟\rوهل يعجز عن ذلك زان أبدًا؟!\rوهل يسقط الشارع الحكم الحد، عمن أراد أن ينكح أمه أو ابنته، أو أخته بأن يعقد عليها العقد، ثم يطأها بعد ذلك، وهي ما زادت صورة العقد المحرم، إلا فجوررا وإثماً، واستهزاء بدين الله وشرعه، ولعبًا بآياته؟\rفهل يليق به مع ذلك دفع هذه العقوبة عنه، وإسقاطها بالحيلة التي فعلها مضمومة إلى فعل الفاحشة بأمه وابنته٢، هذه مقالة أبي حنيفة، وبيان رأي الجمهور فيها.\rأما الصاحبان أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فإنهما لم يقولا بشبهة","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٧٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٢١٤.\rمغني المحتاج ج٤ ص١٤٦، المغني -٨ ص٢١١، فتح القدير ج٥ ص٢٦٢.\r٢ إعلام الموقعين لابن القيم ج٣ ص١٩٨-١٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234017,"book_id":3632,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":293,"body":"العقد على إطلاقه كما ذهب أبو حنيفة، وإنما عد العقد شبهة إذا كان النكاح محلًا للخلاف بين الفقهاء، أو كان التحريم مؤقتا فقط.\rإما إذا كانت المعقود عليها محرمة على من عقد عليها لنفسه تحريمًا تأبيديا بحيث لا يمكن أن تكون حلالًا له قط، كأمه أو أخته، أو ابنته مثلًا، أو كان النكاح مجمعًا على بطلانه، كما إذا عقد على امرأة في عصمة رجل آخر، فإن العقد في هاتين الحالتين لا يمكن أن ينتج علنه شبهة تدرأ الحد، ولذا أوجبوا الحد إذا حدث دخول في هاتين الحالتين، إلا إذا ادعى من دخل أنه ظن أن ذلك حلالًا، وأن الأمر اشتبه عليه، فهنا يدرأ الحد عنه١، والحد وإن سقط حينئذ فسقوطه بسبب قيام شبهة الجهل التي تنفي القصد الجنائي عند الفاعل، وليس لقيام شبهة العقد، وما ذهب إليه الجمهور، ووافقهم عليه الصاحبان هو ما أرى ترجيحه والعمل به، إذ أن الجاني بالدخول في ظل عقد على من حرمت عليه تحريمًا تأبيديا لا خلق له ولا دين، إذ كيف يقدم على الدخول بأمه، أو بأخته أو بابنته، ثم بعد ذلك يطمع في أن يسقط الحد عنه لتمسحه في عقد باطل؟.\rوكيف يتأتى لأحد أن يعقد هذا العقد، أو يشهد عليه؟\rمما لا شك فيه أن ذلك لا يتأتى إلا من فاجر فاسق يجب أن ينزل به من العقاب الموجع ما يزجره، ويردعه هو من تسول له نفسه الإقدام على شيء من ذلك، والاعتداء على حرمات الله اعتداء لا يقع إلا مع شاذ","footnotes":"١ بدائع الصنائع ج٧ ص٣٦، فتح القدير ج٥ ص٢٥٩-٢٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234018,"book_id":3632,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":294,"body":"موغل في الانحراف والغي، ومثل هذا قد يبين الرسول ﷺ عقابه في قوله: \"من وقع على ذات محرم فاقتلوه\" ١.","footnotes":"١ رواه ابن ماجه عن ابن عباس ﵃.\rالسنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٢٣٧ ط الهند سنة ١٣٥٤هـ.\rوقد ذكر ابن الهمام جابنًا مما ورد في ذلك، فقال: وفي مسألة المحارم رواية عن جابر -رضي الله تعالى عنه- أنه يضرب عنقه، ونقل عن أحمد وإسحاق، وأهل الظاهر، وقصر ابن حزم قتله على ما إذا كانت امرأة أبيه قصرًا للحديث الآتي على مورده، وفي رواية أخرى عن أحمد تضرب عنقه يؤخذ ماله لبيت المال. وذلك لحديث البراء قال: \"لقيت خالي ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه أن اضرب عنقه، وأخذ ماله. وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. وروى ابن ماجه عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من وقع على ذات محرم منه، فاقتلواه\"، وأجيب بأن معناه أنه عقد مستحلًا فارتد بذلك، وهذا؛ لأن الحد ليس ضرب العنق، وأخذ المال بل ذلك لازم للكفر، وفي بعض طرقه عن معاوية بن قرة عن أبيه \"أن النبي ﷺ بعث جده معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن يضرب عنقه، ويخمس ماله\"، وهذا يدل على أنه استحل ذلك فارتد به، ويدل على ذلك أنه ذكر في الحديث أنه عرس بها، وتعريسه بها لا يستلزم وطأه إياها، وغير الوطء لا يحد به فضلًا عن القتل، فحيث كان القتل كان للردة وهذا يخلو عن نظر، فإن الحكم لما كان عدم الحد، والقتل كان للردة وهذا يخول عن نظر، فإن الحكم لما كان عدم الحد والقتل بغير الوطء كان قتله جائزًا كونه لوطئه، وكونه لردته فلا يتعين كونه، للردة، ويجاب بأنه أيضًا لا يتعين كونه للوطء، فلا دليل فيه على أحدهما بعينه وذلك يكفينا، وقالوا: جاز فيه أحد الأمرين أنه للاستحلال، أو أمر بذلك سياسية وتعزيرًا. فتح القدير ج٥ ص٢٦٠-٢٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234019,"book_id":3632,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":295,"body":"والحديث الشريف عام، يشمل كل من يقع منه هذا الفعل المحرم سواء استحل ذلك، أم لم يستحل.\rوالإمام أبو حنيفة، وإن قال بدرء صورة العقد للعقوبة الحدية، على اعتبار أنه يرى أن مجرد صورة العقد شبهة، إلا أنه لم يقل بإسقاط العقوبة بكل أنواعها، وإنما الذي لا يوافق عليه فقط في مثل هذا هو العقوبة الحدية لما ذكره.\rأما إقامة العقوبة التعزيرية على من فعل ذلك، فهذا أمر لا محالة منه عنده بل وصل به إلى أنه واجب، فلا محالة من إلزام الفاعل هنا عقوبة تعزيرية موجعة ورادعة، فهو إذا لم يقل بحل الفعل؛ لأن الفرق كبير بين القول بدرء العقوبة الحدية، والقول بحل الفعل.\rوعلى هذا يمكن حصر الخلاف بين وجهتي نظر الجمهور، والإمام أبي حنيفة في أن الإمام يعتبر صور المبيح شبهة تدرء الحد، ولا تنفي جنس العقوبة.\rأما الجمهور، فإنه لا يعتر صورة المبيح شبهة ما دام المحل غير صالح لقيامها به نظرًا لما ورد من نهى عن ذلك من لدن الشارع الحكيم، غير أن ما ذكره الإمام أبو حنيفة ما هو إلا محاولة منه لتلمس الشبهة، محاولة وصلت حد الإسراف في تلمسها، والقول مما جعله يفتح باب شبهة العقد على مصراعيه، ويقول بها وجود صورة العقد، كما سبق بيانه.\rأما فقهاء المالكية، فإنهم وإن كانوا فيما ذكروه من شبهة عندهم شبهة العقد، إلا أنهم قصروها على ما ينتج من انعقاد ليس له صفة العقد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234020,"book_id":3632,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":296,"body":"الصحيح النافذ المترتبة عليه الآثار الشرعية، ومثلوا لها بأمثلة كثيرة منها ما يدخل ضمن مفهوم شبهة الجهة، أو الطريق وهي الشبعة الناتجة عن عقد يراه بعض الفقهاء صحيحًا، ويراه الآخرون غير ذلك، كالعقد بلا ولي، فإن الوطء فيه لا يسمى زنا شرعًا عندهم، للاختلاف المنتج شبهة تدرأ الحد١.\rومن الأمثلة التي ذكروها أيضًا، وقالوا بشبهة العقد فيها، ما إذا عقدت امرأة عقدها على مملوكها، ثم مكنته من الدخول بها في ظل هذا العقد، وإن كان غير صحيح، إلا أنه يورث شبهة تدرأ الحد عنها.\rيقول الخرشي: \"وكذا تجد المرأة إذا مكنت مملوكها من نفسها حتى وطئها من غير عقد، لا أن كان بعقد للشبهة، وإن كان غير صحيح\"٢.\rوكذا شبهة العقد الباطل، كمن يعقد لنفسه على معتدة غيره ثم يطؤها، وهو عالم بأنها معتدة غيره، فالعقد هنا وإن كان باطلًا غير أنه يورث شبهة عند فقهاء المالكية يترتب عليها درء الحد.\rيقول الخرشي: وإذا عقد على معتدة من غيره، ووطئها عالمًا، فإنه لا حد عليه هو المشهور، مع أن حد الزنا صادق عليه٣.\rومثل ذلك أيضًا من وطئ امرأة على عمتها، أو خالتها نسب أو رضاعة، فلا حد عليه إذا تم هذا الوطء في ظل عقد؛ لأن هذا العقد وإن كان باطلًا، إلا أنه يورث شبهة تدرأ العقوبة الحدية٤.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٧٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٠٣.\r٢ الخرشي ج٨ ص٧٧.\r٣ المرجع السابق ص٧٨ حاشية الدسوقي ج٤ ص ٣١٦.\r٤ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج٤ ص٣١٥-٣١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234021,"book_id":3632,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":297,"body":"هذه بعض أمثلة لما قال به فقهاء المالكية من شبهة العقد، وهم قد قصروها على ذلك، ولم يصلوا بها الحد الذي وصله الإمام أبو حنيفة كما تقدم.\rهذا هو الموضع الثاني الذي فيه شبهة الدليل.\rوقد ذكر بعض فقهاء المالكية نوعًا من الشبهة هي أقرب إلى شبهة الدليل، وذلك عند حديثهم عمن تزوج امرأة على أختها أي جمع بينهما، ودخل بهما فقال بعض المالكية بعدم وجوب الحد على من جمع بين الأختين من الرضاع ودخل بهما؛ لأن تحريم الجمع بينهما جاء من السنة، ولا حد على من تزوج امرأة على عمتها مثلًا، ودخل بهما؛ لأن التحريم أيضًا بالسنة لا بالكتاب١.\rوالفقهاء والذين قالوا بذلك من المالكية، وإن رأوا إسقاط العقوبة الحدية إلا أنهم يرون أن من فعل ذلك، وجمع بين المحرمات الذين وردا دليل تحريم الجمع بينهم من السنة، يجب إلزامه بعقوبة تعزيرية مناسبة تكفل الردع، والزجر له ولأمثاله، والإمام مفوض في اختيار نوع هذه العقوبة.\rوشبهة الدليل هذه التي قال بها بعض فقهاء المالكية، تغير شبهة الفعل التي أوردها فقهاء الأحناف، مغيرة كاملة؛ لأن شبهة الفعل تقوم في حق من اشتبه عليه حكم الفعل، أهو حلال أم حرام؟ وليس لديه دليل يفيد الحل صراحة، وإنما ظن غير الديل دليلًا.\rوذلك مثل من يطأ جارية زوجته ظانًا أنها تحل له، نظرًا؛ لأنه رأى أن وطأها نوع من استخدامها، واستخدامها له مباح٢.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٧٩.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٢٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234022,"book_id":3632,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":298,"body":"أما شبهة الدليل هذه عند من قال من فقهاء المالكية، فهي تقوم عندما يكون الدليل التحريم من السنة أي دليل تحريم الفعل، لا دليل إيجاب نوع الحد، بدلًا من نوع آخر، أو تقرير عقوبة من العقوبات وعدها عقوبة حدية.\rأي أن شبهة الدليل التي نحن بصددها لا تقوم عند الحديث عن عقوبة الرجم، أو إيجابها بدلًا من عقوبة الجلد، إذا كان من وجبت عليه عقوبة الزنا محصنًا.\rوإنما تقوم أساسًا في عد الفعل جريمة حدية، يلزم من قام بهذا الفعل بالعقوبة الحدية أم لا، نظرًا؛ لأن دليل التحريم من السنة، وما ذكره بعض فقهاء المالكية هنا أرى لا يعد شبهة يترتب عليها دراء حد من الحدود؛ لأن التحريم ما دام قد ثبت دليله، وصححه المحدثون والفقهاء، فليس هناك داع للقول بمثل هذا؛ لأن الدليل إما أن يكون مقبولًا معمولًا به، أو يكون مردودًا، ولا يجوز العمل به، فما دام قد عمل به جميع الفقهاء، وقالوا بتحريم الفعل على أساس ورود هذا الدليل، فلا طائل إذا من التفريق بين كون هذا الدليل من الكتاب، أم من السنة ولا داعي لمثل هذه المحاولة من التفريق، لما ينتج عنها من فتح باب لذوي الأهواء والرغبات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234023,"book_id":3632,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":299,"body":"المطلب الثاني: شبهة الحق\rويراد بشبهة الحق أن يكون للشخص الذي وقع منه الفعل نوع ما من الحق، الذي يعده جمهور الفقهاء شبهة يترتب عليها درء العقوبة الحدية.\rوقد عد فقهاء الأحناف هذه الشبهة، ضمن ما أطلقوا عليه شبهة المحل لأنها تشمل عندهم كلا من شبهة الدليل، وشبهة الملك، وشبهة الحق، طبقًا لما وضح من الأمثلة التي ذكروها١.\rغير أن شبهة الحق تغاير كلا من شبهة الدليل، وشبهة الملك، نظرًا؛ لأن ما وقع عليه الفعل هنا لا ملك للفاعل فيه، كما أنه ليس هناك دليلان عارض كل منهما الآخر في تقرير حكم هذا الفعل، وإنما كل ما هنالك أن لتفاعل نوعا من من الحق في المحل الذي نيط به الفعل، أنتج هذا النوع من الحق شبهة أعملها الجمهور، ورتبوا على وجودها درء العقوبة الحدية عن هذا الفاعل.\rوتتضح شبهة الحق بذكر ما يأتي من وقائع تقوم في كل منها هذه الشبهة، وتنهض دارئة للعقوبة الحدية عمن وقع منه ذلك.\r١ رجل دخل بمن طلقها طلاقًا بائنا على مال، وكان دخوله في زمن عدتها، فإن هذا الرجل تقوم في حقه شبهة الحق عند فقهاء الأحناف نظرًا؛ لأن فراش الزوجية يعتبر قائمًا طوال فترة العدة، وهذا وإن لم يفد الحلية، إلا أنه يورث شبهة يترتب عليها عندهم إسقاط الحد عنه.\rومثل هذا عند فقهاء الأحناف من دخل بالمرأة التي طلقها الطلقة","footnotes":"١ يقول ابن الهمام: والشبهة في المحل في ستة مواضع: جارية ابنه والمطلقة طلاقًا بائنًا بالكنايات، والجارية المبيعة إذا وطئها البائع قبل تسليمها إلى المشتري، والمجعولة مهرًا إذا وطئها الزوج قبل تسليمها إلى الزوجة؛ لأن الملك فيها لم يستقر للزوجة والمشتري، والمالك كان مسلطًا على وطئها بتلك اليد مع الملك، وملك اليد ثابت، والملك الزائل مزلزل والمشتركة بين الواطئي وغيره، والمرهونة إذا وطئها المرتهن في رواية كتاب الرهن، وعلمت أنها ليست بالمختارة، فتح القدير ج٥ ص٢٥٢ ط الحلبي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234024,"book_id":3632,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":300,"body":"المكملة لثلاث، ظانًّا أنها تحل له أو اشتبه عليه حلها له، وهي في عدتها منه.\rفإن هذا الرجل تنهض في حقه عند فقهاء الأحناف شبهة الحق؛ لأنه بنى ظنه على نوع دليل، وهو بقاء النكاح في حق الفراش، وحرمة الأزواج، فظن أنه بقى في حق الحل أيضًا، وهذا وإن لم يصلح دليلًا على الحقيقة يفيد حل الدخول، وإباحته إلا أنه يترتب عليه درء العقوبة الحدية عنه نظرًا لقيام شبهة الحق بالنسبة له١.\rهذ ما ذهب إليه فقهاء الأحناف، وإن كان مثل ذلك أليق بالذكر عند الحديث عن الشبهات التي يعتري القصد الجنائي؛ لأن قيام الشبهة في مثل هذا مرتبط باشتباه الأمر على الفاعل، وظنه الفعل الذي أقدم عليه، وإباحته بالنسبة له.\rالأمر الذي ينتج عنه انتفاء قصده الجنائي.\r٢ رجل عقد على أمة، ثم دخل بها مع أن عنده حرة، فإن العقد وإن كان فاسدًا إلا أنه أثبت لهذا الرجل نوعا من الحق ينتبج عه شبهة تدرأ الحد عنه. كما هو معمول به عند الإمام أبي حنيفة، ومثل ذلك أيضًا من يعقد على مرتدة ويدخل بها، فإن هذا العقد، وإن كان","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٥٢، كما جاء في البحر الرائق عند الحديث عن المطلقة ثلاثًا: \"أنه بقي فيها بعض الأحكام كالنفقة والسكن والمنع من الخروج، وثبوت النسب وحرمة أختها وأربع سواها، وعدم قبول شهادة كل منهما لصاحبه. فحصل الاشتباه لذلك، فأورث شبهة عند ظن الحل؛ لأنه في موضع الاشتباه. ج٥ ص١٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234025,"book_id":3632,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":301,"body":"عقد فاسدًا إلا أنه ينتج نوعًا من الحق تترتب عليه شبهة، وهذه الشبهة وإن لم تثبت حل الفعل، إلا أنها تنتج إسقاط الحدية١.\r٣ قامت البينة على رجل، وامرأة غريبين بأنهما وجدا، وهو يطأها فادعيا الزوجية، أو ادعى أحدهما الزوجية وأنكرها الآخر، وقد ذهب الفقهاء في إيجاب الحد عليهما، أو انتفائه إلى ما يأتي:\rأولًا: في حالة ادعائهما الزوجية\rأ- يرى الإمام مالك، وأصحابه مطالبتهما بالبينة على زواجهما، فإن أقاما بينة، فلا حد وإن لم يقيما بينة لزمهما الحد.\rوقد روي مثل هذا عن إبراهيم النخعي٢، إذ أنه يرى أنهما لو صدقا من غير أن يقيما بينة لما أقيم حد على فاجر؛ لأن ادعاء الزوجية أمر سهل إذا ما أحدق الخطر بالزانيين٣.\rب- ذهب الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد إلى أنه لا حد عليهما ما داما قد قالا بأنهما تزوجا سواء أكانا معروفين، أم غير معروفين.\rواستدلو لذلك بما روي من أن رجلًا، وامرأة رفعا إلى علي بن أبي طالب","footnotes":"١ البحر الرائق ج٣ ص١٨١، العقوبة، للشيخ أبي زهرة ص٢٢٥.\r٢ إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي من أكابر التابعين من أهل الكوفة، من أكابر حفاظ الحديث، مات متخفيًا من الحجاج سنة ٩٦هـ.\r٣ منح الجليل ج٧ ص٥٠١ الطبعة السابعة.\rالمحلى لابن حزم ج١٣ ص٢١٠ ط مكتبة الجمهورية العربية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234026,"book_id":3632,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":302,"body":"-رضي الله تعالى عنه- فسألهما، فقال الرجل: هي ابنة عمي تزوجتها، فقال لها علي: ما تقولين؟ فقال لها الناس: قولي: نعم، فقالت: نعم، فدرء عنها الحد.\rبل ذكر ابن نجيم أنه لو أقر أحد الزانيين، وأنكر الآخر، فإنه لا حد عليهما ما دام أن من أنكر قد قال بأنهما زوجان، وهذا ما ذهب إليه الشيخان، وإن كان الإمام أبو حنيفة يكتفي بمطلق الإنكار، ولم يقيده بالقول بالزوجية، وحاصل دليل أبي حنيفة أن الزنا فعل مشترك بينهما قائم بهما، فانتفاؤه عن أحدهما يورث شبهة في الآخر١.\rج- ذهب ابن حزم إلى أن من وجد مع امرأة يطؤها وقامت البينة بالوطء، فقال هو: إنها امرأته وصدقته هي في قوله فإنه ينظر: فإن كانا غريبين أو لا يعرفهما أحد، فلا شيء عليهما؛ لأن الناس كانوا يهاجرون إلى رسول الله ﷺ أفذاذا، ومجتمعين من كل بلاد العرب -بأهلهم ونسائهم وإمائهم وعبيدهم، فما حيل بين أحد وبين من زعم أنها امرأته أو أمته، ولا كلف أحد على ذلك بينة.\rومثل هذا أيضًا إذا كان أحدهما معروفًا والآخر غير معروف، وقالا بالزوجية وأمكن ما قالا به، فإنه لا شيء عليهما حينئذ؛ لأن الأصل عصمة دمائهما وأبشارهما، ولا يجوز إباحة ما حرم الله تعالى إلا بيقين لا شك فيه.\rأما لو تيقن كذبهما؛ لأنه لا دليل معهما وهما معروفان، ولا","footnotes":"١ البحر الرائق ج٥ ص٢٠، فتح القدير ج٥ ص٢٧٣، تحفة المحتاج ج٤ ص١٣٣.\rالمغني ج٨ ص١٩٦، المحلى ج١٣ ص٢١٠-٢١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234027,"book_id":3632,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":303,"body":"احتمال لقيام الزوجية بينهما، فالحد واجب عليهما، وهما إذا ممن ينطبق عليهما ما قيل من أنه فاجر أن يدعي الزوجية١.\rوهذ القسم الذي قال به ابن حزم تقسيم منطقي، يحفظ على المسلمين دماءهم، ويصون أعراضهم، ويحمي حدود الله ﷾ من عبث العابثين.\rثانيًا: إذا اعترف أحدهما بالزوجية، وأنكر الآخر\rأ- ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه لا يجب الحد بإقرار أحد الزانيين إذا أنكره الآخر؛ لأن دعوى النكاح تحتمل الصدق، وهو يقوم بالطرفين فأورث شبهة، وأطلق الإمام هذا فشمل ما إذا قال لم أطأ أصلًا، أو قل: \"تزوجت، وشمل ما إذا كان المنكر الرجل أو المرأة؛ لأن الزنا فعل مشترك، وانتفاؤه عن أحدهما يورث شبهة في الآخر، وقد وافق الصاحبان أبا حنيفة في حالة ما إذا قال المنكر: أنهما قد تزوجا.\rأما إذا قال المنكر: ما زنيت، ولم يدع ما يسقط الحد فلم يقل أنهما تزوجا، وجب على المقر الحد دون المنكر عند الصاحبين خلافًا لأبي حنيفة٢.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٢١٢-٢١٣.\r٢ البحر الرائق لابن نجيم ج٥ ص٢٠، فتح القدير ج٥ ص٢٧٣-٢٧٤.\rيقول ابن نجيم: لا يجب الحد بإقرار الزانيين إذا انكره الآخر؛ لأن دعوى النكاح تحتمل الصدق، وهو يقوم بالطرفين، فأورث شبهة إلى أن يقول: فشمل ما إذا قال: لم أطأ اصلًا أو قال: تزوجت وشمل ما إذا كان المنكر الرجل، أو المرأة، وهو قول الإمام، وقالا: إن أدعى المنكر منهما الشبهة بأن قال: تزوجته فهو كما قال، وإن أنكر بأن قال: ما زنيت ولم يدع ما يسقط الحد، وجب على المقر الحد دون المنكر، وحاصل دليل الإمام أن الزنا فعل مشترك بينهما قائم بهما، فانتفاؤه عن إحدهما يورث شبهة في الآخر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234028,"book_id":3632,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":304,"body":"وهذا ما ذهب إليه أهل المدينة١.\rب- وذهب ابن قدامة إلى أن من أقر بأنه وطئ امرأة، وادعى أنها امرأته، وأنكرت المرأة أن يكون زوجها نظر، فإن لم تقر بوطئه إياها فلا حد عليه؛ لأنه لم يقر بالزنا، وذكر أن الإمام أحمد ﵁ قد سئل عن رجل وطئ امرأة، وزعم أنها زوجته، وأنكرت هي أن يكون زوجها، وأقرت بالوطء قال: فهذا قد أقرت على نفسها بالزنا، ولكن يدرأ عنه الحد بقوله: إنها امرأته ولا مهر عليه، ويدرأ عنها الحد حتى تعترف مرارًا٢.\rوأرى أنه يطبق عليهما ما مضى من تفصيل من حيث كونهما معروفين، أم لا فإن كانا غير معروفين، فلا حد على من قال بالزوجية، أما إن كانا معروفين أو من ادعى الزوجية معروفًا، ولم يغب عن أهله وذويه وقتًا يمكن له أن يتزوج فيه، فإنه لا بد من إقامة بينة على ما يدعيه.\rفإن أقام البينة على زواجه فلا حد عليهما، وإلا الزاما بالحد حتى لا تضيع حدود الله بالدعاوى الباطلة.\r٤- من سرق من مال أبويه:\rذهب الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد إلى أن من سرق من مال أبويه، وإن علوا فإنه لا قطع عليه نظرًا؛ لأن النفقة تجب للابن في مال أبيه حفظًا للابن، فلا يجوز إذا اتلافه حفظا لمال والده","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٩٧.\r٢ المغني ج٨ ص١٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234029,"book_id":3632,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":305,"body":"كما أن للابن حق الأكل من مال والديه، ووجود هذا الحق للابن ينتج شبهة يترتب عليها درء الحد عنه أن سرقه١، وهذا هو مذهب فقهاء الشيعة٢.\rأما الإمام مالك، وأبو ثور من الشافعية وابن حزم، فإنهم يرون أن القطع واجب على الابن إذا سرق من مال والديه، لظاهر الكتاب؛ ولأنه يحد بالزنا بجاريته، ويقاد منه بقتله، فإنه يقطع بسرقة ماله","footnotes":"١ يقول ابن الهمام: ومن سرق من أبويه، وإن عليا أو ولده وإن سفل، أو ذي رحم محرم منه كالأخ والأخت والعم والخال، والعمة لا يقطع.\rفتح القدير ج٥ ص٣٨٠ طبعة الحلبي.\rكما يقول الشيرازي: من سرق من مال ولده أو ولد ولده، وإن سفل أو من أبيه أو من جده، وإن علا لم يقطع، وقال أبو ثور: يقطع لقوله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ولم يخص، وهذا خطأ لقوله ﵇: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\"، وللأب شبهة في مال الابن، وللابن شبهة في مال الأب؛ لأنه جعل ماله كما له في استحقاق النفقة. المهذب ج٢ ص٢٨١ ط الحلبي.\rكما يقول ابن قدامة: ولا يقطع الابن وإن سفل بسرقة مال والده، وإن علا ووجه ذلك أن بينهما قرابة تمنع قبول إحدهما لصاحبه، فلم يقطع بسرقة ماله كالأب؛ ولأن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفاظًا له، فلا يجوز إتلافه حفظًا للمال، المغني ج٨ ص٢٧٦ ط مكتبة الجمهورية العربية.\r٢ يقول أبو القاسم الموسوي عند حديثه عن السرقات التي لا يجب القطع بها: ومثل ذلك السرقة من منزل الأب، ومنزل الأخ والأخت، ونحو ذلك مما يجوز الدخول فيه، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٨٥ ط النجف الأشرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234030,"book_id":3632,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":306,"body":"كالأجنبي؛ ولأن الشبهة هنا التي تنتج من كون أن للابن حقًا في مال والديه شبهة ضعيفة لا تقوى على درء الحد عنه١.\rوما ذهب إليه الأئمة الثلاثة أصحاب الرأي القائل بعدم القطع، أولى نظرًا لما للابن من حق على والديه؛ ولأن والديه لا يرضيان أن تقطع يد ابنهما حتى وإن أخذ كل منهما، وهذا ما لا يختلف عليه والد بالنسبة لولده.\rأما قياس -الإمام مالك وابن المنذر، ومن ذهب مذهبهم وجوب القطع بسرقة مال أبويه على وجوب الحد على الابن إذا زنا بجارية أحد أبويه، فقياس مردود؛ لأن للابن شبهة في مال والديه، كما قال بذلك الإمام مالك، ومن ذهب مذهبه -ولكنه لا شبهة له في وطنه جارية أحد أبويه، وفرق بين الواقعتين.\r٥- سرقة باقي الأقارب بعضهم من بعض:\rذهب أبو حنيفة إلى أنه لا قطع في السرقة من ذي رحم محرم كالأخ والأخت والعم، والخال والعمة والخالة، نظرًا؛ لأن ما بينهما من قرابة تمنع النكاح، وتبيح النظر، وتوجب النفقة وعلى هذا، فإنها تشبه قرابة الولادة٢.\rووافق الإمام أبا حنيفة فقهاء الشيعة؛ لأنهم لا يرون القطع على من سرق من محل يجوز له الدخول فيه، ويباح له الأكل منه٣ أما","footnotes":"١ جاء في الخرشي ج٨ ص٩٦ ط بيروت: أما الابن إذا سرق من مال أبيه، أو من مال جده، فإنه يقطع لضعف الشبه، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج٤ ص٣٣٧ المحلى لابن حزم ج١٣ ص٣٨٥ ط مكتبة الجمهورية العربية. المهذب ج٢ ص٢٨١.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٣٨٠.\r٣ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٣٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234031,"book_id":3632,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":307,"body":"باقي الفقهاء، فإنهم يرون وجوب القطع على من سرق من ذي رحم محرم قدرًا يجب القطع به.\rلأنهم يرون أن قرابة ذي الرحم المحرم التي لا تمنع شهادة كل منهما لصاحبه لا تمنع وجوب القطع على أحدهما إذا سرق مال صاحبه١، وهذا ما أميل إليه؛ لأن إباحة الدخول توجب زيادة المحافظة على مال من أبيح له الدخول عليه. كما أنه فرق كبير بين قرابة الولادة، وقرابة ذي الرحم المحرم.\r٦- سرقة أحد الزوجين من مال الآخر:\rأ- يرى الإمام أبو حنيفة أنه إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر، فإنه لا يقطع بذلك، وكذا إذا سرق غلام أحدهما من مال الآخر.\rنظرًا لوجود الإذن في الدخول بالنسبة لكل منهما على صاحبه، والإذن بالدخول يترتب عليه الإخلال بالحرز.\rواستدل الإمام أبو حنيفة بما روي من أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال لمن جاءه قائلًا: إن غلامي مرآة امرأتي فرد عليه عمر بقوله: لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم.\rوعليه فإنه إذا لم يقطع غلام الزوج بسرقته امرأة سيده، فإن سيده أولى بعدم القطع.\rكما أن كلًا من الزوجين لا تقبل شهادة للآخر لاتصال المنافع، وعليه فإن كلًا منهما لا يقطع بسرقته مال الآخر.\rوقد وافق الإمام أبا حنيفة في ذلك بعض فقهاء الشيعة، وزاد","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٧٦، الخرشي ج٨ ص٩٦، المهذب ج٢ ص٢٨١، المحلي ج١٣ ص٣٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234032,"book_id":3632,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":308,"body":"الإمام أبو حنيفة على ذلك، وتوسع في مفهوم الزوجية، وجعله يشمل من سرق مال امرأة، ثم تزوجها سواء تزوجها بعد أن قضى بالقطع، أو قبله.\rوخالفه أبو يوسف في ذلك، وقال: إذا كان قد قضى بالقطع قبل زواجه منها قطع، أما لو تزوجها قبل أن يقضى عليه بالقطع سقط القطع عنه.\rوقال الإمام أبو حنيفة بإسقاط القطع عن كل منهما إذا سرق أحدهما من مال الآخر في زمن عدة كل منهما من صاحبه، نظرًا؛ لأن وجود نوع من الخلطة بينهما في زمن العدة يورث شبهة حق لكل منهما في مال الآخر يترتب عليها إسقاط العقوبة الحدية١.\rب- يرى الإمام مالك، والإمام أحمد، وفي رأي للإمام الشافعي، وبعض فقهاء الشيعة تقسيم مال كل من الزوجين إلى قسمين:\rالقسم الأول:\rما ليس بمحرز عن أحدهما سواء أكان مال الزوج، أو مال الزوجة، وهذا المال لو سرقه أحدهما من صاحبه، فلا قطع عليه نظرًا","footnotes":"١ يقول ابن نجيم: أطلق في الزوجية فشمل الزوجية وقت السرقة فقط بأن سرق منها، ثم أبانها وانقضت عدتها ثم ترافعا فلا قطع، والزوجية بعدها كما إذا سرق من أجنبية ثم تزوجها، ثم ترافعا فلا قطع ولو بعد القضاء، وكذا عكسه لوجود الشبهة قبل الإمضاء، وشمل الزوجية من وجهه، كما إذا سرق من مبتوتة في العدة، أو سرقت هي منه لوجود الخلطة، بخلاف ما إذا سرق منها بعد الانقضاء، فإنه يقطع.\rوالحاصل أن في باب السرقة يكتفى بوجود الزوجية في حالة من الأحوال قبل القطع لسقوطه، البحر الرائق ج٥ ص٦٣ ط بيروت، فتح القدير ج٥ ص٣٨٢ شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٦ ط الحلبي سنة ١٩٤٧م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234033,"book_id":3632,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":309,"body":"لقيام شبهة الحق لكل منهما في هذا المال، وحتى لو كان الحق غير مستقر لأحدهما، فيما سرق إلا أن وجود شبهته قائم، ويترتب عليه درء الحد.\rالقسم الثاني:\rما أحرزه كل منهما عن صاحبه، ومنعه منه سواء أكان المال المحرز في مكان السكن، أو في مكان آخر.\rوهذا المال لو قام أحدهما بسرقته من صاحبه، فإنه يقطع به نظرًا؛ لأنه سرق مالًا محرزًا عنه لا شبهة له فيه، فهو والأجنبي سواء١، وذهب الإمام الشافعي في قول ثان إلى أنه لا قطع على كل من الزوجة، والزوج؛ لأن الزوجة تستحق النفقة من مال زوجها يملك منعها من التصرف في مالها، والحجر عليها على قول بعض الفقهاء.\rوفي قول ثالث فرق الإمام الشافعي بين كون السارق من مال صاحبه الزوجة أم الزوج.\rفإذا كانت الزوجة هي التي سرقت من مال زوجها، فلا قطع عليها نظرًا؛ لأن لها في ماله حق النفقة وغيرها، كما أن الزوجة في قبضة زوجها، فما سرقته منه لن يخرج عن ملكيته.","footnotes":"١ جاء في الخرشي ج٨ ص٩٨ ط دار الفكر بيروت: وكذا يقطع أحد الزوجين إذا سرق من مال صاحبه بشرط أن يكون المال المسروق في مكان محجور عن السارق أن يدخله، أما لو سرق من مكان يدخله، فإنه لا قطع عليه؛ لأنه حينئذ خائن لا سارق، وحكم أمة الزوجة حكمها في السرقة من مال الزوج، وحكم عبد الزوج حكمه إذا سرق من مال الزوجة، مغني المحتاج ج٤ ص١٦٢، المغني ج٨ ص٢٧٦-٢٧٧. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج٤ ص٣٤٠، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234034,"book_id":3632,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":310,"body":"أما إذا كان الزوج هو الذي سرق من مال زوجته، فإنه يقطع بهذه السرقة؛ لأنه لاحق له في مال زوجته، كما أن زوجته ليس لها عليها يد بحيث يبقى ما سرقه منها في ملكيتها١.","footnotes":"١ يقول الشيرازي: وإن سرق أحد الزوجين من الآخر ما هو محرز عنه، ففيه ثلاثة أقوال:\rإحداهما: أنه يقطع؛ لأنه النكاح عقد على المنفعة، فلا يسقط القطع في السرقة كالإجارة.\rوالثاني: أنه لا يقطع؛ لأن الزوجة تستحق النفقة على الزوج والزوج يملك أن يحجر عليها يمنعها من التصرف على قول بعض الفقهاء، فصار ذلك شبهة.\rوالثالث: أنه يقطع الزوج بسرقة مال الزوجة، ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج؛ لأن للزوجة حقًا في مال الزوج بالنفقة، وليس للزوج حق في مالها المهذب ج٢ ص٢٨١، مغني المحتاج ج٤ ص١٦٢ ط مصطفى الحلبي سنة ١٩٥٨م.\rوقد أجمل ابن قدامة هذه الأقوال في قوله:\r\"وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر، فإن كان مما ليس محرزًا عنه، فلا قطع فيه، وإن سرق مما أحرزه عنه ففيه روايتان.\rإحداهما: لا قطع عليه، وهي اختيار أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة لقول عمر -رضي الله تعالى عنه- لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي، حين قال له: أن غلامي سرق مرآة امرأتي، أرسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم، وإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها فهو أولى؛ ولأن كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب، ولا يقبل شهادته له، ويتبسط في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد الولد.\rوالثانية: يقطع وهو مذهب مالك، وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرشي، لعموم الآية؛ ولأنه سرق مالًا محرزًا عنه لا شبهة له فيه.\rأشبه الأجنبي، وللشافعي كالروايتين، وقول ثالث أن الزوج يقطع بسرقة مال الزوجة؛ لأنه لا حق له فيه، ولا تقطع بسرقة ماله؛ لأن لها النفقة فيه المغني ج٨ ص٢٧٦-٢٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234035,"book_id":3632,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":311,"body":"والقول الثالث للإمام الشافعي يحتاج إلى نظر، إذ أن الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه، قد ذكر أن من بين الأسباب التي أدت إلى القول بعدم قطع الزوجة إذا سرقت من مال زوجها، أن الزوجة في قبضة زوجها، فما سرقته منه لن يخرج عن ملكيته، وذلك أحرى أن يسقط القطع عن الزوج؛ لأنه إذا كانت الزوجدة في قبضة زوجها، وإذا كان ما في يدها لا يخرج عن ملكية زوجها. فإن ذلك يثبت له على ما في يدها سلطان، ومثل ذلك يورث شبهة تنتج درء الحد عنه.\rهذا ما أميل إليه، وأرجحه.\rج- ذهب ابن حزم إلى وجوب القطع على كل من الزوجين، إذا سرق من صاحبه ما لم يبح له أخذه مثله في ذلك مثل الأجنبي سواء بسواء، سواء أكان المال المأخوذ محرزًا، أو غير محرز.\rورد ابن حزم ما ذهب إليه باقي الفقهاء من عدم قطع الزوجة بما سرقته من مال زوجها نظرًا؛ لأن لها في ماله حقوقًا من صداق وكسوة، وغير ذلك، فقال: أما قولهم: إن لها في ماله حقوقًا من صداق ونفقة، وكسوة، وإسكان وخدمة، وأن رسول الله ﷺ أطلق يدها على ماله حيث كان من حرز أو غير حرز، لتأخذ منه ما يكفيها وولدها بالمعروف -إذا لم يوفيها وإياهم حقوقهم- فنعم، كل هذا حق واجب، وهكذا نقول.\rولكن لا يشك ذو مسكة ممن حس سليم أن رسول الله ﷺ، لم يطلق يدها على ما لا يحق لها فيه من مال زوجها، ولا على أكثر من حقها، لا شك في ذلك، فإباحة الله تعالى ورسوله ﷺ لأخذ المباح ليس فيه دليل أصلًا على إسقاط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234036,"book_id":3632,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":312,"body":"حدود الله تعالى عن من أخذ الحرام غير المباح١ ... وفي في ذلك كالأجنبي.\rأي أن للزوجة حقها سواء من مال محرز أو غير محرز، فإن أخذت ما ليس لها بحق، عوقبت بالحد الموضوع لفعلتها.\rلأن الله ﷾ لم يخص إذ أمر بقطع يد السارق والسارقة، إلا أن تكون زوجة من مال زوجها، ولا يكون زوجًا من مال زوجته٢.\rوقياس ابن حزم كل من الزوج والزوجة بالأجنبي قياس بعيد؛ لأن الزوزج والزوجة بينهما من المخالطة، والألفة ما ليس بين الأجنبي وغيره، فعقد الزواج يقيم رابطة قوية بين الزوجين، بل هي من أسمى الروابط التي يعنى بها الإسلام لدرجة أنه جعل الزوجين بمنزلة النفس الواحدة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٣.\rومما لا شك فيه أن الفرق إذا بين الزوجين، والأجنبيين -في مخالطة كل منهما لصاحبه، وإباحة ماله بالنسبة له- أمر واضح لا يحتاج إلى تكثير إعمال فكر.\rوعليه فإن سرقة كل منهما من الآخر، وإن أوجبت عقوبة على","footnotes":"١ يشير ابن حزم بذلك إلى ما رواه من أن هند بنت عتبة، أخبرت رسول الله ﷺ أن أبا سفيان لا يعطيها وولدها ما يكفهما، فقال ﷺ لها: \"خذي ما يكفيك وولده بالمعروف\".\rالمحلى ج١٠ ص١٠٣-١٤٩، ٥٢٢، ج١١ ص٢٩٤، ج١٣ ص٣٨٩.\r٢ المحلى ج٣ ص٣٩٠.\r٣ من الآية ٢١ من سورة الروم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234037,"book_id":3632,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":313,"body":"السارق ما لا يباح له، إلا أني أرى أنها عقوبة لا تصل حد العقوبة الحدية المقدرة.\rهذا ما أميل إليه، وأرجحه دون تفريق بين الزوجين، أو الزوجة في شيء من ذلك.\r٧- السرقة من المال العام:\rأ- يرى فقهاء الأحناف والحنابلة، وفقهاء الشيعة الزيدية، ورأي للإمام الشافعي أن من سرق من المال العام لا قطع عليه إذا كان له فيه حق؛ لأن وجود للسارق في المال المسروق ينهض شبهة تدرء الحد عنه.\rواستدل ابن الهمام، وابن قدامة لذلك بما روي عن عمر وعلي -رضي الله تعالى عنهما، من أنهما أجابا من سأل عن حكم من سرق من بيت المال؟ أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق ما دام مسلمًا.\rوذكر ابن قدامة أن من سرق ماله حق فيه، أو لمن لا يقطع بسرقة ماله لا يقطع لذلك، فقال: ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق، أو لولده أو لسيده، أو لمن لا يقطع بسرقة ماله لم يقطع لذلك، وإن لم يكن من الغانمين ولا أحد من هؤلاء الذين ذكرنا فسرق منها قبل إخراج الخمس لم يقطع؛ لأن له في الخمس حقًا.\rوإن أخرج الخمس فسرق من الأربعة الأخماس قطع، وإن سرق من الخمس لم يقطع، وإن قسم الخمس خمسة أقسام، فسرق من خمس الله تعالى ورسوله لم يقطع، وإن سرق من غيره قطع، إلا أن يكون من أهل ذلك الخمس.\rوزاد الشربيني هذا القول تفصيلًا، فقال: ومن سرق وهو مسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234038,"book_id":3632,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":314,"body":"مال بيت المال أن فرز لطائفة كذوي القربى، والمساكين، وكان منهم أو أصله أو فروعه فلا قطع، أو فرز لطائفة ليس هو منهم قطع، إذ لا شبهة له في ذلك، وإلا بأن لم يفرز لطائفة فلا، والأصح أنه إذا كان له حق في المسروق كمال مصالح بالنسبة لمسلم فقير جزمًا، أو غنى على الأصح، وكصدقة وهو فقير أو غارم لذات البين، أو غاز فلا يقطع في المسألتين، أما في الأولى؛ فلأن له حقًا وإن كان غنيًا؛ لأن ذلك قد يصرف في عمار المساجد، والرباطات، والقناطر فينتفع بها الغني والفقير من المسلمين ... إلى أن يقول، وإلا بأن لم يكن فيه حق قطع لانتفاء الشبهة١.\rب- ذهب الإمام مالك إلى أن من سرق من بيت المال المقدار الذي يجب به الحد، فإنه يقطع بسرقته، ولا يحوز درء الحد عنه لكونه له حق في بيت المال؛ لأن ذلك وإن أورث شبهة، إلا أنها شبهة ضعيفة لا يعتد بها في درء الحد عنه.\rوكذا من سرق من الغنيمة بعد حوزها، أما سرقته منها قبل حوزها، فإنه لا يقطع بها؛ لأنها مال غير محرز حينئذ٢.\rوذهب الإمام الشافعي في أحد آرائه إلى وجوب القطع على من سرق من بيت المال ملطقًا، كوجوب القطع عليه بسرقة مال غيره المحرز عنه٣.","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٦٣، المهذب ج٢ ص٢٨١، المغني ج٨ ص٢٧٧، فتح القدير ج٥ ص٣٧٦، ٣٧٧، البحر الرائق ج٥ ص٦٠ شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٦.\r٢ الخرشي ج٨ ص٩٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٧.\r٣ مغني المحتاج ج٤ ص١٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234039,"book_id":3632,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":315,"body":"ج- ذهب ابن حزم إلى أن من سرق من شيء له فيه نصيب، كبيت المال أو الخمس أو الغنم، أو غير ذلك، فإنه ينظر فيما سرقه إن كان نصيبه محددًا معروف المقدار كالغنيمة، أو ما اشترك فيه ببيع أو ميراث أو غير ذلك.\rفإن أخذ ما يزيد عن نصيبه مما يجب في مثله القطع قطع، ولا بد أما أن أخذ أقل من حقه، فلا قطع عليه.\rويستثنى من سرقته ما يزيد على حقه، فلا يجب القطع فيها ما إذا منعه حقه، أو احتاج إليه، ولم يستطع الوصول إلى حقه إلا بسرقته، وما يزيد عليه لعدم قدرته على تخليص حقه فقط مما زاد عليه؛ لأنه والحالة هذه مضطر إلى أخذ الزائد. وأن وجب عليه رد المقدار الزائد على حقه الذي أخذه تبعًا له١.\rوالذي أميل إليه:؛ أن من سرق مالًا له فيه حق، وكان باستطاعته الوصولم إلى حقه بغير طريق السرقة، يجب تعزيره على مسلكه هذا إن أخذ حقه فقط.\rأما إن زاد على حقه، فإنه يعامل في الزائد معاملة السارق، فيلزم الحد بشروط أما إذا لم يمكنه الوصول إلى حقه إلا عن هذا الطريق، فهذه ضرورة تقدر بقدرها، وسيأتي هذا بشيء من التفصيل عند الحديث عن السرقة بالباب الثاني.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٣٥٥، وتراجع أيضًا نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء للأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور ص٤٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234040,"book_id":3632,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":316,"body":"المطلب الثالث: شبهة الملك\rوتتأتى شبهة الملك عندما يكون للفاعل نوع ما من الملك في المحل الذي نيط الفعل به.\rويترتب على وجود هذه الشبهة درء العقوبة الحدية عن هذا الفاعل الذي ثبت له نوع من الملك في المحل الذي نيط به الفعل الجنائي.\rوقد عد فقهاء الأحناف هذه الشبهة ضمن ما أطلقوا عليه شبهة المحل، ووافقهم في ذلك أيضًا فقهاء الشافعية، فشبهة المحل عندهم تشمل كلا من شبهة الدليل، وشبهة الحق وشبهة الملك، كما سبق بيانه عند الحديث عن شبهة الحق، والملك الذي تنشأ عنه هذه الشبهة، إما أن يكون ملكًا خالصًا للمحل الذي قام بالفعل به، ووقع الاعتداء عليه سواء أكان ملكًا حقيقًا، أم ملكًا حكميًا.\rوإما أن يكون مشتركًا، وإما أن يكون لشخص آخر غير الفاعل، إلا أن مالكه قد أباحه لهذا الذي قد وقع منه الفعل الجنائي، إلى غير ذلك من أنواع الملك التي ستضح فيما يأتي من أمثلة، قامت في كل منها شبهة الملك، وترتب على وجودها دراء العقوبة عن الفاعل.\r١- شبهة سببها الملك الخالص:\rأ- وتقوم هذه الشبهة في حق من يطأط أمته التي بينها، وبينه حرمة نسب لكنها\rلا تعتق بملكه لها، كعمته أو ابنة أخيه مثلًا فمثل هذا لا تلزمه العقوبة الحدية\rنظرًا لقيام شبهة الملك في حقه، وهي التي ترتب عليها عدم إلزامه الحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234041,"book_id":3632,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":317,"body":"والذين أسقطوا العقوبة الحدية هنا ألزموا الجاني عقوبة تعزيرية رادعة، يقول الخرشي عند حديثه عن شبهة الملك المسقطه للعقوبة الحدية: \"وكذلك يؤدب من اشترى أمة لا تعتق عليه بنفس الملك كعمته، وابنة أخيه، وما أشبه ذلك ثم وطئها وهو عالم بتحريمها، وإنما لم يحد لعدم انطباق حد الزنا عليه، ويلحق به الولد، وتباع عليه خشية أن يعود لوطئها ثانية١.\rويقول ابن قدامة: وإن اشترى أمه أو أخته من الرضاعة ونحوهما، ووطئها فذكر القاضي عن أصحابنا أن عليه الحد؛ لأنه فرج لا يستباح بحال، فوجب الحد بالوطء كفرج الغلام٢، وقال بعض أصحابنا: لا حد فيه وهو قول أصحاب الرأي والشافعي؛ لأنه وطء في فرج مملوك به يملك المعاوضة عنه، وأخذ صداقه فلم يجب به الحد كوطء الجارية المشتركة.\rفأما إن اشترى ذات حرمة من النسب ممن يعتق عليه، ووطئها٣ فعليه الحد لا نعلم فيه خلافًا؛ لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة، وقد ذكر الشيرازي أن للشافعي رأين في هذا: إحدهما أنه يجب عليه الحد؛ لأنه ملكه لا يبيح وطأها بحال من الأحوال، فلم يسقط الحد.\rوالثاني: أنه لا يجب عليه الحد، وهو الصحيح؛ لأنه وطء في ملك فلم يجب به الحد٤.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٧٨، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٦، ويراجع ما جاء في فتح القدير ج٥ ص٢٥٢-٢٥٣٧ البحر الرائق ج٥ ص١٢-١٧.\r٢ أي يحرم وطؤها كما يحرم على مالك الغلام وطؤه.\r٣ المغني ج٨ ص١٨٤.\r٤ المهذب ج٢ ص٢٦٨ مغني المحتاج ج٤ ص١٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234042,"book_id":3632,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":318,"body":"ب- شبهة تقوم بسبب الملك الحكمي، وذلك كما في حق الأب الذي يسرق مال ابنه كما مر، أو يطأ الجارية التي يمكلها ابنه، فإن هذا الأب تقوم في حقه شبهة الملك الحكمي؛ لأنه مالك حكمًا لكل ما يمتلكه ابنه، وعليه فإن هذا الملك الحكمي تنشأ عنه شبهة تسقط العقوبة الحدية.\rيقول ابن قدامة: الأب إذ وطئ جارية ولده، فإنه لا حد عليه في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك وأهل المدينة، والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور وابن المنذر: عليه الحد إلا أن يمنع منه إجماع؛ لأنه وطء في غير ملك، أشبه وطء جارية أبيه.\rولنا أنه وطء تمكنت الشبهة منه فلا يجب به الحد، كوطء الجارية المشتركة والدليل على تمكن الشبهة قول النبي ﷺ: \"أنت ومالك لأبيك\"، فأضاف مال ولده إليه وجعله له، فإذا لم يثبت حقيقة الملك، فلا أقل من جعله شبهة دارئه للحد الذي يندرئ بالشبهات؛ ولأن القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك والأوزاعي، ومن وافقهما قد اشتهر قولهم، ولم يعرف لهم مخالف، فكان ذلك إجماعًا، ولا حد على الجارية؛ لأن الحد انتفى عن الواطئ لشبهة الملك، فينتفي عن الموطوءة كوطء الجارية المشتركة؛ ولأن الملك من قبيل المتضايفات إذا ثبت في أحد المتضايفين ثبت في الآخر فكذلك شبهته، ولا يصح القياس على وطء جارية الأب؛ لأنه لا ملك للولد فيها، ولا شبهة ملك بخلاف مسألتنا١.\r٢- شبهة الملك المشترك:\rوتقوم هذه الشبهة في حق المحارب المستحق جزءًا من الغنيمة إذا","footnotes":"١ المغني لابن قدامة ج٨ ص١٨٥، ويراجع فتح القدير ج٥ ص٢٥٢، الخرشي ج٨ ص٧٨، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234043,"book_id":3632,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":319,"body":"قام بسرقة بعض هذه الغنيمة قبل أن تقسم على مستحقيها، فالسرقة هنا قد تحققت صورتها بأخذ المحارب المال خفية، لكنه لما كان مالكا لجزء من المال الذي أخذ منه خفية ملكية صحيحة، غير أنها لم تتأكد بالقسمة أنتجت هذه الملكية غير المستقرة شبهة تدرء الحد عنه١.\rوتقوم شبهة الملك المشترك أيضًا في حق كل من يقع منه فعل جنائي على محل له فيه شركة.\rكمن يطأ أمة مشتركة بينه وبين غيره، والعقوبة الحدية وإن سقطت على الجاني بسبب قيام شبهة الملك المشترك، إلا أنه يلزم بعقوبة تعزيرية موجعة ورادعة.\rيقول الخرشي: يؤدب من وطئ أمة مشتركة من أحد الشريكين، أو الشركاء؛ لأن الشريك له في الأمة المشتركة ملك قوي، والشبهة إذا قويت تدرء الحد أي تسقطه٢.\rوقد ذكر ابن قدامة أن أب ثور قد خلف جمهور الفقهاء، وقال بوجوب الحد على من وطئ جارية مشتركة بينه، وبين غيره.\rغير أن ابن قدامة قد رجح رأي الجمهور على أساس أن وجود الملك المشترك يدفع الحد عن الجاني في هذه المسألة٣.","footnotes":"١ جاء في حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٥- أن الجندي في الحربة السيرة إذا وطئ أمة من الغنيمة قبل قسمتها، فلا حد عليه؛ لأن له سهمًا في الغنيمة، وإن كان قد حدد بعده بخلاف من الأسهم له في الغنيمة فإنه يحد.\r٢ الخرشي ج٨ ص٧٨، شرح القدير ج٥ ص٢٥٢، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، المهذب ج٢ ص٤٥، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ج٢ ص١٣٧.\r٣ المغني ج٨ ص١٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234044,"book_id":3632,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":320,"body":"٣- شبهة إباحة الملك:\rيأتي القول بهذه الشبهة في حالة ما إذا مالك الأمة لغيره وطأها، وقد ذهب الفقهاء في حكم هذا، وما يجب به إلى ما يأتى:-\rأ- ذكر الشربيني الخطيب إنه حكي عن عطاء جواز إباحة مالك الأمة لغيره وطأها١.\rكما ذكر الخرشي عند حديثه عن هذا: أن القول بعدم الحد بوطء الأمة المحللة ما هو إلا مراعاة المذهب عطاء القائل بجواز التحليل ابتداء٢، كما جاء في الروضة البهية: وتباح الأمة لغير مالكها بالتحليل، وحل الأمة بذلك هو المشهور بين الأصحاب بل كاد يكون إجماعًا، ولا بد من صيغة دالة عليه مثل أحللت لك وطأها، أو جعلتك في حل من وطئها، وفي صحته بلفظ الإباحة قولان، والأشبه أنه ملك يمين لا عقد نكاح؛ لأن عقد لازم ولا شيء من التحليل بلازم٣، وجاء في الاستبصار تحت عنوان \"أبواب تحليل الرجل جاريته لأخيه\"، يجوز أن يحل الرجل جاريته لأخيه المؤمن، وروي في ذلك عدة أخبار عن فقهاء الشيعة٤.","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، عطاء بن أبي رباح المكي القرشي، مولى أمي خيثم، من كبار التابعين ولد في خلافة عثمان، سمع العبادلة الأربعة، أحد شيوخ الشافعية.\r٢ الخرشي ج٨ ص٧٩.\r٣ الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية ج٢ ص١١٣، نقلًا عن أ. د/ سلام مدكور من كتاب نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء.\r٤ الاستبصار فيما اختلف من الأخبار لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى في سنة ٤٦٠هـ جـ٣، القسم الأول ص١٣٥-١٤١ مطبعة النجف سنة ١٩٥٦ نقلًا عن أ. د/ سلام مدكور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234045,"book_id":3632,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":321,"body":"ب- وجاء في المغني أنه حكي عن النخعي أنه يعزر، ولا حد عليه أي أن من وطئ جارية زوجته لا يلزمه بذلك الحد؛ لأنه يملك امرأته، فكانت له شبهة في مملوكتها، حتى وإن لم تحلها له١.\rجـ- ذكر الخرشي عند شرحه لعبارة المصنف \"وكأمة محللة وقومت، وإن أبيا\" المشهور أنه لا حد على من وطئ أمة قد حللها له مالكها للشبهة، وإنما عليه الأدب فقط، وسواء أكان عالمًا بالتحليل أم جاهلًا، والولد لاحق به؛ لأنه وطء الشبهة، وتقوم تلك الأمة على واطئها لتتم الشبهة، وسواء أرضيا بذلك أي صاحبها والواطئ لها أم لا، وعدم الحد مراعاة لمذهب عطاء القائل بجواز التحليل ابتداء٢.\rد- جاء في المغني أن من وطئ جارية امرأته بإذنها، فإنه يجلد مائة، ولا يرجم أن كان ثيبًا، ولا يغرب إن كان بكرًا، وإن لم تكن أحلتها له، فهو زان حكمه حكم الزاني بجارية الأجنبي.\rوقد اختار هذا الرأي ابن قدامة، بقوله: ولنا: ما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم أن رجلًا يقال له عبد الرحمن بن حنين، وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير، وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله ﷺ إن كانت أحلتها لك جلدناك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمناك بالحجارة، فوجدوها أحلتها له فجلد مائة٣.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٨٦- النخغي أبو عمران إبراهيم بن زيد بن الأسود بن النخع الفقيه الكوفي النخعي تابعي مات سنة ٩٥، وقيل: سنة ٩٦، ونسبته إلى النخع، وهي قبيلة، كبيرة مذجح باليمن.\r٢ الخرشي وبهامشه حاشية العدوي ج٨ ص٧٩ ط دار الفكر بيروت.\r٣ المغني ج٨ ص١٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234046,"book_id":3632,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":322,"body":"هذه هي جملة أقوال من رأوا الإباحة، وأسقطوا العقوبة بها، ومن رأى إلزام الواطئ العقوبة التعزيرية سواء أعلم تحليل مالكها له ذلك أم لم يعلم.\rورأى من قصر ذلك على تحليل المرأة جاريتها لزوجها، وإلزامه الجلد مائة إن فعل ثيبًا أو بكرًا.\rهـ- روي عن عمر وعلي ومالك، والشافعي وقتادة١، وغيرهم أن وطء الأمة التي أحلتها له زوجه كوطء الأجنبية سواء بسواء؛ لأنه لا شبهة له فيها، فأشبه وطء جارية أخيه أو أخته؛ ولأنه إباحة لوطء محرمة عليه، فلم يكن شبهة كإباحة الملاك٢.\rكما جاء في فقه الشيعة الإسماعيلية، \"عن جعفر بن محمد أنه نهى عن عارية الفرج كالرجل يبيح للرجل وطء أمته، أو المرأة تبيح لزوجها، أو لغيره وطء أمتها من غير نكاح ولا ملك يمين، وقال جعفر بن محمد: عارية الفرج هي الزنا وأنا بريء إلى الله ممن يفعله، والقرآن ينطق بهذا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٣.\rفلم يبح الله تعالى وطء الفروج إلا بوجهين: بنكاح، أو بملك","footnotes":"١ قتادة، هو أبو دعامة العروسي الأعمى، كان أحفظ أهل زمانه توفي سنة ١١٧هـ. المعارف لابن قتيبة ص٢٠٣ نقلًا عن نظرية الإباحة للأستاذ الدكتور سلام مدكور ص١٤٨.\r٢ المغني ج٨ ص١٨٦.\r٣ الآيات ٥، ٦، ٧ من سورة المؤمنين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234047,"book_id":3632,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":323,"body":"يمين١، ويعلق الدكتور سلام مدكور على ما ذهب إليه القائلون بجواز إباحة مالك الأمة لغيره أن يطأها بقوله: وهذا مسلك من مسالك الشيعة الجعفرية التي نرى شذوذها، وأنها لا تتفق مع مذهب من مذاهب غيرهم من المسلمين، ولا تتمشى مع ما عرف من أحكام الدين، وأصوله العامة مهما كان لهم تأويل، أو تبرير.\rفإن هذه الأبضاع \"الفروج\" محرمة في أصلها، ولم تستبح في الإسلام إلا بالعقد، أو ملك اليمين عند وجود الرق، لا بما يسمونه ملك المنفعة، والظاهر أن هذا تطرف إليهم من قياس فاسد لا يعتمد على مصدر من مصادر الشرع المعقول منها والمنقول.\rوهو أشبه شيء بمذهبهم في المتعة التي هي في حقيقتها احتيال على الزنا، وإباحة صوره باسم الدين، افتراء على الله، بل إباحتهم أبضاع الإماء لغير مالكها أكثر شذوذًا من إباحتهم للمتعة، فقد يكون في تلك بعض الشهبة من ظواهر بعض النصوص٢.\rوما ورد من أقوال تجيز إباحة مالك الأمة لغيره أن يطأها، فهي أقوال مردودة حتى وإن أسندت لأي إمام من الأئمة٣.\rلأنه لا يعقل أن يجيز إمام ما هو مخالف لما علم من الدين بالضرورة، كما أن ما رواه الخرشي من أنه بلغه ذلك عن بعض البربر وغيرهم، فهي رواية ضعيفة لا سند لها، ومثل هذه لا يجوز الاعتماد عليها","footnotes":"١ دعائم الإسلام للقاضي النعمان بن محمد ج٢ ص٢٤٥، نقلًا، عن الإباحة للأستاذ الدكتور سلام مدكور ص٢٢٥.\r٢ نظرية الإباحة ط دار النهضة والفقهاء للأستاذ الدكتور سلام مدكور ص٢٢٦- ط دار النهضة العربية سنة ١٩٦٥م.\r٣ يراجع الخرشي، وبهامشه حاشية العدوي ج٨ ص٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234048,"book_id":3632,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":324,"body":"كما أنها رواية عن قوم لا قوم لهم في المسائل الفقهية بل هم قوم جاهلون، ولو كانوا غير ذلك لكانوا مرتدين، وفي كلا الحالين لا قول لمثلهم في المسائل الفقهية.\rوعليه فلا شبهة في مثل ذلك، وما ذهب إليه النخعي من القول بالشبهة على أساس أن الزوج يملك امرأته هو قول مردود.\rلأن عقد الزواج لا يفيد ملك الرجل لزوجته، وإنما يفيد إباحة معاشرتها، والاستمتاع بها ولا يحق له امتلاك ما لها من أموال وغير ذلك، وحتى وإن أمكن القول بوجود شبهة له في مالها بحكم المخالطة، وإباحة الانتفاع به بأمرها، وعليه فالقول بوجود مثل ذلك بالنسبة للجارية التي تملكها الزوجة مردود؛ لأن إباحة الوطء حق لله ﷾ بين الطريق إليه، وليس لغيره ترخيص فيه أو إباحة.\rلأنه كما يقول أستاذي الدكتور سلام مدكور: إن كل ملك في الإسلام لا يأخذ صفة الإباحة الشرعية بمجرد إذن صاحبه، إلا إذا كان على وفق إذن الشارع١.\rولم يبق بعد هذا القول حجة لمخالف، أو رأي يعتد به.\r٤- ذكر فقهاء الأحناف أن الإمام أبا حنيفة -رضي الله تعالى عنه- يرى أن من استأجر امرأة ليزني بها، فلا حد عليه، وإنما يعاقب تعزيريًا لقيام شبهة الملك باستجاره إياهال ليزني بها.\rلأن المستوفي منها هو المتعة، وهي المعقود علهي في الإجارة أما لو","footnotes":"١ نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء للأستاذ الدكتور سلام مدكور ص٢٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234049,"book_id":3632,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":325,"body":"استأجرها لعمل آخر من الأعمال، ثم وطئها فإنه يعاقب بالعقوبة الحدية؛ لأن المعقود عليه غير الوطء.\rفقد جاء في البحر الرائق: لا يجب الحد بوطء من استأجرها ليزني بها عند أبي حنيفة، وقالا -الصاحبان- يجب الحد لعدم الشبهة، ولهذا لا يثبت النسب وتجب العدة، وله -أي لأبي حنيفة- أن الله تعالى سمى المهر أجرة بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، فصار شبهة؛ لأن الشبهة ما يشبه الحقيقة لا الحيقية، فصار كما لو قال: أمهرتك كذا لأزني بك، قيدنا بأن يكون استأجرها ليزني بها؛ لأنه لو استأجرها للخدمة، فزنى بها يجب الحد اتفاقًا؛ لأن العقد لم يضف إلى المستوفي بالوطء، والعقد المضاف إلى محل يورث الشبهة في ذلك المحل لا في محل آخر.\rواستدل الإمام أبو حنيفة لذلك بما روي من أن امرأة جاءت أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه، فقالت له: إنها استسقت راعيًا، فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها، فدرء أمير المؤمنين الحد عن هذه المرأة.\rوبما روي أيضًا من أنه جاءته امرأة أخرى، فقالت له: إنها سألت رجلًا مالًا، فأبى الرجل أن يعطيها حتى تمكنه من نفسها، فدرء أمير المؤمنين الحد عنها أيضًا، وقال هذا مهر.\rهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة -رضي الله تعالى عنه١.","footnotes":"١ ذكر صاحب المبسوط أن الإمام أبا حنيفة يرى أن من استأجر امرأة ليزني بها، فزنى بها فلا حد عليهما، وذهب أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى إلى وجوب الحد في هذه الحالة لتحقق فعل الزنا منهما. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234050,"book_id":3632,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":326,"body":"أما الأئمة الثلاثة، فقد قالوا بوجوب الحد في مثل هذا لعموم الآيات القرآنية الموجبة للحد، ولعموم النصوص المأخوذة من السنة أيضًا، وعدم تخصيصها بغير المستأجرة للزنا، أو استثنائها من عموم الآيات.\rوكذا لوجود المقتضي لوجوب الحد، وادعاء وجود الشبهة هنا نتيجة عقد استئجاره إياها ادعاء لا طائل تحته١، وما ذهب إليه الأئمة الثلاثة هو ما يقبله العقل، ويتفق مع تعاليم الشريعة الغراء؛ ولأنه لو أخذ بما ذهب إليه أبو حنفية لكان ذلك سبيلًا للفساق، والفجار تحت سمع وبصر الفقه الإسلامي، وبحماية منه، وهذا مما لا يقبل، أما ما استدل به أبو حنيفة حتى وإن صحت روايته، فقد يكون هناك ما قد ظهر للخليفة العادل عمر الغيور على حرمات الإسلام، وحدوده من أمور قد أغفلها الرواة ولم يذكروها، وسهو الرواة أمر ليس ببعيد، وفوق ذلك كله لا يجوز تخصيص عموم النص بمثل هذه الروايات المتعارضة وأهداف التشريع، هذه هي الشبهات التي تتعلق بالركن الشرعي، للجريمة وهي في جملتها تنضوي تحت شبهة الدليل بمفهومها العام،","footnotes":"= واحتج الإمام أبو حنيفة بما روي أن امرأة استسقت راعيًا، فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ عمر ﵁ الحد عنهما، وبما روي أيضًا عن عمر من أن امرأة سألت رجلًا مالًا، فأبى أن يعطيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ الحد، وقال:\rهذا مهر: ولا يجوز أن يقال: إنما دراء الحد عنهما؛ لأنها كانت مضطرة تخاف الهلاك من العطش؛ لأن هذا المعنى لا يوجب سقوط الحد عنه، وهو غير موجود فيما إذا كانت سائلة مالًا، كما ذكر في المبسوط ج٩ ص٥٨ البحر الرائق لابن نجيم ج٥ ص١٩-٢٠، فتح القدير ج٥ ص٢٦٢، تبيين الحقائق ج٣ ص١٨٤.\r١ المغني ج٨ ص٢١١-٢١٢، تحفة المحتاج ج٣ ص١٣٤، منح الجليل ج٧ ص٤٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234051,"book_id":3632,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":327,"body":"نظرًا؛ لأنها في جملتها شبهات ننتجت لدى القائلين بها من وجود دليل من الأدلة المتعمدة عندهم، أو نتيجة ترجيح رأي على آخر لدى فقيه من الفقهاء.\rومن هنا فهي كلها لا تخرج عن شبهة الدليل، ولا يخفى أن شبهة الجهة التي يقول بها فقهاء الشافعة والحنابلة، ما هي إلا محصلة لاختلاف الفقهاء على إيجاب الحد نتيجة اتيان فعل ما من الأفعال، أو عدم إيجاب الحد بذلك.\rبمعنى أن بعض الفقهاء يرى الحد جزاء ما وقع من فعل، والبعض الآخر لا يرى على اتيان ذلك الفعل، وعليه فإن شبهة الجهة يتسع مفهومًا ليشمل كل خلاف في إيجاب الحد.\rوالمسائل الخلافية مسائل ورد فيها أكثر من رأي نتيجة تعارض الأدلة، أو ثبوت دليل إيجاب الحد بفعل من الأفعال عند بعض الفقهاء، وعدم ثبوت ذلك الدليل عند الآخرين.\rوعليه فمرجع الاختلاف ناشيء عن الدليل ومتعلق به، ولا يخفى أن بعض هذه الشبهات، وإن دخلت تحت المفهوم العام لشبهة الدليل، إلا أن بعضها يتميز عن غيره بنوعية تعليل، أو جوانب أو إضافات لا تتوافر في باقي الشبهات التي تنضوي تحت المفهوم العام لشبهة الدليل.\rومن هنا تسمياتها بمسميات متغايرة حسب ما توافر فيها من جوانب خاصة، أو تعليل متميز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234052,"book_id":3632,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":328,"body":"المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي\rمدخل\r...\rالمبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي\rويشتمل على مطلبين:\rالمطلب الأول: الجهل.\rالمطلب الثاني: الإرادة.\rتمهيد:\rبين القرآن الكريم أن الله ﷾ لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأن لكل نفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت.\rكما بين الله تعالى مشروعية أن يدعوه عباده، وأن يطلبوا منه رفع المؤاخذة عنهم، وإعفاءهم من العقاب عندما ينسون أو يخطئون: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١.\rذلك؛ لأن الله ﷾ أن العصيان والمخالفة لأوامر الشرع، ونواهيه يترتب عليهما العقاب، والمؤاخذة ومن هنا بنى الفقهاء قيام مسئولية المكلف على أساس عصيانه أوامر الشرع ونواهيه، فمن خالف أمرًا ونهيًا، فإنه بمخالفته هذه يعتبر عاصيًا لذلك الأمر أو النهي.\rوقيام المسئولية على هذا الأساس يجعلها تختلف باختلاف درجة العصيان من المكلف، إذا كان العصيان مقصودًا شددت العقوبة على الجاني، أما إذا كان العصيان غير مقصود نظرًا لجهل الجاني، أو خطئه فإن العقوبة تختلف عن الحالة السابقة؛ لأن الجهل أو الخطأ أمران مخففان لما يترتب على الإثم من عقوبة إن لم ينتج عنهما إسقاط العقوبة","footnotes":"١ من الآية ٢٨٦ من سورة البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234053,"book_id":3632,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":329,"body":"عن العاصي، إن كان مكلفًا، وذلك؛ لأن الجهل أو الخطأ يترتب عليهما انتفاء القصد الجنائي، وينتج عن هذا تخفيف العقوبة، أو الإعفاء منها؛ لأن الجهل أحيانًا يكون سببًا من أسباب عدم المؤاخذة، ومثله الخطأ والنسيان؛ لأن أساس المسئولية في الشريعة الإسلامية هو الإدراك، والاختيار لدى الشخص المكلف١، وبانتفائها تنتفي المسئولية الجنائية عن المكلف؛ لأنهما سبباها، وانتفاء السبب يترتب عليه انتفاء المسبب٢.\rويراد بالقصد الجنائي: تعمد اتيان الفعل المجرم، أو ترك فعل ما أمر الشارع به من العلم بأن الشارع قد نهى عن الفعل الأول، وأوجب الثاني.\rأو هو: اتجاه الإرادة إلى ارتكاب جريمة مع العلم بعناصرها القانونية، ومن هنا كانت الجريمة العمدية هي الجريمة التي يقترفها الفاعل، وهو عالم بحقيقتها الواقعية، وبعناصرها القانونية٣.","footnotes":"١ يقول الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور: الأصل في محل المسئولية في الشريعة الإسلامية، هو الإنسان المكلف المدرك المختار إذ لا قيام للمسئولية الجنائية، إلا بتحقيق أهلية التكليف، والإدراك والاختيار.\rالمسئولية الجنائية في الفقه الإسلامي ص٤-٥ الإباحة عند الأصوليين ص٤٣٩، أصول الفقه الإسلامي ص٤٤ ط دار النهضة العربية.\r٢ السبب: ما يلزم من وجوده ومن عدمه العدم، أو هو وصف ظاهر منضبط جعله الشارع أماره للحكم، أصول الفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور سلام مدكور ص٥٢ ط ٧٦ أصول الفقه للأستاذ عبد الوهاب خلاف ص٩١ ط الثانية.\r٣ التشريع الجنائي عبد القادر عوده ط ص٤٠٩. الأسس العامة لقانون العقوبات أ. د. سمير الجنزوري ص٤٢٦. شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د. محمود مصطفى ص٤٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234054,"book_id":3632,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":330,"body":"من هذه التعريفات يتضح أن للقصد الجنائي عنصرين هما: العلم والإرادة. والتحقيق من وجود هذين العنصرين عند قيام الجريمة شرط لإلزام الجاني عقوبتها الجنائية.\rأذ بدونهما أن بدون أحدهما لا تتحقق الجريمة العمدية، إذ هما شرطان لقيامها١.\rويراد بالعلم معرفة ما جاءت به النصوص التشريعية من تجريم أفعال معينة، وتحديد عقوبات لكل من قام بفعل من هذه الأفعال؛ لأن مثل هذه العقوبات أوردتها النصوص التشريعية ونصت عليها، ولم تدعها لاجتهاد مجتهد.\rومثل هذا من الأحكام بين الإمام الشافعي حكم الجهل به بقوله أن هناك من الأحكام، ما لا يتسع بالغا غير مغلوب على عقله في دار الإسلام جهله مثل الصلوات، وصوم رمضان والزكاة، والحج وتحريم القتل، والزنا والخمر والسرقة وغيره مما لا يجوز التنازع فيه، وهناك من الأحكام ما يحتمل التأويل، ويستدرك قياسًا، وهذا درجة من العلم ليس تبلغها العامة٢.","footnotes":"١ الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم وجوده وجود ولا عدم، أو هو الوصف الظاهر المنضبط الذي يتوقف عليه وجود الشيء من غير إفضاء إليه. أصول الفقه أ. د. سلام مدكور ص٥٥، الأستاذ عبد الوهاب خلاف ص٩٣.\r٢ إحياء علوم الدين للغزالي ج١ ص١٤-١٦ الرسالة للإمام الشافعي ص١٥٥ ط الحلبي سنة ١٣٨٨هـ، تيسير التحرير ج٤ ص٢١١-٢٢٧، التقرير والتحبير ج٣ ص٣١٢-٣٣٠، الفروق للقرافي ج٢ ص١٤٩ فضلًا عن الإباحة للأستاذ الدكتور سلام مدكور ص٥١٠-٥١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234055,"book_id":3632,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":331,"body":"ولهذا، فإنه لما كانت جرائم الحدود، وعقوباتها مما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأنه مكلف بمعرفتها، فإن فرط فلا عذر له بجهله بها بل هو بهذا الجهل قد عرض نفسه للوقوع في الحرمات.\rيقول الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه، فيمن جهل من المسلمين المقيمين بدار الإسلام حكمًا من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، وعلى الأخص أحكام الحدود: قد ظهر الإسلام ونشأ، فلا يعذر جاهل بشيء من الحدود١.\rكما يقول الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور مفصلًا ذلك مبينا أن إمكام العلم يقوم مقام العلم، وعليه فلا عذر لمقصر: ويكفي أن نقول أخيرًا: إن أمكان العلم بحكم الشرع يقوم مقام العلم الحقيقي، فمتى بلغ الإنسان عاقلًا وكان ميسرًا له أن يعلم ما حرم عليه، إما بالرجوع إلى النصوص، وإما بالرجوع إلى أهل الذكر ما دام قادرًا على الرجوع إليهم، ما كان له أن يعتذر بالجهل بالحكم سواء عن طريق ادعائه بالجهل بذات النص، أو بمعناه الحقيقي٢.\rأما إذا كان قد حال بين المسلم، وبين معرفة حكم الشرع سبب قوي لم يستطع مغالبته، والنفاذ منه كأنه يكون قد نشأ بعيدًا عن كل من يعرف الحكم الشرعي، ولم يستطع الوصول إلى معرفة ما يوجبه عليه دينه.\rأو يكون قد أسلم حديثًا، ولم يتمكن من معرفة أحكام الإسلام لقرب عهده به، فإنه في هاتين الحالتين يصبح ذا عذر مقبول، ويقوم في حقه ما يدرء العقوبة الحدية عنه.\rوهذا هو الجهل الذي يمكن القول به لدفع العقوبة الجنائية عن هذا الفاعل الذي جهل بالحكم، وتردى في فعلته.\rوفيما يأتي بيان للمراد بالجهل، وأقسامه وأنواعه، وما يقبل القول به منه، وما لا يقبل.\rثم بيان للإرادة وما تنثلم به، فلا يبقى للقصد الجنائي وجود.","footnotes":"١ منح الجليل ج٤ ص٥٥٠ ط الأميرية سنة ١٢٩٤هـ.\r٢ نظرية الإباحة عند الأصوليين للأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور ص٥١٧ سنة ١٩٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234056,"book_id":3632,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":332,"body":"المطلب الأول: الجهل\rوردت كلمة الجهل كثيرًا فيما كتبه الفقهاء، وعلماء الأصول، وعلماء الكلام لارتباطها بكثير من الأحكام والقضايا.\rوالذي يعنينا هنا من الجهل هو الجهل بالحكم الشرعي لمسألة ما من المسائل؛ لأن هذا الجهل هو محل نظر الفقهاء، وبحوثهم من حيث الاعتداد به، أو عدم النظر إليه، واعتباره غير قائم.\rقسم الفقهاء والأصوليين الجهل أقسامًا عدة يتصل بموضوع هذا البحث منها ما يأتي:\rأولًا: الجهل الذي لا يعتد به، ولا يعتبر عذرًا ولا شبهة، ومن هذه جهل الباغي الخارج على الإمام الحق -كالخلفاء الراشدين مثلًا بتأويل فاسد، وجهل من عارض اجتهاده الكتاب الكريم، وجهل المسلم المقيم بدار الإسلام بتحريم الخمر وغيرها مما يوجب الحد.\rثانيًا: الجهل الذي يعتد به، ويصلح عذرًا وتنتج عنه شبهة يترتب عليها درء الحدود، والكفارات ونحوها، ومن هذا الجهل في موضوع اجتهاد صحيح لا يخالف الكتاب ولا السنة المشهورة ولا الإجماع، وذلك كقتل أحد الوليين لقاتل موليهما بعد عفو الآخر، فإن القاتل هنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234057,"book_id":3632,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":333,"body":"لا يقضي منه لاختلاف الفقهاء في القول بسقوط دم المولى بعفو أحد الأولياء.\rوهذا الأختلاف قد أنتج شبهة تدرء الحد عن الولي القاتل١، ومثل هذا جهل الحربى الذي دخل دار الإسلام، فأسلم ثم شرب الخمر لجهله بحرمة شربها، نظرًا؛ لأن تحريم ذلك لم تنص عليه جميع المعتقدات المخالفة للإسلام، كما أنه حديث عهد بالدين، هذا بخلاف ما لو أسلم ثم شرب الخمر، وادعى جهله بتحريمها، فإنه يلزم بالعقوبة؛ لأن جهلة هذا لا يعد عذرًا دارئًا للعقوبة الحدية، نظرًا لشيوع تحريم الخمر في دار الإسلام، وهو ممن يقيمون بها.\rوبخلاف ما لو دخل الحربي -الكتابي- دار الإسلام، فأسلم ثم زنى جاهلًا التحريم، فإن جهله هذا لا يعد عذرًا، لحرمة الزنا في جميع الأديان٢، من هذا يبين أن الجهل بالأحكام لا يعتبر دائمًا عذرًا رافعًا للإثم والحرج في ترك امتثال أوامر الشارع، وإنما يكون عذرًا يعتد به درء العقوبة الحدية في بعض الحالات، سواء أنتج رفع الإثم عن الفاعل، وإسقاط جنس العقوبة عنه أم درء الحد فقط مع بقاء الإثم، وإلزام الفاعل العقوبة التعزيرية.\rكما أن القول بأن لا عذر بالجهل في دار الإسلام قول لا يؤخذ على عمومه وإطلاقه، فهناك من الأمور ما يعد بالجهل بأحكامها من بعض المقيمين في دار الإسلام عذرًا، نظرًا لعدم تيسير ذلك لهم.\rوقد أشار إلى ذلك الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور بقوله: وقد لمست روح الشريعة في هذا المقامن فيما أورده الكمال وغيره من","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥ ط مصطفى الحلبي.\r٢ تيسير التحرير للكمال باد شاه أمير ج٤ ص٢١١-٢٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234058,"book_id":3632,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":334,"body":"الأصوليين والفقهاء من أن الأمة كانت في دار الإسلام تعذر بجهل أحكام الشريعة لتشاغلها بخدمة سيدها، وقد يكون مسلمًا بل من علماء المسلمين، فماذا عسى أن يقولوا على مقتضى هذا الاتجاه الفقهي السليم في شأن أولئك الذين شغلهم فوق ما شغل تلك الأمة من العدو، وراء مطالب الحياة اندفاعًا في فلك الدهر، وسيرًا مع عجلة الحياة التي لا ينقطع بها السير في لحظة من اللحظات مع بعدهم عن موجهات الدين، واللوافت إليه من العلماء، وأمراء وعدم التفكير في شيء من ذلك، ولا محاولته مع تمام الجهل بلغته التي كان يجب أن نفكر في إيصالها إليهم، كما فكرنا في إيصال لغاتهم إلينا١، هذا وإن كان الجهل بسبب الانشغال بمطالب الحياة أمرًا يعذر به المسلم، ومن يقيم بدار الإسلام، فإن العذر بهذا يقبل القول به في غير ما يوجب العقوبة الحدية، أما ما يوجبها، فالجهل بحكمة لا يقبل الاعتذار به؛ لأن أحكام ما يوجب العقوبة الحدية من الأحكام التي تعلم من الدين بالضرورة، والاعتذار بالجهل بها لا يقبل؛ ولأن العلم بها لا يقصد به العلم بالفعل فقط، وإنما يشمل أيضًا مجرد إمكان العلم بالحكم الشرعي، فالعلم بالقوة ينزل منزلة العام بالفعل ويقوم مقامه، لذا لا يعذر بالغ عاقل بجهله بما فرض عليه، وطلب منه الالتزام به على وجه القطع طالما يسر له علم ما فرض، ومعرفة ما حرم عليه، بالرجوع إلى نصوص القرآن والسنة، وبسؤال أهل العلم ما دام قادرًا على ذلك، وفيما يأتي بيان لقصص الجهل المذكورين:","footnotes":"١ الإباحة عند الأصوليين والفقهاء ص٥١٦ ط دار النهضة\rالعربية سنة ١٩٦٥م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234059,"book_id":3632,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":335,"body":"أولًا: الجهل الذي لا يعتد به، ولا يعتبره الفقهاء شبهة\rاتضح مما سبق ومن الحديث عن الجريمة، وأركانها أن الصفة غير المشروعة للسلوك ركن أساسي من أركان الجريمة، فلكي يحكم على العمل بأنه عمل إجرامي لا بد من أن يكون هذا العمل قد نهى عنه الشرع، وحرمه نهيًا جازمًا غير قابل للإباحة إلا بمسوغ شرعي، وعلى هذا كان من اللازم معرفة الجاني تجريم الشرع للأفعال، حتى يمكن إلزامه العقوبة الحدية.\rوعلى هذا فما المراد إذن بعلم الجاني بتجريم الشرع للأفعال معينة؟ أهو علم الجاني في الحقيقة والواقع؟ أم إمكان علمه لو أراد لكنه قصر في التحصيل، والمعرفة مع قدرته على ذلك؟.\rلو أن المقصود بعلم الجاني علمه في الحقيقة، والواقع لنتج عن ذلك إلزام من سيحكم بالعقوبة على متهم إثبات أن هذا المتهم الذي ارتكب الفعل الجنائي كان يعلم تجريم الشرع لما أتاه من أفعال قبل أن يقوم بهما، وإثبات علم الجاني بذلك أمر صعب إمكانه والتحقق منه، الأمر الذي يترتب عليه إفلات الجناة من العقاب المستحقق على ما قاموا به من جرائم، أو تغاير هذا العقاب، وتخفيفه لدرجة لا تتفق وهدف المشرع من الردع بالعقوبة المقررة للفعل.\rويصبح ادعاء الجهل بتجريم الأفعال ثغرة ينفذ منها الجناة، ويحول دون سريان النصوص، وعليه فليس المقصود بالعلم هنا قيام العلم في الحقيقة والواقع بالنسبة للجاني، وإنما يقصد به العلم المفترض وجوده افتراضًا حتى ولو كان الجاني جاهلًا في الحقيقة والواقع؛ لأن جهله إذن غير معتبر الوجود عند الفقهاء، فوجوده كعدمه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234060,"book_id":3632,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":336,"body":"من حيث الاعتداد به في دفع العقوبة الحية، إذ المعتبر هنا إمكان العلم لا تحققه١.\rهذه هي القاعدة وورد الاستثناء عليها لا يخرجها عن كونها الأصل، وعليه فلا يعتد بجهل المسلم الذي يقيم في بلاد الإسلام٢، ولا بجهل الذي يقيم في البلاد الإسلامية بالنسبة للأفعال التي لا تختلف أحكامها من ديانة إلى أخرى، كما أن إقامة الذمي بالبلاد الإسلامي توجب عليه معرفة الأحكام المطبقة في هذه البلاد، فإن قصر فلا يعذر بتقصيره، فرسول الله ﷺ قد أمر بإقامة الحد على يهوديين زنيا، وأقيم الدليل على جريمتهما عنده٣، ولو كان لهما ما يدرء الحد عنهما لادعياه.","footnotes":"١ يؤيد هذا ما ذكره الأستاذ الدكتور سلام مدكور من أن ما دل الدليل الشرعي على حكمه، وجب أن يعرفه كل مكلف، فإذا جهل حكم الشرع مكلف من المكلفين، ولم يتمثل فعلًا أو كفا، فهو آثم بجهله ومطالب بما كسب. وذلك؛ لأنه يرى أن عدم الامتثال للأمر لا يستلزم العلم لكونه مطلبًا، فكل مكلف مطالب بأمور ينبغي أن يعلمها، فإن لم يعلمها، فإن الطلب قائم لا يسقط عنه، راجع الإباحة عند الأصوليين والفقهاء ص٥٠٨، ٥٠٩.\r٢ الرسالة للإمام الشافعي ص١٥٤ \"ط مصطفى الحلبي سنة ١٣٨٨هـ\".\r٣ جامع الأصول لابن الأثير ج٤ ص٢٩٩ \"د السنة المحمدية سنة ١٢٦٩هـ، وقد ذكر ابن قدامة \"أنه إذا رفع إلى الحاكم من أهل الذمة من فعل محرمًا يوجب عقوبة مما هو محرم عليه في دينه كالزنا، والسرقة والقذف، والقتل فعليه إقامة حده عليه، فإن كان زنا جلد أن كان بكرًا.\rوغرب عام، وإن كان محصنًا رجم، لما روى ابن عمر \"أن النبي ﷺ أتى بيهوديين، فجرا بعد إحصانهما، فأمر بهما فرجما\".\rروى أنس: \"أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها بحجر، فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين متفق عليه، وإن كان يعتقد إباحته كشرب الخمر لم يحد؛ \"لأنه لا يعتقد تحريمًا، فلم يلزم عقوبته كالفر، وإن تظاهر به عذر؛ لأنه أظهر منكرًا في دار الإسلام -فعذر عليه كالمسلم المغني ج٨ ص٢١٤-٢١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234061,"book_id":3632,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":337,"body":"ما ذكر خاص بالجهل بذات النص المحرم للفعل، ويلحق به الجهل بالمعنى الحقيقي للنص في عدم الاعتداد بكل منهما في درء العقوبة الحدية، فلا عبرة بمن يخرج عن المعنى الحقيقي للنص الذي فهمه العلماء منه، سواء أكان خروجه هذا ناشئًا عن جهله بالمعنى الحقيقي، أم مرادًا به التحريف والتزييف، وهذا ما قرره أمير المؤمنين عمر الفاروق حين جاءه رجل من المهاجرين، وقد شرب الخمر فأمر به أن يجلد، فقال للرجل: لم تجلدني وبيني وبينك كتاب الله؟