{"page_id":1555514,"book_id":1504,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"رد شبهات حول عصمة النبى ﷺ\rهذا الكتاب\rيتناول فيه المؤلف الرد علي الطاعنين في عصمة سيدنا رسول الله ﷺ من أعداء الإسلام من المستشرقين , وأذيالهم ممن يسمون أنفسهم (القرآنيون) وذلك من خلال عدة قضايا:\r- التأكيد علي عصمة سيدنا رسول الله ﷺ، من كل ما يمس عقله، وعقيدته بسوء , من التمسح\rبالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب.... الخ، والجواب عما ورد في ظاهر القرآن والسنة مما يتعارض مع تلك العصمة.\r- التأكيد علي عصمته ﷺ من تسلط الشيطان عليه، وكفايته منه، والجواب عما ورد فى القرآن الكريم، والسنة النبوية من تعرض الشيطان له ﷺ بالأذى فى جسمه، أو على خاطره بالوسوسة.\r- التأكيد علي عصمته ﷺ فى فكره واجتهاده , وفي خلقه وهديه , وفيمايبلغ عن ربه ﷿. والجواب عما ورد في ظاهر القرآن والسنة مما يتعارض مع تلك العصمة.\r- بيان إن شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول عصمة سيدنا رسول الله ﷺ قائمة على إنكار نبوته ﷺ، إذ لم تكن لدى معظمهم القناعة العلمية، ولا الإيمان الراسخ بهذه النبوة، وبخاصة أولئك الذين جمعوا بين الإستشراق والتبشير، وألبسوا أفكارهم أردية كنسية متطرفة.\r- بيان إن شبهات أعداء السنة المطهرة - ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا - حول عصمة سيدنا رسول الله ﷺ قائمة على إعلان الكفر صراحة بالشطر الثانى من الوحي الإلهى وهو سنة سيدنا رسول الله ﷺ , وسيرته العطرة الواردة فيها.\r- بيان أن الآيات المتشابهات التى استدل بها أعداء الإسلام، وأعداء السنة، على عدم عصمة رسول الله ﷺ، واردة فى مقام المنة على رسول الله ﷺ، وفيها بيان عظيم مكانته وفضله عند ربه ﷿ فى الدنيا والآخرة، بأعظم ما يكون البيان!! .\r- بيان أن ما استدل به أعداء الإسلام من أحاديث على عدم عصمته ﷺ لا حجة لهم فيها، لأن ما استدلوا به أحاديث مكذوبة، وضعيفة، وأخرى صحيحة؛ مع ضعف دلالتها على ما احتجوا به.\r- ودار اليقين , وقد سبق لها أن طبعت للمؤلف كتابه ((السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام مناقشتها والرد عليها)) فإنه يسعدها اليوم أن تطبع كتابه هذا ((رد شبهات حول عصمة النبيصلى الله عليه وسلم\rفي ضوء القرآن والسنة)) .\rونسأل الله ﷿ التوفيق والسداد ...","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555515,"book_id":1504,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":2,"body":"جامعة الأزهر\rكلية أصول الدين بالقاهرة\rقسم الحديث وعلومه\rرسالة دكتواره وموضوعها\rرد شبهات حول عصمة النبى ﷺ\rفى ضوء السنة النبوية الشريفة\rمقدمة من الباحث\rعماد السيد محمد إسماعيل الشربينى\rالمدرس المساعد بقسم الحديث وعلومه بالكلية\rإشراف\rفضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر عبد الهادى\rأستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بالقاهرة\r١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555516,"book_id":1504,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":3,"body":"قال الله ﷿\r﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِن جِنَّةٍ إِن هُو إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١)\r﴿وَمَا كَانَ لَكُم أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ (٢)\rويرحم الله القائل\rهو النعمة العظمى هو الرحمة التى ... *** ... تجلى بها الرحمن فى السر والجهر\rأيروم مخلوق ثناءك بعدما ... *** ... أثنى على أخلاقك الخلاق؟ (٣) .\r\rالإهداء\rإلى النور الخالد.\rإلى من أرجو الله تعالى شفاعته يوم الدين.\rبأبى أنت وأمى يا سيدى يا رسول الله!\rهل لى أن أستأذن فى أن أطرق\rباب خدمتك بإهدائك هذه الرسالة؟\rعماد الشربينى","footnotes":"(١) الآية ١٨٤ الأعراف.\r(٢) جزء من الآية ٥٣ الأحزاب.\r(٣) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ٨/٣٨٤، ٣٩٠.\r(٤) الآية ١٤ لقمان.