\rفقال عمر: وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك؟\rفقال له الرجل: إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ١، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا، ثم اتقوا وأحسنوا....\rفقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول؟\rفقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلت لمن عذر، وحجة على الناس.\rفقال عمر لابن عباس: صدقت ماذا ترون؟. فقال علي -رضي الله تعالى عنه: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى،","footnotes":"١ من الآية ٩٣ من سورة المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234062,"book_id":3632,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":338,"body":"وعلى المفتري ثمانون جلده: فأمر عمر -رضي الله تعالى عنه، فجلد ثمانين جلده١.\rوفي رواية أخرى قال عمر -رضي الله تعالى عنه- لمن احتج بالآية، وفسرها على غير وجهها، وأخطأ التفسير -أخطأت التأويل، إذا اتقيت الله، اجتنبت ما حرم الله، وأمر به فجلد٢.\rمما سبق يتضح حكم من جهل ذات النص المحرم، أو معناه الحقيقي، وهذا النوع من الجهل الذي لا يعتد به، ولا يعد شبهة دارئة للعقوبة الحدية هو أحد شطري الجهل بالقانون.\rوهناك نوع آخر من الجهل يسمى الجهل بالوقائع، وهو شطران:\rأحدهما: جهل بالوقائع غير الجوهرية، وقد يطلق عليه لفظ الغلط، وهو من الجهل الذي لا يعتد به أيضًا في دفع العقوبة، أو إسقاط الحد؛ لأنه لا يترتب عليه انتفاء القصد الجنائي، فمن ذهب لسرقة مال شخص معين يقيم في مكان ما، فيسرق مالًا فيتضح أنه جهل مكان الشخص الذي يريد سرقته، ودخل مكانا آخر، وسرق مال شخص آخر لا حق للسارق في ماله، فإن هذا الجهل جهل غير جوهري لا ينفي القصد الجنائي لدى الجاني، وبالتالي لا أثر له في إسقاط العقوبة الحدية.\rومثله من ذهب لقتل غريم له، ودخل مكان نومه، وأجهز على من وجده نائمًا في الفراش على أساس أنه هو الشخص الذي يريد قتله، فاتضح أن المقتول غير الشخص الذي أراد الجاني قتله، فإن جهل الجاني هنا بشخص المقتول لا يعد شبهة، ولا يترتب عليه إسقاط العقوبة المقررة لجنايته، إذ الجهل هنا لا يترتب عليه انتفاء القصد الجنائي،","footnotes":"١ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج٣ ص٢٢٩٤.\r٢ المرجع السابق: ص٢٢٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234063,"book_id":3632,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":339,"body":"كما أنه في الحالتين جهل وقع في أمر جوهري خارج عن عناصر الجريمة التي يعد الجهل نافيًا للقصد الجنائي، إذ الجهل هنا يتعلق بموضوع النتيجة، وليس منصبًا على ذات النتيجة، وموضوع النتيجة لا يلتفت إليه، ولا يعد أساسًا بالنسبة للقول بتجريم الفعل، والعقوبة عليه ما دام الشرع قد كفل له الحماية١.\rوثانيهما: الجهل بالوقائع الجوهرية، وسيأتي الحديث عنه في الجهل الذي لا يقبل القول به في إسقاط العقوبة الحدية.\rثانيًا: الجهل الذي يقبل به، ويعتبره الفقهاء شبهة تدرء الحد\rمن حكمة الله ﷾، ورحمته بعباده، وعنايته بهم أنه رفع عنهم المؤاخذة، وحجب عنهم العقاب إذا جهلوا حكم ما وقع منهم جهلًا يعذرون فيه، ويقبل قولهم به، وهذا مستمد من قول الله ﷾: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢، ومن قول الرسول ﷺ: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\" ٣.\rفالمؤاخذة مقيدة بإرسال الرسول الذي يبلغ عن الله تعالى:\rفمن لم تبلغه الدعوة، أو لم يبلغه جزء خاص منها يحرم عملًا ما من الأعمال لا يعاقب إتيان هذا العمل.","footnotes":"١ يراجع: الإباحة عند الأصوليين ص٥١٠-٥٢١، وأصول قانون العقوبات للدكتور أحمد فتحي سرور ص٥٤٦، \"ط دار النهضة سنة ١٩٧١م\"، والأسس العامة لقانون العقوبات للدكتور سمير الجنزوري ص٤٣٤، وشرح قانون العقوبات للدكتور أحمد الألفي ص٤٥١ \"ط سنة ١٩٧٨م\".\r٢ الآية ١٥ من سورة الإسراء.\r٣ رواه الحاكم وابن ماجه، والطبراني، والدارقطني، فيض القدير للمناوي ج٢ ص٢٦٧ \"ط المكتبة التجارية عام ١٩٣٨م\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234064,"book_id":3632,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":340,"body":"كما أن حديث الرسول ﷺ قد بين أن من من أخطأ في إتيان عمل ما من الأعمال المحرمة مع علمه بالتحريم، فلا يعاقب عليه، وهذا أحسن حالًا ممن لم يعلم الحكم أساسًا، فالثاني أولى بالعفو لعدم تبليغ الحكم إليه؛ لأن التبليغ أساس التكليف، وهذا ما نُقل عن الصحابة رضوان الله عليهم، إذ يقول ابن قدامة: \"ولا حد على من لم يعلم تحريم الزنا، قال عمر وعثمان وعلي: لا حد إلا على من علمه، وبهذا قال عامة أهل العلم، فإن ادعى الزاني الجهل بالتحريم، وكان يحتمل أن يجهله كحديث عهد بالإسلام، والناشيء ببادية، قبل منه؛ لأنه يجوز أن يكون صادقًا ... \"إلى أن يقول\"، وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله؛ لأن عمر قبل قول المدعى الجهل بتحريم النكاح في العدة؛ ولأن مثل هذا يجهل كثيرًا، ويخفى على غير أهل العلم\"١.\rوروي عن عمر رضي الله تعالى عنه، لما كتب إليه في شأن الرجل الذي قيل له: متى عهدك بالنساء؟ فقال: البارحة، قيل: بمن؟ قال: بفلانة، فقيل له: هلكت، قال: ما علمت أن الله حرم الزنا -أجاب عمر بأن يستحلف ما علم أن الله حرم الزنا، ثم يخلي سبيله٢.\rوقد توسع ابن حزم في القول بإسقاط العقوبة بسبب جهل الجاني بحكم ما وقع منه من أفعال، سواء أكانت أفعالًا يعاقب عليها بالعقوبة الحدية، أو بالعقوبة التعزيرية، متى أمكن تصديق الجاني في ادعائه جهل الحكم.\rيقول ابن حزم: \"من أصاب شيئًا محرمًا -فيه حد أو لا حد","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٨٥.\r٢ السنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٢٣٩ \"ط دار المعارف حيدر آباد سنة ١٣٥٣هـ\"، والمهذب للشيرازي ج٢ ص٢٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234065,"book_id":3632,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":341,"body":"فيه- وهو جاهل بتحريم الله تعالى له، فلا شيء عليه فيه- لا إثم ولا حد، ولا ملامة- لكن يعلم، فإن عاد أقيم عليه حد الله تعالى، فإن ادعى جهالة نظر، فإن كان ذلك ممكنًا، فلا حد عليه أصلا، وقد قال قومه بتحليفه، ولا نرى عليه حدًا، ولا تحليفًا- وإن كان متيقنًا أنه كاذب لم يلتفت إلى دعواه\".\rواستدل ابن حزم على ما ذهب إليه بأدلة كثيرة، منها ما روي عن السلف من أن امرأة أتت علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه، فقالت: إن زوجي زنى بجاريتي، فقال: صدقت، هي ومالها لي حل، فقال له علي: اذهب ولا تعد، كأنه درء عنه الحد بالجهالة١.\rمن هنا كان القول: بأن من يجهل الحكم جهلًا يعد معذورا فيه كان جهله هذا مسقطا العقوبة الحدية عنه، سواء أكان جهله نتيجة عدم وصول الحكم الشرعي إليه دون تقصير منه، أم كان الحكم من الدقة بحيث لا يصل إلى معرفته إلا المتخصصون، وكان من جهله في مكان لا يستطيع فيه لقاء المتخصصين، أو سؤالهم.\rويعد الحل بالحكم دارئًا للعقوبة الحدية في الحالات الآتية:\rأولًا: إذا كانت سبل العلم بالحكم بعيدة المنال، ووسائله غير ميسرة، وذلك كجهل من يقين بعيدًا عن الديار الإسلامية بأحكام الإسلام، فالجهل هنا بكل أحكام الإسلام لعدم وصول التبليغ، فلا عقوبة إذا ولا إثم.\rثانيًا: جهل من أسلم حديثًا بالأحكام الشرعية التي لم يتيسر له معرفتها لكونه قد نشأ بعيدًا عن الديار الإسلامية، ولم تكن هذه الأحكام معروفة له، ولم يكن النظام الذي كان يدين به قبل أن يسلم","footnotes":"١ المحلى لابن حزم ج١٣ ص١١٨، ١١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234066,"book_id":3632,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":342,"body":"يحرم ما حرمه الإسلام، فالجهل هنا ينفي وصف الجريمة عما وقع من أفعال، وإن كانت مجرمة طبقًا للنظام الإسلامي.\rثالثًا: جهل الذمي الذي يقيم ببلاد المسلمين بحكم من أحكام الإسلام التي تختلف باختلاف الديانات، بمعنى أن الفعل الذي حرمه الإسلام مباح، فيما يدين به هذا الذمي، فجهل الذمي إذا جهل يعذر به، ويقبل منه في دفع العقوبة الحدية عنه، فلو شرب هذا الذمي خمرًا لم تبلغ به حد الإسكار، فلا حد عليه، وإن كان الإسلام يحرم ذلك؛ لأن جهله بتحريم الإسلام ذلك، مع إباحته فيما يدين به الذمي يدرأ الحد عنه١.\rرابعًا: الجهل الناتج عن انتفاء العلم بالعلاقة المحرمة، مع معرفة الحكم واشتهاره، وذلك كمن يعقد على امرأة، ثم يدخل بها وبعد فترة يظهر له أنها محرمة عليه بسبب نسب، أو رضاع لم يكن يعلمه قط، ولم يخبره أحد ممن علمه بذلك، فهنا والحالة كذلك لا عقوبة عليهما لانتفاء علمهما بالتحريم لجهلهما ما بينهما من علاقة، أو رضاع وإن كانا يعلمان أحكام الشرع بالنسبة لزواج المحرمات، ومن هن.\rومثل هذا ما إذا حكم بموت إنسان نظرًا لفقده في حرب من الحروب، ومضت مدة بعد تبادل الأسرى، ولا دليل على وجوده حيًا، فإن زوجة هذا الذي قد حكم بموته إذا تزوجت شخصًا آخر، ودخل بها ثم ظهر زوجها الأول، فإن دخول الزوج الثاني بها، وهو لا يعلم أن زوجها الأول موجود لا يعد زنا، ولا يوجب عقوبة.\rخامسًا: جهل المسلم بحكم من الأحكام التي هي موضع اجتهاد الفقهاء، أو حكم من الأحكام التي لم يجمع الفقهاء على رأي واحد","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234067,"book_id":3632,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":343,"body":"فيها، ولم يكن في وسعه الوصول إلى الحكم، فالجهل هنا يقبل القول به، نظرًا؛ لأن الوصول إلى الحكم في مثل ذلك أمر يحتاج إلى إعمال الفكر والبحث، وذلك غير ميسر إلا للعلماء، كما أن اختلاف الفقهاء في حد ذاته شبهة تدرأ الحد كما قال بذلك فقهاء الشافعية، والحنابلة، ومن وافقهم١.\rوالجهل في كل ما ذكر جهل بحكم الفعل الذي وقع من الفاعل، وجهل حكم الفعل فيما ذكر ينفي القصد الجنائي لدى الفاعل، ومن ثم يسقط العقوبة عنه.\rالجهل بالوقائع الجوهرية:\rبالإضافة إلى ما سبق ذكره من جهل الأحكام، فإن هناك نوعًا آخر من الجهل يسمى الجهل بالوقائع الجوهرية، وهو جهل يترتب عليه انتفاء القصد الجنائي لدى الفاعل، نظرًا؛ لأن الوقائع التي جهلها وقائع جوهرية، وقد عد الفقهاء -الذين يرون أن هذا النوع من الجهل ينفى القصد الجنائي لدى الفاعل، هذا النوع من الجهل مسقطًا للعقوبة الحدية.\rويطلق الفقهاء على هذا الجهل المتعلق بمحل الجريمة، جهل العين، أو جهل الفاعل، وما ينشأ عنه من شبهة يطلقون عليها شبهة جهل العين، أو شبهة جهل الفاعل، وهي تنشأ عندما يأتي الفاعل الفعل معتقدًا إباحته.\rومثلوا لما توجد فيه هذه الشبهة من الوقائع بما يأتي:\r١- رجل زفت إليه امرأة على أساس أنها زوجته بأن قيل له: إنها","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، حاشية الباجوري على بن قاسم ج٢ ص٢٣٠ المغني ج٨ ص١٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234068,"book_id":3632,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":344,"body":"زوجتك، ودخل بها ثم ظهر بعد ذلك أنها ليست زوجته، فلا حد عليه لانتفاء قصده الجنائي نظرًا لجهله المتعلق بمحل الجريمة، أو بالوقائع الجوهرية المتصلة بها، يقول ابن قدامة: \"فإن زفت إليه غير زوجته، وقيل: هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته، فلا حد عليه، لا نعلم فيه خلافًا، وإن لم يقل له هذه زوجتك، أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته، أو جاريته فوطئها، أو دعا زوجته أو جاريته، فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك لعماه فلا حد عليه، وبه قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أن عليه الحد؛ لأنه وطء في محل لا ملك له فيه، ولنا أنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه، فأشبه ما لو قيل له: هذه زوجتك؛ ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه أعظمها\"١.\rوذكر ابن حزم: أن المرأة إذا هيأت جاريتها بهيأتها، وخلعتها في حجلتها، وجاء زوجها فوطئها، فإن المرأة تنكل ولا جلد على الرجل، وعلى الجارية حد الزنى إن كانت تدري أن ذلك لا يحل.\rولو أن المرأة نفسها لأجنبي، فوطئها يظن أنها امرأته فهي زانية، ثم يقول: ولا يختلف اثنان من الأمة في أنه من دست إليه غير امرأته، فوطئها وهو لا يدري من هي يظن أنها زوجته، فلا حد عليه\"٢.\rهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٨٤، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، الخرشي ج٨ ص٧٧ قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ج٢ ص١٣٧ ط الاستقامة.\r٢ المحلى ج١٣ ص٢١٦، ٢١٧، ٤٢٩، ٤٣٠ الحجلة جمع حجال وحجل: وهو وتر يضرب للعروس في جوف البيت، أو بيت يزين للعروس \"المنجد\" مادة حجل، ويراجع فيما ذكر من أحكام الجهل مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٦٨، ١٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234069,"book_id":3632,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":345,"body":"أما فقهاء الأحناف، فإنهم يوجبون الحد فيما مضى من وقائع إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا نادى الأعمي زوجته، فأجابته وقالت: أنا زوجتك فواقعها؛ لأن الأخبار دليل، وهو أعمى لا يستطيع رؤية من أجابته، ولجواز تشابه النغمة خصوصًا لو لم تطل الصحبة بينهما.\rوقيد فقهاء الأحناف ذلك بأن تجيبه بقولها: أنا زوجتك؛ لأنها لو لم تجبه بذلك واقتصرت على الإجابة بنعم ونحوه فوطئها، فإنه يحد نظرًا؛ لأنهم يرون أنه يمكنه أن يميزها بأكثر من ذلك بحيث يكون الحال متوسطًا في اطمئنان النفس إلى أنها هي زوجته.\rفقد ذكر ابن الهمام١: عند شرحه لقول المصنف، ومن وجد امرأة على فراشه فوطئها فعليه الحد \"خلافًا للأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد فهؤلاء الأئمة قاسوها على المزفوف بجامع ظن الحل، أما فقهاء الأحناف، فإنهم يرون أن المسقط شبهة الحل: ولا شبهة هنا أصلًا سوى أن وجدها على فراشه، ومجرد وجود امرأة على فراشه لا يكون دليل الحل ليستند الظن إليه، وهذا؛ لأنه قد ينام على الفراش غير الزوجة من حبائبها الزائرات لها وقراباتها، فلم يستند الظن إلى ما يصلح دليل حل ... وكذا إذا كان أعمى؛ لأن الوجود على الفراش ليس صالحًا لاستناد الظن إليه، وغيره -مثله- مما يحصل بالنعمة، والحركات المألوفة فيحد أيضًا٢.","footnotes":"١ ابن الهمام: هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، كمال الدين الشهير بابن الهمام، كان أصوليًا فروعيًا، مفسرًا محدثًا، له تصانيف كثيرة منها فتح القدير توفي سنة ٨٦١هـ.\r٢ شرح فتح القدير ج٥ ص٢٥٨، ٢٥٩، بدائع الصنائع ج٧ ص٣٧ المبسوط ج٩ ص٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234070,"book_id":3632,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":346,"body":"وذهب زفر إلى أن الحد يدرأ عن الأعمى؛ لأنه عدم آلة التمييز، وقول الأحناف هذا قد جاء على غير ما هو متوقع منهم، إذ أن الإمام يدرأ بشهبة العقد على من لا يحل نكاحها حتى ولو كان الذي عقد عليها، ودخل بها يعلم أنه لا يحل له نكاحها، والشبهة في مثل هذا أضعف من شبهة جهل الأعمى الذي يدخل بيته، فيجد امرأة في فراشه، فتتصنع له مثل حركات زوجته، ونغمة صوتها، فيظنها الأعمى أنها زوجته ويطؤها.\rمما لا يخفى أن شبهة جهل الأعمى، فيما ذكرت أولى بأن يعتد بها في درء الحد عنه، عما ذكره الإمام من شبهة العقد على من لا تحل له، ودرئهم الحد بها.\r٢- رجل يصيد حيوانًا في غابة من الغابات، فرأى شيئًا اعتقد أنه حيوان فأطلق عليه النار، فإذا به إنسان، فإن هذا الذي أطلق النار لا يعد مرتكبًا جريمة قتل\rعمدية موجبة للعقوبة المقدرة، نظرًا لجهله المتعلق بالوقائع الجوهرية، إذ هو لم\rيقصد إنسانًا، وإنما قصد صيد الحيوان، فالقصد الجنائي إذا غير موجود، وانتفاء\rالقصد الجنائي يحول بين الجاني، وبين عقوبة القتل العمد.\r٣- رجل أخذ مالًا معتقدًا أنه ماله، فظهر أن هذا المال مملوك للغير، وأن أمره اشتبه عليه، ففي مثل هذا يكون القصد الجنائي منتفيًا لدى الآخذ، ولذا تسقط عنه العقوبة الحدية.\r٤- ومن الخطأ في الوقائع الجوهرية أيضًا من يشرب من الإناء الذي اعتاد أن يشرب منه الماء، فإذا به يجد أن ما شربه ليس بماء، وإنما هو خمر، فلا حد عليه بذلك لانتفاء قصده الجنائي١، وفي","footnotes":"١ المحلى لابن حزم ج١٣ ص٤٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234071,"book_id":3632,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":347,"body":"كل ما سبق لا بد من قيام ما يدل على انتقاء القصد الجنائي لدى الفاعل من قرائن وأدلة.\rولقد أخذ فقهاء القانون بما ذهب إليه الفقهاء هنا، وبحثوه عندهم، وأطلقوا عليه الجهل بالوقائع الجوهرية١.\rوجهة نظر فقهاء القانون الوضعي في الجهل بالأحكام:\rالقاعدة العامة عند فقهاء القانون هي:\rافتراض العلم بالقانون، وعليه فلا يعذر المرء بجهله القانون.\rولا يجوز له أن يحتج بذلك، ولا يعفيه جهله في الحقيقة من المسئولية الجنائية. ويعتبر العلم بالقانون قرينة قانونية قاطعة لا تقبل إثبات العكس.\rكما أن المقصود بالعلم هو مكان العلم به على وجهه الصحيح، ويستهدف القانونيون من تقرير هذا المبدأ حماية مصالح المجتمع، واستقراره هو لو أجيز إسقاط العقوبة عن المتهم لجهله بالقانون لأصبح من العسير تطبيق الأحكام على الجناة؛ لأن في وسع كل منهم إدعاء الجهل بالقانون، أو بمعناه الصحيح، وإثبات عكس هذا الادعاء أمر بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلًا.\rونظرًا؛ لأن هذا المبدأ في رأي بعضهم يعد قاسيًا، وغير منطقي خاصة في العصر الذي تلجأ فيه الدولة إلى الجزاء الجنائي لتدعيم أحكام قوانينها المختلفة، وفي ظل هذا السبيل العرم من القوانين الجنائية التي يثقل على القانونيين ملاحقتها، فقد وجد اتجاه عند الوضعيين يميل إلى التخفيف من مبدأ افتراض العلم بالقانون.","footnotes":"١ الأسس العامة لقانون العقوبات أ. د. سمير الجنزوري ص٤٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234072,"book_id":3632,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":348,"body":"وأوردوا عليه استثناء من وقع تحت ظروف قوية حالت بينه، وبين العلم بالقانون، كما إذا حوصر بعض الناس في سجن من السجون التي لا يسمح فيها بوصول أداة للمعرفة، أو وقوف السجناء على أية أخبار، فالسجناء والحالة هذه إذا خرجوا من سجنهم، وارتكب بعضهم أفعالًا جنائية مخالفة لما تنص عليه القوانين الجنائية التي صدرت في المدة التي كانوا فيها سجناء، فإنهم يعفون من العقوبة الجنائية التي يعاقب بها من ارتكب فعلًا من هذه الأفعال عمدًا: نظرا لانتفاء القصد الجنائي لديهم، وقيد ها بمدة محدودة لا يجوز الاحتجاج بعد فواتها بالجهل بالقانون١.\rكما اتجه القانونيون أيضًا إلى قصر قاعدة افتراض العلم بالقانون على القوانين الجنائية فقط، وعليه فإن المتهم يستطيع أن يدفع بجهله أحد القوانين غير الجنائية كالقانون الإداري، أو التجاري، أو المدني، أو قانون الأحوال الشخصية، ورتب القانونيون على الاعتذار بالجهل بهذه القوانين إعفاء من ادعى ذلك من المسئولية.\rوطبقًا لهذا قضت محكمة النقض ببراءة متهم في قضية تزوير في محرر رسمي: هو وثيقة زواج، أقر فيها بعدم وجود مانع من الموانع الشرعية، رغم تزوجه بابنة أخت الزوجة قبل ذلك أيضًا، وبقائها في عصمته؛ لأن مثله لا يدرك مثل هذه الأحكام، كما أن هذه الأحكام هي","footnotes":"١ نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء للأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور ص٥١٧-٥٢٠، الأسس العامة لقانون العقوبات العام أ. د. سمير الجنزوري ص٤٥٦-٤٢٨، شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د. نجيب حسنى ص٤٥٦-٦٢٨، شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د. محمود مصطفى ص٤٢٥-٤٢٧، شرح قانون العقوبات القسم العام أ. د. أحمد الألفي ص٤٥٦، أصول قانون العقوبات أ. د. أحمد فتحى سرور ص٥٥١ \"ط سنة ١٩٧١م\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234073,"book_id":3632,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":349,"body":"أحكام لقانون غير قانون العقوبات، وقالت المحكمة في تسيب الحكم \"وحيث أنه متى كانت الواقعة الثابتة بالحكم، هي أن المتهمين أملوا بسلامة نية على المأذون عند مباشرة عقد نكاحهم بعدم وجود موانع شرعية: وكانوا في الواقع يجهلون وجود ذلك المانع، فإن جهلهم هذا لم يكن عدم علم بقانون العقوبات، بل جهلًا بواقعة حال هي ركن من أركان جريمة التزوير المرفوعة بها الدعوى عليهم، أساسه عدم علمهم بحكم من أحكام قانون آخر هو قانون الأحوال الشخصية ... فهو خليط مركب من جهل مركب بالواقع، ومن عدم علم بحكم ليس من أحكام قانون العقوبات، ما يجب قانونًا في حدود المسائل الجنائية اعتباره في جملته جهلًا بالواقع، ومعاملة المتهمين على هذا الاعتبار١.\rوفقهاء القانون، وإن قالوا بذلك إلا أنهم قيدوا اعتبار هذا الجهل عذرًا بقيام المتهم بتقديم الدليل القاطع على أنه تحري، وسأل واستفسر، وأنه اعتقد بأنه كان يباشر عملًا مشروعًا، وأنه كان لاعتقاده هذا أسباب معقولة، وإلا فإن جهله هذا يعد جهلًا مشوبًا بالتقصير من جانب المتهم٢.\rويلاحظ أيضًا أن تفرقة القانونيين بين القوانين الجنائية، وغيرها من القوانين الأخرى من حيث افتراض العلم بها تفرقة غير مقبولة، ولا تستند إلى منطق قانوني، وإنما هي وسيلة تخفيف، أو تهرب مما يفرضه مبدأ افتراض العلم بالقانون.","footnotes":"١ تراجع نظرية الإباحة عند الأصوليين للأستاذ الدكتور سلام مدكور ص٥٢٠، ٥٢١ الأسس العامة لقانون العقوبات للأستاذ الدكتور سمير الجنزوري ص٥٢٩.\r٢ المرجع السابق ص٤٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234074,"book_id":3632,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":350,"body":"المطلب الثاني: الإرادة\rويقصد بها هنا النشاط النفسي الذي يهدف إلى تحقيق غرض معين، ويقتصر دورها عند البعض على الحركة الإجرامية المتمثلة في النشاط الإجرامي؛ لأن هؤلاء يرون أن حدوث النتيجة ما هو إلا ثمرة لقوانين طبيعية لا تستطيع الإرادة السيطرة عليها، والعمد عندهم يتحقق بمباشرة النشاط الإجرامي مع الرغبة في حدوث النتيجة١.\rفالجاني حينما يقبل على فعلته المجرمة، ويقدم عليها باختياره عن قصد مستهدفًا أحداث نتيجة معينة، يسمى في هذه الحالة فاعلًا مختارًا مريدًا بفعله أحداث نتيحة معينة.\rفالإرادة إذا عنصر لا بد من وجوده لقيام القصد الجنائي، الذي هو أساس قيام المسئولية الجنائية، إذ لا يسأل شخص عن نشاطه، وما نتج عنه إلا إذا كان هذا النشاط تعبيرًا عن إرادته، يستوي في ذلك أن تكون الجريمة عمدية، أو غير عمدية، إيجابية أو سلبية٢.\rفالإرادة الواعية أمر لا بد من التحقق من وجوده للحكم بتحقق القصد الجنائي؛ لأن العلم بالتجريم أمر مفترض كما سبق.\rأما لو أكره الفاعل على ارتكاب العمل الإجرامي بأن وقع تحت ضغط زال بسببه رضاه، وانعدمت إرادته، فإنه والحالة هذه يفقد","footnotes":"١ أصول قانون العقوبات أ. د. أحمد فتحى سرور ص٥٣٣-٥٣٥.\r٢ تتجه الإرادة في الجريمة العمدية إلى تحقيق الفعل، وإحداث النتيجة، إما في الجريمة غير العمدية، فالإرادة تتجه نحو الفعل دون النتيجة الأسس العامة لقانون العقوبات أ. د. سمير الجنزوري ص٤٣٥. شرح قانون العقوبات أ. د. محمود مصطفى ص٤١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234075,"book_id":3632,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":351,"body":"اختياره وينعدم قصده الجنائي، وعليه فإن عقوبته تتناسب تناسبًا عكسيًا مع درجة إكرهه؛ لأن الإكراه منه ما هو إكراه تام ينعدم معه الرضا، ويفسد الاختيار.\rومنه ما هو إكراه ناقص ينعدم معه الرضا، ولا يفسد الاختيار١، ولكل منهما أثره في دفع العقوبة، أو التخفيف منها، حسب درجته والجريمة التي ترتبت على قيام المكره -بفتح الراء- بالفعل الذي أكره عليه.\rويقتضى بين ذلك حديثًا موجزًا عن الإكراه بقدر ما يتطلبه المقام.\rالإكراه:\rويراد به: ما يفعل بالإنسان مما يضره، أو يؤلمه لحمله على القيام بفعل، أو قول لا يريده٢.\rأو هو فعل يفعله الإنسان بغيره، فيزول رضاه أو يفسد اختياره، أو هو أن يهدد المكره قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقاب يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه، وغلب على ظنه أنه يفعل به ما هدد به إذا امتنع عما أكرهه عليه٣.","footnotes":"١ يرجع المدخل للفقه الإسلامي ص٣٣٦، الإباحة عند الأصوليين ص٣٩٠.\r٢ مواهب الجليل ج٤ ص٤٥ ط أولى السعادة٣.\r٣ أسنى المطالب لأبي يحيى زكريا الأنصاري ج٣ ص٢٨٢، ط أولى المطبعة الميمنية، عرف ابن حزم الإكراه بما عرفه به اللغويون، وقال: هو كل ما سمي في اللغة إكراهًا، وعرف الحبس أنه إكراه كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك، أو الوعيد بالسجن كذلك، والوعيد بإفساد المال لقول رسول الله ﷺ: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه\" المحلى ج٩ ص٢٥٩ يراجع المدخل لفقه الإسلامي ص٣٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234076,"book_id":3632,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":352,"body":"والإكراه نوعان:\r١- إكراه تام: ويسمى الإكراه الملجئ، وهو ما خيف فيه تلف النفس، وهذا النوع من الإكراه يفسد الاختيار، ويعدم الرضا.\r٢- إكراه ناقص، أو إكراه غير ملجئ، وهو ما لا يخاف فيه التلف عادة كالحبس لمدة قصيرة، والضرب الذي لا يخشى منه التلف، وهذا النوع لا يفسد الاختيار لكنه يعدم الرضا١.\rوالإكراه التام، أو الملجئ منه ما هو مادي، وهو ما كان التهديد والوعيد فيه قائمًا، ومنه ما هو معنوي، وهو ما كان التهديد والوعيد فيه منتظرا، والإكراه التام بنوعيه يتفاوت من جريمة إلى أخرى، ذلك؛ لأن من الجرائم ما لا يؤثر الإكراه في حكمها وتجريم الإقدام عليها، وإلزام عقوبتها لمن ارتكبها حتى ولو كان مكرها -بفتح الراء، ومنها ما يؤثر الإكراه في حكمها، وتجريم الإقدام عليها، وإلزام عقوبتها لمن ارتكبها مع إكراهه، ودرجة تأثيره تتفاوت من جريمة إلى أخرى بمعنى أنه يترتب عليه رفع المسئولية الجنائية عمن ارتكب في ظله جرائم معينة، ويرفع العقوبة بصفة عامة بالنسبة لجرائم أخرى لعده سببا من أسباب إباحة الفعل، كما أنه يتفاوت من شخص لآخر؛ لأن ما يعتبر إكراها لذوي المروءات قد لا يعد إكراها بالنسبة لغيرهم.\rوالإكراه التام، أو الملجئ بنوعيه يؤثر على الإرادة، بمعنى أنها","footnotes":"١ البحر الرائق ج٣ ص٨٠ \"ط أولى\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234077,"book_id":3632,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":353,"body":"تنعدم معه، ويذهب الرضا، ولا يوجد اختيار مع وجود هذا الإكراه، إذا فإن القصد الجنائي ينعدم بوجوده، وتندرئ به العقوبة الحدية فيما عدا ما يجب بارتكاب جريمة القتل، أو قطع الطرف أو الضرب المهلك، فالإكراه على ارتكاب مثل هذه الجرائم لا ينتج عنه إعفاء المكره -بفتح الراء- من العقوبة الجنائية١؛ لأن الفقهاء أجمعوا على أن من أكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمة بجلد أو غيره، فلا بد للمكره أن يصبر على البلاء الذي ينزل به، ولا يحل له أن يفتدي نفسه بغيره٢.\rأما ما عدا القتل، فأقوال الفقهاء متغايرة في درء الحد أو إقامته، ففي جريمة الزنا اتفق الفقهاء على أن المرأة التي تستكره على الزنا لأحد عليها، وهذا ما قضى به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الوليدة التي استكرهت على الزنا، فقد ذكر ابن قدامة أنه: \"لا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم، وروي ذلك عن عمر والزهدي، وقتادة والثوري، والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، وذلك لقول الرسول ﷺ: \"عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\"، وعن جابر بن وائل عن أبيه: \"أن امرأة استكرهت على عهد رسول الله ﷺ، فدرأ عنها الحد\" ... \"إلى أن يقول ابن قدامة\"، أتي عمر بامرأة قد زنت، فقالت: إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلا برجل قد جثم علي فخلى سبيلها ولم يضربها؛ ولأن هذا شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات","footnotes":"١ الإباحة عند الأصوليين والفقهاء ص٣٩٠-٣٩١.\r٢ المغني: ج٧ ص٦٤٥، والمهذب: ج٢ ص١٨٩، وبدائع الصنائع ج٧ ص١٧٩، والبحر الرائق: ج٨ ص٧٤، ومواهب الجليل: ج٦ ص٢٤٢، والخرشي ج٨ ص٨٠، والجامع لأحكام القرآن: ج٥ ص ٣٧٩٩، والإباحة عند الأصوليين والفقهاء ص٣٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234078,"book_id":3632,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":354,"body":"ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء، وهو أن يغلبها على نفسها، وبين الإكراه بالتهديد بالقتل ونحوه١.\rأما بالنسبة للرجل الذي أكره على الزنا، فإن الإمام أبا حنيفة يرى أنه إذا كان الذي أكرهه هو السلطان، فلا حد عليه، وإن أكرهه غير السلطان حد عند أبي حنيفة؛ لأنه يرى أن الإكراه من غيره لا يدوم إلا نادرًا، ولتمكن المكره -فتح الراء- من الاستعانة بالسلطان، أو بجماعة المسلمين، أو يدفع الإكراه عن نفسه بالسلاح، وقال الصاحبان: لا يحد؛ لأن الإكراه كما يتحقق من السلطان يتحقق\rمن غيره، ووافقهما الشافعي، وابن المنذر.\rوقد علل أبو حنيفة رأيه بأن الزنا لا يتصور من الرجل إلا بعد انتشاره، وذلك دليل الطواعية، ورد على ذلك بأن الانتشار دليل متردد؛ لأنه قد يكون عن غير قصد؛ لأن الانتشار قد يكون طبعًا لا طوعًا كما في النائم، فأورث شبهة٢.\rوهذا الرأي الأخير هو ما أميل إليه، وأرجحه إعمالًا لما ذكر من حديث الرسول\rﷺ برفع جرم الفعل الذي استكره عليه مرتكبه، طالما ليس هذا الفعل قتلًا، أو قطع أحد الأعضاء، أو ضرب مهلك.","footnotes":"١ المغني: ج٨ ص١٨٦-١٨٧، وذكر أستاذي الدكتور مدكور أن الإكراه بالتهديد بالقتل، أو يتر أحد الأعضاء، أو بالضرب الذي يخاف فيه تلك النفس أو\rالعضو، إكراه تام ويسمى بالإكراه الملجئ، وهو معدم للرضا أيضًا غير أن الاختيار لا يفسد به؛ لأن المكره يستطيع تحمل الأذى المهدد به، المدخل للفقه الإسلامي ص٣٣٦.\r٢ فتح القدير: ج٥ ص٢٧٣، والخرشي/ ج٨ ص٨٠، والمغني: ج٨ ص١٨٧، والجامع لأحكام القرآن الكريم: ج٥ ص٣٧٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234079,"book_id":3632,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":355,"body":"وبالنسبة لشرب الخمر، فالفقهاء قد اجتمعوا على أن من أكره على ذلك إكراهًا ملجئًا لا عقوبة عليه، وإن كانوا قد اختلفوا على كون الفعل مباحًا للمكره، أو غير مباح١.\rوالقوانين الوضعية، وإن نصت على أنه لا عقاب على من ارتكبه جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة، وقاية نفسه، أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به، أو بغيره ولم يكن بإرادته دخل في حلوله، ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى.\rفهي وإن نصت على هذا إلا أنها لم تعتبر الإكراه سببًا من أسباب الإباحة، كما ترى الشريعة الإسلامية، وإنما عدته فقط سببًا من أسباب موانع المسئولية٢.","footnotes":"١ بدائع الصنائع ج٧ ص١٧٦: والمغني ج٨ ص٣٠٧-٣٠٨: والخرشي ج٨ ص١٠٩، والمحلى: ج١٣ ص٤٢٩، ومواهب الجليل: ج٥ ص٣١٨، والإباحة عند الأصوليين ص٣٩٠.\r٢ الأسس العامة لقانون العقوبات: ص٥٧٣، قانون العقوبات الأستاذ الدكتور نجيب حسني ص٥٧٨-٥٨٢، والأستاذ الدكتور أحمد فتحي سرور: ص٥٢٤-٥٢٥، الإباحة عند الأصوليين والفقهاء لأستاذي الدكتور سلام مدكور ص٣٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234080,"book_id":3632,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":356,"body":"الفصل الثالث: الإثبات\rمدخل\r...\rالفصل الثالث: الإثبات\rتمهيد:\rمرت البشرية عبر تاريخها بمراحل متعددة، اختلفت نظم الإثبات فيها تبعًا لاختلاف البيئة الاجتماعية، التي تحكم سير حياة الفرد والمجتمع.\rثم أنزل الله ﷾ على محمد ﷺ الشريعة الإسلامية، فحددت طرق الإثبات وبينت نظمه، وألزمت القاضي بذلك، أو حثته على العدل، وقعد الفقهاء ذلك كله في قواعد فقهية، أكدوا فيها على براءة المتهم حتى يثبت إدانته بالدليل القاطع اليقيني، وعلى الأخص في جرائم الحدود.\rوبين فقهاء الشريعة طرق الإثبات بصورة بدأ العالم المعاصر يعرف لها حقها، ويستحث خطى مقننية بغية الوصول إليها، والأخذ بها:\rابتغاء إحقاق الحق، وطلبا لإقرار العدل، ويراد بالإثبات عند اللغويين:\rإقامة الحجة الواضحة والبينة القوية، والبرهان الساطع ووضوح الحق، واستجلاء الدليل١، ويراد بالإثبات إقامة الدليل الشرعي أمام القاضي في مجلس قضائه على حق، أو واقعة من الوقائع، ويطلق الإثبات على الوسائل التي تؤدي إلى الكشف عن الحقيقة، والتي يؤسس","footnotes":"١ جاء في لسان العرب ج٨ ص٣٢٣-٣٢٤ \"ط الدار المصرية للتأليف والترجمة مادة \"ثبت\" أن أثبت مصدره إثبات، وأثبت حجته: أقامها وأوضحها. وقول ثابت أي صحيح، والثبت بالتحريك: الحجة والبينة وثابتة وأثبته: عرفه حق المعرفة.\rويراجع المنجد مادة \"ثبت\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234081,"book_id":3632,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":357,"body":"القاضي حكمه عليها، ومن هذه الوسائل الإقرار، والشهادة وغيرهما من كتابه وقرائن ومعانيه، وخبره وما إلى ذلك.\rويطلق الإثبات أيضًا على النتيجة التي تم التوصل إليها عن طريق الوسائل المذكورة، سواء أكانت مجتمعة، أو عن طريق بعضها فقط.\rوالنتيجة التي يتم التوصل إليها عن طريق وسائل الإثبات، هي ركيزة القاضي فيما يحكم به من وقوع الجريمة، أو عدم وقوعها، ومن أن من أقيمت عليه الدعوى هو الجاني أم أنه بريء، وإن كان هو الجاني فما مدى قصده الجنائي؟. وهل اكتملت أركان الجريمة أم لا؟ وهل له عذرًا أو شبهة يعتد بها في دفع العقوبة عنه، وما مدى حظه من أسباب الإباحة، أو موانع المسئولية إلى آخر ذلك مما يقف عليه القاضي، ويعرفه معرفة دقيقة حتى يكون حكمه للواقعة عادلًا لا جور فيه، ولا تقصير١.\rومما هو معروف أن الشريعة الإسلامية قد حددت طرق الإثبات في الجرائم الحدية، وألزمت القاضي هذه الطرق.\rكما أنها قد أباحت للقاضي حرية الاقتناع في حكمه للجرائم التعزيرية، ولا تكاد تخرج نظم الإثبات عند القانونيين عن ذلك٢.","footnotes":"١ الإثبات في المواد الجنائية للأستاذ الدكتور محمود مصطفى ج١ ص٣ \"ط أولى سنة ١٩٧٨\".\r٢ نظم الإثبات التي يعرفها القانون هي: نظام الإثبات القانوني، أو المقيد بمعنى أن القانون قد حدد الأدلة التي يمكن الإستناد إليها في الحكم ثانيًا: نظام الإثبات المعنوي أو المطلق، بمعنى أن القانون يبيح للقاضي في أن يقتنع بأي دليل يمكنه أن يبني عليه عقيدته، ولا سلطان عليه في ذلك إلا ضميره.\rثالثًا: النظام المختلط: هو وسط بين النظامين، أو يجمع بينهما. المرجع السابق ص٧-١١، ويراجع الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص٣ وما بعدها، ص٢٨٢ وما بعدها، المدخل للفقه الإسلامي ص٧٣٦ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234082,"book_id":3632,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":358,"body":"ونظرًا؛ لأن هذا البحث يتناول الجرائم الحدية، والشبهات التي تعتري أحد أركان جريمة من هذه الجرائم أو دليل إثباتها، كان لزامًا أن يقتصر الحديث هنا على طرق الإثبات التي يمكن على أساسها الحكم بالعقوبة الحدية، وبيان ما يعتري كل طريق منها من شبهات يترتب عليها درء العقوبة الحدية، سواء أنتج ذلك تبرئة المتهم، أو إلزامه بعقوبة تعزيرية تختلف، وعقوبة الجريمة التي لم يكتمل إثباتها عليه نظرًا لقصور في هذه الإثبات، أو لما لحقت به من شبهات.\rوطرق الإثبات التي سيعرض البحث لها البيان هي:\rأولًا: الإقرار وما يعتريه من شبهات تدفع الأخذ به في إثبات الجناية الحدية على المقر.\rثانيًا: الشهادة، وما يعتريها من شبهات تدفع الأخذ بها، وتنتج إسقاط العقوبة الحدية عن المدعى عليه، بل ويترتب على ذلك أحيانًا إلزام الشهود العقوبة الحدية، أو غيرها من العقوبات التعزيرية.\rثالثًا: القرائن، من حيث الاعتداد بها كدليل مستقل يمكن على أساسه إلزام المدعى عليه العقوبة الحدية، أم عدها من الأدلة المصاحبة، التي لا يتم عن طريقها وحدها الإلزام بالعقوبة الحدية.\rوسيكون الحديث عن كل طريق من طرق الإثبات حديثا عامًا يتناول ما يشترط فيه كدليل إثبات، ثم أذكر ما يجب أن يتوافر فيه من الشروط الخاصة، بإثبات بعض الجرائم الحدية عند الحديث عن كل جريمة من هذه الجرائم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234083,"book_id":3632,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":359,"body":"المبحث الأول: الإقرار\rمدخل\r...\rالمبحث الأول: الإقرار\rتعريف الإقرار:\rالإقرار في اللغة: الإذعان للحق والاعتراف به، ويطلق أيضًا على الإثبات، فيقال: قر الشيء يقر إقرارًا إذا ثبت١.\rوفي اصطلاح الفقهاء: أخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه، أو الاعتراف به٢.\rحجية الإقرار:\rالإقرار من أقوى البيانات، والحجج بشرط إلا تكذبه قرائن أخرى، إذ قد تدفع المقر بعض العوامل والضغوط، ثم مع ذلك قرينة إثبات لا تتعدى المقر، فلا يجوز إلزام شخص عقوبة نيتجة إقرار آخر بأنه شاركه جريمته، وهذا ما جرى عليه القضاء في عهد رسول الله ﷺ.\rفقد روي \"أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال:","footnotes":"١ لسان العرب، القاموس المحيط.\r٢ البحر الرائق ج٧ ص٢٧٢، فتح القدير ج٦ ص٢٧٦، شرح الجلال المحلى على منهاج الطالبين ج٣ ص٢ \"ط عيسى الحلبي\". الجامع لأحكام القرآن الكريم ج٣ ص٢٧٥٠، ج٤ ص٣٠٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234084,"book_id":3632,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":360,"body":"أنه قد زنى بامرأة سماها، فأرسل النبي ﷺ إلى المرأة، فدعاها فسألها عما قال، فأنكرت، فحده وتركها\"١.\rوقد ذهب الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أن الحد في مثل هذا لا يجب على المقر نظرًا؛ لأنه قد كذب من جانب من ادعى مشاركتها له جريمته، ومثل هذا التكذيب يعد شبهة تسقط بها العقوبة الحدية عن المقر.\rمن هذا يبين أن أثر الإقرار لا يتعدى المقر، ولا يلزم غيره بالعقوبة، وإن كان هناك من يرى إمكان أثر الإقرار إلى الشركاء باعتبار أن الإقرار قرينة، وهؤلاء يرون إمكان الإثبات بالقرائن٢، وسيأتي ذلك عند الحديث عن القرائن كوسيلة من وسائل الإثبات.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص٧٩، ١١٩، سبل السلام للصنعاني ج٤ ص٦ \"ط الثانية سنة ١٩٥٠م\".\rج٤ ص١٥٨، المغني ج٨ ص١٩٣، الشرح الكبير للمقدسي المتوفى سنة ٦٨٢هـ ج١٠ ص١٩٢ \"مطبوع مع المغني\".\r٢ صحيح البخاري ج٧ ص٥٩ ط دار الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234085,"book_id":3632,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":361,"body":"المطلب الأول: شروط في المقر\rيشترط في المقر لاعتبار ما أقر به دليل إثبات يعتد به في إلزام المقر ما يترتب على ذلك ما يأتي:\r١ البلوغ: فلا عبرة بما أقر الصبي به على نفسه.\r٢ العقل: فلا يعتد بقول المجنون، أو من في حكمه.\r٣ اليقظة عند الإقرار: لأن النائم لا أثر لما يردده من حديث.\rهذه الشروط الثلاثة لا بد من توافرها في المقر حتى يعتد بإقراره؛ لأن من لم تتوافر فيه هذه الشروط، أو انتقص منه واحد منها لا يصلح ما يصدر عنه دليل إثبات جناية من الجنايات عليه، إذ أن من المعروف عند فقهاء التشريع الإسلامي ما ورد من \"أن القلم رفع عن ثلاثة، عن المجنون، حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ\"١.\rومما هو معروف أيضًا أن رسول الله ﷺ لما جاءه ماعز مقرًا بجنايته، سأله رسول الله ﷺ: \"أبك جنون\"؟ فالرسول ﷺ قد ثبت لديه بلوغ ماعز، وأنه ليس بنائم، لذا سأله عن عقله.\rكما روى أنو داود بإسناده قال: \"أتى عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسًا، فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة آل فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم، فقال: ارجعوا بها. ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم رفع عن ثلاثة؟ وذكر له الحديث السابق.","footnotes":"١ القضاء في الإسلام أ. د: سلام مدكور ص٨٠، فتح القدير ج٤ ص١٥٨، المغني ج٨ ص١٩٣، الشرح الكبير للمقدسي المتوفى سنة ٦٨٢هـ ج١٠ ص١٩٢ \"مطبوع مع المغني\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234086,"book_id":3632,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":362,"body":"قال: بلى قال: فما بال هذه؟ قال: لا شيء قال: فأرسلها. فجعل عمر يكبر\"١.\rمن هذا يبين أن الصبي والمجنون، ومن في حكمهما لا يعتد بقولهم في إثبات الجنايات عليهم، ولا يلزمون بالعقوبة الجنائية نظيرًا ما وقع منهم، وهذا واضح في شأن المجنون مما ذكر من أن عمر أسقط العقوبة بسبب جنون الفاعل وقت ارتكابه فعلته، ومن هذا يبين أيضًا أن من أقر بشيء، وهو واقع تحت تأثير ما يعيبه كأن يكون تحت عملية جراحية، ومن أثر ما أعطي من \"البنج\" اعترف بارتكابه جريمة ما من الجرائم، فإنه لا يعد اعترافه هذا دليل إثبات جنائي.\rإقرار السكران:\rالسكران هو من ذهب عقله بسبب تعاطيه شيئًا مسكرًا، سواء أكان خمرًا، أو غير ذلك.\rوقد جاء في تفسير القرطبي: أن السكران هو من لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة.\rوجاء أيضًا أن حد السكر اختلال العقل، فإذا استقرئ خلط في قراءته، وتكلم بما لا يعرف، استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٢.\rفالسكران إذا: هو من استتر عقله، فغلب على كلامه الهذيان","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٩٤، المهذب ج٢ ص٣٤٣.\r٢ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج٢ ص١٧٧٢-١٧٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234087,"book_id":3632,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":363,"body":"والسكران يخالف المجنون في أن الأول استتر عقله، ولكنه لم يذهب كالمجنون.\rوللفقهاء آراء في الاعتداد بإقرار السكران، ولبيان ذلك يجب التفريق بين حالتي سكره؛ لأنه إما أن يكون معتديًا بسكره، أو يكون غير متعد به.\rأولًا: المتعدى بسكره: \"وهو من شرب مسكرًا عالمًا لغير ضرورة\" يرى فقهاء الأحناف أن إقرار السكران المتعدي بكسرها إقرار صحيح يؤخذ به، إلا في الحدود الخالصة حقا لله تعالى، فمن أقر بقتل، أو بجناية على ما دون النفس من الجنايات التي تستوجب عقوبة القصاص، أو الدية أخذ بإقراره هذا؛ لأن هذه حقوق الآدميين، أما من أقر وهو سكران بجناية من الجنايات المتعلقة بحق من الحقوبق الخاصة لله ﷾ كالزنا مثلًا، فإنه لا يؤاخذ بإقراره هذا؛ لأنه سكران؛ ولأن حقوق الله مبنية على المسامحة١.\rمن هذا يبين أن السكران المتعدي بسكره، إذا أقر بحد خالص لله ﷾، فإنه لا تلزمه العقوبة الحدية بإقراره هذا، أما إذا أقر بحق خالص للآدمي، فإنه يلزم بما أقر به.\rويلزم أيضًا بإقراره إذا أقر بما فيه حق لله ﷾، وحق","footnotes":"١ حاشية ابن عابدين ج٤ ص٦٢١، كما جاء في الهداية مع فتح القدير ج٤ ص٧٧١ ط، مصطفى محمد \"ولا يحد السكران بإقراره على نفسه لزيادة احتمال الكذب في إقراره، فيحتال لدرئه؛ لأنه خالص حق الله تعالى، بخلاف حد القذف؛ لأن فيه حق العبد، والسكران فيه كالصاحي عقوبته عليه، كما في سائر تصرفاته، البحر الرائق ج٥ ص٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234088,"book_id":3632,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":364,"body":"لآدمي، فإذ أقر بأنه قذف فلانا ممن يلزمه بقذفه الحد لزم بعقوبة ما أقر به هذا ما ذهب إليه فقهاء الأحناف، ومن ذهب مذهبهم١.\rأما جمهور فقهاء الشافعية، فإنهم يرون أن المتعدي بسكره إقراره صحيح يؤاخذ به في كل ما أقر به من جنايات، سواء وقع الاعتداء فيها على حق الله ﷾ أو حق العبد؛ لأن المتعدي بسكره يجب أن يتحمل نتيجة عمله تغليظًا عليه، وجزاء لما أقدم عليه، وهو يعلم أنه سيذهب عقله، فعقوبته بإقراره زجر له، وردع لأمثاله كي يقلعوا عما يذهب نور عقولهم، واختار المازني، وأبو ثور عدم مؤاخذة السكران بإقراره؛ لأنه زائل العقل فأشبه النائم، أو مفقود الإرادة -المكره، وهذا ما ذهب إليه ابن حزم٢، وما ذهب إليه جمهور فقهاء الشافعية ومن وافقهم، وإن كان أميل إلى الردع والزجر إلا أن السكران ردعه، وزجره بعقوبته على جريمة الشرب، أما إلزامه بما يقر به، وهو سكران تغليظًا عليه كي يقلع، فهو إلزام له بعقوبة حدية دليل إثبات جريمتها عليه دليل غير مقطوع بصحته لاحتماله البطلان بالقدر الذي يحتمل به الصحة، ودليل إثبات كهذا لا يقام به حد، حتى ولو كان الإقرار من السكران بارتكابه جريمة قذف.\rولا يجوز القول بحده نظرًا؛ لأنه وقع منه قذف وقت إقراره سواء أكان الإقرار صحيحًا أم لا، وذلك؛ لأن العقاب على جريمة الشرب قد روعي فيه جواز وقوع مثل ذلك منه، فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في شارب الخمر: \"أنه إذا شرب","footnotes":"١ المراجع السابقة: المغني ج٨ ص١٩٥.\r٢ أسنى المطالب مع حاشية الرملي ج٣ ص٢٨٣، ٢٨٤ \"ط أولى المطبعة الميمنية\" المهذب ج٢ ص٧٧، ٣٤٣، المغني ج٨ ص١٩٥ المحلى ج١٣ ص٢٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234089,"book_id":3632,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":365,"body":"سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة\"١.\rإذا، فإن جعل حد الشرب بهذا القدر من الجلد مبني على احتمال الافتراء من السكران، والقذف دخل فيما يصدق عليه لفظ الافتراء، سواء أكان القذف الذي وقع من السكران هو ما جاء في إقراره، أو أنه أقر بقذف وقع منه قبل سكره، وقد جاء يعترف به.\rثانيًا: غير المتعدي بسكره -أو من تغيب عقله بسبب غير مجرم، وهو من تغيب عقله بسب شربه خمرًا دست عليه، فسكر بسب ذلك، أو تغيب عقله بسبب ما تعاطاه علاجًا حدده له طبيب عادل، كما يعطى هو البنج مثلًا أثناء العمليات الجراحية، وما إلى ذلك.\rفمن تغيب عقله بسبب يعذر فيه، ولا يعاقب عليه لا يلزمه الحد بإقراره في حالته هذه، سواء أقر بما يجب فيه الحد حقًا لله ﷾ خالصًا، أو ما فيه\rحق العبد أيضًا، وذلك؛ لأن الإقرار المذكور لا يصلح دليل إثبات في الحدود\rلعدم إفادته الدلالة القطعية، وأدلة إثبات الحدود لا بد، وأن تكون أدلة قطعية لا تحتمل شبهة من الشبهات.\r٤ أن يكون المقر مختارا حرا في إقراره وغير مجبر عليه، أو واقع تحت تأثير، أو تحديد من يقدر على تحقيق ما وعد به من تحديد، فلا يعتد إلا بإقرار من كان مختارًا حرًا؛ لأنه إذا أقر باختياره، وحريته انتفت عنه التهمة، إذا الاختيار مدعاة الصدق، أما لو أكره على إقراره، فأقر دفعا للضرر وخوفًا من التهديد والوعيد،\rفإن إقراره في هذه الحالة لا يعتد به، ولا تلزمه به عقوبة حدية، ولا يلحقه به إثم.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص١٦٣-١٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234090,"book_id":3632,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":366,"body":"وقد ذكر القرطبي إجماع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه أن كفر، وقلبه مطمئن بالإيمان.\rوذكر القرطبي ما روي عن ابن مسعود من أنه قال: \"ما من كلام يدرء عني سوطين من ذي سلطان، إلا كنت متكلمًا به\"١.\rكما ورد من عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: \"ليس الرجل بأمين على نفسه إذا جوعته، أو ضربته، أو وثقته٢.\r٥ انتفاء التهمة عن المقر فيما أقر به على نفسه؛ لأن الإقرار شهادة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣.\rفالقوامة بالقسط والشهادة على النفس تقتضي الأمانة، وعدم الطعن في الذمة -فما دامت الشهادة ترد بالتهمة، فالإقرار أيضًا يرد بها٤، فقد يحدث الكذب في الإقرار، بأن يقر الشخص على نفسه","footnotes":"١هذا بالنسبة للإكراه على القول، أما الإكراه على الفعل، فقد ذكر القرطبي أن كلمة الفقهاء لم تتفق على إباحة الفعل بإلاكراه، وأيد الرأي القائل بإباحة الفعل، ثم يبين أن العلماء قد أجمعوا على أن من أكره على قتل غير لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد، أو غيره الجامع لأحكام القرآن ج٥ ٣٧٩٨، ٣٧٩٩.\r٢ المغني ج٨ ص٣٤٣.\r٣ يقول القرطبي عند تفسيره للآية ١٣٥ من سورة النساء: \"قوامين\" بناء مبالغة، أي لتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحق عليها -الجامع لأحكام القرآن ج٣ ص١٩٨٠.\r٤ المحلى ج١٣ـ س١٠١-١٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234091,"book_id":3632,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":367,"body":"بجرائم لم يتركبها لينفي التهمة عن الفاعل الأصلي، وكثيرًا ما يحدث هذا إذا كان الجاني الحقيقي ذا جاه، أو سلطان ومعاقبته على جنايته سيترتب عليها إلحاق الضرر به، أو إضعاف جاهه أو سلطانه، وهو يستنكف هذا، لذا فإنه يسعى جاهدًا بكل الطرق والوسائل، فيغري غيره من ضعاف الناس والنفوس، أو الذين تخضعهم ظروفهم إلى قبول الإقرار على أنفسهم بجرائم ارتكبها الآخرون طمعًا في الجاه، أو المال أو ما إلى ذلك رغبًا أو رهبًا، فيقر هؤلاء بجرائم لم يقترفوها، وجنايات لم يرتكبوها١.\rوكم كشفت الأحداث كثيرًا من هذا، ولذا فإن على الذي يحكم الواقعة أن يتحرى الدقة، ويحقق الوقائع، ويعمل جاهدًا لاستظهار الحق.\rومعرفة ما يمكن أن يخرج الحق عن نصابه الحقيقي، فيتجنبه، ويعيد الحق إلى نصابه حتى لا تزر وازرة وزر أخرى.","footnotes":"١ ذكر ابن قيم الجوزية أمثلة لقضايا كثيرة أقر فيها غير الجناية الأصليين بارتكابها لها، ثم وضح الحق، وظهر ما يعارض إقرارهم، الطرق الحكمية ص٨٢، ٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234092,"book_id":3632,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":368,"body":"المطلب الثاني: شروط في الإقرار\rيشترط في الإقرار الذي يعتبره الفقهاء دليل إثبات جنائي ما يأتي:\r١ أن يكون الإقرار مبينا مفصلًا ظاهرًا لا يحتمل اللبس، أو التأويل دالا دلالة يقينية تفيد القطع بأن من يقر قد ارتكب الجناية التي جاء مقرا بها.\rيدل على هذا مراجعة الرسول ﷺ ماعزًا، فقد سأله الرسول ﷺ، واستوضح منه حقيقة الفعل الذي وقع منه إلى حد أنه ﷺ نطق بلفظه ما كان يجب النطق بها، لولا تحريه لدقة، وبيان صحة ما أقر به ماعز١.\rمستهدفًا ﷺ من ذلك أن يكون الإقرار صحيحًا واضحًا لا لبس فيه، ولا احتمال لأمر خفي يمكن أن يكون شبهة تدرء الحد عن المقر.\rفلو احتمل الإقرار اللبس، أو التأويل، أو شابه شيء من الغموض أو الخفاء، اعتبر ذلك شبهة قد تدرء الحد عن المقر لوقوفها حائلًا بينه، وبين إلزامه العقوبة الحدية.\rوقد بين الفقهاء اشتراط وضوح الإقرار، والاستفسار من المقر عما كان منه، وكيفيته، وزمانه، ومكانه.\rفيقول المرغيناني: \"فإذا تم إقراره سأله عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ وبمن زنى؟ \"٢.\rويقول الشربيني الخطيب عند حديثه عن شروط الإقرار المثبت جريمة السرقة: \"إأن يفضل الإقرار كالشهادة، فيبين السرقة والمسروق منه، وقدر المسروق والحرز بتعيين أو وصف، بخلاف ما إذا لم يبين ذلك؛ لأنه قد يظن غير السرقة الموجبة للقطع سرقة موجبة له\"٣، واشتراط ذلك في الإقرار بالسرقة الموجبة للحد ليس خاصًا بها وحدها","footnotes":"١ سبل السلام للصنعاني ج٤ ص٧، ٨ نيل الأوطار ج٧ ص١١١، ١١٣.\r٢ الهداية مع فتح القدير ج٥ ص٢١٥-٢٢٢، ويراجع المغني ج٨ ص١٩٣.\r٣ مغني المحتاج ج٤ ص١٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234093,"book_id":3632,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":369,"body":"وإنما ينسحب اشتراط ذلك على كل إقرار تثبت به جريمة حدية، ويلزم المقر على أثر إقراره بالعقوبة المحددة من لدن الشارع الحكيم.\rمن هنا كان قول جمهور الفقهاء بعدم الاعتداد بإقرار الأخرس بإشارته، حتى ولو كانت الإشارة مفهمة؛ لأنها تحتمل الشبهة، ولا يفيد القطع واليقين، إذ هي تحتمل ما فهم منها وغيره، واحتمالها لذلك يجعلها إشارة غير مفيدة اليقين، وإقرار كهذا لا يعد دليل إثبات جناية حدية لاحتماله الشبهة التي يندرئ بها الحد.\rيقول ابن قدامة: \"وأما الأخرس، فإن لم تفهم إشارته، فلا يتصور منه إقرار، وإن فهمت إشارته، فقال القاضي: عليه الحد وهو قول الشافعي، وابن القاسم صاحب مالك، وأبي ثور وابن المنذر؛ لأن من صح إقراره بغير الزنا صح إقراره به كالنطق، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحد بإقرار ولا بينة؛ لأن الإشارة تحتمل ما فهم منها وغيره، فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه مما يندرئ بالشبهات، ولا يجب بالبينة لاحتماله أن يكون له شبهة لا يمكنه التعبير عنها، ولا يعرف كونها شبهة، ويحتمل كلام الخرقي أن لا يجب الحد بإقراره؛ لأنه غير صحيح؛ ولأن الحد لا يجب مع الشبهة، والإشارة لا تنتفي معها الشبهات\"١.\rهذا ما قال به جمهور الفقهاء الذين يرون عدم الاعتداد بإقرار الأخرس في إثبات الجرائم الحدية.\rأما من قالوا بالاعتداد به أن أفهم قياسًا منهم على أنه ثبت به غير الزنا، فكلمة غير هنا عامة، ويجوز أن يقصد بها أنه يثبت به بعض الجنايات غير الحدية، وحتى لو جاز أنهم يقصرون بغير لازنا بعض الجنايات الحدية الأخرى، فإنها لو ثبت بإشارة الأخرس لما لزم بهذا","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٩٦، المبسوط ج٩ ص٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234094,"book_id":3632,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":370,"body":"الجنايات الحدية الأخرى، فإنها لو ثبت بإشارة الأخرس لما لزم بهذا الإثبات الحد لاحتمال الشهبة، وهؤلاء الفقهاء الذين ذكر ابن قدامة أنهم يعتدون بإشارة الأخرس المفهم، قد ورد عنهم القوم بدرء الحدود بالشبهات، وإشارة الأخرس لا تخلو عن شبهة.\rهذا وإن كنت أميل إلى أن الأخرس لو كان يحسن الكتابة، والقراءة فكتب إقراره، ثم راجعه القاضي عن طريق الكتابة، واستفسر منه عن كل ما يمكن الاستفسار عنه، فأجاب الأخرس كتابة عن كل ذلك، وكانت إجاباته واضحة مفيدة ارتكابه الجناية الحدية إفادة واضحة، وصلت بالقاضي إلى حد اليقين، فإنه والحالة هذه تلزمه العقوبة الحدية بإقراره بهذه الصورة.\rأما إذا لم يكن الأخرس يعرف الكتابة، فإنه لا يمكن أن تفيد إشارته الإقرار القاطع الذي يثبت به الحد؛ لأنها إشارة لا تفيد اليقين، وتبقى الشبهة عالقة بها، وعليه فإن الحد يندرئ عنه، ولا يلزمه.\r٢ ألا يوجد ما يعارض صحة الإقرار أو يثبت نفيه؛ لأن وجود ما يعارض صحة الإقرار ينفي عن الإقرار صفة القطعية، ويلحق به شبهة، ومثل هذا لا يصلح دليل إثبات جنايته من الجنايات الحدية، فمن يقر بأنه سرق ذهبًا مثلًا من خزينة فلان الموجودة بمكان كذا، فأرسل القاضي يطلب صاحب الخزينة الذي حدده السارق في إقراره، فجاء الرجل وذكر بأنه ليست له خزينة في المكان الذي ذكر المقر، وظهر أن المكان لا يوجد فيه ما يسرق منه، أو ثبت أن الخزينة التي حددها المقر لم تفتح، ولم يسرق منها شيء، فإن مثل هذا الإقرار لا يعتد به، ولا يلزم المقر بمقتضاه العقوبة الحدية.\rومثل هذا أيضًا من يقر بأنه قتل فلانًا، فإذا بالذي زعم المقر أنه قتله حي يرزق، أو كان هذا الذي زعم المقر بأنه قتله موجودًا بمكان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234095,"book_id":3632,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":371,"body":"لا يمكن أن يصل إليه فيه المقر، أو كان الشخص الذي زعم المقر بأنه قتله بالأمس قد مات منذ فترة بعيدة، أو أقر بأنه قد ذبحه بسكين، فإذ به قد مات موتًا طبيعيًا، وكان أهله بجواره، وهو يعالج سكرات الموت.\rوكما لو أقر بأنه زنى بفلانة، وظهرت رتقاء، أو ظهر أنه مجبوب، فالإقرار في كل هذا وقد وجد ما يعارضه، وينفي عنه صفة القطعية التي هي شرط للاعتداد به، والحكم بمقتضاه.\rوقد بين هذا ما ذكره ابن نجيم عند الحديث عن شروط الإقرار الذي يعتد به في إثبات الجنايات الحدية، فقال: \"أن لا يظهر كذبه في إقراره، فلو أقر فظهر مجبوبًا، أو أقرت فظهرت رتقاء، وذلك بأنه تخبر النساء بأنها رتقاء قبل الحد اندرء الحد، وذلك؛ لأن إخبارهن بالرتق يوجد شبهة\"١.\rفوجود الشبهة في الإقرار أو وجود ما يعارضه أولى بالاعتداد به من الإقرار نفسه؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل ثابت يقيني لا يوجد ما يعارضه، أو يوهن منه٢.\r٣ يجب أن ييستمر الإقرار قائمًا من المقر بالصورة التي تفيد اليقين، وتبقى ثبوت الإقرار حتى يتم تنفيذ العقوبة الحدية.","footnotes":"١ البحر الرائق ج٥ ص٧، كما جاء في المبسوط ج٩ ص٩٨ \"ط بيروت\"، وإن أقر المجبوب بالزنا لا يحد؛ لأنا نتيقن بكذبه، فالمجبوب ليس معه آلة الزنا، والمتيقن بكذبه أكثر تأثيرًا من رجوعه عن الإقرار.\r٢ الأشباه والنظائر للسيوطي ص٥٩، الطرق الحكمية لابن قيم ص٨٢-٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234096,"book_id":3632,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":372,"body":"فإذا رجع المقر عن إقراره، أو نتفت عن الإقرار صفة القطعية قبل تنفيذ العقوبة الحدية، أو أثناء تنفيذها، فإن جمهور الفقهاء يرى إسقاط العقوبة الحدية، أو ما بقي منها، إذا لم يكن هناك دليل إثبات لهذه الواقعة غير إقرار المقر، وكان الاعتداء قد وقع على حق من حقوق الله ﷾.\rسواء أكان رجوع المقر عن إقراره رجوعا صريحا، أم كان رجوعا ضمنيا، وإن كان الرجوع الضمني يحتاج إلى استيضاح واستفسار.\rهذا إجمال لوجهة نظر الفقهاء في رجوع المقر تحتاج إلى شيء من التفصيل والبيان أورده فيما يأتي:\rالرجوع عن الإقرار:\rالرجوع عن الإقرار إما أن يكون صريحا أو غير صريح، فالرجوع الصريح يتحقق بقول المقر: كذبت في إقراري، أو رجعت عنه، أو لم أفعل ما أقررت به.\rوالمقر الذي رجع في إقراره إما أن يكون قد أقر بحق من حقوق الله ﷾ التي تدرء بالشبهات، وأما أن يكون قد أقر بحق من حقوق العباد، أو بحق من حقوق الله ﷾ التي لا تسقط بالشبهات، كالزكاة والكفارات، فإن كان قد أقر بحق من حقوق الله ﷾ التي تدرء بالشبهات، فإن جمهور الفقهاء يرون إسقاط الحد عنه برجوعه عن إقراره بما يوجبه.\rواستدلوا لذلك بما روي من أن رسول الله ﷺ لقن المقر بالسرقة الرجوع عن إقراره، وذلك حين أتى -صلى الله عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234097,"book_id":3632,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":373,"body":"وسلم- بلص، فاعتراف اعترافًا ولم يوجد معه المتاع، فقال له رسول الله ﷺ: \"ما أخالك سرقت\"؟.\rفلو لم يكن لرجوع المقر عن إقراره أثر في إسقاط الحد عنه لما لقنه رسول الله ﷺ ذلك١.\rكما استدل الجمهور: لما ذهبوا إليه أيضًا بما روي عن أن ماعزا لما وجد مس الحجارة صرخ، وقال: يا قوم ردوني إلى رسول الله -صل الله عليه وسلم، فإن قومي قتلوني، وغروني من نفسي، وفي رواية أخرى أنه فر، فتبعه المسلمون ولم يتركوه حتى قتل، فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ، وأخبروه قال: \"فهلا تركتموه، وجئتموني به\".\rيقول الشوكاني: \"استدل به على أنه يقبل من المقر الرجوع عن الإقرار، ويسقط عنه الحد، وإلى ذلك ذهب أحمد والشافعية، والحنفية والعترة، وهو مروي عن مالك في قول له٢.","footnotes":"١ يقول الشوكاني عن هذا الحديث: قال الحافظ في بلوغ المرام: رجاله ثقات ثم يقول: وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة، منها عن أبي الدرداء: أنه أتي بجارية سرقت، فقال لها: أسرقت؟ قولي: لا، فخلى سبيلها، وعن عطاء عن عبد الرازق أنه قال: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا وسمى أبا بكر وعمر، وأخرج أيضًا عن عمر بن الخطاب أتي برجل، فسأله: قل: لا، فقال: لا، فتركه.\rوعن أبي هريرة عند أبي شيبة أن أبا هريرة أتي بسارق، فقال: أسرقت؟ قل: لا مرتين أو ثلاثًا، وعن أبي مسعود الأنصاري في جامع سفيان أن امرأة سرقت جملًا فقال: أسرقت؟ قولي: لا.. وفي ذلك دليل على أنه يستحب تلقين ما يسقط الحد، نيل الأوطار ج٧ ص١٥٠-١٥١.\r٢ المراجع السابق ص١١٤-١١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234098,"book_id":3632,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":374,"body":"هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، بالنسبة لمن أقر بحق من حقوق الله ﷾، ثم رجع عن إقراره في حالة ما إذا كان الحق يسقط بالشبهة، أما من أقر بحق من حقوق العباد، أو بحق من حقوق الله ﷾ التي لا تسقط، بالشبهة ثم رجع في إقراره، فإنه لا أثر لرجوعه هذا، ويلزم بما أقر به، نظرًا؛ لأنه قد ألزم نفسه بحق للغير الذي يمكن أن يكذبه في رجوعه، ويطالب بحقه؛ ولأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وما دام قد ثبت له فلا يمكن إسقاطه بغير رضاه، هذا ما ذهب إليه الجمهور، وإن كان هناك من الفقهاء من لا يعتد بالرجوع مطلقًا، سواء أقر بحق الله تعالى أم بحق للعبد، وهؤلاء قد قاسوا عدم إسقاط حق الله بالرجوع عن الإقرار بحق العبد في ذلك، وقد أورد ابن نجيم رأي الجمهور في قوله: \"فإن رجع عن إقراره قبل الحد، أو في وسطه خلى سبيله؛ لأن الرجوع خبر محتمل للصدق كالإقرار، وليس أحد يكذبه فيه فتحقق الشبهة بالإقرار، بخلاف ما فيه حق العبد وهو القصاص، وحد القذف لوجود من يكذبه، ولا كذلك ما هو خالص حق الشرع\"١، كما ذكر الشيرازي: أن من أقر بحق لآدمي، أو بحق لله تعالى لا يسقط بالشبهة، ثم رجع في إقراره لم يقبل رجوعه؛ لأنه حق ثبت لغيره، فلم يملك إسقاطه بغير رضاه، وإن أقره بحق لله ﷿ يسقط بالشبهة نظرت، فإن كان حد الزنا، أو حد الشرب قبل رجوعه٢، والإمام مالك -رضي الله تعالى عنه، وإن قال بسقوط الحد الذي وجب حقا لله ﷾ بإقرار المقر على نفسه إذا رجع عن اقراره، إلا أنه قد ورد عنه في إحدى الروايات اشتراط أن يرجع المقر عن إقراره لوجود شبهة، أما لو رجع عن إقراره لغيره شبهة، فلا يعتد برجوعه هذا، ويلزم الحد الواجب حقًا لله تعالى٣.","footnotes":"١ البحر الرائق ج٥ ص٨ فتح القدير ج٥ ص٢٢٣.\r٢ المهذب ج٢ ص٣٥٢ مغني المحتاج ج٤ ص١٥٠.\r٣ يقول ابن رشد القرطبي مبينا ذلك: وفصل مالك، فقال: إن رجع إلى شبهة قبل رجوعه: وأما إن رجع إلى غير شبهة، فعنه في ذلك روايتان إحداهما يقبل، وهي الرواية المشهور والثانية لا يقبل رجوعه بداية المجتهد ج٢ ص٤٧٤، والموطأ ص٢٤٥، وقد ذكر الدردير أن المقر بالسرقة أو الزاني، أو الشارب، أو المحارب إذا رجع عن إقراره قبل رجوعه سواء أكان رجوعه لشبهة أم لا، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234099,"book_id":3632,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":375,"body":"وقد ذكر الشوكاني أن ابن أبي ليلى، والبتي وأبو ثور، ورواية عن مالك، وقول الشافعي أنه لا يقبل الرجوع عن الإقرار بعد كماله، سواء أكان الحد الذي وجب بالإقرار حقا لله تعالى، أم كان حقًا للآدمي قياسًا لحق الله ﷾ بحقوق الآدميين التي لا يسقط برجوع المقر عن إقراره بها، وثبوتها عليه١.\rوذهب فقهاء الشيعة الجعفرية إلى أن رجوع المقر عن إقراره، لا يترتب عليه إسقاط حد من الحدود التي وجبت عليه بإقراره، إلا في حالة ما إذا كان الحد الواجب بالإقرار هو الرجم، فإن المقر إذا رجع عن إقراره هذا سقط عنه الرجم، وألزم عقوبة الجلد الحدية بدل الرجم.\rفالرجوع عن الإقرار لا أثر له عندهم، إلا في هذا فقط بالنسبة للعقوبات الحدية.\rفقد ذكر أبو القاسم الموسوي أنه: لو أقر شخص بما يوجب","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص١١٦، ويراجع المهذب ج٢ ص٣٥٢، مغني المحتاج ج٤ ص١٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234100,"book_id":3632,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":376,"body":"رجمه، ثم جحد سقط عنه الرجم دون الحد، ولو أقر بها يوجب الحد غير الرجم، ثم أنكر لم يسقط١.\rوقول أبي القاسم الموسوي محل نظر؛ لأنه قد ذكر عند حديثه، عن ثبوت الحد بشهادة الشهود: أن الحد إذا ثبت بشهادة الشهود، ثم رجعوا قبل الحكم، أو قبل استيفاء الحد لم يقم الحد؛ لأن رجوع الشاهد يحقق الشبهة، والحدود تدرء بالشبهات.\rفإذا كان رجوع الشاهد تنتج عنه شبهة تدرء الحد، فكيف برجوع المقر؟ لا شك أن رجوع المقر أولى بإنتاج الشبهة من رجوع الشاهد؛ لأن الشاهد يرجع نتيجة مساومته على ذلك، ورجوع المقر قد يكون ناتجًا عن اكتشافه حقيقة فعله الذي ارتكبه، ومعرفته أن هذا الفعل لا تقوم به الجريمة التي أقر بها، وليس هناك مبرر لاعبتار الشبهة برجوع الشهود، ونفي قيامها برجوع المقر.\rهذه مقالة الفقهاء في رجوع المقر عن إقراره رجوعًا صريحًا.\rأما لو كان الرجوع عن الإقرار غير صريح كهروب الذي يقام عليه الحد مثلًا، فإن جمهور الفقهاء يرى أن هذا الهروب يعتبر رجوعًا عن الإقرار، ويترتب عليه إسقاط العقوبة الحدية -هذا ما ذهب إليه فقهاء الأحناف، والمالكية والحنابلة.","footnotes":"١ واستدل لذلك بما روي عن صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله -رضي الله تعالى عنه- في رجل أقر على نفسه عند الإمام أنه سرق في جحد قطعت يده. وإن رغم أنفه، وإن أقر على نفسه أنه شرب خمرًا، أو بقرية فاجلدوه ثمانين جلدة، قلت: فإن أقر على نفسه بحد يجب فيه الرجم، أكنت راجمًا؟ فقال: لا ولكن كنت ضاربه الحد، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234101,"book_id":3632,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":394,"sequence_num":377,"body":"مستدلين بما روي من قول النبي ﷺ لمن تتبع ماعزًا عند هروبه: \"هلا تركتموه\".\rفالأئمة الثلاثة يعتبرون أن مجرد الهروب عند التنفيذ دليل رجوع المقر عن إقراره، وبذا يسقط عنه الحد دون حاجة إلى التصريح بالرجوع١.\rأما جمهور فقهاء الشافعية، فإنهم يرون أن هروب المقر أثناء إقامة الحد عليه لا تعتبر رجوعًا إذا صرح بذلك.\rوعليه فإن الهروب يقتضي أن يوقف تنفيذ الحد، أو إتمامه حتى يسأل الهارب، ويستفسر منه عن سبب هروبه، فإن صرح بالرجوع عن الإقرار قبل رجوعه، وسقط عنه الحد، أو ما بقي منه، وإن لم يصرح بالرجوع ألزم الحد أو ما بقي منه، واستدل فقهاء الشافعية لما ذهبوا إليه بأن الرسول ﷺ لم يلزم من تتبع ماعزا حتى قتله الدية.\rإذ لو كان الهروب وحده كافيًا في إسقاط الحد من غير تصريح بالرجوع لكان هؤلاء قد قتلوا، وعليه يلزمون دية من قتلوه.\rوقيام شبهة وجوب الحد عليه، وهي التي درءت عنهم القصاص، ولكنها لا تدرء\rالدية٢.","footnotes":"١ تبين الحقائق ج٣ ص١٦٧، بدائع الصنائع ج٧ ص٦١، ٢٣٢، شرح الزرقاني ج٨ ص٨١، ١٠٧، بداية المجتهد ج٢ ص٤٧٤ المغني ج٨ ص١٩٧.\r٢ أسنى المطالب ج٤ ص١٣٢، وذكر الشيرازي، أن من وجد ألم الحد فهرب فالأولى أن يخلى؛ لأنه ومما رجع عن الإقرار، فيسقط عنه الحد المهذب ج٢ ص٣٤٥، نيل الأوطار ج٧ ص١١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234102,"book_id":3632,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":378,"body":"وما ذهب إليه جمهور فقهاء الشافعية، من أن هروب المقر عند تنفيذ الحد من غير تصريح بالرجوع عن الإقرار، لا يعد شبهة مسقطة للعقوبة الحدية هو الرأي الذي يناسب مقام إنزال العقوبة الحدية بالجاني، نظرًا؛ لأن هذه العقوبة من أشق العقوبات، وأشدها إيلامًا بالبدن، والنفس، وقد يحاول الجاني الذي يقام عليه الحد التخلص من آلامه الجسدية بصورة، أو بأخرى دون ما شعور، ومن غير قصد الرجوع عن الإقرار.\rومن هنا كان لا بد من أن يستفسر ممن هرب عند تنفيذ العقوبة الحدية عليه، ويسأل عن قصده وسبب هروبه، فإن صرح بالرجوع عن إقراره قبل منه، واعتبر ذلك شبهة تنتج إسقاط العقوبة الحدية عنه، وإن لم يصرح بالرجوع ألزم الحد طالمال لم يوجد ما يعول عليه في إسقاطه.\rهذه هي مقالة الفقهاء في الاعتداد برجوع المقر عن إقراره، واعتباره شبهة تسقط العقوبة الحدية، وهو ما ذهب إليه جمهورهم، أو عدم اعتباره شبهة، وإعمال الإقرار الذي كان منه، وإلزامه العقوبة الحدية، وعدم الالتفات إلى ما كان من رجوعه عن إقراره، سواء أكان قد أقر بحق الله ﷾، أو بحق العبد.\rوالرأي ما ذهب إليه الجمهور، أما ما ذهب إليه غير الجمهور من عدم الاعتداد برجوع المقر، فهو مجانب لما تقتضيه طبيعة التقنينات الحدية، وما سبق عرضه، والاستدلال عليه من درء الحد بالشبهة.\rولقد ساق هؤلاء أدلة على ما ذهبوا إليه، وهي أدلة لا يقوم بها دليل على قضيتهم، لما يأتي:\rأولًا: استدل المانعون اعتبار الرجوع شبهة تدرء الحد، بما كان من شأن من تتبعوا ماعزا حتى قتلوه، ولم يلزمهم رسول الله ﷺ ديته، أو عقوبة ما من العقوبات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234103,"book_id":3632,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":396,"sequence_num":379,"body":"وليس في هذا دليل لهم على قضيتهم؛ لأنه ما كان من ماعز ما هو إلا رجوع ضمني، وليس رجوعًا صريحًا.\rفمن تتبع ماعزا لم يتتبعه لعدم قبول رجوعه عن إقراره، وإنما تتبعه؛ لأنه لم يصرح برجوعه، إذ لم يرجع ماعزا رجوعًا صريحًا، كل ما هنالك أنه لما وجد مس الحجارة هرب، وقد فهم من تتبعواه أنه فر من الحد، لا أنه رجع عن إقراره، ولو سلمنا بأن رسول الله ﷺ لم يلزم أصحاب ماعز بديته، فذلكح مبني على أساس ما كان لهؤلاء من شبهة عدم الرجوع الصريح لجواز أنهم فهموا أن الهروب ناتج عن الآلام، ومس الحجارة، وبناء عليه تتبعوه، ومما لا يخفى أن مثل هذا يترتب عليه شبهة، وشك في القصد الجنائي، والشك فسر لصالح المتهم كما أنه يجوز أنه ورثة ماعز -أن كان له ورثة- قد استنكفوا أخذ ديته، سواء من الذين تتبعوه، أو من بيت مال المسلمين.\rأو أن ماعزا لم يكن له ورثة، وفي مثل هذه الحالة تجب ديته لبيت المال، فإذا كان من تتبعوه هم الذين سيتحملون الدية، فإنه من حق الرسول ﷺ أن يعفيهم منها، فيجوز أنه ﵊ قد عفاهم منها.\rوإن كان بيت المال هو الذي سيتحملها، فما الفائدة أن يدفع بيت المال لبيت المال.\rوفوق هذا كله يمكن أن يكون رسول الله ﷺ قد قضى بشيء من شأن دية ماعز، ونظر؛ لأن المقام لم يتطلب الحديث عن الدية، فإن الرواة لم يتعرضوا لذكر شيء عنها لانشغالهم بما هو أهم من جوانب قضية ماعز.\rثانيًا: قاس مانعوا اعتبار الرجوع عن الإقرار شبهة يسقط بها الحد الواجب حقا لله ﷾، ما يجب حقًا لله تعالى بما يجب حقا للأفراد مما لا يسقط بالرجوع عن الإقرار به، وقالوا:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234104,"book_id":3632,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":380,"body":"أن حق الله ﷾ كسائر الحقوق التي نجب بالإقرار، فلا يقبل الرجوع عن الإقرار به، كما لا يقبل الرجوع عن الإقرار بها، وعليه فلا تعتبر الرجوع شبهة يندرئ بها الحد الواجب حقا لله ﷾، وقياسهم حقوق الله ﷾ بحقوق العباد في ذلك قياس غير منضبط لعدم اتحاد العلة في كل: إذ أن حقوق الله سبحانه مبنية على المسامحة، أما حقوق العباد\rفالأصل فيها المشاحة والمنع، كما أن القياس ما هو إلا استنباط حكم بإعمال العقل بشروط معينة، وإعمال العقل حتى مع هذه الشروط المعينة يحتمل الخطأ، فالقياس يفيد غلبة الظن، ولا يفيد اليقين١، ومثل هذا لا يجوز إعماله في استنباط حكم من أحكام الحدود، من هذا يبين رجحان القول باعتبار الرجوع عن الإقرار شبهة تندرئ بها الحد الواجب حقًا لله ﷾.\rوهو يتفق ومبادئ الشريعة التي تحض على ستر المؤمن إذا وجدت له مندوحة، وتؤكد على براءة المدعى عليه طالما أم دليل إدانته، وخصوصًا في الإدانة بالجرائم الحدية دليل غير قطعي تعتريه الشبهات.\r٤ ذهب القاضي ابن أبي ليلى٢ إلى اشتراط أن يكون الإقرار الذي تثبت به الجريمة الحية، عقب وقوع الجريمة، بحيث لا يفصل بينه وبينها مدة تعد تقادمًا، فإن وقع الإقرار من الجاني بعد","footnotes":"١ أصول الفقه الإسلامي أ. د: سلام مدكور ص١٤٦، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ج٤ ص٥٤.\r٢ القاضي ابن أبي ليلى، هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى من الفقهاء الذين يميلون إلى إعمال الرأي، ولي القضاء بالكوفة للأمويين، ثم للعباسيين طوال فترة ٢٣ سنة، ولد عام ٧٤هـ، وتوفي عام ١٤٨هـ.\rوفيات الأعيان ج١ ص٤٥٣ \"ط المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣١٠ هـ\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234105,"book_id":3632,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":381,"body":"ارتكابه الجريمة بمدة يعتبرها تقادمًا، فلا يعد هذا الإقرار مثبتًا لجريمة من الجرائم الحدية، التي وقع الاعتداء على حق من حقوق الله ﷾.\rومبنى ذلك عنده أن الهدف الأساسي للعقوبة الحدية هو الردع، والزجر لكل من المجتمع والجاني، ولا يتحقق هذا الهدف في رأيه إلا إذا وقعت العقوبة بعد الجناية مباشرة، كما أنه يرى أن الجاني الذي جاء مقرا بجنايته بعد مضي فترة تعد تقادمًا على ارتكابه لها، لا شك أنه قد جاء بدافع من ضميره، ووازع من دينه بعد أن تاب وأناب.\rوذهب الإمام أبو حنيفة، ووافقه أبو يوسف إلى أن تأخير الإقرار بجريمة الشرب يدفع الأخذ به، لا يعد عندهما دليل إثبات جريمة شرب، فلا يقيمان به حدها.\rأما الإمام مالك، والإمام الشافعي والإمام أحمد، ومحمد بن الحسن، فإنهم يرون أن الإقرار بالجرائم الحدية المتقادمة يلزم به الحد، ولا يطعن في صحة كون الجاني قد تأخر في الإدلاء به.\rوقد حكى ابن الهمام آراء الفقهاء هذه في قوله: \"والحاصل أن في الشهادة بالحدود القديمة، والإقرار بها أربعة مذاهب:\rالأول: رد الشهادة بها، وقبول الإقرار بما سوى الشرب، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.\rوالثاني: ردها وقبول الإقرار بالشرب القديم كالزنا والسرقة، وهو قول ابن الحسن.\rالثالث: قبولهما، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد.\rوالرابع: ردهما، نقل عن ابن أبي ليلى١.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٧٩، البحر الرائق ج٥ ص٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234106,"book_id":3632,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":382,"body":"وما استدل به ابن أبي ليلى لا تقوم به حجة على رد الإقرار المتأخر بحق من حقوق الله ﷾، التي يلزم الحد بالاعتداء عليه؛ لأن الردع والزجر لا ينقص منهما أن يكونا بعد حدوث الجريمة بمدة تعد تقادمًا؛ لأن زجر الجاني يتحقق بإقامة الحد عليه سواء أكان عقب وقوع الجريمة، أم بعدها بمدة طويلة، كما أن المجتمع يتحقق ردعه بأن يرى العقوبة الحدية تقام، ولا ينفي هذا الردع كون الجريمة المعاقب عليها جريمة قديمة؛ لأن المقول بانتفاء الردع هنا، وإسقاط العقوبة بمقتضاه يفتح الباب أمام المجرمين، فيرتكبون جرائمهم، ثم يهربون فإذا انتقضت مدة تعد تقادمًا عادوا، وهم آمنون من العقوبة الحدية طبقًا لقول ابن أبي ليلى؛ لأن الردع والزجر لا يتحققان كما يرى لكونهما عقوبة على جريمة قديمة.\rولا يخفى ما ذكر من خلاف بين الفقهاء في مسألة الردع، والزجر هذه، إذ أن الظاهرية لا يولون حدوث هذا اعتبار ما في الحد، وإيجابه إذ هم لا يبحثون عن تعليل، أو أهداف للعقوبة الحدية١.\rكما أن ما ذكره ابن أبي ليلى من حديث عن توبة من جاء مقرًا بجريمة قديمة، وأثر هذه التوبة، وصحوة الضمير إذ أنهما لا يعدان من ضمن أسباب إسقاط العقوبة الحدية، أو شبهة من الشبهات التي يندرئ بها الحد إذ أن رسول الله ﷺ ألزم الغامدية الحد، وهي التي تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، كما أخبر بهذا","footnotes":"المغني ج٨ ص٢٠٧، ويراجع التقادم، وأثره في الدعوى، والعقوبة لأستاذي الدكتور سلام مدكور، منشور بمجلة العدل بالإمارت عدد يناير سنة ١٩٨٠.