\r(٥) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب البر والصلة، باب فى شكر المعروف ٤/٢٥٥ رقم ٤٨١١، والترمذى فى سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء فى الشكر لمن أحسن إليك ٤/٢٩٨ رقم ١٩٥٤، وقال: حسن صحيح، وأخرجه أحمد فى المسند ٢/٢٥٨، ٢٩٥، ٣٠٢، ٣٠٣، والبخارى فى الأدب المفرد ١/٣٠٩ رقم ٢١٨، والحديث صححه الشيخ أحمد محمد شاكر فى تحقيقه للمسند ١٣/٢٤٦ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555517,"book_id":1504,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":4,"body":"كلمة شكر وتقدير\r... انطلاقاً من قول الله ﷿: ﴿أن اشكر لى ولوالديك إلىَّ المصير﴾ (٤) ، وقول رسول الله ﷺ: \"لا يَشْكُرُ اللهَ منْ لاَ يَشكُرُ الناسَ\" (٥) .\rأحمد الله ﷿؛ أن جعلنى تلميذاً من تلاميذ هذه المدرسة المباركة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأن منَّ علىَّ بالبحث فى هذا الموضوع الجليل، والحمد لله أولاً وآخراً على عونه وتوفيقه لإتمام هذا البحث، وأسأله ﷿ أن يتقبله خالصاً لوجهه الكريم.\rوأتقدم بجزيل الشكر وعرفان الجميل لوالدىَّ، اللذين شملانى برعايتهما وعطفهما حتى تمكنت من إتمام هذا العمل، أدعو الله ﷿ أن يغفر لهما ويرحمهما، وأن يبارك فى دينهما، وبدنهما، وأموالهما، وأن يجعل ذلك فى ميزان حسناتهما يوم القيامة.\rكما أتقدم بجزيل الشكر وعرفان الجميل، لأستاذى وشيخى الجليل، فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر، على الرعاية والعناية التى شملنى بها، ما أعجزنى عن أداء شكره.\rوهذا البحث مدين لفضيلته منذ أن كان أطروحة وحتى تمت الموافقة عليه، والبحث وصاحبه ثمرة من ثمرات غرسه المبارك.\rوأخيراً: لا أملك إلا أن أدعو الله ﷿ أن يبارك فى دينه، وبدنه، وأهله، وولده، وماله، وأن يجزيه عنى وعن الإسلام خير الجزاء.\rثم إن أجمل الشكر وأحسنه لمشايخى وأساتذتى الأجلاء، بكلية أصول الدين المباركة، على ما قدموا لى من عون على الموافقة على اختيار هذا الموضوع، وعلى ما قدموا لى من توجيهات وإرشادات، وتشجيع دائم، حتى تمكنت من إتمام هذا العمل. وإن استطردت لذكر أسمائهم لطال بى المقام ولكن مالا يدرك كله، لا يترك جله، فأخص بالذكر منهم؛ فضيلة الأستاذ الدكتور/ عزت عطية أستاذ ورئيس قسم الحديث بالكلية، والأستاذ الدكتور/ مروان شاهين، والأستاذ الدكتور/ بهاء الشاهد، الأساتذة بقسم الحديث بالكلية، فلهم ولسائر مشايخى وأساتذتى منى جزيل الشكر، وصالح الدعاء، وجزاهم الله عن العلم وأهله خير الجزاء.\rولا يفوتنى أن أتقدم بجزيل الشكر، وعرفان الجميل، لكل من كانت له يد عون أو نصح أو إرشاد، أو توجيه، أو غير ذلك حتى أنجزت هذه الرسالة.\rالله ﷿ أسأل أن يجزي الجميع عني، وعن الإسلام خير الجزاء\rوأن يوفقهم لما يحبه ويرضاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555518,"book_id":1504,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":5,"body":"المقدمة\r... الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير، الحمد لله رب العالمين الذي هدانا وعلَّمنا، ومنَّ علينا، وتفضل ببلوغ المراد من خدمة سنة سيد المرسلين، التي فسرت الكتاب الكريم،، وبينته للناس، وحياً بوحي، ونوراً بنور، فاكتمل بهما الدين القويم، والصراط المستقيم.\r... اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب العالمين، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك.\r... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وعصمه في دينه وخلقه، ليكون أميناً علي وحيه، مبيناً لكتابه، خاتماً لأنبيائه ورسله، ولتقوم به الحجة والقدوة علي هذه الأمة إلي يوم الدين.\r... اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلي آله، وصحبه البررة الأوفياء، أئمة الدين، وصفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين.\r... ورضي الله عمن تبع سنتهم، وسلك طريقتهم، واقتفيَ أثرهم، ونصرهم إلي يوم الدين.\rثم أما بعد\r... فإن الله تعالي يقول في كتابه العزيز: ﴿قل الحمد الله وسلام علي عباده الذين اصطفي﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار﴾ (٢) .