\r١ المحلى ج١٣ ص٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234107,"book_id":3632,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":383,"body":"الصادق المصدوق ﷺ، ولا يخفى أن إقامة الحد على الغامدية قد جاء بعد فوات مدة طويلة هي مدة حملها، وإرضاعها١.\rوهي مدة تعد تقادمًا طبقا لما ذكره فقهاء الأحناف الذي ذهبوا مذهب ثلاثة في هنا.\rالأول: ويقول به الإمام أبو حنيفة، ونقله عنه أو يوسف في قوله: عهدنا بأبي حنيفة أن يقدر لنا فلم يفعل، وفوضه إلى رأي القاضي في كل عصر، فما يراه بعد مجانبة الهوى تفريطًا تقادما، وما لا يعد تفريط، وأحوال الناس والعرف تختلف في ذلك.\rالثاني: ويقول به محمد بن الحسن أن المدة التي تعد تأخيرًا هي شهر؛ لأن ما دون الشهر يعتبر عاجلًا، وما بعده لا يعتبر كذلك.\rوقد ذكر ابن الهمام حين قال: وعن محمد أنه قدره بشهر؛ لأن ما دونه عاجل ... قال أبو حنيفة: لو سأل القاضي الشهود متى زنى بها، فقالوا: منذ أقل من شهر أقيم الحد، وإن قالوا: شهر أو أكثر، درئ عنه.\rالثالث: يعتبر أن مدة التقادم ستة أشهر؛ لأنه لا تسمع شهادة الشهود بعد حين، وفسر الحين بأنه ستة أشهر٢.\rوتقدير التقادم طبقًا لما يراه القاضي رأي منطقي إذ أن الأحوال تختلف من جناية لأخرى، ومن بلد لآخر ... فما يراه قوم تقادما قد لا يراه آخرون، بالإضافة إلى أن الجرائم قد تتفشى في وقت ما، أو مكان ما، الأمر الذي يتقضي أن يوضع من النظم، والتقديرات ما يكفل","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص١٢٣.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٢٨٢، ٣٠٣، البحر الرائق ج٥ ص٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234108,"book_id":3632,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":384,"body":"القضاء على كل ما يؤذي المجتمع ويوقع الضرر به، ويشعر معه الجاني أنه معاقب على جريمته مهما بلغ من التحايل.\rولا يعقل ما يرى تقادمًا في جناية الخمر عند البعض من زوال رائحتها من فم الشرب، حتى ولو ثبتت بالشهادة، لا شك أن القول بهذا يفتح باب الغواية إذ أن هذه الجريمة تفتح أبواب ارتكاب الجرائم الأخرى، وإسقاط عقوبتها بزوال رائحة الخمر من فم الشارب قبل إقراره، أو إقامة البينة عليه يوقع في خطر، ويلحق بالمجتمع أضرار لا تحد عواقبها، ولا يخفى ما ذكره أبو حنيفة عند تفويضه لرأي القاضي في ذلك، بأن جعل ذلك مشروطًا بمجانبة الهوى، وهو شرط جوهري للفصل في ما يعد تقادمًا، هذه شروط الإقرار إجمالًا وبصفة عامة عند فقهاء الشريعة الإسلامية، أتبعها بمقال رجال القانون في الإقرار وحجيته تتميما للفائدة.\rالإقرار عند فقهاء القانون:\rيراد بالإقرار عند فقهاء القانون: اعتراف المتهم على نفسه أمام القضاء بالتهمة المسندة إليه.\rفلو لم تكن هناك تهمة مسندة لمن أقر على نفسه بإتيان فعل من الأفعال المجرمة، فإنه لا يلتفت إلى إقراره هذا، كما أنه لو أقر بقيامة بفعل ما من الأفعال الجنائية، وكان ما أقر به غير موضوع الدعوى المقامة عليه، فإنه لا يلتفت إلى إقراره هذا بهذه الوقائع نظرًا؛ لأنها ليست هي موضوع الدعوى المقامة عليه١.","footnotes":"١ نصت المادة ١٠٣ من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية \"القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٨م على أن \"الإقرار هو اعتراف الخصم أمام القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه، وذلك أثناء السير في الدعوى المتعلقة بهذه -الواقعة \"ويقول الأستاذ الدكتور محمود مصطفى في تعليقه على هذا: فلا يعد اعترافا إقرار المتهم بواقعة، أو أكثر لها تعلقها بالدعوى.\rالإثبات في المواد الجنائية أ. د: محمود مصطفى ج١ ص٥١-٥٢ \"ط الأولى سنة ١٩٧٧م\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234109,"book_id":3632,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":385,"body":"كما أن الإقرار المعول عليه هو ما يكون أمام المحكمة التي تنظر الدعوى المقامة ضد المقر، كما ذهب الشراح وبينوا، فإن أقر أمام سلطة التحقيق، أو في مرحلة جمع الاستدلالات، فإن هذا الإقرار لا تأخذ به المحكمة، ولا تعتد به كدليل إثبات، إلا إذا أصر عليه المقر ولم يرجع عنه، وإن كان قضاء النقض على خلاف ذلك١.\rوعلى هذا، فإذا أقر المدعى عليه أمام المحكمة التي تنظر موضوع الدعوى، فأخذت المحكمة بإقراره، وحكمت بمقتضاه لم يعد لهذا المقر الحق في الرجوع عن إقراره هذا، وتلزمه العقوبة المحكوم بها عليه.\rولقد ذهب الفقه القانوني حديثًا إلى أن الإقرار لا يعد دليلًا يسند إليه وحده في الإدانة، بل لا بد من أن يرافقه ما يؤكده، ويثبت صحته٢.\rوإن كان قانون الإجراءات الجنائية المصري قد أجاز للمحكمة الاكتفاء باعتراف المتهم، والحكم عليه بمقتضاه دون الحاجة إلى سماع الشهود٣.","footnotes":"١ المرجع السابق ص٥٢.\r٢ هذا ما جرى عليه القضاء الفرنسي، وقرره المؤتمر الدولي للعلوم الجنائية سنة ١٩٠٢، سنة ١٩٥٣م.\r٣ نصت المادة ٢٧١ من قانون الإجراءات الجنائية على أنه \"يسأل =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234110,"book_id":3632,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":386,"body":"والإقرار عند فقهاء الشريعة الإسلامية دليل إثبات قوي، وأكيد بشرط أن يكون مطابقًا للواقع، بحيث لا توجد وقائع تنفيه أو تطعن في صحته، بل إن بعض الجنايات قد اشترط جمهور فقهاء الشريعة لإثباتها عن طريق الإقرار أن يتعدد الإقرار بعدد الشهود الذين تثبت الجريمة بشهادتهم، وزاد البعض أن يكون كل إقرار في مكان غير المكان الذي أقر فيه الجاني إقراره السابق.","footnotes":"= المتهم عما إذا كان معترفًا بارتكاب الفعل المستند إليه، فإذا اعترف جاز للمحكمة الاكتفاء باعترافه، والحكم عليه بغير سماع الشهود.\rوقد عقب الأستاذ الدكتور محمود مصطفى على هذه المادة بقوله: ولعل اقتراب الإثبات الجنائي من الإثبات المدني في التشريع الإنجليزي، وما نقل عنه هو الذي دعا إلى الأخذ بأن اعتراف المتهم دليل إدانته يجوز الحكم بناء عليه وحده. المرجع السابق ص٥١ مبادئ الإجراءات الجنائية د. رءوف عبيد ص٦٣٨-٦٤٣ ط ٧٦، ولهذا الاتجاه الوضعي أصل فيما روي عن فقهاء -الشيعة الجعفرية، فقد ذكر أبو القاسم الموسوي:\rأن الجاني لو أقر بما يوجب الحد من رجم أو جلد، كان للإمام العفو وعدم إقامة الحد عليه، واستدل على هذا بما روي من أن شابا أتى أمير المؤمنين، فأقر عنده بالسرقة، فقال له على: إني أراك شابا لا بأس بهبتك، فهل شيئًا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة، فقال له علي: قد ذهبت يدك لسورة البقرة. ويعلق على هذا من رواه بقوله: وإنما منعه أن يقطعه؛ لأنه لم يقم عليه بينة، وفي رواية أخرى فقال الأشعث: أتعطل حدا من حدود الله؟ فقال: وما يدريك ما هذا؟ إذا قامت البينة، فليس للإمام أن يعفو، وإذا أقر الرجل على نفسه، فذاك إلى الإمام إن شاء عفى، وإن شاء قطع.\rمباني تكملة المنهاج ج١ ص١٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234111,"book_id":3632,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":387,"body":"من هذا يبين رجحان ما ذهب إليه فقهاء الشريعة، إذ هم لم يعلموا الإقرار بصفة عامة أيا كان هذا الإقرار، كما أنهم لم يتركوا أعماله، والأخذ به إذا لم يرافقه ما يؤكده، ويثبت صحته من أدلة ووقائع، وإنما وضعوا ضوابط، ومقاييس ونظم أصابوا بها قصب السبق، وحسموا بها القضية إذ كيف يمكن أن يقال أن الجاني الذي ارتكب جنايته ولم يره أحد، إذا راجعه ضميره وأراد تطهير نفسه، فذهب وأقر بما ارتكب، فإنه لا يعول على هذا الإقرار، ولا يعتد به في إثبات ما جاء من وقائع نظرًا؛ لأن هذه الوقائع لم تقم بها دعوى على المقر.\rوأكثر من ذلك إذا أقيمت الدعوى، وأقر الجاني بما ارتكب من الوقائع التي هي موضوع الدعوى، ولم يكن هناك دليل غير إقراره، فإنه لا يعتد أيضًا بهذا الإقرار وحده في إثبات ارتكاب الجاني هذه الوقائع، والتي أقر بها على نفسه١.\rإن هذا القول يفتح باب الإفلات من العقوبة على مصراعيه، وتصبح معه رقابة الضمير التي هي من أهم ضمانات استقرار الحياة","footnotes":"١ ذكر الأستاذ الدكتور محمود مصطفى أن الراجح الآن أن الاعتراف لا يعد دليلًا يستند عليه وحده في الإدانة، وهو ما جرى عليه القضاء الفرنسي، وقرره المؤتمر الدولي للعلوم الجنائية في سان بتسيرج سنة ١٩٠٢.\rوجاء في قرارات المؤتمر الدولي السادس لقانون العقوبات الذي انعقد في روما من ٢٧ سبتمبر إلى ٣ أكتوبر سنة ١٩٥٣م، أن الاعتراف لا يعد من الأدلة القانونية، ولهذا ما يبرره في أن الاعتراف دليل غير محسوس، فلا يقطع بالإدانة. وهو يدعوا لأول وهلة إلى الشك والريبة في صحته إذ يتطوع به المتهم لتقديم دليل إدانته.\rالإثبات في المواد الجنائية ج١ ص٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234112,"book_id":3632,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":388,"body":"واحترام نظم الأمة، تصبح تلك الرقابة لا قيمة لها، وتضيع بهذا كثير من حقوق الآخرين وحرياتهم، ويفتح أيضًا باب الظلم والجور لجواز أن يتهم بريء بقتل إنسان ويؤتى بشهود الزور، ويلصقوا التهمة بهذا البري، ويحيكوا له من الأدلة ما يكفي للذهاب له إلى حبل المشنقة، فإذا استيقظ ضمير الجاني الحقيقي وذهب، وأقر على نفسه بما ارتكب، فكيف يتأتى القول إذا بعدم الاعتداد بهذا الإقرار كدليل قانوني.\rإن رأى الفقه الإسلامي في مثل هذا بين ومعروف يؤكده ما روي من أن أمير المؤمنين علي -رضي الله تعالى عنه- أتى برجل، وجد في خربة وبيده سكين ملطخة بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله فأقر الرجل بأنه القاتل، وأكد هذا الإقرار قول العسس، والقرائن المصاحبة، فحكم علي بقتله قصاصًا. وإذا برجل يقر بأنه هو القاتل الحقيقي.\rوتدل الوقائع على براءة الأول، وثبت أن القاتل هو الثاني.\rالذي جاء مقرا بوازع من ضميره، فيأخذ علي بهذا الإقرار، ويعتد به مع أنه لم تكن هناك دعوى مقامة على من جاء مقرا بعد أن ألزم الرجل الذي أمسك به العسس بعقوبة القتل.\rولم يطالب على من جاء مقرًا، ببينة تشهد بصحة ما أقر به١، والفقه الوضعي لم يكتف بعدم الالتفات إلى الإقرار، وعده إقرارًا تشوبه الريبة يخالطه الشك. وإنما ذهب إلى أكثر من ذلك، فيما قررته المادة ١٧٤/ ٢ من قانون التحقيق الجنائي في السوادن، والتي تنص على أنه إذا كانت الجريمة المسندة إلى المتهم معاقبًا عليها بالإعدام","footnotes":"١ الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية ص٨٢، ٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234113,"book_id":3632,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":389,"body":"فيجب على رئيس المحكمة أن يدون في المحضر نيابة عن المتهم ردا بأنه غير مذنب١.\rوهذ النص قد ألزم القاضي بأن يدون في المحضر قولًا منسوبًا للمتهم، حتى ولم يقله المتهم، بل وحتى لو طالب بعكسه، وأصر على أنه هو المذنب الذي ارتكب وقائع هذه الدعوى، وأقر بها.\rمن هذا كله يبين أن الفقه الوضعي يعتبر إقرارا المتهم، حتى وإن كانت الدعوى قد أقيمت عليه، وأقر بوقائعها -من قبيل الاستدلالات، الأمر الذي يترتب عليه إلزام المحكمة أن تبحث عن أدلة أخرى تثبت بها صحة ما أقر به المتهم من وقائع، حتى يمكنها أن تحكم بادانته.\rأما الشريعة الإسلامية، فهي تعتد بالإقرار بشروطه التي تملأ قلب القاضي طمأنينة، وتأخذ به وتحكم بمقتضاه حتى بالعقوبات الحدية؛ لأنها قد وضعت من الشروط ما يكفل صحة أقوال المقر.\rولا يخفى أن هذا النفع للعدالة، وأجدى في تحقيق أمن المجتمع، كما أن جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية، قد أجازوا للمقر الرجوع عن إقراره، وأسقطوا عنه ما لزمه من عقوبات حدية نتيجة رجوعه عن إقراره، إذا كانت هذه العقوبات متعلقة بحق من حقوق الله ﷾؛ لأنهم اشترطوا بقاء الإقرار قائمًا صحيحًا، حتى يتم تنفيذ العقوبة، الأمر الذي أغفله الفقه الوضعي.","footnotes":"١ الإثبات في المواد الجنائية أ. د: محمود مصطفى ص٥٢-٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234114,"book_id":3632,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":390,"body":"المبحث الثاني: الشهادة\rمدخل\r...\rالمبحث الثاني: الشهادة\rويشتمل لي تقديم ومطلبين.\rالمطلب الأول: شروط في الشاهد.\rالمطلب الثاني: شروط في الشهادة.\rتقديم:\rتعريف الشهادة:\rالشهادة في اللغة: البيان؛ لأن الشاهد يبين الحق من الباطل عند الحاكم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ١، أي بين.\rوالشهادة مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخقبر عما شاهده أو؛ لأن الشاهد بإخباره الحاكم بما شاهد ورأى، يجعل الحاكم كالمشاهد الذي يرى المشهود عليه٢.\rوالشهادة عند الفقهاء: إخبار حاكم عن علم ليقضي بمقتضاه، أو إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة، وزاد البعض شروط كون الإخبار ناتجًا عن مشاهدة، وعيان لا عن تخمين وحسبان٣.","footnotes":"١ من الآية ١٨ من سورة آل عمران.\r٢ المصباح المنير والقاموس المحيط، ولسان العرب.\r٣ فتح القدير ج٧ ص٣٦٤، البحر الرائق ج٧ ص٥٥-٥٦ حاشية الدسوقي ج٤ ص١٦٤، الخرشي ج٧ ص١٧٥، المغني ج٩ ص٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234115,"book_id":3632,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":391,"body":"وهذه التعريفات، وإن تعددت إلا أنها متفقة في مؤداها ومدلولها، كما أن شروط المعاينة بالنسبة لمن يتحمل الشهادة يشمل المشاهدة بصورها من سماع في المسموعات، أو إبصار في المبصرات، وهو شرط جوهري، إذا لا يمكن أن تتحمل الشهادة التي يحكم بمقتضاها، إلا عن علم ناتج عن حضور ومعاينة؛ لأن الله تعالى قد نهى عن القول بدون علم: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١.\r﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، فإن لم تكن الشهادة ناتجة عن علم، ويقين فهي باطلة، ومحاسب عليها.\rولقد جسد الرسول ﷺ ذلك، حين قال لرجل: \"أترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها، فاشهد أودع\" ٣.\rحجية الشهادة:\rأولًا: بين القرآن الكريم ما تثبت به الحقوق من بينات، وجعل منها الشهادة، فيقول الله ﷾: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ، ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ٤ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ٥.\rثانيًا: قال رسول الله ﷺ لمن جاءه يشكو رجلًا","footnotes":"١ من الآية ٣٦ من سورة الإسراء.\r٢ من الآية ٨٦ من سورة الزخرف.\r٣ رواه ابن عباس، سبل السلام للصنعاني ج٤ ص١٣٠. نصب الراية للزيلعي ج٤ ص١٢، القرطبي ج٧ ص٥٩٤٣.\r٤ من الآية ٢٨٢ من سورة البقرة.\r٥ من الآية ٢ من سورة الطلاق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234116,"book_id":3632,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":392,"body":"غلبه على أرض كانت له: \"ألك بينة\"؟ ١ كما قال رسول الله ﷺ لمن جاءوا من الأنصار يطالبون بدم من قتل منهم بخيبر: \"ألكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم\"؟ ٢.\rثالثًا: الإجماع معقود على حجية الشهادة في الإثبات.","footnotes":"١ رواه مسلم، والترمذي، وصححه، نيل الأوطار ج٨ ص٣٤١، المغني ج٩ ص١٤٦.\r٢ رواه أبو داود، نيل الأوطار ج٧ ص٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234117,"book_id":3632,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":393,"body":"المطلب الأول: شروط في الشاهد\r١- البلوغ، فالصبي، لا تقبل شهادته؛ لأن الشهادة نوع من الولاية، ولا ولاية للصبي على نفسه، فأولى به ألا تكون له ولاية على غيره، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم﴾ ، ولقول الرسول ﷺ: \"رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق\" ١، فرفع التكليف يقتضي رد الشهادة.\rوإن كانت الضرورة قد أجازت الأخذ بشهادة الصبي على أقرانه في الجراح، إذا لم يوجد غير الصبي يشهد بذلك مع اشتراط أن يكون الصبي الذي يشهد عاقلًا مميزًا، وأن يدلي بشهادته قبل أن يفارق الحالة التي وقعت، وهذه ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها٢.","footnotes":"١ سنن أبي داود، ج٢ ص٤٥٢، نيل الأوطار ج٦ ص١٦٠.\r٢ البحر الرائق ج٧ ص٧٧، مواهب الجليل ج٦ ص١٧٧.\rالمغني ج٩ ص١٦٤، الأم ج٧ ص٨١، بداية المجتهد ج٢ ص٤٩٩ مباني تكملة المنهاج ج٢ ص٧٧، شرح الأزهار ج٤ ص١٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234118,"book_id":3632,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":394,"body":"إما إذا حضر الصبي الواقعة، ثم بلغ قبل أن يدلي بشهادته، ثم أداها بعد البلوغ، فإن شهادته هذه يعتد بها، وتقوم بها بينة الإثبات١.\r٢- العقل: فغير العاقل لا تقبل شهادته، لاختلاط الأمور عليه، وعدم استطاعته تمييز حقوق الآخرين، إذ هو أعجز من أن يحافظ على حقوقه أو يعيها، وغير قادر على ضبط الوقائع، والأحداث ضبطًا يطمأن إليه، ولذا فإن الحديث السابق قد حكم برفع القلم عنه.\rأما إذا كان يجن أحيانًا، وحدثت الواقعة وهو عاقل، ثم أدى الشهادة عليها وهو عاقل ضابط لأمور نفسه، ووقائع الحادثة وملابساتها وظروفها، اعتد بشهادته حينئذ، واعتبرت دليل إثبات يحكم بمقتضاه٢.","footnotes":"١ البحر الرائق ج٧ ص٥٦، المغني ج٩ ص١٦٤، حاشية الدسوقي ج٤ ص١٦٥، أجاز رجال القانون سماع شهادة الصبي الذي لم يبلغ أربع عشرة سنة. بدون أن يحلف اليمين على سبيل الاستدلال، أما إذا بلغ الصبي أربع عشرة سنة، فإنه تسمع شهادته بعد حلفه اليمين، وتعد شهادة معتبرة قانونًا، وإن كان قد حكم بأنه يجب للأخذ بأقوال الشاهد أن يكون مميزًا.\rيراجع الأستاذ الدكتور محمود مصطفى، شرح قانون الإجراءات الجنائية ص٤٤٦ ط سنة ١٩٧٦م، الأستاذ الدكتور رءوف عبيد مبادئ الإجراءات الجنائية ص٥٩٥ ط ١٩٧٩.\r٢ الأم ج٧ ص٨٠، البحر الرائق ج٧ ص٥٦، مباني تكملة المنهاج ج٢ ص٨٠، يرى فقهاء القانون أنه لا يؤثر في صحة الاستدلال بأقوال شاهدة ما أثبته المحقق في المحضر، من أنها كانت تذكر أقوالًا خارجة عن الموضوع، وأنه يرى أن بها ضعفًا في قواها العقلية، ما دامت المحكمة اطمأنت إلى صحة أقوالها، وذكرت من البيان والقرائن، ما يؤيد هذه الأقوال. أ. د: رءوف عبيد مبادئ الإجراءات الجنائية ص٥٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234119,"book_id":3632,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":395,"body":"٣- الإسلام: فغير المسلم لا يحكم بمقتضى شهادته على المسلم في الحدود؛ لأن الشبهة شهادته لانتقاص عدالته، والحدود تدرأ بالشبهات١، أما شهادة غير المسلمين على بعضهم، فقد أورد ابن قيم الجوزية الخلاف في قبولها، فأورد عن الشعبي، ووكيع وسفيان عدم جوازها ألبتة.\rوذكر أن حنبلًا، وابن حزم وحماد بن أبي سليمان قد رأوا جواز شهادة النصراني على اليهودي، وعلى النصراني، فكلهم أهل شرك.\rورى عن علي بن أبي طالب، وعطاء والنخعي جواز شهادة كل ملة على ملتها اليهودي على اليهودي، والنصراني على النصراني، ولا تجوز شهادة ملة على غير ملتها إلا المسلمين.\rوالذي أرجحه من ذلك هو جواز قبول شهادة غير المسلمين، بعضهم على بعض دون تفريق، فالكفر ملة واحدة، والله ﷾ قد بين ما بين الكافرين من ولاء، وولاية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا","footnotes":"١ أما في غير الحدود، فقد أجاز الحنابلة وشريح والنخعي، والأوزاعي وابن مسعود وأبو موسى، والظاهرية، والإمامية قبول شهادة غير المسلم على المسلم في حالات الضرورة التي لا يوجد فيها غيره، كحال من يوصي بوصية، ولا يوجد من يشهد عليها من المسلمين، والأمور التي تؤخذ فيها بشهادة الطبيب، ولا يوجد طبيب مسلم يرجع إليه وقتئذ، وقد روي هذا عن الإمام مالك، كما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية.\rيراجع في ذلك، فتح القدير ج٧ ص٤١٦، البحر الرائق ج٧ ص٧٩، الأم ج٧ ص٨١، المغني ج٩ ص١٨٢-١٨٤، المحلى ج١٠ ص٥٨٧-٥٩٨، نيل الأوطار ج٨ ص٣٣٠-٣٣٤، شرح الأزهار ج٤ ص١٩٣، الطرق الحكمية ص٢٦٦-٢٨٠ المدخل للفقه الإسلامي لأستاذي الدكتور سلام مدكور ص٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234120,"book_id":3632,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":396,"body":"بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ ١، فأثبت لهم الولاية على بعضهم، وهي أعلى رتبة من الشهادة، وغاية الشهادة أن تشبهه بها، وقد حكم رسول الله ﷺ بمقتضى شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض، يوم جاءه اليهود برجل منهم، وامرأة قد زنيا: فقال لهم رسول الله ﷺ: \"ائتوني بأربعة منكم يشهدون\"، فلما شهدوا حكم الرسول ﷺ بالحد بمقتضى شهادتهم٢.\r٤- العدالة: وقد بينها الفقهاء بأنها الاستقامة، واجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، ولا تكون العدالة إلا بالاسلام، واعتدال العقل ومعارضة الهوى، وليس لها حد٣.\rفالعلة في الشاهد شرط أساس لقبول شهادته، والاعتداد بها في إثبات الجنايات الحدية، لقول الله ﷾: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٤، فإذا كانت العدالة شرط للشهادة على أمور الزواج والطلاق، وأمثالهما فهي من باب أولى شرط في الشاهد الذي يشهد على جناية من الجنايات الحدية.\rولأن الله ﷾ أمرنا أن نتثبت من نبأ الفاسق، فيجب أن","footnotes":"١ الآية ٧٣ من سورة الأنفال.\r٢ سنن أبي داود ج٢ ص٤٦٣-٤٦٦، نيل الأوطار ج٧ ص١٠٤-١٠٦ الطرق الحكمية ص٢٥٨-٢٦٦، المدخل للفقه الإسلامي ص٣٥٦-٣٥٧.\r٣ البحر الرائق ج٧ ص٨٥-٩٦، فتح القدير ج٧ ص٣٧٨ بداية المجتهد ج٢ ص٤٩٩، الخرشي ج٢ ص٣٢٤ المهذب ج٢ ص٣٢٤، مغني المحتاج ج٤ ص٤٢٧، المغني ج٩ ص١٦٧-١٧٢، المحلى-١٠ ص٥٦٤، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٨٦.\r٤ من الآية ٢ من سورة الطلاق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234121,"book_id":3632,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":397,"body":"نحتاط في إقامة العقوبة بشهادته؛ لأن شهادته اعترتها الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات١.\rوقد روى أبو داود أن رسول الله ﷺ قد رد شهادة القانع٢ لأهل البيت، كما قال ﷺ: \"لا تجوز شهادة زان، ولا زانية\"، فهؤلاء لما انتقضت عدالتهم رد الرسول شهادتهم.\rكما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: لا يؤثر رجل بغير العدول؛ ولأن دين الفاسق لم يزعه عن ارتكاب محظورات الدين، فلا يؤمن أن يزعه عن الكذب.\rفلا تحصل الثقة بخبره٣، وهذا يقتضي عدم قبول شهادته مطلقًا، فيما نحن بصدده.\rواشتراط الفقهاء في الشاهد أن يكون ذا مروءة، فإن اختلت مروءته، فلا عدالة له، ولا تقبل شهادته٤.","footnotes":"١ تفسير القرطبي ج٧ ص٦٢٣١.\r٢ القانع: الأجير، سنن أبي داود ج٢ ص٢٧٥.\r٣ المغني ج٩ ص١٦٥.\r٤ المروءة: يراد بها الإنسانية، وقيل: أن لا يأتي الإنسان بما يعتذر منه مما يبخسه من مرتبة أهل الفضل، وقيل: السمت الحسن وحفظ اللسان، وتجنب السخف والمجون، والارتفاع عن كل خلق دنيء.\rفتح القدير ج٧ ص٤١٥، المهذب ج٢ ص٣٢٤- الخرشي ج٧ ص١٧٥ المغني ج٩ ص١٦٧-١٧٢، الطرق الحكمية ص٢٥٣، المدخل للفقه الإسلامي أ. د: سلام مدكور ص٣٥٧. قيد رجال القانون عدم جواز سماع الشهادة من شخص حكم عليه في جناية ارتكباها، بقيد أن تكون العقوبة التي حكم عليه بها عقوبة جناية، وعليه يحرم من الشهادة أمام المحاكم مدة العقوبة إلا على الاستدلال، فإذا حكم على المتهم بجناية بعقوبة الحبس، جاز سماع شهادته أثناء تنفيذ العقوبة عليه بعد حلف اليمين. أ. د: محمود مصطفى شرح قانون الإجراءات الجنائية ص٤٤٦، أ. د: رءوف مبادئ الإجراءات الجنائية ص٥٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234122,"book_id":3632,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":398,"body":"من هذا كله يبين أنه يجب على القاضي أن يتأكد من عدالة الشهود، وعلى الأخص في مسائل الحدود، حتى يصل القاضي حد اليقين بعدالة من جاءه يشهد بواقعة حدية، فإن لم يصل حد اليقين من عدالة الشهود، وأسقط الحد عن المدعى عليه لقيام الشبهة، فيمن نسب إليه الفعل الحدي، والحدود تدرأ بالشبهات.\r٥- الرؤية: والحديث عن رؤية الشاهد لما يشهد به يتفرع إلى فرعين:\rالفرع الأول:\rوهو كون الشاهد مبصرًا، إذ أن للفقهاء آراء في قبول شهادة الأعمى والحكم بمقتضاها، وعلى الأخص في مسائل الحدود.\rفقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى رد شهادة الأعمى في الحدود، والقصاص سواء أكان يشهد على أقوال أو أفعال، وسواء تحمل الشهادة بعد العمى أو قبله، وأكثر هذا ما لو عمي الشاهد بعد أداء الشهادة، وقبل القضاء بمقتضاها، امتنع القضاء.\rومبنى هذا أن الحدود تدرأ بالشبهات، والصوت والنغمة اللذان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234123,"book_id":3632,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":399,"body":"قد تنحصل معرفة الأعمى عن طريقها للواقعة، هما اللذان يقومان مقام المعاينة والحدود، ولا تثبت بما يقوم مقام الغير١.\rوذهب الإمام الشافعي إلى أن شهادة الأعمى على الأفعال، أو الأقوال التي رآها أو سمعها، وهو مبصر ضابط لما يرى، أو يسمع تجوز شهادته بها إذا عمي قبل أن يؤدي الشهادة.\rإما إذا كانت الأفعال، أو الأقوال التي يشهد عليها قد حدثت وهو أعمى، فإن شهادته عليها لا تجوز، أما عدم جوازها بالنسبة للأفعال، فهو مبني أن الأعمى لا يستطيع ضبط ما يقع من أفعال ضبطًا يترتب عليه شهادته بها في الحدود.\rأما بالنسبة للأقوال، فإن الأعمى لا يستطيع القطع بأن من صدر منه القول هو فلان، لإمكان تقليد الأصولات، وقد جاء هذا في قول الشافعي: لا تجوز شهادة الأعمى، إلا أن يكون أثبت شيئًا معاينة، أو معاينة وسمعًا ثم عمي. فتجوز شهادته؛ لأن شهادته إنما تكون يوم يكون الفعل الذي يراه الشاهد، أو القول الذي أثبته مسمعًا، وهو يعرف وجه صاحبه، فإذا كان ذلك قبل العمى، ثم شهد عليه حافظًا له بعد العمى جاز، وإذا كان القول والفعل، وهو أعمى لم يجز من قبل أن الصوت يشبه الصوت\"٢.\rوقد أورد الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- في باب الخلاف في شهادة الأعمى قوله:\r\"خالفنا بعض الناس في شهادة الأعمى، فقال: لا تجوز حتى","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص٥٠، وفتج القدير ج٧ ص٣٩٨.\r٢ الأم ج٧ ص٨٢-٨٣، مغني المحتاج ج٤ ص٤٤٥-٤٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234124,"book_id":3632,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":400,"body":"يكون بصيرًا يوم شهد، ويوم رأى وسمع أو رأى، وإن لم يسمع إذا شهد على رؤية، فسألناهم: فهل من حجة كتاب أو سنة، أو أثر يلزم.\rفلم يذكروا من ذلك شيئًا لنا، وكانت حجتهم فيه أن قالوا: إنا احتجنا إلى أن يكون يرى يوم شهد، كما احتجنا إلى أن يكون يوم عاين الفعل، أو سمع القول من المشهود عليه، ولم تكن واحدة من الحالين أولى به من الأخرى.\rفقلت له: أرأيت الشهادة أليست بيوم يكون القول، أو الفعل وإن لم يقم بها بعد ذلك بدهر؟، قال: بلى: قلت: فإذا كان القول والفعل، وهو بصير سميع مثبت، ثم شهد به بعد عاقلًا أعمى لم تجز شهادته؟ قال: فأقول بغير الأول، لا يجوز إلا بأمرين قلت: أفيجوز أن يشهد على فعل رجل حي، ثم يموت الرجل فيقوم بالشهادة، وهو لا يرى الرجل، ويقوم بالشهاد على آخر وهو غائب لا يراه، قال: نعم: قلت: فما علتك تثبت لنفسك حجة إلا خالفتها، ولو كنت لا تجيزها، إذا أثبتها بصيرا وشهد بها أعمى؛ لأنه لا يعاين -المشهود عليه؛ لأن ذلك حق عندك، لزمك أن لا تجيزها، وهو لا يراه، قال: فإن رجعت في الغائب، فقلت: لا أجيزها عليه، فقلت: أفترجع في الميت، وهو أشد عليك من الغائب، قال: لا، قال: فإن من أصحابك من يجيز شهادة الأعمى بكل حال إذا أثبت كما يثبت أهله، فقلت: إن كان هذا صوابًا، فهو أبعد لك من الصواب، قال: فلم لم تقل به؟. قلت: ليس فيه أثر يلزم فأتبعه، ومعنا القرآن والمعقول بما وصفت من الشهادة فيما لا يكون إلا بعيان، أو عيان وإثبات سمع، ولا يجوز أن تجوز شهادة من لا يثبت بعيان؛ لأن الصوت يشبه الصوت١.\rوالأرجح ما ذهب إليه الإمام الشافعي من قبول شهادة الأعمى إذا تحملها وهو بصير، وما دامت الشهادة تجوز على غائب لا يراه","footnotes":"١ الأم ج٧ ص٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234125,"book_id":3632,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":401,"body":"الشاهد، فالأولى أن تجوز من الأعمى على الحاضر، بل إن الحاضر يمكن أن يراجع الشاهد، أو يبدي شبهة إن كانت له شبهة تسقط الحد.\rوالمعمول عليه هو التحمل بصورة منضبطة، لا يتحصل معها لبس من الشاهد الذي سمع الواقعة، وشاهدها مشاهد تنتفي معها الشبهات في شهادته، ولو أداها وهو أعمى مع قيام معرفته المشهود عليه معرفة تنتفي معها الجهالة به.\rوذهب جمهور الفقهاء من المالكية والحنابلة، وبعض فقهاء الأحناف إلى الاعتداد بشهادة الأعمى على ما سمع من أقوال، سواء تحملها قبل العمى، أو بعده ضابطًا لما سمعه من أقوال عارفًا من صدرت منه معرفة يقينية.\rأما شهادته على الأفعال، فتجوز أن تسمع منه، وهو أعمى إذا كان تحملها قبل العمى، وقد بين هذا فقهاء المالكية، فيما ذكروه من أن الأعمى، العدل تجوز شهادته في الأقوال خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وأما في الأفعال، فلا تجوز شهادته فيها ما لم يكن علم الفعل قبل العمى.\rوقولهم: وتقبل شهادة الأعمى في الأقوال مطلقًا سواء تحملها قبل العمى، أم لا لضبطه الأقوال بسمعه\"١.\rكما يقول ابن قدامة: وتجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت ... لأنه رجل عدل مقبول الرواية، فقلبت شهادته كالبصير ... إلى أن يقول: فإن تحمل الشهادة على فعل، ثم عمي جاز أن يشهد به إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه.. ولأن العمى فقد حاسة لا تختل بالتكليف، فلا يمنع قبول الشهادة\"٢.","footnotes":"١ الخرشي ج٧ ص١٧٩، حاشية الدسوقي ج٤ ص١٦٧.\r٢ المغني ج٩ ص١٨٩-١٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234126,"book_id":3632,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":402,"body":"وذكر ابن الهمام أن شهادة الأعمى، فيما يجوز فيها التسامع تجوز عند زفر؛ لأن الحاجة في تحمل هذه الشهادة للسمع، ولا خلل في سمع الأعمى.\rكما ذكر أن أبا يوسف يرى أن شهادة الأعمى، تجوز فيها طريقة السماع.\rوما لا يكفي فيه السماع إذا كان بصيرًا وقت التحمل، ثم عمي عند الأداء إذا كان يعرفه باسمه ونسبه١.\rوذهب ابن حزم إلى قبول شهادة الأعمى مطلقًا على الأقوال، والأفعال في الحدود وغيرها، مثل شهادة المبصر سواء بسواء، سواء تحملها قبل العمى أم بعده، فيقول في معرض حديثه عن هذا: إن من أجازها في الشيء اليسير دون الكثير، فقول في غاية الفساد؛ لأنه لا برهان في صحته، وما حرم الله تعالى من الكثير إلا ما حرم من القليل، وقد صح عن النبي ﷺ: \"ومن اقتطع بيمينه مال مسك، ولو قضيبا من أراك أوجب الله له النار\"، أما من قبله في الأنساب، إلا من حيث يعرف المخبرين بغير ذلك، والمشهدين له.. أما من لم يقبله لا فيما عرف قبل العمى ولا بعده، فقول فاسد لا برهان على صحته، وبين ما عرفه الصحيح، وتمادت صحته وبصره.. إلى أن يقول: إن كانت الأصوات تشبه، فالصور أيضًا قد تشبه وما يجوز لمبصر، ولا أعمى أن يشهد إلا بما يوقن، ولا يشك فيه، ومن أشهد خلف حائط، أو في ظلمة، فأيقن بلا شك بمن أشهده فشهادته مقبولة في ذلك٢، وما أثاره ابن حزم هنا، وإن وافقناه على بعضه مردود؛ لأن","footnotes":"١ شرح فتح القدير ج٧ ص٣٩٧.\r٢ المحلى ج١٠ ص٦٣٨-٦٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234127,"book_id":3632,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":403,"body":"إطلاق قبول شهادة الأعمى على القول أو الفعل الذي شهده، أو سمعه بعد فقد بصره إطلاق، قيده ابن حزم نفسه باشتراط حدوث اليقين للشاهد، ومن أين يأتي يقين الأعمى بأن فلانا قد قال كذا أو فعل كذا، وقياس ابن حزم اشتباه الصوت على الأعمى باشتباه الصورة على البصير، قياس مردود بما هو مشاهد في الواقع؛ لأنه لا يوجد من تتطابق صورتهما من حيث الشكل والطول، والقصر واللون والنطق، وما إلى ذلك إلا حالات نادرة يعرفها المخالطون لها، ويستطيع كل منهم تمييز من تطابقت صورتهما بشيء من اختلاف الصوت، أو الهيئة، وما إلى ذلك من الملابسات، والمصاحبات والقرائن، فإن تعذر الأمر في هذه الحالات المعدودة، ولم يستطع الشاهد المبصر تميز من اتفقا في كل شيء أصبحت شهادة المبصر هنا غير يقينية، واعترتها الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، وإن كان ابن حزم لا يرى هذا، كما أنه من أين لمن يشهد بأشياء وقعت في ظلمة بأنها وقعت من فلان، إن وقوع الأشياء في ظلمة لا يمكن القطع بأنها وقعت من فلان عن طريق الإبصار فقط، وإنما لا بد من أن ينضم إليه ما يؤكده، فإن لم ينضم إليه ما يؤكده، فالشهادة به تكون شهادة بأشياء لم يصل الشاهد بها حد اليقين، كأنها وقعت ممن يشهد بها عليه، وشهادة مثل هذه لا يقام بها حد؛ لأن الشبهة قد اعترتها.\rإن شهادة الأعمى حينئذ شهادة عن غير يقين، يصل حد يقين من يرى الشمس واضحة في كبد السماء حتى يشهد عليها.\rوابن حزم، وإن ذكر أن حديث الرسول ﷺ الذي جاء فيه: \"ألا ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع\"، حديث قد جاء من طريق ضعيف، إلا أن ابن حزم قد صوب معناه وأكد عليه؛ لأنه قد اشترط تيقين الشاهد مما يشهد به حتى يعتد بشهادته١، وما أرجحه","footnotes":"١ المرجع السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234128,"book_id":3632,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":404,"body":"من هذه الأقوال أن الأعمى إذا تحمل الشهادة، وهو مبصر ضابط لما يتحمل، ثم أداها أن كف بصره، وكان لا يزال ضابطًا لما يشهد به عارفًا له معرفة يقينية اعتد بشهادته، وثبت بها الحدج، أما لو تحملها وهو مبصر، وبعد أن عمي لم يعد ضابطًا لما تحمله من أقوال أو أفعال، فإن شهادته حينئذ قد اعترتها الشبهة لاختلال تعيين الشاهد بما يشهد به، ومثلها إذا شهد بشهادة حملها، وهو أعمى سواء أكانت على فعل أو قول؛ لأن شهادته التي تحملها، وهو أعمى شهادة لا تخلو عن شبهة، وشهادة مثل هذه لا يثبت بها حد من الحدود.\rأما ما ذكره الشربيني الخطيب من صورة أوردها البلقيني، وأجاز فيها شهادة الأعمى على الفعل، وذلك كما إذا وضع الأعمى يده على ذكر داخل في فرج امرأة مثلًا، فأمسكهما حتى يشهد عند الحاكم بما عرفه بمقتضى وضع اليد، فهذه وما ضبطها بعيدة الحدوث، بل هي في حيز المعدوم وقوعه وتصوره١. هذا ما أرجحه بالنسبة لشهادة الأعمى في الحدود، أما في غيرها فأمره متروك للقاضي يجتهد فيه قدر طاقته، فإن صح لديه حكم به وإلا فلا.\rالفرع الثاني:\rرؤية الشاهد ما يشهد به، بمعنى أنه هو الذي رأى الواقعة التي يشهد بها، والحديث عن هذا الفرع يتناول ما يأتي:\rأولًا: جواز الإدلاء بشهادة على واقعة لم يرها الشاهد بعينه أن كانت مما يرى، أو لم يسمعها من الجاني بنفسه إن كانت مما يسمع.\rثانيًا: المواضع التي يجوز أن تسمع فيها شهادة على واقعة لم","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص٤٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234129,"book_id":3632,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":405,"body":"يرها الشاهد ولم يحضرها بنفسه، وإنما سمع من شهدها، وما مدى الاعتداد بهذه الشهادة والشروط، التي يجب أن تتوافر حينذاك؟\rثالثًا: المواضع التي لا يجوز أن تسمع فيها شهادة على واقعة لم يرها الشاهد، ولم يحضرها.\rبين الله ﷾ لبني البشر أن لا يشهدوا بشيء لا علم لهم به، فقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.\rفالعلم الذي يتحصل لدى من يجوز له أن يشهد بواقعة، والذي تعنيه الآيتان حتى يعتد بالشهادة كدليل إثبات شرعي يحكم بمقتضاه له طريقان:\rالطريق الأول: مشاهدة الواقعة التي يشهد عليها وحضورها.\rالطريق الثاني: سماع الواقعة ممن حضرها وشاهدها، والعلم بالواقعة من حيث جواز الشهادة به والحكم بمقتضاها، والشروط الواجب توافرها بقبول الشهادة من الشاهد الفرعي، والاعتداد بها كدليل إثبات، ولبيان ذلك يقتضي المقام تقسيم الوقائع التي ستكون محلًا للشهادة من حيث ما سيحكم به في هذه الوقائع إلى قسمين:\rالقسم الأول:\rوقائع يترتب على اقترافها، وثبوتها على من اقترفها إلزامه بعقوبات تعزيرية، أو تعويضات مالية أوهما معًا، ولا خلاف في الاعتداد بشهادة الشهود الفرعيين فيها٣.","footnotes":"١ من الآية ٣٦ من سورة الإسراء.\r٢ من الآية ٨٦ من سورة الزخرف.\r٣ المغني ج٩ ص٢٠٦، مغني المحتاج ج٤ ص٤٥٣، المهذب ج٢ ص٣٣٧، فتح القدير ج٧ ص٤٦٢، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج٢ ص٥٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234130,"book_id":3632,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":406,"body":"القسم الثاني:\rوقائع يترتب على اقترانها، وثبوتها على من اقترفها إلزامه بعقوبة من العقوبات الحدية المقدرة من لدن الشارع الحكيم، بما في ذلك القصاص.\rوآراء الفقهاء قد اختلفت في الاعتداد بشهادة الشهود الفرعيين، أو كتاب القاضي إلى القاضي في إثبات هذه الوقائع، وإلزام من ارتكبها عقوبة من العقوبات الحدية بمقتضى شهادة الشهود الفرعيين.\rفيرى فقهاء المالكية، وهو رأي لفقهاء الشافعية، ورأي ابن حزم، جواز قبول شهادة الشهود الفرعيين بها، والحكم بمقتضاها بالعقوبات الحدية سواء أكان الحق المعتدى عليه حقًا لله ﷾، أم لآدمي، فقد جاء في المدونة: \"قلت لابن القاسم: أتجوز شهادة الشهود على شهادة الشهود في السرقة؟ قال: قال لي مالك: تجوز شهادة الرجلين على الرجل في الفدية والحدود كلها، والسرقة من الحدود، قلت: أرأيت أربعة شهودا على أربعة في الزنا أتقبل شهادتهم في قول مالك؟ قال: نعم\".\rوجاء في المدونة أيضًا: \"أرأيت القاضي إذا كتب إلى القاضي آخر بشهادة شهود شهدوا عنده وعدلوا، فشهدوا على فلان ابن فلان بحق أو بحد، أو قصاص أو غير ذلك؟ أيقبل هذا القاضي الذي جاءه الكتاب بالبينة الذين في الكتاب على هذا الرجل المشهود عليه، ويقيموا عليه ويقيموا عليه تلك الأشياء، ويقضي بها عليه في قول مالك؟ قال: قال مالك في القاضي يكتب بالكتاب إلى قاضي آخر فيه الشهود على ما يقضي به، وكتب بعدالة الشهود -أن القاضي الذي جاءه الكتاب يقضي به وينفذه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234131,"book_id":3632,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":407,"body":"ولم يفسر لنا مالك حدا ولا قصاصًا، ولا حقًا غير ذلك، وما شككنا أن ذلك كله سواء\"١.\rوقد ذكر ابن حزم أيضًا: \"وتقبل الشهادة على الشهادة في كل شيء\"، ورد المخالفين لذلك في مسائل الحدود بقوله: \"تخصيص حدا وغيره لا يجوز إلا بنص، ولا نص في ذلك\"٢.\rويرى فقهاء الأحناف والحنابلة عدم جواز قبول شهادة الشهود الفرعيين، فلا يعتد بها ولا يحكم بمقتضاها بعقوبة من العقوبات الحدية نظرًا؛ لأنها دليل إثبات لا يقوم به يقين، فتلحقه الشبهة لاحتماله الخطأ أو النسيان، ودليل مثل هذا لا تثبت به الجرائم الحدية.\rكما أنه لا يخفى أن الستر عندهم على من ارتكب جناية من الجنايات الحدية أولى، وألزم من الإدلاء بالشهادة بالنسبة للشاهد الأصلي، فما بال الشاهد الفرعي، ولا شك أنه أشد إلزامًا بالستر على الجاني، فلا حاجة أصلًا لشهادته عندهم؛ لأنها لا تجب عليه، وليست بحق للمشهود له حتى يمكن مخاصمة الشاهد الفرعي فيها، وإلزامه بأدائها.\rفقد أورد ابن الهمام أن الشهادة على الشهادة جائزة في كل حق يثبت مع الشبهة، فخرج ما لا يثبت معًا، وهو الحدود والقصاص.\rكما استدل ابن الهمام على عدم جواز شهادة الفروع في هذا","footnotes":"١ المدونة: ج١٦ ص٤٥، ٥٩، ٦٠، ٨٥، \"ط السعادة\"، ويراجع الخرشي: ج٧ ص٢١٧-٢١٨، وحاشية الدسوقي: ج٤ ص٢٠٥، ويراجع في رأي الشافعية: المهذب: ج٢ ص٣٣٧. ومغني المحتاج ج٤ ص٤٥٣.\r٢ المحلى: ج١٠ ص٦٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234132,"book_id":3632,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":408,"body":"بقوله: والقياس أن لا تجوز؛ لأنها عبادة بدنية وجبت على الأصل، وليست بحق للمشهود له حتى تجوز الخصومة فيها، والإجبار عليها.\rكما أن الشارع قد طلب الزيادة في عدد الشهود الأصول، لاحتمال سهو أو كذب أحدهم، لعدم العصمة من الكذب أو السهو، واحتمال ذلك يزيد بالنسبة للشهود الفرعيين١.\rوإذا كان هذا هو رأي فقهاء الأحناف في شهادة الشهود الفرعيين، فإنهم أيضًا ذهبوا إلى رد الأخذ بكتاب القاضي إلى القاضي في إثبات الجنايات الحدية والقصاص نظرًا؛ لأن فيه شبهة البدلية، ولهذا فإنهم لا يعتدون به في إثبات حد أو قصاص٢.\rوأرود ابن قدامة أقوال الفقهاء في الشهادة على الشهادة، ثم بين ما يرجحه ويرتضيه بقوله: ولنا أن الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات، والإسقاط بالرجوع عن الإقرار، والشهادة على الشهادة فيها شبهة، فإنها يتطرق إليها احتمال الغلط، والسهو والكذب في شهود الفروع مع احتمال ذلك في شهود الأصل، وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهادة الأل، وهو معتبر بدليل أنها لا تقبل مع القدرة على شهود الأصل، فوجب أن لا تقبل فيما يدرء بالشبهات؛ ولأنها تقبل للحاجة، ولا حاجة إليها في الحد؛ لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه؛ ولأنه لا نص فيها، ولا يصح قياسًا على الأموال لما بينهما من الفروق في الحاجة، والتساهل فيها ولا يصح قياسها على شهادة الأصل لما ذكرنا من الفروق، فبطل الإثبات.\rثم بين ابن قدامة أن شهادة الفروع لا يثبت بها قصاص أيضًا","footnotes":"١ فتح القدير ج٧ ص٤٦٢-٤٦٣.\r٢ المرجع السابق ج٧ ص٢٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234133,"book_id":3632,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":409,"body":"نظرًا؛ لأن القصاص عقوبة بدنية، ومبني على الإسقاط بالشبهات، فأشبه الحدود في عدم الإلزام به بشهادة الفروع١.\rوذهب جمهور فقهاء الشيعة إلى أن الشهادة على الشهادة لا تقبل في الحدود، سواء أكانت العقوبة الحدية نتيجة اعتداء على حق الله ﷾، أم حق مشترك كحد القذف، والسرقة، ونحوهما.\rوذهب جماعة منهم إلى قبول الشهادة على الشهادة، فيما كان من الحدود مشتركًا بين الله ﷾ وبين غيره، أما قبولها في القصاص، فلم يخالف أحد منهم٢، وقد ورد عن الشافعية رد قبول الشهادة على الشهادة في ما كان حدًا خالصًا لله ﷾، أما ما كان لآدمي كالقصاص، وحد القذف فقد أجازوا قبول الشهادة على الشهادة في إثباته.\rوقد أورد الشربيني الخطيب أن الشهادة على الشهادة، إنما تقبل في غير عقوبة الله تعالى وغير إحصان، وفي إثبات عقوبة لآدمي على","footnotes":"١ المغني ج٩ ص٢٠٦، ٢٠٧.\r٢ ذكر أبو القاسم الموسوي أن الشهادة على الشهادة تقبل في حقوق الناس كالقصاص، والطلاق والنسب والعتق، والمعاملة والمال، وما شابه ذلك ولا تقبل في الحدود سواء أكانت لله وحده، أم كانت مشتركة كحد القذف والسرقة ونحوها، ثم أورد الخلاف فيما كان مشتركًا بين الله تعالى، وبين غيره وبين أن المشهود بين الأصحاب هو قبول الشهادة على الشهادة فيها خلافًا لجماعة منهم الشهيد الأول في النكت، والثاني في المسالك، ثم بين أن ما ذكر من المشهور هو الصحيح لإطلاق الروايتين، والمناقشة في سندهما، وفيهما بالضعف في غير محله.\rمباني تكملة المنهاج ج١ ص١٤٢-١٤٣، المختصر النافع ص٢٨٩ \"ط الأوقاف الثانية\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234134,"book_id":3632,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":410,"body":"المذهب كالقصاص، وحد القذف أما العقوبة لله تعالى كالزنا، وشرب الخمر فلا تقبل فيها الشهادة على الأظهر، وخرج منها قول في عقوبة الآدمي، ودفع التخريج بأن حق الله تعالى مبني على التحفيف بخلاف حق الآدمي١.\rوالذي أرجحه من أقوال الفقهاء هذه، هو قول من ذهب إلى عدم الاعتداد بالشهادة على الشهادة في إثبات جناية من الجنايات الحدية، أو جناية قصاص نظرًا؛ لأن شهادة الأصل لا تقبل إلا إذا تم اليقين بصحتها، وانضم آلية غيره فيها، وفي بعض الجنايات الحدية لا بد أن يكون هؤلاء الشهود أربعة رجال بمواصفات معينة إلى آخر ذلك، مما يستهدف منه المشرع اليقين في إثبات هذه الجرائم، ودفع عقوبتها بقيام شبهة من الشبهات.\rولا يخفى أن الشهادة على الشهادة حجة لا تخلو من شبهة؛ لأن الشاهد الفرعي لا علم له بالواقعة، أو كيفيتها مما قد يستفسر عنه القاضي، إلا بما سمعه من الشاهد الأصلي، والشاهد الأصلي لمن يقص على الفرعي كل ما يمكن أن يسأل عنه القاضي ليتأكد من الواقعة، وما خالطها.\rكما أن اختلاف صيغة الشهادة الأصلية نفسها قد يؤثر؛ لأن الشاهد الفرعي أن يحفظ الشهادة الأصلية حفظًا يجعله ينقلها نقلًا حرفيًا.\rوفوق ذلك كله، فإن أداء الشهادة على الشهادة غير واجب، والستر على المسلمين أمر دعي إليه الرسول ﷺ، ورغب فيه خيف إضاعة حق الآدمي، فلا يخفى أن القاضي يمكنه إلزام الجاني بعقوبة من العقوبات التعزيرية المناسبة.","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص٤٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234135,"book_id":3632,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":411,"body":"ومن ذهب إلى الاعتداء بشهادة الشهود الفرعيين في الحدود، والقصاص وضع لهذا ضوابط، وشروطًا بالإضافة إلى ما يشترط في الشاهد، والشهادة بصفة عامة، هذه الضوابط والشروط هي ما يأتي:\rأولًا: أن يعتذر حضور الشاهد الأصلي لمجلس القضاء ليدلي بشهادته أمام القاضي الذي ينظر بالواقعة.\rوتعذر الحضور يتفاوت من شخص لآخر، ومن مكان لآخر ومن زمان إلى زمان، وتقدير هذا متروك لاجتهاد القاضي وتقديره١.\rثانيًا: أن يكون الشهود الذين يشهدون بشهادة غيرهم ذكورًا، فلا تقبل شهادة النساء عند فقهاء الشافعية.\rوقد رجح فقهاء المالكية الرأي في هذا إلى جواز شهادة النساء ابتداء، فأجازوها مع الرجال في الأموال وما يؤل إليها، أما ما لا تجوز شهادتهن به ابتداء، فلا يجوز أن يكون شهودًا فرعيين فيه٢.\rثالثًا: أن يشهد فرعان بشهادة أصل واحد، أي أن يشهد اثنان من الشهود الفرعيين بما شهد به شاهد أصلي واحد، وهذا للتثبت والتأكد، ولجواز أن ينسى أحدهما، فيذكره الآخر.\rرابعًا: أن يظل الشاهد الأصلي متصفًا بالعدالة، ولا توجد بينه وبين المشهود عليه عداوة، فإذا فسق الشاهد الأصلي أو حدثت بينه، وبين المشهود عليه عداوة قبل أن يدلي الشاهد الفرعي بشهادته، ردت شهادة الشاهد الفرعي للطعن على الشاهد الأصلي الذي نقل عنه.","footnotes":"١ الخرشي ج٧ ص٢١٨ المهذب ج٢ ص٣٣٧، ويراجع أيضًا فتح القدير ج٧ ص٤٦٨، مباني المنهاج ج١ ص١٤٥، والمختصر النافع ص٢٨٩.\r٢ الخرشي ج٧ ص٢٢٠، المهذب ج٢ ص٣٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234136,"book_id":3632,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":412,"body":"خامسًا: أن لا يكذب الشاهد الأصلي الشاهد الفرعي فيما نقله عنه، وإن كان فقهاء المالكية قد اشترطوا أن لا يكون ذلك قبل الحكم.\rفإن كان بعد الحكم، فلا يلتفت إلى هذا التكذيب عندهم١.\rواحتراز المالكية هنا في غير محله؛ لأن الشاهد الأصلي إذا كان غائبًا، ثم حضر في غيبته بعد الحكم على الجاني بشهادة الشهود الفرعيين، فرأى الشاهد الأصلي أن الشهود الفرعيين، قد قصروا في ذكر بعض ما يتصل بالواقعة من أمور قد يترتب عليها درء العقوبة الحدية عن الجاني، فما الذي يمنع من الأخذ بما يقوله الشاهد الأصلي إذا، وهو الذي حضر الواقعة وعاينها، وعايش كل ملابساتها لا شك أن سماعه، والاعتداد بقوله في درء العقوبة عن الجاني أمر لازم خصوصًا عند من يقول بدرء الحد بالشبهة، ولا يخفى أن من هؤلاء فقهاء المالكية٢.\rهذا بالنسبة لما قيل من قبول الشهادة على الشهادة، والاعتداد بها أما بالنسبة لكتاب القاضي للقاضي، فإن كان ما في الكتاب حكمًا بعقوبة من العقوبات، ولم يبد المحكوم عليه على ما جاء في هذا الكتاب اعتراضًا موضوعيًا ينبني عليه اختلاف الحكم، وتغاير العقوبة أو إسقاطها، نفذ القاضي الذي جاءه الكتاب ما اشتمل عليه من أحكام.\rأما إن أبدى عليه اعتراضًا موضوعيًا على ما جاء بكتاب","footnotes":"١ الخرشي ج٧ ص٢١٩.\r٢ ذكر رجال القانون أن للمحكمة أن تأخذ بشهادة منقولة عن شاهد أنكر صحتها وصدورها، إذ أن المرجع في تقدير الشهادة، ولو كانت منقولة هو إلى محكمة الموضوع وحدها.\rد. رءوف عبيد مبادئ الإجراءات الجنائية ص٥٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234137,"book_id":3632,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":413,"body":"القاضي، فإن على القاضي المرسل إليه تحقيق الواقعة، ونظر اعتراض المحكوم عليه، والقضاء بما يراه.\rهذا إذا كان ما في كتاب القاضي للقاضي حكم من الأحكام، أما إن كان الذي في الكتاب شهادة الشهود للذين حضروا الواقعة، نظر القاضي المرسل إليه الكتاب، وحقق الواقعة بناء على ذلك، وحكم فيها بما يحقق العدل، ويضمن حقوق الآدميين بوجه خاص بعد أن يسمع من المدعى عليه كل ما يريد أن يقول أو قدم من دفع، ثم يبحثها ويحقق وقائعها وقرائنها، ويجتهد في ذلك الاجتهاد الواجب على القاضي قبل أن يحكم فيها عرض عليه.\rوالذي أرجحه أنه لا يجوز أن يحكم بعقوبة من العقوبات الحدية اعتمادًا على دليل إثبات هو عبارة عن شهادة، أو كتاب قاض إلى آخر، حتى ولو كان الاعتداء الذي وقع من الجاني قد وقع على حق لآدمي، وذلك؛ لأن الحكم بالعقوبة الحدية لا بد، وأن يكون ناشئًا عن ثبوت جريمتها على الجاني ثبوتًا يقينيًا محتمل، فإذا احتمل دليل إثبات الجريمة الحدية الشك والشبهة، فإن هذا الشك يفسر لصالح المتهم، وتدرأ الشبهة العقوبة الحدية عنه.\rويبقى القاضي مخيرًا في معالجة القضية حسبما يرى في حدود ما أباح له الشرع، فله أن يحكم فيها بعقوبة من العقوبات التعزيرية التي تحقق الردع والزجر، أو أن يسقط العقوبة عن المتهم إذا عن له ذلك، ونقص قيام ركن من أركان الجريمة.\rهذا ما آراه فيما ذكر الفقهاء من اشتراط الرؤية في الشاهد.\r٦ الذكورة: اشترط جمهور الفقهاء في الشهادة بالحدود أن يكون الشاهد ذكرًا، وعليه فلا تقبل شهادة النساء في الحدود نظرًا لما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234138,"book_id":3632,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":414,"body":"يلحق شهادة من شبهة النسيان، أو التظليل طبقًا لما جاء في قول الله ﷾: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ١، واستدل جمهور الفقهاء على ما ذهبوا إليه بما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ٢.\rوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٣.\rفإلحاق التاء بالعدد يفيد أن المعدود مذكر طبقًا لما جرت به قواعد العربية، كما أورد ابن الهمام: \"أن السنة مضت من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده، أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود والدماء؛ ولأن النص أوجب أربعة رجال بقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُم﴾ ، فقبول امرأتين مع ثلاثة مخالف لما نص عليه من العدد والمعدود، وغاية الأمر المعارضة بين عموم -فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان- وبين هذه فتقدم هذه؛ لأنها مانعة وتلك مبيحة، وأيضًا هذه تفيد زيادة قيد وزيادة القيد من طرق الدرء، فإنه كلما كثرت قيود الشيء قل وجوده بالنسبة إلى ما ليس فيه زيادة تقييد؛ ولأن فيها شبهة البدلية ... والشبهة كالحقيقة فيما يندرئ بالشبهات، وسائر ما سوى حد الزنا من الحدود يقبل فيها شهادة رجلين، ولا تقبل","footnotes":"١ من الآية ٢٨٢ من سورة البقرة، ويراجع في ذلك القرطبي ج٢ ص١٢٠٥.\r٢ من الآية ١٥ من سورة النساء، ويراجع في ذلك القرطبي.\r٣ من الآية ٤ من سورة النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234139,"book_id":3632,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":415,"body":"النساء، لما ذكرنا، وكذا القصاص\"١.\rكما بين السرخسي سبب عدم قبول شهادة النساء في الحدود، والقصاص بقوله: \"لأن في شهادة النساء ضربًا من الشبهة، فإن الضلال والنسيان يغلب عليهن، معها معنى الضبط والفهم بالأنوثة، وإلى ذلك أشار الله تعالى في قوله ﷿: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ، ووصف رسول الله ﷺ النساء بنقصان العقل والدين، والحدود تدرأ بالشبهات، وما يندرئ بالشبهات لا يثبت بحجة فيها شبهة تيسيرًا للتحرز عنها\"٢.\rوبين الشربيني الخطيب رأي فقهاء الشافعية في هذا، وإن شهادة النساء لا يثبت بها، إلا المال فقط أما غير المال، وكذا العقوبات الواجبة حقًا لله تعالى، أو لآدمي، فإنها لا تجب ولا تثبت جناياتها بشهادة النساء، فقال عند حديثه عن إثبات جريمة السرقة الحدية: \"وما يجب به الحد فيها\"، وتثبت السرقة الموجبة للقطع بشهادة رجلين كسائر العقوبات غير الزنا، فإنه خص بمزيد العدد، فلو شهد رجل وامرأتان بسرقة.. ثبت المال ولا قطع على السارق\"٣.\rكما بين أن شهادة النساء لا تقبل فيما بمال ولا يقصد منه المال، من موجب عقوبة لله تعالى، كالردة وقطع الطريق والشرب، أو من عقوبة لآدمي، كقتل نفس وقطع طرف وقذف، ثم بين سبب ذلك قوله: \"لأن الله تعالى نص على شهادة الرجلين في الطلاق، والرجعة والوصاية، وتقدم خبر\": \"لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل\"","footnotes":"١ فتح القدير ج٧ ص٣٦٩-٣٧٠.\r٢ المبسوط ج١٦ ص١١٤.\r٣ مغني المحتاج ج٤ ص١٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234140,"book_id":3632,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":416,"body":"وروى مالك عن الزهري: \"مضت السنة بأن لا تجوز شهادة النساء في الحدود\"١.\rوقد جاء مثل هذا أيضًا عن فقهاء المالكية٢، والحنابلة٣، والشيعة٤، وما ورد من روايات عن بعض فقهاء الشيعة تجيز شهادة النساء في الحدود، فقد ردوا عليها وبينوا شذوذها، وما ورد من روايات أخرى عن بعضهم تجيز شهادتين في القتل مستدلين بقول علي بين أبي طالب، كرم الله وجهه: \"لا يبطل دم امرئ مسلم\"، فقد ردوا عليها وبينوا أن المراد بثبوت القتل بشهادتين ثبوته بالنسبة إلى الدية، وأما بالنسبة إلى الفرد، فلا يثبت بشهادة النساء\"٥.\rهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.\rأما ابن حزم فقد أجاز شهادة النساء في الحدود، والقصاص سواء أشهد النساء منفردات أم مع الرجال، كل ما هنالك أنه جعل شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجال، بمعنى أن ما يثبت من جرائم الحدود، والقصاص بشهادة رجلين يثبت عنده بشهادة أربع نسوة وهكذا.\rوقد أورد ابن حزم هذا في قوله: \"ولا تجوز أن تقبل في الزنا أقل من أربعة رجال عدول مسلمين، أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان عدلتان، فيكون ذلك ثلاثة رجال، وامرأتين أو رجلين، وأربع نسوة أو رجلًا واحدًا وست نسوة وثمان نسوة فقط، ولا يقبل في","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص٤٤٢.\r٢ حاشية الدسوقي ج٤ ص١٨٩.\r٣ المغني ج٩ ص١٩٦.\r٤ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١١٨-١٢٦.\r٥ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١١٨-١٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234141,"book_id":3632,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":417,"body":"سائر الحقوق كلها من الحدود والدماء، وما فيه القصاص والنكاح، والطلاق والرجعة، والأموال إلا رجلان مسلمان عدلان، أو رجل وامرأتان كذلك، أو أربع نسوة كذلك\"١.\rواستدل ابن حزم على قبول شهادة النساء، في إثبات الجرائم الحدية، والحكم بعقوباتها المقدرة، وكذا في القصاص بما روي من أن امرأة أوطأت صبيًا، فقتلته فشهد عليها أربع نسوة، فأجاز علي بن أبي طالب شهادتين، وقضى على المرأة بالدية٢.\rوذكر ابن حزم أن من منع شهادة النساء في إثبات الحدود لا سند له من رواية قوية، وإنما سنده منقطع، وفي روايته من هو ضعيف وهالك، وأن العقل لا يفرق بين الرجل والمرأة من حيث الغفلة، أو تعمد الكذب والتواطؤ عليه٣.\rوما هب إليه ابن حزم هو أرجحه نظرًا؛ لأن الحال داعية إليه، بل إنه قد أصبح من الضروري الأخذ به تحقيقًا لما يهدف إليه المشرع، من تقرير عقوبة محدودة لمرتكبي الجرائم الحدية والقصاص.\rوماذا يرى من منع إثبات الجرائم الحدية، وإلزام الجاني عقوبتها المقدرة بشهادة النساء، فيما إذا دأبت امرأة، أو رجل على إرتكاب جريمة من الجرائم الحدية في بعض الأماكن التي لا يوجد فيها إلا النساء، كالأقسام الخاصة بهن في المستشفيات مثلًا، أو مدارس الفتيات، أو الأقسام الداخلية التي تقيم فيها الطالبات، وغير ذلك من أماكن التجمعات النسائية.","footnotes":"١ المحلى ج١٠ ص٥٦٩، ٥٧٩.\r٢ المحلى ج١٠ ص٥٧٣، ٥٨١.\r٣ المرجع السابق ص٥٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234142,"book_id":3632,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":418,"body":"إن الجاني الذي ارتكب جناية من الجنايات الحدية إذا جيء به، وشهد عليه بعهض من يقمن في هذه الأماكن التي لا يتواجد فيها الرجال، وبلغ عدد الشاهدات بالجريمة الحدية التي ارتكباها ضعف ما يلزم لإثباتها من الرجال، لو درئت عنه العقوبة الحدية، وألزم بعقوبة تعزيرية أخرى لكان في ذلك استهانة بالحرمات؛ لأن من الجناة من لا يعالجون، إلا بما حدد الله من علاج، وحالات العودة بالنسبة لمن يعاقبون تعزيريًا تشهد بها الإحصائيات، وتقرير كثرتها الكثيرة.\rلذا كان الاعتداد بشهادة النساء بما ذكر من شروط أولى بالاعتبار في إثبات جرائم الحدود، والقصاص، والحكم بعقوباتها الحدية.\r٧- الحرية: ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط حرية من يشهد بحد من حدود الله ﷾، حتى يمكن الاعتداد بشهادته، وعدها دليل إثبات الجرائم الحدية، وإلزام الجاني بمقتضى ذلك عقوبة ما اقترفه من هذه الجنايات.\rهذا ما ذهب إليه الأئمة أبو حنيفة، ومالك والشافعي، ورأي للإمام أحمد ورأي عند فقهاء الشيعة١.\rأما ابن حزم، فإنه يرى الاعتداد بشهادة العبد في كل ما يعتد فيه بشهادة الحر، أخذا بعموم آيات الشهادة، إذ هو من رجالنا كما أنه عدل تقبل فتواه، وروايته وأخباره الدينية، كما أن أكثر العلماء من","footnotes":"١ فتح القدير ج٧ ص٣٩٩، الخرشي ج٧ ص١٧٦، مغني المحتاج ج٤ ص٤٢٧، المهذب ج٢ ص٣٣١، المغني ج٩ ص١٩٥، مبادئ تكملة المنهاج ج١ ص١٠٢-١٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234143,"book_id":3632,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":419,"body":"الموالي كانوا عبيدًا أو أبناء عبيد، ولا يحدث الاعتاق في العبد إلا الحرية، وهي لا تغير طبعًا، ولا تحدث علمًا ولا مروءة١.\rكما أن العبد قد قبل منه الإقرار بالحدود والقصاص، واعتد به في إثبات الجناية الحدية، فكيف تقبل شهادته على نفسه، وترد على غيره، إن كان ردها راجعًا إلى كونه رقيقا، فأولى أن ترد شهادته على نفسه أيضًا، وإن كان ردها راجعًا؛ لأن الغير هو الذي سيلزم بآثارها، فيجب إذا أن ترد كل شهادة له على نفسه أو غلى غيره؛ لأنه بإقراره على نفسه قد يترتب على هذا غرم لسيده، وذلك في حالة ما إذا كانت الجناية التي أقر بها معاقبًا عليها بعقوبة من العقوبات، التي تؤدي إلى إتلاف أحد أعضائه، أو إتلافه كله، ومما لا شك في أن الإتلاف في الحالتين سيلحق بسيده ضررًا، وسيلزم بآثاره.\rلذا فما دام العبد عدلًا معروفًا بصدقة مشهورًا بقول الحق، والحفاظ على أوامر الدين، فليس هناك ما يمنع قبول شهادته، والاعتداد بها في إثبات الحدود والقصاص.\rكما أنه لا يخفى أن نظام الرق قد انقضى عهده، وإذا وجد ففي حالات قليلة ونادرة.\r٨- النطق: أي أن يكون الشاهد ناطقًا بالفعل، فيؤدي شهادته عن طريق ما يسمع منه من كلامه، فإن كان الشاهد غير متكلم بالفعل، كأن كان أخرس فإن للفقهاء في الاعتداد بشهادته آراء.\rفقهاء الأحناف يرون أن النطق شرط من شروط الأهلية بالنسبة للشهادة، وعليه فلا تقبل شهادة الأخرس، وكذا ترد الشهادة أن أصيب","footnotes":"١ المحلى ج١٠ ص٥٩٨-٦٠٢، حاشية العدوي على الخرشي ج٧ ص١٧٦، الطرق الحكمية ص٢٤٤-٢٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234144,"book_id":3632,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":420,"body":"الشاهد بالخرس بعد أن أداها، ولم يحكم بعد بمقتضاها؛ لأن قيام الأهلية شرط وقت القضاء لصيرورة الشهادة حجة ضده، أي عند القضاء؛ لأنها إنما ترد للقضاء، فما يمنع الأداء يمنع القضاء، والعمى والخرس والجنون، والفسق يمنع الأداء، فيمنع القضاء١.\rكما ذكر ابن قدامة أن شهادة الأخرس لا تجوز بحال، نص عليه أحمد -رضي الله تعالى عنه، فقال: \"لا تجوز شهادة الأخرس، قيل: وإن كتبها؟ قال: لا أدري\"، وهذا قول أصحاب الرأي.\rوعلل ابن قدامة ذلك بأن الشهادة لا يعتبر فيها إلا اليقين، ولا يحصل اليقين بالإشارة٢.\rأما فقهاء الشافعية، فإن عندهم رأيين أحدهما يرى قبول شهادة الأخرس مطلقًا.\rوالثاني قيد قبول شهادة الأخرس بحالة الضرورة، وعليه فلا يعتد بها في الحدود، إذ لا ضرورة في الشهادة بها٣، وذهب فقهاء المالكية إلى قبول شهادة الأخرس، والاعتداد بها سواء أداها كتابة، أو إشارة بشرط أن تكون مفهمة معبرة، واضحًا\rيوفي بالمقصود.","footnotes":"\r_________\r١ شرح فتح القدير ج٧ ص٣٩٩، المبسوط ج٩ ص٧٠.\r٢ المغني ج٩ ص١٩٠-١٩١.\r٣ أورد الشيرازي أنه قد ورد عن بعض فقهاء الشافعية القول نكاح الأخرس بإشارته، على أساس أنها كعبارة الناطق، في نكاح الأخرس وطلاقه، وقال بعضهم: لا تقبل ولا يعتد بها إلا عند الضرورة كنكاحه، وطلاقه ولا ضرورة في الشهادة، المهذب ج٢ ص٣٢٤، وذكر الخطيب أن شهادة الأخرس لا تقبل، وإن أفهمت إشارته مغني المحتاج ج٤ ص٤٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234145,"book_id":3632,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":437,"sequence_num":421,"body":"كما أجاز فقهاء المالكية شهادة الأصم على الأفعال، أما شهادته على الأقوال، فلا تقبل إلا فيما سمعه قبل الصم١.\rواستأنس المجيزون لقبول شهادة الأخرس بما روي من أن النبي ﷺ قد أشار، وهو جالس في الصلاة إلى الناس، وهم قيام أن اجلسوا فجلسوا٢.\rوالاستئناس بهذا فيما نحن بصدده استئناس بعيد لعدم وجود شبهة بين الحالين، فالنبي ﷺ أشار في صلاته، وهو قادر على الكلام، والذي منعه من الكلام الحفاظ على الصلاة؛ لأن الكلام يبطلها، كما أن أصحابه ﵊، وإن تبعوا إشارته إلا أنهم بعد أن فرغوا من صلاتهم سألوه، واستفسروا منه فعلمهم، فإشارته ﷺ لم تكن شهادة والناطق لو شهد بالإيماء بالإشارة لا تصح شهادته، كما أن محاولة قياس الاعتداد بالإشارة المفهمة، بما كان من النبي ﷺ، وهو في صلاته أمر بعيد؛ لأن إثبات الحدود يقتضي علم وجود الشبهة.\rوعليه فإن شهادة الأخرس بإشارته المفهمة لا يعتد بها في إثبات","footnotes":"١ يقول الخرشي: وأما العدل الأصم غير الأعمى، فتجوز شهادته في الأفعال، ولم يتعرضوا لشهادة الأخرس، وهي مقبولة كما قاله ابن شعبان، ويؤديها بالإشارة المفهمة، والكتابة وأما الأصم في الأقوال فلا يقبل، ما لم يكن سمعة قبل الصم، كذا ينبغي على قياس ما في شرح الإرشاد. الخرشي ج٧ ص١٧٩ حاشية الدسوقي ج٤ ص١٦٨.\r٢ قال ابن قدامة: أن النبي كان قادرًا على الكلام، وعمل بإشارته في الصلاة، ولو شهد الناطق بالإبهاء، والإشارة لم يصح إجماعًا، المغني ج٩ ص١٩٠-١٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234146,"book_id":3632,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":438,"sequence_num":422,"body":"الجرائم الحدية؛ لأنها وإن أفهمت إلا أنها لا تخلو عن الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات١.\rأما إذا أدى أخرس الشهادة عن طريق الكتابة الواضحة المفهمة، وأجاب عن طريق الكتابة عن كل ما يوجه إليه من استفسار، وما يطلب منه بيانه، إجابة أدت إلى اليقين، فلا مانع من الاعتداد بهذا في إثبات الجرائم الحدية، والحكم بعقوباتها؛ لأن شهادته بهذه الطريقة قد بعدت من احتمال الشبهة، وأفادت القطع واليقين.\r٩- اليقظة: أي أن يكون يقظًا، وقت حدوث الجناية التي يشهد على الجاني بأنه ارتكبها.\rوأن يكون فطنًا فاهمًا غير غافل، ولا مشغول عما يحدث وقت حدوثه -بشيء آخر لجواز أن ينتج عن إنشغاله هذا خلط بين ما وقع من جناية، وغيرها، أو بين الجاني وغيره، أو بينهما معًا.\rفمن يكثر نسيانه أو خلطه، أو اشتباه الأمور عليه، فإنه ترد شهادته في الحدود والقصاص؛ لأن من شأن هذا أن تعتري شهادته الشبهة، وشهادة مثل هذه لا يقام بها حد.\rفإن كان ينسى أحيانًا، أو يغلط أحيانًا ولكن الحادثة التي يشهد عليها منضبطة في ذهنه واعيًا لها، ذاكرًا دقائقها قبلت شهادته، وأقيمت الحدود بها.","footnotes":"١ ذهب رجال القانون إلى أن لمحكمة الموضوع أن تعول على شهادة الشاهد، ولو كان أصم أبكم كان باستطاعتها أن تفهم إشارته، وبغير ما حاجة إلى تعيين خبير ينقل إليها هذه المعاني.\rأ. د: رءوف عبيد مبادئ الإجراءات الجنائية ص٥٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234147,"book_id":3632,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":439,"sequence_num":423,"body":"هذا بالنسبة لشهادته ممن يقع منه الخطأ، أو النسيان أو الغفلة، أما الأبله والبليد فلا تصح شهادتهم، ولا يعتمد عليها في الإثبات، أما ذو الغفلة فإنه تقبل شهادته في الحالات التي وضحت الجناية بالنسبة له، ولم يلتبس عليه شيء من أمرها١، ومبنى هذا كله أن الشهادة التي يقام بها حد من الحدود لا بد، وأن تكون صادرة عمن له قدرة ضبط عقلية يستطيع بها التمييز، والتدقيق، والفهم الواعي الضابط للأمور، والمفرق بين الحق والباطل.\rفإن لم يكن الشاهد كذلك اعترت شهادته الشبهة، وشهادة مثل هذه مردودة، ولا يثبت بها حد.","footnotes":"١ ذكر الخرشي أن المغفل هو الذي له قوة التنبيه ولم يستعمل قوته، والمعنى أن الشاهد يشترط فيه أن يكون غير مغفل، قال ابن عبد الحكم: قد يكون الرجل الخير الفاضل ضعيفًا لا يؤمن عليه لغفلته أن يلبس عليه، فلا تقبل شهادته، إلا أن يكون الأمر المشهود فيه جليا واضحًا بينا لا يلبس على أحد، كقوله: رأيت هذا يقطع يد هذا أو نحو ذلك، فإن شهادة المغفل تقبل في مثل ذلك، وأما البليد فلا تصح شهادته مطلقًا، والفرق بين المغفل والبليد، أن المغفل له ملكة أي قوة منبهة، لكن لا يستعملها والبليد ليس له ملكة أصلًا، الخرشي ج٧ ص١٧٩، حاشية الدسوقي ج٤ ص١٦٨، فتح القدير ج٧ ص٤١٥، المهذب ج٢ ص٣٢٤، مغني المحتاج ج٤ ص٤٢٧ المغني ج٩ ص١٦٧-١٨٨. وقد سبق أن ذكرت أن رجال القانون قد حكموا بأنه لا يؤثر في صحة الاستدلال بأقوال الشاهد أن يكون به ضعفًا عقليًا، ما دامت المحكمة اطمأنت إلى صحة أقواله.\rيراجع أ. د: رءوف عبيد مبادئ الإجراءات الجنائية ص٥٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234148,"book_id":3632,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":440,"sequence_num":424,"body":"المطلب الثاني: شروط في الشهادة\rيشترط في الشهادة التي تؤدى وتثبت بمقتضاها الجرائم الحدية، ويلزم الجاني بعقوبة ما اقترفه من الحدود ما يأتي:\r١- أن تكون واضحة مفصلة، دالة قاطعة، لا لبس فيها ولا خفاء: مفيدة على سبيل القطع، واليقين أن الجاني قد ارتكب جنايته بفعل يستحق معه العقاب المقرر حدًا، من لدن الشارع الحكيم.\rوكون الشاهدة بهذه الصورة من الوضوح، أمر ضروري لما يترتب عليها من إثبات جنايات عقوباتها بالغة الشدة تصل حد القتل قصاصًا، أو الإهلاك رجمًا.\rولهذا فإن الفقهاء اشترطوا تحري الدقة، والوضوح في الشهادة، وألزموا القاضي الاستفسار من الشهود عن مكان الجريمة وزمانها، وعن الجاني وكيفية جنايته. وعمن وقعت عليه إلى آخر ذلك، مما ينتفي معه أي لبس أو شبهة١.\rوقد ورد عن فقهاء الأحناف في ذلك كثير من النصوص، منها ما جاء عن البلبرقي٢ شارحًا ما في الهداية: \"وإذا شهدوا سألهم الإمام عن الزنا ما هو، احترازا عن الغلط في الماهية، وكيف هو، احترازًا عن الغلط في الكيفية، وأين زنى احترازًا عنه في المكان، ومتى","footnotes":"١ كما أنه على القاضي أيضًا أن يسأل المدعى عليه، عما يمكن له من عذر، أو شبهة قد يترتب على وجودهما، أو وجود أحدهما درء العقوبة عنه، أو تغايرها.\r٢ أكمل الدين محمد بن محمود البابرقي من علماء الفقه الحنفي، توفي سنة ٧٨٦هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234149,"book_id":3632,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":441,"sequence_num":425,"body":"زنى، احترازًا عنه في الزمان، وعن الزنية احترازًا عنه في المفعول به\"، ويدل عن وجوب السؤال عن هذه الأشياء النقل، والعقل أما الأول فما روي \"أن رسول الله ﷺ سأل ماعزا إلى أن ذكر النون والكاف ... لكونه صريحًا في الباب، والباقي كناية.\rأما العقل؛ فلأن الاحتياط في ذلك واجب؛ لأنه إن كان الفعل في غير الفرج عناه، فلا يكون ماهية الزنا، ولا كيفيته موجودة، أو زنى في دار الحرب، وهو لا يوجب الحد، أو في المتقادم من الزمان، وذلك يسقط الحد، أو كان له في المزنية شبهة لم يطلع عليها الشهود كوطء جارية الابن، فيستقص في ذلك احتيالا للدرء١، كما ذكر السرخسي في الشهادة بالقذف: أن المقذوف إذا جاء بشاهدين، فشهدوا أنه قذفه سئلا عن ماهيته، وكيفيته؛ لأنهما شهدا بلفظ مبهم، فالقذف قد يكون بغير الزنا، فإن لم يزيدا على ذلك لم تقبل شهادتهما؛ لأن المشهود به غير معلوم\"٢.\rكما يقول في الشهادة بالسرقة: \"وإن شهد شاهدان على رجل بالسرقة سئلًا عنم ماهيتها وكيفيتها؛ لأن مبهم الاسم محتمل، فإن من يستمع كلام الغير سدا يسمى سارقًا.. ولأن المسروق قد يكون غير مال، وقد يكون محرزًا، أو غير محرزًا وقد يكون نصابًا وما دونه، فلا بد أن يسألهما عن الماهية والكيفية، وينبغي أن يسألهما متى سرق، وأين سرق كما بيناه في الزنا؛ لأن حد السرقة لا يقام بعد تقادم العهد، ولا يقام على من باشر السب في دار الحرب، فيسألهما عن ذلك\"٣.","footnotes":"١ شرح العناية على الهداية مع فتح القدير ج٥ ص٢١٥-٢١٦ المبسوط ج٩ ص٦١.\r٢ المبسوط ص١٠٦.\r٣ المبسوط ج٩ ص١٤٢ شرح العناية مع فتح القدير ج٥ ص٣٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234150,"book_id":3632,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":442,"sequence_num":426,"body":"وقد أورد فقهاء الشافعية اشتراط ما سبق في الشهادة، فيقول الشيرازي: \"ومن شهد بالجناية ذكر صفتها، فإن قال: ضربه بالسيف فمات، أو قال: ضربه بالسيف فوجدته ميتًا لم يثبت القتل بشهادته لجواز أن يكون مات من غير ضربه.. ومن شهد بالزنا ذكر الزاني، ومن زنى به؛ لأنه قد يراه على بهيمة ... أو يراه على زوجته أو جارية ابنه، فيظن أنه زنى، ويذكر صفة الزنا، فإن لم يذكر أنه أولج، أو رأى ذكره في فرجها لم يحكم به ... وإن شهد أربعة بالزنا، وفسر ثلاثة منهم الزنا، ومات واحد منهم قبل أن يفسر لم يجب الحد في المشهود عليه ...\rومن شهد بالسرقة ذكر السارق والمسررق منه، والحرز والنصاب وصفة السرقة؛ لأن الحكم يختلف باختلافها، فوجب ذكرها، ومن شهد بالردة بين ما سمع منه لاختلاف الناس، فيما يصير به مرتدًا، فلم يجز الحكم قبل البيان، كما لا يحكم بالشهادة على جرح الشهود قبل بيان الجرح١.\rوجاء مثل هذا أيضًا عن فقهاء والمالكية، إذ يقول الخرشي في شروط صحة الشهادة بالزنا: أنهم لا بد أن يشهدوا بزنا واحد في وقت واحد في موضع واحد برؤية واحدة، وأنه أدخل فرجه في فرج المرأة كالمرود في المكحلة٢.\rكما جاء في المدونة: قلت: أرأيت إن شهد أربعة على رجل بالزنا، فقال لهم القاضي: صفوا الزنا، فقالوا: لا نزيد على هذا القول.\rأيقبل شهادتهم؟ قال: أخبرتك بقول مالك أنه قال: يكشفهم الإمام","footnotes":"١ المهذب ج٢ ص٣٣٦-٣٣٩، مغني المحتاج ج٤ ص١٣٨-١٧٧.\r٢ الخرشي ج٧ ص١٩٩، حاشية الدسوقي ج٤ ص١٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234151,"book_id":3632,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":443,"sequence_num":427,"body":"فإن وجد في شهادتهم من يدرأ به الحد درأه، قلت: فإن أبوا أن يكشفوا شهادتهم؟ قال: لا يقام الحد إلا بعد كشف الشهادة، وذلك رأيي١.\rوقد جاء اشتراط وضوح الشهادة، وتفصيلها، واستفسار القاضي الشهود عن كل ما يمكن أن يكون شبهة تدرأ الحد، أو تسقط العقوبة، عن كل من فقهاء الحنابلة٢، والشيعة٣ أيضًا.\rمن هذا كله يتضح أن جمهور الفقهاء، يرون اشتراط تحري الدقة في الشهادة التي يثبت بها الحد، ووضوحها وبيانها للجناية المشهود عليها بيانا لا يبقى معه أدنى لبس، حتى يمكن أن يحكم القاضي بناء على هذه الشهادة بالعقوبة المقررة لما ارتكبه الجاني من الجرائم الحدية.\rأما ابن حزم، فإنه يرى أن ما يجب أن يستفسر القاضي الشهود عنه هو ما لا تتم الشهادة إلا به، والذي إذا نقص لم تكن الأقوال التي قبلت شهادة، وإذا اختلف الشهود فيه بطلت شهادتهم، ولم تتم.\rأما ما لا معنى لذكره في الشهادة ولا يحتاج إليه فيها، وتتم الشهادة مع السكوت عنه، فلا ينبغي أن يلتفت إليه، وسواء اختلفت الشهود فيه، أو لم يختلفوا، وسواء ذكروه، أو لم يذكروه -واختلافهم في قصة أخرى ليست من الشهادة في شيء، ولا فرق، فلما وجب هذا كان ذكر اللون في الشهادة لا معنى له، وكان أيضًا ذكر الوقت في الشهادة في الزنى وفي السرقة، وفي القذف وفي الخمر لا معنى","footnotes":"١ المدونة ج١٦ ص١٤٠.\r٢ المغني ج٨ ص١٩٩.\r٣ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234152,"book_id":3632,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":444,"sequence_num":428,"body":"له -وكان إيضًا ذكر المكان في كل ذلك لا معنى له، فكان اختلافهم في كل ذلك كاتفاقهم، كسكوتهم، ولا فرق؛ لأن الشهادة في كل ذلك تامة دون ذكر شيء من ذلك.\rوحسب الشهود أن يقولوا: إنه زنى بامرأة أجنبية نعرفها أولج ذكره في قبلها رأينا ذلك فقط، ما أبالي قالوا: إنها سوداء أو بيضاء أو زرقاء، أو كحلاء مكرهة، أو طائعة، أمس، أو اليوم، أو منذ سنة، بمصر أو ببغداد.\rوكذا لو اختلفوا في لون ثوبه حينئذ، أو لون عمامته، ويستدل لذلك ابن حزم، فيقول: \"لم يقل الله تعالى قط، ولا رسوله ﷺ: لا تقبلوا الشهادة حتى يشهدوا على زنى واحد، في وقت واحد، في مكان واحد، وعلى سرقة واحدة بشيء واحد في وقت واحد، في مكان واحد، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ \"١٩: ٦٤\"، وتالله لو أراد الله تعالى ذلك لما أهمله، ولا أغفله حتى بينه فلان وفلان، وحاش لله من هذا\"١.\rوقبل مناقشة ابن حزم، فيما ذهب إليه أحب أن أذكر هنا بأن ابن حزم قال بأن الحدود لا تدرأ بالشبهات، هذا مذهبه وقد سبقت مناقشته.\rوأول ما يناقش فيه ابن حزم هو كونه لا يشترط في الشهادة أن تكون مبينة لحالة المزني بها، أهي طائعة أم مكرهة، وهذا ولا شك أمر ضروري الاستعلام عنه؛ لأنه وإن لم يؤثر بالنسبة للفاعل المختار، إلا أنه يترتب عليه بالغ الأثر بالنسبة له، وللمزني بها إن كان منهما","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٣٧٧-٣٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234153,"book_id":3632,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":445,"sequence_num":429,"body":"مكرهًا: وكذا إن كانت هي وحدها المكرهة؛ لأن المكره قد رفع عنه القلم فيما عدا القتل١.\rفما دامت أكرهت، فلا عقوبة عليها، فكيف تستوي الشهادة عليها إذا ذكر فيها كونها مكرهة، أو لم يذكر؟. إن إثبات إكراها أو طواعيتها إثبات لأمر جوهري يترتب عليه الإدانة، أو البراءة بالنسبة لها، ولا يخفى ما قد يكون في الإدانة من رجمها وإلحاق العار بأهلها، أما براءتها مما نسب إليها، فإنها مانعة من ذلك كله، فكيف يتسنى إذا أن يعد ابن حزم ذلك من الأمور التي لا يلتزم بيانها في الشهادة؟