\r... إن رب العزة في هاتين الآيتين ونحوهما، يبين لكافة عباده أنه اختار واصطفي من خلقه أناساً أخياراً، عصمهم في ظاهرهم وباطنهم، ورضاهم وغضبهم قبل النبوة وبعدها، لما علمَه ﷿ فيهم من أنهم سيكونون هداة للخلق يخرجونهم من الظلمات إلي النور، ويهدونهم إلي صراط العزيز الحميد.\r... وهذا الاصطفاء الذي يتحدث عنه رب العزة، هو اصطفاء وهم لا يزالون في عالم الغيب لم يخلقوا بعد.","footnotes":"(١) الآية ٥٩ النمل.\r(٢) الآية ١٧ ص","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555519,"book_id":1504,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":6,"body":".. وهو ما يُظهر أن عصمة سيدنا رسول الله ﷺ، وسائر الأنبياء والمرسلين – عليهم الصلاة والسلام – مبنية على إرادة إلهية يمتنع معها وقوع المعصية منهم.\r... ويقول ﷿: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءَنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون﴾ (١) .\r... ففى قوله: ﴿فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله﴾ يقدم رب العزة حياة رسوله ﷺ، وسيرته الطاهرة قبل بعثته، دليلاً على عصمته ونبوته. والمعنى فى الآيتين: إنى جئتكم بالقرآن عن إذن الله لى فى ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أنى لست أتقوله من عندى ولا افتريته؛ أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقى وأمانتى منذ نشأت بينكم إلى حين بعثنى الله ﷿، لا تنتقدون علىَّ شيئاً تُعِّيرونى به. ولهذا قال: ﴿فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون﴾ أى: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل!\r... والقارئ لسيرة سيدنا رسول الله ﷺ، لا يشك فى عصمته فقد كانت نشأته ﷺ، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله ﷿ رحمة للعالمين، أكمل نشأة، تولاه الله تعالى فأدبه، ورباه فكمِله، ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مستقبحة، حتى غدا أكمل إنسان فى بشريته، فلم تعرف له فى سيرته هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس، ثم نبأه الله تعالى وبعثه، فنمت فيه هذه الفضائل وترعرعت حتى أصبحت حياته فريدة فى تاريخ هذه الحياة الدنيا.","footnotes":"(١) الآيتان ١٥، ١٦ يونس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555520,"book_id":1504,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":7,"body":".. فمن أين له هذا؟ وهو اليتيم الذي تعرض منذ طفولته لمحنة اليتم والفقر! وهو الأمي الذي لم يجلس طيلة حياته إلي معلم يثقف عقله! وهو الذي نشأ في بيئة سيطرت عليها الجاهلية سيطرة كاملة في مجال العقيدة والفكر، وفي مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتي لا تكاد تجد إنساناً يسلم من وراثة البيئة، وعدوي التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد. فكيف نجا سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم من تلك المؤثرات القوية؟.\r... إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التي نشأ فيها إلا أن تقول: إنه الإعداد الإلهي للنبوة و ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (١) إنها العصمة الربانية التي حفظته صلي الله عليه وسلم من بيئة الجاهلية أربعين عاماً لم يصبه أذي من غبارها، فشب أكمل الناس خَلْقاً وخُلُقاً.\r... وشهد له صلي الله عليه وسلم بتلك العصمة ربه ﷿ في عشرات الآيات القرآنية منها إجمالاً قوله تعالي: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثني وفرادي ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ (٢) .\r... وقوله سبحانه: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوي﴾ (٣) ففي هاتين الآيتين ونحوهما كان التعبير فيها بـ \"صاحبكم\" تذكيراً وتقريراً بأن كفار مكة أعرف الناس به، فرسول الله صلي الله عليه وسلم لم يفارقهم، وهم لم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، وهذا يفيد أن كفار مكة في اتهامهم لرسول الله صلي الله عليه وسلم بعدم العصمة ووصفه بالضلال والجنون والسحر مكابرون، والدليل حاله قبل نبوته حيث صحبتهم له منذ نشأته بينهم، واعترافهم له بالأمانة والصدق، ورجاحة العقل، والخلق القويم.","footnotes":"(١) جزء من الآية ١٢٤ الأنعام.