\rأما تعلق ابن حزم بأن الله ﷾ لم يقل ذلك قط، ولا رسول الله ﷺ، فهو تعلق واه، فالرسول ﷺ قد راجع ما جاء شاهدًا على نفسه، واستوضحه واستبان منه ما قد يكون خافيًا على الشاهد نفسه، وسأله عن أشياء، وأشياء حتى وصل به الأمر ﷺ إلى النطق بكلمة لم يكن ليحب أن ينطق بها.\rما فائدة هذا كله من رسول الله ﷺ، إذ أن لم يترتب عليه درء العقوبة، أو تغايرها وهما من الأمور المقصودة من مراجعة الشهود، واستبانتهم، واستيضاحهم.\rوما كان الرسول ﷺ لينطق بذلك كله عبثًا، أو مضيعة للوقت حاش لله.\rوابن حزم لم يأبه بقول بعض الشهود -إنهم رأوا الجاني يزني بامرأة أجنبية- في بلد كذا، أو قول الباقي منهم -المكمل للعدد المطلوب في الشهادة- لا بل رأيناه يزني بها في بلد آخر.","footnotes":"١ القرطبي ج٥ ص٣٨٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234154,"book_id":3632,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":446,"sequence_num":430,"body":"مع أن قول بعض الشهود في بلد كذا، وقول الباقين لا بل في بلد آخر شهادة بواقعتين مختلفتين لا بواقعة واحدة، ولا بد للشهادة بكل واحد من الواقعتين من أربعة شهود حتى يقام الحد، كما هو متفق عليه، ولا يجوز أن يقام حد بشهادة أربعة شهود كل منهم قد رأى واقعة، غير التي رآها غيره من باقي الشهود، كما لا يخفى أن من جاء يشهد بواقعة زنا قد وقعت منذ سنة، ولم يمنعه مانع من الشهادة بها وقتها، يجب أن يستوضح، ويسأل عن سبب تأخره في الإدلاء بما رأى خصوصًا، وأن الشهادة بهذا تقام حسبة، وتأخيرها بلا سبب جوهري يورث شكًا في من جاء يشهد، وفي الوقائع التي يشهد بها، وعلى ذلك فما ذهب إليه الجمهور أولى بالاتباع.\r٢- أن تكون الشهادة مفيدة لليقين بحيث لا يظهر ما يعارضها، ولو ظاهرًا: فإن ظهر ما يعارضها، ولو في الظاهر فإن الفقهاء قد رأوا في إثباتها للحد ما يأتي:\rذهب جمهور الفقهاء إلى أن الشهادة إذا وجد ما يعارضها، ولو في الظاهر تصبح محلًا للشبهة، ولا تفيد اليقين والقطع، ولهذا فإنه لا يعول عليها في إثبات جناية من الجنايات الحدية، وقد أورد ابن الهمام في هذا قوله: \"وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا، وهي بكر بأن نظر النساء إليها، فقلن: هي بكر درئ عنهما أن عن المشهود عليهما بالزنا، وعنهم أي، ويدرأ حد القذف عن المشهود\"١.\rوقد وضح السرخسي هذ بقوله: \"إن نظر إليها النساء قبل إقامة الحد، وقلن: هي عذراء أو رتقاء يدرأ عنها الحد؛ لأن الشبهة","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234155,"book_id":3632,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":447,"sequence_num":431,"body":"تتمكن بقول النساء، ولا شبهة أبلغ من هذا، فمع الرتق لا يتصور الزنا الموجب للحد، وبعد الزنا الموجب للحد لا يتصور بقاء العذرة\"١.\rكما يقول: \"وإن شهد أربعة على رجل أنه زنى بهذه المرأة في موضع كذا في وقت كذا، وشهد أربعة أنه زنى بهذه المرأة الأخرى في ذلك الوقت بعينه في مكان آخر، والبينتان بينهما بعد لم يحد واحد منهم؛ لأن القاضي تيقن بكذب أحد الفريقين، والشخصان في وقت واحد لا يتصور أن يكونا في مكانين مختلفين، ولا يعرف الصادق من الكاذب\".\r\"وإن شهد أربعة أنه زنى يوم النحر بمكة بفلانة، وشهد أربعة أنه قتل يوم النحر بالكوفة فلانا لم تقبل واحدة من الشهادتين، لتيقن القاضي بكذب أحد الفريقين، ولا حد على شهود الزنا لتكامل عددهم، وعلى هذا سائر الأحكام٢.\rوما ذهب إليه فقهاء الأحناف هو ما قال به فقهاء الشافعية، والحنابلة والشيعة، وبعض فقهاء المالكية.\rفيقول الشربيني الخطيب: ولو شهد أربعة من الرجال بزناها، وأربع نسوة أو رجلان، كما قال البلقيني، أو رجل وامرأتان كما قاله غيره، أنها عذراء، لم تحد هي لشبهة بقاء العذرة، والحد يدرأ بالشبهات؛ لأن الظاهر من حالها أنها لم توطأ، ولا قاذفيها لقيام البينة بزناها، واحتمال عودة بكارتها لترك المبالغة في الافتضاض.\rقال البلقيني: هذا إذا لم تكن غوراء يمكن تغيب الحشفة مع بقاء البكارة، فإن كان كذلك حدث لثبوت الزنا، وعدم التنافي، \"هذا","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص٥٠.\r٢ المرجع السابق ص٦٨، ٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234156,"book_id":3632,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":448,"sequence_num":432,"body":"ما ذهب إليه فقهاء الشافعية، وأن كان منهم من قيد عدم حد قاذفيها بما إذا كان بين الشهادتين زمن بعيد يمكن العذرة فيه.\rفإن شهدوا أنها زنت الساعة، وشهدن بأنها عذراء، وجب حد الشهود؛ لأنهم قذفوها لقيام ما يخالف ما شهدوا به١، وإن كنت أرى عدم حدهم حد القذف؛ لأن الطب الشرعي قد ذهب إلى إمكان حدوث الإيلاج مع بقاء غشاء البكارة إذا كان من النوع الذي يطلقون عليه الغشاء الهلالي٢، ولا حد عليها نظرًا لقيام ما يعارض ما شهد به الشهود، ولو في الظاهر، إذ الحدود تدرأ بالشبهات.\rووافق فقهاء الحنابلة ما ذهب إليه الجمهور، إذ رأوا أنه لا حد على من شهد النساء ببكارتها، وكذا لا حد على من قامت البينة أنه مجبوب؛ لأن وجود مثل ذلك يعارض إمكان وقوع الجريمة الحدية.\rواكتفى فقهاء الحنابلة بوجود امرأة واحدة تشهد ببقاء العذرة، يقول ابن قدامة بعد عرضه آراء الفقهاء في ذلك:\r\"ولنا أن البكارة تثبت بشهادة النساء، ووجودها يمنع من الزنا ظاهرًا.. وإذا انتفى الزنا لم يجب الحد، كما لو قامت البينة بأن المشهود عليه بالزنا مجبوب، وإنما لم يجب الحد على الشهود لكمال عددهم مع احتمال صدقهم.. ويجب أن يكتفى بشهادة امرأة واحدة؛ لأن شهادتها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال٣.\rوجاء عن فقهاء الشيعة: إذا شهد أربعة رجال على امرأة بكر بالزنا","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٥١.\r٢ ذكر أستاذي الدكتور سلام مدكور، أنه قد درس ذلك في كتاب الطب الشرعي للدكتور محمد سليمان.\r٣ المغني ج٨ ص٢٠٨، ٢٠٩، ٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234157,"book_id":3632,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":449,"sequence_num":433,"body":"قبلا وأنكرت المرأة، وادعت أنها بكر، فشهدت أربع نسوة بأنها بكر، سقط عنها الحد.\rواستدلوا لذلك بما روي من أنه أتى أمير المؤمنين بامرأة بكر زعموا أنها زنت، فأمر النساء فنظرن إليها فقلن، هي عذراء، فقال: ما كنت لأخرب من عليها خاتم من الله، وفقهاء الشيعة لم يكتفوا بشهادة امرأة واحدة كما ذهب إليه فقهاء الحنابلة، وإنما اشترطوا لاعتبار ذلك شبهة، أن يشهد أربع نسوة ببكارتها.\rولا حد أيضًا عندهم على من شهدوا على هذه المرأة بالزنا، لاكتمال عدد الشهود١.\rأما ابن حزم الذي لا يدرأ الحد بالشبهة، فإنه قد فصل القول فيمن شهد عليها أربعة بالزنا، ثم شهد أربع نسوة أنها عذراء، فقال: قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ ٢. فواجب إذا كانت الشهادة عندنا -في ظاهرها حقًا، ولم يأت شيء يبطلها أن يحكم بها، وإذا صح عندنا أنها ليست حقا، ففرض علينا أن لا نحكم بها، إذ لا يحل الحكم بالباطل، هذا هو الحق الذي لا شك فيه.\rثم نظرنا في الشهود لها أنها عذراء، فوجب أن يقرر النساء على صفة عذرتها، فإن قلن: إنها عذرة، يبطلها إيلاج الحشفة ولا بد، وأنه صفاق٣ عند باب الفرج، فقد أيقنا بكذب الشهود، وأنهم وهموا فلا يحل إنفاذ الحكم بشهادتهم.","footnotes":"١ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٨٢-١٨٣.\r٢ من الآية ١٣٥ من سورة النساء.\r٣ الصفاق ج صفق: الجلد الأسفل دون الجلد الذي يسلخ، وثوب صفيق كثيف نسجه، والمراد أن غشاء البكارة لم يسلخ، المنجد مادة \"صفيق\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234158,"book_id":3632,"shamela_page_id":434,"part":null,"page_num":450,"sequence_num":434,"body":"وإن قلن: أنها عذرة واغلة في داخل الفرج، لا يبطلها إيلاج الحشفة، فقد أمكن صدق الشهود، إذ بإيلاج الحشفة يجب الحد، فيقام الحد عليها حينئذ؛ لأنه لم نتيقن كذب الشهود، ولا وهمهم.\rأما جمهور فقهاء المالكية، فإنهم قد ذهبوا إلى أن من شهد أربعة رجال بأنها زنت، فإنها تحد ولا تسقط عنها الحد إلا إذا شهد أربعة رجال أنها عذراء.\rأما لو قالت: هي أنها عذراء أو رتقاء، وشهد بهذا أربع نسوة، فإن الحد لا يسقط\rعنها.\rفقد جاء في المدونة، \"قلت: أرأيت المرأة إذا شهد عليها بالزنا أربعة عدول، فقالت: أنها عذراء أو رتقاء، تريها للنساء في قول مالك أم لا؟ \".\rوكيف إذا نظر النساء، فقلن: هي عذراء أو رتقاء؟ قال: يقام عليها الحد ولا يلتفت إلى قولهن؛ لأن الحد قد وجب٢، وقال الخرشي: \"ولو ادعت المرأة بقاء بكارتها، أو أنها رتقاء، أو نظر إليها أربع نسوة وصدقناها على ذلك، فلا يسقط الحد المترتب عليها بشهادة البينة، ولم يقام على العذرة أربعة رجال لسقط الحد\"٣.\rوذهب اللخمي٤ إلى القول بأن من شهد أربعة نسوة ببكارتها يسقط عنها الحد، كما لو شهد الرجال بذلك، وقال المانعون لإسقاط","footnotes":"١ المحلى ج٣ ص٢٤٤-٢٤٦.\r٢ المدونة ج١٦ ص٥٠.\r٣ الخرشي ج٨ ص٨١.\r٤ أو الحسن علي بن محمد الربعي، فقيه مالكي، قيرواني الأصل من أحسن مصنفاته، تعليق كبير على المدونة في فقه مالك سماه النصرة ت سنة ٤٧٨هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234159,"book_id":3632,"shamela_page_id":435,"part":null,"page_num":451,"sequence_num":435,"body":"الحد، إن شهادة النساء أو الرجال على بقاء بكارتها صحيحة، ولكنها لا تسقط الحد؛ لأنها بكارة قد عادت، وهذا لا يتعارض مع إثبات زناها بشهادة الرجال ابتداء١.\rكما ذهب فقهاء المالكية إلى إلزام من ثبت عليه حد السرقة بعقوبة القطع، حتى ولو قال: إن صاحب المال هو الذي أرسله، وجاء صاحب المال، وصدقه في مقالته هذه ورد شهادة الشهود، وكذبهم.\rما لم تكن مع السارق بينة على صدق مقالته، حتى ولو كانت هذه البينة هي القرينة المصاحبة لفعله بأن دخل من مداخل الناس، وخرج من مخاربهم، في وقت يشبه أن صاحب المال أرسل فيه، ذكر ذلك الخرشي في حديثه عن السرقة التي يلزم بها القطع، فقال: \"وكذا يقطع السارق إذا أخذ في الليل المتاع المسروق، وقال: رب المتاع أرسلني لأخذه، فلا يصدق، ولو صدقه رب المتاع أنه أرسله\".\rوهذا مشروط بعدم وجود دليل غير كلام صاحب المال، أما إذا وجد دليل يقوي مقالته سقط الحد عن السارق٢، وما ذكره فقهاء المالكية هنا، وفي عدم إسقاط حد الزنا بشهادة النساء بالبكارة يحتاج إلى مناقشة.\rأما بالنسبة لعدم إسقاطهم الحد بوجود البكارة، واعتمادهم في ذلك على جواز أنها عادت بعد واقعة الزنا، فهو مردود؛ لأنه وإن أمكن عودة البكارة، فليس هناك دليل على ذهابها أصلًا سوى شهادة شهود الزنا، وهي شهادة احتملت الشبهة بوجود البكارة فعلًا.\rوليس عندنا ما يؤكد أن البكارة الموجودة هي بكارة، قد عادت بعد أن فضت.","footnotes":"١ حاشية الدسوقي ج٢ ص٣١٩.\r٢ الخرشي ج٨ ص٩٦، حاشية الدسوقي ص٣٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234160,"book_id":3632,"shamela_page_id":436,"part":null,"page_num":452,"sequence_num":436,"body":"واحتمال الشهادة للشبهة يجعلها غير صالحة لإثبات الحدود علمًا بأن فقهاء المالكية، قد أقروا وأثبتوا درء الحدود بالشبهات، كما أن محاولة قياس إيغال العذرة، أو عدم إيغالها أمر فيه عنت، وتكلف ثمرته افتضاح عرض وهتك ستر، وذها ولا شك يتنافى، ومقاصد الشريعة الإسلامية، التي تدعو إلى الستر، فمن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والرسول ﷺ كم أعرض بوجهه عمن جاء مقرًا على نفسه بجريمة حدية.\rوعلى هذا، فبقاء العذرة شبهة تدرأ الحد.\rأما لو أقر الرجل، والمرأة بواقعة الزنا، وكانا من أهل الإقرار الصحيح الذي يعتد به في إثبات الحدود، وأصروا على إقرارهما بالزنا لزمهما الحد حتى ولو قرر العدول أنة غشاء البكارة موجود؛ لأن اقرار العدول، وشهادتهم لا مبرر لوجودها أصلًا، فلا يلتفت إليها ما دام من أقرا بالواقعة مصرين على إقرارهما.\rأما عدم إسقاط المالكية عقوبة القطع بقول صاحب المال: أنه هو الذي أرسل من أخذ المال، وعدم اعتبارهم لهذا القول -نظرًا؛ لأن السارق في رأيهم- قد دخل البيت من طريق غير معهود، أو في وقت غير مناسب- فهو قول ليس له من سند يقويه، أو دليل يدل عليه.\rإن إقرار صاحب المال بذلك بينة يقينية يجب ألا تترك لمجرد افتراض واه.\rكما أن قول صاحب المال، وإن لم يكن بينة يقينية -على سبيل الفرض، فهو يورث شبهة في حق آخذ المال، وهي شبهة يسقط عنه الحد بسببها.\rأما آخذ المال، وإن أخطأ ودخل الدار من مدخل غير مناسب، أو في وقت غير مناسب، فهذ الخطأ -جدلًا- لا يترتب عليه إلزام حد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234161,"book_id":3632,"shamela_page_id":437,"part":null,"page_num":453,"sequence_num":437,"body":"من الحدود، التي لا تقام إلا باليقين، وحتى من لم يثبتوا درء الحد بالشبهة من فقهاء الظاهرة، قد رأوا أن الحدود لا تثبت بالشبهة.\rفما بال من أثبت درء الحد بالشبهة يقيم الحد بالشبهة، ولا يدرأه مع وجودهما؟.\r٣ يشترط فقهاء الأحناف أن تكون الشهادة بالجناية الحدية عقب وقوع الجناية من الجاني، ولا يمر وقت فاصل بين وقوع الجناية، وآداء الشهادة بها يعد تقادمًا١.\rوقد تقدم بيان هذا عند الحديث عن الإقرار.\rأما جمهور الفقهاء، فإنهم لا يرون هذا الشرط، ويقبلون الشهادة بالحدود القديمة، ويحكمون بمقتضاها الحدية المقررة للجناية التي ارتكبها الجاني.\rفقد جاء في المدونة: \"قلت: أرأيت إن تقادمت السرقة، فشهدوا عليها بعد حين من الزمان، أيقطع في قول مالك أم لا؟ قال: نعم يقطع عند مالك، وأن تقادمت، قلت: وكذلك الحدود كلها، شرب الخمر والزنا؟ قال: نعم لا يبطل الحد في شيء مما ذكرت لك، وإن تقادم ذلك تطاول الزمان٢.\rكما جاء عن فقهاء الشافعية أنه لا يشترط جباة الشهود، ولا حضورهم حالة الحكم، ولا قرب عهد الزنا، فتقبل الشهادة به، وأن تطاول الزمان٣.","footnotes":"١ تبين الحقائق ج٣ ص١٨٧، الإفصاح عن معاني الصحاح ج٢ ص٤١٩ فتح القدير ج٥ ص٢٧٩، البحر الرائق ج٥ ص٢٢.\r٢ المدونة ج١٦ ص٦٧، ٦٨.\r٣ مغني المحتاج ج٤ ص١٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234162,"book_id":3632,"shamela_page_id":438,"part":null,"page_num":454,"sequence_num":438,"body":"وقال ابن قدامة مبينًا رأي جمهور فقهاء الحنابلة: \"وأن شهدوا بزنا قديم، أو أقر به وجب الحد\".\rواستدل لذلك بعموم الآيات، وأنه حق يقبت على الفور، فيثبت بالبينة بعد تطاول الزمان كسائر الحقوق، وبأن التأخير يجوز أن يكون لعذر، أو غيبة والحد لا يسقط بمطلق الاحتمال، فإنه لو سقط بكل احتمال لم يجب الحد أصلًا١.\rمن هذا يبين أن جمهور الفقهاء لم يوافقوا على ما اشترطه فقهاء الأحناف.\rورأي فقهاء الجمهور أن الحدود تثبت بالشهادة، وإن تقادمت هذه الحدود.\rواستدل فقهاء الجمهور لذلك بأدلة منها: أن الفقهاء عدا ابن أبي ليلى يرون قبل الإقرار بالجنايات الحدية القديمة، والحكم بمقتضاه بعقوبة هذه الجنايات، والإقرار والشهادة كلاهما وسيلة إثبات في الحدود، فلم يقبل الإقرار فيما تقادم من حدود وترد الشهادة، علمًا بأنه اشترط في الشهود العدالة، فما دام لم تحقق هذا الشرط قبلت الشهادة واعتد بها، وإن انتفت عدالة الشهود، فهذا أمر آخر غير التأخير.\rكما أنه لا يخفى أن فقهاء الأحناف يرون قبول الشهادة بما وقع على حقوق العباد من جنايات حدية قديمة، فلم إذا ردوها في ما وقع الاعتداء فيه على حق الله؟.\rإن كون حق الله ﷾ مبني على المسامحة، لا تنهض به حجة لهم على رد الشهادة، فيما تقادم منه.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٠٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234163,"book_id":3632,"shamela_page_id":439,"part":null,"page_num":455,"sequence_num":439,"body":"\"شروط لا بد من توافره، فيمن يشهد عليه بحد من الحدود\":\rما سبق من شروط كان موضوعها الشاهد والشهادة، أما هذا الشرط، فإنه خاص بالمشهود عليه.\rوقد ذهب فقهاء الأحناف إلى أنه لا بد لإثبات الحد بشهادة الشهود أن يكون المشهود عليه قادرًا على الدفاع عنه نفسه، مستطيعًا ذكر ما قد يكون له من الأدلة التي تنفي عنه، أو تسقط عقوبتها، أو تغايرها من عقوبة حدية إلى غيرها.\rفإن كان عاجزًا عن الدفاع عن نفسه بسبب علة من العلل، كأن أصيب بجنون مثلًا، أو كان أخرس فإنه حينئذ يصبح عاجزًا عن ذكر ما يدرأ عنه العقوبة، وعليه فإنه إن كان مجنونا، وجب الانتظار حتى يفيق، ويسأل عما شهد به الشهود عليه.\rفإن استمر جنونه حتى مات، سقط عنه الحد بموته، أما الأخرس فإنه لا يلزمه حد بشهادة الشهود عليه لجواز أن له ما لو ذكره لدرئ عنه الحد، ولكنه -بسبب علته هذه لا يستطيع ذكر ذلك.\rأما الإمام الشافعي، فإنه لا يرى ذلك بالنسبة للأخرس، وقاسه بالأعمى، أو بقاطع اليدين، أو الرجلين، فجعل علته كعلتهما، وألزمه الحد بشهادة الشهود مع علته مثلهم، واحتمل كلام الخرقي١، ما ذكره الشافعي من إلزام الأخرس بشهادة الشهود عليه به، لكنه علل هذا بأن قول المشهود عليه معتبر مع قيام البينة عليه بجناية من الجنايات.","footnotes":"١ الخرقي: هو أبو القاسم عمر بن حسين بن عبد الله، أحمد الخرقي فقيه حنبلي، من أهل بغداد له تصانيف منها المختصر في الفقه، توفيى بدمشق سنة ٣٣٤هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234164,"book_id":3632,"shamela_page_id":440,"part":null,"page_num":456,"sequence_num":440,"body":"ذكر هذا ابن قدامة عند حديثه عن وجوب الحد على الأخرس بإقراره، أو بالبينة فقال: ولا يجب بالبينة لاحتمال أن يكون له شبهة، ويحتمل كلام الخرقي أن لا يجب الحد بإقراره؛ لأنه غير صحيح؛ ولأن الحد لا يجب مع الشبهة، والإشارة لا تنتفي معها الشبهات، فأما البينة فيجب عليه بها الحد؛ لأن قوله معها غير معتبر١، وجملة القول أن الإمام الشافعي يرى إلزام الأخرس بما قامت البينة به من الجنايات الحدية قياسًا للأخرس بالأعمى، والأقطع.\rأما الخرقي فإنه يرى أن البينة التي تقوم بحد من الحدود لا عبرة بما يقال من المشهود في دفع الحد عن نفسه، فقيام البينة يدفع قول المتهم، ويلزمه الحد.\rوما ذهب إليه الإمام الشافعي من قياس الأخرس بالأعمى، والأقطع قياس غير منضبط إذ أن الأعمى، والأقطع بإمكان كل منهما أن يرد الحد عن نفسه، إذا كانت له حجة، أو شبهة لوجود آلة الكلام صحيحة لديهما، وإمكان سؤالهما ومراجعتهما، وذلك هو طريق الدفع عن النفس، وذكر الشبهة أن وجدت. والأخرس فاقد لذلك، وعاجز عن بيان حقيقة فعله وملابسته.\rثم إن قول الخرقي: أن قول المشهود عليه لا عبرة له مع البينة قول بحاجة إلى بيان؛ لأن المشهود عليه يجوز أن يكون له ما يدفع عنه العقوبة، وقد خفي هذا عن المشهود، فهلا إذا ذكره وبينه لا يلتفت إليه؟\rإن فيما سبق من كلام فقهاء الحنابلة في الشبهة ما يرد قول الخرقي، وينفيه ويؤكد أن للمشهود عليه أن يقول ما شاء مما يدفع عنه العقوبة، وأن على القاضي أن يسمع له، وينظر في مقالته، أما فقهاء","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234165,"book_id":3632,"shamela_page_id":441,"part":null,"page_num":457,"sequence_num":441,"body":"الأحناف، فقد استدلوا لما ذهبوا إليه من إسقاط الحد عن الأخرس، والمجنون بأن كلا منهما ربما تكون له شبهة تدرء عنه الحد، وليس في إمكانهما ذكرها لعلة كل منهما، فيقول السرخسي: ولا يؤخذ الأخرس بحد الزنا، ولا بشيء من الحدود.\rوإن أقر بإشارة أو كتابة، أو شهدت به عليه الشهود، وعند الشافعي رحمة الله عليه تعالى يؤخذ بذلك؛ لأنه نفس مخاطبة فهو كالأعمى، أو أقطع اليدين أو الرجلين.. إلى أن يقول: وكذلك أن شهدت الشهود عليه بذلك؛ لأنه لو كان ناطقًا ربما يدعى شبهة تدرء الحد، وليس كل ما يكون في نفسه على إظهاره بالإشارة، فلو أقمنا عليه كان إقامة الحد مع تمكن الشبهة، ولا يوجد مثله في الأعمى، والأقطع لتمكنه من إظهاره دعوى الشبهة.\rوالذي يجن ويفيق في حال إقامته كغيره من الأصحاء، يلزمه الحد بالزنا في هذه الحالة سواء أقر به، أو شهد عليه الشهود١.\rكما يقول ابن الهمام في حديثه عن إقرار الأخرس: لو أقر الأخرس بالزنا بكتابة، أو بإشارة لا يحد للشبهة بعد الصراحة، وكذا الشهادة عليه لا تقبل لاحتمال أن يدعي شبهة، كما لو شهدوا على مجنون أنه زنى في حال إفاقته، بخلاف الأعمى صح إقراره، والشهادة عليه٢.\rهذا ما ذكره فقهاء الأحناف في إيجاب الحد على الأخرس بشهادة الشهود، وقد تقدم في الحديث عن إقرار الأخرس إن اختررت قبول إقراره في الحدود، والحكم بعقوباتها إن كان قادرًا على الكتابة، وسأله الإمام عن كل ما يمكن أن يكون من شبهة مسقطة للحد عنه بأن كتب","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص٩٨.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٢١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234166,"book_id":3632,"shamela_page_id":442,"part":null,"page_num":458,"sequence_num":442,"body":"له الإمام ذلك، فقرأه الأخرس، وأجاب عليه كتابة بما يفيد اليقين بأنه ارتكب الجناية الحدية.\rومثل ذلك هنا أيضًا في إيجاب على الأخرس بشهادة الشهود في حالة ما إذا كان قارئًا، وكاتبًا واستفسر منه الإمام عن كل ما يدفع الحد عنه، فلم يجب بشيء يدفع هذا الحد.\rأما لو كتب للقاضي بشبهة من الشبه، فإن على القاضي تحقيق الأمر، واعتبار ما ذكره الأخرس كتابة، فإن كان يسقط الحد عنه أسقطه القاضي، وإن كان يدرء الحد فقط، ويرى القاضي عقابه تعزيريًا عاقبه بعقوبة تعزيرية؛ لأن الأخرس والحالة هذه قد أصبح لديه ما يمكنه من توضيح موقفه، والدفاع عن نفسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234167,"book_id":3632,"shamela_page_id":443,"part":null,"page_num":459,"sequence_num":443,"body":"المبحث الثالث: القرائن: معناها، وأعمالها في إثبات الحدود\rمعنى القرائن:\rالقرائن مفردها قرينة، مأخوذة من المقارنة بمعنى المصاحبة، ويراد بها ما يدل على الشيء ويوصل إليه، من قرن الشيء بالشيء يقرنه قرنًا شده به، ووصله إليه١.\rوالقرينة في اصطلاح الفقهاء هي: الأمر الذي يشير إلى المطلوب٢.\rوعند القانونيين هي: الصلة الضرورية التي ينشئها القانون بين وقائع معينة.\rأو هي نتيجة يتحتم على القاضي أن يستخلصها من وقائع معينة ليأخذ بها٣.","footnotes":"١ لسان العرب، القاموس المحيط.\r٢ التعريفات للجرجاني، علي ين محمد الحسيني الجرجاني سة ٨١٦هـ.\r٣ طرق الإثبات في الشريعة أ. د: أحمد إبراهيم ص٤٢٤ \"ط المطبعة السلفية سنة ١٣٤٧هـ\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234168,"book_id":3632,"shamela_page_id":444,"part":null,"page_num":460,"sequence_num":444,"body":"أعمالها في الإثبات:\rأمعمل فقهاء الشريعة القرائن في الإثبات، وألزموا من قامت القرائن تدلل على جنايته، بالعقوبات التعزيرية، والتعويضات المالية.\rووافقهم في هذا فقهاء القانون الذين يرون أن دلالة القرائن دلالة غير مباشرة كدلالة الشهادة والإقرار، إلا أنهم لم يرفعوها من حيث الدلالة إلى مرتبة الشهادة والإقرار، ولا من حيث الأخذ بها، والحكم بمقتضاها، إذ لا يحكم بمقضتاها بعقوبة مساوية لعقوبة الجرائم، ذاتها إذا ثبتت بالشهادة والإقرار.\rفالأحداث كثيرًا ما تظهر كذب ظواهر الأمور، وتدل على خطأ الإنسان في كثير من استنتاجاته التي اعتمد فيها على الأمور الظاهرية١، أما أعمال القرائن في إثبات الجرائم الحدية، فإن لفقهاء الشريعة في ذلك رأيين:\rالأول: وبه يقول جمهور الفقهاء\rعدن إعمالها في إثبات الحدود؛ لأن الإثبات بها لا يصل حد اليقين الدال على أن من قامت القرائن تدينه هو فعلًا ارتكب جناية حدية، تلزمه بها عقوبتها المقدرة.\rواستدل جمهور الفقهاء لما ذهبوا بأدلة كثيرة منها ما يأتي:\r١ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها\" ٢.\rيقول الشوكاني: \"أنه لا يجب الحد بالتهم، ولا شك أن إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به، وهو قبيح عقلًا وشرعًا، فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود والقصاص، وما أشبه ذلك بعد","footnotes":"١ المرجع السابق ص٤٢٤.\r٢ رواه ابن ماجه، رجاله ثقات رجال الصحيح، نيل الأوطار ج٧ ص١١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234169,"book_id":3632,"shamela_page_id":445,"part":null,"page_num":461,"sequence_num":445,"body":"حصول اليقين؛ لأن مجرد الحدس والتهمة، والشك مظنة للخطأ، والغلط وما كان كذلك، فلا يستباح به تأليم المسلم، وإضراره بلا خلاف\"١.\r٢ روي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه حين رمى هلال بن أمية زوجته بالزنا ولاعنها: \"أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء\"، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ: \"لولا ما مضى من كتاب الله لي ولها شأن\" ٢.\r٣ لم يقض رسول الله ﷺ بحد الزنا على الغامدية، إلا بعد أن أقرت أمامه، مع أنها كانت حاملًا، والحمل قرينة تدل على ما سبقها، فلو كانت تكفي القرينة وحدها، أو حتى مع إقرار الشريك في الجريمة لاكتفى بها رسول الله ﷺ، وقضى على الغامدية بالحد، ولكنه لم يقض حتى جاءت، وطلبت أن يطهرها رسول الله ﷺ بإقامة الحد عليها، فقال لها: \"ويحك: ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه\"، فأصرت على إقرارها٣، ولو لم تصر على إقرارها لما ألزامها الحد مع وضوح حالتها، وظهور حملها، وهو قرينة دالة على فعلتها، لهذا قال فقهاء الأحناف والشافعية والحنابلة، والشيعة بأنه يجوز إثبات الجرائم بالقرائن.","footnotes":"١ المرجع السابق.\r٢ الأكحل من كانت منابت أجفانه سوداء كان فيها كحلًا، سابغ الإليتين، عظيمهما، خدلج الساقين: ممتلئ الساقين، نيل الأوطار ج٦ ص٣٠٦ ج٧ ص١١٧، فتح الباري على صحيح البخاري ج٨ ص٣٦٣.\r٣ نيل الأوطار ج٧ ص١٢٥-١٢٨، سنن أبي داود ج٢ ص٤٥٦-٤٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234170,"book_id":3632,"shamela_page_id":446,"part":null,"page_num":462,"sequence_num":446,"body":"فقد جاء في قول ابن الهمام: \"ولا حد على من وجد به ريح الخمر، أو تقيأها؛ لأن الرائحة محتملة، فلا يثبت بالاحتمال ما يندرئ بالشبهات، وكذا الشرب قد يكون عن إكراه، فوجود عينها في القيء لا يدل على الطواعية، فلو وجب الحد وجب بلا موجب، إلى أن يقول: أما عدم وجوب الحد بوجود الرائحة والتقيؤ فظاهر، وطريقه أنه لو ثبت الحد لكان مع شبهة عدمه؛ لأن الرائحة محتملة، وإن استدل عليها، فإن فيها مع الدليل شبهة، فلا يثبت الحد معها\"١.\rكما أورد الشربيني الخطيب أن عمر -رضي الله تعالى عنه، وعلي معه قد أسقطا الحد عن امرأة أتى بها إليهما، وأقيمت عليها البينة بالزنا، وأقرت لكنها ذكرت جهدها العطش، ولم يسقها الراعي إلا بتمكينه من نفسها، واعتبر هذا إكراها لها.\rفإذا كان الإكراه قد أسقط الحد مع قيام البينة، والإقرار وهما أقوى طرق الإثبات، فالأولى أن يسقط احتمال الإكراه الحد الذي تدل عليه القرائن، ومن المعروف أن الاحتمال يسقط به الاستدلال، كما أورد أيضًا أن الحد لا يجب بريح الخمر، أو السكر أو القيء الدال على شرب الخمر: لاحتمال أن يكون قد شربها غلطًا، أو مكرها والحد يدرء بالشبهة.\rكما أورد أن القاضي لا يجوز له أن يستوفي في الحد بعلمه على الرأي الصحيح، وقد يكون سبب علم القاضي، وجود قرينة من القرائن الدالة٢، وهذا ما ذهب إليه فقهاء الحنابلة، فيما ذكره ابن قدامة","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣٠٨-٣٠٩.\r٢ مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، ١٩٠، المهذب ج٢٦٧، ٣١٩-٣٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234171,"book_id":3632,"shamela_page_id":447,"part":null,"page_num":463,"sequence_num":447,"body":"واستدل لذلك بأدلة ما جاء في قوله، ولنا قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ، وقال عمر: وكان الحبل أو الاعتراف؛ ولأنه لا يجوز له أن يتكلم به، ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفًا يلزمه حد القذف، فلم تجز إقامة الحد به كقول غيره؛ ولأنه إذا حرم النطق به، فالعمل به أولى١.\rويقول ابن قدامة: وإذا حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد، لم يلزمها الحد بذلك وتسأل، فإن ادعت أنها أكرهت أو وطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا لم تحد ... إلى أن يقول: ولنا: أنه يحتمل أنه من وطء إكراه، أو شبهة والحد يسقط بالشبهات.\rوقد قيل: إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها أو بفعل غيرها، ولهذا تصور حمل البكر فقد وجد ذلك٢.\rوجاء عن فقهاء الشيعة في قولهم: إذا حملت المرأة، وليس لها بعل لم تحد لاحتمال أن يكون الحمل بسبب آخر دون الوطء، أوبالوطء شبهة، أو إكراه أو نحو ذلك، وعللوا إسقاط الحد أيضًا بقولهم: ومع احتمال أن يكون الحمل بسبب آخر غير الزنا، لا يثبت الحد٣.\rأما ابن حزم، فمع أنه لا يرى درء الحد بالشبهة، كما سبق إلا أنه لا يرى أيضًا أن تقام الحدود بشبهة، وقد جاء هذا صراحة في قوله: وذهب أصحابنا إلى أن الحدود لا يحل أن تدرء بشبهة، ولا أن تقام","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢١٠.\r٢ المغني ج٨ ص٢١٠-٢١١.\r٣ مباني تكلمة المنهاج ج١ ص١٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234172,"book_id":3632,"shamela_page_id":448,"part":null,"page_num":464,"sequence_num":448,"body":"بشبهة، وإنما هو الحق لله تعالى ولا مزيد، فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة١.\rكما قرر ابن حزم أن الحد لا يقام على شارب الخمر إن أكره على شربها، أو اضطر إليها لعطش، أو علاج أو لدفع ضيق، أو جهلها٢، ومن هذا يبين أن من تقيأها، أو شمت رائحتها من فيه لا تكفي هذه القرينة في إقامة الحد عليه لجواز أن يكون لسبب من الأسباب المذكورة.\rهذا هو رأي جمهور الفقهاء، الذي يقرر عدم إثبات حد من الحدود بقرينة من القرائن؛ لأن القرينة لا تفيد إثبات الفعل المؤثم بالطريق الذي يجرمه الشرع، كما أنها دليل لا يخلو عن شبهة، والحدود كما تدرء بالشبهات، فإنها لا تثبت مع وجودها، ولا بدليل يحتملها، ولا يفيد القطع واليقين.\rالرأي الثاني:\rإعمال القرائن في إثبات الحدود؛ لأن القرائن عند أصحاب هذا الرأي أقوى من البينة، والإقرار إذ أنهما خبران يتطرق إليهما الصدق، والكذب، أما القرينة عندهم فهي دلالة صادقة، ولا يتطرق إليها احتمال الكذب، أو الشبهة في الغالب.\rهذا ما ذهب إليه الإمام مالك، وابن قيم الجوزية، واستدل للاعتداد بالقرائن والحكم بمقتضاها بأدلة منها:\r١ قول الشاهد الذي ذكر الله شهادته، ولم ينكر عليه، ولم يعبه بل حكاها مقررًا لها، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي","footnotes":"١ المحلى ج٢٣ ص٦١.\r٢ يراجع المحلى ج١٣ ص٤٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234173,"book_id":3632,"shamela_page_id":449,"part":null,"page_num":465,"sequence_num":449,"body":"وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ١.\rفتوصل بقد القميص إلى معرفة الصادق منهما من الكاذب، وهذا لوث في أحد المتنازعين، يبين به أولاهما بالحق٢.\r٢ حكم النبي ﷺ بموجب اللوث في القسامة، وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينًا، ويستحقن دم القتيل٣.\r٣ ما روه ابن عباس عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- من أنه قال: إن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف٤.\rيقول ابن القيم: هذا حكم عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه، والصحابة معه برجم المرأة التي ظهر بها الحبل، ولا زوج لها ولا سيد، وذهب إليه مالك وأحمد في أصح روايته -اعتمادًا على القرينة","footnotes":"١ الآيات من ٢٥-٢٨ من سورة يوسف ﵇.\r٢ الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية ص٧ \"ط المدني بالقاهرة\".\r٣ ذكر ابن حزم أن سليمان بن يسار -مولى ميمونة أم المؤمنين، ﵂ روي عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول الله ﷺ على ما كانت عليه، وقضى بها بين أناس من الأنصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر -المحلى ج١٢ ص٤٦١، يرجع في هذا الطرق الحكمية ص٨، وفي اعتبار شرع من قبلنا دليلًا يراجع أصول الفقه الإسلامي أ. د: سلام مدكور ص١٢٢.\r٤ هذا القول رواه الجماعة، إلا النسائي نيل الأوطار ج٧ ص١١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234174,"book_id":3632,"shamela_page_id":450,"part":null,"page_num":466,"sequence_num":450,"body":"الحد برائحة الخمر من فم الرجل، أو فيئه خمرًا، اعتمادًا على القرينة الظاهرة. وحكم عمرو ابن مسعود -ولا يعرف لهما مخالف- بوجوب الظاهرة١.\rبهذا استدل القائلون بالاعتداء بالقرائن في إثبات الجنايات الحدية، وأوجبوا بناء على ذلك الحكم بالعقوبة الحدية، على ما دلت القرائن على ارتكابه جناية من جناياتها.\rفالإمام مالك قد رأى أن من قامت القرائن على إدانته بجناية حدية لا يقبل إنكاره، ولا يسقط به لحد عنه ما لم يقم دليل يشهد له بما يدفع الحد عنه، فإن لم يقم الدليل على براءته، أو أنه أكره على الفعل الذي قامت القرينة تدل عليه لزمته العقوبة، يقول الخرشي مؤكدًا ذلك: أن المرأة إذا ظهر حملها، ولا يعرف لها زوج، أو كانت أمة ولا سيد لها، أو لها سيد وهو منكر لوطئها فإنها تحد، ولا يقبل دعواها الغصب على ذلك بلا قرينة تشهد لها بذاك، وأما إن قامت لها قرينة فلا حد عليها، كما إذا جاءت تدمي وهي مستغيثة عند النازلة، أو أتت متعلقة به على ما مر بيانه عند قوله: وإن دعت استكراها على لائق بلا تعلق٢.\rكما يقرر ابن قيم أن عدم الاعتداد بالقرائن يترتب عليه إضاعة كثير من الحقوق، فيقول: \"فالحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال ومعرفة شواهده الحالية، والمقلية، كفقهه في كليات الأحكام، أضاع حقوقًا كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعمل الناس بطلانه لا يشكون فيه، اعتمادًا منه على نوع ظاهر، ولم يلتفت إلى باطنه، وقرائن أحواله\"٣.","footnotes":"١ الطرق الحكمية ص٨.\r٢ الخرشي ج٨ ص٨١.\r٣ الطرق الحكمية ص٤-٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234175,"book_id":3632,"shamela_page_id":451,"part":null,"page_num":467,"sequence_num":451,"body":"ثم يضرب مثالًا لما ذهب إليه، بقوله: \"وهل يشك أحد رأى قتيلًا يتشحط في دمه، وآخر قائم على رأسه بالسكين: أنه قتله؟ ولا سيما إذا عرف بعداوته، ولهذا جوز جمهور العلماء لولي القتيل أن يحلف خمسين يمينًا: أن ذلك الرجل قتله، ثم قال مالك وأحمد: يقتل به. وقال الشافعي: يقضي عليه بديته\"١.\rهذه مقالة من يرى الاعتداد بالقرائن في إثبات الجرائم الحدية، وجرائم القصاص، وإلزام عقوبتها.\rلكنها مقالة لا تصل في قوتها ما ذكره جمهور الفقهاء من أدلة نقلية، وعقلية وافقت ما سبق أن اتفق جمهور الفقهاء عليه، ومنهم المالكية من درء الحد بالشبة، ومن أن الأصل براءة الذمة.\rأما ما استدل به ابن قيم ومن وافقه ممن يعملون القرائن في إثبات الحدود، فهو يحتاج إلى إعادة نظر.\rفما ذكر من الاستدلال بما جاء من قصة يوسف ﵇، أمر لا جدال فيه، والقرائن بينة، ومع هذا لا دليل فيه على إثبات حد؛ لأن الاستدلال في هذا بالقرائن أنتج دفع التهمة عن يوسف ﵇، وأثبت براءته التي هي الأصل، إذ الأصل براءة الذمة لا يعدل عنه إلا بدليل يقيني.\rفالقرينة هنا اعتد بها أنها دليل نفي، وليس على أنها دليل إثبات أما ما استدل به على أن رسول الله ﷺ قد حكم بموجب اللوث، وطالب المدعين أن يحلفوا خمسين يمنيًا، ويستحفوا رجم القتيل","footnotes":"١ الطرق الحكمية ص٨-٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234176,"book_id":3632,"shamela_page_id":452,"part":null,"page_num":468,"sequence_num":452,"body":"فإنه قد جاء عن الجمهور ما يدل على أن رسول الله ﷺ قد حكم لهم بالدية، ولم يقتص لقتيلهم.\rوما رواه ابن عباس عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنهم- يمكن حمله على أن كلمة \"أو\"، التي جاءت بعد كلمة الحبل، وقبل كلمة الاعتراف في قوله: أو كان الحبل أو الاعتراف، يمكن أن تحمل على أنها عاطفة، ويكون قول عمر على هذا: أو كان الحبل والاعتراف.\rهذا لا يعارض قواعد العربية، ويؤيده ما جاء عن عمر -رضي الله تعالى عنه- من أنه لم يقم الحد على من جاء معترفًا؛ لأنه أتى جريمته الحدية، وهو مكره.\rوالقرينة إذا دلت على الجريمة، فإنها لا تدل على الطريقة التي وقعت بها، ولا الظروف التي أحاطتها، وهذه كلها أمور جوهرية لا بد من التثبت منها لإلزام الحد.\rوحتى لو حمل قول عمر على الوجه الذي استدل به مثبتوا الحد بالقرائن، فإنه لا يعدو أن يكون اجتهادًا لعمر في هذه الحادثة بعينها لم عن له من ظروف، وملابسات، وأدلة أخرى لم يروها عنه من روى هذه الحادثة، ويؤكد ذلك أن عمر يلتزم بما قضى به هنا، إن صح -في كل ما عرض عليه من قضايا- الحدود.\rوقد ذكر جانبًا من هذا الشوكاني في مقالته: إن هذا من قول عمر، ومثل ذلك لا يثبت به مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس، وكونه قاله في مجمع من الصحابة، ولم ينكر عليه لا يستلزم أن يكون إجماعًا.. لأن الإنكار في مسائل الاجتهاد غير لازم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234177,"book_id":3632,"shamela_page_id":453,"part":null,"page_num":469,"sequence_num":453,"body":"للمخالف لا سيما القائل بذلك عمر، وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم١.\rوما استدل به ابن القيم من أن لفظ البينة يصدق على كل ما يبين الحق، ويظهره دون تخصيص شيء دون شيء لا حجة له فيه، ولا يلزم منه إثبات الحدود بالقرائن؛ لأن الله سبحاه وتعالى لم يذكر كلمة البينة التي تثبت بها الحدود مطلقة، كما أن الرسول ﷺ قد اتبع كلمة البينة التي يعتد بها في إثبات الحدود، بما يفيد ما تصدق عليه بأنها الشهادة، والإقرار المفيدان القطع واليقين، فقد جاء ذكر البينة في الحديث مقابلًا بما ظهر من تلك المرأة من ريبة، وقرائن مختلفة دالة على سلوكها، وسمعتها هي ومن يدخل عليها.\rومع قيام كل هذه القرائن لهم يقم الرسول ﷺ على المرأة المذكورة حدًا.\rولم يلزم رسول الله ﷺ الغامدية الحد مع قيام القرائن على جريمتها -من كونها حبلى، واعترف ماعز- إلا بعد مجيئها واعترافها، ومع ذلك يقول لها الصادق الأمين الرءوف الرحيم: \"ويحك: ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه\".\rويطعن فيما ذكر ابن القيم من أنه لا شك أحد رأى قتيلًا يتشحط في دمه، وآخر قائم على رأسه بالسكين أنه قتله، ما ذكره هو نفسه من قصة الأعرابي الذي أتى به لعلي ﵁، وبيده سكين ملطخة بالدم، وقد وجد في خربه، وأمامه قتيل يتشحط في دمه، فسأله علي فقال: أنا قتلته، ومع هذا كله تثبت براءته٢.","footnotes":"١ نيل الأوطار: ج٧ ص١١٩.\r٢ الطرق الحكمية ص٨٢-٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234178,"book_id":3632,"shamela_page_id":454,"part":null,"page_num":470,"sequence_num":454,"body":"من هذا كله يبين أن القرائن مهما وصلت قوتها الاستدلالية في أداة إثبات احتمالية تلحقها الشبهات وتحفها الظنون، فلا يعتد بها في الجنايات الحدية، والقصاص إلا إذ صاحبتها شهادة الشهود، أو إقرار.\rأما ما عدا ذلك من الجنايات الأخرى ذات العقوبات التعزيرية، أو التعويضات المالية، فإنه يمكن الاعتماد على القرائن في إثباتها.\rلأن أمرها مفوض فيه للقاضي، وهذا ما أميل إليه وأرجحه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234179,"book_id":3632,"shamela_page_id":455,"part":null,"page_num":474,"sequence_num":455,"body":"الباب الثاني: الجرائم الحدية الشبهات التي تعتريها ومالها من أثر في عقوبتها\rالفصل الأول: جريمة الزنا\rمدخل\r...\rالباب الثاني: الجرائم الحدية الشبهات التي تعتريها ومالها من أثر في عقوبتها\rالفصل الأول: جريمة الزنا\rتقديم:\rعرف فقهاء الأحناف الزنا بأنه: \"اسم الوطء الحرام في المرأة الحية عن حقيقة الملك وعن شبهته، وعن حق الملك، وعن حقيقة النكاح وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك، والنكاح جميعًا\"١.\rوعرفه فقهاء المالكية بأنه: \"الوطء المحرم شرعًا في غير ملك أو شبهة الملك، سواء كان في قبل، أو دبر في ذكر، أو أنثى\"٢.","footnotes":"١ تعريف فقهاء الأحناف للزنى، يخرج عن دائرة هذه الجريمة الحدية ما يأتي:\rأ- الوطء في الدبر بصفة عامة سواء أكان دبر رجل، أو امرأة.\rب- وطء الميتة.\rج- المكرهة بالنسبة لها -أما بالنسبة لمن وقع عليها، فإن كان مكرهًا هو الآخر، فليس بزنا كما سيأتي الخلاف فيه.\rد- الوطء في دار الحرب.\rهـ- الوطء في دار الإسلام من غير المسلم، وسيأتي بيان القول في ذلك كله، البدئاع ج٩ ص٤١٥٠ \"ط الإمام\" المبسوط ج٩ ص٣٨، فتح القدير ج٥ ص٢٤٨.\r٢ أحكام القرآن لابن العربي ج٢ ص٨٣ \"ط دار إحياء الكتب العربية\" سنة١٣٧٨هـ سنة ١٩٥٨م بداية المجتهد لابن رشد ج٢ ص٤٦٧، الزخيرة للقرافي ج٨ ص١١٤ الخرشي ج٨ ص٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234180,"book_id":3632,"shamela_page_id":456,"part":null,"page_num":475,"sequence_num":456,"body":"وعرفه فقهاء الشافعية: بأنه \"تغييب البالغ العاقل حشفة ذكره في أحد الفرجين من قبل، أو دبر ممن لا عصمة بينهما ولا شبهة\"١.\rوعرفه فقهاء الحنابلة: بأنه \"فعل الفاحشة في قبل أو دبر\"، وعرف ابن قدامة الزاني بأنه: \"من وطئ امرأة في قبلها حرامًا لا شبهة له في وطئها\"، ثم يقول: \"والوطء في الدبر مثله في كونه زنا؛ لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك له فيها، ولا شبه ملك فكان زنا\"٢.\rوعرفه فقهاء الشيعة: بأنه \"إيلاج الإنسان فرجه في فرج امرأة من غير عقد، ولا ملك، ويتحقق بغيبوبة الحشفة قبلًا أو دبرًا\"٣.\rوعرفه ابن حزم بأنه: \"وطء من لا يحل النظر إلى مجردها مع العلم بالتحريم\"، أو بأنه \"وطء محرمة العين\"٤.\rمن هذا يبين أن فقهاء الأحناف قد قصروا إطلاق الزنا على الوطء المحرم في القبل فقط بين الرجل، والمرأة في دار العدل ممن التزم أحكام الإسلام، وهي امرأة لا توجد بينه وبينها علاقة تبيح ذلك الفعل.\rوهم بذلك قد أخرجوا ما عدا الوطء في القبل من دائرة التجريم الخاصة بالزنا، وجعلوا له عقوبة أخرى سواء أكان بين رجل وامرأة، أم كان بين رجلين.","footnotes":"١ المهذب ج٢ ص٢٦٦، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٣-١٤٤.\r٢ المغني ج٨ ص١٨١، الإقناع ج٤ ص٢٥٠.\r٣ المختصر النافع للحلى ص٢٩١، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٦٦ شرح الأزهار ج٤ ص٣٦٦.\r٤ المحلى ج١٣ ص١٨٨-١٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234181,"book_id":3632,"shamela_page_id":457,"part":null,"page_num":476,"sequence_num":457,"body":"أما جمهور الفقهاء، فإنهم قد أطلقوا الزنا على كل وطء في قبل المرأة، أو دبرها إذا لم توجد علاقة تبيح ذلك الفعل.\rكما أدخلوا اللوط أيضًا تحت ما يسمى من الوطء زنا.\rوقد اعتمد جمهور الفقهاء في ذلك على ما جاء به القرآن الكريم، الذي سوى بين الزنا واللواط في التسمية، إذا سماها الله ﷾ بالفاحشة في قوله سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ، أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٢.\rكما سمى رسول الله ﷺ أيضًا اللواط زنا في قوله ﷺ: \"إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان\" ٣.\rوفقهاء الشريعة، وإن تفاوت آراؤهم، واختلفت نوعية العقوبات عندهم نتيجة اعتبار اللواط زنا أم لا، إلا أنهم متفقون على إطلاق كلمة الزنا على الوطء -المحرم بين الرجل والمرأة اللذين لا يجمعهما زواج صحيح، ويوبجبون عليهما عقوبة فعلهما.\rأما فقهاء القانون، فلم يعتبرا وطء الرجل المرأة الأجنبية زنا يوجب العقوبة المقدرة عندهم لهذا الفعل، وإنما قصروا العقوبة على ما يقع من ذلك الفعل بين رجل وامرأة متزوجين، فالعقاب عندهم على انتهاك حرمة الزوجية، لا على الفعل في حد ذاته.","footnotes":"١ من الآية ١٥ من سورة النساء.\r٢ الآيتان ٥٤، ٥٥ من سورة النمل.\r٣ نيل الأوطار ج٧ ص١٣١-١٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234182,"book_id":3632,"shamela_page_id":458,"part":null,"page_num":477,"sequence_num":458,"body":"كما أن العقاب عندهم مشروط بأن يقوم المجني عليه بتحريك الدعوى، ويفرق فقهاء القانون بين جريمة زنا الزوج، وبين جريمة زنا الزوجة، من وجوه عدة إذ -لا نقوم هذه الجريمة في حق الزوج إلا إذا وقعت في منزل الزوجية، بخلاف المرأة المتزوجة؛ لأن هذه الجريمة تقوم في حقها إذا وقع منها ذلك الفعل في أي مكان.\rكما يفرق القانون بين عقوبتيهما، إذ يعاقب الزوجة بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين، بينما يعاقب الزوج بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور.\rويجعل القانون للزوج الحق في العفو عن زوجته حتى بعد صدور الحكم النهائي عليها، أما الزوجة فليس لها حق التنازل بعد صدور الحكم النهائي عليه.\rهذا ما يأخذ به القانونيون في مصر، وهو أحسن حالًا مما عليه كثير من القانونيين في بلاد أخرى، والتي لا تعاقب على الزنا، ولو وقع من زوج، أو زوجة١.","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات القسم الخاص أ. د: محمود مصطفى ص٣٣٤-٣٤٢ \"ط سنة ١٩٧٥م\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234183,"book_id":3632,"shamela_page_id":459,"part":null,"page_num":478,"sequence_num":459,"body":"المبحث الأول: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة في الركن الشرعي\rمدخل\r...\rالمبحث الأول: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة في الركن الشرعي\rسبق أن ذكرت عند تعريف الزنا أن جمهور الفقهاء يرى أن الزنا هو الوطء المحرم في قبل، أو دبر -لانعدام العلاقة التي تبيح الفعل- كما يولج الميل في المكحلة أو الرشاء في البئر، سواء أصحاب ذلك إنزال أم لم يصاحبه، وجد حائل بين الفرجين أم لم يوجد، هذا هو الفعل المادي الذي تقوم به جريمة الزنا، وهو ما استفسر عنه الرسول ﷺ ممن جاءه مقرًا بالزنا؛ لجواز أن يكون قد أتى فعلًا آخر لا يقوم به الركن المادي لهذه الجريمة، أو أن الأمر قد التبس عليه١.\rلأن من أتى فعلًا آخر عم ما ذكر لا يعد مرتكبًا للجريمة الحدية، وإلا يعد مرتكبا لجريمة الزنا أيضًا من قام بالفعل المادي لها مع وجود شبهة من الشبهات التي تحلق الركن الشرعي لجريمة الزنا، نظرًا؛ لأنه يترتب على قيام الشبهة درء العقوبة الحدية عن طرفي الواقعة، أو عن أحدهما، حسبما يرى الفقهاء.\rوفيما يلي أورد بعض الوقائع التي اكتمل فيها الركن المادي لجريمة الزنا غير أنه قد يحول بين الجناة، والحد قيام شبهة بالركن الشرعي للجريمة يعتد بها بعض الفقهاء في درء العقوبة، وقد لا يعتد بها البعض الآخر حسبما يأتي:","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص١١١-١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234184,"book_id":3632,"shamela_page_id":460,"part":null,"page_num":479,"sequence_num":460,"body":"الوطء بعد النكاح الباطل\r...\r١- الوطء بعد النكاح البالطل:\rيراد بعقد النكاح الباطل: كل عقد أصابه خلل في أركانه، أو في شرط من شروط الانعقاد أو بعبارة أخرى، هو ما لم يصح إلا بأصله ولا بوصفه١.\rوقد اختلف الفقهاء في اعتبار الدخول في ظل العقد، والباطل زنا أم لا فيرى الإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري٢، وزفر: أن من عقد على امرأة لا يحل له نكاحها لتحريمها عليه تحريمًا مؤبدًا أو مؤقتًا، ثم دخل بها، فإنه لا يجب عليه الحد بوطئها، حتى وإن علم أنها عليه حرام، وإنما يجب أن يعزر تعزيرًا شديدًا من باب الإصلاح والسياسة.\rوعلل الإمام أبو حنيفة هذا الرأي القائل بعدم وجوب العقوبة الحدية بأن العقد، وإن كان باطلًا إلا أنه مضاف إلى محله، والمحلية عنده لا تعني قبول الحل، وإنما تعني قبول المقاصد من العقد، وقبول المقاصد من العقد أمر ثابت بالنسبة للمعقود عليها، لصحة ذلك بالنسبة لغيره عليها.\rكما أن المعقود عليها -بالنسبة لمن وجد سبب التحريم بينها وبينه- محل نكاح في الجملة، وامتناع ثبوت حكم العقد بالنسبة له ناتج من وجود المنافاة -بين الحل، الذي هو أثر في الآثار المترتبة على العقد.\rوالحرمة التي نتجب من وجود العلاقة المقتضية للتحريم بينهما.\rوالعقد وإن كان وجوده غير نابت ولا مستقر، إلا أنه وجود تقوم به الشبهة التي تدرأ الحد، وتسقطه عند الإمام أبي حنيفة، ومن وافقه٣.","footnotes":"١ أحكام الأسرة في الإسلام للأستاذ الدكتور سلام مدكور ج١ ص٢١٣، ٢٢١ ط الثانية سنة ١٩٦٩م.\r٢ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، مات بالبصرة متواريًا من السلطان سنة ١٦١هـ.\r٣ فتح القدير ج٥ ص٢٦٠-٢٦٢ المبسوط ج٩ ٨٥-٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234185,"book_id":3632,"shamela_page_id":461,"part":null,"page_num":480,"sequence_num":461,"body":"وقال أبو يوسف، ومحمد بوجوب الحد بالدخول في ظل عقد باطل ما دام من دخل في ظل هذا العقد قد علم أن التي عقد عليها، ودخل بها محرمة عليه تحريمًا غير مختلف فيه، فالوطء هنا قد وقع في فرج مجمع على تحريمه من غير ملك، ولا شبهة ملك، والواطئ أهل للحد عالم بالتحريم، فيجب الحد كما لو لم يوجد العقد وليس العقد شبهه؛ لأنه نفسه جناية هنا توجب العقوبة التي انضمت إلى الزنا، كما لو أكرهها ثم زنى بها.\rفالعقد هنا لا أثر له؛ لأن محل العقد هو ما يقبل حكمه، وحكمه الحل والمعقود عليها هنا من المحرمات في سائر الحالات، فكان الثابت صورة العقد إلا انعقاده؛ لأنه لا انعقاد في غير المحل، كما لو عقد على ذكر.\rولأن العقد الصحيح لو انفسخ بالطلاق قبل أن يدخل على التي عقد عليها، ثم دخل بها بعد الطلاق، عوقب بالعقوبة الحدية، ولم يبق للعقد السابق أي أثر نفسخه، فما لم ينعقد أصلًا أولى١.","footnotes":"١ بين السرخسي ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ومن وافقه، وما ذهب إليه أبو يوسف، ومحمد بقوله: \"رجل تزوج امرأة ممن لا يحل له نكاحها، فدخل بها لا حد عليه، سواء أكان عالمًا بذلك، أم غير عالم في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولكنه يوجع عقوبة إذا كان عالما بذلك، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا كان عالمًا بذلك، فعليه الحد في ذوات المحارم، وكل امرأة إذا كانت ذات زوج، أو محرمة عليه على التأبيد.. والدليل عليه أن العقد لا يتصور انعقاده بدون المحل، ومحل النكاح هو الحل؛ لأنه مشروع لملك الحل، فالمحرمية على التأبيد لا تكون محلًا للحل، وإذا لم ينعقد العقد لا تحل له لا أنه لم يصادف محله فكان لغوا، كما يلغو إضافة النكاح إلى الذكور، والبيع إلى الميتة والدم، والدليل عليه أن العقد المنعقد لو رفع بالطلاق قبل الدخول لم يبق شبهة مسقطة للحد، فالذي لم ينعقد أصلًا أولى، المبسوط ج٩ ص٨٥-٨٦، فتح القدير ج٥ ص٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234186,"book_id":3632,"shamela_page_id":462,"part":null,"page_num":481,"sequence_num":462,"body":"وقال فقهاء الشافعية بوجوب الحد في وطء المحرمة بنسب، أو رضاع أو مصاهرة، سواء أكان ذلك في ظل عقد أم لا؛ لأنه وطء صادف محلًا مقطوعًا بتحريمة ولا شبهة فيه، أما إذا كان الواطئ بجهل الذي بينه، وبين الموطوءة، ولم يظهر كذبه، فقد ذهب الأدرعي إلى أن الظاهر تصديقه، وكذا لو جهل تحريمها عليه بالرضاع، أو بكونها مزوجة، أو معتدة، وأمكن جهله بذلك.\rوتحد هي أن علمت التحريم:\rيبين الشربيني الخطيب ذلك في قوله: \"ويجب الحد في وطء محرم بنسب، أو رضاع أو مصاهرة، وإن كان تزوجها؛ لأنه وطء صادف محلًا ليس فيه شبهة، وهو مقطوع بتحريمه، فيتعلق به الحد\".\rثم يقول: لو ادعى الجهل بتحريم الموطوءة بنسب لهم يصدق لبعد الجهل بذلك. قال الأذرعي: إلا أن جهل مع ذلك النسب، ولم يظهر لنا كذبه، فالظاهر تصديقه، أو بتحريمها برضاع، فيقولان: أظهرها كما قال الأذرعي: تصديقه أن كان ممن يخفى عليه ذلك، أو بتحريمها بكونها مزوجة، أو معتدة وأمكن جهله بذلك صدق بيمينه، وحدت هي دونه إن علمت تحريم ذلك، ويحد في وطء نكاح أخت نكحها على أختها، وفي وطاء من ارتهنها، وفي وطء مسلمة نكحها وهو كافر، ووطئ عالمًا بالحال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234187,"book_id":3632,"shamela_page_id":463,"part":null,"page_num":482,"sequence_num":463,"body":"وفي وطء وثنية، أو مجوسية نكحها مسلم، ويحد في وطء مطلقته ثلاثًا، وذات زوج وملاعنة، ومعندة لغيره، ومرتدة\"١.\rوقال فقهاء الحنابلة بوجوب الحد على كل من تزوج ذات محرم ودخل بها؛ لأنه دخول في ظل نكاح باطل للإجماع على تحريم المدخول بها عليه، والعقد في مثل هذا لا تدوم به شبهة؛ لأنه كأن لم يوجد، والشبهة لا تقوم إلا إذا كان المبيح صحيحًا، والعقد هنا باطل، وفعله جناية تقتضي عقوبة أخرى تضم إلى عقوبة الزنا، ما دام الفاعل عالمًا بالتحريم.\rأما لو كان جاهلًا بالحكم كمن يتزوج امرأة في عدتها ثم يدخل بها، وأمكن تصور جهله، فلا حد عليه؛ لأن مثل هذا الحكم يخفى على غيره أهل العلم٢. والمشهور عند المالكية أنه لا حد عليه حتى، وإن كان عالمًا٣، وذهب فقهاء الشيعة إلى القول بعدم وجوب الحد، فيما جهل تحريمه مما ذكر من الوطء بشبهة الجهل بشرط أن يكون الجهل عن قصور، أو تقصير في المقدمات مع اعتقاد الحلية حال الوطء، وأما الجهل بالحكم عن تقصير، فلا يعتد به ويجب معه الحد.\rوذلك؛ لأن الجهل الأخير وجد معه العلم بالحكم الظاهري، ولذا قالوا بوجب الحد على من تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليها الرجعة فيه، ما دامت تعلم أن عليها عدة، وأن كانت لا تدري كم هي؛ لأنها ما دامت علمت أن عليها العدة لزمتها، الحجة، فتسأل حتى تعلم٤.","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٤٦.\r٢ المغني ج٨ ص١٨٢-١٨٣.\r٣ الخرش ج٨ ص٧٨.\r٤ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234188,"book_id":3632,"shamela_page_id":464,"part":null,"page_num":483,"sequence_num":464,"body":"وذهب فقهاء المالكية إلى القول بأن من يعقد على امرأة محرمة عليه تحريمًا مؤيدا، ثم بدخل بها، فإنه يلزمه الحد، ولا يعتد بذلك العقد الذي دخل عليها في ظله، ولا تقوم به شبهة١.\rأما من كان تحريمها عليه تحريمًات مؤقتًا كأخت زوجته مثلًا، فإنه إذا عقد عليها ودخل بها، فإن فقهاء المالكية يفرقون -في القول بالحد حينئذ- بين حالتين:\rالأولى: إذا كانت أخت زوجته من النسب، فإنه يجب الحد.\rالثانية: إذا كانت أخت زوجته من الرضاع، فإنه لاحد عند بعضهم؛ لأن دليل التحريم بالنسبة للجمع بين الأختين من الرضاع جاء من السنة بخلاف دليل تحريم الجمع بين الأختين من النسب، فقد جاء به القرآن الكريم.\rيقول الخرش مبينًا ذلك كله:\rوكذلك لا حد على من تزوج أختًا على أختها ودخل بهما، وهل لا حد سواء كانت الأخت من نسب أو رضاع؛ لأن الآية اقتضت تعميم الأختين من نسب أو رضاع، أو محل عدم الحد إذا كانت الأخت من رضاع؛ لأن تحريم الجمع حينئذ -بالنسبة، وأما لو كانت من نسب، فإنه يحد إذا وطئها لتحريم ذلك بالكتاب، وإليه ذهب بعض شيوخ","footnotes":"١ يقول الخرش: \"وكذلك يحد من وطئ الحرمة بصهر مؤبد بنكاح، أو بملك.. أن تزوج زوجة أبيه، أو زوجة ولده حدان كان عالمًا بتحريم ذلك، وإذا حد بالوطء المحرمة بالصهر، فأولى من وطئ محرمة بالنسب، أو بالرضاع بنكاح؛ لأنهما لا يكونان إلا مؤبدين بخلاف الصهر قد يكون مؤبدًا ... الخرش ج٨ ص٧٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234189,"book_id":3632,"shamela_page_id":465,"part":null,"page_num":484,"sequence_num":465,"body":"عبد الحق، وإلى هذا أشار بقوله: \"وهل الأخت النسب لتحريمها بالكتاب تأويلان\"، ولا حد على من تزوج المرأة على عمتها مثلًا؛ لأن التحريم لذلك بالسنة لا بالكتاب\"١، ومن قال بإسقاط الحد في ذلك أوجب عقوبة تأديبية موجعة.\rوقال ابن حزم بمثل ما قال به جمهور الفقهاء: \"من أن من وقع على ذات محرم كأمه، وأخته أم امرأة أبيه أو عمته، أو خالته، أو واحدة من ذوات محارمة بصهر، أو رضاع -فسواء أكان ذلك بعقد، أو بغير عقد- هوزان عليه الحد، ولا عبرة بعقده على واحد، من هؤلاء؛ لأن وجود عقده على واحدة منهن كلا وجوده إلا إذا كان جاهلًا، فلا شيء عليه.\rأما من وقع على امرأة أبيه -بعقد أو بغير عقد، أو عقد عليها باسم نكاح، وإن لم يدخل بها -فإنها بفعل ولا بد- محصنًا كان أو غير محصن ويخمس ماله، وسواء أمه كانت أو غير أمه، دخل بها أبوه أو لم يدخل بها٢، وذهب فقهاء الشيعة إلى من أن زنى بذات محرم يقتل محصنًا كان أو غيره٣، أما من تزوج خامسة، فإن فعله","footnotes":"١ الخرش ج٨ ص٧٦-٧٩، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٥-٣١٧.\r٢ استدل ابن حزم لذلك بما روي عن البراء بن عازب، قال: لقيت خالي ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن اضرب عنقه، وأخذ ماله \"يقول ابن حزم معلقًا على هذا الحديث: هذه آثار صحاح تجب بها الحجة\"، ويقول الشوكاني: هذا الحديث، رواه الخمسة، ولم يذكر ابن ماجه، والترمذي أخذ المال، مراجع المحلى ج١٢ ص١٠٧-٢٣٣، نيل الأوطار ج٧ ص١٣٠.\r٣ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٨٨-١٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234190,"book_id":3632,"shamela_page_id":466,"part":null,"page_num":485,"sequence_num":466,"body":"لا يسمى زواجًا، وإنما هو عهر وعليهما الحد، إن كانا عالمين بأن ذلك لا يحل، ولا حد على من جهل تحريم ذلك، ومثلهما من تزوج امرأة في عدتها، ومن طلق ثلاثًا قبل الدخول، أو بعده ثم وطئ١.\rوما ذهب إليه جمهور الفقهاء من إيجاب الحد على كل من دخل على امرأة، وعاشرها معاشرة الأزواج في ظل عقد نكاح هو ما أميل إليه، وأرجحه حفظًا على روح الإسلام، وأخلاقياته وكيان الأمة، وروابطها الشرعية المقدسة؛ لأن من يقدم على ذلك، وهو عالم بتجريم فعله -الذي هو من المحرمات البينة الواضحة- لا شك أنه إنسان عابث منحرف الطبع.\rوما قيمة إتيانه فعلًا باطلًا محرمًا في صورة قيامه بعقد نكاحه على من لا تحل له.\rإن فعله هذا هو في حد ذاته جريمة تضاف إلى جريمة زناه المتمثل في دخوله بمن عقد عليها عقدًا باطلًا، ومثل هذا لا يتصور القول بإسقاط الحد عنه تذرعًا بوجود شبهه ترتبت على عقده الباطل.\rإن العقد الباطل لا يجوز أن يترتب عليه سوى عقوبة من قام به، أن جاز أن يترتب عليه شيء -هذا بالنسبة لإيجاب الحد.\rأما ما ذهب إليه ابن حزم، ومن وافقه من القول بقتل من وقع على امرأة أبيه، أو ذات محرم، فهو قول يتفق على إطلاقه٢، والذي أميل إليه، أن من وقع منه ذلك، فهو قد ارتكب جريمة الزنا، ويلمزه بها حدها، فإن تكرر منه ذلك بالنسبة لزوجة أبيه، أو ذات محرم فإنه إن جاز قتله، فإنما يكون على سبيل العقوبة السياسية لا الحدية، ولا يخفى ما ذكره فقهاء الشيعة عند قبولهم القول بشبهة الجهل من اشتراط أن يكون هذا الجهل ناشئًا عن قصور، لا عن تقصير إنه قول له وجاهته؛ لأن ادعاء الجهل أمر سهل يستطيع التذرع به من انحرف طبعه، وساء خلقه","footnotes":"١ يقول ابن حزم: وأما من طلق ثلاثًا، ثم وطئ فإن كان عالمًا أن ذلك لا يحل، فعليه حد الزنى كاملًا وعليها كذلك؛ لأنها أجنبية، فإن كان جاهلًا فلا شيء عليه، ولا يلحق الولد هنا أصلًا؛ لأنه وطء فيما لا عقد له معها -لا صحيحًا ولا فاسدًا، المحلى ج١٣ ص٢١٩-٢٢١.\r٢ يراجع فتح القدير ج٥ ص٢٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234191,"book_id":3632,"shamela_page_id":467,"part":null,"page_num":486,"sequence_num":467,"body":"٢- الوطء بعد النكاح الفاسد:\rوالنكاح الفاسد هو: ما كان عقده صحيحًا بأصله دون وصفه بمعنى أن عقده استوفى أركانه، وشروط انعقاده، لكنه فقد شرطا من شروط الصحة.\rومثل ذلك النكاح بلا ولي، أو بلا شهود، وزواج الأخت في عدة أختها، وزواج خامسة في عدة، الرابعة، وكل نكاح فيه كنكاح المتعة، والشغار والتحليل.\rفإذا حدث دخول في ظل عقد من هذه العقود الفاسدة، فإن جمهور الفقهاء يرى درء الحد لقيام شبهة ترتبت على وجود العقد الفاسد، وهم وإن قالوا بذلك إلا أن كلا منهم قد أطلق على هذه الشبهة مسميات غير الآخر، فقد أطلق عليها فقهاء الحنفية، شبهة العقد، إذا قد جاء عن ابن الهمام: \"وذكر في شبهة العقد أن يطأ التي تزوجها بغير شهود، أو بغير إذن مولاها وهي أمة، أو طئ العبد من تزوجها بغير إذن مولاه.\rوذكر ابن الهمام أن أبا حنيفة يرى القول بإسقاط الحد بالنسبة لمن تزوج أمه على حرة، أو مجوسية، أو خمسًا في عقد، نظرًا لوجود شبهة العقد، وإن كان أبو يوسف، ومحمد قد أوجبا الحد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234192,"book_id":3632,"shamela_page_id":468,"part":null,"page_num":487,"sequence_num":468,"body":"إذا حدث دخول بالأمة التي تزوجها على الحرة، أو بالمجوسية، أو بالخمس اللاتي تزوجهن في عقد واحد، إذا علم أن ذلك حرام١.\rوأطلق عليها المالكية شبهة العقد في قول الخرش: \"تحد المرأة لذا مكنت مملوكها من نفسها إذا وطئها عن غير عقد، لا أن كان بعقد للشبهة، وإن كان غير صحيح.\rكما يقول: إذا عقد على معتدة من غيره ووطئها عالمًا، فإنه لا حد عليه وهو المشهور، مع أن حد الزنا صدق عليه.\rكما أطلقوا عليها أيضًا: شبهة الخلاف في قول الخوشئ \"وإن تزوج أم امرأته، فإن دخل بالابنة حد، وإن لم يدخل بها لم يحد للخلاف\"٢.\rكما يقول الخرشي: \"وخرج بقوله: باتقاق، النكاح المختلف فيه كالنكاح بلا ولي، فإن الوطء فيه لا يسمى زنا شرعًا إذ لا حد فيه، فالمراد بالاتفاق اتفاق العلماء لا الاتفاق المذهبي\"٣.\rويطلق فقهاء الشافعية على هذه الشبهة شبهة الجهة، أو الطرق فيقول الشربيني الخطيب في معرض حديثه، عما لا يجب به الحد من الزنا: \"واحترز عن شبهة الطريق التي تضمنها قوله: \"وكذا كل جهه أباحها\"، أي قال بالوطء بها عالم \"كنكاح بلا شهود\" فقط، كما قال به مالك، أو بلا ولي فقط كما قال به أبو حنيفة، أو بولي وشهود،","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ٢٥٣، أحكام الأسرة في الإسلام ج١ ٢١٥-٢٢١.\r٢ الخرشي ج٨ ص٧٦-٧٨.\r٣ الخرش ج٨ ص٧٦، وجاء مثل ذلك أيضًا في حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234193,"book_id":3632,"shamela_page_id":469,"part":null,"page_num":488,"sequence_num":469,"body":"ولكنه مؤقت، وهو نكاح المتعة كما قال به ابن عباس -رضي الله تعالى عنهم: لا حد بالوطء فيه على الصحيح، وإن اعتقد تجريمه لشبهة الخلاف١.\rويقول ابن قدامة: \"ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار، والتحليل، والنكاح بلا ولي، ولا شهود ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح المجوسية، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات٢.\rوجاء عن فقهاء الشيعة إجازة العقد بلا شهود؛ لأن الشهود عندهم من باب تزويج السنة، ولإثبات الولدة فقط، فقد أورد الحلي: \"لا بأس بالتزويج ألبته بغير شهود فيما بينه وبين الله تعالى، وإنما جعل الشهود من تزويج السنة٣.\rأما ابن حزم، فإنه يرى في الدخول في ظل العقد الفاسد وجوب الحد، إلا إذا وقع ذلك ممن يجهل الحكم، فقد ورد عنه: \"وأما العالم بفساد عقد النكاح، أو عقد الملك، فهو عاهر عليه الحد، فلا يلحق به الولد، كما ورد عنه في نكاح الشغار: ومن يدخل في ظله، أن كان عالمًا فعليه الحد كاملًا، ويلحق به الولد، وإن كان جاهلًا، فلا حد عليه٤، وجاء عن فقهاء الشافعية قول بوجوب","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، والمهذب ج٢ ص٣٥، ٤٠.\r٢ المغني ج٨ ص١٨٣-١٨٤.\r٣ كما جاء في تذكرة الفقهاء يستحب الإعلان، والإظهار في النكاح الدائم، والإشهاد، وليس الإشهاد شرطًا في صحة العقد عند علمائنا أجمع المختصر النافع للحلي ص١٩٤، يراجع المهذب ج٢ ص٤٠.\r٤ المحلى ج١١ ص١٣١-٧٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234194,"book_id":3632,"shamela_page_id":470,"part":null,"page_num":489,"sequence_num":470,"body":"الحد على من وطئ في ظل عقد فاسد، وإن اعتقد الإباحة، ويجب الحد أيضًا في نكاح المتعة؛ لأنه ثبت نسخه، وابن عباس رجع عنه كما رواه البيهقي.\rواشترطوا في الشبهة التي تدرأ هنا أن تكون شبهة قوية المدرك، لا لمجرد عين الخلاف١.\rواشتراط الشافعية ذلك له وجاهته، حتى لا يصبح الحكم عرضة لبعث الأهوء، والرغبات.\rوما أرجحه هو أن من دخل في ظل عقد فاسد، وهو يعلم ذلك، ولا عدل له لزمته عقوبة تعزيرية موجعة ورادعة له ولأمثاله؛ لأن حدود الله يجب أن تصان عن العبث.","footnotes":"١ أي يجب أن يكون الخلاف الذي تقوم به الشبهة الدارئة للحد -خلافا ناشئا عن دليل، لا مجرد قول بالرأي العاري عن الدليل، مغني المحتاج جـ٤ ص١٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234195,"book_id":3632,"shamela_page_id":471,"part":null,"page_num":490,"sequence_num":471,"body":"٣- وطء الميتة:\rويراد به مواقة رجل امرأة أجنبية ميتة، وللفقهاء في إيجاب الحد بذلك.\rرأيان:\rالأول:\rيجب الحد على ما فعل ذلك؛ لأنه أولج في فرج محرم لا شبهة له فيه، ولا فرق بين أن يكون الإيلاج في فرج امرأة حية، أو ميتة.\rالثاني:\rلا يجب الحد بهذا الفعل؛ لأن وطء الميتة لا يترتب عليه ما يترتب على وطء الأحياء -ولأن عضوها لا حياة فيه، فإنها لا تشتهي، وتعافه النفس، ويؤيد القائلون بهذا الرأي أن الانزجار يتحقق بما عليه الميتة من حال لا بالعقوبة الحدية.\rجاء هذان الرأيان فيما ذكره ابن قدامة: من أن وطئ ميتة، ففيه وجهان أحدهما: عليه الحد وهو قول الأوزاعي؛ لأنه وطئ في فرج آدمية، فأشبهه وطء الحية؛ ولأنه أعظم ذنبًا وأكثر إثمًا؛ لأنه انضم إلى فاحشة هتك حرمة الميتة. الثاني لا حد عليه، وهو قول الحسن.\rقال أبو بكر: وبهذا أقول؛ لأن الوطء في الميتة كلا وطء؛ لأنه عضو مستهلك؛ ولأنها لا يشتهي مثلها وتعافها النفس، فلا حاجة إلى شرع الزجر عنها، والحد إنما وجب زجرًا\"١.\rوجاء الرأيان أيضًا عند فقهاء الشافيعة، فقد ذكر الشيرازي: \"أن من وطئ امرأة ميتة، وهو من أهل الحد، ففيه وجهان:\rأحدهما أنه يجب عليه الحد؛ لأنه إيلاج في فرج محرم، ولا شبهة فيه فأشبه إذا كانت حية.\rوالثاني: أنه لا يجب؛ لأنه لا يقصد فلا يجب فيه الحد\"٢.\rوذهب فقهاء الأحناف إلى أنه لا حد في وطء الميتة؛ لأنه لا يعتبر عندهم زنا٣، أما فقهاء المالكية قد أوجبوا الحد في ذلك، نظرًا؛ لأنه زنا، فيقول الخرشي عند حديثه عن الزنا الموجب للحد:","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٨١.\r٢ المهذب ج٢ ص٢٦٩.\r٣ فتح القدير ج٥ ص٢٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234196,"book_id":3632,"shamela_page_id":472,"part":null,"page_num":491,"sequence_num":472,"body":"\"وكذلك من أتى ميتة غير زوجته بعد موتها في قبلها، أو دبرها فإنه يحد، لانطباق حد الزنا عليه\"١.\rكما جاء مثل ذلك عند فقهاء الشيعة، فيقول أبو القاسم الموسوي: \"لا فرق فيما ذكرناه من الأحكام المترتبة على الزنا بين الحي والميت\"، فلو زنى بامرأة ميتة، فإن كان محصنا رجم، وإن كان غير محصن جلد، واستدل لذلك بما روي عن أبي جعفر في رجل نبش قبر امرأة، فسلبها ثيابها ثم نكحها، قال: إن حرمة الميت كحرمة الحي نقطع يده لنبشه وسلبه الثياب، ويقام عليه الحد في الزنا، إن أحصن رجم، وإن لم يكن أحصن جلد مائة\"٢.\rوالذي أميل إليه، وأرجحه هو الرأي القائل بوجوب الحد على من سولت له نفسه انتهاك حرمة الأموات، والقيام بفعل مثل هذا الذي لا يقدم عليه، إلا صاحب الطبع الفاسد، والسلوك الشاذ المعوج، بل ويجب أن يزاد فوق الحد علاجًا لطبعه وشذوذه، فإن عاود فعلته هذه وجب رجمه إن لم يكن محصنًا، على سبيل العقوبة السياسية.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٧٦.\r٢ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234197,"book_id":3632,"shamela_page_id":473,"part":null,"page_num":492,"sequence_num":473,"body":"٤- وطء المرأة المستأجرة:\rذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن من استأجر امرأة ليزني بها، ثم فعل بها ما استأجرها من أجله، فإنه لا حد عليه.\rلأنه قد استوفى منها ما استأجرها من أجله، والإجارة عقد تقوم به الشبهة عنده، ويترتب على قيام هذه الشبهة درء العقوبة الحدية.\rواستدل الإمام أبو حنيفة لذلك، بما روي عن عمر -رضي الله تعالى عنه- من أن امرأة استسقت راعيًا، فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ عمر -رضي الله تعالى عنه- الحد عنهما.\rوبأن امرأة سألت رجلًا مالًا، فأبى أن يعطيها حتى تمكنه من نفسها، فدرأ الحد، وقال: هذا مهرها.\rويعلق الإمام أبو حنيفة على هذا بقوله: ولا يجوز أن يقال: إنما درأ الحد عنها؛ لأنها كانت مضطرة تخاف الهلاك من العطش؛ لأن هذا المعنى لا يوجب سقوط الحد عنه.\rوهذا المعنى غير موجود فيما إذا كانت سائلة مالًا ذكرنا في الحديث الثاني، مع أنه علل نقل: أن هذا مهر، ومعنى هذا أن المهر، والأجر يتقاربان١.\rأما جمهور الفقهاء، فإنهم لم يرتضوا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وألزموا من استأجر امرأة ليزني بها، وفعل بها ما استأجرها له العقوبة الحدية.\rوذلك؛ لأن عقد الإجارة لا يستباح به البضع، فصار كما لو استأجرها للطبخ ونحوه من الأعمال، قال أبو حنيفة: لو استأجرها لمثل هذه الأعمال، وزنى بها لزمه الحد.\rفعقد الإجارة لا أثر له في استباحه ذلك، ولا يورث شبهة، فصار كما لو اشترى خمرًا فشربها.\rولأن محل الاستئجار منفعة لها حكم المالية، والمستوفي بالوطء","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص٥٨، فتح القدير ج٥ ص٢٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234198,"book_id":3632,"shamela_page_id":474,"part":null,"page_num":493,"sequence_num":474,"body":"ليس بمال أصلًا، والعقد بدون محله لا ينعقد أصلًا، فإذا لم ينعقد به كان هو والإذن سواء، ولو زنى بها بإذنها يلزمه الحد.\rوذهب ابن حزم إلى أن جرم المستأجرة للزنى، ومن استأجرها، وزنى بها أعظم من جرم من زنى بامرأة لم يستأجرها لذلك، فقال: \"وحد الزنى وجب على المستأجر والمستأجرة، بل جرمهما أعظم من جرم الزاني، والزانية بغير استئجار؛ لأن المستأجر والمستأجرة زنيا كما زنى غير المستأجر ولا فرق، وزاد المستأجر والمستأجرة على سائر الزنى حراما آخر -وهو أكل المال بالباطل\"٢، وما ذهب إليه الجمهور أولى، ولا يجوز القول بأن ما أخذته المستأجرة من مال يماثل ما تأخذه من مهر في النكاح الصحيح بجامع أن المهر، والأجرة يتقاربان؛ لأن الله ﷾ أطلق على المهر أجرًا، في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٣؛ لأن الفرق بينهما واضح أحل الله الزواج، وأوجب المهر فيه وحرم الزنا، ولو كان على مال.\rوالمهر أجر مشروع في ظل نكاح حلال أباحه الله، ورغب فيه وحض عليه الرسول ﷺ بينما الزنا حرمه الله، ونهى عنه وبغض فيه، وحدد له عقوبة من العقبات -الشديدة الرادعة.\rوأما الاستدلال بما روي عن عمر -رضي الله تعالى عنه، فهو استدلال بما لا دليل فيه؛ لأنه لم يذكر ما فعل عمر بالرجل،","footnotes":"١ المرجعان السابقان، المهذب ج٢ ص٢٦٨، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٦، الخرشي ج٨ ص٨٧ المغني ج٨ ص١٨٧.\r٢ المحلى ج١٣ ص٢٢٥.\r٣ من الآية ٢٤ من سورة النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234199,"book_id":3632,"shamela_page_id":475,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":475,"body":"هل أقام عليه الحد أم لا، فإن قبل لم يقم عليه الحد، فلجواز عدم توافر البينة عليه؛ لأن ما قالته المرأة غير ملزم الرجل بالحد.\rما لم تتم عليه بينة؛ لأن رسول الله ﷺ قد جاءه رجل مقرًا بأنه زنى بفلانة، فلما سألها الرسول ﷺ أنكرت ما قاله الرجل، فلم يقم الرسول ﷺ الحد عليه١.\rأما عدم إقامة عمر الحد على المرأة، فلجواز أنه رأى أنها كانت مضطرة، وبذا تصبح في حكم المكرهة التي لا حد عليها.\rوهذا ما جاء عن ابن قدامة بما رواه من أن عمر سأل عليًا -رضي الله تعالى عنهما- في شأن هذه المرأة، فقال علي: إنها مضطرة٢.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص١١٩.\r٢ المغني ج٨ ص١٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234200,"book_id":3632,"shamela_page_id":476,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":476,"body":"٥- إذا كان أحد طرفي جريمة الزنا غير مكلف:\rذهب فقهاء الأحناف إلى أن الصبي، أو المجنون إذا زنى بامرأة طاوعته، فلا حد عليه ولا عليها، أما سقوط الحد عنه، فلعدم تكليفه، وأما سقوطه عنها؛ فلأن الأصل في باب الزنا فعل الرجل والمرأة تابعة له، فامتناع الحد في حق الأصل يوجب امتناعه في حق التبع، وقد جاءت رواية عن أبي يوسف بإيجاب الحد عليها نظرًا؛ لأنها مكنته من نفسها مختارة راضية، فحكمها حكم المكلف الذي يزني بغير مكلف، وكون الفاعل غير مكلف لا يترتب عليه شبهة تسقط الحد عنها١، وذهب فقهاء الشيعة إلى أن البالغة العاقلة إذا مكنت من نفسها صبيًا، أو مجنونًا تجلد فقط، حتى وإن كانت محصنة؛ لأن من واقعها ليس بمدرك.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٦٩-٢٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234201,"book_id":3632,"shamela_page_id":477,"part":null,"page_num":495,"sequence_num":477,"body":"كما ذهب بعضهم إلى أن البالغ العاقل المحصن إذا زنى بصبية، أو مجنونة فلا رجم عليه ويجلد الحد، لنقص حرمة الصبية والمجنونة، بالإضافة إلى البالغة العاقلة، ولنقص اللذة في الزنا بالصغيرة١.\rأما جمهور الفقهاء، فإنهم يرون وجوب الحد على المكلف، وإن كان هناك رأي عند بعض فقهاء الحنابلة، مؤداه أنه لا حد على من وطئ صغيرة لم تبلغ؛ لأنها لا يشتهي منها، وكذلك لو استدخلت امرأة ذكر صبي لم يبلغ عشرًا لا حد عليها.\rوقد علق ابن قدامة على هذا بقوله: \"والصحيح أنه أمكن وطؤها، وأمكنت المرأة من أمكنه الوطء، فوطئها أن الحد يجب على المكلف منهما، فلا يجوز تحديد ذلك بتسع ولا عشر؛ لأن التحديد إنما يكون بالتوقيف، ولا توقيف في هذا وكونت التسع وقتًا لإمكان الاستمتاع غالبًا لا يمنع وجوده قبله، كما أن البلوغ يوجد في خمسة عشر عامًا، ولا يمنع من وجوده قبله\"٢.\rوما أرجحه هو وجوب الحد على المكلف مطلقًا، ولا يعتد بكون من شاركه جنايته غير مكلف؛ لأن هذا لا شبهة فيه بالنسبة للمكلف، ولا مبرر للقول بأنغير المكلف لا يشتهي، أو ينقص اللذة.\rكما يلزم تعزير الصغير إن أتى ذلك مطلوعًا، زجرًا له عن المعصية.","footnotes":"١ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٩٨-١٩٩.\r٢ المغني ج٨ ص١٨١، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٦، المهذب ج٢ ص٢٦٨، الخرشي ج٨ ص٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234202,"book_id":3632,"shamela_page_id":478,"part":null,"page_num":496,"sequence_num":478,"body":"٦- وطء الرجل معتدته البائن:\rإذا طلق الرجل زوجته ثلاثًا، أو خالعها ثم وقع عليها في عدتها، فإن جمهور الفقهاء يرى إلزامه الحد أن كان عالمًا بتحريمها عليه.\rفإن قال بأنه لا يعلم تحريمها، فإن الحد لا يلزمه هذا ما هب إليه فقهاء الأحناف١ الحنابلة٢، وابن حزم٣.\rوحكم المرأة في ذلك حكم الرجل:\rوذهب فقهاء المالكية، والشافعية إلى القول بوجوب الحد عليهما مطلقًا.\rأما إذا عقد الرجل على مطللقته ثلاثًا، ووطئها في العدة، فإن جمهور الفقهاء يلزمهما الحد ما داما عالمين بالتحريم، أما أن كان جاهلين أو أحدهما، فلا حد على من جهل التحريم٤، وذهب الإمام أبو حنيفة","footnotes":"١ يراجع المبسوط ج٩ ص٨٨، فتح القدير ج٥ ص٢٥١، الوجيز في أحكام الأسرة أ. د: سلام مدكور ص٢٣٦-٢٣٩.\r٢ المغني ج٨ ص١٨٣.\r٣ المحلى ج١٣ ص٢١٩.\r٤ يقول ابن حزم: ولا تخلو الناكحة في عدتها بأن تكون عالمة بأن ذلك لا يحل، أو تكون جاهلة بأن ذلك محرم، أو غلطت في العدة: فإن كانت جاهلة، أو غلطت في العدة، فلا شيء عليها؛ لأنها لم تعمد الحرام، والقول قولها في الغلط على كل حال -فإن كانت عالمة بأن ذلك لم يحل \"ولم تغلط في العدة: فهي زانية وعليها الرجم\" المحلى ج١٣ ص٢١٩.. ويراجع\rالمبسوط ج٩ ص٨٨، فتح القدير ج٥ ص٢٥١-٢٥٤ الخرش ج٨ ص٧٧، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٥- مغني المحتاج ج٤ ص١٤٦، المغني ج٨ ص١٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234203,"book_id":3632,"shamela_page_id":479,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":479,"body":"إلى القول بعدم لزوم الحد نظرًا لقيام شبهة العقد، فالإمام أبو حنيفة يرى أن العقد، وإن كان متفقًا على تحريمه، إلا أنه تقوم به شبهة تنتج درء الحد١.\rوما ذهب إليه جمهور الفقهاء، هو ما أرجحه إذا كانا جاهلين التحريم، فإن كان أحدهما جاهلًا، والآخر عالمًا لزم عالم التحريم الحد، ويدرأ الحد عن جاهل التحريم بشرط أن يكون هذا الجهل من الجهل الذي يعتد به.\rأما إن كان جهلًا لا يعتد به، فلا يلتفت إليه، ولا تقوم به شبهة.","footnotes":"١ فتح القدير ح٥ ص٢٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234204,"book_id":3632,"shamela_page_id":480,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":480,"body":"٧- وطء البهائم:\rإذا وطئ الرجل حيوانًا، أو مكنت المرأة من نفسها حيوانًا، فإن للفقهاء آراء في اعتبار ذلك زنًا موجبًا للحد، أو التعزير.\rفقد ذهب فقهاء الأحناف، والملكية والشيعة إلى أن ذلك ليس في معنى الزنا؛ لأن الطبع السليم ينفر عنه، والحامل عليه نهاية السفه، ولا يجب به حد، وإنما يلزم من أتاه بعقوبة تعزيرية تأديبا له، وقد جاء هذا في قول عند فقهاء الشافعية والحنابلة١.\rوذهب فقهاء الشافعية والحنابلة في رأي آخر إلى اعتبار ذلك في حكم اللواط موجبًا للحد.\rكما جاء عنهم أيضًا في رأي آخر أنه يجب قتل من فعل ذلك","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ٢٦٥، الخرش ج٨ ص٧٨، حاشيءة الدسوقي ج٤ ص٣١٦ المهذب ج٢ ص٢٦٩، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥ المغني ج٨ ص١٩٠، شرح الأزهار ج٤ ص٣٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234205,"book_id":3632,"shamela_page_id":481,"part":null,"page_num":498,"sequence_num":481,"body":"مستدلين بما روي من قول الرسول ﷺ: \"من وقع على بهيمة، فاقتلوه، واقتلوا البهيمة\" ١.\rوالذي أرجحه هو ما ذهب إليه الجمهور من أن ذلك يوجب التعزير.\rفإن تكرر ذلك من الجاني حبس حتى يعالج، ويتوب أما من ذهب إلى أن ذلك يوجب الحد كالزنا، فقوله بعيد؛ لأن الحد للردع عما يشتهي، وتميل إليه النفس، ومثل هذا لا يشتهى، ولا يقدم عليه إلا مرضى النفوس.\rأما القول بقتله، فما استدل به على ذلك ضعيف الرواية، أو على أساس من أتى ذلك مستحلًا له، ودليل يتطرق إليه الضعف لا يعون عليه في القول بقتل إنسان.","footnotes":"١ رواه عكرمة، وأخرجه النسائي، وابن ماجه، قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه، إلا من طريق ورد ما يعارضه من نفس الطريق، قال الشوكاني: اختلف أهل العلم فيمن وقع على بهيمة، فأخرج البيهقي: من أتى بهيمة أقيم عليه الحد، وعن الحسن بن علي إن كان محصنًا رجم، وعن الحسن البصري هو بمنزلة الزنى، وقال الحاكم: يجلد، \"ولا يبلغ الحد والمرتضي، والمؤيد بالله والناصر والإمام يحيى إلى أنه يوجب التعزير فقط\"، وقد ضعف هذا الحديث البخاري وكثير من الحفاظ، نيل الأوطار ج٧ ص١٣٣-١٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234206,"book_id":3632,"shamela_page_id":482,"part":null,"page_num":499,"sequence_num":482,"body":"المبحث الثاني: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة ترتب عليها انتقاء القصد الجنائي\rمدخل\r...\rالمبحث الثاني: الوطء المحرم الذي لا يوجب العقوبة الحدية لقيام شبهة ترتب عليه انتفاء القصد الجنائي\rاقتضت عناية الشارع الحكيم، ورحمته بخلقه عدم مؤاخذة أحد، أو معاقبته بعقوبة من العقوبات المقدرة، إلا قصد الفاعل إتيان الفعل المجرم، واتجهت نيته إلى ذلك، وقام به مختارا عالمًا بتجريم الشارع له.\rلذا فإن الحديث عن هذا المبحث يتناول ما يأتي:\rأولًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة جهل الفاعل بالحكم الشرعي لما وقع منه من أفعال جهلًا يعتد به، وإن أتى هذه الأفعال عن حرية واختيار.\rثانيًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة جهل الفاعل بمن وقع عليه الفعل وشاركه فيه، جهلًا يعتد به وتندرئ بوجودة العقوبة الحدية.\rثالثًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية نظرًا لانتفاء القصد الجنائي نتيجة إكراه الفاعل، مع علمه بتجريم الشارع لفعله الذي أكره عليه، إكراها يعتد به في درء العقوبة.\rهذه هي الحالات التي ينتفي معها وجود القصد الجنائي، ولبيانها أذكر هذا الحديث الموجز بالإضافة إلى ما سبق بيانه عند الحديث عن الشبهات، التي تعتري القصد الجنائي في الفصل الثاني من الباب الأول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234207,"book_id":3632,"shamela_page_id":483,"part":null,"page_num":500,"sequence_num":483,"body":"أولًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية نظرًا لجهل الفاعل بالحكم الشرعي لما وقع منه من أفعال، جهلًا يعتد به\rويعتبر الفقهاء جهل الفاعل بالحكم الشرعي مسقطًا للعقوبة الحدية، إذا كان من أتى الوطء مقيمًا بعيدا عن البلاد الإسلامية، ولم يتيسر له معرفة الأحكام الشرعية بسبب خارج عن إرادته، بحيث تصبح معرفة الأحكام بالنسبة له أمرًا معتذرًا، كمن يقيم بجزيرة نائية، وليس لديه من سبل المعرفة ما يمكنه من الوقوف على الأحكام الشرعية، وكان قد صادق من حدثه عن الإسلام حديثًا موجزًا، فاقتنع به وأمن، ولم يفسر على أحكام تجريم الزنا مثلًا، لضيق وقت من علمه مبادئ الإسلام عن أن يحدثه عن ذلك، ولم يتيسر له معرفة بقية الأحكام، فلو أن هذا الشخص وقع منه الوطء المحرم المعاقب عليه بالعقوبة الحدية، فإنه لا تلزمه هذه العقوبة؛ لأنها تندرئ عنه لجهله بالحكم الشرعي.\rومثله من أسلم حديثًا، ولم يتعلم أحكام الإسلام، وكانت النظم العقابية التي يحتكم إليها قبل إسلامه لا تجرم الزنا، وغيره من العلاقات غير المشروعه في الإسلام بين الرجل، والمرأة فواقع امرأة أجنبية عنه، فإنه لا تجب عليه العقوبة الحدية بفعله هذا لوجود شبهة جهلة بالحكم الشرعي، وهي الشبهة التي يترتب عليها درء العقوبة الحدية، لانتفاء القصد الجنائي، ومثل هذا أيضًا من كان مجنونًا، منذ أن كان طفلًا لا يدرك، ثم ظل على جنونه حتى بلغ ثم أفاق من جنونه، وقبل أن يعلم شيئًا من أحكام الإسلام، واقع امرأة أجنبية، فإن لفعله هذا وإن كان زنا، إلا أنه لا يوجب العقوبة الحدية عليه، لجهله بالحكم الشرعي.\rيقول الشيرازي مبينا ذلك: \"ولا يجب -الحد- على من لا يعلم تحريم الزنا، لما روى سعيد بن المسيب قال: ذكرنا الزنا بالشام، فقال رجل: زنيت البارحة. فقالوا: ما تقول، قال: ما علمت أن الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234208,"book_id":3632,"shamela_page_id":484,"part":null,"page_num":501,"sequence_num":484,"body":"عز وجل حرمه، فكتب، يعني عمر، إن كان يعلم أن الله حرمه فخذوه، وإن لم يكن قد علم فعلموه، فإن عاد فارجعوه، وروي أن جارية سوداء رفعت إلى عمر -رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنها زنت فخفقها بالدرة خفقات، وقال: أي لكاع، زنيت. فقالت: من غواش بدرهمين، تخبر بصاحبها الذي زنى بها، ومهرها الذي أعطاها، فقال عمر ﵁: ماذا ترون، وعنده علي وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال علي -رضي الله تعالى عنه: أرى أن ترجمها، وقال عبد الرحمن: أرى مثل ما رأى أخوك، فقال لعثمان: ما تقول؟ قال: أراها تستهل بالذي صنعت، لا ترى به بأسا، وإنما حد الله على من علم أمر الله ﷿، فقال: صدقت، ويعلق الشيرازي على ذلك بقوله: فإن زنى رجل بامرأة وادعى أنه لم يعلم بتحريمه، فإن كان قد نشأ بين المسلمين لم يقبل قوله: لأنا نعلم كذبه.\rوإن كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة من المسلمين، أو كان مجنونًا، فأفاق وزنى قبل أن يعلم الأحكام قبل قوله: لأنه يحتمل ما يدعيه، فلم يجب الحد١.\rويقبل أيضًا القول بجهل حكم من الأحكام التي تحتاج إلى أعمال الفكر، وإمعان النظر، إذا كان المدعي الجهل من العامة الذين يمكن أن يخفى عليه معرفة ذلك، وينهض ذلك شبهة تدرأ الحد.\rوقد ذكر جانبًا من ذلك الخرش في قوله: \"ومن طلق زوجته قبل","footnotes":"١ يراجع في ذلك، المهذب ج٢ ص٢٦٧-٢٦٨، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥ فتح القدير ج٥ ص٢٥٧، مباني تكملة المنتاج ج١ ص١٦٧، ١٦٨ المحلى ج١٣ ص١١٨-١١٩، المغني ج٨ ص١٨٥، ج الجرش ج٨ ص٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234209,"book_id":3632,"shamela_page_id":485,"part":null,"page_num":502,"sequence_num":485,"body":"أن يبني بها طلقه أو طلقتين، ثم وطئها من غير عقد فإنه يحد، إلا أن يعذر بجهل\"١.\rكما يقول ابن قدامة: \"وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله؛ لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة؛ ولأن مثل هذا يجهل كثيرًا، ويخفى على غير أهل العلم\"٢.\rمن هذا كله يبين أن الجهل بالحكم الشرعي، فيما عده الفقهاء جهلًا يعتد به. يترتب عليه درء العقوبة الحدية، لانتفاء القصد الجنائي لدى الفاعل.","footnotes":"١ الخرش ج٨ ص٧٧.\r٢ المغني ج٨ ص١٨٥، وباقي المراجع السابقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234210,"book_id":3632,"shamela_page_id":486,"part":null,"page_num":502,"sequence_num":486,"body":"ثانيًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة جهل الفاعل، بمن وقع عليه الفعل وشاركه فيه\rأي أن الفاعل هنا يعلم الحكم الشرعي للوطء المحرم، غير أنه أتى فعله هذا، وهو يعتقد أن المحل الذي واقعه محل مباح له مواقعته، معتمدًا في ذلك الاعتقاد على الوقائع الجوهرية المصاحبة للفعل، والسابقة عليه.\rويتضح ذلك فيما يأتي:\r١-رجل واقع امرأة زفت إليه على أساس أنها زوجته، ثم اتضح له بعد مواقعتها أنها ليست هي التي عقد عليها، فلا حد عليه ما دام قد واقعها معتقدًا حلها له مع وجود ما يبرر هذا الاعتقاد، ويقويه، ولا حد عليها إن كانت تعتقد أنه زوجها.\rفإن كان أحدهما يعمل حقيقة صاحبه، وأنه ليس هناك ما يبيح الحل، وجب الحد على من علم ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234211,"book_id":3632,"shamela_page_id":487,"part":null,"page_num":503,"sequence_num":487,"body":"أما من لم يعلم فلا حد عليه، يقول ابن الهمام مبينا ذلك: \"ومن زفت أي بعثت إليه غير امرأته، وقال النساء: هي زوجتك، فوطئها لا حد عليه وعليه المهر: قضى بذلك علي ﵁ وبالعدة؛ ولأنه اعتمد دليلًا، وهو الإخبار في موضع الاشتباه، لذ الإنسان لا يميز بين امرأته، وبين غيرها في أول الوهلة، وهذه إجماعية لا يعلم فيها خلاف\"١.\r٢- رجل وجد امرأة في فراشه، فظنها زوجته، لتماثل أوصافهما من حيث الصغر أو الكبر وما إلى ذلك، فلا حد عليه عند الجمهور اعتمادًا على وجودها في فراشه الذي هو قرينة الزوجية، مع وجود هذا التماثل في الأوصاف بينهما، وعدم علمه أن أحدًا في منزله غير زوجته، ولم يبد له منها ما يعرف به حقيقتها، فوجود هذا الظن المبني على الملابسات القوية، والقرائن المصاحبة قد نتج عنه انتفاء القصد الجنائي لدى الفاعل.\rيقول ابن قدامة عند حديثه، عما ينتفي به القصد الجنائي، ولا يجب به حد: \"أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته، أو جاريته فوطئها، أو دعا زوجته أو جاريته، فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك لعماه، فلا حد عليه، \"ويعلق ابن قدامة على ذلك بقوله\": ولنا أنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه، فأشبه ولو قيل له: هذه زوجتك؛ ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذه من أعظمها\"٢.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٥٨، المبسوط ج٩ ص٥٧-٥٨، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، الخرش ج٥ ص٧٥، المغني ج٨٥ ص١٨٤، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٦٧-١٦٩، أحكام الأسرة في الاستلام ص١٣٦.\r٢ المغني ج٨ ص١٨٤، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، المهذب ج٢ ص٢٦٨، الخرش ج٨ ص٧٥. المحلى ج١٣ ص٢١٦-٢١٨، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234212,"book_id":3632,"shamela_page_id":488,"part":null,"page_num":504,"sequence_num":488,"body":"وذهب جمهور فقهاء الأحناف إلى أن من وجد امرأة في فراشه، فوطئها فعليه الحد، وبين ابن الهمام رأي جمهور فقهاء الأحناف بقوله: \"ولنا أن المسقط شبهة الحل، ولا شبهة هنا أصلًا سوى أن وجدها على فراشه، ومجرد وجود امرأة على فراشه لا يكون دليل الحل ليستند الظن إليه، وهذا؛ لأنه قد ينام على الفراش غير الزوجة من حبائبها الزائرات له، وقرباتها، فلم يستند الظن إلى ما يصلح دليل حل\".\rولم يستثن فقهاء الأحناف من وجوب الحد في ذلك إلا حالة واحدة، وهي ما إذا دعي الأعمى زوجته، فإجابته امرأة أجنبية، وقالت: أنا زوجتك فواقعها، فلا حد عليه؛ لأن الإخبار دليل، وجاز تشابه النغمة خصوصًا لو لم تطل الصحبة، وذهب الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى القول بدرء الحد، وإن أتته ساكته١، وما أرجحه في ذلك هو أن القاضي إذا اقتنع بأن الفاعل أشكل عليه الأمر، واعتقد أن من واقعها هي زوجته، لتوافقهما في الصوت والأوصاف. وقيام القرائن الدالة، فإنه لا حد لقيام الشبهة التي ينتفي معها القصد الجنائي.\rأما إن كان ذلك من باب التذرع بالحيل، وادعاء الشبهة فالحد واجب إذا العبرة بقوة الشبهة المدركة، لا مجرد وجودها، وفقهاء الجمهور، وإن أسقطوا الحد، فمنهم لم يسقطوه لمجرد أنه وجدها في فراشه، وإنما لما صاحب ذلك من توافق، وقرائن قوية، وصلت به إلى اعتقاد أنها زوجته.\rفلا خلاف إذا بينهم، وبين ما ذهب إليه جمهور فقهاء الأحناف الذين لم يسقطوا الحد لمجرد أنه وجدها في فراشه، وأسقطوه إذا اعتقد ذلك بناء على القرائن، وقصر الصحبة.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٥٨-٢٥٩، المبسوط ج٩ ص٥٧-٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234213,"book_id":3632,"shamela_page_id":489,"part":null,"page_num":505,"sequence_num":489,"body":"ثالثا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية نظرا لانتقاء القصد الجنائي نتيجة اكراه الفاعل\r...\rثالثًا: الوطء الذي لا تجب به العقوبة الحدية، نظرًا لانتفاء القصد الجنائي نتيجة إكراه الفاعل\rسبق الحديث عن الإكراه، ووضح منه أن الذي يعتد به في إسقاط العقوبة الحدية هو الإكراه النام، أو الملجئ١، فالوطء الذي يقع تحت وطأة هذا النوع من الإكراه للفقهاء آراء في إيجاب الحدية، بالنسبة للرجل المكره -بفتح الراء- أما بالنسبة للمرأة، فقد اتفق الفقهاء على إسقاط الحد عنها إذا أكرهت على ذلك.\rوتنحصر آراء الفقهاء بالنسبة لمن أكره على فعل الزنا، فيما يأتي:\r١- يرى جمهور الفقهاء أنه لا حد على من أكره على فعل الزنا؛ لأن المكره لا إرادة له، ولذا فقد رفع عنه القلم، لقول الرسول ﷺ: \"عفي لأمتى عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه\"، وراه البيهقي٢.\rواشترط الإمام أبو حنيفة أن يكون الإكراه على إتيان فعل الزنا من الحاكم لآاك لا يمكنه الاستعانة بمن يخلصه، ولا قدرة له على محاربة الحاكم، ولذا فإنه ينتفى قصده الجنائي، ويعدم رضاه واختياره، أما أن أكرهه شخص آخر غير الحاكم، فإن أبا حنيفة يرى أن مثل هذا الإكراه لا ينهض شبهة، وعليه فإن وقع منه فعل الزنا لزمه الحد.\rإذا إن المكره -بفتح الراء يمكنه الاستعانة بالحاكم، أو بغيره ليحميه","footnotes":"١ المبحث الثاني من الفصل الثاني من الباب الأول.\r٢ الخرش ج٨ ص٨٠، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٨، المهذب ج٢ ص٢٦٨. مغني المحتاج ج٤ ص١٤٥، المغني ج٨ ص١٨٧. المحلى ج٩ ص٢٦٠، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٧٠، السنن الكبرى للبيهقي ج٧ ص٣٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234214,"book_id":3632,"shamela_page_id":490,"part":null,"page_num":506,"sequence_num":490,"body":"ويخلصه ممن تسلط عليه، بين ذلك ابن الهمام بقوله: \"ومن أكرهه السلطان حتى زنى، فلا حد عليه ... فإن أكرهه غير السلطان حد عنه أبي حنيفة، لعدم تحقق الإكراه من غيره\"١، وذهب الصاحبان إلى القول بعدم إيجاب الحد على المكره مطلقًا، سواء أكرهه السلطان، أو غيره ممن له سطوة، وقوة وخاف المكره التلف على نفسه.\rوذكر السرخسي أن الاختلاف بين رأي الإمام، والصاحبين اختلاف عصر، فالسلطان كان مطاعًا في زمن أبي حنيفة، ولم ير لغيره السلطان من القوة ما يقوي به على الإكراه: فقال -الإمام: لا يتحقق الإكراه إلا من السلطان، ثم في عصرهما قد ظهرت القوة لكل متغلب، فقالا: يتحقق الإكراه من غير السلطان، وجه قولهما أن المعتبر خوف التلف على نفسه، وذلك يتحقق إذا كان المكره قدرًا على إيقاع ما هدد به، سلطانا كان أو غيره، بل خوف التلف هنا أظهر؛ لأن المتغلب يكون مستعجلًا لما قصده لخوفه من العزل بقوة السلطان، والسلطان ذو أناة بما يفعله، فإذا تحقق الإكراه من السلطان بالتهديد، فمن المتغلب أولى\"٢، وعلى هذا فالخلاف بين الإمام، وصاحبه مرجعه اختلاف العصر، والزمان، وليس الحجة والبرهان.\r٢- ذهب فقهاء الحنابلة إلى أن الرجل إذا أكره، فزنى لزمه الحد، ووافقهم في هذا بن الحسن وأبو ثور وزفر، ومبنى ذلك عندهم أن الوطء لا يكون إلا بالانتشار، والإكراه ينافيه، فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه، فيلزمه الحد، كما أكره على غير الزنا، فزنى٣.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٧٣، المبسوط ج٩ ص٥٩.\r٢ المبسوط ج٩ ص٥٩، فتح القدير ج٥ ص٣٧٣.\r٣ المغني ج٨ ص١٨٧، المبسوط ج٩ ص٥٩، فتح القدير ج٥ ص٢٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234215,"book_id":3632,"shamela_page_id":491,"part":null,"page_num":507,"sequence_num":491,"body":"ولا وجهة لهؤلاء فيما استدلوا به، إذ إن الانتشار قد يكون طبعًا لا طواعية بدليل ما قد يحدث للنائم من غير قصد ولا رغبة، وقد بين ذلك ابن حزم عند حديثه عن الإكراه على الزنى، بقوله: \"لو أمسكن امرأة حتى زنى بها، أو أمسك رجل، فأدخل إحليله في فرج امرأة، فلا شيء عليه، ولا عليها، سواء انتشر أو لم ينتشر أمنى أو لم يمن، أنزلت هي أو لم تنزل؛ لأنهما لم يفعلا شيئًا أصلًا.\rوالانتشار والإمناء فعل الطبيعة، الذي خلقه الله تعالى في المرء، أحب أم أكره، لا اختيار له في ذلك١.\rوالذي أرجحه أن من أكره على الزنا إكراها يخشى منه التلف، ولم يجد بدا من الزنا، فلا حد عليه لانتفاء قصده، الجنائي سواء أكرهه السلطان، أو غيره ممن يستطيع تنفيذ ما أكرهه به، وما استدل به من أن الانتشار دليل الطواعية التي ينتفي معها الإكراه، قد وضح خلافه، وثبت أن الانشار قد يكون طبعًا من غير قصد.\rهذه هي الحالات التي ينتفي القصد الجنائي لدى الفاعل فيها، وآراء فقهاء الشريعة في درء الحد عن الفاعل.\rوما ذكر من آراء تفضي بعدم إيجاب العقوبة الجنائية على الفاعل هنا، قد شملت ما ذهب إليه فقهاء القانون، الذين سبق عرض آرائهم عند الحديث عن الشبهت التي تعتري القصد الجنائي.\rوقد ذكر جانبًا من ذلك الأستاذ الدكتور، محمود مصطفى عند حديثه عن القصد الجنائي في جريمة الزنا، فقال:","footnotes":"١ المحلى ج٩ ص٢٧٠، ويراجع في هذا المدخل للفقه الإسلامي أ. د: سلام مدكور ص٨٢٧، نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء ص٣٩٠-٣٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234216,"book_id":3632,"shamela_page_id":492,"part":null,"page_num":508,"sequence_num":492,"body":"\"يتوافر القصد الجنائي لدى الزوجة، التي ارتكبت الفعل عن إرادة، وعن علم بأنها متزوجة، وأنها تواصل شخصًا غير زوجها، فلا تقوم الجريمة لانعدام القصد إذا ثبت أن الوطء قد حصل على غير رضاء الزوجة، نتيجة لقوة أو تهديد، أو أي سبب من الأسباب المعدمة للرضاء، فإذا تسلل رجل إلى مخدع امرأة، فسلمت له ظنا منها أنه زوجها، فإن المواقعة تكون قد حصلت مباغتة على غير رضاها، فلا ترتكب الزنا، ويرتكب الفاعل جناية الاغتصاب، كذلك ينتفي القصد إذا كانت الزوجة وقت الفعل تجهل أنها مقيدة بعقد زواج، كما لو اعتقدت أنها مطلقة، أو أن زوجها الغائب قد مات\"١.\rهذا ما ذهب إليه فقهاء القانون، وهم وإن ذكروه بالنسبة للمرأة، فذلك؛ لأنهم يرون أن جريمة الزنا لا تقوم بالنسبة للرجل، إلا إذا كان مترزجًا، ووقعت الجريمة في منزل الزوجية، أما هي فلم يشترطوا بالنسبة لها أن تكون الجريمة قد وقعت في منزل الزوجية، وإنما تقوم الجريمة بالنسبة لها لذا وقعت منها في أي مكان ما دامت متزوجة.\rوما ينطبق عليها بالنسبة لانتفاء القصد الجنائي ينطبق على الرجل أيضًا.","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات القسم الخاص ص٣٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234217,"book_id":3632,"shamela_page_id":493,"part":null,"page_num":509,"sequence_num":493,"body":"المبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة في إثباته\rأولا: إذا كان إثباتها عن طريق الإقرار\r...\rالمبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا تجب به العقوبة الحدية لقيام شبهة في إثباته\rسبق عند الحديث عن الإثبات أن الشريعة الإسلامية، قد حددت طرقًا معينة لإثبات الجنايات الحدية.\rوتقدم ذكر ما يشترط في أدلة الإثبات بصفة تشمل إثبات جميع الجرائم الحدية.\rوبالإضافة إلى ما سبق، فإنه يشترط لإثبات جريمة الزنا، وإلزام الحد ما يأتي:\rأولًا: إذا كان إثباتها عن طريق الإقرار\rأذهب بعض الفقهاء إلى اشتراط أن يتعدد الإقرار بعدد ما يثبت به جريمة الزنا من شهود، وأن يكون كل إقرار في مجلس غير ما سبقه من إقرارات، أي أن يتعدد المجلس بتعدد الإقرار.\rوذهب البعض إلى اشتراط تعدد الإقرارات، ولو في مجلس واحد، وقال فريق من الفقهاء: تثبت جريمة الزنا بإقرار واحد، ولكل حجة ودليل.\rفقد ذهب فقهاء الحنابلة، والأحناف، وجمهور فقهاء الشيعة إلى اشتراط أن يكون الإقرار الذي تثبت به جريمة الزنا، أربع مرات، فلا يكفي الإقرار مرة واحدة لإثباتها، ووجوب الحد، واستدلوا لذلك بأدلة، منها ما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه: \"من أن رجلًا من المسلمين أتى رسول الله ﷺ، وهو في المسجد، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234218,"book_id":3632,"shamela_page_id":494,"part":null,"page_num":510,"sequence_num":494,"body":"فأعرض عنه حتى في ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ، فقال: \"أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال: رسول الله ﷺ: ارجموه\" ١.\rوقال أصحاب هذا الاتجاه: فلو كان الحد يلزم بالإقرار مرة واحدة لم يعرض عنه رسول الله ﷺ؛ لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى٢.\rكما ثبت من روايات أخرى أن رسول الله ﷺ قد قال: \"إنك قد قلتها أربع مرات فبمن؟ قال: بفلانة\"، وهذا تعليل منه يدل على أن الإقرارات الأربع هي الموجبة.\rكما أن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه، قال لمن جاء مقرًا بالزنا عند النبي ﷺ: إن أقررت أربعًا رجمك رسول الله ﷺ.\rوهذا يدل من وجهين:\rأحدهما، أن النبي ﷺ أقره عن هذا ولم ينكره، فكان بمنزلة قوله: \"لأنه لا يقر على الخطأ\".\rالثاني: أنه قد علم هذا من حكم النبي ﷺ، لولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه٣.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص١٠٦.\r٢ المغني ج٨ ص١٩٢.\r٣ يراجع في ذلك المغني ج٨ ص١٩٢، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٧٣-١٧٥، فتح القدير ج٥ ص٢١٨-٢١٩، نيل الأوطار ج٧ ص١٠٦-١١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234219,"book_id":3632,"shamela_page_id":495,"part":null,"page_num":511,"sequence_num":495,"body":"وزاد الإمام أبو حنيفة على ذلك اشتراط أن تكون أربعة إقرارات في أربعة مجالس متفرقة، بالنسبة للمقر نفسه، ويجوز أن كون القاضي الذي يحكم الواقعة في مكان واحد، ويحتسب مجيء المقر، وذهابه مرة.\rورأى أن ما يدل على ذلك هو ما سبق أن ذكره ابن قدامة، وأظهر منه في إفادة أن الإقرارات في مجالس ما في الصحيح، مما رواه الإمام مسلم، أن ماعزًا أتى النبي ﷺ فرده، ثم أتاه الثانية من الغد، فرده ثم أرسل إلى قومه، فسألهم: \"هل تعلمون بعقله بأسًا\"؟ فقالوا: ما نعلمه، إلا وفي العقل من صالحينا، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضًا فسألهم: \"فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، فرجمه\" ١.\rوذهب الشافعية والمالكية، وبعض فقهاء الشيعة إلى أن الزنا يثبت بالإقرار الواحد، واستدلوا لذلك بما روي من قول الرسول ﷺ: \"أغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها\"، فالرسول ﷺ لم يطلب من أنيس إلا الذهاب إلى المرأة وسؤالها، فإن أقرت رجمها، ولم يقيد الرسول ﷺ الإقرار بأن يكون أربع مرات.\rوما ذكر من أن النبي ﷺ قد راجع ماعزًا، حتى كرر إقراره أربع مرات، فإن ذلك راجع إلى أن النبي ﷺ قد شك في عقله، وإذا فقد سأله: \"أبك جنون\"؟، وسأل أهله، وذويه من عقله أيضًا.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢١٩-٢٢٠، نيل الأوطار ج٧ ص١٠٦-١١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234220,"book_id":3632,"shamela_page_id":496,"part":null,"page_num":512,"sequence_num":496,"body":"واستدلوا أيضًا بما أخرجه مسلم، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت: \"أنه ﷺ رجم امرأة من جهينة، ولم تقر إلا مرة واحدة\".\rومثل هذا كثير: \"مما ذكره الشوكاني من المأثور عن الرسول ﷺ، وأصحابه الأجلاء\".\rوأما استدلال القائلين بأن يكون الإقرار أربع مرات قياسًا على شهادة الزنا؛ لأنها لا يعتبر فيها إلا أربعة شهود، استدلال لا تقوم به حجة؛ لأنه يلزم منه أن يعتر في الإقرار بالأموال، والحقوق أن يكون مرتين؛ لأن الشهادة في ذلك لا بد وأن تكون من رجلين، ولا يكفي فيها الرجل الواحد، واللازم باطل بإجماع المسلمين، فالملزوم مثله\"١.\rكما أن الشهادة إذا ثبتت بها الجريمة لم يعد في مقدور المشهود عليه دفع العقوبة عن نفسه بفعل، أو قول لا يرجع فيه إلى الشهود، أما في الإقرار، فإنه باستطاعة المقر أن يدفع الحد عن نفسه بالرجوع عن إقراره، ولو كان في أثناء تنفيذ الحد عليه.\rوما ذهب إليه الأحناف والحنابلة، ومن وافقهم ما هو إلا من باب الاحتياط في الإثبات، أو قياسًا منهم للإقرار على الشهادة، وإعمالًا منهم لمبدأ الحد بالشبهة، أن من جاء طالبًا تطهير نفسه لن يثنيه عن ذلك مراجعة، وتعدد إقرار، ومن حاول تبرئة نفسه لن يعجزه ادعاء.","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٥٠، أسنى المطالب ج٤ ص١٣١، نيل الأوطار ج٧ ص١٠٦-١١١، الخرشي ج٨ ص٨٠، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣١٨، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٧٥، ويراجع المغني ج٨ ص١٩١-١٩٣، فتح القدير ج٥ ص٢١٨-٢٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234221,"book_id":3632,"shamela_page_id":497,"part":null,"page_num":513,"sequence_num":497,"body":"ب- أن يبدأ القاضي برجم الزاني المحصن:\rإذا أقر من يعتد بإقراره عند القاضي بارتكابه جريمة الزنا الحدية، وكان محصنًا لزمه بإقراره هذا حد الرجم بما سبق من شروط، وقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى اشتراط أن يبدأ القاضي برجم المقر، واعتبر الإمام أبو حنيفة بدء القاضي بالرجم أمرًا واجبًا ولازمًا، فإن امتنع القاضي من أن يبدأ برجم المقر ترتب على امتناعه شبهة يندرئ الحد عن المقر بسببها؛ لأن امتناع القاضي قد يستشف منه رجوعه، عما قضى به على الجاني، لجواز أنه قصر في أمر القضاء، أو تساهل في بعض شروط القضاء بحد الرجم هذا.\rوأورد ابن الهمام ما روي في ذلك، عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- من أنه قال: \"فإذا كان وجوب الحد -بإقرار- بدأ هو -أي الحاكم، أو القاضي، فرجم ثم رجم الناس بعده\".\rكما روي قول الإمام علي -رضي الله تعالى عنه: \"أيها اناس إن الزنا زناءان، زنا السر، وزنا العلانية، فزنا السر أن شهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، ثم الإمام، ثم الناس، وزنا العلانية، أن يظهر الحبل، أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي\".\rثم يذكر ابن الهمام ما روي من أن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه، كان أول من رمى سراحة بحجر، ورماها الناس.\rثم يقول ابن الهمام: \"وإن يبتدئ هو -أي القاضي بالرجم- في الإقرار لينكشف للناس أنه لم يقصر في أمر القضاء، وبأنه لم يتساهل في بعض شروط القضاء بالحد، فإذا امتنع حينئذ ظهرت أمارة الرجوع، فامتنع الحد، لظهور شبهة تقصيره في القضاء، وهي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234222,"book_id":3632,"shamela_page_id":498,"part":null,"page_num":514,"sequence_num":498,"body":"دارئه\"١، وأجاب فقهاء الأحناف على ما وجه إليهم، من أن الرسول ﷺ لم يبدأ برجم ماعز -أجابوا\" بأن التقصير من الرسول ﷺ في أمر القضاء ومسائله، أمر غير وارد ومنتف تمامًا، وعليه فإن عدم بدئه ﷺ برجم ماعز، لم يقم به شبهة، ولم يترتب عليه درء الحد٢.\rوذهب فقهاء الشافعية، والحنابلة إلى أن بدء القاضي بالرجم في الحد الذي ثبت بإقرار الجاني سنة، وليس بشرط.\rوعليه، فإذا لم يبدأ القاضي بالرجم فيه، فلا يورث ذلك شبهة، ويجب استيفاء الحد، ويقوم به غير القاضي من الناس، فيقول الشربيني الخطيب عند حديثه عن الحد الواجب بالإقرار: \"والسنة أن يبدأ الإمام بالرجم، ثم الناس، إذا ثبت بالإقرار\"٣، ويقول ابن قدامة: \"والسنة أن يدور الناس حول المرجوم، فإن كان الزنا ثبت ببينة، فالسنة أن يبدأ بالرجم، وإن كان ثبت بإقرار، بدأ به الإمام أو الحاكم، إن كان ثبت عنده، ثم يرجم أناس بعده\"٤.\rأما فقهاء المالكية، فإنهم لم يشترطوا قيام الإمام، أو القاضي بالبدء برجم المقر المقر بالزنا، لا على سبيل الوجوب، ولا من قبيل السنة، فقد أورد فقهاء المالكية أنه لم يعرف الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- بدء البينة","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٢٦-٢٢٨، البحر الرائق ج٥ ص٩، المبسوط ج٩ ص٥٠-٥١.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٢٢٨، البحر الرائق ج٥ ص٩-١٠.\r٣ مغني المحتاج ج٢ ص١٥٢.\r٤ المغني ج٨ ص١٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234223,"book_id":3632,"shamela_page_id":499,"part":null,"page_num":515,"sequence_num":499,"body":"بالرجم، ثم من بعدهم الإمام أي الحاكم -ثم الناس عقبيه، والحديث الدال على ذلك، وقد تمسك أبو حنيفة لم يصح عند الإمام\"١.\rوما ذهب إليه فقهاء المالكية هو ما أرجحه؛ لأن احتمال تقصير الإمام في القضاء الذي تعلق به فقهاء الأحناف، أمر مشكوك فيه، ولا يترتب عليه إلزام المقر بشيء إذا رجع المقر عن إقراره، أما إذا لم يرجع المقر، فلن يغير من إلزامه الحد شيء قصر القاضي، أو لم يقصر.\rكما أن ذلك لو كان واجبًا لما تخلف عنه الرسول ﷺ، إذ لم يرد أن الرسول ﷺ حرص على ذلك في كل ما قضى به.\rوأما رجمه لبعض من أقر فمن باب التعليم، ولبيان أن الرحمة الحقيقية في التزام ما شرع الله، وتنفيذه حتى ولو كان الرجم، وما روي عن الإمام علي ﵁، فقد يكون من باب الاجتهاد، ولتحري الحق وزجر الجناة، وإعلاء حدود الله.","footnotes":"١ الشرح الكبير، للدرديري بهامش حاشية الدسوقي، ج٤ ص٣٢٠ الخرشي ج٨ ص٨٢، المدونة ج١٦ ص٤١، وذكر محمد بن يوسف الشهير بالملوق عن مالك قوله: منذ أقامت الأئمة الحدود، فلم نعلم أحدًا منهم تولى ذلك بنفسه ولا ألزم ذلك البينة، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ج٦ ص٢٩٥ \"ط أولى مطبعة السعادة\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234224,"book_id":3632,"shamela_page_id":500,"part":null,"page_num":516,"sequence_num":500,"body":"ثانيًا: إذا كان إثبات جريمة الزنا عن طريق شهادة الشهود\rإذا كان إثبات جريمة الزنا عن طريق شهادة الشهود، فإن الفقهاء يرون أنه لا بد من توافر الشروط الآتية:\rأ- أن يكون الشهود الذي يعتد بشهادتهم أربعة، وهذا مستفاد مما جاء به قوله الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ١.\rفإن نقص الشهود عن أربعة لم يجب الحد بشهادتهم، ووجب عليهم هم حد القذف طبقًا لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢، وإن كان ابن حزم لا يرى أن شهادة الثلاثة تعد قذفًا؛ لأن حد القذف على الرامي لا على الشاهد٣، وعند الجمهور تعد قذفًا؛ لأنه أولًا ذلك لانفتح باب اتهام الناس بهذه الجناية بالباطل من باب الكيد لهم، والتنكيل بهم٤.","footnotes":"١ من الآية ١٥ من سورة النساء.\r٢ الآية ٤ من سورة النور.\r٣ المحلى ج١٣ ص٢٣٩-٢٤١.\r٤ يقول الإمام القشيري: \"إن الله بالغ في عدد الشهود، وألا تقبل تلك الشهادة، إلا بالتفرغ التام لئلا يستبيحوا أعراض المسلمين.\rلطائف الإرشادات ج٤ ص٢٢٦-٢٦٧ \"ط دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة سنة ١٩٦٥م\".\rويقول السرخسي: \"والزنا مختص من بين سائر الحقوق في أنه لا يثبت إلا بشهادة أربعة، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، وقد تكلف بعضهم فيه معنى، وهو: أن الزنا لا يتم إلا باثنين، وفعل كل واحد لا يثبت إلا بشهادة شاهدين، ولكن هذا ضعيف، فإن شهادة شاهدين كما يثبت فعل الواحد يثبت فعل الاثنين، ولكن نقول أن الله تعالى يحب الستر على عباده، وإلى ذلك ندب، وزم من أحب أن تشيع\rالفاحشة، فلتحقيق معنى الستر شرط زيادة العدد في الشهود على الفاحشة، وإليه أشار رسول الله ﷺ في قولهه لهلال بن أمية: \"أئت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك، وإلا فحد في ظهرك\"، وإليه أشار عمر ﵁ حين شهد عنده =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234225,"book_id":3632,"shamela_page_id":501,"part":null,"page_num":517,"sequence_num":501,"body":"ولهذا، فلو لم يشهد بواقعة الزنا أربعة شهود، أو جاءت شهادتهم غير متفقة في شيء، مما لزم بيانه لندرأ الحد عن المدعى عليه، لقيام شبهة في إثبات الجريمة.","footnotes":"= أبو بكرة وشبل بن معبد، ونافع بن الأزرق على المغيرة بن شعبة ﵁ بالزنا، فقال لزياد وهو الرابع: بم تشهد فقال: أنا رأيت أقدامًا بادية، وأنفاسًا عالية وأمرًا منكرًا، وفي رواية قال: رأيتهما تحت لحاف واحد. ينخفضان، ويرتفعان، ويضطربان اضطراب الخيزران، وفي رواية رأيت رجلًا أقعى وامرأة صرعى، ورجلين مخضوبتين، وإنسانا يذهب ويجيء ولم أر ما سوى ذلك، فقال: الله أكبر الحمد لله الذي لم يفضح واحدًا، من أصحاب رسول الله ﷺ، ففي هذا بيان اشتراط الأربعة لإبقاء ستر العفة.\rالمبسوط ج٩ ص٣٧-٣٨، فتح القدير ج٥ ص٢٨٩. ويقول الخرشي: \"فإن قلت: لم اختصت شهادة الزنا بالأربعة؟ قبل لقصد الستر، ودفع العار للزاني والمزني بها وأهلها، ولهذا لم يلحقه في ذلك القتل، اكتفي باثنين، وإن كان أعظم من الزنا، الخرشي ج٧ ص١٩٨، حاشية الدسوقي ج٤ ص١٨٥. ويقول الشيرازي: \"وإن شهد ثلاثة بالزنا ففيه قولان: أحدهما: أنهم قذفه ويحدون، وهو أشهر القولين؛ لأن عمر -رضي الله تعالى عنه- جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة، وروى ابن الوصي أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا، \"وقال الرابع: رأيتهما في ثوب واحد، فإن كان هذا زنا، فهو ذلك، فجلد علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- الثلاثة، وعزر الرجل والمرأة المهذب ج٢ ص٣٣٢، مغني المحتاج ج٤ ص١٤٩، ٤٤١ ويراجع في كل ما سبق أيضًا.\rالمحلى ج١٠ ص٥٦٦ وما بعدها، ج١٣ ص٢٣٨ وما بعدها، نيل الأوطار ج٧ ص١٠٩، المغني ج٨ ص٢٠٢، ج٩ ص١٤٧ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١١٨، المختصر النافع للحلي ص٢٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234226,"book_id":3632,"shamela_page_id":502,"part":null,"page_num":518,"sequence_num":502,"body":"وسقوط الحد لا يعني إسقاط جنس العقوبة، بل قد يسقط الحد، ويلزم الجاني بعقوبة من العقوبات التعزيرية.\rوالأمر في ذلك متروك للقاضي الذي يحكم الواقعة، ويقتضي فيها بما يحقق العدل والإصلاح.\rب- تأدية الشهادة في مجلس واحد:\rذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط أن يجيء الشهود الأربعة، الذين يشهدون بجريمة\rالزنا، في مجلس واحد يؤدون فيه شهادتهم، فإن لم يأت الأربعة في مجلس قضائي واحد، لم يعتد بشهادتهم في إثبات جريمة الزنا.\rواعتبر عدم اكتمال: صاب الشهادة في مجلس واحدة شبهة يندرئ بها الحد عن المدعى عليه.\rوقد بين ذلك ابن قدامة بعد أن ذكر آراء الفقهاء١، واستدل بما كان من ابن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- مع من شهدوا على المغيرة بن شيعة٢، فلو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحد الثلاثة لجواز","footnotes":"١ قال ابن قدامة: والشرط السابع: مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد، ذكره الخرقي، فقال: وإن جاء أربعة متفرقين، والحاكم جالس في مجالس حكمه لم يقم قبل شهادتهم، وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قذفة، وعليهم الحد. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي والبتني، وابن المنذر لا يشترط ذلك لقول الله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، ولم يذكر المجلس؛ ولأن كل شهادة مقبولة إن اتفقت تقبل إذا افترقت في مجلس كسائر الشهادات، المغني ج٨ ص٢٠٠.\r٢ المغيرة بن شعبة الثقفي، كان من قادة العرب البارزين، ومن دهاتهم المشهود لهم، صحابي جليل ولد سنة ٢٠ قبل الهجرة بمدينة الطائف، وفد على المقوقس بالأسكندرية، أسلم وحضر الحديبية واليمامة، وولاه عمر البصرة ت سنة ٥٠هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234227,"book_id":3632,"shamela_page_id":503,"part":null,"page_num":519,"sequence_num":503,"body":"أن يكتملوا برابع في مجلس آخر؛ ولأنه لو شهد ثلاثة، فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته، ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم، وبهذا فارق سائر الشهادات١.\rواشتراط الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك زيادة على ما ذهب إليه الجمهور أن يجيء الشهود الأربعة مجتمعين، فلو جاء كل واحد منهم بمفرده أو أكثر ولم يكتمل الأربعة مجتمعين، لا تقبل شهادتهم في إثبات الحد في المشهود عليه٢.\rورجح ابن قدامة قبول شهادتهم، لو جاءوا متفرقين ما داموا قد أدوا الشهادة في مجلس واحد، مستدلًا بما كان من قصة المغيرة، فقال: \"ولنا قصة المغيرة، فإن الشهود جاءوا واحد بعد واحد، وسمعت شهادتهم، وإنما حدوا لعدم كمالها؛ ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه\"٣.\rوذهب الإمام الشافعي، والبتي٤ وابن المنذر٥ وابن حزم،","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٠١، المبسوط ج٩ ص٣٨، ٦٥، حاشية الدسوقي ج٤ ص١٨٥، مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٨٤، ١٨٧.\r٢ المبسوط ج٩ ص٣٨، ٦٥، حاشية الدسوقي ج٤ ص١٨٥، المغني ج٨ ص٢٠٠.\r٣ المغني ج٨ ص٢٠١.\r٤ البتي نسبة إلى البت موضع بضواحي البصرة، منه عثمان البتي الذي روى عن أنس، وعن الحسن البصري، ومنه أبو الحسن أحمد بن الكاتب البتي، راوي الحديث سنة ٤٠٥هـ.\r٥ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، كان فقيها، عالمًا صنف في اختلاف العلماء كتبًا لم يصنف مثلها سنة ٣٠٩، أو سنة ٣١٠، وافيات الأعيان ج٣ ص٣٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234228,"book_id":3632,"shamela_page_id":504,"part":null,"page_num":520,"sequence_num":504,"body":"إلى أنه لا يشترط اتحاد المجلس الذي تؤدي فيه الشهادة للأربعة شهود؛ لأن الله ﷾ لم يذكر ما يدل على ذلك، وعلى هذا فلا حاجة لاشتراطه١.\rوما استدل به هؤلاء من أن الله ﷾، لم يذكر ما يدل على اشتراط ذلك، فيما جاءت به الآيتان الكريمتان مردود بأن الآيتين الكريمتين لم يتعرضا للشروط، ولذا لم يذكرا العدالة ولا صفة الزنا؛ ولأن مجيء الشهود لا يخلو من أن يكون مطلقًا في الزمان كله، أو مقيدًا، لا يجوز أن يكون مطلقًا؛ لأنه يمنع من جواز جلدهم؛ لأنه ما من زمن إلا يجوز أن يأتي فيه بأربعة شهداء، أو بكمالهم، إن كان قد شهد بعضهم، فيمتنع حدهم المأمور به، فيكون تناقضًا، وإذا ثبت أنه مقيد، فأولى ما يفيد بالمجلس؛ لأن لمجلس كله بمنزلة الحال الواحد٢.\rولذا قال ابن حزم بعدم جواز جلدهم إذا لم يرد ذلك، وعليه فلا مانع من الانتظار عنده، فإنه لا يجوز أن يحتاج بأن الآيتين الكريمتين لم تشترطا ذلك الذي ذهب إليه الجمهور من حضور الشهود مجتمعين؛ لأن الآيتين لم تشترطا غيره، وإنما جاء ذلك وغيره مما اشترط في الشهادة من شروط، أوردها الصحابة الأجلاء، واستدل الفقهاء على اشتراطهم، ومنهم ابن حزم٣.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٢٤٠-٢٤١، المغني ج٨ ص٢٠٠، يراجع مغني المحتاج ج٤ ص١٤٩.\r٢ المغني ج٨ ص٢٠١.\r٣ المحلى ج١٠ ص٥٦٤-٦١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234229,"book_id":3632,"shamela_page_id":505,"part":null,"page_num":521,"sequence_num":505,"body":"ج- أن يعين الشهود شريك المشهود عليه بالزنا:\rذهب جمهور الفقهاء إلى أن من شهدوا على إنسان بارتكابه جريمة الزنا، يلزم أن يذكروا من شاركه جريمته هذه، فإن كان المشهود عليه رجلًا، فلا بد من أن يحددوا المرأة التي شاركته جنايته تحديدًا لا يحتمل أدنى لبس، ولا يبقى أي احتمال لقيام علاقة بينهما تبيح له أن يأتي منها ما يأتيه الرجل من زوجته، وأن كانت المشهود عليها امرأة، لزم أن يحدد الشهود من شاركها جريمتها، تحديدًا دقيقًا لا تبقى معه أدنى شبهة، لجواز أن يكون الشهود قد رأوا رجلًا يأتي زوجته، وهم لا يعرفون ما بينهما من علاقة الزوجية مثلًا.\rوعلى هذا، فلو لم يعين الشهود شريك المشهود عليه في جريمة الزنا، نتج عن ذلك شبهة تدرأ العقوبة الحدية عن المشهود عليه.\rيقول الشيرازي مبينًا ذلك، ومن شهد بالزنا ذكر الزاني، ومن زنى به؛ لأنه قد يراه على بهيمة، فيعتقد أن ذلك زنا، والحاكم لا يعتقد أن ذلك زنا، أو يراه على زوجته، أو جاريته ابنه فيظن أنه زنى١، ويقول ابن قدامة: وأما تعيينهم المزني بها، أو الزاني إن كانت الشهادة على امرأة، ومكان الزنا، فذكر القاضي أنه يشترط لئلا تكون المرأة ممن اختلف في إباحتها.. ولهذا سأل ﷺ ماعزا فقال: \"إنك أقررت أربعًا فبمن\"؟.\rوذهب ابن الهمام إلى أكثر من هذا حين قال: \"وإن شهدوا أنه زنى بامرأة لا يعرفونها، لم يحد؛ لأن الظاهر أنها امرأته أو أمته\".","footnotes":"١ المهذب ج٢ ص٣٣٦، يراجع أيضًا المحتاج ج٤ ص١٤٩.\r٢ المغني ج٨ ص٢٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234230,"book_id":3632,"shamela_page_id":506,"part":null,"page_num":522,"sequence_num":506,"body":"فلو قال المشهود عليه: المرأة التي رأيتموها معي ليست زوجتي، ولا أمتي لم يحد أيضًا؛ لأن الشهادة وقعت غير موجبة للحد، وهذا اللفظ منه ليس إقرارًا موجبًا للحد، فلا يحد\"١.\rهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الأحناف، والماليكة، والشافعية والحنابلة والظاهرية٢، وذكر أبو القاسم الموسوي من فقهاء الشيعة أنه لا يشترط ذلك، فلو أختلف الشهود في تعيين الشريك في جريمة الزنا، فإنه لا أثر لذلك في إيجاب الحد على المشهود عليه؛ لأن الشريك غير داخل في شهادتهم أصلًا.\rوقد بين ذلك، فقال: \"أما لو كان اختلافهم -أي الشهود- غير موجب لتعدد الفعل واختلافه، كما إذا شهد بعضهم على أن المرأة المعينة المزني بها من بني تميم مثلًا، وشهد البعض الآخر على أنها من بني أسد مثلًا، أو نحو ذلك من الاختلاف في الخصوصيات، لم يضر بثبوت الزنا بلا إشكال، ثم أورد توضيحًا لذلك بقوله: \"لأن أختلافهم في هذه الخصوصيات لا يضر بثبوت أصل المشهود به، لعدم دخلها فيه أصلًا\"٣، وما ذهب إليه جمهور الفقهاء أولى بالاتباع، وأقوى حجة، لجواز أن يكون الشهود قد توهموا أن من يواقعها الرجل المعروف لهم امرأة أجنبية عنه، بينما هي امرأة تزوجها، وهم لا يعلمون ذلك.\rوما استدل به من قالوا بعدم اشتراط تعين الشريك في إثبات الزنا بالشهادة، قياسًا على عدم اشترطا ذلك في الإثبات بالإقرار، مردود","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٨٤، ويراجع تبيين الحقائق ج٣ ص١٨٩.\r٢ المراجع السابقة، الخرشي ج٧ ص١٩٨-١٩٩، المحلى ج١٣ ص٣٧٨.\r٣ مباني تكملة المنهاج ج١ ص١٨٠-١٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234231,"book_id":3632,"shamela_page_id":507,"part":null,"page_num":523,"sequence_num":507,"body":"بما جاء من الروايات أن الرسول ﷺ، سأل ماعزًا عمن شاركته فعله حتى وقف عليها١.\rكما أن الإنسان لا يقر على نفسه كاذبًا، وحال المقر على نفسه تخالف تماما حال المشهود عليه، الذي يحاول جاهدًا دفع التهمة عن نفسه.\rوعلى هذا، فإن ذكر الشهود، وتعينهم شريك المشهود عليه أمر ضروري تنهض بتركه شبهة، تدرأ الحد عن المشهود عليه.\rوهذا الشبهة إن درأت الحد، فإنها لا تمنع من التعزير إذا رأى القاضي ذلك.\rد- أن يبدأ الشهود برجم الزاني المحصن:\rإذا تم إثبات جريمة الزنا بشهادة الشهود، وكان الزاني محصنًا لزمه الرجم، وقد اشترط فقهاء الأحناف لتنفيذ عقوبة الرجم على الجاني أن يبدأ الشهود برجم الجاني، ثم بعد ذلك يرجمه الحاضرون.\rفإن امتنع الشهود عن البدء برجم الجاني، فإن امتناعهم هذا، وإن لم يكن رجوعًا صريحًا، عن شهادتهم، إلا أنه يورث شبهة تلحق شهادتهم، وينتج عن ذلك درء العقوبة الحدية عن الجاني.\rكما أنه لا يلزم عن ذلك اعتبار الشهود قذفه؛ لأن امتناعهم عن البدء بالرجم ليس رجوعًا صريحًا، عما شهدوا به، وإن كان دليلًا عليه، والحدود لا تلزم بمثل ذلك.\rهذا إذا كان بدء الشهود برجم الجاني أمرً مقدورًا عليه من جهتم، فإن تعذر بدؤهم برجم الجاني، فإما أن يكون سبب ذلك طارئًا.","footnotes":"١ رواه أحمد ومسلم، وأبو داود الترمذي، نيل الأوطار ج٧ ص١٠٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234232,"book_id":3632,"shamela_page_id":508,"part":null,"page_num":524,"sequence_num":508,"body":"بعد أن أدوا شهادتهم، كسفرهم مثلًا، أو أن أحدهم قطعت يده، أو مات بعضهم.\rوإما أن يكون سبب ذلك كان موجودًا عند آدائهم شهادتهم على الجاني، كان أحدهم مقطوع اليدين مثلًا، أو مريضًا مرضًا لا يستطيع معه البدء بالرجم.\rفإن كان تعذر بدئهم برجم الجاني لسبب طارئ بعد آدائهم الشهادة، أوقف تنفيذ الحد على الجاني في رأي أبي حنيفة، حتى وإن أدى ذلك إلى إسقاط الحد، كما لو مات أحد الشهود قبل تنفيذ العقوبة.\rوذهب أبو يوسف إلى أنه إذا تعذر بدء الشهود برجم الجاني لسب، لا تلحقهم به تهمه، كأن غابوا مثلًا، أو مات بعضهم، لزم الجاني الحد، ونفذ فيه، أما إن كان لسبب تلزمه به تهمة درئ الحد عن الجاني، أمال إذا كان سبب تعذر بدئهم برجم الجاني موجودًا عند آدائهم الشهادة، فلا خلاف على إلزام الجاني العقوبة، ويقوم بتنفيذها عليها من يستطيع ذلك، هذا ما ذهب إليه فقهاء الأحناف١.\rوذهب فقهاء الشافعية، والحنابلة إلى أن بدء الشهود برجم الجاني من باب السنة، فإن امتنعوا عن ذلك مع قدرتهم عليه، لم يترتب على امتناعهم شيء بالنسبة لإلزام الجاني، ويقوم القادرون على التنفيذ برجم الجاني٢.","footnotes":"١ يراجع في ذلك فتح القدير ج٥ ص٢٢٦-٢٢٨، البحر الرائق ج٥ ص٩ المبسوط ج٩ ص٥٠-٥١.\r٢ مغني المحتاج ج٤ ص١٥٢، المغني ج٨ ص١٥٩، ١٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234233,"book_id":3632,"shamela_page_id":509,"part":null,"page_num":525,"sequence_num":509,"body":"وذهب فقهاء المالكية إلى أن بدء الشهود برجم الجاني أمر غير لازم، فليس بواجب أو سنة، ولا يترتب على امتناع الشهود عن ذلك شيء، ما داموا لم يرجعوا عن شهادتهم، ويلزم الجاني الحد، وينفذ عليه١.\rوالذي أرجحه من ذلك هو ما ذهب إليه أبو يوسف، من القول باشتراط بدء الشهود برجم الجاني -ما داموا قادرين على ذلك- مع بعض الزيادة على ما ذهب إليه أبو يوسف، وتنحصر في أنهم أن امتنعوا عن رجم الجاني مع قدرتهم عليه، فإن التنفيذ يوقف، ويسألون عن سبب امتناعهم، فإن أبدوا سببًا مقبولًا لا يتطرق معه الشك في شهادتهم، ثم تنفيذ العقوبة على الجاني لجواز أن امتناعهم لرقة في قلوبهم، فإن لم يبدوا سببًا، أو أبدوا سببًا غير مقبول، فإن امتناعهم حينئذ تنهض به شبهة في شهادتهم، يترتب عليه درء الحد عن المشهود عليه.\rأما ما ذهب إليه الإمام مالك عن عدم اشتراط ذلك، فقد يرجع سببه إلى أنه كان من فقهاء المدينة، وعاشر أهلها، وهم -وقت ذلك- ممن لا يشك في ذمتهم، ولا تلحقهم تهم، واختلاف الأزمنة، والأمكنة أمر تختلف معه الطباع.","footnotes":"١ المدونة ج١٦ ص٤١، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل للخطاب ج٦ ص٢٩٥، الخرشي ج٨ ص٨٢، الشرح الكبير بلدردير بهامش حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234234,"book_id":3632,"shamela_page_id":510,"part":null,"page_num":529,"sequence_num":510,"body":"الفصل الثاني: جريمة السرقة\rالمبحث الأول: جريمة السرقة الصغرى\rالمطلب الأول: تعريف السرقة\r...\rالفصل الثاني: جريمة السرقة\rالمبحث الأول: جريمة السرقة الصغرى\rويتناول الحديث عنها مطلبين.\rالمطلب الأول: تعريف السرقة.\rالمطلب الثاني: سرقات أختلف في وجوب الحد بها؛ لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة.\rالمطلب الأول: تعريف السرقة\rالسرقة في اللغة: أخذ الشيء خفية، ومن ذلك استراق السمع في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ١، وسرق منه الشيء أخذه خفية من حرزه، والسارق اسم فاعل، وهو من جاء مستترًا إلى الحرز، فأخذ منه ما ليس له٢.\rوعرفها فقهاء الأحناف: بأنها أخذ مال الغير على سبيل الخفية نصابًا محرزًا للتمول غير متسارع إليه الفساد، ومن غير تأول ولا شبهة٣، وعرفها فقهاء المالكية: بأنها أخذ مال الغير مستترًا من غير أن يؤتمن عليه، أو بأنها: أخذ مكلف، حرًا لا يعقل لصغره، أو مالًا محترمًا لغيره نصابًا أخرجه من حرزه بقصد واحد، خفية لا شبهة له فيه٤.","footnotes":"١ الآية ١٨ من سورة الحجر.\r٢ لسان العرب: المصباح المنير، مختار الصحاح.\r٣ فتح القدير ج٥ ص٣٥٤.\r٤ الخرشي ج٨ ص٩١ بداية المجتهد ج٢ ص٣٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234235,"book_id":3632,"shamela_page_id":511,"part":null,"page_num":530,"sequence_num":511,"body":"وعرفها فقهاء الشافعية: بأنها -أخذ مال خفية من حرز مثله بشرائط١، وعرفها فقهاء الحنابلة: بأنها أخذ مال محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله لا شبهة له فيه على وجه الاختفاء٢.\rويلاحظ أن تعاريف الفقهاء للسرقة متفقة في تحديد معناها، وشروطها التي أن تخلفت، أو تخلف واحد منها لم تعد الواقعة سرقة معاقبًا عليها بالعقوبة الحدية.\rكما يتضح من تعريف فقهاء الأحناف، أنهم أشدط الناس تضييقًا لدائرة السرقة الحدية.\rوإن فقهاء لمالكية قد اعتبروا أخذ الحر الصغير الذي لا يعرف أين يذهب به، سرقة موجبة للحد.\rومما هو واضح في تعاريف الفقهاء للسرقة الحدية، أنهم نصوا على انعدام للشبهة في المال المأخوذ، حتى يمكن اعتبار الفعل جريمة من الجرائم الحدية.\rكما أن اشتراط أن يكون الأخذ خفية، يفرق بين السرقة الصغرى التي هي محل البحث الآن، وبين السرقة الكبرى التي يؤخذ فيها المال على سبيل آخر غير الاستخفاء، وسيأتي الحديث عنها في المبحث التالي.\rكما أن اشتراط أن يكون الأخذ خفية، يفرق أيضًا بين جريمة السرقة عند فقهاء الشريعة، وما يراد بها عند القانونيين.","footnotes":"١ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي ج٧ ص١٨ ط الحلبي.\r٢ الروض المربع بشرح زاد المستقنع للبهوتي ج٢ ص٣٦٩ متن الإقناع مع كشاف القناع للمقدسي ت سنة ٩٦٠هـ ج٦ ص١٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234236,"book_id":3632,"shamela_page_id":512,"part":null,"page_num":531,"sequence_num":512,"body":"إذ إن القانونيين يطلقون السرقة على اختلاس المنقول المملوك للغير، ويدخل ضمن ذلك كله استيلاء على مال الغير من غير رضاه؛ لأن فعل الاختلاس يتوافر إذا قام الجاني بحركة مادية، ينقل بها الشيء إلى حيازته، أيا كانت طريقته في ذلك: بالنزع أو السلب، أو الخطف، أو النقل، وما إليها.\rوكل ما يشترطه القانونيين هو أن يكون الاستيلاء على الشيء، قد تم بفعل الجاني، وليس من الضروري عندهم أن يكون الاستيلاء بيد الفاعل، فيعد سارقًا كل من قرب حيوانًا، واستخدمه في الاستيلاء على شيء، ونقله إلى مدربه ويكفي لكي يعد الشخص سارقًا أن يهيئ أسباب انتقال الحيازة إليه، كمن يحول مجرى مياه الغير إلى أرضه، حتى تنحدر إليها عند وردها١، وكل ما عده القانونيون لا يخرج عن مفهوم السرقة المعاقب عليها، عند فقهاء الشريعة بالمعنى العام للعقوبة، وإن كان بعضه فقط، هو الذي ينطوي تحت مفهوم السرقة الحدية المعاقب عليها بالعقوبة المقدرة من لدن الشارع الحكيم.\rولا غرو في هذا إذ أن العقوبات كلها التي وضعها فقهاء القانون، ما هي إلا من باب العقوبات التعزيرية عند فقهاء الشريعة، وإن اختلفتا من بعض الوجوه.\rوالحديث عن جريمة السرقة الصغرى، والشبهات التي تعتريها يتناول أنواعًا من السرقة التي لا يجب الحد بها؛ لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة.\rوهذا ما سيتضمنه المطلب الثاني من هذا المبحث.","footnotes":"١ شرح قانون العقوبات القسم الخاص أ. د: محمود مصطفى ص٤٤١-٤٤٢.\rشرح قانون العقوبات القاسم الخاص. أ. د: أحمد الألفي ص٢٦٨-٢٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234237,"book_id":3632,"shamela_page_id":513,"part":null,"page_num":532,"sequence_num":513,"body":"المطلب الثاني: سرقات اختلف في وجوب الحد بها؛ لقيام شبهة في الركن الشرعي\rمما سبق من تعاريف الفقهاء لسرقة يبين ما وضعه الفقهاء من شروط لاعتبار الفعل سرقة، وتتمثل هذه الشروط بصفة عامة في الأخذ خفية، وأن يكون الشيء المأخوذ محرزًا، متمولًا، مملوكا للغير، تصل قيمته حد النصاب أو تزيد، وأن يكون المسروق، مما لا يتسارع إليه التلف، وأن لا يكون للسارق تأويل ولا شبهة.\rفمن قام بالفعل المادي للسرقة، واستوفى فعله هذه الشروط، واكتملت أركانه عوقب على فعله هذا بالعقوبة الحدية.\rأما من وقع منه هذا الفعل المادي مع وجود شبهة من الشبهات، التي تلحق الركن الشرعي بجريمة السرقة، فإن عقوبتها الحدية تندرئ عنه، ولا يلزم بها، سواء تترتب على ذلك إعفاؤه من جنس العقوبة، أو إعفاؤه من العقوبة الحدية فقط، وإلزامه بعقوبة تعزيرية تناسب ما وقع منه من سلوك.\rوسأذكر فيما يلي بعض الوقائع، التي اكتمل فيها الركن المادي لجريمة السرقة غير أن العقوبة الحدية المترتبة على ذلك، قد لا تلحق الجاني نظرًا قيام شبهة من الشبهات التي تحلق الركن الشرعي للجريمة.\rسواء أكانت هذه الشبهة من الشبهات التي يعتد بها من يعمل قاعدة درء الحدود بالشبهات، أم كانت هذه الشبهة من الشبهات التي يعتد بها البعض، ويعملها دون بقية الفقهاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234238,"book_id":3632,"shamela_page_id":514,"part":null,"page_num":533,"sequence_num":514,"body":"مع بيان وجهة نظر كل منهم، ودليله على ما ذهب إليه:\r١- ذهب جمهور الفقهاء إلى أن السرقة الحدية لا يكتمل وصفها، إلا إذا انتهك السارق الحرز، وأخرج منه المسروق، واستولى عليه وأدخله في حيازته.\rوعلى هذا لو دخل شخص منزلًا، وجمع من هذا المنزل متاعًا بلغ حد النصاب أو يزيد، ووضع هذا المتاع في حقيبة مثلًا، ثم حملها وهم بالخروج من المكان الذي سرق منه المتاع، وقبل أن يخرج أمسك به صاحب المتاع أو غيره، فإن جمهور الفقهاء يرون أن مثل هذا الفعل لا يعد سرقة موجبة للعقوبة الحدية؛ لأن وصف الجريمة الحدية لم يكتمل بعد في حق السارق؛ لأنه لم يخرج بما أخذه من متاع خارج حرزه الذي وضع فيه، ولم يصبح المال المأخوذ في حيازة آخذه، وعليه فإن قيام شبهة عدم دخول المال المأخوذ في حيازة آخذه من حرزه، تدرأ العقوبة الحدية عن هذا الآخذ، وإن ألزم عقوبة تعزيرية مناسبة١.\rوروي عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- والحسن البصري، وإبراهيم النخعي أن من دخل الحرر، وجمع المتاع ثم تهيأ للخروج، ولم يخرج، فإنه يجب قطعه٢.\rوهذا أيضًا هو ما ذهب إليه ابن حزم، وذلك كله مبني على أساس عدم اشتراط الحرز، أو جوب القطع بالسرقة، واستدل ابن حزم على","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣٨٥، المدونة ج١٦ ص٧٢ الحرشي ج٨ ص٩٧، المهذب ج٢ ص٢٧٩، المغني ج٨ ص٢٥٥، نيل الأوطار ج٧ ص١٤٦، الموطأ بشرح الزرقاني ج٥ ص١٠٧، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٨٥.\r٢ فتح القدير ج٥ ٣٨٠، المغني ج٩ ص١١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234239,"book_id":3632,"shamela_page_id":515,"part":null,"page_num":534,"sequence_num":515,"body":"ما ذهب إليه بأدلة منها ما أورده في قوله: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، فوجب بنص القرآن أن كل من سرق فالقطع عليه، وبالضرورة الحسية، وباللغة يدري كل آخذ أن من سرق من حرز، أو من غير حرز، فإنه سارق -فقطع يده واجب بنص القرآن، ولا يحل أن يخص القرآن بالظن الكاذب، فإن من قال: إن الله تعالى أراد في هذه الآية من سرق من حرز، فإنه مخبر عن الله تعالى، بما لم يخبر به عن نفسه، ولا أخبر به عن نبيه ﷺ\".\rكما استدل ابن حزم أيضًا بما جاءت به السنة النبوية، مما يفيد العموم من قول الرسول ﷺ: \"يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد\".\rومن قوله ﷺ: \"لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده\"، ثم علق بن حزم على هذين الحديثين بقوله: \"قضى رسول الله ﷺ بقطع يد السارق جملة، ولم يخص ﵇ حرزًا من غير حرزه إلى أن يقول: واو \"أن الله ﷿ أراد أن لا يقطع يد السارق حتى يسرق من حرزه، ويخرجه من الدار، لما أغفل ذلك\".\rولا أهمله، ولا أعنتنا بأن يكلفنا علم شريعة لم يطلعنا عليه، وليبينه على لسان رسوله ﷺ\"١.\rواستدل أصحاب هذا الاتجاه أيضًا بما روي من أن رسول الله ﷺ قد قطع يد السارق الذي سرق ثوبًا من المسجد٢، إذ المسجد لا يعتبر","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٣٤٠-٣٥٣.\r٢ روي أن صفوان بن أمية، قال: \"كنت نائمًا في المسجد في خميصة لي فسرقت، فأخذنا السارق، فرفعناه إلى رسول الله ﷺ فأمر بقطعه، فقلت: يا رسول الله أفي خميصة ثمن ثلاثين درهمًا؟ أنا أهبها له. قال: فهلا كان قبل أن تأتيني؟ روي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قطع يد سارق سرق برنسا من صفة النساء، ثمنه ثلاثة دراهم\"، نيل الأوطار ج٧ ص١٤٥-١٤٦، وما بعدهما.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234240,"book_id":3632,"shamela_page_id":516,"part":null,"page_num":535,"sequence_num":516,"body":"حرزًا، وعليه فإن من سرق سواء أكان من حرز، ولم يخرج بالمسروق، أم كان من غير حرز وجب قطعه، إذا اكتملت فيه باقي شروط السرقة.\rوما ذهب إليه فقهاء الجمهور هو ما أرجحه، وأميل إليه لوجود شبهة عدم دخول المال المأخوذ في حرزه من أخذه من حرز، وعدم الاستيلاء الكامل عليه.\rأما ما ذهب إليه ابن حزم، ومن وافقه من عدم اعتبار الحرز في إيجاب العقوبة الحدية، فقول مردود بما ذهب إليه أئمة اللغة، الذين عرفوا السرقة، والاستراق بالمجيء مستترًا لأخذ مال غيره من حرز١.\rفالحرز شرط لا يجانب العقوبة الحدية، وعدم مفارقة الحرز تنهض شبهة في حق الآخذ؛ لجواز أن يستيقظ ضميره قبل مفارقته المكان، فيترك الشيء المأخوذ.\rأما ما استدل به ابن حزم من أن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية جاءت عامة شاملة كل من سرق من حرز، أو غيره -ولا يجوز أن يخص القرآن بالظن، فقول يحتاج إلى مناقشة.","footnotes":"١ القاموس المحيط مادة سرق، ويراجع ما أوده الشوكاني في نيل الأوطار ج٧ ص١٤٧، وابن حجر في فتح الباري ج٥ ص١١٦ \"ط مصطفى الحلبي سنة ١٩٥٩م\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234241,"book_id":3632,"shamela_page_id":517,"part":null,"page_num":536,"sequence_num":517,"body":"لأن ما جاء من أدلة تفيد العموم قد خصصت بدليل أنه لا قطع على الصبي، أو المجنون، ولا على من سرق شيئًا غير متمول١.\rوعلى هذا فإن الدليل العام قد دخله التخصيص، وما جاز تحصيصه خصص بالدليل الظني٢، ومع هذا فإن تخصيص العموم","footnotes":"١ يقول ابن الهمام: \"وقد ثبت أن لا قطع في أقل من ثمن المجن، ولا في حريسة الجبل، فتخصصت الآية به، فجاز تخصيصها بعدها بما هو من الأمور الإجماعية، وبأخبار الآحاد، فتح القدير ج٥ ص٣٨.\r٢ اللفظ العام يشمل جميع أفراده على سبيل الاستغراق، لكن قد يرد ما يدل على إخراج بعض ما يشمله اللفظ العام، وقصره على بعض أفراده، ودليل التخصيص قد يكون الفعل أو العرف، أو نصًا مخصصًا، ويتفق الأصوليون على التخصيص بالعقل والعرف، فخطاب الله تعالى بالتكليف في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ، وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، \"جاء الخطاب بلفظ عام لكن العقل يخرج الصبيان والمجانين.\rكما اتفق الأصوليون على أن العام إذا خصص بدليل قطعي، فإنه يجوز تخصيصه بعد ذلك بأي دليل ولو ظني؛ لأن العام بعد تخصيصه أصبحت دلالته على العموم ظنية حتى عند الحنفية.\rمن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ، فلفظ البيع عام وقد خصص بنص قطعي، وهو \"حرم الربا\"، فأصبحت دلالته بعد ذلك على باقي أفراده ظنية: ولذا جاز تخصيصه بأخبار الآحاد، كما جاز تخصيصه بالقياس\" يراجع أصول الفقه الإسلامي -أستاذي الدكتور سلام مدكور ص٢٢٦-٢٣٥ الأستاذ الدكتور زكريا البزي ص٢١٣-٢١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234242,"book_id":3632,"shamela_page_id":518,"part":null,"page_num":537,"sequence_num":518,"body":"هنا تخصيص بما هو مجمع عليه، وبما ورد من الأخبار من رواته موثوق بهم١.\rوثمرة لهذا الخلاف تنتج الشبهة تحلق الركن الشرعي للجريمة، يترتب عليها درء العقوبة الحدية عن الفاعل.","footnotes":"١ وذلك مثل ما رواه رافع بن خديج قال: \"سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا قطع في ثمر ولا كثر\"، نيل الأوطار ج٧ ص١٤٣، وما روي عن الإمام مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل\"، فإذا آواه المراح أو الجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن، الموطأ بشرح الزرقاني ج٥ ص١٠٧ \"ط أولى\".\rوقد ذكر ابن قدامة هذا الخلاف عند حديثه عن شروط وجوب القطع، فقال: \"أن يسرق من حرز يخرجه منه\"، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهذا مذهب عطاء والشعبي، وأبي الأسود الدؤلي، وعمر بن عبد العزيز والزهيي، وعمر بن دينار، والثوري، ومالك، والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحد من أهل العلم خلافهم، إلا قولا حكي عن عائشة والحسن، والنخعي فيمن جمع المتاع، ولم يخرج به من الحرز عليه القطع، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز؛ لأن الآية لا تفصيل فيه، وهذه أقوال شاذة غير ثابتة عمن نقلت عنه، قال ابن المنذر، وليس فيه ثابت، ولا مقال لأهل العلم، إلا ما ذكرناه، فهو كالإجماع والإجماع حجة على من خالفه، وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رجلًا من مزينة، سأل النبي ﷺ عن الثمار، فقال: \"ما أخذ في غير كمامة، فاحتمل ففيه قيمته، ومثله معه، وما كان في الخزائز ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن\"، رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وهذا الخبر يخص الآية كما خصصناها في اعتبار النصاب، المغني ج٨ ص٢٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234243,"book_id":3632,"shamela_page_id":519,"part":null,"page_num":538,"sequence_num":519,"body":"٢- النشال:\rأو الطرار، وهو من يأخذ ما مع الشخص المتيقظ في غفلة منه١.\rوقد ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب القطع على النشال، إذا أخذ نصاب السرقة، وأثبت عليه ذلك.\rسواء شق الجيب، وأخذ منه المال، أو أدخل يده في الكم، أو في الجيب مأخذ من غير شق، وكذا ما أخذ من حقيبة، شقها أو لم يشقها؛ لأن كل هذه الأشياء التي أخذ منها هي عند جمهور الفقهاء حرز لما وضع فيها عرفًا، فإذا أخذه في غفله من صاحبه، فهو إذا سارق، ولا ينظر إلى شق أو غيره؛ ولأن مال الشخص محرز بوجوده معه.\rوذهب الإمام أبو حنيفة، ومن وافقه إلى أن النشال لا قطع عليه، إلا إذا شق الجيب أو الكم؛ لأن هتك الحرز قد تحقق، وقد بين ذلك كله ابن الهمام بقول: هـ.. \"وعن أبي يوسف أنه أي الطرار يقطع على كل حال، وهو قول الأئمة الثلاثة؛ لأن صورة أخذه من خارج الكم إن لم يكن محرزًا بالكم، فهو محرز بصاحبه، وإذا كان محرزًا بصاحبه، وهو نائم إلى جنبه٢، أفلأن يكون محرزًا، وهو يقظان والمال يلاصق بدنه أولى، قلنا: بل الحرز هنا ليس إلا الكم؛ لأن صاحب المال يعتمد الكم، أو الجيب لا قيام نفسه، فصار الكم كالصندوق، وهذا؛ لأن المطرور كمه أما في حالة المشي أو في غيره، فمقصوده في الأولى ليس إلا قطع المسافة لا حفظ المال، وإن كان الثاني فمقصوده الاستراحة عن حفظ","footnotes":"١ طر أي شق، ومنه الطراز وهو الذي يقطع النفقات، ويأخذها على غفلة من أهلها، المصباح المنير.\r٢ يشير بذلك إلى ما روي من حديث صفوان بن أمية، السابق نيل الأوطار ج٧ ص١٤٥-١٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234244,"book_id":3632,"shamela_page_id":520,"part":null,"page_num":539,"sequence_num":520,"body":"المال وهو شغل قلبه بمراقبته، فإنه متعب للنفس فيربطه ليريح نفسه من ذلك، فإنما اعتمد الربط، والمقصود هو المعتبر في هذا الباب١، والذي أرجحه هو وجوب القطع على النشال، سواء أشق جيبًا أو قميصًا، أم لم يشق، وسواء أخذ المال من الجيب، أم أخذه من حقيبة يحملها المسروق منه في يده، ما دام قد غافله النشال، وأخذ منه ما أخذه من مال، أو غيره مما يتقوم بالمال على سبيل الخفية والمغافلة؛ لأنه إن أخذه بغير ذلك فله حكم آخر، يأتي في الحديث عن جريمة السرقة الكبرى، كما أن ما وقع لصفوان بن أمية٢، وحكم فيه رسول الله ﷺ بوجوب القطع، يدل صراحة على وجوب قطع النشال، سواء كان المسروق منه نائمًا، أم متيقظًا فسارق خميصة صفوان قد سرقها، وصفوان نائم، ومع ذلك اعتبرها الرسول ﷺ قد سرقت من حرر لنومه عليه، فمن باب أولى من ينشل من المتيقظ المشغول بما حوله اعتمادًا على أن حاله في جيبه، أو حقيبته، وما إلى ذلك ما دام السارق قد أخذ ماله في الخفاء بعد أن غافله، والشبهة هنا قد نتجت من عدم وضوح دلالة كلمة السرقة على ما وقع من النشال من فعل، ولاختصاص النشال باسم غير اسم السارق، عند اللغوين٣، هذا بالإضافة إلى ما أورده الفقهاء، من مسألة اعتبار ما أخذ منه النشال حرزًا أم لا.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ٣٩٠-٣٩١ المدونة الكبرى ج١٥ ص٢٨٠ المهذب ج٢ ص٢٧٩ المغني لابن قدامة ج٨ ص٢٥٦، أحكام القرآن للقرطبي ج٦ ص١٧٠.\r٢ أبو وهب، صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجميحي، صاحبي من أشراف قريش أسلم بعد الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، مات بمكة تهذيب التهذيب ج٤ ص٤٢٤.\r٣ أصول الفقه الإسلامي الدكتور سلام مدكور ص٢٨٣ أصول.\rالفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور، زكريا البري ص٢٣٦، ويراجع أيضًا المرآة على المرقاة ص١٠٦ شرح المنار لابن مالك، وحاشية الرهاوي المصري ص٣٦١-٣٦٣، نقلًا عن أصول الفقه الإسلامي أ. د: سلام مدكور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234245,"book_id":3632,"shamela_page_id":521,"part":null,"page_num":540,"sequence_num":521,"body":"وعليه، فالشبهة هنا من الشبهات التي تلحق الركن الشرعي للجريمة.\r٣- النباش:\rهو الذي ينبش القبور لأخذ أكفان الموتى١، ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بوجوب القطع على النباش؛ لأن عمله يصدق عليه أنه سرقة، وأن النباش يصدق عليه أنه سارق، يقول ابن حزم مبينًا ذلك: \"ووجدنا\" السارق \"في اللغة التي نزل بها القرآن، وبها خاطبنا الله تعالى: هو الأخذ شيئًا لم يبح الله له، فيأخذه متملكًا له مستخفيا به، فوجدنا النباش هذه صفته، فصح أنه سارق ... فقطع يده واجب -وبه نقول٢، واستدل ابن قدامة لذلك أيضًا بما روي عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: \"سارق أمواتنا سارق أحياءنا\"،٣ واستدل فقهاء الشيعة لذلك أيضًا، بما روي من أن عليا -رضي الله تعالى عنه- نباش القبر، فقيل له: أتقطع في الموتى؟\rفقال: \"إنا نقطع لأمواتنا، كما نقطع لأحيائنا\"٤.","footnotes":"١ النبش: الاستخراج: يقال: نبشت الأرض نبشًا: كشفتها موته سمي الإنسان الذي يحفر القبور، ويستخرج منها أكفان الموتى، نباشًا، مبالغة المصباح المنير، ولسان العرب.\r٢ المحلى ج٣ ص٣٥٨.\r٣ المغني ج٨ ص٢٧٢.\r٤ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234246,"book_id":3632,"shamela_page_id":522,"part":null,"page_num":541,"sequence_num":522,"body":"وذكر الخرش وجوب القطع على النباش، إذا أخذ الكفن، سواء كان القبر قريبًا من العمران أم لا \"حتى ولو ألقى الميت في البحر؛ لأن البحر حينئذ صار حرزًا له\"١.\rأما فقهاء الشافعية، فقد فصلوا القول في ذلك بأن من نبش قبرًا، وسرق منه الكفن، فإن كان في برية لم يقطع؛ لأنه ليس بحرز للكفن، وإنما يدفن في البرية الضرورة، وإن كان في مقبره تلي العمران قطع لما روى البراء بن عازب٢ -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ، قال: \"من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش قطعناه\" ٣.\rوذهب فقهاء المالكية، والشافعية والحنابلة، ومن وافقهم إلى أن النباش إن سرق ما زاد على الكفن المشروع، فلا قطع عليه؛ لأنه قد أخذ من غير حرز، وكذا لو سرق ما وضع مع الميت من طيب، أو ذهب أو فضة، أو جوهر وما شابه ذلك، فلا قطع عليه؛ لأن ذلك ليس بكفن، وليس القبر بحرر له فتركه في القبر سفه وتضييع٤.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٩٩.\r٢ البراء، أبو عمارة البراء بن عازب، وهو وأبوه صحابيان، وأول مشاهدة أحد شهد بيعة الرضوان، وروي له ٣٠٥ من الأحاديث، ونزل الكوفة توفي بها في عهد عبد الملك بن مروان بعد منتصف القرن الهجري الأول.\r٣ المهذب ج٢ ص٢٧٨.\r٤ وهذا ما ذهب إليه عمر، وابن مسعود، والسيدة عائشة، ومن العلماء أبو ثور والحسن، والنخعي، وقتادة، وحماد، وعمر بن عبد العزيز يراجع في ذلك الخرشي ج٨ ص٩٩، المهذب ج٢ ص٢٧٨ فتح القدير ج٥ ص٣٧٥ المبسوط ج٩ ص١٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234247,"book_id":3632,"shamela_page_id":523,"part":null,"page_num":542,"sequence_num":523,"body":"وذهب الإمام أبو حنيفة، ومن وافقهما إلى أنه لا قطع على النباش، واستدلوا لذلك بما روي من قول الرسول ﷺ: \"لا قطع على المختفي\" ١، والمختفي هو النباش في عرف أهل المدينة.\rوروي عن الزهري٢ قال: أخذ نباش في زمن معاوية، وكان مروان على المدينة، \"فسأل من بحضرته من الصحابة والفقهاء، فأجمع رأيهم على أن يضرب ويطاف به\"٣.\rومبني ذلك عند أبي حنيفة ومن وافقه، أن القبر ليس بحرز؛ لأنه حفره في الصحراء مأذون للعموم من المرور به ليلًا ونهارًا، ولا غلق عليه ولا حارس منصد لحفظه، فلم يبق إلا مجرد دعوى أنه حرز تسمية ادعائية بلا معنى، ولا يترك ذلك عن أن يكون في حرزيته شبهة، وبه ينتفي القطع، وهذه هي الشبهة الأولى عند أبي حنيفة ومن وافقه، وهي من الشبهات التي تتصل بالركن الشرعي للجريمة.\rأما الشبهة الثانية عند أبي حنيفة، فهي في كون الكفن مملوكًا لأحد، فالإمام أبو حنيفة يرى أن الكفن مملوك لأحد، لا للميت؛ لأنه ليس أهلًا للملك، ولا للوارث؛ لأنه لا يملك من التركة لا ما يفضل عن حاجة الميت، فإن صح أنه لا ملك فيه لأحد فلا قطع بسرقته، وإلا فتحققت شبهة في مملوكيته بما ذهب إليه الإمام، ويتحققها لا قطع به أيضًا.","footnotes":"١ نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي ج٣ ص٣٦٦ \"ط أولى\"، ووافق أبو حنيفة، ومحمد كلا من ابن عباس والثوري، والأوزاعي، ومكحول والزهري، فتح القدير ج٥ ص٣٧٥ المبسوط ج٩ ص١٥٩.\r٢ وروى ابن أبي شيبة عن الزهري، قال: أتى مروان بقوم يختفون أي ينبشون القبور فضربهم، ونفاهم والصحابة متوافرون. أخرجه عبد الرازق في مصنفه، وزاد فيه وطوف بهم فتح القدير ج٥ ص٣٧٥.\r٣ المرجع السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234248,"book_id":3632,"shamela_page_id":524,"part":null,"page_num":543,"sequence_num":524,"body":"وأضاف ابن الهمام ما تلزم به شبهة أخرى، وهو أن في مالية الكفن قصورًا؛ لأن المال ما يجرى فيه الرغبة، والضنة١، والكفن ينفر عنه كل من علم أنه كفن ميت، إلا نادرًا من الناس، وهاتان الشبهتان أيضًا مما يعتري الركن الشرعي للجريمة من شبهات.\rكما أورد ابن الهمام شبهة أخرى بقوله: \"شرع الحد للانزجار\"، والحاجة إليه لما يكثر وجوده، فأما ما يندر فلا يشرع فيه لوقوعه في غير محل الحاجة؛ لأن الانزجار حاصل طبعًا\"٢.\rكما أورد فقهاء الأصول شبهة في وجوب القطع على النباش؛ لأنه وضع له اسم غير السارق، وعليه فلا ينطبق اسم السارق عليه، وقد أورث ذلك شبهة في حقه.\rكما ذكروا أن السارق تقطع يده، إذا خاصمه مالك المسروق، والكفن لا مالك له كما قال بذلك الإمام أبو حنيفة٣.\rوقد أورد أبو القاسم الموسوي بعض أقوال عن بعض فقهاء الشيعة، يرون فيها أنه لا قطع على النباش، إلا إذا عرف بذلك واعتاده، وقد حاول الطعن في صحة ذلك بأن من أوردهما لم يرد فيه توثيق، ولا مدح٤.","footnotes":"١ الضنه: البخل، المنجد ولسان العرب مادة \"صن\".\r٢ فتح القدير ج٥ ص٣٧٥-٣٧٦ المبسوط ج٩ ص١٦٠.\r٣ أصول الفقه الإسلامي أ. د سلام مدكور ص٢٨٣. أ. د: زكريا البري ص٢٣٧.\r٤ من ذلك صحيحه الفضيل، عن أبي عبد الله \"﵇\"، قال: \"النباش إذا كان معروفًا بذلك قطع..؟ وفي أخرى سألته عن رجل أخذ هو ينبش؟ قال: لا أرى عليه قطعًا إلا أن يؤخذ، وقد نبش مرارًا فاقطعه. يقول أبو القاسم: وهاتان الروايتان، لا يمكن الأخذ بهما؛ لأن الأولى لم يرد في راوياها توثيق ولا مدح، وأما الثانية فإن المعروفية غير التكرار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234249,"book_id":3632,"shamela_page_id":525,"part":null,"page_num":544,"sequence_num":525,"body":"روي من قول الرسول ﷺ: \"لا قطع على المختفي\"، فقد قال عنه الزيلعي١ أنه غريب: \"كما أن المختفي يمكن حمله على المظهر للأخذ نظرًا؛ لأن فعله أخفى: من أسماء الأضداد\"٢، وصرف اللفظ على ظاهر، أو ما استعمل فيه فيما اشتهر من لغة العرب أولى من صرف إلى اسعمال فئة من الناس من غير أن تقوم على ذلك قرينة، \"أما ما يراه الإمام من شبهة عدم الحرز، فمردود بما ذكره الجمهور من أن القبر حرز للميت، وثيابه تبعه له، فيكون حرزًا لهما أيضًا\".