\r(٢) الآية ٤٦ سبأ.\r(٣) الآية ٢ النجم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555521,"book_id":1504,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":8,"body":".. وإذا طعن كفار قريش قديماً فى عصمة رسول الله ﷺ، وتبعهم من لا يعتد بخلافهم من الفضيلية والأزارقة من الخوارج والكرامية وغيرهم، فقد ظهر حديثاً أذيالهم من المنكرين للسنة النبوية، الزاعمين أن رسول الله ﷺ غير معصوم، ويجوز عليه ما يجوز على سائر البشر من الذنوب؛ كما زعموا أن سيرة رسول الله ﷺ الواردة فى السنة المطهرة تختلف عنها فى سيرته فى القرآن الكريم، وأن فى الأحاديث المتعلقة بسيرته ﷺ ما يطعن فى عصمته، ويشوه شخصيته.\r... وقد استند هؤلاء المشاغبون فى عصمة النبى ﷺ إلى بعض النصوص القرآنية التى قد يُتوهم من ظاهرها أن رسول الله ﷺ، كان فى ضلال أو غفلة أو شك، وكذلك نصوص ورد فيها بعض التنبيهات الموجهة مباشرة إلى ضمير خطابه ﷺ.\r... كما استندوا أيضاً إلى بعض الأحاديث التى قد يتوهم من ظاهرها عدم عصمة رسول الله ﷺ فى عقيدته وقلبه، وبلاغه للوحى، واجتهاده، وسلوكه وهديه.\r... وهذا ما دفعنى إلى اختيار موضوع هذه الرسالة: \"رد شبهات حول عصمة النبى ﷺ فى ضوء السنة النبوية الشريفة\" وقد هدفت من تسجيله إلى عدة أهداف منها:\rأولاً: بيان أن عصمة الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا رسول الله ﷺ ضرورة دينية، وأنها سبيل حجية وحى الله تعالى من القرآن والسنة.\rثانياً: أن يكون هذا البحث هادياً لمن تأثر من أبناء الإسلام بشبهات أعداء السنة حول عصمة رسول الله ﷺ، مما يوجب على من عرف الحق أن يأخذ بأيديهم إلى بر الأمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555522,"book_id":1504,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":9,"body":"ثالثاً: إرادة توطيد إيمان المؤمنين، وتقوية محبتهم لرسول الله ﷺ، ومعرفتهم بمكانته العليا، وحفاوة الله تعالى به فى تربيته حتى فى الآيات المتشابهات التى يتعلق بها أعداء الإسلام ومقلدوهم من المسلمين، مما يظهر أن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته غير مراد.\rرابعاً: بيان أن سيرة رسول الله ﷺ الواردة فى صحيح السنة المطهرة تعتبر فى ميزان العقل البشرى والعلمى معجزة، لا تستطيع الأمم جميعها فى الحاضر والمستقبل أن تفعل مثلها، إذ لم يحفظ لنا التاريخ من بين جميع الأمم، حياة رجل منذ طفولته إلى وفاته، مثلما حفظه المسلمون عن رسولهم ﷺ بكل دقة، وبكل حب وإخلاص.\rخامساً: بيان أن أئمة السيرة ورواتها لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة إلا تثبيت ما هو ثابت منها بمقياس علمى دقيق، يتمثل فى قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم؛ ولا تستطيع أى أمة من الأمم فى السابق واللاحق أن تأتى بمثل هذا الميزان العلمى، أو حتى تلتزمه فى ميدان التطبيق العمِلى.\rسادساً: بيان أن سيرة رسول الله ﷺ لها أهميتها فى فهم الإسلام قرآناً، وسنةً، وحضارةً٠\rسابعاً: بيان أن حملة التشكيك فى السيرة العطرة الواردة فى السنة النبوية مرض عقلى، ووباء فكرى، يصيب الحاقدين، وهو مذهب الذين فى قلوبهم مرض، الذين يستهدفون أن يفقد المسلمون الصورة التطبيقية لحياة رسول الله ﷺ، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته، فأحببت أن تكون لى مشاركة فى رد تلك الحملة، وإيقاف زحفها، مع من بذلوا جهوداً فى الدفاع عن السيرة، لحماية حصنها من التهديم والتخريب، راجياً بذلك المثوبة من الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555523,"book_id":1504,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":10,"body":"ثامناً: بيان أن الباطل مهما لمع بريقه، وتكاتف من ورائه أناس على تقويته، إلا أنه سرعان ما يخفت هذا اللمعان، ولا يجنى أصحاب هذا الباطل من وراء باطلهم إلا الخيبة والخسران.\rوما شأن شراذم البغى قديماً وحديثاً، ومحاولاتهم النيل من سيرة المعصوم ﷺ، وسنته المطهرة، إلا كشأن من قال عنه الأعشى بن قيس:\rكناطح صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل.\r\rخطة البحث:\r... تتكون خطة البحث فى الموضوع إلى مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة.\rأما المقدمة فقد ضمنتها: سبب اختيار الموضوع، وأهميته، وخطة البحث ومنهج البحث فيه.\r... أما التمهيد فيشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: التعريف بالعصمة، وبيان دلالتها على حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية، والاقتداء بالنبى ﷺ.\rالمبحث الثانى: أهمية السيرة النبوية فى فهم الإسلام قرآناً وسنةً، وحضارةً٠\r... أما الأبواب فهى:\rالباب الأول: عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين:\rالفصل الأول: عصمته ﷺ فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية، ويشتمل على تمهيد ومبحثين:\rالمبحث الأول: دلائل عصمته ﷺ فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.\rالمبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.\rالفصل الثانى: شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد ومبحثين:\rالمبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم على عدم عصمة النبى ﷺ فى عقله وبدنه والرد عليها، ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب: ...\rالمطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد \"الضلال\" و\"الغفلة\" إلى ضمير خطابه ﷺ والجواب عنها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555524,"book_id":1504,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":11,"body":"المطلب الثانى: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد \"الذنب\" و\"الوزر\" إلى ضمير خطابه ﷺ والجواب عنها.\rالمطلب الثالث: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتقوى الله ﷿، ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك، والجواب عنها.\rالمطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتعرض الشيطان له والجواب عنها.\rالمطلب الخامس: شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله ﷺ والجواب عنها.\rالمبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية على عدم عصمة النبى ﷺ فى عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:\rالمطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث \"شق صدره ﷺ\" والرد عليها.\rالمطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث \"فترة الوحي\" والرد عليها.\rالمطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" والرد عليها.\rالمطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"سحر رسول الله ﷺ\" والرد عليها.\rالمطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث \"أهجر\" والرد عليها.\rالباب الثانى: عصمة رسول الله ﷺ فى تبليغ الوحي ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين:\rالفصل الأول: عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية، ويشتمل على تمهيد ومبحثين:\r... ... المبحث الأول: التعريف بالوحي، وكيفياته.\rالمبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.\r... الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى والرد عليها، ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555525,"book_id":1504,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":12,"body":".. ... ... المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليها.\rالمطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية والرد عليها.\rالمطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية والرد عليها.\rالمطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها.\rالمبحث الثانى: شبهات أعداء السنة النبوية حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب: ...\rالمطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله ﷺ قاصرة على بلاغ القرآن فقط والرد عليها.\rالمطلب الثانى: شبهة أن رسول الله ﷺ ليست له سنة نبوية والرد عليها.\rالمطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ إلا فى القرآن فقط والرد عليها.\rالمطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك والرد عليها.\rالباب الثالث: عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين:\rالفصل الأول: عصمته ﷺ فى اجتهاده كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية ويشتمل على مبحثين:\r... ... المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه ﷺ.\rالمبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.\rالفصل الثانى: شبهة أن اجتهاد رسول الله ﷺ يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى والرد عليها.\rالباب الرابع: عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه ودفع الشبهات ويشتمل على تمهيد وسبعة فصول:\rالفصل الأول: شبهة اختلاف سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة والتاريخ عنها فى القرآن الكريم والرد عليها.\rالفصل الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث \"خلوة النبى ﷺ بامرأة من الأنصار\" والرد عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555526,"book_id":1504,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":13,"body":"الفصل الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى \"نوم النبى ﷺ عند أم سليم وأم حرام\" والرد عليها.\rالفصل الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"طوافه ﷺ على نسائه فى ساعة واحدة\" والرد عليها.\rالفصل الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث \"مباشرة رسول الله ﷺ نسائه فى المحيض\" والرد عليها.\rالفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث \"دعوته ﷺ لعائشة رضى الله عنها استماع الغناء والضرب بالدف\" والرد عليها.\rالفصل السابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة\" والرد عليها.\rالخاتمة: وفيها نتائج هذه الدراسة، ومقترحات، وتوصيات، والفهارس العلمية للبحث.\r... هذا ولم أتعرض لتحرير مبحث أو مطلب إلا بعد أن رجعت إلى ما أمكننى الاطلاع عليه من الكتب المؤلفة فيه كبيرها وصغيرها، فقد يوجد فى الصغير مالا يوجد فى الكبير.\r... ولم أكتب شيئاً إلا بعد أن أعتقد صحته وأطمئن إليه، غير متأثر برأى أحد ممن كتب فيه كائناً من كان، معاصراً أو غير معاصر، ولم أتردد فى مخالفته متى تبين لى أنه قد أخطأ، مع بيان وجهة نظرى فى ذلك، ومع احترامى له، واعترافى بفضله، وتقديرى لعلمه، واعتقادى أنه \"صاحب آيات، وسباق غايات\".\r... وقد يؤخذ علىَّ: أنى قد أطلت فى بعض المباحث، أو كررت بعض العبارات، أو أظهرت فى محل إضمار، أو غير ذلك. ولكنى قصدت بهذا كله توفية البحث حقه، وإتمام الفائدة، وزيادة الإيضاح، وعدم وقوع الناظر فى اللبس.\r... وإذا كانت الدراسة الموضوعية الصادقة هى تلك التى تعتمد على النصوص والوثائق؛ فقد التزمت هذه الرسالة - إلى حد كبير - بإيرادها كشواهد ودلائل على ما عالجته من مسائل وقضايا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555527,"book_id":1504,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":14,"body":"منهجى فى البحث:\rكل ما عرضته فى الرسالة من شبه ومطاعن أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً، المتضمنة الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ، فإنى قرنت ذلك بالرد الحاسم الذى يبين بطلان وزيف تلك الشبه والمطاعن معتمداً فى ذلك على القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، وكلام أهل السنة قديماً وحديثاً. فإن كان من جهد فى هذه الرسالة فإنما هو ثمرة الوقوف على أكتاف العلماء، ونتاج المربين الذين ربونا صغاراً، وحملونا كباراً، والمنة لله وحده، وهو ولى الجزاء، وشكر الله للعلماء بذلهم.\rبينت مواضع الايات التى وردت فى الرسالة بذكر اسم السورة، ورقم الآية فى الهامش، مع وضع الآية بين قوسين.\rعزوت الأحاديث التى أوردتها فى الرسالة إلى مصادرها الأصلية من كتب السنة المعتمدة، فإن كان الحديث فى الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما، بذكر اسم الكتاب، واسم الباب، وذكر الجزء والصفحة ورقم الحديث، وأقدم فى التخريج من ذكرت لفظه، مع البيان غالباً لدرجة الحديث من خلال أقوال أهل العلم بالحديث، أو دراستى للسند، إن كان الحديث فى غير الصحيحين، وفيما عدا ذلك اقتصر على ما يفيد ثبوت الحديث أو رده.