\rوذكر ابن قدامة في ذلك:\rأن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غير، ويكتفي به في حرزه، ألا ترى أنه لا يترك الميت في غير ذلك القبر من غير أن يحفظ كفنه، ويترك في القبر وينصرف عنه٣.","footnotes":"١ الزيلعي: أبو محمد عثمان بن علي الملقب بفخر الزيلعي نسبة إلى زيلعي، وهي بلد تقع على ساحل بحر الحبشة، قدم القاهرة سنة ٧٠٥، ودرس بها وأفتى واشتهر بالفقه والنحو ت سنة ٧٤٣هـ.\r٢ يراجع في ذلك لسان العرب، المصباح المنير مادة خفي.\r٣ المغني ج٨ ص٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234250,"book_id":3632,"shamela_page_id":526,"part":null,"page_num":545,"sequence_num":526,"body":"ولأن حرز كل شيء ما يليق به، فحرز الدواب بالاصطبل، والثياب بما أعد لها من حقائب أو ما ماثلها، ولو وضع الشيء في غير حرزه، وسرق لم يجب به قطع لكن الكفن في حرزه، ويتساءل المثبتون للحرز فيقولون: ألا ترى أن الوصي إذا كفن صبيًا من ماله لا يضمن لورثته شيئًا، فلو لم يكن محرزًا، كان تضييعًا موجبًا للضمان، فكان أخذا الكفن من القبر عين السرقة١.\rأما ما ذكر من شبهة أنه لا مالك للكفن، فهو قول مردود؛ لأن الكفن مملوك للميت؛ لأنه كان مالكًا له في حياته، ولا يزول مالكه إلا عما لا حاجة به إليه ووليه يقوم مقامه في المطالبة، كقيام ولي الصبي في الطلب بماله٢.\rكما أن ما ذكره الإمام أبو حنيفة من شبهة عدم مالية الكفن، بدليل أنه لا تجري فيه الرغبة والضنة، وأنه ينفر عنه كل من علم أنه كفن ميت، إلا نادرًا من الناس، فهذه الشبهة ترد بأن من يسرق الكفن، يمكن أن يبيعه لمن لا يعلم حقيقته، وبذا يكون قد استعاض عنه بمال، ومن الأكفان ما يتعالى فيه، فيختار من نوع غال من القماش وهكذا، كما أنه إذا رغب فيه بعض الناس مع علمهم بحقيقة، أصبح للكفن قيمة مالية عندهم.\rوما ذهب إليه من أن الحد شرع للانزجار، وأما ما يندر فلا يشرع فيه، أو وقوعه في غير محل الحاجة؛ لأن الانزجار حاصل طبعًا.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣٧٦، المبسوط ج٩ ص١٦٠-١٦١.\r٢ المغني ج٨ ص٢٧٢، المهذب ج٢ ص٢٧٨، ويراجع أصول الفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور زكريا البري ص٢٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234251,"book_id":3632,"shamela_page_id":527,"part":null,"page_num":546,"sequence_num":527,"body":"فهذا مردود بما أصبح متفشيا بين الكثير، الذين وصل بهم الحد إلى سرقة جثة الميت ذاتها، والاتجار فيها لطلاب كليات الطب، كما أن الطباع قد ألفت أشياء كثيرة، كانت النفرة عنها غالبة في الماضي.\rوعلى هذا، فإن وجوب القطع على النباش بشروط القطع الأخرى، أوجب وألزام بل والزيادة على القطع؛ لأنه بجانب كونه سارقًا، فهو قد انتهك حرمات الموتى، وهذا ما أراه مناسبًا لتعليل ما جاء من أقوال بقتل النباش، أو بقطع يده ورجله١.\rوقد ذهب بعض فقهاء القانون الوضعي إلى القول بشبهة عدم امتلاك أكفان الموتى، وما يوضع في القبور من مصوغات، وغير ذلك، واعتبروا ذلك كله من قبيل الأموال المتروكة، التي لا يلزم من سرقها بعقوبة على فعله.\rوإن كان الرأي الراجح قد اعتبر ذلك كله من الأموال المتروكة.\rونصت محكمة النقض على أن أكفان الموتى، والملابس والحلي، وغيرها من الأشياء التي اعتاد الناس إيداعها القبور مع الموتى، وإنما هي مملوكة لورثة هؤلاء، وقد خصصوها لتبقى مع جثث أهليهم لما وقر في نفوسهم، واستقر في ضمائرهم من وجوب كرمهم في أجداثهم على هذا النحو٢، وما ذهب إليه الفقه الإسلامي من التفريق بين الكفن، وغيره، مما يوضع في القبر أولى، أما ما استقر من عقائد باطلة في نفوس البعض، فالأولى بمحكمة النقض أن تحاول إصلاحه؛ لأن فيه إضاعة أموال بغير داع.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٣٥٦.\r٢ قانون العقوبات القسم الخاص. أ. د: أحمد الألفي ص٢٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234252,"book_id":3632,"shamela_page_id":528,"part":null,"page_num":547,"sequence_num":528,"body":"٤- سرقة أحد الزوجين من مال الآخر:\rعلاقة الزوجية كرمها الإسلام، ورفعها منزلة عالية، وألزم كلا من الزوجين حقوقًا، وفرض عليه واجبات.\rفهي علاقة تزيل الحجب التي لا تزال، ولا ترفع في ظل هذه العلاقة، فقد جعل القرآن الكريم كلا من الزوجين لباسًا للآخر: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ١.\rولما كانت علاقة كل من الزوجين بهذه المنزلة، فإن للفقهاء آراء في إيجاب العقوبة الحدية على كل من الزوجين، إذا سرق من مال الآخر.\rفقد ذهب فقهاء الأحناف، وفي رأي للإمام الشافعي، أنه لا قطع على أحد الزوجين إذا سرق من مال صاحبه، سواء أكان هذا المال غير محرز عن السارق، أم كان محرزًا عنه، وجد هذا المال في المكان الذي يسكنان فيه، أو في مكان آخر، ومبنى ذلك أن بين الزوجين بسوطة في الأموال عادة ودلالة، فإنها لما بدلت نفسها، وهي أنفس من المال كانت بالمال أسمح؛ ولأن بينهما سببا يوجب التوارث من غير حجب حرمان كالوالدين.\rويكفي لإسقاط الحد عن أحدهما قيام الزوجية بينهما، وقت للسرقة فقط، كما لو سرق منها، ثم أبانها ولو رفعت دعواها عليه بعد انقضاء عدتها.\rوأيضًا يكفي لإسقاط الحد عن أحدهما قيام الزوجية بينهما، ولو بعد السرقة، سواء أكان التزاوج بعد أن قضى بالقطع، أو لم يقض، وإن","footnotes":"١ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234253,"book_id":3632,"shamela_page_id":529,"part":null,"page_num":548,"sequence_num":529,"body":"كان أبو يوسف يرى أن التزواج لو حدث بعد أن قضى بالقطع يقطع.\rولا يجب القطع أيضًا إذا سرق من امرأته المبتوتة، أو المختلفة في العدة، وكذا إذا سرقت هي من الزوج في العدة١.\rكما ذهب فقهاء الأحناف إلى أن من سرق من بيت زوجته ابنه، أو أبيه أو زوج ابنته أو زوج أمه، أو بنت زوج أمه، فإنه لا قطع عليه أن كان يجمعهما منزل واحد، أما إذا كان كل منهما في منزل على حده، فإن الإمام أبا حنيفة يرى عدم القطع؛ لأنه لا يرى قطعًا بالسرقة من منزل الأصهار، أو الأختان، وإن كان الصاحبان يريان القطع ما دام لا يجمعهما منزل واحد؛ لأانه لا شبهة في ملكيتهما، واستدل فقهاء الأحناف لما ذهبوا إليه، بالإضافة إلى ما ذكر بأن شهادة كل من الزوجين لا تقبل لصاحبه؛ لاتصال المنافع بينهما، وعليه فلا قطع لأحدهما على الآخر؛ لأنه لو سرق من ماله، فإنه قد سرق من مال له فيه منفعة؛ لأنها لها عليه النفقة، وله عليها الحبس.\rواستدلوا لذلك أيضًا بما روي من أن عمر -رضي الله تعالى عنه- أتى بغلام سرق مرآة لامرأة سيده، فقال: ليس عليه شيء، خادمكم سرق متاعكم: \"فإذا لم يقطع خادم الزوج، فالزوج أولى\".\rوبهذا استدل أيضًا بعض فقهاء الحنابلة للقول بإسقاط القطع عن كل من الزوجين، إذا سرق من مال أحدهما، حتى ولو كان محرزًا عن الآخر٢، وذهب فقهاء المالكية والشيعة، وجمهور فقهاء الحنابلة، ورأي","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص١٩٠.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٣٨٢-٣٨٣، البحر الرائق ج٥ ص٦٢-٦٣، مغني المحتاج ج٤ ص١٦٢، المهذب ج٢ ص٢٨١ المغني ج٨ ص٢٧٦-٢٧٧، المبسوط ج٩ ص١٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234254,"book_id":3632,"shamela_page_id":530,"part":null,"page_num":549,"sequence_num":530,"body":"عند الشافعية إلى أنه لا قطع على كل من الزوجين، إذا سرق من مال الآخر إذا كان غير محرز عنه، أما لو سرق أحدهما من مال الآخر المحرز عنه، فإنه يقطع به.\rيقول الخرشي: \"ويقطع أحد الزوجين إذا سرق من مال صاحبه، بشرط أن يكون المال المسروق في مكان محجور عن السارق أن يدخله، أما لو سرق من مكان يدخله، فإنه لا قطع عليه؛ لأنه حينئذ خائن لا سارق\"١.\rكما استدلوا لذلك بعموم الآيات والأخبار؛ ولأن النكاح عقد على منفعة فلا يؤثر في درء الحد، كالإجارة لا يسقط بها الحد عن الأجير، أو المستأجر إذا سرق أحدهما من الآخر؛ لأنه سرق مالًا محرزًا عنه لا شبهة له فيه.\rواشترط فقهاء المالكية أن الحجر إنما يعتبر بغلق لا بمجرد الكلام بالمنع، وذهب الإمام الشافعي في رأي ثالث إلى وجوب القطع على الزوج، فيما سرق من مال الزوجة المحرز عنه بخلافها، فيما لو سرقت من مال زوجها المحرز عنها؛ لأن لها حقًا في ماله بالنفقة، وليس له في مالها مثل ذلك.\rوقد عرض الشيرازي الآراء الثلاثة في قوله: \"وإن سرق أحد الزوجين من الآخر ما هو محرز عنه، ففيه ثلاثة أقوال أحدها:","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٧٦-٢٧٧، الخرشي ج٨ ص٩٨، حاشية الدسوقي ص٣٤٠، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٨٥، مغني المحتاج ج٤ ص١٦٢، المهذب ج٢ ص٢٨١، ويراجع شرح الزرقاني ج٥ ص١٢٠، الموطأ ص٢٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234255,"book_id":3632,"shamela_page_id":531,"part":null,"page_num":550,"sequence_num":531,"body":"أنه يقطع؛ لأن النكاح عقد على المنفعة، فلا يسقط القطع في السرقة كالإجارة، والثاني: أنه لا قطع؛ لأن الزوجة تستحق النفقة على الزوج، والزوج يملك أن يحجر عليها، ويمنعها من التصرف على قول بعض الفقهاء، فصار ذلك شبهة، والثالث: أنه يقطع الزوج بسرقة مال الزوجة، ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج؛ لأن الزوجة حقًا في مال الزوج بالنفقة، وليس الزوج حق في مالها١.\rوذهب ابن حزم إلى أن القطع واجب على من يسرق، وتوافرت فيه شروط القطع بصرف النظر عن كونه زوجًا، أو زوجة للمسروق منه، فمن سرق ما لم يبح له أخذه وجب حده، ولا يلتفت إلى ما بين السارق والمسروق منه من علاقة زوجية.\rورد ابن حزم على من لا يرى القطع في مثل ذلك، فقال: \"إن من لا يرى القطع على أحد الزوجين إذا سرق من مال الأخرى، يحتج بما روي عن النبي ﷺ من قوله: \" كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولدها، وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته\"، \"فمن لا يرى القطع يقول: إن كل واحد من الزوجين راع في مال الآخر وأمين عليه، فلا قطع عليه كالمودع، كما جاء به الحديث الشريف، ويقول ابن حزم: إن كل هذا لا حجة لهم فيه أصلًا؛ لأن الحديث الشريف لا دليل فيه على ترك القطع في السرقة، كما أن الحديث الشريق قد بين أن كل من ذكر راع فيما ذكر، وأنهم مسئولون عما استرعوا، والمعلوم يقينًا أن من كان مسئولًا لم تبح له السرقة، أو الخيانة","footnotes":"١ المهذب ج٢ ص٢٨١-٢٨٢، مغني المحتاج ج٤ ص١٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234256,"book_id":3632,"shamela_page_id":532,"part":null,"page_num":551,"sequence_num":532,"body":"فيما استودع، وأسلم إليه، وهؤلاء إن لم يكونوا كالأجنبيين، وأقل أمورهم أن يكون عليهم ما على الأجنبيين.\rكما يضيف ابن حزم: \"إن من ذكرهم الحديث لا يختلف أحد في أن عليهم ما على الأجنبيين من إلزام رد ما خانوا وضمانه، فهلا قاسوا -من لم يقولوا بالقطع ما اختلفت فيه من السرقة، والقطع فيها على ما اتفق عليه من حكم الخيانة\".\rأما قياسهم الزوج والزوجة بالمودع، أو المأذون له في الدخول لا حجة لهم في هذا القياس؛ لأنهم لا يختلفون في أن المودع إذا سرق ما لم يودع عنده، أكان من مال آخر للمودع في حرزه، وأن المأذون له في الدخول \"لو سرق من مال محرز عنه للمدخول عليه الإذن له في الدخول، لوجب القطع عليهما بلا خلاف، فيلزم من هذا التشبيه أن لا يسقط القطع عن الزوجين، فيما سرق أحدهما من الآخر، إلا فيما ائتمن عليه، ولم يحرز منه\"١.\rورد ابن حزم قول من رأى القطع على الزوج دون الزوجة، إذا سرق أحدهما ما أحرزه عنه الآخر لما لها في ماله من صداق، ونفقة كسوة وإسكان وخدمة، فهي بذلك كالشريك، وذلك كله يترتب عليه شبهة حق في ماله بالنسبة لها، \"وذكر ابن حزم أن دليل من قال بذلك، هو ما جاء من قول الرسول ﷺ لمن شكت إليه بخل زوجها، وعدم إعطائه لها ما يكفيها وولدها\"، إذ قال ﷺ: \"خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف\".","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٢٨٦-٢٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234257,"book_id":3632,"shamela_page_id":533,"part":null,"page_num":552,"sequence_num":533,"body":"إذ أن الرسول ﷺ قد أطلق يدها على مال زوجها، تأخذ منه ما يكفيها وولدها، فهي مؤتمنه عليه كالمستودع ولا فرق.\rويرد ابن حزم على هذا بقوله: \"أما قولهم أن لها في ماله الحقوق المذكورة، وأن الرسول ﷺ قد أطلق يدها بالصورة الموضحة، فهذا ما لا ينكره أحد.\rولكن الذي لا يشك فيه أن الرسول ﷺ لم يطلق يدها على ما لا حق لها فيه من مال زوجها، ولا على أكثر من حقها، كما أن إباحة أخذها حقها، وما يكفيها ليس فيه دليل على إسقاط حدود الله تعالى على من أخذ الحرام غير المباح، وقاس ابن حزم ذلك بمن شرب عصيرًا حلالًا، ثم تعداه إلى شراب المسكر الحرام منه.\rوقال، بوجوب الحد في الحالين، ولا فرق بين المسألتين عنده من حيث إلزام الفاعل فيما حد ما قام به من أفعال.\rوسوى ابن حزم بين الزوجة، إذا أخذت من مال زوجها ما يزيد عن حقها، وبين الأجنبي، إذا كان له حق عند غيره، وتعمد أخذ ما ليس له بحق، حيث لزام الحد.\rوبنى ذلك كله على ما ذكره من أن الله تعالى لم يخص إذ أمر بقطع السارق والسارقة، إلا أن تكون زوجة من مال زوجها، وإلا أن يكون زوجًا من مال زوجته، وما كان ربك نسيا١.\rوما ذكره ابن حزم يحتاج إلى نظر، ومناقشة:\rأولًا: لم يقل أحد أن في الحديث الشريف دليلًا على إباحة السرقة للزوجين من مال أيهما، وكل ما هنالك أنه نتيجة لوجود شبهة","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٢٨٩- ٢٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234258,"book_id":3632,"shamela_page_id":534,"part":null,"page_num":553,"sequence_num":534,"body":"لكل منهما في مال الآخر نظرًا لقيام حق لكل منهما في مال صاحبه، ولوجود البسطة بينهما في المتاع، وقيام علاقة الزوجية، وما يترتب عليها من مخالطة ومودة، كل ذلك يترتب عليه نفي قيام حرز لمال أحدهما بالنسبة للآخر، ونفي قيام حرز لما لهما بالنسبة لكل منهما، أمر يترتب عليه درء العقوبة الحدية، إذا سرق أحدهما من مال صاحبه.\rولم يقل أحد أنه يترتب على ذلك كله، أو أن في الحديث الشريف ما يفيد إباحة السرقة لكل منهما من مال الآخر، هذا ما لم يقل به أحد.\rوكل ما قيل: أن ما ذكر ينتج شبهة لكل منهما في مال صاحبه تدرأ العقوبة الحدية، ولا تسقط العقوبة كلية إذ تبقى العقوبة التعزيرية، التي يختار منها القاضي ما يراه مناسبًا، كما يبقى أيضًا رد المال لصاحبه.\rثانيًا: لا يلزم من التسوية بين الزوجين، والأجنبيين في وجوب الرد، والضمان أن يسوي بينهما في إلزام العقوبة الحدية؛ لأن علة كل من الحكمين غير منضبطة.\rنظرًا؛ لأن التسوية بين الزوجين والأجنبيين، فيما لكل منهما من حق في مال من سرق منه منعدمة.\rإذ أنه لا حق لأجنبي في مال غيره ممن هو أجنبي بالنسبة له، أما الزوج والزوجة، فإن ما بينهما من الحقوق، وما على كل منهما للآخر من الواجبات، وما تحتمه العلاقة الشرعية بينهما من المخالطة ورفع الحجب، ما يوجب لكل منهما حقا في مال صاحبه، أو على الأقل ما يورث شبهة حق، أو أن ما أخذه من مال الآخر قد أخذه لغرض آخر غير السرقة، وحتى لو ادعى ذلك، فإن له من العلاقات بزوجه ما يقوي ما يدعيه ويرجحه، ويغلب احتمال صدق مقالته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234259,"book_id":3632,"shamela_page_id":535,"part":null,"page_num":554,"sequence_num":535,"body":"وعليه، فإنه لا وجهة التسوية بين الزوجين، والأجنبيين في إلزام كل منهما الحد إذا سرق أحد الزوجين من مال صاحبه، وسرق شخص من آخر غريب عنه.\rثالثًا: يرى ابن حزم أنه ليس في إباحة أخذ الزوجة حقها، وما يكفيها ما يسقط حدود الله بالنسبة لمن أخذ الحرام غير المباح، وهذا مما لا يختلف عليه أحد. لكنه يفهم من الحديث صراحة، إباحة أخذ الزوجة من مال الزوج ما يكفيها، دون تحديد نوع المال الذي تأخذ منه؛ لأن الحديث أطلق.\rوابن حزم ممن لا يحمل النصوص أكثر مما يدل عليه ظاهرها.\rوما دام ظاهر الحدجيث قد أباح الأخذ، وأطلق دون تحديد جهة أو نوع معين من مال الزوج، فلا شك أن ذلك يترتب عليه إسقاط حرز مال الزوج بالنسبة للزوجة.\rوإسقاط الحرز يترتب عليه عدم إلزام العقوبة الحدية، لوجود شبهة تتصل بالركن الشرعي للجريمة، نظرًا؛ لأن جمهور الفقهاء يرى أن من أخذ مالًا حرامًا غير محرز لا يقطع بأخذه، وإنما يعاقب بعقوبة تعزيرية مناسبة، إذا رأى القاضي ذلك.\rرابعًا: استدل ابن حزم على وجوب القطع على الزوجة، إذا سرقت من مال زوجها، مع أن لها فيه حقًا، بقياسه ذلك على ما يجب على من شرب عصيرًا حلالًا، ثم تعده إلى شرب المسكر منه.\rولا شك أن تسوية ابن حزم بين الحالتين تسوية غير منضبطة، وقياسه هذه بتلك قياس فاسد؛ لأن الزوجة التي أخذت من مال زوجها، قد أخذت مما لها في حق ثابت، أو على الأقل شبهة حق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234260,"book_id":3632,"shamela_page_id":536,"part":null,"page_num":555,"sequence_num":536,"body":"أما من تعدى شرب العصير الحلال إلى شرب المسكر الحرام مع علمه ذلك، فلا حق له، ولا شبهة حق قيما أقدم عليه.\rفالقياس غير قائم، مع أن ابن حزم لا يعتبر القياس حجة مطلقًا١، \"وحتى من يعتبر القياس حجة لا يعمله في إيجاب العقوبة الحدية\".\rخامسًا: التسوية بين \"الزوجة وبين الأجنبي إذا أخذ كل منهما ما يزيد على حقه، في وجوب الحد على كل منهم بذلك، تسوية غير منضبطة؛ لأن حق الأجنبي معروف له، ومحدد تمامًا أما حق الزوجة، فليس بمحدد ولا معين المقدار؛ لأن تحديد ذلك يرجع فيه إلى مقدار حاجتها، وما يكفي شراء ما يلزمها، وتحديد ذلك يرجع فيه إلى الظروف والأحوال، والعمدة، فيه هو العرف، وذلك كله يختلف باختلاف الظروف من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، ومن زمان لآخر.\rوالتسوية بين الزوجة والأجنبي، إذا أخذ كل منهم ما يزيد عن حقه، تسوية غير مقبولة أيضًا؛ لأن ما تأخذه الزوجة، وتنفقه على نفسها وولدها، وإن كان زائدًا على ما يكفيها، وولدها إلا أنه غالبًا ما يسعد زوجها، وخصوصًا حين يرى آثار ذلك على ولده، وزوجته التي هي من نفسه ولباس له.\rأما الأجنبي إذا أخذ ما يزيد على حقه، وأنفقه على نفسه، أو على ولده، فمما لا شك فيه أن ذلك يوفر صدر المأخوذ منه، ويثير حنقه، فالتسوية إذا غير منضبطة من كل جوانبها، ونواحيها.","footnotes":"١ يراجع في ذلك أ. د: سلام مدكور أصول الفقه الإسلامي ص٦٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234261,"book_id":3632,"shamela_page_id":537,"part":null,"page_num":556,"sequence_num":537,"body":"سادسًا: ما ذكره ابن حزم من أن الله ﷾ لم يخص إذا أمر بقطع السارق والسارقة، إلا أن تكون زوجة من مال زوجها، وإلا أن يكون زوجًا من مال زوجته: \"قد سبق الرد عليه بأن الآيات الكريمة لم تذكر شروط السرقة، ولا تصابها وما إلى ذلك\".\rوما دامت الآيات قد قبلت التخصيص في ذلك، فماذا يمنع من أن يكون من بين ما تخصص به أيضًا سرقة الزوجين من مال أحدهما، نظرًا لما لكل منهما في مال الآخر ما يورث شبهة، سواء أكانت شبهة حق طبقًا لما بينه الرسول ﷺ، وذكره ابن حزم: \"خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف\".\rأو كانت شبهة انتفاء الحرز نظرًا لطبيعة علاقة الزوجية، ولا يخفى بعد هذا كله أن ابن حزوم لا يرى درء الحد بالشبهة، هذا مذهبه، وقد سبقت مناقشته في الباب الأول، مع أن الشبهة هنا قد وصلت حدا انتقاص شرط من شروط إيجاب الحد على السارق، ألا وهو شرط إحراز المال المسروق بالنسبة للسارق، إذ الإذن بالدخول ينتفي معه الحرز يندرئ الحد، ولا يمنع درء الحد من إلزام السارق عقوبة تعزيرية مناسبة.\rوقد ذهب فقهاء القانون الوضعي إلى أن الأمر بين الزوجين، لا يخلو من أحد فروض ثلاث، فإما أن يكون المال خاصًا بأحد الزوجين كالملابس، والأوراق وعندئذ يكون اغتياله من الآخر سرقة.\rوإما أن يكون المال في عهدة أحد الزوجين لحفظه، أو التصرف فيه على وجه معين، وهنا يكون اغتياله تبديدًا.\rوأخيرًا قد يكون المال في حيازة الزوجين معًا، ولو كان مملوكًا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234262,"book_id":3632,"shamela_page_id":538,"part":null,"page_num":557,"sequence_num":538,"body":"لأحدهما، وعندئذ يكون اغتيال أحدهما مال الآخر خيانة للأمانة لا سرقة١.\rومن هذا يتضح أن القانون قد جعل لأخذ أحد الزوجين مال الآخر غير المحرز عنه، حكمًا غير حكم السرقة، وعاقب عليه بعقوبة مغايرة.\rأما مال أحدهما المحزر عن الآخر، فقد عد أخذ الآخر له سرقة يلزمه بها عقوبتها، وهذا يتفق وما قال به فقهاء المالكية، والشيعة وجمهور الحنابلة، ورأي للإمام الشافعي، كما سبق بيانه.\r٥- سرقة الشخص مما يشاركه فيه غيره:\rالمشاركة في المال أما أن تكون مشاركة فعلية، أو تكون مشاركة اعتبارية.\rأ- المشاركة الفعلية:\rويراد بها أن يكون السارق شريكًا حقيقيًا في المال الذي سرق منه، ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا قطع على الشريك، إذا سرق من المال الذي له فيه شركة، وإن قل نصيبه؛ لأن له في المال المسروق حقًا شائعًا، ويترتب على ذلك تدرأ الحد عنه٢.\rوذهب فقهاء الشيعة إلى أن من سرق من المال المشترك بينه، وبين غيره بقدر حصته، أو أقل لم يقطع، ولكنه يعزر، أما لو سرق ما يزيد على حصته بقدر ربع دينار من الذهب، قطعت يده٣.","footnotes":"١ أ. د: محمود مصطفى: القسم الخاص ص٤٥٣-٤٥٤، ص٤٨١-٤٨٢.\r٢ المبسوط ج٩ ص١٥٢، فتح القدير ج٥ ص٣٧٦-٣٧٧ مغني المحتاج ج٤ ص١٦٢، المهذب ج٢ ص٢٨١، المغني ج٨ ص٢٧٨.\r٣ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234263,"book_id":3632,"shamela_page_id":539,"part":null,"page_num":558,"sequence_num":539,"body":"أما فقهاء المالكية، فقد ذهبوا إلى أن من سرق من مال شركة بينه، وبين آخرين يقطع بشرطين:\rالأول: أن يحجب السارق عن مال الشركة، أي ليس له فيه تصرف.\rالثاني: أن يسرق فوق حقه نصابًا من جميع مال الشركة ما سرق، وما لم يسرق إن كان مثليًا، كما إذا كان جملة المال اثني عشر درهما، وسرق منه تسعة دراهم، وأما إن كان مقومًا فالمعتبر أن يكون فيما سرق فوق حقه، مما سرق لا من جميع المال نصابًا.\rوعليه فإن من سرق من مال له فيه شركة، ولم يكن المال محجوبًا عنه، فلا قطع عليه.\rوكذا لو كان محجوبًا عنه، وسرق ما دون النصاب١، وعلل فقهاء المالكية تفريقهم بين المثلى، والمقوم حيث اعتبروا في المثلى كون النصاب المسروق فوق حقه في جميع المال المشترك، ما سرق وما لم يسرق، واعتبروا في المقوم كون النصاب المسروق فوق حقه، فيما سرق فقط، أن المقوم لما كان ليس له أخذ حظه منه، إلا برضاء صاحبه لاختلاف الأغراض في القوم كان ما سرقه بعضه حظه، وبعضه حظ صاحبه، وما بقي كذلك، وأما المثلى، فلما كان له أخذ حظه منه أبى صاحبه، لعدم اختلاف الأغراض فيه غالبًا، فلم يتعين أن يكون ما أخذه منه مشتركًا بينهما، وما بقي كذلك٢.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٩٧، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٧.\r٢ المرجع السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234264,"book_id":3632,"shamela_page_id":540,"part":null,"page_num":559,"sequence_num":540,"body":"أما ابن حزم، فقد ذهب إلى أن من سرق من شيء له فيه نصيب، فإن كان نصيبه هو ما أخذه فقط، فلا قطع عليه.\rأما إن أخذ نصيبه وزيادة، فإن كانت الزيادة مما يجب القطع في مثلها قطع، ولا بد، إلا أن يكون منع حقه في ذلك، أو احتاج إليه، فلم يصل إلى أخذ حقه إلا بما فعل، ولا قدر على أخذ حقه خالصًا، فلا قطع إذا عرف ذلك، وإنما عليه أن يرد الزائد على حقه فقط؛ لأنه مضطر إلى ما أخذ، إذا لم يقدر على تخليصه١.\rوالذي أرجحه من ذلك ما ذهب إليه الجمهور من القول بعدم قطع من سرق مالًا له فيه شركة، أو حق حتى وإن زاد ما أخذه على ماله في هذه الشركة من حق بمقدار النصاب وزيادة، وسواء أكان مثليًا أم منقولًا؛ لأن وجود حق السارق في المال يبيح له اتصال بهذا المال، فيصبح المال غير محرز بالنسبة له.\rكما أنه تقوم في حقه شبهة ملكه لبعض المسروق، وهي وحدها تكفي لدرء العقوبة الحدية عنه.\rوالتفريق بين المثلى والمنقول تفرقة لا يقوم عليها دليل، حتى عند من أخذ بها.\rويكفي لرد رأي من قال بالقطع، ما روي من أن عاملًا لعمر -رضي الله تعالى عنه، كتب يسأله عمن سرق من مال بيت المال.\rفقال عمر: لا تقطعا فما من أحد إلا وله فيه حق.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234265,"book_id":3632,"shamela_page_id":541,"part":null,"page_num":560,"sequence_num":541,"body":"وروى الشعبي١ أن رجلًا سرق من بيت المال، فبلغ عليًا كرم الله وجهه، فقال: إن له فيه سهمًا ولم يقطعه٢.\rفإذا كان السارق من بيت المال لم يقطع؛ لأن له فيه سهمًا، وهذا السهم غير معلوم المقدار، ولا مخصص بكونه مثليًا بالنسبة لما سرق أو قيميا، ومع ذلك درء الحد عنه لوجود هذا السهم له، فمن باب أولى يدرأ الحد عمن سرق مالًا له فيه شركة، وحق ونصيب.\rهذا بالإضافة إلى أن مال بيت المال حرزه قائم بالنسبة لمن سرق منه، أما مال شركة السارق، فالحرز حتى وإن كان موجودًا، إلا أنه لا يقوم بالنسبة له، لجواز دخوله على هذا المال في أي وقت، سواء للاطمئنان عليه، أو لرعايته أو لمراجعته، وما إلى ذلك.\rفإذا كانت سرقته المحرز لا يقطع بها أن كان للسارق فيما سرقه حق، فما بالنا بسرقته غير المحرز عنه، مما له فيه شركة ونصيب.\rويرى فقهاء القانون أن السرقة جريمة من جرائم الاعتداء على المال بقصد تملكه، فلا يتصور إذن حصولها من مالك، ونبغي على هذا أن من يختلس ماله لا يكون سارقًا، ولو كان سيئ القصد معتقدًا وقت الاختلاس أن المال يملكه غيره، وتسري هذه القاعدة، حتى ولو كان للغير حقوق على الشيء المختلس نجلعه أولى بالحيازة من مالكه.\rغير أن القانون الإنجليزي قد توسع، فأخذ بعموم قاعدة أنه يعد سارقًا كل من يختلس من آخر شيئًا، لا يكون المختلس أحق بحيازته ممن اختلسه منه، ولو كان المختلس مالكًا للشيء، ولو بطريق الاشتراك مع","footnotes":"١ عامر بن شراحبيل ولد بالكوفة، كان يكره الرأي، سمع عليه أبو حنيفة الحديث ت ١٠٥.\r٢ المهذب ج٢ ص٢٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234266,"book_id":3632,"shamela_page_id":542,"part":null,"page_num":561,"sequence_num":542,"body":"الغير، فيعتبر سارقًا الشريك الذي يفتح مخزن الشركة بمفاتيح مصطنعة، ويستولي خلسة على شيء من البضائع١.\rفالقاعدة الأساسية تقضي بعدم عده سارقًا، وهذا ما ذهب إليه الجمهور من الشرعيين، وإن كان الاتجاه الإنجليزي قد ضيق الرأي، فاعتبروه سارقًا حتى، ولو كان ما أخذه مقدار نصيبه في الشركة٢.\rب- المشاركة الاعتبارية:\rويراد بذلك أن يكون للسارق حق ما في المال، الذي سرق منه تقرر -هذا الحق له بدليل شرعي.\rولم يقرر هذا الحق عن طريق المشاركة الفعلية الناتجة عن مساهمة كل من المشاركين في رأس المال، محل الشركة، فالمشاركة الاعتبارية بالإضافة إلى ما سبق أن ذكرت بالنسبة لكل من الزوجين، الواجب على شخص آخر، أوجد هذا النوع من الحق رعاية المصالح، والروابط التي يقررها الشرع، ويحميها ويحترمها، ويلزم على أساسها شخصًا الإنفاق على آخر وإعاشته.\rوهذا النوع من المشاركة ينتج شبهة، تدرأ الحد عمن سرق من المال الذي حدد له الشرع الإعاشة منه، وتتضح صور المشاركة الاعتبارية، بالإضافة إلى ما سبق\rأن ذكرت بالنسبة لكل من الزوجين مع الآخر، فيما يأتي من صور أيضًا:","footnotes":"١ أ. د: محمود مصطفى القسم الخاص ص٤٦٤-٤٦٦. أ. د: أحمد الألفي القسم الخاص ص١٨١.\r٢ المرجعان السابقان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234267,"book_id":3632,"shamela_page_id":543,"part":null,"page_num":562,"sequence_num":543,"body":"أولًا: المشاركة التي بين الأقرباء ذوي الرحم المحرم كل في مال الآخر، وتشمل مشاركة الوالد ولده، والابن لأبيه، وكل من نفي عنه الحرج في أن يأكل من بيت من تربطه بن صلة، مما حددته الآية الكريمة.\rالتي تقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ١.\rثانيًا: المشاركة القائمة بين جماعة من الجماعات في مال من الأموال التي تملكوها، أو ثبت لكل منهم حق فيه، ولم تتم قسمة هذه الأموال بينهم، ولم يعين ما يخص كل فرد منهم، أو لم يفصل عن باقي الأموال بوضوح، ولم يوضع في حرز خاص به.\rهذه هي صورة المشاركة الاعتبارية، وسأذكر قيما يأتي آراء الفقهاء، فيما إذا سرق أحد هؤلاء من المال الذي له فيه شركة اعتبارية.\rونظرًا؛ لأنه قد سبق الحديث عن سرقة كل من الزوجين من مال الآخر. فسأخص بالحديث هنا ما بقي من صور.\rأولًا: سرقة ذوي الرحم المحرم بعضهم من بعض\rاهتم الإسلام اهتمامًا عظيمًا بصوة علاقة الأبوة، والحفاظ عليها، فأمر الله ﷾ في كثير من آيات القرآن الكريم، بالإحسان إلى الوالدين، ورعايتهما والقيام بشئونهما.","footnotes":"١ من الآية ٦١ من سورة النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234268,"book_id":3632,"shamela_page_id":544,"part":null,"page_num":563,"sequence_num":544,"body":"وبين رسول الله ﷺ أن الابن، وكل ماله لأبيه، ومن هنا ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوالد، إذا أخذ شيئًا من مال ابنه، ولو على سبيل السرقة، فإنه لا يقطع بذلك؛ لأنه أخذ مالًا له فيه ملك، وثبوت هذا الملك للوالد في مال ولده ينتج شبهة في الركن الشرعي لجريمة السرقة، يترتب عليها درء العقوبة الحدية عنه.\rوالأب هنا مراد به الأم أيضًا، فإنه لا قطع عليها إذا سرقت من مال ابنها لما سبق.\rوذهب فقهاء الأحناف، والشافعية والحنابلة، والشيعة إلى إطلاق الأب، وإن علا وكذا الأم وإن علت، أما فقهاء المالكية فقد اختلفوا في إطلاق الأب على الجد، وإعطاء الجد حكم الأب هنا، فقال ابن الحاجب١: وفي الجد قولان قال في التوضيح: اختلف الأجداد من قبل الأب والأم، فقال ابن القاسم:٢ أحب إلي أن لا يقطع؛ لأنه أب؛ ولأنه ممن تغلظ عليه الدية، ورد ادرءوا الحدود بالشبهات، وقال أشهب٣: يقطعون؛ لأنهم لا شبهة لهم في مال أولاد أولادهم، ولا نفقة لهم عليهم، وتأمل بعضهم قول ابن القاسم: أحب إلي على الوجوب، ولا خلاف في قطع","footnotes":"١ ابن الحاجب: أبو عمر عثمان بن عمرو المالكي، المتوفى سنة ٦٤٦هـ، وهو صاحب كتاب منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل.\r٢ ابن القاسم المصري، أبو عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة، صاحب مالكًا عشرين سنة، وهو صاحب المدونة، وعنه أخذ سحنون، وقد روى الموطأ أيضًا توفي سنة ١٩١هـ.\r٣ أشهب بن عبد العزيز القيسي، فقيه مصر ولد سنة ١٤٥هـ، ومات سنة ٢٠٤هـ، انتهت رياسة المذهب المالكي بمصر بعد ابن القاسم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234269,"book_id":3632,"shamela_page_id":545,"part":null,"page_num":564,"sequence_num":545,"body":"باقي القرابات، وقد تبين له الخلاف في الجد مطلقًا لا في خصوص الجد لأم١.\rوذهب جمهور الفقهاء من الأحناف، والشافعية والحنابلة، والشيعة إلى أن الابن، وإن سفل لا يقطع بسرقة مال والده، وإن علا.\rوظاهر قول الخرقي٢ من فقهاء الحنابلة، وأبي ثور من فقهاء الشافعية، وابن المنذر٣ والإمام مالك أن الابن يقطع بسرقته من مال والده، لظاهر الكتاب؛ ولأنه يحد بالزنا بجاريته، ويقاد بقتله، فيقطع بسرقة ماله كالأجنبي.\rورد ذلك جمهور الفقهاء نظرًا لما بين الابن، وأبيه من قرابة تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه، فلا يقطع الابن إذا بسرقته من مال والده، كما لا يقطع الوالد بسرقته من مال ابنه.\rولأن النفقه تجب للابن من مال أبيه حفظًا له من التلف، وعليه فلا يجوز إتلافه حفظًا للمال.\rولا يجوز قياس قطعه بسرقته من مال أبيه على وجوب الحد","footnotes":"١ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٧، الخرشي ج٨ ص٩٦، المبسوط ج٩ ص١٥١، فتح القدير ج٥ ص٣٨١، المذهب ج٢ ص٢٨١، المغني ج٨ ص٢٧٥، مباني المنهاج ج١ ص٢٨٥، شرح الأزهار ج٢ ص٣٧٥.\r٢ هو، أبو القاسم عمر بن حسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي، فقيه حنبلي من أهل بغداد، له تصانيف منها المختصر في الفقه، توفي بدمشق سنة ٣٣٤هـ.\r٣ أبو بكر، محمد بن أبراهيم بن المنذر النيسابوري، كان فقيهًا عالمًا صنف في اختلاف العلماء كتبًا لم يصنف مثلها ت ص٣٠٩، أو سنة ٣١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234270,"book_id":3632,"shamela_page_id":546,"part":null,"page_num":565,"sequence_num":546,"body":"عليه إذا زنى بجارته لما بين الحالتين من فروق أهمها أن للابن شبهة في مال أبيه، وليست هذه الشبهة موجودة في جارية الأب.\rوقد بين هذا الشيرازي في قوله: ومن سرق من ولده، أو ولد ولده، وإن سفل أو من أبيه من جده وإن علا، لم يقطع.\rوقال: أبو ثور يقطع، لقوله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، فعم ولم يخصص، وهذا الخطأ لقوله ﵇: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\"، وللأب شبهة في مال الابن وللابن شبهة في مال الأب؛ لأنه جعل ماله كماله في استحقاق النفقة ورد الشهادة فيه، والآية نخصها بما ذكرناه\"١.\rوزاد فقهاء الأحناف، والشيعة على ما ذكر القول بعدم القطع على من سرق من ذي رحم محرم.\rأما جمهور الفقهاء، فقد ذهبوا إلى قطع من سرق من ذي رحم محرم، أو من سائر أقاربه، عدا ما ذكر في الآباء والأبناء.\rواعتمد الجمهور في ذلك على أنه ليس بين باقي ذي الرحم المحرم أبوة، ولا بنوة، وعليه فلا تتمكن الشبهة لأحدها في مال الآخر، بدليل قبول شهادة كل واحد منهم لصاحبه، وجواز إعطائه الزكاة؛ ولأن ما بينهما من قرابة لا يترتب عليها حرمة النكاح أيضًا، ولا استحقاق","footnotes":"١ يراجع في ذلك، المهذب للشيرازي ج٢ ص٢٨١، مغني المحتاج ج٤ ص١٦٢المغني ج٨ ص٢٧٦، المبسوط ج٩ ص١٥١، فتح القدير ج٥ ص٣٨٠-٣٨٢، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٨٥-٢٨٩ شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٥، الخرشي ج٨ ص٩٦ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234271,"book_id":3632,"shamela_page_id":547,"part":null,"page_num":566,"sequence_num":547,"body":"النفقة، ولهذا يقطع أحدهما إذا سرق من الآخر، ورد فقهاء الأحناف ومن وافقهم، ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بأن له ﷾ قد رفع الجناح، على الدخول في بيت الأخرى، والأعمام، والأكل منه، وظاهر هذا يقتضي الإباحة، والظاهر وإن ترك لقايم الدليل يبقى شبهة.\rكما أن الآية الكريمة عطفت بيوت الأخوة، والأعمام على بيوت الآباء والأولاد، والمعطوف حكمه حكم المعطوف عليه.\rولا يتعرض على ذلك بما جاء من قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ ؛ لأن الصداقة هذه تنتفي مع السرقة، فتنتفي معها الشبهة، والأخوة لا تنتفي مع السرقة كالأبوة والبنوة.\rكما ذهب الأحناف أيضًا إلى أن هذه القرابة، يتعلق بها استحقاق النفقة، والعتق عند الدخول في الملك، فإذا ثبت استحقاق النفقة، وما إلى ذلك استتبع وجود حق لبعضهم في مال بعض من وجه.\rوعلى ذلك تنهض في حقهم شبهتان، أولاهما انتفاء الحرز بالإذن بالدخول، والثانية وجود حق في مقال بعضهم لبعض، ووجود هاتين الشبهتين، أو إحداهما يكفي لدرء العقوبة الحدية، كما أن العقوبة الحدية لا تلزم أيضًا إذا سرق من مال الغير، أو متاعه الموجود في بيت ذي الرحم لوجود الإذن بالدخول، بخلاف ما إذا سرق مال ذي الرحم المحرم من بيت غيره، فإنه يلزمه به القطع، لعدم الإذن بالدخول، ووجود الحرز.\rوقد بين ذلك كله ابن الهمام بقوله: \"وأما وجه عدم القطع في قرابة الولادة؛ فلأنها عادة تكون معها البسوطة في المال، والإذن في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234272,"book_id":3632,"shamela_page_id":548,"part":null,"page_num":567,"sequence_num":548,"body":"الدخول في الحرز حتى يعد كل منهما بمنزلة الآخر، ولذا منعت شهادته له شرعًا. ويخص سرقة الأب من مال الابن قوله ﵊: \"أنت ومالك لأبيك\".\rوأما غير الولادة، فألحقهم الشافعي ﵀ بالقرابة البعيدة، ونحن ألحقناهم بقرابة الولاد، وقد رأينا الشرع ألحقهم بهم في إثبات الحرمة، وافتراض الوصل، فلذا ألحقناهم بهم في عدم القطع بالسرقة، ووجوب النفقة.\rولأن الإذن بين هؤلاء ثابت عادة للزيارة، وصلة الرحم، ولذا حل النظر منها إلى موضع الزينة الظاهرة والباطنة، وما ذاك إلا للزوم الحرج لو وجب سترها عنه مع كثرة الدخول عليها، وهي مزاولة الأعمال، وعدم احتشام أحدهما من الآخر.\rوأيضًا فهذه الرحم المحرمة يفترض وصلها، ويحرم قطعها، وبالقطع يحصل القطع، فوجب صونها بدرئه.\rومما يدل على نقصان الحرز فيها قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ .\rورجع الجناح عن الأكل من بيوت الأعمام، أو العمات مطلقًا يؤنس طلاق الدخول، ولو سلم فإطلاق الأكل مطلقًا يمنع قطع القريب، ثم هو أن ترك لقيام دليل المنع بقيت شبهة الإباحة على أوزان ما قلنا في: \"أنت ومالك لأبيك\".\rفإن قلت: فقد قال: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ ، كما قال: ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ﴾ ، والحال انه يقطع بالسرقة من صديقه، أجيب بأنه لما قصد سرقة ماله فقد عاداه، فلم يقع الأخذ إلا في حال العداوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234273,"book_id":3632,"shamela_page_id":549,"part":null,"page_num":568,"sequence_num":549,"body":"ولو سرق من بيت ذي الرحم المحرم متاع غيره لا يقطع، ولو سرق مال ذي الرحم المحرم من بيت غيره، يقطع اعتبار للحرز وعدمه١.\rوذهب ابن حزم إلى وجوب القطع على السارق مطلقًا، سواء أسرق من غريب عنه، أم من ذي رحم محرم، أو من والده أو من ولده، أخذا بظاهر آية السرقة التي أوجبت القطع على كل من سرق، إذا اكتملت فيه شروط القطع، سواء أكان بينه وبين المسروق منه صلة قرابة محرمية أم لا.\rورد على ما استدل به الجمهور فيما سبق، فقال: فأما الآية فحق، ولا دليل فيها على ما ذكروا، بل هي حجة عليهم، وقد كذبوا فيها أيضًا، أما كونها لا دليل فيها على ما ادعوه، فإنه ليس فيها إسقاط القطع على من سرق من هؤلاء لا بنص ولا بدليل، وإنما فيها إباحة الأكل لا إباحة الأخذ بلا خلاف من أحد من الأمه.\rفإن قالو: قسنا الأخذ على الأكل قلنا لهم: القياس كله باطل، وأما قولهم: \"إن إباحه الله تعالى الأكل من بيوت هؤلاء، يقتضي إباحة دخول منازلهم بغير إذنهم\"، فليت شعري أين وجدوا هذا في هذه الآية أو في غيرها، فيدخل الصديق منزل صديقه بغير إذنه، هذا عجب من العجب، أما سمعوا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ ٢.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣٨١، المبسوط ج٩ ص١٥١-١٥٢، البحر الرائق ج٥ ص٦٢-٦٣، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٨٥-٢٩٠، شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٥، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٧ المذهب ج٢ ص٢٨١، المغني ج٨ ص٢٧٦.\r٢ من الآيتين ٥٨-٥٩ من سورة النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234274,"book_id":3632,"shamela_page_id":550,"part":null,"page_num":569,"sequence_num":550,"body":"منكم.. إلى قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ، فنص الله تعالى على أنه لا يدخل بالغ أصلًا على أحد إلا بإذن، ودخل في ذلك الأب والابن وغيرهما، حاشا ما ملكت أيماننا، والأطفال، فإنهم لا يستأذنون إلا في هذه الأوقات الثلاثة فقط.\rوأما قول الرسول ﷺ: \"أنت ومالك لأبيك\"، فقد أوضحنا أن ذلك حبر منسوخ قد صح نسخه بآيات المواريث، فإن قالوا: إن الوالدين حقًا في مال الولد؛ لأنهما إذا احتاجا أجبر على أن ينفق عليهما، فلا يقطع الأب أو الأم فيما سرقا من ابنهما، فهذا تمويه ظاهر، ولم يخالفهم أحد في أن الوالدين إذا احتاجا، فأخذا من مال ولدهما حاجتهما، باختفاء أو بقهر، أو كيف أخذا، فلا شيء عليهما، فإنما أخذ حقهما، وإنما الكلام فيهما إذا أخذا مالًا حاجة بهما إليه، أما سرا وإما جهرًا، فاحتجاجهم بما ليس من مسألتهم تمويه، كما أنهم لا يختلفون فيمن كان له حق عند أحد، فأخذ من ماله مقدار حقه، فإنه لا يقطع ولايقضي عليه برده، فلو كان وجوب الحق للأبوين في مال الولد إذا احتاجا إليه مسقطًا للقطع عنهما، إذا سرقا من ماله مالًا يحتاجان إليه، ولا حق لهما فيه، لوجب ضرورة أن يسقط القطع عن الغريم، الذي له الحق في مال غريمه، إذا سرق منه مالًا حق له فيه، وهذلًا مالًا يقولونه، فبطل ما موهوا به من ذلك١.\rوما ذكره ابن حزم لا يخلو مما يرد عليه، إذ لم يقل أحد أن الآية أباحت السرقة، لكنها أباحت الأكل، وإباحة الأكل بترتب عليها وجود شبهة حق لمن أبيح له، في المال المباح الأكل منه، وشبهة الحق هذه تدرأ العقوبة الحدية، كما سبق الإشارة إلى ذلك،","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٣٨٠-٣٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234275,"book_id":3632,"shamela_page_id":551,"part":null,"page_num":570,"sequence_num":551,"body":"ولا يخفى أن ابن حزم لا يعمل الشبهات في درء الحدود، وقد سبق الرد عليه أيضًا,\rوإباحة الأكل أيضًا لم يقل أحد بأنها تبيح الأخذ، وإنما تدرأ الحد فقط مع بقاء العقوبة التعزيرية، ووجوب رد المال، ولم يقال أحد أيضًا أن إباحة الأكل يترتب عليها إباحة دخول المنازل بغير إذن، وإنما يترتب عليها انتفاء حرز المال بالنسبة لمن أبيح له الأكل منه.\rكما أن الآية التي تحدثت عن تحديد أوقات الدخول بالنسبة لما ملكت أيماننا وأطفالنا، فالدخول هنا مقصود به دخول مكان النوم، الذي قد يتخفف الإنسان فيه من ملابسه، أو تنكشف فيه عورته، بدليل أن الله ﷾ قال: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١.\rوأما قول ابن حزم أن قول رسول الله ﷺ:\r\"أنت ومالك لأبيك\"، قد نسخ بآيات المواريث، فقول مردود؛ لأنه لا تعارض بين ما يدل عليه الحديث وآيات المواريث؛ لأن هذا الحديث لم يسبق في معرض بيان نصيب الأب في مال ولده، أما محاولة استدلال ابن حزم على وجوب القطع على الوالدين، إذا أخذوا من مال ابنهما خفية ما يجب القطع به، قياسًا لهما بمن كان له حق عند آخر، فأخذ من غريمه أكثر من حقه، فقول مردود؛ لأنه قد جاء في أقوال الفقهاء، فيما مضى التفريق بين حالتين من الحالات التي يأخذ الغريم فيما ما زاد عن حقه، إذ أنهم قد أسقطوا الحد عن الغريم","footnotes":"١ من الآية ٥٨ من سورة النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234276,"book_id":3632,"shamela_page_id":552,"part":null,"page_num":571,"sequence_num":552,"body":"الذي لم يستطع الوصول إلى حقه، إلا بأخذ ما زاد عنه معه١.\rولا يخفى أن التسوية بين الوالدين، ولا بين الغريم تسوية غير مقبولة؛ لأن ما أخذه الوالدان قليل من كثير، إذا ما قيس بما أعطياه لابنهما، كما أن الابن إذا رأى آثار هذا المال على والديه، فلن يوغر صدره مثلمًا يراه على غريم.\rأما فقهاء القانون الوضعي، فإنهم قد اعتبروا سرقة الفروع من أصولهم، أو الأصول من فروعهم، وكذا الأزواج، سرقة تختلف عن غيرها من السرقات، كل ذلك من باب المحافظة على الأسرة، وعلاقاتها.\rفتنص المادة ٣١٢ من قانون العقوبات على أنه: لا تجوز محاكمة من يرتكب سرقة إضرارا بزوجه، أو زوجته، أو أصوله أو فروعه الأبناء على طلب المجني عليه، والمجني عليه أن يتناول عن دعواه بذاك في أية حالة كانت عليها الدعوى، كما له أن يوقف تنفيذ الحكم النهائي عن الجاني في أي وقت شاء.\rوهذه المادة جاءت بدلًا من مادة أخرى، كانت تقضي بأنه لا يحكم بعقوبة ما على من يرتكب سرقة إضرارًا بزوجه، أو زوجته أو أصوله، أو فروعه.","footnotes":"١ من هؤلاء الفقهاء الأحناف، ويراجع في ذلك المبسوط ج٩ ص١٧٨، فتح القدير ج٥ ص٣٧٧، بل وقد قرر ذلك ابن حزم نفسه، حين تحدث عمن سرق ما يزيد على حقه، فقال: إلا أن يكون منع حقه، أو احتاج إليه فلم يصل إلى\rأخذ حقه إلا بما فعل، ولا قدر على أخذ حقه خالصًا، فلا يقطع إذا عرف ذلك، وإنما عليه أن يرد الزائد على حقه فقط؛ لأنه مضطر إلى أخذ ما أخذ إذا لم يقدر على تلخيص مقدار حقه، والله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ٦: ١١٩.\rيراجع في ذلك المحلى ج١٣ ص٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234277,"book_id":3632,"shamela_page_id":553,"part":null,"page_num":572,"sequence_num":553,"body":"ويعلق الأستاذ الدكتور: محمود مصطفى على المادة السابقة بقوله: وقد رؤي بهذا النص المحافظة على مصلحة الأسرة، فلم يشأ المشرع أن يخول للنيابة السير في الدعوى العمومية، رغم إرادة المجني عليه، الذي قد يرى أن مصلحة العائلة عدم إثارة الجريمة ... وسواء أكان الفاعل يعلم بهذه العلاقة التي تربطه بالمجني عليه، أو أكان يجهلها١.\rثانيًا: السرقة من المال الذي تملكه الجماعة\rوالمال الذي تملكه الجماعة ينقسم بحسب ما يصدق عليه لفظ الجماعة إلى قسمين:\rالأول: المال الذي تملكه جماعة محددة بسبب اغتنامها له، أو وقفه عليها، أو الإيصاء به لها، أو تخصيصه للإنفاق منه عليها.\rالثاني: المال العام، أو الذي تملكه الدولة، وهو ما يسمى عند الفقهاء مال بيت المال.\rذهب جمهور الفقهاء إلى أن من سرق من مال له فيه حق، فلا قطع عليه سواء أخذ حقه، أو ما زاد عنه اعتمادًا على أن وجود له في المال ينهض شبهة تدرأ الحد عنه.\rوقد سبق بيان ذلك٢:\rوقيد أبن حزم، وفقهاء الشيعة الجعفرية عدم القطع بما إذا سرق","footnotes":"١ أ. د: محمود مصطفى القسم القاص ص٤٨١-٤٨٣. أ. د: رءوف عبيد جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال ص٤١٣-٤١٨ \"ط سنة ١٩٧٨ دار الفكر العربي\r٢ المبسوط ج٩ ص١٨٨. فتح القدير ج٥ ص٣٧٦-٣٧٧.\rالمهذب ج٢ ص٢٨١، مغني المحتاج ج٤ ص١٦٣، المغني ج٨ ص٢٧٧ شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٦، ويراجع في ذلك ما جاء في الباب الأول، عند الحديث عن الشبهات التي تلحق الدليل الشرعي، وشبهة الحق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234278,"book_id":3632,"shamela_page_id":554,"part":null,"page_num":573,"sequence_num":554,"body":"مقدار حقه أو نصيبه، فإن زاد عن ذلك مقدار ما يجب القطع به قطع به قطع: \"إلا أن يكون قد منع حقه، ولم يستطع الوصول إليه، إلا بما فعل ولم يقدر على أخذ حقه خالصًا، ولزمه في هذه الحالة رد الزائد على حقه\".\rوإسقاط الحد عنه في هذه الحالة ناتج من اضطراره لذلك١، وذهب الفقهاء الملكية، وحماد، وابن المنذر إلى أن من سرق من بيت المال -ومنه الشون التي توضع فيها الأقوات، أو من مال الغنيمة بعد أن تم جمعها، وقبل قسمتها، وإعطاء كل فرد نصيبه وجب قطعه، ولا يجوز النظر إلى أن له في ذلك شبهة، إذا سرق مال الجيش؛ لأنها شبهة ضعيفة لا تقدر على درء الحد، أما بيت المال فإن فقهاء المالكية يرون أنه لا شبهة أصلًا فيه لأحد، فيلزم القطع كل من سرق منه بشروطه، وجاء مثل ذلك في رأي الفقهاء الشافهية٢، وأضاف المالكية إلى ذلك أن من سرق من مال الغنيمة قبل أن يتم جمعها، فلا قطع عليه، ويبدو أنهم بنوا ذلك على أساس أن الغنيمة قبل أن يتم جمعها مال غير محرز.\rويقول الخرش مبينًا ذلك: \"وكذلك يقطع من سرق من بيت المال لضعف شبهته في بيت مال المسلمين، وسواء كان منظما أم لا، وكذلك يقطع من سرق من الغنيمة، بعد حوزها لضعف شبهته في الغنيمة، ويدخل","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٣٥٥، مباني المنهاج ج١ ص٢٨٤.\r٢ مغني المحتاج ج٤ ص١٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234279,"book_id":3632,"shamela_page_id":555,"part":null,"page_num":574,"sequence_num":555,"body":"في بيت المال الشؤون بخلاف من سرق من الغنيمة، قبل حوزها، فإنه لا يقطع١.\rوما ذهب إليه فقهاء الملكية، ومن وافقهم هو ما أرجحه؛ لأن بيت المال أو المال العام بصورته الحالية، لا توجد فيه شبهة لأحد من رعايا الدرعة، تبيح له السرقة من هذا المال العام؛ لأن الدولة قد حددت لكل فرد وطائفة راتبًا معينًا، ونصيبًا تستحقه، قل أم كثر، وحددت الجهة التي يصرف منها ذلك الراتب، وبينت الطريق الذي يتبع عند الطب أو التقاضي، وبدا لم تبق شبهة لأحد في المال العام.\rاللهم إلا من احتاج ما يسد به رمقه ولم يجد، وهذا له حكم خاص به.\rوقد ذهب فقهاء القانون الوضعي إلى مذهب إليه الإمام مالك، فقرروا أن أموال الدولة سواء وقعت في ملكيتها العامة، أو الخاصة، ليست من الأموال المباحة، ولذا فهي تصلح محلا للسرقة، فمن يستولي على شيء من ذلك يعد سارقًا.\rوذهبوا إلى أن من الأموال ما تكون ملكية الدولة لها من قبيل الملكية السياسية العليا، فتأخذ حكم الأموال المباحة، وقد جرى قضاء محكمة النقض على أن أخذ الأحجار من الجبال من غير المناطق المخصصة للمحاجر لا يعتبر سرقة، إلا في صورة ما إذا ثبت أن الحكومة قد وضعت يدها عليها، وضعًا صحيحًا يخرجها من أن تكون","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٩٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٧، المغني ج٨ ص٢٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234280,"book_id":3632,"shamela_page_id":556,"part":null,"page_num":575,"sequence_num":556,"body":"مباحة إلى أن تكون داخلة في ملكها الحر، أو المخصص للمنفعة العامة١.\r٦- الاشتراك في السرقة:\rيتحقق الاشتراك في السرقة بقيام أكثر من شخص بالركن المادي للجريمة.\rولا يخلو حال المشتركين في السرقة، عما يأتي:\rأ- أن يقوموا جميعًا بإخراج المسروق من حرزه.\rب- أن يقوم البعض بإخراج المسروق من حرزه، والبعض بمراقبة الطريق، وما يتبع ذلك.\rج- أن يشارك في الإخراج من لا يجب عليه الحد.\rوللفقهاء آراء في إلزام العقوبة الحدية للسراق في كل حالة من هذه الحالات:\rأ- إذا قام السراق بإخراج المسروق من حرزه، ذهب فقهاء الأحناف والشافعية -عدا أبي ثور- ووافقهما إسحاق٢، وهذا ما اختاره ابن قدامه: أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، فلم تبلغ حصة كل منهم نصابًا، فلا قطع عليهم.","footnotes":"١ أ. د. محمود مصطفى القسم الخاص ص٤٦٨.\rأ. د. أحمد الألفي القسم الخاص ص٢٨٣.\rأ. د. رءوف عبيد جرائم الاعتداء على الأشخاص، والأموال ص٣٤٢-٣٤٧.\r٢ هو، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهوية أحد أعلام نيسابور، نقل عنه أنه أملى أحد عشر ألف حديث من حفظه، وكان فقيهًا عالمًا، ومحدثًا ت سنة ٢٣٨، عن سبع وسبعين سنة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234281,"book_id":3632,"shamela_page_id":557,"part":null,"page_num":576,"sequence_num":557,"body":"وبنوا رأيهم هذا على أساس اشتراط النصاب لوجوب القطع، فما دام لم يبلغ نصيب كل سارق نصابًا، فلم يعد هناك ما يقضي قطعه؛ لأنه لا نص في ذلك ولا هو في معنى المنصوص عليه لاختلاف قيمة ما يجب به الحد.\rوذلك كله يترتب عليه شبهة في إلزام العقوبة، والحد مما يدرأ بالشبهات، بين هذا ابن قدامة عند حديثه عن السراق، الذين اشتركوا في إحراج المسروق، فقال: \"قال الثوري١، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق\": لا قطع عليهم إلا أن تبلغ حصه كل واحد منهم نصابًا؛ لأن كل واحد لم يسرق نصابًا، فلم يجب عليه القطع، كما لو انفرد بدون النصاب، \"ويعلق ابن قدامة على هذا بقوله\": وهذا القول أحب إلي؛ لأن القطع هنا لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه، فلا يجب، والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات٢.\rوزاد الشيرازي المسألة تفصيلًا، فقال:\r\"وإنة نقب اثنان حرزًا وسرقا نصابين قطعا؛ لأن كل واحد منهما سرق نصابًا، وإن أخرج أحدهما نصابين، ولم يخرج الآخر شيئًا قطع الذي أخرج دون الآخر؛ لأنه هو الذي انفرد بالسرقة، فإن اشتركا في نصاب لم يقطع واحد منهما٣.\rولا يخفى أن أبا حنيفة قد قيد قطعهم، إذا كان نصيب كل","footnotes":"١ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، مات بالبصرة متواريًا من السلطان سنة ١٦١هـ.\r٢ المغني ج٨ ص٢٨٢.\r٣ المهذب ج٢ ص٢٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234282,"book_id":3632,"shamela_page_id":558,"part":null,"page_num":577,"sequence_num":558,"body":"منهم نصابًا بحالة ما إذا لم يكن واحد منهم ذا رحم محرم من المسروق منه، ولا صبي١، وسيأتي بيان ذلك.\rوذهب فقهاء المالكية، والحنابلة عدا ابن قدامة إلى وجوب القطع عليهم إذا بلغ ما أخرجوه نصابًا لكل واحد منهم، سواء أخرجوه أو استقل به واحد منهم، أما إذا لم يبلغ نصيب كل واحد منهم نصابًا، وبلغ المسروق في مجموعه نصابًا، فإن جمهور الحنابلة يرون القطع عليهم أيضًا، وقد فصل المالكية القول.\rفقد أورد ابن قدامة، أن جمهور الحنابلة قد احتجوا بأن النصاب أحد شرطي القطع، فإذا اشترك الجماعة فيه كالواحد قياسًا على هتك الحرز؛ ولأن سرقة النصاب فعل بوجوب القطع، فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص، ولم يفرق أصحابنا بين كون المسروق ثقيلًا يشترك الجماعة في حمله، وبين أن يخرج كل واحد منه جزءًا، ونص أحمد على هذا، وقال مالك: إن انفرد كل واحد بجزء منه لم يقطع واحد منهم، كما لو انفراد كل واحد من قاطعي اليد بقطع جزء منه، لم يجب القصاص٢.\rوزاد المالكية المسألة تفصيلًا، فرأوا أنه إن ناب كل واحد نصابًا قطعوا، استقل كل واحد بإخراجه أم لا، وإن لم ينب كل واحد نصابًا، بل ناب كل واحد أقل من نصاب، فإن استقل كل واحد بإخراجه من الحرز فلا قطع، وإلا فالقطع عليهم، وكذا القطع على جماعة رفعوه على ظهر أحدهم في الحرز، ثم خرج به إذا لم يقدر","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣٦٣، المبسوط ج٩ ص١٤٧.\r٢ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٥، الخرشي ج٨ ص٩٥، الموطأ بشرح الزرقاني ج٥ ص١١٥، المغني ج٨ ص٢٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234283,"book_id":3632,"shamela_page_id":559,"part":null,"page_num":578,"sequence_num":559,"body":"على إخراجه إلا برفعه معه، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة، فإنهم يقطعون إذا تعاونوا على رفعه عليها، وأما لو حملوه على ظهر أحدهم، وهو قادر على حمله على ظهره دونهم كالثوب قطع وحده، ولو خرج كل واحد منهم من الحرز حاملًا لشيء من الآخر، وهم شركاء فيما أخرجوهم، لم يقطع منهم إلا من أخرج ما قيمته ثلاثة دراهم١.\rوقال بذالك أيضًا فقهاء الشيعة بدون تفصيل، فقالوا: \"لا فرق في ثبوت الحد على السارق أخرج متاعًا واحدًا للمتاع من حرز بين أن يكون مستقلًا، أو مشاركًا لغيره، فلو أخرج شخصان متاعًا واحدًا، ثبت الحد عليهما جميعًا، ولا فرق في ذلك أيضًا بين أن يكون الإخراج بالمباشرة، وأن يكون بالتسبب فيما إذا أسند الإخراج إليه لإطلاق الأدلة\"٢.\rواستدل فقهاء المالكية، وجمهور فقهاء الحنابلة، وأبو ثور لذلك بوجوب القصاص على من اشترك في القتل، فكذلك يجب القطع على من اشتركا في سرقة النصاب.\rوما ذهب إليه فقهاء الأحناف، والشافعية وابن قدامة ومن وافقهم أولى بالاتباع؛ لأن الاحتياط بالقول بإسقاط الحد أولى من القول بإيجابه.\rوفرق بين إسقاط الحد في السرقة، وإسقاط عقوبة القصاص بالاشتراك.\rففي القصاص لو لم يجب على من اشتركوا في القتل، لغدا الاشتراك في القتال طريقًا لإسقاط القصاص، وإهدار الدماء، بخلافه","footnotes":"١ المراجع السابقة.\r٢ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234284,"book_id":3632,"shamela_page_id":560,"part":null,"page_num":579,"sequence_num":560,"body":"ما في الاشتراك في السرقة؛ لأنه لو كان نصيب كل فرد منهم نصابًا وجب القطع عليهم جميعًا، أما إذا لم يبلغ نصابًا غدت الشبهة مسقطة الحد على من لم يخرج بالنصاب، أو لم يحمل مع الآخرين مشتركين ما قيمة نصابًا، ودرء الحد لن يعفي من رد السرقة، وإلزام الفاعلين الذين لم يحدوا عقوبة تعزيرية مناسبة.\rب- إذا قام البعض بإخراج المسروق من الحرز، والبعض بمراقبة الطريق، وما يتبع ذلك من معاونة:\rذهب فقهاء الأحناف -ما عدا زفر- إلى أن المتعاونين في إخراج المسروق عليهم القطع جميعًا استحسانًا.\rوجه الاستحسان أنهم اشتركوا في هتك الحرز، وصار المال مخرجًا بمعاونتهم فيلزم القطع، كما لو أخرجوه على ظهر الدابة.\rوهذا؛ لأن هذه زيادة حيلة معروفة بين السراق، أن يباشر حمل المتاع واحد منهم، وأصحابه يكونون مستعديين لدفع صاحب البيت عنه، وعن أنفسهم، فلا يجوز أن يكون ذلك مسقطًا للحد عنهم.\rوقد قاس فقهاء الأحناف ذلك بمسألة من يكون ردءا قبل قطع الطريق، إذ يجب عليه ما يجب على المباشر للقطع؛ لاعتباره مشاركًا له في أخذه، واحتماء به والاعتماد عليه١.\rأما باقي الفقهاء، فلم يروا القطع إلا على من أخرج المسروق فقط من الحرز؛ لأنه هو السارق.\rولم يقس هؤلاء المسألة هنا بمسألة الردء في قطع الطريق؛ لأنهم يرون أن حد قطع الطريق بسب المحاربة، والردء مباشر للمحاربة؛ لأن","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص١٤٩، فتح القدير ج٥ ص٢٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234285,"book_id":3632,"shamela_page_id":561,"part":null,"page_num":580,"sequence_num":561,"body":"المحاربة في العادة هكذا تكون، فإنهم لو اشتغلوا جميعًا بالقتال، فإذا وقعت الهزيمة عليهم لا تستقر قدمهم، وإذا كان بعضهم ردءا، فإذا وقعت الهزيمة على المباشرين للحرب التجئوا إلى الردء، فلهذا كانت العقوبة عليهم، بخلاف السرقة، فالحد هنا إنما يجب بمباشرة فعل السرقة، وذلك في إخراج المال من الحرز، فإذا كان المخرج بحكم فعله، لم يجب القطع على غيره.\rوهذا التعليل من القائلين بالقطع على من أخرج المال من الحرز فقط، وإن كانت له وجاهته، إلا أنه يترتب عليه ضياع الحقوق؛ لأن السراق لن يعدموا حيلة يحاولون بها الهروب من القطع، ولا يخفى أن بعض الفقهاء مثل الشيعة والحنابلة، وغيرهم يرون أنه لو هتك شخص الحرز، وأخذ المال شخص آخر فلا قطع عليهما١، وفي هذا حض على اللجوء إلى الحيلة تحاشيًا للحد.\rج- إذا شارك في إخراج المسروق من لا يجب عليه الحد:\rالذي لا يجب عليه الحد بالسرقة، أما أن يكون غير مكلف كالصبي والمجنون، وأما أن يكون مكلفًا كالأب، والأم والجد.\rوفقهاء الأحناف قد رأوا أنه إذا شارك في السرقة من لا يلزمه الحد بها، فلا قطع على باقي المشاركين له فيها؛ لأن عدم وجوب القطع على أحد الشركاء، تنتج عنه شبهة في حق الباقين، ويترتب على هذه الشبهة درء الحد عنهم.","footnotes":"١ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٨٦، المغني ج٨ ص٢٨٤، ويراجع في الموضوع\rالمهذب ج٢ ص٢٧٧، الخرشي ج٨ ص٩٥، فتح القدير ج٥ ص٣٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234286,"book_id":3632,"shamela_page_id":562,"part":null,"page_num":581,"sequence_num":562,"body":"يقول السرخسي:\r\"وإذا سرق رجلان ثوبًا من رجل، وأحدهم أب للمسروق منه لم يقطع واحد منهما\"، أما الأب فلتأول له في مال والده بظاهر قوله ﷺ. \"أنت ومالك لأبيك\"؛ ولأنه قد يدخل بيته من غير استئذان عادة، فلا يكون بيته حرزًا في حقه، والسرقة فعل من السارق، فإذا امتنع القطع على أحدهما للشبهة، يمتنع وجوبه على الآخر للشركة، وهو نظير ما قلنا في الأب، والأجنبي إذا اشتركا في قتل الولد، لم يجب القصاص على واحد منهما١.\rهذا إذا كان الشريك أبا للمسروق منه ومن في حكمه، أما إذا كان الشريك صبيًا، فقد ذهب أبو يوسف إلى أنه إذا حمل البالغ المتاع، وخرج به فعليه القطع، ولا معتبر بفعل الصبي، وعلل رأيه بأن درء القطع لهذا يتطرق السراق به إلى إسقاط القطع؛ لأن كل سارق لا يعجز عن أن يستصحب صبيًا، أو معتوهًا مع نفسه.\rكما ذهب فقهاء الأحناف أيضًا إلى أنه إذا كان واحد من السراق أخرسًا، فلا قطع، لتمكن الشبهة في حق الأخرس؛ لأنه لو كان ناطقًا ربما يدعي شبهة يدرأ عبها الحد عن نفسه، وأما الناطق فلأجل المشاركة٢.\rوذكر ابن قدامة أنه إذا كان أحد الشريكين في السرقة، من لا قطع عليه كأبي المسروق منه قطع شريكه في أحد الوجهين، لو شاركه في قطع يد ابنه.\rوالثاني: لا يقطع وهو أصح؛ لأن سرقتهما جميعًا صارت علة","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص١٥١، ١٥٢، فتح القدير ج٥ ص٣٦٣.\r٢ المبسوط ج٩ ص١٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234287,"book_id":3632,"shamela_page_id":563,"part":null,"page_num":582,"sequence_num":563,"body":"لقطعهما، وسرقة الأب لا تصلح موجبة للقطع؛ لأنه أخذ ماله أخذه، بخلاف قطع يد ابنه، فإن الفعل تمخض عدوانًا، وإنما سقط القاص لفضيله الأب لا لغنى في فعله، وههنا فعله قد تمكنت الشبهة منه، فوجب أن لا يجب القطع به كاشتراك العامد والخاطئ، وإن أخرج كل واحد من السارقين نصابًا، وجب القطع على شريك الأب؛ لأنه انفرد بما يوجب القطع١.\rوذهب فقهاء المالكية إلى أن من سرق نصابًا مع شركة صبي له في السرقة أو مجنون، يقطع المكلف فقط حتى، ولو كان النصاب المسروق ملكًا للمجنون المصاحب للسارق، أو كان المجنون أبا للمسروق منه؛ لأن المجنون كالعدم، فيجب القطع على المكلف، أما إذا كان شريك السارق أبا للمسروق منه، أو أما أوجدًا، وكان عاقلًا فلا قطع على الشريك لدخوله مع ذي شبهة قوية٢.\rوذهب فقهاء الشافعية، والشيعة إلى وجوب القطع على من لا يقوم المانع في حقه، سواء ثشاركه فعله صبيًا، أو مجنونًا أو أبا للمسروق، أو غير ذلك ممن لا يقطع بسرقته، هذه؛ لأن عدم القطع نشأ عن سبب خاص بأحد الشريكين، فلا يتعداه للآخر٣.\rوما ذهب إليه فقهاء المالكية هو ما أرجحه؛ لأن من كان شريكه في السرقة أبا للمسروق منه، أو أما أو جدا تقوم في حقه شبهة، لجواز أنه ذهب لمساعدة هذا الأب مثلًا؛ ولأن دخول الحرز بمصاحبة من له","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٨٣.\r٢ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٥، الخرشي ج٨ ص٩٥- شرح الزرقاني ج٥ ص٩٥.\r٣ سني المطالب ج٤ ص١٣٨، ١٣٩، ماني المنهاج ج١ ص٦٨٩ شرح الأزهار ج٤ ص٣٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234288,"book_id":3632,"shamela_page_id":564,"part":null,"page_num":583,"sequence_num":564,"body":"دخوله شبهة قوية تدرأ الحد عنه، ويلزم برد المال وبعقوبة تعزيرية مناسبة؛ لأن مثل هذا نادرا بحرص الأب، والأم والجد على مال ابنهما غالبًا أكثر من حرص صاحب المال نفسه.\rوذهب فقهاء القانون الوضعي إلى عدم اشتراط أن يكون الاستيلاء على الشيء بيد الجاني، بل يكفي أن يكون بفعله، فمن يدرب قردًا على النشل، أو يحرض كلبًا على السرقة، أو يهيئ أسباب انتقال الحيازة إليه، كمن يحول مجرى مياه الغير إلى أرضه يعد سارقًا.\rوكذا لا ينفي الاختلاس إذا حدث التسليم من صغير، أو مجنون أو سكران ففي ذلك كله تقوم في حق المدبر لذلك، والمخطط والمنفذ جناية السرقة، مع أنه لم يقم بالاستيلاء على الشيء بيده١.\r٧- سرقة ما اختلف في ماليته:\rاشترط الفقهاء لوجوب القطع في السرقة أن يكون المسروق مالًا، أو ما يمكن أن يعتاض عنه بمال.\rهذا ما اتفق عليه الفقهاء، وإن كانت وجهة نظرهم قد اختلفت في مالية بعض الأشياء، مما نتج عنه اختلاف آرائهم في القول بوجوب القطع على من سرقها، ومن ذلك الاختلاف على ماليته، ما يأتي:\rأ- الصبي.\rب- المصحف وكتب العلم.\rج- بعض الحيوانات.\rد- آلات اللهو.\rهـ- مال الحربي المستأمن.","footnotes":"١ أ. د: محمود مصطفى القسم الخاص ص٤٤٢-٤٤٣ أ. د: أحمد الألفي القسم الخاص ص٢٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234289,"book_id":3632,"shamela_page_id":565,"part":null,"page_num":584,"sequence_num":565,"body":"\"أ\" سرقة الصبي:\rالصبي الذي يتعرض السرقة، إما أن يكون حرًا أو عبدًا، فإن كان حرًا فقد ذهب جمهور فقهاء الأحناف، وفقهاء الشافعية، والحنابلة إلى القول بعدم وجوب القطع على من سرقه؛ لأنه لم يسرق مالًا، فإن كان على الصبي حلي بمقدار -النصاب، فلا قطع عندهم أيضًا بسرقته؛ لأن هذا الحلي تابع لما لا قطع في سرقته؛ ولأن يد الصبي عليه ثابتة، بدليل أن ما يوجد في اللقيط يكون له.\rوذهب فقهاء الشافعية في أحد رأييهم أنه لو سرق صبيًا عليه حلي بقدر النصاب قطع؛ لأنه قصد سرقة ما عليه من مال، وذهب أبو يوسف، وفقهاء المالكية والشيعة، وابن حزم إلى القول بوجوب القطع على من سرق صبيًا حرًا كان أم عبدًا، معه حلي أم لا، وإن كان أبو يوسف قد اشترط وجود الحلي معه، وإلا فلا قطع بسرقة الصبي عنده إن كان حرًا.\rأما من سرق عبدًا، فإن كان يعقل، وينطق فلا قطع بسرقته، إلا إذا سرق وهو نائم أو سكران، أو مغمى عليه، بحيث لا يقدر على الامتناع من السرقة١.\rوما أرجحه ممن ذلك وهو وجوب القطع على من سرق صبيًا حرًا كان، أو عبدًا معًا لمال، أم لا يعقل وينطق أم لا؛ لأن سرقة الصبي أشد ضررًا من سرقة المال، وهذا مما لا ينكره أحد، فقد تسرق أموال بعض الناس، ولا يشغلهم ذلك كثيرًا، بينما لا يوجد من لا يفزع لسرقة ابنه، خصوصًا إن كان صغيرًا.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234290,"book_id":3632,"shamela_page_id":566,"part":null,"page_num":585,"sequence_num":566,"body":"ب- سرقة المصحف، وكتب العلم:\rذهب فقهاء الأحناف إلى أنه لا يجب القطع بسرقة الكتب المشتملة على علم الشريعة، وتشمل هذه الكتب المصحف، وكتب الحديث والفقه، والتفسير والأدب والشعر؛ لأن الحاجة داعية إلى معرفة ما فيها، وذلك ينتج شبهة يترتب عليها إسقاط الحد عن سارقها، حتى ولو كان عليها حلية؛ لأنها تابعة لما لا قطع فيه.\rيقول ابن الهمام:\rولا يقطع في الدفاتر كلها: للكتب المشتملة على علم الشريعة كالفقه، والحديث والتفسيير، وغيرها من العربية والشعر، وقد اختلف في غيرها فقيل محلقة بدفاتير الحساب، فيقطع فيها، وقيل: بكتب الشعر؛ لأن معرفتها قد تتوقف على اللغة والشعر، والحاجة وإن قلت كفت في إيراد الشبهة.\rوذهب جمهور الفقهاء إلى القول بقطع من سرق المصحف، أو كتب العلم إذا توافرت فيه باقي شروط القطع؛ لأنه بسرقته ذلك قد دخل في عموم من تشمله أدلة القطع من القرآن والسنة؛ ولأنها متقومة سواء أكانت هذه الأشياء المسروقة، من المصاحف أو الكتب محلاة أم غير محلاه، ما دام المسروق قد بلغت قيمته نصابًا١.\rوما ذهب إليه الجمهور أولى بالاتباع؛ لأن المصاحف وكتب العلم ينفق على طبعها، ونشرها مال كثير، وهذه أيضًا تباع، وتشترى، وتقدر","footnotes":"١ المبسوط ج١٥ ص٢٧٧، المغني ج٨ ص٢٤٧-٢٤٨، المحلى ج١٣ ص٣٦٩-٣٧٠، أسنى المطالب ج٤ ص١٤١، الإقناع في حل ألفاظ أبي الشجاع ج٤ ص١٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234291,"book_id":3632,"shamela_page_id":567,"part":null,"page_num":586,"sequence_num":567,"body":"قيمتها من حيث أوراقها، وطباعتها بمال بل ومال كثير، والقول بعدم ماليتها يرده الواقع والمشاهد.\rوقد يضر المرء إذا سرق منه مصحف، أو كتاب من كتب العلم أكثر مما يضر بسرقة ما تبلغ نصاب السرقة، أو يزيد من المال، بل إن القوانين الوضعية ذهبت إلى أكثر من هذا، فعاقبت من سرق حق مؤلف فيما ألف، ومن اشترى نسخة من كتاب، ثم قام بنقل ما فيها، وطبعه دون موافقة مؤلفه الأصلي.\rبل إن سرقة الاختراع العلمي حتى الذي لم يدخل مرحلة التنفيذ، أمر له اعتباره القانوني.\rج- سرقة بعض الحيوانات -المختلف في ماليتها:\rاختلف الفقهاء في مالية بعض الحيوانات كالكلاب، والسباع، والفهود وما ماثلها، وقد أدى اختلافهم هذا إلى الاختلاف في إيجاب القطع بسرقة هذه الحيوانات.\rفقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بعدم قطع من سرق مثل هذه الحيوانات، نظرًا؛ لأن هذه الحيوانات مباحة الأصل، وغير مرغوب فيها؛ ولأن اختلاف الفقهاء في ماليتها يورث شبهة، يترتب عليها درء الحد عمن سرقها.\rولم يفرق القائلون بعدم القطع بين كون هذه الحيوانات معلمة، أو مدربة أم لا؟\rولأن الرسول ﷺ قد نهى عن بيع الكلب، ولم يقيد بكونه معلمًا، أو مدربًا على عمل من الأعمال أم لا، ومثل الكلب أيضًا الخنزير، ولو كان ملكًا لذمي١.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣٧١، المبسوط ج٩ ص١٥٤، الخرشي ج٨ ص٩٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٦، المهذب ج٣ ص٢٨٠، مغني المحتاج ج٤ ص١٦٠، المغني ج٨ ص١٦٠، المحلى ج٣ ص٣٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234292,"book_id":3632,"shamela_page_id":568,"part":null,"page_num":587,"sequence_num":568,"body":"وذهب عطاء إلى القول بالقطع على من سرق خمرًا، أو خنزيرًا من أهل الكتاب؛ لأنه حل لهم في ينهم١.\rوذهب أشهب من فقهاء المالكية، إلى وجوب القطع على من سرق حيوانًا مأذونًا في اتخاذه، أما ما لم يؤذن في اتخاذه، ولم يكن مملوكًا لأحد، فلا قطع على من سرقه٢.\rوالذي أرجحه من ذلك هو قول الجمهور بعدم قطع من سرق حيوانًا من هذه الحيوانات؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن بيعها، فيترتب عليه عدم ماليتها، وإن جاءت بعض الناس وقاموا ببيع هذه الحيوانات وشرائها، وهذه المخالفة لا يترتب عليها مالية هذه الحيوانات، كما أن الأصل فيها أن تكون مباحة٣، وذلك كله يترتب عليه شبهة، ينتج عنها درء الحد عمن سرقها.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٣٦٤، ٣٦٥.\r٢ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٦.\r٣ ذكر أستاذي الدكتور سلام مدكور عند حديثه، عما أباح الشارع استهلاكه وتملكه، وبصفة خاصة عن المادة والإباحة: أن الماء في المجاري العامة كالأنهار، والترع التي تنشئا الدولة فيها إباحة عامة، والأصل في هذه الإباحة العامة الأصلية، ما رماه ابن ماجه، عن أبي هريرة بسند صحيح، عن النبي ﷺ: \"ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار\". أما الماء المحرز في الأواني والأنابيب، والصهاريج ونحوها فهو مالك خاص لصاحبه، لا حق لأحد فيه، وخرج عن الإباحة الأصلية، وذكر أن هناك قول بعدم وجوب حد السرقة على من سرق هذا الماء المحرز، نظرًا =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234293,"book_id":3632,"shamela_page_id":569,"part":null,"page_num":588,"sequence_num":569,"body":"د: \"سرقة آلات اللهو\":\rذهب الفقهاء إلى أن اتلاف آلات اللهو، التي لا تستعمل إلا فيه جائزًا، أما ما استعمل منها في أغراض مباحة كتدريب الجيوش، وما إلى ذلك، فهي آلات تؤدي عرضًا مشروعًا، فيجوز اقتناء ما يحتاج إليه منها.\rكما ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بعدم القطع في سرقة آلات اللهو من دف وما أشبهه؛ لأنها ليست بمال متقوم، وإنما هي آلات معصية.\rيقول السرخسي:\r\"ولا قطع في الدف، وما أشبهه من الملاهي، أما عندهما؛ فلأنه","footnotes":"= لأن هذا الماء، وإن صار ملكًا بالإحراز، إلا أنه فيه شبهة الشركة الطبيعية التي أثبتها الحديث الصحيح: الناس شركاء في ثلاث الماء، والكلأ والنار\"؛ ولأن الشركة وأن أزالتها اليد المتوالية، فقد بقيت شبهتها، ثم بين أستاذي الدكتور سلام أن الذي يراه في هذا، هو أن شبهته الشركة هنا غير واضحة. وأن اقتضاءها لعدم القطع غير مستقيم، ولا سيما أن ابن ماجه قد أورد أن رسول الله ﷺ: نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه، وهذا يدل على أن الماء المحرز ملك لمن أحرزه، وأنه لا شركة فيه، فمن أين تجيء شبهة الشركة، ثم أورد أقوال كثير من الفقهاء، والأئمة توجب قطع يد السارق للماء المحرز، إذا بلغت قيمته نصابًا، وما ذهب إليه القائلون بعدم وجوب القطع هو ما أرجحه؛ لأن شبهة الشركة، وإن زالت عن الماء المحرز، إلا أن شبهة اختلاف الفقهاء المسماة بشبهة الجهة قائمة، وقوية المدرك، وعليه فإن الحد يندرئ، وإن ألزم السارق بعقوبة تعزيرية ورد قيمة ما أخذه، تراجع الإباحة عند الأصوليين. والفقهاء ص١١٣-١٥٧","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234294,"book_id":3632,"shamela_page_id":570,"part":null,"page_num":589,"sequence_num":570,"body":"ليس بمال متقوم حتى لا يضمن متلفه، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإن كان يجب الضمان على المتلف باعتبار معنى آخر فيه سوى اللهو؛ ولأن للآخذ تأويلًا في أخذه؛ لأنه يقصد به النهي عن المنكر، وهو استعماله للتلهي، فيصير ذلك شبهة\"، واختلف في طبل الغزاه، فقيل: لا يقطع به أيضًا، وقيل: يقطع؛ لأنه مال متقوم ليس موضوعًا للهو، فليس آلة للهو١.\rويقول ابن قدامة:\r\"ولنا أنه آلة للمعصية بالإجماع، فلم يقطع بسرقته كالخمر؛ ولأن له حقًا في أخذها لكسرها، فكان ذلك شبهة، مانعة من القطع كاستحقاقه مال ولده، فإن كانت عليه حلية تبلغ نصابًا، فلا قطع فيه أيضًا؛ لأنه متصل بما لا قطع عليه٢.\rوهذا ما ذهب إليه أيضًا فقهاء الشافعية، إذا كان لا يصلح إلا للمعصية، أما إن كان يصلح لمنفعة مباحة، فإنهم يقطعون بسرقته؛ لأنه مال متقوم على متلفه٣.\rوذهب فقهاء المالكية إلى أنه إذا بلغت قيمة متلفة نصابًا قطع بسرقته، وجاء مثل هذا أيضًا في رأي فقهاء الحنابلة٤.\rولا يدخل في ذلك ما صنع من أجهزة استقبال كالمزياع المسموع.\rأو المسموع والمرئي؛ لأنه لا يقصد منه اللهو، وإنما هو وسيلة إعلامية وثقافية، والذي أرجحه أن من سرق شيئًا من آلات اللهو لا قطع عليه","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص١٥٤، فتح القدير ج٥ ص٣٧١.\r٢ المغني ج٨ ص٢٧٣.\r٣ المهذب ج٢ ص٢٨١، مغني المحتاج ج٤ ص١٦٠.\r٤ الخرشي ص٩٦ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234295,"book_id":3632,"shamela_page_id":571,"part":null,"page_num":590,"sequence_num":571,"body":"وإن ألزم بضمان قيمتها، وبعقوبة تعزيرية يقدرها القاضي؛ لأنه إن كان يبغي الإصلاح، فليس بهذا الطريق يتم الإصلاح، ولا قطع عليه لما فيها من شبهة.\rهـ: \"سرقة مال الحربي المستأمن\"\rلا خلاف بين الفقهاء على أن من سرق مالًا لذمي، يقطع به كالسرقة من مال المسلم، حتى ولو كان هذا المسروق صلبيا، إذا كانت قيمة الصلب تبلغ نصاب السرقة، وبشروط القطع والإمام أبو حنيفة وإن لم ينص بالقطع فيه إلا أنه أوجب ضمان ما فيه من المالية، أما أبو يوسف، فقد فصل القول في ذلك بأنه إذا كان الصليب في مصلاهم، فإنه لا قطع على من سرقه؛ لأنه أخذه من مكان مأذون في دخوله، أما إن كان في حرز لا شبهة فيه قطع من سرقة؛ لأنه مال محرز على الكمال.\rأما مال الحربي المستأمن، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بوجوب القطع على من سرقه: \"أيا كان نوع هذا المال؟ \"، فيقول الدسوقي في معرض حديثه، عما يجب القطع بسرقته، \"دخل فيه -أي فيما يجب القطع بسرقته- مال حربي دخل عندنا بأمان، فيقطع سارقه المسلم\"١.\rويقول ابن قدامة:\r\"ويقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي، ويقطع الذمي بسرقة مالهما، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، فأما الحربي إذا دخل إلينا مستأمنا، فسرق فإنه يقطع أيضًا.. ثم يقول:","footnotes":"١ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٦، الخرشي ج٨ ص٩٦، ويراجع أيضًا: المهذب ج٢ ص٢٨١، المحلى ج١٣ ص٣٦٤-٣٦٦، ص٣٧١-٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234296,"book_id":3632,"shamela_page_id":572,"part":null,"page_num":591,"sequence_num":572,"body":"\"وإذا ثبت هذا، فإن المسلم يقطع بسرقة ماله، وعند أبي حنيفة لا يجب، ولنا: أنه سرق مالا معصومًا من حرز مثله، فوجب قطعه كسارق مال الذمي\"١.\rأما فقهاء الأحناف، فقد جاء عنهم: أنه لا يقطع السارق من مال الحربي المستأمن عندنا استحسانًا، وفي القياس، وهو قول زفر ﵀؛ لأن ماله محرز بدارنًا، فإنه معصوم كالذمي، وجه الاستحسان أن العصمة بالإحراز بالدار، وإحراز المستمن لا يتم، ألا ترى أن إحراز المال تبع لإحراز النفس، ولا يتم إحراز نفسه بدار الإسلام حتى يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب، فكذلك لا يتم إحراز ماله؛ ولأنه بقي حربيًا حكمًا، حتى يبقى النكاح بينه، وبين زوجته في دار الحرب، ومال الحربي مباح الأخذ، إلا أنه يتأخر إباحة الأخذ بسبب الأمان إلى أن يرجع إلى دار الحرب، فيصير ذلك شبهة في إسقاط لقطع عن السارق\"٢.\rوما دمنا نقطع الحربي المستأمن إذا سرق من مسلم، فكيف لا نقطع المستأمن هو ما أرجحه، وأميل إليه، نظرًا؛ لأن ما اعتمد عليه الجمهور أقوى مما اعتمد عليه الأمام أبو حنيفة.\rوما دمنا نقطع الحربي المستأمن، إذا سرق من مسلم، فكيف لا نقطع المسلم إذا سرق من الحربي المستأمن.\rإن ذلك هو الأولى، بل إن نفس ما ذكره الأحناف يقرر ذلك، فهم قد اعترفوا أن القياس يحتم القطع بسرقة ماله، ولم يقطعوه استحسانًا.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٦٨.\r٢ المبسوط ج٩ ص١٨١، فتح القدير ج٥ ص٣٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234297,"book_id":3632,"shamela_page_id":573,"part":null,"page_num":592,"sequence_num":573,"body":"والذي يرجع إليه في تقرير الحدود للفصل في هذه القضية، هو ما جاء من عموم في النصوص التي قررت الحدود، وهي قد شملت بعمومها كل سارق وسارقة، والرجوع إلى ذلك أولى من الرجوع إلى غيره، سواء في تقرير حد، أو الإخراج منه بالنسبة لما تحدث عنه الفقهاء في هذا الموضوع.\rكما أن الحربي بدخول ديارنا، وإعطائه الأمان قد أحرز نفسه، وماله ما دام ملتزما بهذا الأمان، وما يقتضيه من شروط، وواجبات أما أن نقضه، أو رفع هذا الأمان عنه لسبب ما من الأسباب، فإنه يصبح حربيًا له ما للحربي من معاملات، وأحكام.\r٨- الخصومة: آراء الفقهاء في اشتراط قيامها لإيجاب القطع\rفرق جمهور الفقهاء بين ثبوت المال على السارق للمسروق منه، وبين وجوب القطع على السارق، فذهب الجمهور إلى أن المال يثبت على السارق بإقراره، أو بإقامة البينة على سرقته حسبة.\rأما وجوب القطع على السارق، فاشترط له حضور المسروق منه، ومطالبته بالسرقة؛ لأن الخصومة شرط لطهورها، وعلى هذا، فإذا أقر السارق عند الحاكم، وذكر أنه سرق مالًا لفلان، نصابًا من حرز لا شبهة له فيه، فإن الحكم لا يقطعه حتى يحضر صاحب المال، ويدعيه ويخاصم السارق ومبنى الشبهة هنا، أن الإباحة من المالك أباح ذلك المال.\rأو أن المالك أذن في دخول بيته، فاعتبرت المطالبة دفعًا لهذه الشبهة، فالمعول عليه أن ملك المقر قائم ما لم يصدقه لمقر له١.","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص١٨٦، ١٨٧، فتح القدير ج٥ ص٤٠٠، ٤٠١، المهذب ج٢ ص٢٨٢- أسنى المطالب ج٤ ص١٥٢ مغني المحتاج ج٤ ص١٧٥، المغني ج٨ ص٢٦٩، مباني المنهاج ج١ ص٣١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234298,"book_id":3632,"shamela_page_id":574,"part":null,"page_num":593,"sequence_num":574,"body":"وزاد الإمام أبو حنيفة، ووافقه محمد القول باشتراط بقاء الخصومة، حتى يتم التنفيذ، ولا يكفي قيامها حتى القضاء فقط، وقد بين السرخسي ذلك بقوله: \"وإذا حكم على السارق بالقطع ببينة، أو بإقرار ثم قال المسروق منه: هذا متاعه، أو قال: لم يسرقه مني إنما كنت أودعته.\rأو قال: شهد شهودي بزور، أو قال: هو باطل بطل القطع عنه، لانقطاع خصومته، وقد بينا أن بقاء الخصومة إلى وقت استيفاء القطع شرط، وأن المعترض بعد القضاء قبل الاستيفاء في الحد، كالمنقرن بأصل السبب، وهذا بخلاف رد المال بعد القضاء\"١.\rوذهب الإمام مالك، وفي رأي سرجوح عند الإمام أحمد، والشيعة الجعفرية إلى أن قيام الخصومة، ليس شرطًا لقبول الشهادة في السرقة، والحكم بمقتضاها بالعقوبة المقدرة، وعلى هذا إذا حضر الشهود، وشهدوا بالواقعة سمعت شهادتهم، وألزم السارق بمقتضاها بعقوبة السرقة، حتى ولو لم يحضر المجني عليه، وسواء أكان المجني عليه حاضرًا بالبلدة، التي أقيمت الدعوة فيها على السارق حسبة، أم كان غائبًا عنها، أو كان المجني عليها مجهولًا٢.\rبل وأكثر من ذلك لو كذب المسروق منه السارق، أن كان الإثبات بالإقرار، أو الشهود إن كان بالبينة، فإن فقهاء المالكية يرون إلزام السارق الحد، ويرتبون على تكذيب المجني عليه للبينة، أو الإقرار أن يصير المتاع السارق مع إلزامه الحد، فيقول الخرشي مبينًا ذلك في معرض حديثه عن السرقة الموجبة للقطع: \"أو نصاب ملك غير، فإنه","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص١٨٦، ويراجع أيضًا بدائع الصنائع ج٧ ص٨١.\r٢ المدونة ج١٥ ص٢٨٩، المغني ج٨ ص٢٧٠، مباني المنهاج ج١ ص٣١٣، ٣١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234299,"book_id":3632,"shamela_page_id":575,"part":null,"page_num":594,"sequence_num":575,"body":"يقطع، ولو كذبه ربه، صورة المسألة إن السارق مقر بالسرقة، ورب المتاع يكذبه فعليه القطع، وحينئذ يصير المتاع للسارق، إلا أن يدعيه ربه بعد ذلك\"١.\rوجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير عند شرح قوله: ولو كذب ربه \"معنى أن السارق إذا أقر بالسرقة من مال شخص، أو قامت عليه بينة بذلك، وكذبه ذلك الشخص، فإنه يقطع ولا يفيده تكذيبه ذلك الشخص للمقر أن للبينة، \"ويبقى المسروق بيد السارق\"، أي على وجه الحيازة، واستظهر بعضهم أنه يجعل في بيت المال؛ لأن كلا من السارق وربه ينفيه من ملكه، ما لم يدعه ربه أي بعد ذلك\"٢.\rوما ذهب إليه الجمهور أولى بالاتباع، لجواز أن صاحب المال قد أباح ماله لطائفة منهم السارق، أو وهبه السارق، ولم يعلم السارق بذلك، أو أذن للسارق دخول الحرر، وذلك كله يترتب عليه شبهة تنتج درء الحد، ولذا فإن القول باشتراط المخاصمة لإيجاب الحد أولى بالاتباع.\rوما ذكره فقهاء المالكية، ومن وافقهم من إيجاب القطع، حتى ولو كذب رب المال الإقرار، أو البينة قول لم يقم عليه دليل، ولا يتفق مع ما ذهبوا إليه من القول بدرء الحد بالشبهة، والشبهة بالتكذيب ببينة.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٩٥.\r٢ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٦، شرح الزرقاني ج٨ ص٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234300,"book_id":3632,"shamela_page_id":576,"part":null,"page_num":595,"sequence_num":576,"body":"المبحث الثاني: جريمة السرقة الكبرى \"الحرابة\"\rالمطلب الأول: الحرابة\r...\r\"المبحث الثاني\": جريمة السرقة الكبرى \"الحرابة\"\rويتناول الحديث عنها مطلبين.\rالمطلب الأول: تعريفها:\rالمطلب الثاني: سرقات اختلف في وجوب حد الحرابة بها.\rالمطلب الأول: الحرابة\rالحرابة بكسر الحاء مصدر حرب، حرب الرجل حربًا مثل طلبه يطلبه طلبًا، أي سلبه ماله وتركه بلا شيء.\rوحرب ماله بالبناء للمجهول أي سلبه، فهو محروب وحريب١.\rوعبر عنها فقهاء الأحناف بقطع الطريق، وعرفوه بأنه: \"الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالب على وجه يمنع المارة من المرور، وينقطع الطريق\"٢.","footnotes":"١ لسان العرب، مختار الصحاح، المنجد ص١٢٤ بيروت الطبعة ١٩.\r٢ بدائع الصنائع ج٧ ص٩٠، وجاء في حاشية سعد حلبي، مع فتح القدير ج٥ ص٤٢٢، أعلم أن قطع الطريق يسمى سرقة كبرى، أما تسميتها سرقة؛ فلأن قاطع الطريق يأخذ سرا ممن إليه حفظ الطريق، وهو الإمام الأعظم كما أن السارق يأخذ المال سرًا ممن؟؟ حفظ المكان المأخوذ منه، وهو المالك أو من يقوم مقامه، وأما تسميتها كبرى؛ فلأن ضرر قطع الطريق على أصحاب الأموال، وعلى عامة المسلمين بانقطاع الطريق، وضرر السرقة الصغرى يخص الملاك بأخذ مالهم، وهتك حرزهم، ولهذا غلظ الحد في حق قطاع الطريق يراجع البحر الرائق ج٥ ص٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234301,"book_id":3632,"shamela_page_id":577,"part":null,"page_num":596,"sequence_num":577,"body":"وعرف فقهاء المالكية الحرابة بأنها:\"الخروج لإخافة السبيل لأخذ مال محترم بمكابرة قتال أو خوفه، أو ذهاب عقل أو قتل خفية، أو لمجرد قطع الطريق، لا لامرة ولا نائرة، ولا عداوة\"١.\rوذكروا أن المحارب هو من أخاف الطريق لأجل أن يمنع الناس من سلوكها، أي من أخاف الناس في الطريق؛ لأجل أن يمنعهم من السلوك فيها، والانتفاع بالمرور فيها، وإن لم يقصد أخذ مال من السالكين، بل قصد مجرد منع الانتفاع بالمرور فيها، سواء أكان الممنوع من الانتفاع بالمرور فيها خاصًا كفلان، أم كان كل مصري، أو عامًا كما إذا منع كل أحد يمر فيها إلى الشام مثلًا\"٢.\rوقال فقهاء الشافعية: \"قطع الطريق هو البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو إرعاب مكابرة اعتمادًا على الشوكة، مع البعد عن الغوث\"٣.\rقال فقهاء الحنابلة: \"المحاربون الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء، فيغصبونهم المال مجاهرة\".","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص١٠٣، ١٠٤، شرح الزرقاني ج٨ ص١٠٨.\r٢ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج٤ ص٣٤٨.\r٣ مغني المحتاج ج٤ ص١٨٠، حاشية الشرقاوي على التحرير ج٢ ص٤٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234302,"book_id":3632,"shamela_page_id":578,"part":null,"page_num":597,"sequence_num":578,"body":"وضع فقهاء الحنابلة شروطًا ثلاثة في المحاربين، رآها جمهور فقهائهم:\rالأول: أن يكون ذلك منهم في الصحراء.\rالثاني: أن يكون معهم سلاح.\rالثالث: أن يأتوا مجاهرة، ويأخذوا المال قهرًا١.\rوعرف ابن حرم المحارب: بأنه \"المكابر المخيف لأهل الطريق المفسد في سبيل الأرض سواء بسلاح، أو بلا سلاح أصلًا، سواء ليلًا أو نهارًا، في مصر أو في فلاة أو في قصر الخليفة، أو الجامع سواء أقدموا على أنفسهم إمامًا، أو لم يقدموا سوى الخليفة نفسه فعل ذلك بجنده أو غيره، منقطعين في الصحراء، أو أهل قرية سكانًا في دورهم، أو أهل حصن كذلك، أو أهل مدينة عظيمة، أو غير عظيمة كذلك، واحدًا كان أو أكثر، كل من حارب المار، وأخاف السبيل بقتل نفس، أو أخذ مال، أو لجراحة، أو لانتهاك فرج، فهو محارب٢.\rوذهب فقهاء الشيعة إلى أن كل من شهر السلاح في مصر من الأمصار، سواء ضرب، أو عقل، أو قتل لأخذ مال، أو لإخافه فهو محارب٣.\rوتعريفات فقهاء الشريعة لقطع الطريق تعريفات متقاربة، بل وتكاد تكون متفقة، ومجمعة على أن كل من أزعج الآمنين وأخافهم، مجاهرًا بذلك معتمدًا على البطش، والقوة، فهو محارب سواء أأخذ مالًا أم لا.\rغير أن بعض الفقهاء يرى أن قطع الطريق، لا يكون إلا في صحراء","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٨٧، ٢٨٨.\r٢ المحلى ج١٣ ص٣٢٠.\r٣ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٣١٨، ٣١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234303,"book_id":3632,"shamela_page_id":579,"part":null,"page_num":598,"sequence_num":579,"body":"والبعض الآخر لا يشترط ذلك، بل يرى أن قطع الطريق كما يكون في الصحراء، يكون أيضًا في البلاد الآهلة بالسكان.\rوقد ترتب على هذا، وغيره قيام شبهات لدى بعض الفقهاء، رتبوا عليها درء عقوبة القطع الحدية، ولم يوافقهم الباقون على ذلك، وفي المطلب الثاني بيان لأقوال الفقهاء، ما يترتب عليها فيما سأعرضه من وقائع.\rهذا هو تحديد الفقه الإسلامي لجريمة الحرابة، ومن يقوم بها، أما الفقه الوضعي، وإن كان قد ذكر بعض الوقائع التي تتم فيها السرقة تحت ظروف معينة، وحدد عقوبات لها تزيد عن عقوبة السرقة العادية، إلا أن نظرة الفقه الإسلامي، عالجت الأمر علاجًا شاملًا، وشافيًا لم تصل إليه بعد التشريعات الوضعية.\rفالتشريعات الوضعية قد نصت على أنه يعاقب بالإعدام، كل من ألف عصابة هاجمت طائفة من السكان، وهي بذلك لا ترى نفس العقوبة على من ألف عصابة، وهاجم بها فردًا، كما أنها تطبق العقوبة، ولو لم تسفر مهاجم هذه العصابة عن قتل أحد من المهاجمين، أو أخذ ماله.\rكما فرقت التشريعات الوضعية بين عقوبة من تزعم هذه العصابة، أو تولي فيها قيادة ما، وبين من انضم إلى هذه العصابة، واشترك في تأليفها، ولكنه لم يتقلد فيها قيادة ما، فعاقبت الأول بالإعدام أما الثاني، فبالأشغال الشاقة المؤبدة، أو المؤقتة١.\rوالفقه الإسلامي لا يرى هذه التفرقة في العقوبة بين فرد، وآخر ممن اشتركوا في واقعة حرابة معينة، كما لا يخفى أن الفقه الوضعي","footnotes":"١ المادة ٨٩ من قانون العقوبات، ويراجع في ذلك أ. د: محمود مصطفى القسم العام ص٤٩٧-٥١٠، جرائم أمن الدولة، دكتور يوسف الشال ص٨٣-٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234304,"book_id":3632,"shamela_page_id":580,"part":null,"page_num":599,"sequence_num":580,"body":"لا يعاقب بهذه العقوبة إذا وقع الإكراه بقصد هتك العرض، ثم ارتكبت السرقة عرضًا؛ لأنه يشترط أن يقع الإأكراه وسيلة لاتمام غرض السرقة.\rولا يخفى أن الفقه الإسلامي لا يرى ذلك، بل إن ابن حزم قد نص على أنه كل من حار المار، وأخاف السبيل بقتل نفس، أو أخذ مال ولجراحة، أو لانتهاك فرج، فهو محارب١.\rهذه الاختلافات الجوهرية، وغيرها بين كل من التشريعيين، وإن برزت واضحة، إلا أنه لا يخفى أن الفقه الوضعي قد فرق بين نوعين من السرقات، وبين عقوبة كل منهما، محاولًا اقتفاء أثر الفقه الإسلامي في تفرقته بين جريمتي السرقة الكبرى، والصغري، وعقوبتيهما، وإن اختلف المنهج من حيث الشكل والموضوع.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٣٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234305,"book_id":3632,"shamela_page_id":581,"part":null,"page_num":599,"sequence_num":581,"body":"المطلب الثاني: \"سرقات اختلف في وجوب حد الحرابة بها\"\r١- إذا قام بالحرابة جماعة، ولم يبلغ نصيب الفرد منهم نصابًا اختلفت الفقهاء في وجوب القطع، فذهب الأحناف، والشافعي وابن المنذر إلى أنه لا يجب القطع على المحاربين، إذا لم يبلغ نصيب كل فرد ممن اشترط في الحرابة نصابًا، إذ أنهم يرون أن إقامة الحد على كل واحد من المحاربين، ناتج عما أصاب من المال، فلا بد أن يكون خطيرًا في نفسه، وما دون النصاب حقير تافه، وإذا كان نصيب كل واحد منهم تافهًا، لا يقام عليهم الحد، كما لو كان المأخوذ في نفسه تافهًا، وأصحاب هذا الرأي، وإن رأوا درء الحد عن المحاربين هنا، إلا أنهم أوجبوا عليهم ضمان المال ورده١.","footnotes":"١ يراجع: المبسوط ج٩ ص٢٠٠، فتح القدير ج٥ ص٤٢٣، مغني المحتاج ج٤ ص١٨١، نهاية المحتاج ج٨ ص٥، المغني ج٨ ص٢٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234306,"book_id":3632,"shamela_page_id":582,"part":null,"page_num":600,"sequence_num":582,"body":"وذهب فقهاء الحنابلة إلى أنهم إن أخذوا ما يبلغ في جملته نصابًا قطعوا، سواء أبلغ نصيب كل منهم نصابًا أم لا، قياسًا على قولهم في وجوب الحد في السرقة الصغرى١.\rوذهب فقهاء المالكية، والشيعة إلى عدم اشتراط النصاب مطلقًا لوجوب القطع، لإطلاق الأدلة، فيقول ابن العربي٢ -في رده على الإمام الشافعي، ومن وافقه ومقررًا ما ذهب إليه الإمام: \"أنصف من نفسك أبا عبد الله، ووف شيخك حقه لله ... أن ربنا ﵎ قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فاقتضى هذا قطعه في حقه، وقال في المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، فاقتضى بذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حقه، فبين النبي ﷺ في السارق أن قطعه في نصاب، وهو ربع دينار، وبقيت المحاربة على عمومها، فإن أردت أن ترد المحاربة إليها كنت محلقًا الأعلى بالأدنى، وخافضا الأرفع إلى الأسفل، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب، وهو يطلب النفس أن رقي المال بهما على السارق، إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه أو صيح عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم المحارب\"٣.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٩٣-٢٩٤.\r٢ ابن العربي، هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد، المعروف بابن العربي الأندلسي الشيباني، رحل إلى الشرق، ودخل الشتام وبغداد، والحجاز ثم مصر، ثم عاد إلى الأندلس، ولد بأشبيلية سنة ٤٦٨هـ، وتوفي سنة ٥٤٣هـ، بالعدرة ودفن بمدينة فاس، وفيات الأعيان ج١ ص٤٨٩.\r٣ أحكام القرآن ج١ ص٢٤٩، ويراجع المدونة ج١٦ ص١٠٠، شرح الزرقاني ج٨ ص١٠٨، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٣٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234307,"book_id":3632,"shamela_page_id":583,"part":null,"page_num":601,"sequence_num":583,"body":"والذي أميل، وأرجحه هو عدم القطع عليهم، إذا لم يبلغ نصيب كل منهم نصابًا؛ لأن الآية الكريمة قد عددت عقوبات المحاربين، فجعلتها القتل أو التصليب، أو أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، فناسب أن يجعل القتل عقوبة من قتل، والقطع على من أخذ المال المعنبر في السرقة، على من لم يأخذ هذا المال، المذكور.\rولا يقدح في اشتراط النصاب كون الجناية هنا مغلظة؛ لأن التغليظ ناسبه تغليظ العقوبة بقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، فبقي اشتراط بلوغ النصاب على ما هو عليه خصوصًا، وإن عدم بلوغ النصاب لكل فرد لن يعفيهم من جنس العقاب، وإنما عليهم عقوبة النفي، وإلا فمتى يعاقبون بالنفي فقط إن أوجبنا عليهم القطع، ولو لم يبلغ نصيب كل فرد منهم، مما أخذوه نصابًا؛ لأنهم والحالة هذه في حكم من لم يأخذ شيئًا، ولا يخفى أن عدم بلوغ نصيب كل منهم\rنصابًا، إن لم يترتب عليه إسقاط القطع صراحة، فلا أقل من أن يورث شبهة في وجوبه، والحدود تدرأ بالشبهات، ولم يخالف في ذلك فقهاء المالكية أو الشيعة.\r٢- أخذ المال على سبيل المغالبة من مكان آهل بالسكان:\rذهب فقهاء الأحناف عدا أبي يوسف إلى أن قطع الطريق لا يكون إلا في الصحراء؛ لأن سبب وجوب الحد ما يضاف إليه، فإذا وقع ذلك في مصر من الأمصار، أو بين بلدين من البلاد، فلا يلزم به حد قطع الطريق.\rوعليه فإنه أخذوا مالًا طولبوا برده، وعزرهم الإمام، فإن قتلوا أو جرحوا، فأمر ذلك مفوض إلى أولياء الدم.","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص٢٠١، ٢٠٢، فتح القدير ج٥ ص٤٣١، ٤٣٢، البحر الرائق ج٥ ص٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234308,"book_id":3632,"shamela_page_id":584,"part":null,"page_num":602,"sequence_num":584,"body":"وحجة الأحناف في ذلك: أن سبب وجوب الحد ما يضاف إليه، وهو قطع الطريق، وإنما ينقطع بفعلهم ذلك في المفازة لا في جوف المصر، ولا فيما بين القرى، فالناس لا يمتنعون من التطرق في ذلك الموضع بد فعلهم، وبدون السبب لا يثبت الحكم؛ ولأن السبب محاربة الله ورسوله، وذلك إنما يتحقق في المفازة؛ لأن المسافر في المفازة لا يلحقه الغوث عادة، وإنما يسير في حفظ الله تعالى معتمدًا على ذلك، فمن يتعرض له يكون محاربًا لله تعالى، فأما في المصر وفيما بين للقرى يلحقه الغوث من السلطان والناس عادة، وهو يعتمد ذلك بالتطرق في هذه المواضع، فيتمكن باعتباره معنى النقصان في فعل من يتعرض له من حيث محاربة الله تعالى ورسوله ﷺ فلا يقام عليه الحد، وقاسوا ذلك بالنقصان في السرقة، إذا جاهر بأخذ المال فيها.\rوقال أبو يوسف: إذا اعتمد فطاع الطريق في محاربتهم في الأمصار، أو بين القرى على السلاح، لزمهم حد قطع الطريق، وإن اعتمدوا في ذلك على الأحجار، والأخشاب فإن كان ذلك بالنهار، فلا يقام عليهم الحد، وإن كان بالليل يقام عليهم ذلك، وعلل ذلك بأن الفتك في استعمال السلاح أسرع منه في استعمال غيره، وإن الغوث يلحقهم بالنهار في المصر، قبل أن يأتوا على المجني عليه، أما في الليل فإن الغوث يبطئ، فلهذا يثبت حكم قطع الطريق.\rووافق الخرقي والثوري، وإسحاق أبا حنيفة، فيما ذهب إليه١، أما جمهور الفقهاء فقد رأوا زيادة على ما ذهب إليه أبو يوسف أن الحرابة تقع في المصر، كما تقع في الصحراء ليلًا، أو نهارًا سواء أكان ما معهم سلاحًا، أم كان خشبًا وحجارة، والمعول عليه عدم وصول الغوث لهم.\rهذا ما ذهب إليه الأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبو ثور وجمهور","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234309,"book_id":3632,"shamela_page_id":585,"part":null,"page_num":603,"sequence_num":585,"body":"الحنابلة، وقد جاء عن الشربيني الخطيب: \"حيث يلحق غوث فلبسوا\"، بقطاع بن منتبهون لإمكان الاستغاثه، وفقد الغوث يكون للعبد عن العمران، وعساكر السلطان، أو للقريب لكن لضعف في السلطان، واستحسن إطلاق الضعف لشمله ما لو دخل جماعة دارًا ليلًا، وشهروا السلاح، ومنعوا أهل الدار من الاستغاثة، فهم قطاع على الصحيح مع قوة السلطان، وحضوره وذو الشوكة قد يغلبون، والحالة هذه أي ضعف السلطان، أو بعده أو بعد أعوانه، وإن كانوا في بلد لم يخرجوا منها إلى طرفها، ولا إلى الصحراء فهم قطاع لوجود الشرط فيهم؛ ولأنهم إذا وجب عليهم هذا الحد في الصحراء، وهي موضع الخوف، فلأن يجب في البلد، وهي موضع الأمن أولى لعظم جراءتهم١.\rوزاد المالكية على ذلك عدهم المتسلطين ممن يعينهم الحاكم للجباية، وجمع الضرائب من المحاربين، إذا لم يمكن الاستعانة عليهم أورد ظلمهم، فيقول فقهاء المالكية عند حديثهم عمن يتسملهم لفظ المحاربين، \"فيشمل جبابرة أمراء مصر ونحوهم يسلبون أموال المسلمين، ويمنعونهم أرزاقهم، ويعيرون على بلادهم، ولا تتيسر استغاثة منهم بعلماء، ولا بغيرهم، فهم محاربون لا غصاب\"، ويقول القرافي: إن من أحد وظيفة أحد لا جنحة فيه بتقرير سلطان، فهو محارب؛ لأنه يتعذر العوث منه ما دام معه تقرير السلطان\"٢.\rأما ابن حزم، فإنه قد وضع ضابطًا للمحارب بأنه كل من كابر لا حافة الطريقة، أو للإفساد في الأرض، سواء أكانت مكابرته هذه بسلاح، أو بلا سلاح ليلًا، أو نهارًا في صحراء، أم في مصر بل أكثر من ذلك قال بأن الحرابة تقع في المسجد، وفي قصر الخليفة نفسه٣، ولا يخفى أن","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٨١، المغني ج٨ ص٢٨٧، ٢٨٨.\r٢ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج٤ ص٣٤٨.\r٣ المحلى ج٣ ص٣٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234310,"book_id":3632,"shamela_page_id":586,"part":null,"page_num":604,"sequence_num":586,"body":"قصر الخليفة، لا يخلو كل مكان من فيه من الحراس، والجنود بأسلحتهم ودروعهم، ومن استغاث بهم يلحقه الغوث بل من حاول الدخول إلى قصر الخليفة لن يعدم عينا تراقبه، وترصد حركته، ولا يحتاج فيه مع ذلك إلى الاستغاثة، وما ذهب إليه جمهور الفقهاء أولى بالاعتماد والتطبيق.\rلأن الحرابة في المكان الآهل بالسكان أشد، وأنكى وأعظم جرمًا بما تحدثه من عظم فساد وهلع، إذ أن كل من كان في المكان الآهل بالسكان غالب حاله، عدم أخذ الحذر من مثل هذه الأخطار، أما من كان بصحراء، فإنه لا شك قد أخذ حذره، وأعد سلاحه لاحتمال مواجهة من يتعرض له.\rوما ذهب إليه جمهور فقهاء الأحناف من إسقاط حد الحرابة، عمن وقع ذلك منه في المكان الآهل بالسكان لشبهة إمكان الغوث، يرده ما يشاهد من أحداث سطو، وحرابة في قلب المدينة الكبيرة الممتلئة بالجنود، والحراس ومع ذلك يقف كل هؤلاء عاجزين عن تخليص من وقعت عليهم الحرابة من أيدي المحاربين.\rوقد اتجهت التشريعات الوضعية حديثًا إلى وضع نصوص تشدد العقوبة في مثل هذه الحالات، علاجًا لما انتشر في الآونة الأخيرة، ووقفت تشريعاتهم السابقة عاجزة عن وضع حد له، وما ذلك إلا رجوعًا منهم عما قننوه مسبقًا، واتجاهًا إلى الإقرار بفساد ما وضعوه من علاج طلبًا للقضاء على الداء، وتحقيق الأمن.\r٣- من تقع منهم، أو عليهم جريمة الحرابة:\rاتفق الفقهاء على أن جريمة الحرابة، إذا قام بها مسلم أو زمي، ورفعت من أي منهما على مسلم، أو زمي لزم من قام بالحرابة ما حدده الشارع من عقوبة، طبقًا لما يحكم من قواعد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234311,"book_id":3632,"shamela_page_id":587,"part":null,"page_num":605,"sequence_num":587,"body":"أما إذا وقعت الحرابة من مستأمن، أو معاهد أو عليهما، فإن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية، والحنابلة والظاهرية، وأبو يوسف من فقهاء الأحناف، يرون عدم التفريق بين أحد من هؤلاء، وبين المسلمين أو الذميين، وعليه فإن عقوبة الحرابة يلزم بها كل من قام بهذه الجريمة، ممن يقيمون بالبلاد الإسلامية، إقامة دائمة، أو مؤقتة ما دامت الجريمة قد وقعت في حدود سلطان الدولة الإسلامية، سواء وقعت هذه الجريمة من مسلم، أو زمي أو معاهد، أو مستأمن أو على أي منهما، أيا كان القائم بها مسلمًا كان، أو ذميًا أو معاهد، أو مستأمنا١، وذهب الشافعي إلى أن المعاهد إذا فعل ما فيه إضرار بالمسلمين، كأن يفتن مسلمًا عن دينه، أو يقطع عليه الطريق، فإن لم يشترط الكف عن ذلك في العقد لم ينتقض عهده لبقاء ما يتقضى العقد من التزام أحكام المسلمين، ولزمته عقوبة أفعاله؛ لأن عقوبة هذه الأفعال تستوفي عليه من غير شرط.\rوجاء عن فقهاء الشافعية رأي آخر، يقتضي أن عقد المعاهد ينتهي بإتيان المعاهد فعلًا من هذه الأفعال، واستدل لذلك بما روي من أن نصرانيا استكره امرأة مسلمة على الزنا، فرفع إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقال: ما على هذا صالحناكم، وضرب عنقه٢، هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، إذا وقعت الحرابة من مسلم، أو ذمي أو معاهد، أو مستأمن أو على أي منهم أخذ بعموم الأدلة؛ ولأن المسلم إذا كان ملتزمًا بأحكام الإسلام بمقتضى إسلامه، فإن الذمي ملتزم أيضًا بأحكام الإسلام بمقتضي عقد الذمة، الذي يضمن له الأمان الدائم، والمعاهد والمستأمن","footnotes":"١ جرجع في ذلك الخرشي ج٨ ص١٠٤، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٤٨، مواهب الجليل ج٣ ص١٦٥، ٣٥٥ مغني المحتاج ج٤ ص١٨٠، المهذب ج٢ ص٢٥٦، المغني مع الشرح الكبير ج٩ ص٣٨٣ المحلى ج١٣ ص٣٣٢، نيل الأوطار ج٧ ص١٧١.\r٢ المهذب ج٢ ص٢٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234312,"book_id":3632,"shamela_page_id":588,"part":null,"page_num":606,"sequence_num":588,"body":"كلاهما ملتزم بمقتضى عقد الأمان، والعهد الذي خوله الإقامة في دار الإسلام، فصار حكمه حكم الذمي.\rوذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المعاهد، أو المستأمن لا تلزم العقوبة من قطع عليه الطريق، كما لا تلزم العقوبة المعاهد، أو المستأمن إذا قام أحدهما بقطع الطريق على مسلم، أو ذمي.\rأما عدم إلزامه عقوبة قطع الطريق، فوجهه عند أبي حنيفة ومحمد، أن المستأمن لما لم يدخل للقرار بل لحاجه يقضيها، ويرجع وعلينا أن نمكنه من الرجوع بشرطه، لم يكن بالاستئمان ملزمًا جميع أحكامنا في المعاملات، بل ما يرجع منها إلى تحصيل مقصده، وهو حقوق العباد، غير أنه لا بد من اعتباره ملتزمًا الأنصاف وكف الأذى قد التزمنا له بأمانة مثل ذلك، والقصاص وحد القذف من حقوقهم فلزماه، أما حد الزنا فخاص له، وكذلك المغلب في السرقة حقه تعالى، فلم يلتزم، وصاحبه تعالى منعنا من استيفائه عند إعطاء أمانة١، وأما عدم إلزام المسلم، أو الذمي عقوبة قطع الطريق، إذا قام أحدهما بقطعها على المستأمن أو المعاهد، فقد بينه السرخسي بقوله: \"وإذا قطعوا الطريق على قوم من أهل الحرب مستأمنين في دار الإسلام لم يلزمهم الحد لما بينا أن السبب المبيح في مال المستأمن قائم، وهو كون مالكه حربيًا، وإن تأخر ذلك إلى رجوعه إلى دار الحرب، ولكنهم يضمنون المال ودية القتلى، إبقاء الشبهة في دم المستأمن بكونه متمكنًا من الرجوع إلى دار الحرب، وهذا مسقطا للعقوبة، ولكنه غير مانع من وجوب الضمان، الذي يثبت مع الشبهة لقيام العصمة في الحال، ولكن يوجبون عقوبة لتخويفهم الناس بقطع الطريق، كما إذا لم يصيبوا مالًا ولا نفساء \"ومثل ذلك إذا وقعت الحرابة من مسلم، أو ذمي على قافلة فيها","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٢٦٩، ٢٧٠ بدائع الصنائع ج٧ ص١٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234313,"book_id":3632,"shamela_page_id":589,"part":null,"page_num":607,"sequence_num":589,"body":"مسلمون ومستأمنون، ووقع القتل، وأخذ المال على المستأمنين فقط، أما إذا وقع القتل، وأخذ المال أو أحدهما على ما بالقافلة من المسلمين والمستأمنين، أقيم الحد على قطع الطريق كما لو لم يكن أهل الحرب من المستأمنين في القافلة١.\rوما ذهب إليه جمهور الفقهاء أولى بالاتباع؛ لأن التفرقة بين المقيمين في البلاد الإسلامية إقامة دائمة، وبين غيرهم من المعاهدين، أو المستأمنين من حيث إيجاب الحد لهم، أو عليهم تفرقة لا تقوم على أساس قوي، بل قد تجر كثيرًا من الفوضى، وإهدار حقوق المسلمين أنفسهم، وكم عادت البلاد الإسلامية مما كان للأجانب من امتيازات ترتب عليها إطلاق أيديهم لتعبث وتطبش٢.\rكما أن القول بأن المعاهد، والمستأمن حربيان، وإن تأخر رجوعهما إلى دار الحرب، وهذا ينتج شبهة في مالهما يترتب عليها إسقاط الحد عمن أخذه، قول لا يقوى على مواجهة عموم الآيات الكريمة، وحتى لو سلمنا بأن ذلك ينتج شبهة لا أنها شبهة ضعيفة لا تقوى على درء الحد؛ لأن هؤلاء قد أمنهم الحاكم على نفوسهم، وأموالهم وأعطاهم عهدًا بذلك ألزمهم بمقتضاه بالمحافظة على نفوس المقيمن إقامة دائمة بالبلاد الإسلامية، وعلى أموالهم، وما كانت الدولة الإسلامية بعد أن عاهدت بغادرة، أو متهاونة في حق من الحقوق بها أو عليها.\rوما ذكر من أن ما وجب حقا للعبد ألزموا به أما ما وجب حقا لله، فإنه لا يجب إلزامهم به قول مردود؛ لأنه غير مبني على دليل، بل إن الدليل على إلزامهم الحد لواجب حقا لله تعالى، قد أورده الجمهور حين استدلوا بما كان من أبي عبيدة بن الجراح، مع النصراني الذي استكره","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص٢٠٥، بدائع الصنائع ج٧ ص١٣٤.\r٢ التشريع الجنائي الإسلامي ج١ ص٢٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234314,"book_id":3632,"shamela_page_id":590,"part":null,"page_num":608,"sequence_num":590,"body":"مسلمة على الزنا، حين ضرب عنقه، ورد على كل ما يمكن أن يثار بقوله: \"ما على هذا صالحناكم\".\r٤- الحرابة التي تقع بمشاركة الصبي أو المجنون:\rذهب فقهاء الأحناف عدا أبي يوسف إلى أن الصبي، أو المجنون إذا شارك أحدهما غيره في جريمة قطع الطريق، فإن الحد يتدرئ عن الجميع، حتى ولو قام المكلفون بمباشرة القتل، أو أخذ المال ووفت الصي، أو المجنون ردءا لهم، ووجهة أبي حنيفة، ومن وافقه في القول بذلك، أن قطع الطريق جناية واحدة؛ لأن الموجود من الكل يسمى جناية قطع الطريق غير أنها لا تتحقق في الغالب إلا بجماعة، فكان الصادر من الكثير جناية واحدة، قامت بالكل، فإذا لم يقع فعل بعضهم موجبًا للحد لشبهة أو عدم تكليف، لا يوجب في حق الباقين؛ لأن فعل الباقين حينئذ بعض العلة، وبعض العلة لا يثبت الحكم، وصار كالخاطئ مع العامة إذا اجتمعا في قتل معصوم الدم سقط القصاص عن العامة.\rوذهب أبو يوسف، وابن قدامة إلى أن الصبي، أو المجنون إذا وقعت درءا، ولم يباشر الفعل، وقام المكلفون بمباشرة جريمة الحرابة، وأخذ المال والقتل، أو هما معا ألزم هؤلاء المكلفون المباشرون للحرابة العقوبة المقررة لجريمتهم، ولم يلزم الشركاء الصبية، أو المجانين حد الجريمة، ولا يؤثر وجود الصبية، أو المجانين مع هؤلاء العقلاء الذين باشروا الجريمة: \"أما إن قام الصبي أو المجنون بمباشرة الجريمة ووقف، الشركاء من العقلاء، رداءا لم يلزم هؤلاء الشركاء عقوبة الحرابة التي قام بها شركاؤهم من الصبية، أو المجانين؛ لأن المباشر الأصلي للجريمة غير مكلف، ولا يلزم بعقوبة جريمته، وعدم إلزام المباشر الأصلي عقوبة جريمته التي ارتكبها، ينهض شبهة في حق التبع له من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234315,"book_id":3632,"shamela_page_id":591,"part":null,"page_num":609,"sequence_num":591,"body":"المكلفين، فيندرئ حد الجريمة عنهم، فالإمام أبو حنيفة، ومن وافقه يدرأ الحد عن العقلاء من الشركاء بصرف النظر عمن باشر فعل جريمة الحرابة الصبي، أو المجنون أو يأتي الشركاء، لشبهه عدم إيجاب الحد على بعض من شارك في الجريمة، أما أبو يوسف، فإنه فصل الأمر وفرق بين قيام الصبي، والمجنون بالجريمة والعقلاء ردءا، وبين العكس.\rفأسقط الحد عن العقلاء إذا كانوا ردءا؛ لأن عدم إيجابه على الفاعل الأصلي ينتج عنه عدم الإيجاب على التابع.\rأما إن قام العقلاء بالجريمة، وكان الصبي أو المجنون ردءا، فإن الحد إذا اندرأ عن الصبي، أو المجنون لأمر خاص بهما، فإن ذلك لا يؤثر بالنسبة لمن قام بالجريمة، ولم يتوفر فيه هذا الأمر١، وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بوجوب الحد على المكلف؛ لأن الحد وإن لم يلزم الصبي أو المجنون، فإن ذلك ناتج عن كونهما غير مكلفين، وتلزمهما عقوبة تعزيرية مع ضمان ما تلقوه من نفوس أو مال، ولا يشاركهما في عدم إلزام الحد غيرها؛ لأن الأمر بالنسبة لعدم التكليف خاص بهما، فلا يشاركهما فيها غيرهما، ولا يلزم عن ذلك شبهة في حق الباقين٢.\rوذهب فقهاء الشافعية إلى القول بوجوب الحد على من باشر القتل، أو أخذ المال، فأما من حضر ردءا لما أوعينا، فلا يلزمه الحد.\rواستدلوا لذلك بما روي من قول الرسول ﷺ: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق\"، وقالوا بوجوب التعزير على من لم تجب عليه العقوبة الحدية؛ لأنه أعان على معصية.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٤٢٩، ٤٣٠، المبسوط ج٩ ص١٩٧، ١٩٨، البحر الرائق ج٥ ص٧٤، المغني ج٨ ص٢٩٧، ٢٩٨.\r٢ مواهب الجليل ج٢ ص٣١٦، المدونة ج١٦ ص١٠٢ المغني ج٨ ص٢٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234316,"book_id":3632,"shamela_page_id":592,"part":null,"page_num":610,"sequence_num":592,"body":"وقالوا أيضًا: لا يجب الحد بالمستوى على الشركاء، وإنما يجب القتل على من قتل، والقطع على من أخذ المال؛ لأن واحد منهم انفرد بسبب حد، فاختص به١.\rوما ذهب إليه الجمهور من القول بوجوب حد الحرابة على العقلاء، ولو شاركهم صبي، أو مجنون فعلهم هو ما أميل إليه وأرجحه؛ لأن القول بدرء الحد عن العقلاء بمشاركة الصبي، أو المجنون أو بدرء الحد عن الردء إذا باشر الصبي، أو المجنون الحرابة أمر بفتح باب الجريمة على مصراعيه، ولن يعدم المحترفون صبيًا يشاركهم جريمتهم، أو يدربونه ويقفون له ردًا عينا، كما أن عموم الأدلة أولى بالاتباع من غيره، ما دام يحقق الإصلاح.\r٥- حرابة القرابة المحرمية:\rذهب فقهاء الأحناف إلى أن حد الحرابة لا يلزم ذا القرابة المحرمية، إذا قطع الطريق على من تربط به هذه القرابة، فإذا كان له شركاء في جريمة قطع الطريق، نتجت في حقهم شبهة بسبب سقوط حد الحرابة عنه، وترتب على هذه الشبهة إسقاط الحد عنهم أيضًا، يقول السرخسي: \"وإن كان في المقطوع عليهم الطريق ذو رحم محرم من القطاع، أو شريك له مفاوض لم يلزمهم حكم القطع؛ لأنه امتنع وجوب القطع على ذي الرحم المحرم للشبهة، فيمتنع وجوبه عن الباقين للشركة.... ولأن مال جميع القافلة في حق قطاع الطريق، كشيء واحد، فإنهم قصدوا أخذ ذلك كله بفعل واحد، فإذا تمكنت الشبهة في بعض ذلك المال في حقهم، فقد تمكنت الشبهة في جميعه\"٢.","footnotes":"١ المهذب ج٢ ص٢٨٥، أسنى المطالب ج٤ ص١٥٢، مغني المحتاج ج٤ ص١٨٢.\r٢ المبسوط ج٩ ص٢٠٣، فتح القدير ج٥ ص٤٣٠، ٤٣١، البحر الرائق ج٥ ص٧٤، ٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234317,"book_id":3632,"shamela_page_id":593,"part":null,"page_num":611,"sequence_num":593,"body":"وذهب فقهاء الشافعية، والحنابلة إلى القول بإسقاط حد الحرابة عن الأصول والفروع فقط، أما من شاركهم حرابتهم، فإنه عليه حدها الواجب بما قام به من أفعال.\rلأن إسقاط الحد من الأصول والفروع ناتج لما لهم في مال بعضهم من حقوق، ترتبت عليها شبهات أنتجت إسقاط الحد، أما غيرهم ممن شاركهم حرابتهم، فليست لهم هذه الحقوق، ولا شبهة لهم فيما أخذوه١.\rأما فقهاء المالكية، فقد قصروا إسقاط الحد عن الأب، أو الابن فقط إذا قام أحدهم بقطع الطريق على الآخر، وتوسع بعض فقهاء المالكية، فأسقط الحد عن الجد أيضًا نظرًا؛ لأنه يطلق عليه أب؛ ولأنه ممن تغلظ عليه الدية٢.\rأما ابن حزم، فإنه لم يسقط الحد بسبب القرابة المحرمية، وألزم كل من قام بالحرابة على قريبه المحرمي بالحد المقرر لذلك، حتى ولو كان أبا قطع الطريق على ابنه٣.\rوما ذهب إليه فقهاء الشافعية، والحنابلة هو ما أرجحه؛ لأن ما بين الأصول والفرع من قرابة، وعلاقة قد أوجدت لكل منهما حقا في مال صاحبه، كما أن في إلزام كل منهم الحد تسبب حرابته قريبة أصله، أو فرعه ما يورث العداوة والبغضاء بين الأب، وابنه أو الابن، وأبيه الذي أن حنق عليه ساعة بكاه باقي يومه، والعلاقة بينهما حض الشارع على رعايتها وحمايتها، ولا يتحقق ذلك بإلزام من قطع الطريق منهم على","footnotes":"١ شرح التحرير بهامش حاشية الشرقاوي ج٢ ص٤٣٧، المغني ج٨ ص٢٩٧.\r٢ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٣٧، الخرشي ج٨ ص٩٦.\r٣ المحلى ج١٣ ص٣٨٠-٣٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234318,"book_id":3632,"shamela_page_id":594,"part":null,"page_num":612,"sequence_num":594,"body":"أصله، أو فرعه حد قطع الطريق، ويكفي أن يلزم الأصل، أو الفرع برد المال والعقوبة التعزيرية المناسبة، فإن في ذلك ما يردعه ويزجره، ولا يأتي على ما بينه وبين أصله، وفرعه من علاقات.\rأما أن يسقط الحد عمن شارك الأصل، أو الفرع أو ذي الرحم المحرم حرابة، فهذا قول بعيد وشبهة لا نقوى على رد عموم الأدلة، كما أن قيام سبب في بعض الشركاء خاص به، لا يترتب عليه أن يتعداه إلى غيره.\rأما بالنسبة للمرأة إذا شاركت في قطع الطريق، فقد ذهب الكرخي إلى أنه لا حد على النساء بقطع الطريق، ووافقه أبو حنيفة، لكون المرأة ليست محاربة بأصل خلقتها، وزاد أبو حنيفة القول بإسقاط الحد عمن شاركها حرابتها من الرجال، مثلها في ذلك مثل الصبي والمجنون، وأبو يوسف يرى إيجاب الحد على شركائها من الرجال١، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المرأة مثلها مثل الرجل في جريمة الحرابة، فيلزمها الحد كما يلزمه٢.\rأما إذا كانت زوجة المقطوع عليه، ففي ذلك التفضيل الذي مر في سرقتها من مال زوجها.\rوما ذهب إليه الجمهور أولى بالقبول، خصوصًا وأن جريمة الحرابة قد تقع في الأماكن الآهلة بالسكان، وقد تسهم المرأة وتقوم بدور رئيسي، ولدعوى بأن طبيعتها، أو أنها في أصل خلقها ليست بمحاربة يكذبه الواقع، فقد شاركت المرأة الجيوش المحاربة.","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص١٩٧، ١٩٨.\r٢ مواهب الجليل ج٦ ص٣١٤، مغني المحتاج ج٤ ص١٨١، المغني ج٨ ص٢٩٨، المحلى ج١٣، ص٣٨٠-٣٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234319,"book_id":3632,"shamela_page_id":595,"part":null,"page_num":615,"sequence_num":595,"body":"الفصل الثالث: جريمة شرب الخمر\rمدخل\r...\rالفصل الثالث: جريمة شرب الخمر\rتقديم:\rالمراد بالخمر:\rالخمر هي كل ما خمر العقل، والتخمير: التغطية والستر. يقال: خمر وجهة، وخمر إناءه أي غطاهما وسترهما، والمخامرة: المخالطة١، وعرفها الإمام أبو حنيفة بأنها اسم للنيئ من ماء العنب إذا غلا واشتد، وقذف بالزبد ثم سكن عن الغليان، وصار صافيًا مسكرًا٢، وعرفها الصاحبان بأنها عصير العنب النيئ إذا غلا واشتد -فقط- قذف بالزبد أو لم يقذف به، سكن عن الغليان أم لا؟ ٣.\rوعرفها جمهور الفقهاء بأنها كل شراب مسكر، دون النظر إلى","footnotes":"١ لسان العرب ج٥ ص٣٣٩، القاموس المحيط.\r٢ النيئ: الذي لم تمسه النار، الغليان فوران ما وضع على النار من تأثيرها الاشتداد: قوة التأثير، الزبد: الرغوة الناتجة عن الغليان.\rيراجع بدائع الصنائع ج٥ ص١١٢، فتح القدير ج٥ ص٣٠٦، وما بعدها.\r٣ وهذا هو الرأي الراجح عند الظاهرية والزيدية، والإمامية، وإن ذكر صاحب البحر الزخار أن الخلاف بين أبي حنيفة، والصاحبين خلاف لفظي؛ لأن العصير لا يغلي إلا ويقذف بالزبد، وإن كان ذلك غير منضبط، فالخلاف حقيقي لا لفظي، يراجع في ذلك، الطبعة التمهديدية لموضوعات الموسوعة، الفقهية بالكويت ص٩، ١٠ فتح القدير ج٥ ص٣٠٦ وما بعدها، المحلى ج١٣ ص٤٢٧، ج٨ ص٢٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234320,"book_id":3632,"shamela_page_id":596,"part":null,"page_num":616,"sequence_num":596,"body":"ما أخذ منه هذا الشراب، معتمدين في ذلك على ما روي من قول رسول الله ﷺ: \"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام\" ١.\rونتيجة لهذا فرق الإمام أبو حنيفة بين عقوبة الشرب، وعقوبة السكر، فمن شرب خمرًا لزمه الحد سكر أم لا، كثر ما شرب منها أم قل، أما من شرب شيئًا آخر غيرها مما يسكر، فلا حد عليه إلا إذا سكر، أما جمهور الفقهاء فقد قالوا بوجوب الحد على من شرب مسكرًا خمرًا كان، أو غيره كثر ما شربه أم قل، وقد نتج عن هذا كله شبهات تتصل بالركن الشرعي للجريمة، أوردها هي وغيرها مما يتصل بهذه الجريمة من شبهات.","footnotes":"١ صحيح مسلم بشرح النووي ج٤ ص٦٨٣-٦٨٦، تفسير القرطبي ج١ ص٨٦٠، المنتقى شرح موطأ مالك ج٣ ص١٥١، المهذب ج٢ ص٢٨٦، الأم ج٦ ص١٨٠، المغني ج٨ ص٣٠٥، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٦٩، ٢٧١، ويراجع في هذا كله الخمر في الفقه الإسلامي للدكتور، فكري أحمد عكاز ط المختار الإسلامي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234321,"book_id":3632,"shamela_page_id":597,"part":null,"page_num":617,"sequence_num":597,"body":"المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\rمدخل\r...\rالمبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\rكان اختلاف الفقهاء في تعريف الخمر، وتحديد ما يقصد بها سببًا للقول بتحريم شرب بعض الأنبذة عند جمهور الفقهاء، والقول بعدم تحريم قدر لا يصل بشاربه حد الإسكار عند فقهاء الأحناف.\rوالفقهاء وإن اختلفوا في ذلك، إلا أنهم اتفقوا على أن السكر نتيجة شرب أي نوع، مما يسكر جريمة توجب العقوبة الحدية، إذا توافرت فيمن سكر شروط إلزامه الحد، كما اتفق الفقهاء، سواء أكان هذا القدر المشروب كثيرًا، أم قليلًا أسكر شاربه، أم لم يسكره.\rولقد ترتب على ما قال به فقهاء الأحناف، وما ذهب إليه الجمهور قيام شبهة بالنسبة لمن شرب بعض الأنبذة، ولم تصل حد السكر.\rكما نشأت شبهة أخرى نتيجة اختلاف فقهاء الأحناف، على الحد الذي إذا وصل إليه الشارب يعد قد سكر، ويلزمه بذلك عقوبة شارب الخمر، وذلك نظرًا لعدم اتفاقهم على معيار محدد لسكر من شرب الأنبذة، التي لا يطلقون عليها خمرًا، وشبهة ثالثة لاختلاف الفقهاء في حكم وصول الخمر إلى الجوف من غير طريق الفم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234322,"book_id":3632,"shamela_page_id":598,"part":null,"page_num":618,"sequence_num":598,"body":"١- شرب قليل الأنبذة:\rذهب فقهاء الأحناف إلى أن الشرب الموجب للحد هو شرب الخمر، وهي المتخذة من ماء العنب، أو نقيع البلح والزبيب بالصورة، التي سبق بيانها عند الامام، وعند صحابه.\rأما شرب غيرها من عصير العنب إذا طبخ، فذهب ثلثاه، ونقيع البلح والزبيب إذا طبخ ولم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة، والذرة، والشعير وما إلى ذلك من غير ما يسمى خمرًا عندهم، فلا يوجب -شربه- الحد، إلا إذا بلغ من شربه حد السكر، فإن لم يبلغ به حد السكر، فلا حد بشربه.\rواستدلوا لذلك بأدلة منها: ما جاء من قول الله ﷾: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ١، قال الإمام أبو حنيفة وأصحابه السكر هو المسكر، ولو كان محرم العين لما سماه الله تعالى رزقًا حسنًا، والسكر ما لا يسكر من الأنبذة، والدليل على ذلك أن الله ﷾ امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ... وعضدوا هذا بما رواه أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة\"، رواه الجماعة إلا البخاري٢. كما قالوا: \"إن القرآن قد نص على أن علة التحريم في الخمر، إنما هي الصد عن ذكر\rالله، ووقوع العداوة والبغضاء، أخذ مما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٣، وهذه العملية توجد في القدر المسكر لا فيما دون ذلك، فوجب أن يكون ذلك القدر هو الحرام.\rإلا ما انعقد الإجماع على تحريمه من كثير الخمر وقليلها٤.","footnotes":"١ الآية ٦٧ من سورة النحل.\r٢ يراجع في هذا التفسير القرطبي ج٥ ص٣٧٤٤-٣٧٤٦، نيل الأوطار ج٨ ص١٩٤ وما بعدها.\r٣ الآية ٩١ من سورة المائدة.\r٤ يراجع في هذا كله بدائع الصنائع ج٥ ص١١٢، وما بعدها، فتح القدير ج٥، نيل الأوطار ج٧ ص١٥٧، التشريع الجنائي ج١ ص٤٩٨، وما بعدها ص٣٠٦-٣١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234323,"book_id":3632,"shamela_page_id":599,"part":null,"page_num":619,"sequence_num":599,"body":"وخلاصة القول أن الإمام أبا حنيفة، وأصحابه يفرقون بين ما يعد خمرًا، وبين ما يسكر مما لا يعد خمرًا عندهم، فما يسكر مما لا يعد خمرًا عندهم لا يعاقب على شربه، وإنما يعاقب على السكر منه؛ لأن المسكر هنا حرامًا في حد ذاته، وإنما الحرام هو الكمية التي أوصلت إلى السكر فيها، فلو شرب شخص مما يسكر غير الخمر قد حين مثلًا، ولم نسكر منهما، أم شرب قدحا ثالثًا، فالمحرم هو هذا القدح الثالث، ويلزمه عندئذ حد السكر.\rوذهب جمهور الفقهاء إلى القول بتحريم جميع ما يسكر كثيره من الأنبذة وغيرها، ومساواة ذلك بالخمر المتخذة من عصير العنب، فلا عبرة بما أخذ منه المسكر، إذ يستوي في ذلك التحريم، وإيجاب الحد بشربه ما كان من ماء العنب، أو التمر أو غير ذلك من عسل، أو شعير أو حنطة وما إلى ذلك؛ لأن العبرة في التحريم هو الإسكار، فما دام شرب الكثير منه يؤدي إلى الإسكار، فشرب القليل منه حرام موجب للحد، حتى ولو لم يسكر شارب هذا القليل، فالحد عند جمهور الفقهاء هو حد الشرب لا حد الإسكار.\rواستدل جمهور الفقهاء لما ذهبوا إليه بأدلة منها:\rأ- ما رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: \"من الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن التمر خمر ومن الزبيب خمر، ومن العسل خمر\" ١.\rب- روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى- خطب على المنبر، وقال: \"ألا إن الخمر قد حرمت، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير\".","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٨ ص١٩٤-٢٠٤، فتح الباري ج١٠ ص٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234324,"book_id":3632,"shamela_page_id":600,"part":null,"page_num":620,"sequence_num":600,"body":"وقد قالت السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها: \"لا أحل مسكرًا، وإن خبزا أو ماء\"١.\rج- روي عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: \"سئل رسول الله ﷺ عن العنب -وهو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال: \"كل شراب أسكر، فهو حرام\"، وما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام\"٢.\rد- روى ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ، أنه قال: \"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام\" ٣.\rهـ- ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما أسكر كثيره، فقليله حرام\" ٤.\rكما أن ما جاء به علماء اللغة يؤيد ما ذهب إليه الجمهور، إذ إن الخمر إنما سميت بذلك عندهم؛ لأنها تخامر العقل، وعليه فإن ما يخامر العقل، ويستره يسمى خمرًا: سواء كثر أو قل.\rورد القرطبي على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وأصحابه من أن الله ﷾ قد امتن على عباده، ولا يكون امتنانه إلا بما حل، يقوله: \"إنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر\"، أما ما ذكره","footnotes":"١ صحيح مسلم ج٤ ص٦٨٦، تفسير القرطبي ج٣ ص١١٥٤ ج٥ ص٣٧٤٦، ويراجع أيضًا المحلى ج٨ ص٢٣٢، المغني ج٨ ص٣٠٥.\r٢ الفرق بسكون الراء ثلاثة أصبع، وبفتحها ستة عشر، صحيح الترمذي بشرح ابن العربي ج٨ ص٥٧.\r٣ صحيح البخاري ج٤ ص٦٦٣، المغني ج٨ ص٣٠٥، نيل الأوطار ج٨ ص١٩٦، تفسير القرطبي ج٥ ص٣٧٤٦.\r٤ نيل الأوطار ج٨ ص١٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234325,"book_id":3632,"shamela_page_id":601,"part":null,"page_num":621,"sequence_num":601,"body":"الإمام أبو حنيفة وأصحابه من أحاديث، فإنها أحاديث ضعيفة؛ لأنه قد جاء عن النبي ﷺ بالنقل الثابت، ما يردها، ويفيد أن ما أسكر كثيره، فقليله حرام١.\rكما أن المقصود من الرزق الحسن في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ ، ليس هو القليل الذي لا يسكر، بل المقصود هو التمر، والزبيب وما أشبههما مما ليس بحرام٢.\rمما سبق يتضح ما بين أبي حنيفة وأصحابه، وبين جمهور الفقهاء من خلاف في إيجاب الحد على من شرب من النبيذ، قدرا لم يصل به حد السكر، وهو خلاف لا تقوم به شبهة الجهة، وذلك؛ لأن أدلة من أجاز أدلة ضعيفة، والدليل لا يقوى على درء ما أوجبه الدليل القوي الثابت بيقين.\rكما ان المختلف فيها، يغاير سائر ما اختلف فيها مما يوجب الحد من جرائم من وجهين:\rأولهما: أن فعل المختلف فيه ههنا يفتح الباب إلى فعل ما أجمع الفقهاء على تحريمه، ويرغب فيه ويحض عليه.\rثانيهما: أن الأحاديث الشريفة التي بينت تحريم قليل ما يسكر كثيره، أحاديث كثيرة مستفيضة لم تبق عذرًا لأحد في اعتقاده إباحة ذلك.\rوعليه، فلا يقوى الخلاف هنا على درء الحد لضعف الشبهة، ضعفًا يكاد لا يبقى لها وجود.","footnotes":"١ تفسير القرطبي ج٥ ص٣٧٤٦.\r٢ تفسير الجلالين ص٢١٩ ط المشهد الحسيني، ويراجع في ذلك شرح الزرقاني ج٨ ص١١٢، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٥٢، أسنى المطالب ج٤ ص١٥٨ مغني المحتاج ج٤ ص١٨٧، المغني ج٨ ص٣٠٣-٣٠٦، مباني المنهاج ج١ ص٢٦٧-٢٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234326,"book_id":3632,"shamela_page_id":602,"part":null,"page_num":622,"sequence_num":602,"body":"٢- وصول الخمر إلى الجوف عن غير طريق الفم:\rالسلوك المادي الذي تقوم به جريمة شرب الخمر، هو عبارة عن قيام الجاني بشرب المسكر، ويقصد بذلك وصول المسكر إلى الحلق، ومن باب أولى وصوله إلى الجوف عن الطريق الطبيعي: أي عن طريق الحلق؛ لأن الشرب لا يكون إلا عن هذا الطريق.\rفمن لم يصل المسكر إلى حلقه لا يلزمه الحد، كمن تمضمض به ثم مجه، أوكمن تروقه بلسانه، ولم يصل إلى حلقه.\rومن وصل الخمر إلى جوفه عن غير طريق الفم، كأن يكون قد استعط به، أو احتقن، فإن كلمه الفقهاء لم تنفق على إلزامه الحد.\rفقد ذهب فقهاء الأحناف، والمالكية إلى أن الحد لا يجب إلا إذا وصلت الخمر إلى الجوف عن طريق الفم، فإن وصلت عن طريق الأنف، أو الشرج أو الحقن، فإن ذلك يورث شبهة لعدم وصولها من الطريق الطبيعي، ويترتب على هذه الشبعة درء الحد، وإن كان درء الحد لا يمنع الإمام من تعزير من فعل ذلك١.\rوذهب فقهاء الشعية إلى إيجاب الحد على كل من أدخل خمرًا في جوفه، حتى ولو لم يصدق على فعله عنوان الشرب٢.","footnotes":"١ بدائع الصنائع ج٧ ص٤٠، شرح الزرقاني ج٨ ص١١، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٥٢.\r٢ مباني المنهاج ج١ ص٢٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234327,"book_id":3632,"shamela_page_id":603,"part":null,"page_num":623,"sequence_num":603,"body":"وقد جاء عن فقهاء الشافعية ثلاثة آراء:\rأولها: لا حد بذلك لقيام الشبهة التي تدرأ الحد.\rوثانيها: يجب الحد مطلقًا بوصول الخمر إلى الجوف.\rوثالثها: يجب الحد على من استعط المسكر، أما من احتقن به، فلا حد عليه١.\rووافق جمهور فقهاء الحنابلة ما ذهب إليه الشافعية، وإن كان الإمام أحمد قد رأى الحد على من احتقن بالخمر لوصولها لجوفه٢.\rوما ذهب إليه الأحناف، والمالكية هو ما أرجحه إلا إذا تعمد متعاطي المسكر التحايل، وسكر مما أدخله إلى جوفه، لتحقق علة إيجاب الحد من كونه قد يصل الافتراء، وسدا لباب التحايل.","footnotes":"١ نهاية المحتاج ج٨ ص١١، مغني المحتاج ج٤ ص١٨٨.\r٢ المغني ج٨ ص٣٠٦، ٣٠٧، الإقناع ج٤ ص٢٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234328,"book_id":3632,"shamela_page_id":604,"part":null,"page_num":624,"sequence_num":604,"body":"المبجث الثاني: شرب الخمر الذي لا يوجب الحد، لقيام شبهة في القصد الجنائي\r...\rالمبحث الثاني: شرب الخمر الذي لا يوجب الحد، لقيام شبهة في القصد الجنائي\rجريمة شرب الخمر من الجرائم التي لا بد قيامها من توافر القصد الجنائي لدى الفاعل، وعلى هذا فمن أقدم على شرب الخمر، وهو مكره فلا تقوم الجريمة بالنسبة له بمعنى أنه لا يلزم عقوبتها، وهذا ما أجمع عليه الفقهاء، ومثله من اضطر لدفع عطش أو لعلاج، ومثل ذلك من شربها، وهو يجهل كونها خمرًا، وإن سكر، أما من شرب الخمر وهو يجهل حكمها، ولا يعلم أنها حرام، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بدرء الحد عنه لشبهة جهله هذه.\rوهؤلاء الذين لم يلزموه الحد، وإن اتفقوا على ذلك، إلا أن منهم من قد بنوا رأيهم في ذلك على أساس عدم قيام الجريمة أصلًا في حقه، فيقول ابن حزم: \"من أكره على شرب الخمر، أو اضطر إليها لعطش، أو علاج أو لدفع خنق، فشربها أو جهلها، فلم يدر أنها خمر، فلا حد على أحد من هؤلاء، ثم فصل المراد بجهلها، فقال: \"ما الجاهل -فإنه لم يتعد ما حرم الله عليه، ولا حد إلا على من علم التحريم- ولا يختلف اثنان من الأمة في أنه من دست إليه غير امرأته، فوطئها وهو لا يدري من هي يظن أنها زوجته، فلا حد عليه\"١.\rوجاء عن فقهاء الشيعة: \"لو أن رجلًا دخل الإسلام، وأقربه ثم شرب الخمر وزنى، وأكل الربا ولم يتبين له شيء من الحلال والحرام، لم أقم عليه الحد إن كان جاهلًا\"٢.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٤٢٩.\r٢ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234329,"book_id":3632,"shamela_page_id":605,"part":null,"page_num":625,"sequence_num":605,"body":"ومن هؤلاء من قال بدرء الحد عنه لشبهة جهله: وقد فصل هؤلاء القول في ذلك، فيقول الشربيني: \"لو قرب إسلامه، فقال: جهلت تحريمها لم يحد؛ لأنه قد يخفى عليه ذلك، والحدود تدرأ بالشبهات١، وقد فصل فقهاء الحنابلة القول، فيمن يدعي الجهل بتحريم الخمر، ووافقهم الأذرعي، فرأوا أن مدعي الجهل إن كان ناشئًا ببلاد الإسلام بين المسلمين، لم تقبل دعواه؛ لأن هذا لا يكاد يخفى على مثله، فلا تقبل دعواه ففيه، وإن كان حديث عهد بالإسلام، أو ناشئا ببادية بعيدة عن البلدان قبل منه؛ لأنه يحتمل ما قاله\"٢.\rوإن كان الرأي الظاهر عند فقهاء الشافعية، إسقاط الحد عمن قال بجهله حكم تحريمها؛ لقرب عهده بالإسلام دون تفصيل، سواء أكان ممن نشأ بين المسلمين، أو من غير هؤلاء، فقد جاء عن الشربيني قوله بعد أن ذكر رأي الأذرعي \"ظاهر كلام الأصحاب الإطلاق، وهو الظاهر\"٣.\rوذهب فقهاء المالكية إلى القول: بأنه لا حد على من شرب خمرًا يظنها غيرها، كما إذا ظنها ماء، أو عسلًا فشرب، ثم ظهر أنها خمر، أو أن هذا الشراب مسكر، وقاسوا ذلك بمن وطئ أجنبية لظنها زوجته إن كان يتأتى الاشتباه.\rأما من جهل وجوب الحد، وعلم الحرمة، فإنه يلزمه الحد، ولا يلتفت إلى جهله هذا؛ لأنه جهل لا يعتد به في إسقاط الحد، وكذا يلزم الحد","footnotes":"١ مغني المجتاج ج٤ ص١٨٨، ويراجع في ذلك بدائع الصنائع ج٧ ص٤٠.\r٢ المغني ج٨ ص٣٠٨، ٣٠٩، مغني المحتاج ج٤ ص١٨٨.\r٣ مغني المحتاج ج٤ ص١٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234330,"book_id":3632,"shamela_page_id":606,"part":null,"page_num":626,"sequence_num":606,"body":"من جهل الحرمة نفسها، حتى وإن كان قريب عهد بالإسلام، ومثلوا له بالاعجمي الذي دخل دار الإسلام، فمثل هذا لا يعذر بجهله تحريم الخمر.\rورد فقهاء المالكية على ما يمكن أن يوجه لرأيهم من نقد، أنهم لم يعذروا الجاهل عنا، وعذروه في الزنا، فقالوا: إن مفاسد الشرب لما كانت أشد من مفاسد الزنا لكثرتها؛ لأنه ربما زنى وسرق، وقتل كان أشد من الزنا؛ ولأن الشرب أكثر وقوعًا من غيره\"١.\rوما ذهب إليه فقهاء المالكية من القول بوجوب الحد على من جهل الحكم هنا على عمومه قول مردود؛ لأن الجهل المعتد به، وإن لم يقو على عدم إيجاب الحد ابتداء، فلا أقل من أن يورد شبهة يترتب عليها درء الحد، أما أن الشر مفاسدة أكثر، فهذا إعمال الحدود على أساس من الحدس والتخمين، وهو مردود في هذا الباب، لقيام الدليل على درء الحد بالشبهة، ولم يفصل بين حد وآخر، من حيث كونه أكثر وقوعًا من عدمه في مسائل هذا الباب، وهذا ما أرجحه.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص١٠٨، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٥٢، شرح الزرقاني ج٨ ص١١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234331,"book_id":3632,"shamela_page_id":607,"part":null,"page_num":627,"sequence_num":607,"body":"المبحث الثالث: الشبهات التي تعتري إثبات شرب الخمر\rأولا: إثباتها بالإقرار وما يعتريه من شبهات\r...\rالمبحث الثالث: للشبهات التي تعتري إثبات شرب الخمر\rأولًا: إثباتها بالإقرار وما يعتريه من شبهات\rيرى جمهور الفقهاء أن جريمة شرب الخمر، تثبت بإقرار الجاني، ولو مرة واحدة، وذلك نظرًا؛ لأن الحد الواجب على المقر لا يترتب عليه إتلاف، ولهذا قاس جمهور الفقهاء إثباتها بالإقرار الواحد بإثبات جريمة القذف، فيقول بن قدامة: \"ولا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين الإقرار، أو البينة، ويكفي في الإقرار مرة واحدة في قول عامة أهل العلم؛ لأنه حد لا يتضمن إتلافًا، فأشبه حد القذف\"١.\rولم يقيد جمهور الفقهاء الإثبات بالإقرار بوجود رائحة الخمر، وإن كان الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف قد اشترطا للاعتداد بالإقرار هنا، أن يكون رائحة الخمر موجودة بفم المقر، فإن أقر بشربه الخمر، ولم تشم منه رائحتها، فلا يحد عند أبي حنيفة، وأبي يوسف٢.\rكما ذهب أبو يوسف إلى القول: باشتراط أن يعتدد الإقرار من الجاني بعدد الشهود الذين تثبت الجريمة بشهادتهم، وذلك؛ لأنه يرى أن كل إقرار يسقط بالرجوع، فعدد الإقرر فيه كعدد الشهود٣.\rكما قد جاء عن فقهاء الشيعة اشتراط ذلك التعدد، وإن كان هذا الرأي خلافًا للمشهور عندهم٤.\rوما أرجحه من ذلك، هو أنه يكفي لإثبات جريمة الشرب، وإلزام الحد إقرار الجاني، ولو مرة واحدة، وجدت رائحة الخمر، أو لم توجد نظرًا لانتقاء التهمة؛ لأن الإنسان لا يتهم نفسه، فلا يشترط التعدد، ولا وجود الرائحة، فلا يسقط الحد بشيء من ذلك، ولا يرد الإقرار، وما يترتب عليها إلا الرجوع عنه، فإذا رجع المقر عن إقراره درئ الحد عنه؛ لأن الحق هنا خالص لله ﷾","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٣٠٩.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٣٠١-٣٠٥.\r٣ بدائع الصنائع ج٧ ص٥٠.\r٤ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٧٢- ويراجع الخرشي ج٨ ص١٠٩، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٥٣، مغني المحتاج ج٤ ص١٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234332,"book_id":3632,"shamela_page_id":608,"part":null,"page_num":629,"sequence_num":608,"body":"وذهب فقهاء المالكية إلى وجوب حد الشرب على المشهود عليه، إذا شهد عليه عدل واحد بشربها، وشهد أخر بأنه رآه يتقاياها، وكذا يلزمه حد الشرب إذا شهدا بأنهما شما من فمه رائحة الخمر، وأكثر من ذلك ذهب فقهاء المالكية إلى القول: بوجوب الحد إذا شهد عليه عدلان بأن رائحة فمه مسكر، وشهد عدلان آخران أنه ليس برائحة مسكر، وذلك مبني عندهم على أساس أن الشهادة المثبتة تقدم على النافية١.\rوما ذهب إليه المالكية مردود؛ لأن شهادة العدلين بأن فمه رائحته خمرًا، لا تصلح دليلًا أساسا لجواز أنه تمضمض بها، ثم مجها أو أنه شربها مكرها، أو غير عالم بأنها خمر، وهذه كلها شبهات، كما أن شهادة الأولى، فلا أقل من أن تورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص١٠٩، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234333,"book_id":3632,"shamela_page_id":609,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":609,"body":"ثانيًا: إثبات جريمة الشرب بالبينة، وما يعتريه من شبهات\rتثبت جريمة شرب الخمر بشهادة شاهدين، فأكثر بالشروط التي سبق بيانها، عند الحديث عن الإثبات بالبينة.\rوذهب الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى اشتراط وجود رائحة المسكر بفم الشارب، عند تأدية الشهود شهادتهم عليه، فإذا جاء الشهود من مكان بعيد، فاستغرق حضورهم وقتًا، زالت فيه رائحة الخمر من فم لزمهم الشارب أن يقولوا: أخذناه، وريح الخر موجودة بفمه١.\rويرى جمهور العلماء عدم اشتراط وجود الرائحة بفم الشارب، فيكفي شهادة رجلين أنهما رأياه يشرب الخمر، فإذا لم يشهدا بأنهما رأياه يشربها فلا حد. كأن يقولا: شممنا منه يرحها أو رأينها سكرانا، أو وجدناه يقيء خمرًا ودرء الحد عنه هنا مبني على أساس احتمال أن يكون شرب الخمر غلطًا، أو مكرها، والحد يدرأ بالشبهة، بين ذلك ابن قدامة بقوله: \"وإن وجد سكرانًا أو تقيأ الخمر فعن أحمد لا حد عليه لاحتمال أن يكون مكرهًا، أو لم يعلم أنها تسكر، وهذا مذهب الإمام الشافعي\"٢.","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣٠١، ٣٠٣.\r٢ المغني ج٨ ص٣٠٩، مغني المحتاج ج٤ ص١٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234334,"book_id":3632,"shamela_page_id":610,"part":null,"page_num":629,"sequence_num":610,"body":"ثالثًا: إثبات جريمة الشرب بالقرائن\rذهب الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- إلى أن وجود رائحة الخمر من فم شخص، تعتبر دليلًا على شربه لها، وعلى هذا لو شهد بوجود الرائحة شاهدان لزم المشهود عليه حد الشرب الخمر، يقول الخرشي:\r\"وكذا يحد لو يشهد عليه عدلان بأن رائحة فمه رائحة مسكر\"١.\rويظهر لي أن إلزام المشهود عليه الحد، مشروط بعدم ذكره سببًا من الأسباب المبيحة له شرب الخمر، أو أنه مجها من فمه قبل أن تصل إلى حلقه؛ لأن الخرشي قد ذكر بعد قوله السابق: \"ويجوز شرب الخمر عند الإكراه على شربه، وكذا يجوز شربها لمن غص بالطعام، وخاف على نفسه الهلاك، وتقدم أن ابن عرفه يقول بعدم الجواز، لكن المعول عليه الإباحة، وعلى كل لا حد\"١.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص١٠٩، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234335,"book_id":3632,"shamela_page_id":611,"part":null,"page_num":630,"sequence_num":611,"body":"وقد وافق الإمام أحمد في أحد رأييه، ما ذهب إليه الإمام مالك -رضي الله تعالى عنهما١.\rوذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد في رأيه الراجح إلى القول بعدم الاعتداد بالشهادة، التي أخبر فيها الشهود بأنهم قد شموا رائحة الخمر من فم المشهود عليه، لجواز أنه شربها لسبب من الأسباب التي ذكرتها، أو؛ لأنه مجها قبل أن تصل إلى حقه، واحتمال الدليل مثل هذا لا يصلح لأن يقام به حد، وقد وافقهما في ذلك الثوري، أما الإمام أبو حنيفة، فإنه قد زاد على ذلك، فقال إذا شهدا عليه بانهما رأياه يشرب الخمر، فلا بد من أن تشم منه رائحتها، إلا إذا كانت المسافة التي حضروا منها بعيدة، ويتحتم على الشهود أن يذكروا في أقوالهم ما يفيد أنهما أخذاه، وريح الخمر بفمه٢.\rوما ذهب إليه الإمام الشافعي، ومن وافقه هو ما أميل إليه، وأرجحه؛ لأن الحدود لا تقام إلا بدليل لا يتطرق إليه شك.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٣٠٩.\r٢ المرجع السابق، مغني المحتاج ج٤ ص١٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234336,"book_id":3632,"shamela_page_id":612,"part":null,"page_num":633,"sequence_num":612,"body":"الفصل الرابع: جريمة القذف وما يتعلق بها من شبهات\rمدخل\r...\rالفصل الرابع: جريمة القذف وما يتعلق بها من شبهات\rتقديم:\rالقذف في اللغة: الرمي، وقذف المحصنة أي سبها، ورماها بالزنا أو ما كان في معناه، ويطلق أيضًا على السب والشتم، ومن ذلك ما جاء من حديث السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها: \".... وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت به الأنصار يوم بعاث\"، أي تشاتمت في أشعارها وأراجيزها\"١.\rوعرفه الجمهور الفقهاء بأنه الرمي بالزنا٢، وهذا التعريف للقذف قد جاء تعريفًا عامًا، ولذا فإن بعض الفقهاء قد أورد للقذف الموجب للحد تعريفًا، ذكر فيه بعض القيود والشروط، فيقول البابرتي: القذف في اصطلاح الفقهاء نسبة من أحصن إلى الزنا صريحًا أو دلالة، عند انعدام الشبهة٣.\rوذكر الشربيني أن المراد بالقذف الموجب للحد، هو الرمي بالزنا في معرض التعبير، ليخرج الشهادة بالزنا، فلا حد فيها إلا أن يشهد به دون أربعة٤.\rوجاء عن فقهاء المالكية أن القذف الأعم: نسبة آدمي غيره لزنا، أو قطع نسب مسلم، والأخص لإيجاب الحد: نسبة آدمي مكلف غيره حرا عفيفًا مسلمًا بالغًا، أو صغيرة تطيق الوطء لزنا، أو قطع نسب مسلم٥.","footnotes":"١ لسان العرب ج١١ ص١٨٤ مادة \"قذف\".\r٢ فتح القدير ج٥ ص٣١٦، البحر الرائق ج٥ ص٣١، المغني ج٨ ص٢١٥، المحلى ج١٣ ص٢٤٩، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٥٢.\r٣ شرح العناية مع فتح القدير ج٥ ص٣١٦.\r٤ مغني المحتاج ج٤ ص١٥٥.\r٥ الخرشي ج٨ ص٨٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٢٤، ٣٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234337,"book_id":3632,"shamela_page_id":613,"part":null,"page_num":634,"sequence_num":613,"body":"وما ذكرته هذه التعريفات من قيود، وشروط هو ما سأعرض له بالحديث؛ لأنه قد ينشأ عنها شبهات، نظرًا لاختلاف الفقهاء، بعضهم البعض في القول بذلك.\rأما فقهاء القانون، فإنهم لم يشترطوا أن يكون القذف بالزنا، وإنما أطلقوه على كل ما يمس سمعة المقذوف، حتى ولو كان اختلاسه لمال في عهدته، وفرقوا بين القذف، والسبب، فجعلوا القذف قاصرًا على إسناد واقعة وقائع معينة للمقذوف في حقه، كان ينسب لموظف أنه اختلس مالًا في عهدته، أو أنه ارتشى في عملية، أو أن شخصا حملته أمه سفاحًا، أو أن طالبًا غش في الامتحان، أما السب فهو يخلو من إسناد واقعة معينة، ولكنه يتضمن خدشًا للشرف والاعتبار، كأن يقال لشخص: إنه لص.\rولا تستخلص التفرقة بين القذف، والسب من صيغة العبارة وحدها، وإنما من مجموع ما يحيط بها من ظروف، فقد تجري على الألسن بعض العبارات على أساس أنها من قبيل السب، ولكن هذه العبارات قد يريد بها الجاني أمر محددًا، وعندئذ تعد قذفًا، فمن يقل لآخر: إنه ابن حرام، فقد تؤخذ على أنها سب، وقد تعتبر قذفًا إذا ثبت أن الجاني كان يقصد أن أم المجني عليه حملتها سفاحًا١.\rكما أن فقهاء القانون يرون أن جريمة القذف، لا تنتفي إذا كانت الوقائع المسندة للمقذوف صحيحة، وهذا يغاير ما عليه فقهاء الشريعة، الذين لا يرون حدا على من قذف شخصًا بوقائع صحيحة وثابتة.\rوالمقذوف في حقه عند فقهاء القانون، قد يكون شخصًا طبيعيًا،","footnotes":"١ يراجع شرح قانون العقوبات القسم الخاص أ. د: محمود مصطفى ص٣٤٤-٣٦٤، أ. د. أحمد الألفي ص٢٥٠ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234338,"book_id":3632,"shamela_page_id":614,"part":null,"page_num":635,"sequence_num":614,"body":"وهذا هو المتعارف عليه عند فقهاء الشريعة، وقد يكون شخصًا معنويًا، ويلزمون القاذف بالعقوبة، وهذا ما لا نعده الشريعة من جرائم القذف الحدية، وإن ألزمت به عقوبة تعزيرية، وعمومًا فالتفرقة لا طائل تحتها؛ لأن العقوبة عند القانونيين عقوبة تعزيرية في كل وقائع القذف.\rويبقى شرط جوهري عند فقهاء القانون، ويتمثل في أنه لا تقوم هذه الجريمة إذا لم يعلم بها أحد، فمن قذف آخر، ولم يسمعه أحد غير المقذوف لا يلزم بالعقوبة، التي حددها القانون أما الشريعة، فإنها تعد ذلك قذفًا، وتلزم به العقوبة الحدية، حتى ولو لم يسمعه أحد غير المقذوف إذا أقر القاذف به.\rويقتضي ما ذكرته هنا بيان الوسائل التي تؤدي بها الركن المادي لهذه الجريمة، وما يشوبها من شبهات أيضًا، بالإضافة إلى ما ترتب على ما ذكره بعض الفقهاء من شبهات أنتجت درء العقوبة الحدية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234339,"book_id":3632,"shamela_page_id":615,"part":null,"page_num":636,"sequence_num":615,"body":"المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\rأولا: القذف بطريق الكتابة أو التعريض\r...\rالمبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\rنتج من اختلاف فقهاء الشريعة في تعريف القذف، وإيراد البعض شروطًا لم يرها الآخرون، وعدم اتفاقهم في إيجاب الحد ببعض صيغ القذف من الكنايات أو التعريض، شبهات تعتري الركن الشرعي للجريمة، يترتب عليها درء العقوبة الحدية، ويأتي في مقدمة هذه الشبهات، ما ترتب على اختلاف الفقهاء في إيجاب الحد على من قذف بلفظ يحتمل القذف وغيره، ثم ما اشترطه بعض الفقهاء من شروط في المقذوف.\rأولًا: القذف بطريق الكتابة، أو التعريض\rيرى فقهاء المالكية وجوب حد القذف على من عرض بآخر، إذا فهم المراد من التعريض، كان عليه قرينة ما من القرائن، ما لم يكن المعرض أبا للمقذوف، فيقول الخرشي: \"اعلم أن التعريض المفهم لأحد الأمور الثلاثة المتقدمة، وهي: الزنا واللواط، ونفي النسب عن الأب، أو الجد كالتصريح بذلك، فإذا قال له: ما أنا بزان فكأنه قال له: يا زاني، أو قال: أما أنا فلست بلائط، فكأنه قال له: يا لائط، وقال له: أما أنا فأبي معروف، فكأنه قال له: أبوك ليس بمعروف، فيترتب على قول ذلك وجوب الحد، ولا فرق في التعريض بين النثر، والنظم، وأما الأب إذا عرض لولده، فإنه لا يجد لذلك لبعده عن التهمة في ولده، ولا أدب\"١.","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٨٧، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234340,"book_id":3632,"shamela_page_id":616,"part":null,"page_num":637,"sequence_num":616,"body":"وجاء عن الإمام أحمد في أحد رأييه، أن حد القذف يجب في التعريض، وقد روي ذلك عن عمر -رضي الله تعالى عنه، فقد حكم على من عرض بآخر بالجلد ثمانين١.\rوقد أورد جانبا من ذلك ابن حزم، حين عرض أدلة من رأى ذلك، وذكر أن رجلين استبا في زمان عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه: فقال أحدهما: ما أبي بزان، ولا أمي بزانية، فاستفتى في ذلك عمر بن الخطاب، فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه، وأمه مدح سوى هذا، نرى أن يجلد الحد، فجلده عمر ثمانين\"٢.\rوروي أن عمر -رضي الله تعالى عنه، قد قال في شأن هذا الرجل:\r\"قد عرض بصاحبه\"، وكان عمر يجلد في التعريض٣.\rكما ذكر ابن خزم أن رجلًا في إمارة عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- قال لآخر: أنت تسري على جاراتك، فلما سئل القائل: عن قصده بذلك قال: والله ما أردت الانخلات كان يسرقهن، فحده عمر بن عبد العزيز٤.\rورأى القائلون بوجوب الحد بالتعريض، أن الحد إنما يجب في القذف لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، وعليه فإذا حصلت المعرة بالتعريض، صار التعريض قذفًا كالصريح، ووجب به الحد.\rفوجود المعرة سبب يوجب الحد المسبب عنه٥؛ ولأن الكناية مع","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٢٢.\r٢ المحلى ج١٣ ص٢٦٨.\r٣ المغني ج٨ ص٢٢٢، المحلى ج١٣ ص٢٦٧.\r٤ المحلى ج١٣ ص٢٦٨.\r٥ القرطبي -الجامع لأحكام القرآن ج٥ ص٤٥٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234341,"book_id":3632,"shamela_page_id":617,"part":null,"page_num":638,"sequence_num":617,"body":"القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها، كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى، ولذلك وقع الطلاق بالكناية١.\rوذهب جمهور الفقهاء إلى القول بقصر وجوب الحد على القذف الصريح، فإذا لم يكن اللفظ صريحًا في القذف، فلا حد على قائله كتابة، كان هذا اللفظ المستعمل أو تعريضًا، فقد جاء عن فقهاء الأحناف: \"لو قال رجل لآخر: يا فاسق يا خبيث، أو يا فاجر أو يا ابن الفاجر، أو يا ابن القحبة، فلا حد عليه؛ لأنه ما نسبه، ولا أمه إلى صريح الزنا، فالفجور قد يكون بالزنا وغير الزنا، والقحبة من يكون منها ذلك الفعل، فلا يكون هذا قذفًا بصريح الزنا: فلو أوجبنا به الحد إنما يوجب بالقياس، ولا مدخل لقياس في الحد\"، وقالوا أيضًا: \"وإذا قال له: فجرت بفلانه وجامعتها، أو فعلت بها فسمي الفحش لم يكن عليه في ذلك حد؛ لأنه ما صرح بالقذف بالزنا، وفي الأسباب الموجبة للحد يعتبر عين النص، فما لم يقذفه بصريح الزنا لا يتقرر السبب٢، وإذا عرض بالزنا، فقال: أما أنا فلست بزان، فلا حد عليه.. وإن قال له: أخبرت أنك زان فلا حد عليه؛ لأنه ما نسبه إلى الزنا، وإنما حكى خبر مخبر، والخبر قد يكون صدقًا وقد يكون كذبًا، فالمخبر يكون حكاية للقذف عن الغير لا قاذفًا٣.\rوقال ابن حزم بعد أن عرض آراء القائلين بوجوب حد القذف بالتعريض، ورد عليها: \"وصح أن لا حد في التعريض أصلًا\"٤.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٢٢.\r٢ فمن لفق صورة لشخص توخى بوضع الزنا، يدخل أيضا ضمن من لم يقذفه بلفظ صريح، واعتبر ذلك من باب التعريض والكناية.\r٣ المبسوط، ج٩ ص١١٩، ١٢٠، فتح القدير ج٥ ص٣١٧، البحر الرائق ج٥ ص٣٣.\r٤ المحلى ج١٣ ص٢٧٥-٢٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234342,"book_id":3632,"shamela_page_id":618,"part":null,"page_num":639,"sequence_num":618,"body":"وذكر ابن قدامة أن الإمام أحمد، قد روي عنه أنه لا حد في التعريض بالقذف، ولا حد إلا على من صرح، فقال: \"وكلام الخرقي يقتضي أن لا يجب الحد على القاذف، إلا بلفظ صريح لا يحتمل غير القذف، وهو أن يقول: يا زاني أو ينطق باللفظ الحقيقي في الجماع، فأما ما عداه من الألفاط، فيرجع فيه إلى تفسيره لما ذكرنا في هاتين المسألتين، فلو قال: يا مخنث أو لامرأة يا قحبة وفسره بما ليس بقذف مثل أن يريد بالمخنث أن فيه طباع التأنيث، والتشبه بالنساء، وبالقحبة أنها تستعد لذلك، فلا حد عليه، وكذلك إذا قال: يا فاجرة يا خبيثة.\rوحكى أبو الخطاب في هذا رواية أخرى، أنه قذف صريح، ويجب به الحد، والصحيح الأول قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من جرح بالقذف والشتيمة، قال ابن المنذر: الحد على من نصب الحد نصبًا؛ ولأنه قول غير الزنا، فلم يكن صريحًا في القذف كقوله: يا فاسق، وإن فسر شيئًا من ذلك بالزنا، فلا شك في كونه مقذفًا\"١.\rوذكر فقهاء الشافعية أنه لا حد في القذف بالكتابة، إلا إذا نوى القائل القذف، وإثبات ذلك يحتاج إلى مراجعة القائل لبيان قصده ونيته.\rأما التعريض، فقد جاء فيه رأيان عندهم، أحدهما أنه ليس بقذف؛ لأن الله علق الحد على الزنا، والثاني أنه يجب به الحد٢، وذكر","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٢١، ٢٢٢.\r٢ لما روى الأشعث بن قيس أن النبي ﷺ، قال: \"لا أوتي برجل يقول: إن كنانة ليست من قريش إلا جلدته\"، المهذب ج٢ ص٢٧٣، ٢٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234343,"book_id":3632,"shamela_page_id":619,"part":null,"page_num":640,"sequence_num":619,"body":"فقهاء الشيعة أن القذف هو الرمي بالزنا، أو اللواط، وما يؤدي معنى ذلك١.\rواستدل القائلون بعد إلزام حد القذف بالكناية، أو التعريض بأدلة كثيرة منها:\r١- ما روي أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: \"يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود -وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه- وفي رواية وأنا أنكره، فقال النبي ﷺ: \"هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: أحمر، قال: فهل فيها من أوراق؟ قال: نعم، فيها ذو ورق: قال: مما ذاك ترى؟ قال: لا أدري لعله أن يكون نزعة عرق، قال رسول الله ﷺ: وهذا لعله أن يكون نزعه عرق\"، ولم يرخص له في الانتفاء منه، ولم يلزمه بذلك حدا ولا غيره، رواه البخاري عن أبي هريرة٢.\r٢- روي أن معاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ قالا جميعًا: ليس الحد إلا في الكلمة ليس لها مصرف، وليس لها إلا وجه واحد.\rوعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: \"إذا بلغ الحد -لعل عسى- فالحد معطل٣.\r٣- روي أن رجلًا شاتم رجلًا، فقال: يا بن شامة الوذر -يعني ذكور الرجال، فقال له عثمان: أشهد عليه؟ فرفعه إلى عمر، فجعل الرجل يقع في عثمان، فينال منه، فقال عمر: أعرض عن ذكر","footnotes":"١ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٥٢.\r٢ المحلى ج١٣ ص٢٧٣، المغني ج٨ ص٢٢٢ صحيح البخاري، ج٧ ص٦٨، ٦٩ باب اللعان.\r٣ المحلى ج١٣ ص٢٥٠، ٢٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234344,"book_id":3632,"shamela_page_id":620,"part":null,"page_num":641,"sequence_num":620,"body":"عثمان، فجعل الرجل لا ينزع، فعلاه عمر بالدرة وقال: أعرض عن ذكر عثمان، وسأل عن أم الرجل، فإذا هي قد تزوجت أزواجًا، فدرأ عنه الحد١.\r٤- فرق الله ﷾ بين التعريض بالخطبه والتصريح بها، فأباح التعريض بها في العدة، وحرم التصريح -فكذلك في القذف.\rفقد قال الله ﷾: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ٢، فإذا ثبت من الشرع نفي اتحاد حكمهما في غير الحد، لم يجز أن يعتبر التعريض كالتصريح، على وجه يوجب الحد المحتاط في درئه٣.\rوما ذهب إليه جمهور الفقهاء، هو ما أرجحه وأميل إليه لقوة ما استدلوا به، وموافقته لما أقره القرآن الكريم من التفريق بين حكم كل من التصريح، والتعريض، وما ورد عن الرسول ﷺ، ومقالته لمن جاء ينفي ابنه، وعدم إلزامه عقوبة بذلك يدرأ كل ما استدل به فقهاء المالكية، ولجواز حمله على أن ذلك اجتهاد، من عمر -رضي الله تعالى عنه- بدليل استشارته أصحابه، وهو مع ذلك: لا يقوى على معارضه ما جاء عن رسول الله ﷺ من حديث صحيح، معغ أن القرائن الصارفة التعريض إلى حد التصريح قائمة، وواضحة في حديث ومقالته.\rكما أن الخلاف ها هنا قد اعتمد على أدلة قوية فإن لم ينف وجوب الحد فلا أقل من أن يورث شبهة تدرأ العقوبة المقدرة، وقد سبق الحديث عن شبهة الجهة، عند بيان ما يلحق الركن الشرعي من شبهات، وهي هنا بارزة واضحة وقوية.","footnotes":"١ المرجع السابق ص٢٦٩.\r٢ من الآية ٢٣٥ من سورة البقرة.\r٣ فتح القدير ج٥ ص٣١٧، المغني ج٨ ص٢٢٢- المحلى ج١٣ ص٣٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234345,"book_id":3632,"shamela_page_id":621,"part":null,"page_num":642,"sequence_num":621,"body":"ثانيًا: الشهادة بالزنا إذا جرح الشهود، أو أحدهم\rذهب فقهاء الأحناف، والشافعية إلى أن الشهود باعتبار تحملهم الشهادة، وآدائها أنواع، فمنهم من هو أهل لتحمل الشهادة، وأدائها فيعتد بقوله وتقبل شهادته، وتثبت بها الجرائم، وقد سبق بيان هؤلاء عند الحديث عن شروط في الشاهد.\rومن الشهود من له تحملها -ولكنه تحمل- لا يعتد به في إلزام المشهود عليه العقوبة الحدية؟ وذلك راجع لقصور في الشهود لتهمتهم، وما يتصل بهذا الموضوع هو شهادة الفساق على شخص بالزنا.\rوالشهادة هذه إذ أداها أربعة منهم، لا يلزم المشهود عليه بالعقوبة الحدية لفسق الشهود، كما أن هؤلاء الشهود لا يلزمهم حد القذف بشهادتهم هذه التي لم يثبت بها الزنا الموجب الحد، وعدم إلزام حد الزنا بشهادتهم، لا يترتب عليه إلزامهم حد القذف؛ لأن الحد يحتاط فيه، فيسقط عن المشهود عليه لعدم الثبوت، وعن الشهود لثبوت شبهة الثبوت، وقد جاء عن فقهاء الأحناف عند حديثهم عن ذلك، أنه لو شهد أربعة على شخص بالزنا، وهم فساق أو ظهر أنهم فساق لم يحد المشهود عليه، ولم يحد الشهود؛ لأن الفاسق من أهل الأداء والتحمل، وإن كان في أدائه نوع من القصور لتهمة الفسق، ولهذا لو قضى القاضي بشهادة -في غير الحدود- نفذ، ويثبت بشهادتهم شبهة الزنا، وباعتبار قصور في الأداء لتهمة الفسق، يثبت شبهة عدم الزنا، فلهذا امتنع الحدان١.","footnotes":"١ الهداية مع فتح القدير ج٥ ص٢٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234346,"book_id":3632,"shamela_page_id":622,"part":null,"page_num":643,"sequence_num":622,"body":"ويقول الشربيني الشافعي: \"لو شهد أربعة بالزنا، وردت شهادتهم بفسق ولو مقطوعًا به كالزنا، وشر ب الخمر لم يحدوا، وفارق ما مر في نقص العدد بأن نقص العدد متيقن، وفسقهم إنما يعرف بالن والاجتهاد، والحد يدرأ بالشبهة\"١.\rوذهب الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- إلى أن جريمة القذف تقوم في حق الشهود، الذين ترد شهادتهم لقيام حرج بهم؛ لأن شهادتهم لم تثبت بها جريمة الزنا الحدية، وعليه فهم قذفة يلزمهم حد القذف، فقد جاء في المدونة: \"وقت أرأيت أن جرح واحد من الشهود، وقد شهدوا عليه بالزنا، وهم أربعة أيحد جميعهم حد الفرية في قول مالك\"، قال: نعم في رأيي؛ لأن مالكًا قال: إذا كان أحدهم مسخوطًا جلد، وحد الثلاثة معه\"٢، وذكر ابن قدامة أن الشهود على الزنا إذا كملوا أربعة غير مرضيين، أو واحد منهم كالعبيد والفساق، والعميان ففيهم ثلاث روايات، إحداهن عليهم الحد، وهو قول مالك: قال القاضي هذا الصحيح؛ لأنها شهادة لم تكمل فوجب الحد على الشهود، كما لو كانوا ثلاثة.\rوالثانية: لا حد عليهم، وهو قول الحسن والشعبي وأبي حنيفة ومحمد....\rوالثالثة أن كانوا عميانًا، أو بعضهم جلدوا، وإن كانوا عبيدًا أو فساقا، فلا حد عليهم، وهو قول النووي وإسحاق ... لجواز صدقهم٣.\rوما ذهب إليه القائلون بعدم الحد عليهم، هو الراجح لتردد الأمر بين الصدق والكذب، ومثل ذلك يورث شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.","footnotes":"١ مغني المحتاج ج٤ ص١٥٧.\r٢ المدونة ج١٦ ص٥٩.\r٣ المغني ج٨ ص٢٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234347,"book_id":3632,"shamela_page_id":623,"part":null,"page_num":644,"sequence_num":623,"body":"المبحث الثاني: شروط في المقذوف\rأولا: البلوغ والعقل\r...\rالمبحث الثاني: شروط في المقذوف\rذكر بعض الفقهاء شروطًا، لا بد من توافرها في المقذوف لإيجاب الحد على قاذفه، والذين ذكروا هذه الشروط منهم من توسع فيها، ومنهم من اقتصر على بعضها إلى حد أن من الفقهاء من حكم بحد القذف في وقائع، لم ير فيها الآخرون، وفيما يلي بيان لذلك، وما ينشأ عنه من شبهات.\rأولًا: البلوغ والعقل\rذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن غير البالغ العاقل، لا يلحقه عار بقذفه ونسبته إلى الزنا، وعلى هذا فلا يلزم قاذف الحد، فقد جاء عند فقهاء الأحناف: \"والعامة يمنعون كون الصبي، والمجنون يلحقهما عار بنسبتهما إلى الزنا، بل ربما يضحك من القائل لصبي، أو مجنون يا زاني إما لعدم صحة قصده، وإما لعدم خطابهما بالحرمات، ولو فرض لحقوق عار لمراهق، فليس إلحقًا على الكمال فيندرئ، وهذا أولى من التعليل بعدم تحقق فعل الزنا منهما؛ لأنه مؤول بأن المراد بالزنا المؤثم، وإلا فهو يتحقق منهما، إذ يتحقق منهما الوطء في غير الملك \"كن القذف إنما يوجب الحد إذا كان بزنا يؤثم صاحبه\"١.\rكما ذكر فقهاء الشافعية: أن من قذف صغيرًا، أو مجنونًا لم يجب عليه الحد؛ لأن ما يرمى به الصغير والمجنون لو تحقق لم يجب به الحد، فلم يجد الحد على قاذفه، كما لو قذف بالغًا عاقلًا بما دون الوطء٢، كما ذكر فقهاء الشيعة أن قاذف الصبية لا حد","footnotes":"١ فتح القدير ج٥ ص٣١٩، ٣٢٠.\r٢ المهذب ج٢ ص٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234348,"book_id":3632,"shamela_page_id":624,"part":null,"page_num":645,"sequence_num":624,"body":"عليه حتى تبلغ، وذكر بعضهم أن الرجل يقذف الجارية الصغيرة، فأجيب بأنه لا يجلد إلا أن تكون أدركت أو قاربت، والظاهر أن المراد بالإدراك هنا هو رؤية الحيض، وبالقرب من ذلك أكملها تسع سنين، فالنتيجة أن تكون بالغة\"١.\rوذكر فقهاء الحنابلة أن في اشتراط بلوغ المقذوف، وكونه عاقلًا رأيين، أولهما أن ذلك شرط؛ لأن ذلك من شروط التكليف: ولأن زناها لا يوجب حدًا، فلا يجب الحد بالقذف به.\rوالثاني: لا يشترط البلوغ والعقل، نظرًا لكونهما يعيران بهذا القول الممكن، فأشبها الكبير العاقل٢.\rوذهب فقهاء المالكية إلى أن اشتراط البلوغ إنما هو في الذكر الفاعل، وأما المفعول فلا يشترط بلوغه ذكرًا كان أو أنثى، فمتى كان مطيقًا للزنا حد قاذفه٣.\rوذهب ابن حزم إلى القول بوجوب الحد على قاذف الصغير، والمجنون؛ لأن الصغار محصونون بمنع الله تعالى لهم من الزنى، ويمنع أهليهم، وكذلك المجانين -وكذا المجبوب والرتقاء والقرناء، والعينين وإسقاط الحد عن قاذف هؤلاء خطأ محض لا إشكال فيه.\rوذكر ابن حزم أن القذف لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة، لا رابع لها إما أن يكون صادقًا، وقد صح صدقه، فلا خلاف في أنه لا حد عليه.","footnotes":"١ مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٥٥.\r٢ المغني ج٨ ص٢١٦.\r٣ المدونة ج١٦ ص٥٤-٥٥، حاشية العدوي مع الخرشي ج٧ ص٨٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234349,"book_id":3632,"shamela_page_id":625,"part":null,"page_num":646,"sequence_num":625,"body":"أو يكون ممكنًا صدقه وممكنًا كذبه، فهذا عليه الحد بلا خلاف، لإمكان كذبه فقط، ولو صح صدقه لما حد.\rأو يكون كاذبًا قد صح كذبه، فالآن حقًا طابت النفس على وجوب الحد عليه بيقين، إذ المشكوك في صدقه أو كذبه لا بد له من أحدهما ضرورة، \"فلو كان صادقًا لما صح عليه حد أصلًا، فصح يقينا إذ قد سقط الحد عن الصاقد أنه باق على الكاذب\"١، وما ذهب إليه ابن حزم هو ما أرجحه، سواء أكان المقذوف يجامع مثله أم لا؛ لأن حد القذف لا ينتهي بكذب القاذف، وإنما يلزم بكذبه كما أن أهل الصغير، أو المجنون يعيرون بذلك، ولا ينجو الصغير، أو المجنون من ملاحقة العار له طوال حياته إذا لم يحد القاذف، ويظهر كذبه، هذا ولا يعد الخلاف هنا من باب الخلاف الذي يورث شبهة يندرئ بها الحد؛ لأن دليل المانعين للحد دليل لا تقوم به حجة، والمعول عليه هو قوة المدرك لا مطلق الشبهة.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٢٦٢، ٢٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234350,"book_id":3632,"shamela_page_id":626,"part":null,"page_num":646,"sequence_num":626,"body":"ثانيًا: إسلام المقذوف\rذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط إسلام المقذوف لإيجاب الحد على قاذفه، فإذا لم يكن المقذوف مسلمًا، فلا يلزم قاذفه الحد.\rفقد ذكر فقهاء الأحناف، أنه لا حد على قاذف الكافر؛ لأن الإسلام من شرائط الإحصان، واستدلوا لذلك بما روي من قول الرسول ﷺ: \"من أشرك بالله، فليس بمحصن\"، وقد فسر ابن مسعود قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ، بقوله: \"أسلمن\"، وهذا يكفي في إثبات اعتبار الإسلام في الإحصان١.","footnotes":"١ يراجع المبسوط ج٩ ص١١٨، فتح القدير ج٥ ص٣١٦-٣١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234351,"book_id":3632,"shamela_page_id":627,"part":null,"page_num":647,"sequence_num":627,"body":"وذكر فقهاء المالكية عند حديثهم عن القذف، وإخراجهم لمحترزات التعريف \"قولهم: أو قطع نسب مسلم أخرج به ما إذا لم يقطع نسبًا، أو قطع نسب غير مسلم، فإنه لا يسمى قذفًا\"١.\rوجاء على لسان الشيرازي من فقهاء الشافعية: أن قذف غير المحصن لا يجب به الحد، والمحصن الذي يجب الحد بقذفه من الرجال والنساء، من اجتمع فيه البلوغ، والعقل والإسلام، والحرية، والعفة، إلى أن يقول: وإن قذف كافرًا لم يجب عليه الحد٢.\rويقول ابن قدامة: ومن قذف من كان مشركًا، وقال: أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله، وحد القاذف إذا طلب المقذوف.\rوعلل ذلك بقوله: \"إنما كان كذلك؛ لأنه قذفه في حال كونه مسلمًا محصنًا، وذلك بمقتضى وجوب الحد عليه لعموم الرواية، ووجود المعنى، ثم يقول: إن قال له: زنيت في شركك فلا حد عليه، وبه قال الزهري، وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى\"، ثم يقول: ولنا أنه أضاف القذف إلى حال ناقصه، أشبه ما لو قذفه في حال الشرك\"٣، كما أورد فقهاء الشيعة من بين الشروط الواجب توافرها في المقذوف الإسلام، فمن قذف من ليس على الإسلام، فلا حد عليه بذلك؛ لأنه لو لم يكن كذلك، فإن القاذف يكون قد ذكب، ويلزمه غير الحد، لاعتبار الإسلام شرطًا في المقذوف٤.\rهذا ما ذهب إليه الجمهور:","footnotes":"١ يراجع الخرشي ج٨ ص٨٦، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٢٥.\r٢ واستدل لذلك بما روى ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- من أن النبي ﷺ قال: \"من أشرك بالله، فليس بمحصن\" المهذب ج٢ ص٢٧٢.\r٣ المغني ج٨ ص٢٢٨، ٢٢٩.\r٤ مباني تكملة ج١ ٢٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234352,"book_id":3632,"shamela_page_id":628,"part":null,"page_num":648,"sequence_num":628,"body":"أما ابن حزم، فإنه يرى وجوب الحد على من قذف شخصًا آخر، حتى ولو كان المقذوف كافرًا؛ لأن الحد حكم الله تعالى على كل قاذف١، والذي أرجحه هو وجوب الحد على من قذف البالغ العاقل العفيف من أهل الكتاب؛ لأن الله ﷾ وصفهم بالإحصان في قوله: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب\"٢: ولأن الشارع قد كمل للذمي، والمستأمن في دار الإسلام حماية أنفسهم وإعراضهم وأموالهم، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا.\rفإن كان المقذوف مسلمًا، ثم ارتد فلا حد على من قذفه قبل ردته؛ لأن وقوع الرده منه تورث شبهة في إسلامه، وقت قذفه، وقيام هذه الشبهة يدرأ الحد عن الجاني.\rوذهب فقهاء المالكية إلى القول: بإسقاط الحد عن الجاني، حتى ولو تاب المقذوف، ورجع عن ردته إلى الإسلام ثانية٣.\rوأورد فقهاء الشافعية في ذلك رأيين أحدهما:\rأن الردة من المقذوف تسقط الحد عن القاذف، نظرًا؛ لأنها تورث شبهة في إسلام المقذوف، وقت قذفه قبل إظهار ردته والثاني: أن ردة المقذوف لا تسقط الحد عن القاذف؛ لأن الردة تدين والعادة فيها الإظهار، وعليه فإن وقوعها لا ينتج شبهة قيامها إظهارها٤.\rوما أرجحه من ذلك، هو ما ذهب إليه فقهاء المالكية من القول بأن الردة تسقط الحد عن القاذف حتى ولو تاب، وذلك؛ لأن جمهور الفقهاء يرى أن حد القذف سببه قيام المعرة بالمقذوف، ولا يخفى أن ردة المقذوف تلحق به من المعرة ما لا تبقي أثرا لغيرها، وعليه فلا معرة بما كان من قذفه.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٢٦٣-٢٦٥.\r٢ يراجع تفسير القرطبي للآية ٥ من سورة المائدة ج٣ ص٢٠٧٦، ج٥ ص٤٥٦٤.\r٣ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٢٥.\r٤ المهذب ج٢ ص٢٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234353,"book_id":3632,"shamela_page_id":629,"part":null,"page_num":649,"sequence_num":629,"body":"ثالثًا: عفة المقذوف\rالعفة هي الكف عما لا يحل ولا يجمل، والعفيفة من النساء: السيدة الخيرة، وامرأة عفيفة، عفة الفرج، والرجل كذلك أيضًا١.\rوذكر فقهاء الأحناف أن الرجل العفيف هو من لم يطأ امرأة بالزنا، ولا بشبهة، ولا بنكاح فاسد في عمره؟ فإن كان فعل ذلك مرة سقطت عدالته، ولا حد على قاذفه٢.\rوعفة المقذوف، يعتبرها جمهور الفقهاء شرطًا لإلزام القاذف الحد، فإن انثلمت عفة المقذوف درئ الحد عن القاذف؛ لأن انثلامها ينتج شبهة صدق القاذف، ولا يتحقق معها كذبه، والحد لا يلزم في مثل هذا.\rوقال فقهاء الأحناف: \"وأما لاشترط العفة؛ فلأن غير العفيف لا يلحقه العار بنسبته إلى الزنا؛ لأن تحصيل الحاصل محال، ولو لحقه عار آخر فهو صدق، وحد القذف للفرية لا للصدق\"٣.\rفإذا كان المقذوف عفيفًا، ثم حكم على القاذف بالحد، وقبل أن يتم","footnotes":"١ لسان العرب ج١١ ص١٥٨، ١٥٩ مادة عف.\r٢ فتح القدير ج٥ ص٣٢٠.\r٣ المرجع السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234354,"book_id":3632,"shamela_page_id":630,"part":null,"page_num":650,"sequence_num":630,"body":"تنفيذ الحد وقع المقذوف في الزنا، فإن الحد والحالة هذه لا يلزم القاذف؛ لأن إحصان المقذوف قد انتقض، وبانتقاصه انثلمت عفته، وسلامتها شرط حتى يقام الحد ذكر ذلك السرخسي بقوله: \"وإذا زنى المقذوف قبل أن يقام الحد إلى القاذف، أو وطئ حرامًا غير مملوك، فقد سقط الحد عن القاذف: لأن لحصان المقذوف شرط، فلا بد من وجوده عند إقامة الحد، وقد زال إحصانه بهذا الوطء، وكذلك إذا ارتد المقذوف، وإن أسلم بعد ذلك، فلا حد على القاذف؛ لأنه قد سقط الحد لزوال إحصانه بالردة، ولا حد على القاذف إذا صار المقذوف معتوهًا ناقص العقل، أو أصيب بالخرس وبقي كذلك؛ لأن إصابة المقذوف بذلك، وإن كانت لا تذهب إحصانه إلا أنها تقوم بها شبهة إمكان تصديق القاذف، لو كان المقذوف صحيحًا.\rوبهذا لو زالت العلة، وطاب المقذوف بالحد، فله ذلك١، وذكر فقهاء المالكية أن عفة المقذوف قبل القذف، وبعده شرط لإقامة الحد على قاذفه، فقد جاء عنهم: أن عفاف المقذوف الموجب لحد قاذفه واضح في أنه السلامة من فعل الزنا قبل القذف وبعده، ومن ثبوت حده لاستلزمه إياه\"٢.\rوجاء عن فقهاء الشافعية: \"وإن قذف محصنًا، ثم زنى المقذوف أو وطئ وطأ زال به الإحصان سقط الحد عن القاذف، وقال المزني، وأبو ثور: لا يسقط؛ لأنه معنى طرأ بعد وجوب الحد، فلا يسقط ما وجب من الحدة كردة المقذوف، وثبوته الزاني وحريته، وهذا خطأ؛ لأن ما ظهر من الزنا يوقع شبهة في حال المقذوف، ولهذا روي أن رجلًا زنى بامرأة في زمان أمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنه، فقال: والله ما زنيت","footnotes":"١ المبسوط ج٩ ص١٢٧.\r٢ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٢٦، الخرشي ج٨ ص٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234355,"book_id":3632,"shamela_page_id":631,"part":null,"page_num":651,"sequence_num":631,"body":"إلا هذه المرة، فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة، والحد يسقط بالشبهة\"١، أما ابن حزم، فإنه يرى وجوب حد القذف على القاذف، إذا كانت الواقعة التي قذف غيره بها، لم تثبت على المقذوف بصرف النظر عما كان قبلها، أو بعدها من وقائع، وإن ثبتت هذه الوقائع السابقة، أو اللاحقة على المقذوف وحد فيها، وقد بين هذا بقوله: \"فإن قذف إنسان إنسانًا قد زنى بزنى غير الذي ثبت عليه، وبين ذلك وصرح، فعلى القاذف الحد -سواء حد المقذوف في الزني، الذي صح عليه أو لم يجد؛ لأنه محصن عن كل زنى لم يثبت عليه، وقد قلنا: إن الإحصان هو المنع، \"فمن منع بشيء، أو امتنع منه، فهو محصن عنه، فإذا هو محصن، فعليه الحد بنص القرآن\"٢.\rويرى الإمام أحمد، والثوري وأبو ثور، والمزني وداود، أن الحد إذا وجب بشروطه، فإنه لا يسقط بزوال شرط من هذه الشروط، أو بزوال كل هذه الشروط طالما أن الحد قد وجب؛ لأن هذه الشروط قد وضعها المشرع للوجوب، فمتي وجب الحد بوجوب شروطه، فلا ينقضه انتفاء بعض هذه الشروط، أو انتفائها كلها، وقد بين ذلك ابن قدامة بقوله: \"ولنا أن الحد قد وجب، وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب، كما لو زنى بأمه ثم اشتراها، أو سرق عينا فنقصت قيمتها، أو مكها، وكما لو جن المقذوف بعد المطالبة، ورد ابن قدامة على من اشترطوا استدامة الشروط حتى يتم تنفيذ الحد بقوله: \"وقولهم: أن الشروط تعتبر استدامتها لا يصح، فإن الشروط للوجوب، فيعتبر وجوبها إلى حين الوجوب، وقد وجب الحد بدليل أنه ملك المطالبة، ويبطل بالأصول التي قسنا عليها، وأما إذا جن من وجب له الحد، فلا يسقط الحد، وإنما يتأخر","footnotes":"١ المهذب ج٢ ص٢٧٣.\r٢ المحلى ج١٣ ص١٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234356,"book_id":3632,"shamela_page_id":632,"part":null,"page_num":652,"sequence_num":632,"body":"استيفاؤه لتعذر المطالبة، فأشبه ما لو غاب من له الحد، وفارق الشهادة، فإن العدالة شرط للحكم بها، فيعتبر وجودها إلى حين الحكم بها، بخلاف مسألتنا، فإن العفة شرط للوجوب، فلا تعتبر إلا إلى حين الوجوب\"١.\rوما رآه الإمام أحمد، ومن وافقه هو ما أرجحه؛ لأن من وجب الحد بقذفه قد تتغير ظروفه وأحواله، وليس معنى هذا إهدار ما ثبت له من حق بقذف الجاني له؛ لأن القول بإسقاط الحد بعد وجوبه قد ينتج فتح باب التحايل، ومحاولة الإيقاع بمن وجب الحد بقذفه، بغية الخلاص من الحد، ولا يخفى أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ومصلحة القاذف، ونجاته من الحد في الفساد المقذوف، ونفي إحصانه، وقد يكون الجاني ذا جاه، أو سلطان، فإن رأى نجاته في إفساد مقذوفه، فلن يتورع عن الإيقاع به، وعليه فإن هذا الرأي يدرأ فتح التحايل والإفساد، ويبطل ما قد ينصب من شراك لصيد الآمنين، وما ذهب إليه ابن حزم بحاجة إلى إعادة نظر؛ لأن من لزمه حد الزنا، فإن عفته قد انثلمت بذلك وبطل إحصانه، وليس لكل واقعة إحصان مستقل؛ لأن الإحصان والعفة أمر معنوي إذا انكسرا، فإن إعادة إصلاحهما أمر مشكوك فيه، وبخاصة بالنسبة لما نحن بصدده، وليس معنى هذا إباحة قذفه، وإنما يلزم القاذف التعزير، ويدرأ عنه الحد لشبهة ترجيح احتمال وقوع الفعل منه؛ لأن ما وقع سابقًا أو لاحقًا قبل وجوب الحد يقوي احتمال صدق مقولة القاذف، وينتج شبهة تدرأ حد القذف عمن لم يستطع إثبات مقولته.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص٢٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234357,"book_id":3632,"shamela_page_id":633,"part":null,"page_num":655,"sequence_num":633,"body":"الفصل الخامس: جريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات\rمدخل\r...\rالفصل الخامس: جريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات\rتقديم:\rالردة في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وهو اسم مشتق من الارتداد، وهو مطلق الرجوع، يقال: ارتد على أثره ارتدادًا رجع وكذا عن طريقه ودينه١.\rوعند الفقهاء: الرجوع عن الإسلام، أو قطع استمراره ودوامه، سواء كانت بقول كفر أو فعله٢.\rوعرف ابن حزم المرتد بأنه كل من صح عنه أنه كان مسلمًا متبرئا من كل دين -حاشا دين الإسلام، ثم ثبت عنه أنه ارتد عن الإسلام، وخرج إلى دين كتابي، أو غير كتابي أو إلى غير دين٣.\rوتقع الردة بواحد من الأمور الآتية:\r١- نية الكفر أو اعتقاده، والعقاب على هذا يختص الله به، طالما لم تترجم هذه النية، أو هذا الاعتقاد في فعل ما من الأفعال، أو قول ما من الأقوال٤.","footnotes":"١ مختار الصحاح، لسان العرب.\r٢ يراجع الصنائع ج٧ ص١٣٤، الخرشي ج٨ ص٦٢، مغني المحتاج ج٤ ص١٣٣، ١٣٤، المغني ج٨ ص١٢٣، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٣٢٤.\r٣ المحلى ج٨ ص١٢٣، وتراجع العقوبة للشيخ أبي زهرة ص١٨٨.\r٤ يقول ابن قدامة: ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة، فيه للنصوص الواردة كلحم الخنزير والزنا، وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر المغني ج٨ ص١٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234358,"book_id":3632,"shamela_page_id":634,"part":null,"page_num":656,"sequence_num":634,"body":"٢- إتيان فعل ما من الأفعال التي يقع بها الكفر كالسجود لغير الله، أو إلقاء كتاب الله، أو أحد كتب الحديث في القاذورات استهانة بها.\r٣- ترك إتيان ما أوجبه الشرع، تركًا ناتجا من حجد وجوبه، كترك أداء الصلاة، والزكاة وما مثل مما أوجبه الشرع\"١.\r٤- إنكار ما علم من الدين بالضرورة عن طريق قول ما من الأقوال، أو ادعاء ما ينقص أما أخبر به الرسول ﷺ كادعاء النبوة مثلًا، أو سب الله ﷾، أو رسوله -صلى الله عليه وسلم٢.\rوسأقتصر في حديثي هنا على الشبهات، التي تعتري الركن الشرعي لهذه الجريمة، وما اختلف الفقهاء في وقوع الردة بإتيانه، وهو السحر.","footnotes":"١ يقول ابن قدامة: ومن ترك الصلاة دعي إليها ثلاثة أيام، فإن صلى وإلا قتل ... جاحدًا تركها أو غير جاحد.. ولا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدًا لوجوبها، إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك....\rوكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها، وهي الزكاة والصيام والحج، المغني ج٨ ص١٣١.\r٢ يقول ابن قدامة: ومن ادعى النبوة، أو صدق من ادعاها، فقد ارتد ومن سب الله تعالى كفر، سواء كان مازحا أو جادا، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أآو بآياته، أو برسله أو كتبه، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ، سورة التوبة الآيتين ٦٥، ٦٦ يراجع المغني ج٨ ص١٥٠، بدائع الصنائع ج٧ ص١٣٤، وما بعدها حاشية ابن عابدين ج٣ ص٣٩١، ٣٩٢، شرح الزرقاني ج٨ ص٦٢-٦٥، أسنى المطالب ج٤ ص١١٦-١١٨، شرح الأزهار ج٤ ص٥٧٥-٥٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234359,"book_id":3632,"shamela_page_id":635,"part":null,"page_num":657,"sequence_num":635,"body":"وقد ورد في حكم الردة قول الله ﷾: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.\rوروي أن رسول الله ﷺ، قال: \"من بدل دينه، فاقتلوه\" ٢، وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد٣.","footnotes":"١ من الآية ٢١٧ من سورة البقرة، ويراجع تفسير القرطبي ج١ ص٨٥٥.\r٢ روي عن ابن عباس، أنه لما بلغه ما كان من شأن علي، مع من خرج عن الإسلام أنه قال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي الرسول عن ذلك، وذكر الحديث يراجع نيل الأوطار ج٧ ص٢١٦.\r٣ روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان، وعلي ومعاذ بن جبل، وأبي موسى وابن عباس، وخالد وغيرهم، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعًا المغني ج٧ ص١٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234360,"book_id":3632,"shamela_page_id":636,"part":null,"page_num":658,"sequence_num":636,"body":"المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\rذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن الكافر إذا قال\r...\rالمبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\rوصح مما ذكر في تعريف الردة، والمرتد عند فقهاء الشريعة أنه لا يتحقق قيام هذه الجريمة، إلا ممن كان مسلمًا، نظرًا؛ لأن الردة قد عرفت بأنها قطع الإسلام والرجوع عنه، وذلك يقتضي بالضرورة أنها لا تقع إلا من مسلم، لهذا فإن الحديث عن الشبهات التي تلحق الركن الشرعي لهذه الجريمة، يتناول ما ذكره الفقهاء من آراء بالنسبة للقول بصحة إسلام بعض الأشخاص، توطئه لبيان حكم ما وقع منهم من أفعال، أو أقوال نقطع استمرار الإسلام، ودوامه من عدمه.\rكما يتناول ما ورد من اختلاف الفقهاء حول بعض الأفعال، من حيث اعتبار هذه الأفعال، تخرج من قام بها عن الإسلام، ويعد بها مرتدًا أم لا.\r١- ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن الكافر إذا قال:\rلا إله إلا الله محمد رسول الله صار بذلك مسلمًا، فإن رجع عن الإسلام اعتبر مرتدًا، ولزمته العقوبة الحدية، واستدل الجمهور لصحة الإسلام الكافر بالنطق بالشهادتين بأدلة كثيرة منها.\rأ- ما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ، قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله\" ١.\rب- روى أنس \"أن يهوديًا قال لرسول الله ﷺ: أشهد أنك رسول الله، ثم مات، فقال رسول الله ﷺ: \"صلوا على صاحبكم\" ٢.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص٢٢٣.\r٢ المرجع السابق ص٢٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234361,"book_id":3632,"shamela_page_id":637,"part":null,"page_num":659,"sequence_num":637,"body":"وأكثر من ذلك اعتبر الكتابة مع النية كصريح لفظ إسلام، فقد روى ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فجعلوه يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا أصبح أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيرى، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال: \"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين\"، رواه أحمد والبخاري، وهو دليل على أن الكناية مع النية، كصريح لفظ الإسلام\"١.\rقال الشوكاني عند شرحه لهذا الحديث: \"قوله: صبأنا صبأنا\"، أي دخلنا في دين الصابئة، وكان أهل الجاهلية يسمون من أسلم صابئا، وكأنهم قالوا: أسلمنا أسلمنا، والصابئ في الأصل الخارج من دين إلى دين ... وقد استدل المصنف بأحاديث الباب على أنه يصير الكافر مسلمًا بالتكلم بالشهادتين، ولو كان ذلك على طريق الكناية بدون تصريح٢.\rوذهب فقهاء المالكية إلى القول بأنها لا يكفي للحكم بإسلام الكافر أن ينطق بالشهادتين، وإنما لا بد للحكم بذلك من أن يقف من نقط بالشهادتين على دعائم الإسلام، ويلتزم الأحكام التي جاء الإسلام بها، وعلى هذا من نطق بالشهادتين، ولم يلتزم بالأحكام الإسلامية، لا يعد مسلمصا فإذا رجع إلى ما كان عليه من كفر، لا يكون مرتدًا حيئنذ، ولا يلزم بعقوبة الردة، وإنما عليه الأدب فقط نظير تلاعبه.","footnotes":"١ نيل الأوطار ج٧ ص٢٢٢.\r٢ المرجع السابق ص٢٢٣، ويراجع البحر الرائق ج٥ ص١٣٩ المغني ج٨ ص١٤٢، مباني تكملة المنهاج ج١ ص٢٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234362,"book_id":3632,"shamela_page_id":638,"part":null,"page_num":660,"sequence_num":638,"body":"يقول الخرشي مبينًا ذلك: \"ولا ينقر الإسلام إلا بالنطق بالشهادتين، والتزام أحكامهما، واحترز به عما لو نطق بالشهادتين، ثم رجع قبل أن يقف على الدعائم -فلا يكون مرتدًا ويؤب فقط\"١.\rوإلى هذا مال الشيخ أبو زهرة، وذكر مثالًا لذلك ما يجري الآن في مصر، وغيرها من الأقطار من أن يشهد الرجل، أو المرأة على إسلامه لغرض من أغراض الدنيا لا يستطيع قضاءه، وهو على ما كان عليه أولًا كأن يطلق امرأته، أو تطلق هي من زوجها لتتزوج من آخر، فإذا ما نال كل غرضه عاد إلى ما كان عليه قبل أن يعلن إسلامه، وفي حقيقة أمره لم يفارق ما كنا عليه أولًا.\rثم يقول الشيخ أبو زهرة: ولا نقول في هذه الحالة أنه يعفى من عقاب الردة إذا تقرر لها عقاب، أو أي عقاب آخر، بل نقول: إنه إذا أعفي من عقوبة الردة لا يسلم من عقوبة أخرى، ربما تكون أشد وأنكى، وهي عقوبة التزوير في ورقة رسمية، ينص على ذلك في قانون العقوبات.\rثم يعقب على ذلك بقوله: إننا بهذا ننسق الأحكام تنسيقًا سليمًا، فلا يدخل في الإسلام إلا من ذاق بشاشته، وعلم أحكامه ولا تتخذ الأديان هزوًا ولعبًا ... ٢.\rوما ذكره فضيلة الشيخ أبو زهيرة يحتاج إلى وقفة، إذ هو قد رأى أن من فعل ذلك لا يسلم من عقوبة، فإن لم تكن عقوبة الردة عوقب بأشد، وأنكى منها وهي عقوبة التزوير، والأمر هنا معكوس؛ لأن عقوبة التزوير عقوبة تعزيرية هينة، إذا قيست بعقوبة الردة التي حددها الشارع للمرتدين.\rوما ذهب إليه فقهاء المالكية من القول بأن عدم التزام من أسلم","footnotes":"١ الخرشي ج٨ ص٦٢، حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٠١.\r٢ العقوبة للشيخ أبي زهرة ص٢٠١-٢٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234363,"book_id":3632,"shamela_page_id":639,"part":null,"page_num":661,"sequence_num":639,"body":"أحكام الإسلام شبهة تشوب إسلامه، فلا يلزم بالعقوبة الحدية إذا رجع إلى ما كان عليه، وإنما عليه الأدب فقط، فهو كلام قد حمل في طيه قضيتين، أولاهما عدم الحكم بصحة إسلامه، والثانية درء العقوبة الحدية عنه.\rأما بالنسبة للقضية الأولى، وهي أن إسلامه هذا غير صحيح، فهي مردودة بما استدل به جمهور الفقهاء من الأحاديث الصحيحة، وإن كانت الشبهة قد شابت إسلامه لعدم صدقه في نيته، إلا أنها شبهة لا يترتب عليها إسقاط العقوبة الحدية عن هذا المتلاعب، وإنما هي شبهة يلزم عنها إلزامه بالعقوبة الحدية وزيادة.\rالعقوبة الحدية نظير ردته، والزيادة عليها نظير تلاعبه، وتزويره بغية كسب ونفع.\rوهذه هي الشبهة الوحيدة، التي أرى أن تخرج عن قاعدة درء الحد بها، إلى قاعدة أخرى هي إلزام الحد بها وزيادة، إلزاما لا يقبل الإسقاط أو التبديل؛ لأن هذا المتلاعب لم يجبر على الإسلام، وإنما جاء طائعًا، وما دام ينوي التلاعب والتحايل، فإنه يكون قد زاد على جناية الردة جناية أخرى، وهي الاستهزاء بالدين، واتخاذه ستارًا يحقق من وراء تلاعبه به أطماعه، وما يبغي ويشتهي ويتخلص من حقوق لزمته، ووجبت عليه، فهو بذلك قد ارتكب جناية تزوير، ثم بعد ذلك يمرق من الدين، وهو يتغامز عليه، وعلى من حققوا له مأربه آملين فيه النفع والهداية، أن من اتخذ من دين الله هزوا، ولعبًا لا يجوز أن يعتبر ذلك الهزو، واللعب مبررًا لإسقاط العقوبة الحدية عنهم، وإنما هؤلاء نشدد عليهم العقوبة بقدر استهزائهم، هؤلاء الذين تاجروا مع الشيطان، فيجب ألا تربح تجارتم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234364,"book_id":3632,"shamela_page_id":640,"part":null,"page_num":662,"sequence_num":640,"body":"الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ١.\rولقد أمر النبي ﷺ أصحابه بإنزال عقوبة الحرابة بهؤلاء، الذين جاءوا معلنين إسلامهم، ثم ارتدوا بعد قليل، وقتلوا راعي رسول الله ﷺ، ولو لم يكن هؤلاء قد أعلنوا إسلامهم لما كان ما نزل بهم من عقاب بالصورة، التي سبق الحديث عنها عند بيان عقوبة الردة؛ لأنه لم يعرف عن رسول الله ﷺ أنه نكل بأحد مثل ما فعل بهؤلاء٢.","footnotes":"١ الآيات ١٤-١٦ من سورة البقرة.\r٢ يراجع نيل الأوطار ج٧ ص١٧١-١٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234365,"book_id":3632,"shamela_page_id":641,"part":null,"page_num":662,"sequence_num":641,"body":"٢- إسلام السكران:\rذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية والحنابلة، والشيعة إلى القول بأن الراجح صحة إسلام السكران، سواء أكان كافرًا أصليًا، أو مرتدًا، ويعني ذلك عندهم أنه إذا ضحت ردة السكران، وهي محض مضرة، وقول باطل، فلأن يصح إسلامه الذي هو قول حق محض، ومصلحة خالصة أولى:\rوعلى هذا لو رجع عن إسلامه، وقال: لم أرد ما قلت لم يلتفت إلى مقالته، وجبر على الإسلام، ولا يقبل منه غيره، فإن أسلم وسلك طريقة الإسلام وتعاليمه، والتزم بأوامره كان له ما للمسلمين، وإلا قتل لاعتباره مرتدًا، وراجعًا عن الإسلام بعد أن دخل فيه١.\rوذكر الشربيني الخطيب أن من نطق بكلمة الإسلام، وهو سكران إذا أفاق عرضنا عليه الإسلام، فإن وصفه كان مسلمًا من حين وصف الإسلام، وإن وصف الكفر كان كافرًا من الآن؛ لأن إسلامه صح، فإن لم يتب قتل٢.","footnotes":"١ المغني ج٨ ص١٤٨.\r٢ مغني المحتاج ج٤ ص١٣٧، ١٣٨، ويراجع نهاية المحتاج ج٧ ص٣٩٧، المغني ج٨ ص١٤٨، مواهب الجليل ج٤ ص٣٤، شرح الأزهار ج٤ ص٥٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234366,"book_id":3632,"shamela_page_id":642,"part":null,"page_num":663,"sequence_num":642,"body":"والقول المرجوح عند الجمهور أن إسلامه، وردته لا تصح كالطفل والمعتوه؛ لأنه لا يعي ما يقول نظرًا؛ لأن الخمر قد أذهبت عقله.\rهذا ما ذهب إليه ابن حزم١، وحسنه الإمام أبو حنيفة، وإن كان القياس عنده أن السكران كالصاحي في اعتبار أقواله وأفعاله، فقد ذكر السرخسي: أن السكران إذا ارتد تبين منه امرأته في القياس؛ لأن السكران كالصاحي في اعتبار أقواله وأفعاله، حتى لو طلق امرأته بانت منه، ولو بلغ أو أقر بشيء كان صحيحًا منه، ولكنه استحسن، وقال: لا تبين منه امرأته؛ لأن الردة تنبني على الاعتقاد، ونحن نعلم أن السكران غير معتقذ لما يقول؛ ولأنه لا ينجو السكران من التكلم بكلمة الكفر في حاله سكره عادة، والأصل فيها ما روي أن واحدًا من كبار الصحابة ﵃، سكر حين كان الشرب حلالًا، وقال رسول الله ﷺ: هل أنتم إلا عبيدي، وعبيد آبائي ولم يجعل ذلك منه كفرًا.\rوقرأ سكران سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في صلاة المغرب، فترك اللا آت فيه، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ، فهو دليل على أنه لا يحكم بدونه في حال سكره، كما لا يحكم به في حال جنونه\"٢.\rوقد ذهب فقهاء الشافعية إلى التفريق بين حكم المتعدي بسكره، وغير المتعدي، فحكموا بردة المتعدي دون غيره لقيام الشبهة في حق غير المتعدي٣.\rوما أرجحه من ذلك، هو ما ذهب إليه فقهاء الأحناف من القول باستحسان عدم الاعتداد، بما يصدر من السكران حين سكره، سواء أكان إسلامًا، أم ردة؛ لأن السكران لا يعي ما يقول، وعقله وإن لم يذهب تمامًا كالمجنون، إلا أنه غير مكتمل تمامًا حتى يلزم بقوله أو فعله،","footnotes":"١ المحلى ج٧ ص٣٢٢ وما بعدها، ج١٠ ص١٠٨، ١١٠.\r٢ المبسوط ج١٠ ص١٢٣.\r٣ مغني المحتاج ج٤ ص١٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234367,"book_id":3632,"shamela_page_id":643,"part":null,"page_num":664,"sequence_num":643,"body":"فالسكران لا تخلو حاله عن شبهة، لا يلزم معها حد عليه، ولا يعفيه ذلك من إلزامه عقوبة تعزيرية رادعة، حتى وإن كان الشرب غير حرام في اعتقاده، فوق ما يلزم به من عقوبة سكره الحدية نظرًا؛ لأنه قد أتى ما يعد تلاعبا يمس العقيدة التي يجب أن تبقى بعيدة عن العبث.\rولقد نظر فقهاء الشريعة عند الحديث عن عقوبة شرب الخمر، إلى أن الشارب إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فإلزامه حد الشرب لذلك أما أن يلزم بعقوبة ردة فوق ذلك في حالته هذه، أن نطق بكلمة الإسلام، وقد كان كافرا وبعد إفاقته بقي على كفره، أو إن نطق بكلمة الردة، وقد كان مسلمًا. فهذا بعيد؛ ولأن المسلم يستتاب بعد إفاقته لا خلال سكره، فإن تاب كان بها، وإلا فهذه جريمة أخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234368,"book_id":3632,"shamela_page_id":644,"part":null,"page_num":664,"sequence_num":644,"body":"٣- إسلام المكره:\rمن يكره على الإسلام لا يخلو الحال بالنسبة له من أن يكون ذميًا، أو مستأمنًا أو أن يكون حربيًا أو مرتدًا، فإن كان ذميًا أو مستأمنا، فإن جمهور الفقهاء يرى القول بعدم جواز إكراههما على الإسلام، فإن أكرها عليه، فإنه لا يثبت لهما حكم الإسلام، إلا إذا زال الإكراه عنهما، وبقيا على الإسلام طوعًا، فإن زال الإكراه عنهما ورجعا إلى ما كان عليه، فلا يعد هذا الرجوع منهما ردة.\rوذهب محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة إلى القول أن الذمي، أو المستأمن إذا أكرها على الإسلام، فأسلما ولو في الظاهر عدا مسلمين، فإن رجعا عن الإسلام اعتبرا مرتدين، ولزم استتابتهما، فإن عادا إلى الإسلام كان بها، وإلا قتلا، وعلل ذلك بما ذكر من أن الحكم ينبني على ما نسع، ولا أثر لعذر الإكراه، ولنا ما علمناه من علانية ما سمعنا؛ لأنا لا نعلم من سره ما نعلم من علانيته١.","footnotes":"١ المبسوط ج١٠ ص١٢٣، ١٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234369,"book_id":3632,"shamela_page_id":645,"part":null,"page_num":665,"sequence_num":645,"body":"ذكر -ما ذهب إليه الجمهور- ابن قدامة بقوله: وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام، حتى يوجد منه ما يدل عليه طوعًا، مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه، فإن مات قبل ذلك، فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله، ولا إكراهه على الإسلام١، أما إن كان المكره على الإسلام حربيًا، أو مرتدًا وأعلن الحربي إسلامه، وعاد المرتد إلى الإسلام، ولو تحت وطأة الإكراه ثبت لهما حكم الإسلام، فإن ارتد أحدهما بعد زوال الإكراه استتيب، فإن عاد عن ردته وإلا قتل، ومبنى\rذلك أن إكراه الحربي، والمرتد على الإسلام إكراه بحق ولذا يحكم، وصحته وصحة ما يأتي به ظاهرًا، وأما الباطن ففيهما بينهم، وبين الله سبحانه وتعالى٢.\rوما ذهب إليه محمد بن الحسن مردود؛ لأن إكراه الذمي، والمستأمن إكراه غير جائز؛ ولأن ما بيننا وبينهم من عقود يمنع أن نكرههم على الإسلام؛ لأنه: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ .","footnotes":"١ المرجع السابق، شرح الزرقاني، ج٨ ص٦٨، نهاية المحتاج ج٧ ص٣٩٧، مغني المحتاج ج٤ ص١٣٧، المغني ج٨ ص١٤٤، ١٤٥، المحلى ج٨ ص٣٢٩، شرح الأزهار ج٤ ص٥٧٧.\r٢ المراجع السابقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234370,"book_id":3632,"shamela_page_id":646,"part":null,"page_num":666,"sequence_num":646,"body":"تبعًا لوالديه، فإن الإمام الشافعي يحكم بإسلامه، ولا يشترط البلوغ للحكم بذلك، فقد ذكر الشيرازي، أن الرجل إذا أسلم وله ولد صغير تبعه الولد في الإسلام لقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ، وكذا إذا استلمت المرأة تبعها ولدها.\rولا يشترط سن معين بالنسبة للولد حينئذ، بل يحكم بإسلامه حتى ولو كان لا يزال حملًا.\rوذكر الشيرازي أيضًا قول الشافعي بالنسبة لمن أسلم من أولاد الكافرين، فقال: وإن وصف الإسلام صبي عاقل من أولاد الكفار، لم يصح إسلامه على ظاهر المذهب، لما روي عن علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: \"رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون، والمغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم\"؛ ولأنه غير مكلف، فلا يصح إسلامه بنفسه كالمجنون، فعلى هذا يحال بينه، وبين أهله من الكفار إلى أن يبلغ؛ لأنه إذا ترك معهم خدعوه، وزهدوه في الإسلام، فإن بلغ ووصف الإسلام حكم بإسلامه، وإن وصف الكفر هدد وضرب وطولب بالإسلام، وإن أقام على الكفر رد إلى أهله من الكفار، ثم ذكر الشيرازي أن من أصحابه من قال يصح إسلام الصبي؛ لأنه يصح صومه وصلاته، فصح إسلامه كبالغ١.\rوذكر السرخسي أن الغلام العاقل الذي لم يحتلم إذا أسلم، فإسلامه صحيح عندنا استحسانًا، وفي القياس لا يصح إسلامه في أحكام الدنيا، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله..؛ لأن الصبي غير مخاطب بالإسلام ما لم يبلغ، فلا يحكم بصحة إسلامه كالذي لا يعقل إذا لقن فتكلم به.. والدليل على ذلك، أنه لو لم يصف الإسلام بعد ما عقل لا تقع الفرقه بينه وبين امرأته، ولو صار عقله معتبرًا في","footnotes":"١ المهذب ج٢ ص٢٣٩، أسنى المطالب ج٤ ص١٢٠، ١٢٣، ١٩٤، نهاية المحتاج ج٧ ص٣٩٧، مغني المحتاج ج٤ ص١٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234371,"book_id":3632,"shamela_page_id":647,"part":null,"page_num":667,"sequence_num":647,"body":"الدين لوقعت الفرقة إذا لم يحسن أن يصف، كما بعد البلوغ\"، ثم بين السرخسي حكم من أسلم صغيرًا، ثم عند البلوغ بقوله: \"الذي أسلم تبعًا لأبوديه إذا بلغ مرتدًا في القياس يقتل لارتداده بعد إسلامه، وفي الاستحسان لا يقتل، ولكن يجبر على الإسلام؛ لأنه ما كان مسلمًا مقصودًا بنفسه، وإنما يثبت له حكم الإسلام تبعًا لغيره، فيصير ذلك شبهة في إسقاط القتل عنه، وإن بلغ مرتدًا.\rوإذا أسلم في صغره، ثم بلغ مرتدًا، فهو على هذا القياس، والاستحسان لقيام الشبهة، بسبب اختلاف العلماء في صحة إسلامه في الصغر١، وذهب فقهاء الحنابلة إلى القول بصحة إسلام الصبي العاقل؛ لعموم قول رسول الله ﷺ: \"من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة\"، وغير ذلك من الأخبار التي يدخل في عمومها الصبي؛ ولأن الإسلام عبادة محضه، فصحت من الصبي العاقل كالصلاة والحج، وعلى هذا فإن رجع، وقال: لم أرد ما قلت لم يلتفت إلى قوله، واعتبر مرتدًا إذا لم يعد إلى الإسلام.\rوقد جاءت رواية عن الإمام أحمد، نفيد أن الصبي إذا رجع عن الإسلام لا يجبر على العودة إليه؛ لأن الصبي في مظنه النقص، وفي رواية ثالثة أنه يصح إسلامه، ولا تصح ردته فيقبل منه ما يكتب له، ولا يقبل منه ما يكتب عليه٢، والذي أرجحه من ذلك أن الصبي الذي حكم بإسلامه لأبويه أولًا، حدهما إذا ارتد أجبر على الإسلام، فإن لم يعد انتظر إلى البلوغ، فإن تاب ورجع الحق قبل منه، وإلا ألزم حد الردة، أما من أسلم من أولاد الكفار قبل البلوغ، وارتد فإنه لا يلزم حد الردة؛ لأن الصبي مظنة النقص، وذلك يورث شبهة في إسلامه، والحدود تدرأ بالشبهات.","footnotes":"١ المبسوط ج١٠ ص١٢٠-١٢٣، بدائع الصنائع ج٧ ص١٣١-١٣٥.\r٢ المغني ج٨ ص١٣٣-١٣٦، نيل الأوطار ج٧ ص٢٢١-٢٣٣، المحلى ج١٠ ص٢١٨، ٣٤٤، شرح الأزهار ج٤ ص٥٧٥، مباني المنهاج ج١ ص٣٢٩، الخرشي ج٨ ص٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234372,"book_id":3632,"shamela_page_id":648,"part":null,"page_num":668,"sequence_num":648,"body":"٥- السحر تعليمه وتعلمه:\rمن الأمور التي اختلف الفقهاء في وقوع الردة بها تعلم السحر وتعليمه١، هذا التعلم والتعليم، اللذان اتفق جمهور الفقهاء على تحريمها، وإن اعتقاد إباحتهما كفر.\rوجاءت رواية عن الإمام أحمد في الساحر، الذي يعلم السحر تفيد عدم الحكم بكفره، وإنما هو في حكم المرتد تجب استثابته، بقول ابن قدامة بعد أن عرض للسحر: إذا ثبت هذا فإن تعلم السحر، وتعليمه حرام لا نعلم فيها خلافًا بين أهل العلم، قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه، وفعله سواء اعتقد تحريمه، أو إباحته، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر، فإن حنبلا روى عنه قال: قال عمر في العراف والكاهن والساحر: أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل كلها، فإنه عندي في معنى المرتد، فإن تاب ورجع يخلى سبيله، قلت له: يقتل؟ قال: لا، يحبس لعله يرجع، قلت: لم لا يقتل؟ قال: إذا كان يصلي لعله يتوب ويرجع، وهذا يدل على أنه لم يكفره؛ لأنه لو كفره لقتله، وقوله في معنى المرتد يعني في الاستتابة\"٢، وذهب فقهاء الشافعية إلى أن تعلم","footnotes":"١ السحر قبل أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء، ومعاني فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد، وكراكب السفنية السائرة سيرًا حقيقيا، يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار، والجبال سائرة معه، تفسير القرطبي ج١ ص٤٣٤، والمغني ج٨ ص١٥٠.\r٢ المرجع السابق ص١٥١، ١٥٢، نيل الأوطار ج٧ ص٢٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234373,"book_id":3632,"shamela_page_id":649,"part":null,"page_num":669,"sequence_num":649,"body":"السحر حرام، ولا يكفر بتعليمه إلا من اعتقد إباحته مع العلم بتحريمه، ومن اعتقد ذلك يقتل، كما هو شأن المرتد.\rأما من علمه، أو تعلمه مع اعتقاده تحريمه، فإنه لا يكفر بذلك؛ لأن من يتعلم الكفر لا يكفر بتعلمه، فمن باب أولى لا يكفر بتعليم السحر.\rيقول الشيرازي بعد أن ذكر أدلة تحريمه: ذم الله الشياطين على تعليمه؛ ولأن تعلمه يدعو إلى فعله، وفعله حرام، فحرم ما يدعو إليه، فإن علم أو تعلم واعتقد تحريمه لم يكفر؛ لأنه إذا لم يكفر بتعلم الكفر، فلأن لا يكفر بتعلم السحر أولى، وإن اعتقد إباحته مع العلم بتحريمه فقد كفر؛ لأنه كذب الله تعالى في خبره، ويقتل كما يقتل المرتد\"١.\rولا يعد الإمام الشافعي الساحر كافرًا، إلا إذا وقع منه ما يكفر به من قول، أو فعل كان يشرك بالله تعالى، ويسجد لصنم مثلًا، أو شمس أو قمر، أو يستحل ما حرم الله ﷾، فإن لم يقع من الساحر شيء مما اتفق على الكفر به، فلا يعد كافرًا، وإنما هو مسلم عاص٢.\rوهذا ما ذهب إليه ابن حزم أيضًا، إذ يقول: إن كان الكلام الذي يسحر به كفرًا فالساحر مرتد، وإن كان ليس بكفر فلا يقتل؛ لأنه ليس كافرًا.\rويقول: وصح أن السحر ليس كفرًا، وإذا لم يكن كفرًا، فلا يحل قتل فاعله؛ لأن رسول الله ﷺ يقول: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، ونفس بنفس\" ٣.\rويرى فقهاء الأحناف أن الساحر إذا اعتقد أن الشياطين تفعل له","footnotes":"١ المهذب ج٢ ص٢٢٤.\r٢ أسنى المطالب ج٤ ص١١٧.\r٣ المحلى ج١٣ ص٤٦٨، ٤٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234374,"book_id":3632,"shamela_page_id":650,"part":null,"page_num":670,"sequence_num":650,"body":"ما يشاء فهو كافر قتل حدا لا ردة ولا تجب استتابته؛ لأن للحدود لا استتابة فيها، إلا حيث يوجد نص، بذلك كما أنهم يرون قتل المرأة الساحرة، مع أنهم لا يرون قتل المرأة المرتدة١.\rوذهب الإمام مالك إلى أن الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب، ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله٢.\rأما فقهاء الشيعة، فإنهم يرون أن الساحر مرتد، وإن حده القتل بعد الاستتابة إن لم يتب٣، واستدل القائلون بقتل الساحر، بما روي من قول رسول الله ﷺ: \"حد الساحر ضربة السيف\"، رواه الترمذي والدارقطني، وضعف الترمذي إسناده.\rوبما روي أن جارية للسيدة حفصة، أم المؤمنين سحرتها، واعترفت -الجارية بذلك فقتلتها حفصة- أمرت بها فقتلت، فأنكر ذلك عليها عثمان -رضي الله تعالى عنه، فقال له ابن عمر: ما تنكر على أم المؤمنين امرأة سحرت، واعترفت؟ فسكت عثمان.\rواستدلوا أيضًا بما جاء في قول الله ﷾: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٥، \"فيعلمون\" بدل من \"كفرا\"، فتعليم السحر كفر.","footnotes":"١ فتح القدير ج٤ ص٤٠٨، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، وبهامشه تنوير الأبصار، ج٣ ص٣٩٩، مطبعة عثمان سنة ١٣٢٤هـ.\r٢ حاشية الدسوقي ج٤ ص٣٠٦، الخرشي ج٨ ص٦٨، نيل الأوطار ج٧ ص٢٠٠.\r٣ شرح الأزهار ج٤ ص٣٧٩.\r٤ نيل الأوطار ج٧ ص١٩٩.\r٥ من الآية ١٠٢ من سورة البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234375,"book_id":3632,"shamela_page_id":651,"part":null,"page_num":671,"sequence_num":651,"body":"وما ذهب إليه القائلون بأن الساحر يستتاب قبل قتله، هو ما أميل إليه، وتؤيده الروايات الصحيحة.\rأما ما ورد من حديث: \"حد الساحر ضربة السيف\"، \"فحديث ضعيف، قال عنه ابن حزم حديث في غاية السقوط؛ لأنه لا يدري رواية ممن سمعه\".\rوأما ما روي من حديث السيدة حفصة، فهو يعارض ما جاء عن السيدة عائشة ﵂، من أنها أعتقت جارية لها عن دبر، وأنها سحرتها واعترفت بذلك، وقالت: أحببت العتق، فأمرت بها عائشة -رضي الله تعالى عنها- ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب من يسيء ملكيتها، وقالت: ابتع بثمنها رقبة فاعتقها١.\rكما أن رسول الله ﷺ لم يقتل لبيد بن الأعصم، وكان قد سحر النبي -صلى الله عليه وسلم٢.\rكما أن الشرك أعظم من السحر، ولا يقتل من أشرك بعد إيمانه، إلا بعد أن يستتاب.\rأما الآية الكريمة، فيرد بها بيان ما كان في شريعة سليمان، وهي لا تلزمنا أو أن كلمة \"كفروا\" بها القصة، ثم ابتدئ بكلمة \"يعلمون\"، قصة أخرى، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، ولحقته الشبهة والحدود لا تلزم بدليل تلحقه شبهة، كما أن الخلاف يورث شبهة أيضًا تسقط الحد عن الساحر، الذي لم يقع منه ما يكفر به.","footnotes":"١ المحلى ج١٣ ص٤٧١-٤٧٥.\r٢ المغني ج٨ ص١٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234376,"book_id":3632,"shamela_page_id":652,"part":null,"page_num":672,"sequence_num":652,"body":"المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي\rذكرت فيما سبق عند الحديث عن الشبهات، التي تعتري الركن الشرعي لجريمة الردة، ما ذهب إليه الفقهاء من قول في إسلام السكران، وردته وكذا إسلام المكره، وردته وإٍسلام الصبي وردته، وما ذهب إليه الفقهاء أيضًا من قول في كفر الساحر، سواء وقع منه ما يفكر به، كقول كفر أو فعل كفر، أم لا ولذلك حكم تعلم السحر، وتعليمه وهذا كله وإن كان قد ذكر عند الحديث عن الشبهات، التي تعتري الركن الشرعي، إلا أنه لا يخلو عن صلة بما يلحق القصد الجنائي من شبهات.\rلذا، فإني أشير إشارات موجزة إلى ما ورد من آراء في ردة كل ممن سبق، فإذا أضيفت هذه الإشارة إلى ما سبق، اكتملت الصورة.\r١- ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن من صدر منه قول كفر، أو فعل كفر حكم بكفره، ما دام قد وقع منه ذلك باختياره، حتى ولو لم ينو الكفر به، كان صدر منه عن جهل بما يؤدي إليه، أو أن يكون سكرانا في وقت صدور ذلك منه -إذا كان متعد بسكره، أو كان نتيجة تهور في كلام أو زلل لسان.\rيقول الدردير: \"لا يعذر أحد في الكفر بالجهل، أو السكر أو -التهور ولا بدعوى زلل اللسان\".\rوبين الدسوقي ذلك بالنسبة للسكران، ورد ما قد يعرض من اعتراض بقوله: \"أو سكر\"، أي أدخله على نفسه، ولا يرد قول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234377,"book_id":3632,"shamela_page_id":653,"part":null,"page_num":673,"sequence_num":653,"body":"حمزة للنبي ﷺ هل أنتم إلا عبيد أبي، كما في البخاري؛ لأنه كان قبل تحريم الخمره، كما في الشفاء والسكران، إذ ذلك يحكم عليه بحكم المجنون١.\rويرى الإمام الشافعي، وابن حزم أنه لا بد من توافر فيه الكفر مع إيان الفعل أو القول، لجواز ان يكون القائل، أو الفاعل لا يعلم مدلول ما وقع منه.\rولا يكفي في ذلك أن يتعمد الفاعل إتيان ما وقع منه؛ ليدل على بنته؛ لأنه قد يتعمد إتيان ذلك، وهو يجهل أنه يؤدي إلى الكفر، ولو علم ذلك لما أقدم عليه.\rواستدل الإمام الشافعي، وابن حزم لذلك، بما روي عن رسول الله ﷺ، من قول: وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى٢.\rوما ذهب إليه الإمام الشافعي، وابن حزم هو ما أرجحه، وأميل إليه لاستناده على دليل قوي؛ ولأنه قد سبق أن من جهل حكمًا من الأحكام، وترتب عليه جهله هذا وقوعه في جناية حدية لا حكم عليه","footnotes":"١ يراجع في ذلك حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج٤ ص٣١٠، الخرشي ج٨ ص٧١، شرح الزرقاني ج٨ ص٦٢، ٦٣، حاشية ابن عابدين ج٣ ص٣٩٢، شرح الأزهار ج٤ ص٥٧٥-٥٧٧، فتح القدير ج٤ ص٤٠٧، المبسوط ج١٠ ص١٢٣، بدائع الصنائع ج٧ ص١٣٩-١٧٨ط الجالية المغني ج٨ ص١٤٥.\r٢ صحيح البخاري ج١ ص٢ط جال الشعب، نهاية المحتاج ج٧ ص٣٩٤، المحلى ٢٦٩، ج١٣ ص١٣٧-١٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234378,"book_id":3632,"shamela_page_id":654,"part":null,"page_num":674,"sequence_num":654,"body":"يحدها، مطلقًا من غير نظر في جهله، وإنما لا بد وأن ينظر في ذلك، أهو جهل يعذر به، ويعتد به في إسقاط العقوبة الحدية عنه أم لا.\rكما أنه لا يمكن أن يؤاخذ الناس بزلات ألسنتهم، إذا رجعوا عنها فور عملهم بما وقعوا فيه، خصوصًا فيما يتعلق بالعقيدة.\rولأن زلل اللسان، خطأ غير مقصود، والرسول ﷺ قد بين أن الله رفع عن أمته الخطأ، والنسان وما استكرهوا عليه.\rولجواز أن يقع ذلك ممن سكر، وذهب عقله بسكره، ولا يتصور أن السكران يقصد الكفر، فيحكم عليه بالدره خصوصًا إذا رجع بعد إفاقته؛ ولأن السكران يلزم بحد السكر، فلا يجمع عليه معه حد الردة، التي لم يقصدها ورجع عنها. وذلك إن لم يكف للحكم بعدم قيام الجريمة منه أصلًا، فلا أقل من أن تنهض به شبهة، تدرأ عنه الحد أخذا بما قرره جمهور الفقهاء، من أن الحدود تدرأ بالشبهات.\r\"أثر الشبهات في العقوبة التعزيرية\":\rوضح مما سبق أثر الشبهات في العقوبات الحدية، فهي تدرأ هذه العقوبة، وينتج عن ذلك أما إسقاط جنس العقوبة عن المدعى عليه، وأما إسقاط نوع العقوبة عنه، بمعنى إعفائه من العقوبة الحدية لوجود الشبهة الدارئة لها، وإلزامه عقوبة تعزيرية مناسبة، بما في ذلك ما يلزم به من تعويضات مالية في بعض الحالات، والهدف من ذلك كله ضمان تحقيق العدالة، واحترام حقوق المدعى عليه، وعدم مؤاخذة بريء بفعل لم يصدر منه، أو لم يثبت عليه بالصورة التي يلزمه بها الحد، إذا الأصل براءة الذمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234379,"book_id":3632,"shamela_page_id":655,"part":null,"page_num":675,"sequence_num":655,"body":"وقد ظهر أثر الشبهات في العقوبات الحدية واضحًا ملموسًا، وما دام الهدف من أعمال مبدأ درء الحد بالشبهة، هو تحقيق العدالة، واحترام حقوق المدعى عليه، فليس هناك ما يمنع من أعمال هذا المبدأ بالنسبة للعقوبات التعزيرية.\rولا يعارض ذلك ما ورده ابن نجيم \"من أن التعزير يثبت مع الشبهة\"١.\rلأن إثبات الجريمة التعزيرية، وإلزام المدعى عليه عقوبة من العقوبات التعزيرية. لا يتطلب شكلية معينة، أو شروطًا محددة يتحتم استكمال عناصرها، بل يكفي لإقامة العقوبة التعزيرية، وإلزام المدعى عليه بها اقتناع القاضي، واستنتاجه، أو أنه المقارف للفعل من خلال الظروف، والملابسات والقرائن المصاحبة.\rكما أن أعمال الشبهات بالنسبة للعقوبات التعزيرية، لا يعترض أيضًا عليه بما أورده السيوطي من أن الشبهة لا تسقط التعزير، وإن كانت تسقط الكفارة؛ لأن هذا القول يرده الواقع، إذ أن السيوطي نفسه قد أورد أن الشبهة تنتج التخفيف، وعلى هذا فإن التخفيف في العقوبة، يمتد أثره إلى كل أنواع العقوبات، ولا دليل على قصر أثره على عقوبة دون أخرى.\rوقد وضح السيوطي القضية بما يأتي:\r\"لو جامع ناسيًا في الصوم، أو الحج فلا كفارة للشبهة، وكذا لو وطئ على ظن أن الشمس، أو أن الليل باق، وبان خلافه، فإنه يفطر ولا كفارة\".","footnotes":"١ زين العابدين إبراهيم بن نجيم المصري، الحنفي المتوفى سنة ٩٧٠هـ، الأشباه والنظائر ص١٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234380,"book_id":3632,"shamela_page_id":656,"part":null,"page_num":676,"sequence_num":656,"body":"وذكر السيوطي أن من الفقهاء من قال: بأن الفدية لا تسقط بالنسبة؛ لأنها تضمنت غرامة مالية، بخلاف الكفارة، فإنها تضمنت عقوبة، فالتخفيف في الإسقاط بالحد، وتسقط الإثم والتحريم أن كانت في الفاعل دون المحل١.\rوقد وضح ما ذكره السيوطي في آخر عبارته، أن هناك من الشبهات ما يترتب على قيامه إسقاط الإثم والتحريم، وهذا القول وحده يكفي لإثبات ما نحن بصدده، من أن للشبهات أثر في ما يأتيه الفاعل من أفعال، جرمها المشرع، ورتب عليه عقوبة، إذا تم إثباتها على من ارتكبها، سواء أكانت هذه العقوبة حدية أم تعزيرية.\rوأثر هذه الشبهات، وأن ظهر بوضوح في العقوبات الحدية، وخفي أثره بالنسبة للعقوبات التعزيرية، فليس ذلك راجعًا إلى عدم إعمال الشبهة بالنسبة للعقوبات التعزيرية، وإنما مرد ذلك هو أن العقوبة التعزيرية، غير محددة في أصل وضعها، وإنما ترك أمر تقديرها إلى ولي الأمر ابتداء، وعليه فإن ما يقرر عند نظر الواقعة، وما يحيط بها من ظروف وملابسات ودوافع، وما خالطها من شبهات، وما إلى ذلك ما هو إلا عقوبة روعي فيها كل ذلك، فلا يجوز بعد هذا\rأن يقال:\rإن الشبهة التي خالطت الواقعة التعزيرية، لم يترتب عليها أثر في عقوبتها.","footnotes":"١ جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي، المتوفى سنة ٩١١هـ، الأشباه والنظائر الفقهية ص١٣٧ط، عيسى الحلبي، ويراجع ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين ج٢ ص١٤٠، ابن حزم الأحكام ج٥ ص١٤٩ط مطبعة السعادة ط أولى. الشيخ محمد الخضري أصول الفقه ص١١٩ط الثانية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234381,"book_id":3632,"shamela_page_id":657,"part":null,"page_num":677,"sequence_num":657,"body":"ويظهر واضحًا ما للشبهة ما أثر في العقوبة التعزيرية في حالة ما، إذا لم يذكر الجاني للقاضي عند محاكمته، ما خالط فعلته التعزيرية من شبهات، ولم يستطع القاضي الوقوف على شيء من هذه الشبهات، التي خالطت فعلة الجاني، وبعد أن صدر تقدم الجاني، وعرض على القاضي ما خالط الجناية التي ارتكبها هذا الجاني من شبهات، وأُثبت صحة مقولته للقاضي، فإن القاضي والحالة هذا لا يسعه -إذا رأى أن ما ذكر من شبهات يترتب عليها إعفاء الجاني من العقوبة التعزيرية، أو تخفيفها لا يسعه إلا أن يعفي الجاني من العقوبة، أو يخففها عنه.\rوعليه فإن الشبهات في هذه الحالة، وما يماثلها قد أثرت تأثيرًا ملموسًا في العقوبة التعزيرية، التي كان القاضي قد حكم بها.\rوهذا أمر لا يحتاج في إثباته كثير عناء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234382,"book_id":3632,"shamela_page_id":658,"part":null,"page_num":678,"sequence_num":658,"body":"الخاتمة:\rبدأت هذا المبحث مستعيًا بالله ﷾ مستلهما منه الهدى، والرشاد طلبًا منه التوفيق والسداد: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ، وفي خاتمة هذا البحث أحب أن أبرز بعض الحقائق الموضوعية، المتمثلة فيما وفقني الله ﷾ إلى الوصول إليه من نتائج.\r١- امتازت الشريعة الإسلامية من غيرها في كل مناحي التشريع، ومثالًا لذلك ما امتازت به تشريعاتها في مجال التجريم، والعقاب من سمو يتمثل في رعاية الإنسان، وما تستقيم به حياته من أمور ضرورية، وحاجية وتحسينية.\rففي مبادئ التشريع الإسلامي -العامة والخاصة- في المجال الجنائي كل الحلول القادرة، والحاسمة في مواجهة أي سلوك انحرافي أيا كان سبه ومبعثه، يتتبعه في كل مراحله، ونواحيه حتى يستأصله من النفس، ويصل بها إلى أن تكون نفسا، تراقب خالقها في كل شيء، حتى فيما يخالجها ويدور بخلدها.\rإلى هذا الحد الذي لم ولن يصل إليه أي تشريع جنائي آخر من هذه التشريعات، التي وضعها البشر، وصاغها بكل ألوانها المختلفة المصطبغ منها بالقسوة، والعنف أو المتسم منها باللين والرقة، المنحازة إلى جانب الدولة والمجتمع، أو المراعية حق الفرد ورغباته المطلقة عنان الحرية الفردية.\rفالتشريع الإسلامي قد بذ ذلك كله، وسما عليه سمو من وضعه، وشرعه على من وضع هذه التقنيات الوضعية وشرعها.\r٢- وعلى سبيل المثال أشير إلى ما تميز به التشريعات الجنائية الإسلامية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234383,"book_id":3632,"shamela_page_id":659,"part":null,"page_num":679,"sequence_num":659,"body":"أ- ساوت التشريعات الإسلامية بين الناس في الثواب والعقاب، ولا سلطة لأحد في أن يغير من ذلك شيئًا.\rأما التشريعات الوضعية، فمع أنها نصت على العقوبات بصورة موضوعية، إلا أنها جعلت تحديدها للعقوبة مرنًا، يخضع لكثير من الاعتبارات التي يراها القاضي، موضوعية كانت أم لا، والتي نص عليها القانون ذاته، بالإضافة إلى أن التشريعات الوضعية تخضع لسلطان التغيير، والتبديل والإلغاء، وهذا أمن له دلالاته.\rب- ساوت التشريعات الإسلامية أيضًا في مجال التجريم، والعقاب بين الجريمة وعقوبتها في جرائم الاعتداء على النفس كما سبق، وليس بخاف ما يحققه ذلك من شفاء صدر المجني عليه، هو وذويه الأمر، والذي يقضي نهائيًا على مصدر خطير من مصادر إشاعة الجريمة، ويحقق الناس أمنهم وأمانهم، ويحفظ عليهم حياتهم، وصدق الله العظيم الذي بين ذلك بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.\rج لم تهمل الشريعة الإسلامية المحاسبة، والمعاقبة على أي تصرف مؤثم، إيجابًا كان هذا التصرف أو سلبًا، خصوصًا ما يمس الضروريات الإنسانية، فوضعت الضوابط والمعايير المحكمة دون إسراف أو تضييع، تحقيقًا للعدل وصونًا للفرد والمجتمع، بيد أن القوانين الوضعية كثيرًا ما تغفل الحفاظ على هذه الضروريات الإنسانية، وتترك الاعتداء عليا دون عقاب، بدعوى الحضارة والحرية، إذ العقاب في التشريعات الوضعية، رهن باعتبار السلوك جريمة قد نص عليها المشرع، فما لم يجرمه المشرع لا عقاب عليه، وإن أصاب الأمة في كيانها، وأتلف حرثها ونسلها، وضيع فيها موازين العفاف والشرف.","footnotes":"١ الآية ١٧٩ من سورة البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234384,"book_id":3632,"shamela_page_id":660,"part":null,"page_num":680,"sequence_num":660,"body":"بل إن هناك أفعالًا حرمها المشرع أجهد القضاءة أنفسهم لإيجاد مخرج للجاني ففلت من العقاب، وضيعت القيم والأخلاقيات على مرأى من القانون١.\rد- زعم البعض أن الشريعة الإسلامية لم تراع فيما وضعتها من نظام عقابي نفسية الجاني وظروفه، ولم تهدف إصلاحه، وهؤلاء لم يلمسوا ما وضعتها الشريعة الإسلامية في نظامها العقابي من اهتمام بالجاني، وصل إلى حد تلمسها التخفيف عنه، ودرئها العقوبة الحدية عنه، هذا الأمر الذي وضح من خلال هذا البحث، ولا يخفى أن الشريعة لم تجند عيونها تتلمس الذلل للخلائق، وتتصيد لهم الأخطاء، وتنصب لهم الشراك، ثم تعاقبهم متشفية كما هو حال كثير من النظم الوضعية.\rإن رسول هذه الشريعة الرحيمة قد أعرض مرات عمن جاءه يعترف بما ارتكبه، فلما أصر الرجل، وكرر اعترافه قال له الرسول الرءوف الرحيم ﷺ: \"ليس عليك من وزر\"، ولم يسأله مستفسرًا عن فعلته التي فعلها مع أن المقر قد ذكر أنه ارتكب حدًا من الحدود\"٢.\rكما قال ﷺ معلمًا أصحابه، ومن أرسل إليهم: \"من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة\".","footnotes":"١ حكم أحد القضاة ببراءة شخصين غريبين عن بعضهما أخذا، وهما يأتيان فعلًا فاضحًا من الأفعال، التي يعاقب عليها القانون، وكانا في سيارة خاصة تقف في عرض الطريق، مسببًا هذا القاضي حكمه بالبراءة على أساس أن ما أتياه من فعل أصبح من الأفعال المألوفة، التي يراها الناس من خلال أجهزة الإعلام، وعليه فلم تعد في رأيه هو فعلًا فاضحًا على قارعة الطريق.\r٢ نيل الأوطار ج٧ ص١١٣ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234385,"book_id":3632,"shamela_page_id":661,"part":null,"page_num":681,"sequence_num":661,"body":"ورد ابن الخطاب -رضي الله تعالى عنه على رجل جاءه يسأله: يا أمير المؤمنين إن لي بنتا أسلمت، وأصابت حدًا من حدود الله، فعمدت إلى الشفرة لتذبح نفسها فأدركتها، ثم أقبلت بتوبة حسنة فهي تخطب إلي، أفأخبر من شأنها الذي كان؟\rفقال له عمر: أتعهد إلى ما ستره الله فتبديه؟ والله لأن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نكالًا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح المسلمة العفيفة.\rهذه هي الشريعة الإسلامية، ونظمها العقابية أرحم في منطوقها، وحقيقتها من الوالدة بولدها، ولا يخفى أنها مع اهتمامها بالجاني والظروف المحيطة به، وإصلاحه لم تمهل المجني عليه، بل تعهدته بالرعاية والعناية، وشفت صدروه من كل ما ينؤ به من إتقان فالتقى الناس على محجتها وتحت لوائها إخوة متحابين.\rأين عناية التقنيات الوضعية، وعلاجها من ذكل كله من يوم أن خط مشرع وضعي قلم حتى اليوم الذي نحياه.\r٣- التشريع الجنائي الإسلامي شق من الشريعة ذاتها، فسلطة التجريم أو الإباحة أم يعطيها الشارع أحدًا من الخلق: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .\rهذا بالنسبة للأحكام القطعية، أما الأحكام الظنية، وهي التي لم يرد فيها نص قطعي ولا إجماع، فإن لولي الأمر سلطة التصرف في تقنينها بما يحقق مصالح الناس على أساس ما وضع المشرع، ولقد أنتج هذا الإحكام التشريعي استقرارًا تشريعيًا، نظرًا؛ لأن القواعد الحاكمة للسلوك قواعد موضوعية، تؤثر في السلوك ولا تتأثر به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234386,"book_id":3632,"shamela_page_id":662,"part":null,"page_num":682,"sequence_num":662,"body":"وهذا ما تفتقده، وتفتقر إليه التشريعات الوضعية؛ لأن هذه التشريعات إن وجدت فيها قواعد موضوعية تحكم السلوك، إلا أنها قواعد غير ملزمة أو ثابته، إذا أنها نتاج تناقض مذهبي، وفكري للمدارس التشريعية الوضعية، مع أن الاستقرار القانوني مطلب ملح من مطالب وأهداف القانون، بل ويعلو على مبدأ تحقيق العدالة ذاتها عند الوضعيين أنفسهم١.\r٤- عقوبات التشريع الجنائي الإسلامي، ذات الصفة الحدية عقوبات زاجرة قوية في غير ظلم، رادعة دون جور، وقد أحاطها الشارع الحكيم بمعايير وضوابط، وحد بجرائمها شكليه خاصة، ورسم لإثباتها صورة واضحة وجعل له من الشروط المفصلة ما يقض بوصوله حد اليقين، فإذا لم تكتمل صورة الجريمة، كما حددها المشروع، وبين دقائقها لم يترتب عليها ما وضعه الشارع من عقوبة محددة، وكذا إذا انثلم إثباتها، فإذا تم ذلك كله ثم ظهرت شبهة من الشبهات، خالطت أي مرحلة من مراحل الجريمة، أو جزئية من جزئياتها، أو دليل الإثبات، فإن المشرع يدرأ العقوبة بسبب وجود تلك الشبهة، سواء تترتب على ذلك درء جنس العقوبة، أو نوعها فقط، حتى المخالفين لإعمال هذا المبدأ في ظاهره.\r٥- لا خلاف إذا على أن اليقين لا يزال بالشك، ومن أن الأصل براءة الذمة، وعليه فلا بد للحكم بالعقوبة الحدية من تيقن لزومها، تيقنًا لا يعتريه أدنى شك.\rوالقوانين الوضعية قد نصت في دساتيرها على ذلك أيضًا، وقررت قوانين الإجراءات الجنائية فيها أن الشك يسر لصالح المتهم، وأن الأصل افتراض البراءة، وقضت محكمة النقض المصرية بأن الأحكام أعملوه في جوهره ومؤداه، وهذا ما وضح من مناقشة ابن حزم.","footnotes":"١ أ. د: محمود مصطفى شرح قانون العقوبات القسم العام فقرة ٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234387,"book_id":3632,"shamela_page_id":663,"part":null,"page_num":683,"sequence_num":663,"body":"الجنائية يجب أن تبنى على الحزم واليقين، لا على الظن والاحتمال، وإن الاحكام الصادرة بالإدانة، يجب ألا تبنى إلا على حجج قطعية الثبوت، تفيد الجزم واليقين.\rولا يخفى أن إعمال الفقه الإسلامي لذلك أشمل من أعمال الفقه الوضعي له، إذ أن الفقه الإسلامي يعمل ذلك في كل أحكامه، وقضاياه بينما أعمال الفقه الوضعي له لا يزال قاصرًا على المجال الجنائي، بالإضافة إلى سبق إعمال الفقه الإسلامي -لهذه القواعد- بما يزيد على أربعة عشرة قرنًا.\r٦- لم نقدم كله أوجه دعوة لكل مسلم، ومسلمة حاكم ومحكوم أن يعودوا إلى ما ارتضاه ربهم دستورًا لهم، وأن يحكموه فيما بينهم، وأن يسيروا على هديه منهجه، فلا تخيفهم الدعاوي الباطلة؛ لأن الصورة واضحة ومشرفة، سجلها التاريخ للمجتمع الإسلامي، يوم طبق هذه الأحكام، والتزم بتلك التعاليم.\rفإن لم يقبلوا واستمروا على؟؟ للعرب وتقنياته، فلن يجنوا ثمار ذلك إلا خسرانا وهوانًا، فحكم من الحكام، وتسلطًا من السلطة وهتكًا للحرمات، ونهبا وتضييعا للأنس والدماء، والأعراض.\rلا تعرنهم فاسقات الغرب التائة، الذي يبحث في وضح النهار، وصفار الشمس وإشراقها، يبحث عن شعاع ضوء غير ما أنعم الله به عليه، فمن أين له ذلك.\rإن من طلب الهدى في غير ما أنزل الله وشرع ضل وتاه، ومن رام الشفاء في غير ما أعطاه الله الطبيب العليم الخبير نهشه المريض، وأتى على أخضره ويابسه.\rأما من تمسك بحبل الله، وعراه الوثيقة القوية، وطبق شرعه الحكيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234388,"book_id":3632,"shamela_page_id":664,"part":null,"page_num":684,"sequence_num":664,"body":"فهو أمن في حمى الله من كل شيء، فمن يهديه الله يشرح صدره للإسلام، فهو على نور من ربه.\r٧- كما أرجو من القائمين على شأن الجهات المختصة بالبحوث في مجال الفقه الإسلام، والتعريف بالشريعة الإسلامية كوزارة الأوقاف بأجهزتها المختلفة، والأزهر الشريف بقنواته العلمية، وكل من له صلة بالفقه الإسلامي وعلومه، أن يولوا التعريف بالتقنين الإسلامي بصفة عامة، وما يختص منه بالتشريع الجنائي بصفة خاصة، عناية مركزة، ومكثفة حتى ييسروا لمن أراد المعرفة الحقة بهذا التشريع سبل الوصول، وأن ينشروا كنوز هذا النظام الجنائي، وقواعده وأصوله، ففي ذلك حث للأمة الإسلامية وغيرها على العمل، والتمسك بهذا النظام المتكامل، الذي للإنسان إنسانيته كاملة، وحقوقه غير منقوصة، ويحفظ عليه نفسه ودينه، وعرضه وماله وما يلزم حماية حياته كإنسان، وأن تعيد هذه الجهات نشر هذا التراث الإسلامي العظيم في مجالاته المختلفة، وتشريعاته الجنائية بصفة خاصة، بأسلوب يتفق والصياغة التقنينية، فتخرج ذلك في ثوب يليق به، وتيسر الحصول عليه لكل من يريد.\rإن أصحاب الرسالات، أو الدعوات يبحثون دائمًا عمن يدعونه، ويذهبون إليه حيث هو، ويعرفونه بمطبوعاتهم، ويحيطونه بمناهجهم، ويجزلون له العطاء ليقرأها، ويقف على ما فيها.\rفما بالنا نحن وكثيرًا من يجد الباحثون عن تراثنا الإسلامي، وعلومه عثرات وعثرات، يجهدون أنفسهم في محاولة تخطيها، وتضيع جهودهم في تذليلها، حتى يصلوا إلى بعض ما يبحثون عنه من كتب هذا التراث الإسلامي الزاخر.\r٨- ولا يخفى ما يقابله الباحثون بخاصة، هؤلاء الذين عشقوا العلم، فوجهوا وجوههم وجهته، فأعنتهم نظام دور الكتب، وما تعانيه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234389,"book_id":3632,"shamela_page_id":665,"part":null,"page_num":685,"sequence_num":665,"body":"من نقص ونظم بالية عقيمة، وموظفون يضنون على عشاق المعرفة باللقاء، الأمر لا يحتاج إلا إقامة مكتبات على النظام المفتوح الذي يطبق في بلادنا في كثير من دور الكتب الأجنبية، إذ يدخل الباحث، ويحضر لنفسه ما شاء من مراجع، دون إضاعة وقت، أو تثاقل موظف.\r٩- كما أهيب بالجامعات، التي أنشئت حديثًا أن تسرع في إنشاء مكتباتها المزودة بالمراجع العلمية المتخصصة، فهذه المكتبات هي عماد الدراسات الجامعية والمتخصصة، ففيها يتضح عداء العقل، وبدونها تضعف بنية أبناء هذه الجامعات العلمية، وتعدو هذه المنشآت كالطبل الأجوف، أو كشجر السرو، له رواء وما له ثمر.\r١٠- كما أرجو من القائمين على شأن الجامعات المصرية بصفة عامة، وكليات الحقوق، بصفة خاصة أن يولوا دراسة الشريعة الإسلامية في مختلف مجلات التقنين عناية خاصة، فلقد خلت الدراسة حتى في كليات الحقوق من دراسة الفقه الإسلامي، إلا في مجالات محددة، أرجو أن تستكمل، حتى يعطي الطلاب قدرًا كافيًا من معرفة الفقه الإسلامي، والتقنيات الشرعية في مختلف مجالات المعرفة القانونية.\rعلى ذلك يكون فاتحة خير، وحث على تطبيق الشريعة الإسلامية في شتى المجالات: تطبيقا حقيقيًا، فلقد بحث الأصوات مطالبة..\rوما توفيقي إلى بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234390,"book_id":3632,"shamela_page_id":666,"part":null,"page_num":686,"sequence_num":666,"body":"محتويات الكتاب:\r٥ تقديم\rالتمهيد\rالفصل الأول\r٢١ كلمة عامة عن الجريمة في الفقه الإسلامي\r٢٣ المبحث الأول: الجريمة والجناية\r٢٣ المبحث الثاني: أقسام الجريمة\r٣٠ المبحث الثالث: أركان الجريمة\rالفصل الثاني\r١٣٧ العقوبة وبعض الجوانب المتعلقة بها\r١٣٨ المبحث الأول: العقوبة وأقسامها\r١٩٦ المبحث الثاني: بعض سمات التشريع العقابي\rالباب الأول\r٢٣١ الشبهات\r٢٣٣ تمهيد\rالفصل الأول\r٢٣٧ تعريف الشبهات وأثرها في الحدود\r٢٣٩ المبحث الأول: المراد بالشبهات\r٢٦٣ المبحث الثاني: أثر الشبهة في الحد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234391,"book_id":3632,"shamela_page_id":667,"part":null,"page_num":687,"sequence_num":667,"body":"الفصل الثاني\r٢٨٩ الشبهات التي تعتري أركان الجريمة\r٢٩١ تقديم\r٢٩٤ المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\r٣٤٢ المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي\rالفصل الثالث\r٣٧١ الإثبات\r٣٧٣ تمهيد\r٣٧٦ المبحث الأول: الإقرار\r٤٠٧ المبحث الثاني: الشهادة\r٤٥٩ المبحث الثالث: القرائن\rالباب الثاني\r٤٧١ الجرائم الحدية والشبهات التي تعتريها\rالفصل الأول\r٤٧٣ جريمة الزنا وما يتعلق بها من شبهات\r٤٧٤ تقديم\r٤٧٨ المبحث الأول: للوطء والمحرم الذي لا يجب فيه الحد لقيام شبهة في الركن الشرعي للجريمة\r٤٩٩ المبحث الثاني: الوطء المحرم الذي لا يجب فيه الحد لإنتفاء القصد الجنائي\r٥٠٩ المبحث الثالث: الوطء المحرم الذي لا يجب فيه الحد لقيام شبهة في إثباته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3234392,"book_id":3632,"shamela_page_id":668,"part":null,"page_num":688,"sequence_num":668,"body":"الفصل الثاني\r٥٢٧ جريمة السرقة، وما يتعلق بها من شبهات\r٥٢٩ المبحث الأول: جريمة السرقة الصغرى\r٥٩٥ المبحث الثاني: جريمة السرقة الكبرى\rالفصل الثالث\r٦١٣ جريمة شرب الخمر\r٦١٥ تقديم\r٦١٧ المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\r٦٢٤ المبحث الثاني: شرب الخمر الذي لا يوجب الحد\r٦٢٧ المبحث الثالث: الشبهات التي تعتري إثبات جريمة شرب الخمر\rالفصل الرابع\r٦٣١ جريمة القذف وما يتعلق بها من شبهات\r٦٣٣ تقديم\r٦٣٦ المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\r٦٤٤ المبحث الثاني: شروط في المقذوف\rالفصل الخامس\r٦٥٣ جريمة الردة وما يتعلق بها من شبهات\r٦٥٥ تقديم\r٦٥٨ المبحث الأول: الشبهات التي تعتري الركن الشرعي\r٦٧٢ المبحث الثاني: الشبهات التي تعتري القصد الجنائي\r٦٧٨ الخاتمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}