\rاعتمدت فى التخريج من الصحيحين على طبعتى البخارى \"بشرح فتح البارى\" لابن حجر، والمنهاج \"شرح صحيح مسلم\" للنووى، لصحة متون الأحاديث فى الشرحين، ولصحة عرضهما على أصول الصحيحين، وتسهيلاً للقارئ لكثرة تداول تلك الشروح، وإتماماً للفائدة بالاطلاع على فقه الحديث المخرَّج.\rالتزمت عند النقل من أى مرجع، أو الاستفادة منه الإشارة إلى رقم جزئه وصفحته بالإضافة إلى ذكر طبعات المراجع فى الفهرست.\rعند النقل من فتح البارى، أو المنهاج شرح مسلم للنووى، أذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الحديث الوارد فيه الكلام المنقول، تيسيراً للوصول إلى الكلام المنقول، نظراً لاختلاف رقم الصفحات تبعاً للطبعات المتعددة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555528,"book_id":1504,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":15,"body":"اكتفيت فى تراجم الأعلام من الصحابة بذكر مصادر تراجمهم بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة، ولم أترجم لهم لعدالتهم جميعاً، ولم أخالف فى ذلك إلا فى القليل عندما تقتضى الترجمة الدفاع عن شبهة.\rترجمت لكثير من الأعلام الذين جرى نقل شئ من كلامهم، مع ذكر مصادر تراجمهم، بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة.\rشرحت المفردات الغريبة التى وردت فى بعض الأحاديث مستعيناً فى ذلك بكتب غريب الحديث، ومعاجم اللغة، وشروح الحديث.\rثم ختمت الرسالة بفهارس سبعة هى:\rفهرس الآيات القرآنية.\rفهرس الأحاديث والآثار.\rفهرس الأعلام المترجم لهم.\rفهرس الأشعار.\rفهرس القبائل والبلدان والفرق.\rفهرس المصادر والمراجع.\rفهرس الموضوعات التى اشتملت عليها الرسالة.\rهذا وإنى – يعلم الله – ما فرطت ولا توانيت، ولا كان منى ميل إلى كسل أو ركون إلى راحة، فإن فاتنى شئ فى أثناء الكتابة، أو لم أذكر أمراً كان ينبغى ذكره، أو طرأ على سهو أو نسيان، فهذا لأن عمل الإنسان لا يخلو من نقص مهما كانت عنايته. وعذرى فى ذلك ان الكمال المطلق لله ﷿.\rولا أدعى، وليس لى أن أدعى أنى جئت فى هذه الرسالة بشئ كان خافياً على العلماء والباحثين، وإنما حاولت بعون الله تعالى، جمع كلام الأئمة بين دفتى رسالة واحدة، حيث تتبعت الدرر المنثورة لشريعتنا الغراء فى بطون الكتب، ونظمتها فى سلك واحد، ولم أجد على قلة إطلاعى مَن عالج هذا الموضوع بهذه الصورة.\rفما كان فى البحث من صواب، فهو من الله ﷿ وبتوفيقه، وما كان من خطأ فمن نفسى، ومن الشيطان، والله برئ منه ورسوله، ولله وحده الكمال والعزة والجلال.\rوفى الختام: الحمد لله رب العالمين؛ على عونه وتوفيقه لإتمام هذا البحث حيث سهل لى صعبه وذلل أمامى عقباته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555529,"book_id":1504,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":16,"body":".. وإنى لأرى لزاماً على أن أسجل هنا وافر شكرى وعظيم تقديرى، وصادق دعواتى لشيخى وأستاذى الجليل فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر عبد الهادى، إذ كان أول من أشار علىَّ بالكتابة فى هذا الموضوع، ثم أحاطه بدقيق ملاحظاته، وكامل متابعاته، وجليل تصحيحاته، فى مدة جمعه وتحريره، يقرأه المرة تلو الأخرى، ويضفى عليه كمالاً وجمالاً فى الحين بعد الآخر، حتى جاء على هذا النحو الذى هو عليه، والذى أرجو أن يسر قارئيه، ويفيد طالبيه ومبتغيه؛ فلفضيلته منى جزيل الشكر وصالح الدعاء، وجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء.\rولا يفوتنى فى هذا المقام أن أقدم شكرى أيضاً: لكل من أفادنى من مشايخى وزملائى بكتاب، أو إرشاد، أو أى نوع من المساعدة.\rاللهم تقبل هذا العمل خالصاً لوجهك الكريم، اللهم اجعلنى جنداً من جنود كتابك، جنداً من جنود سنة نبيك ﷺ، اللهم لا تجعلنى شقياً ولا محروماً، اللهم لا تعذب لساناً يخبر عنك، ولا عيناً تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدماً تمشى إلى طاعتك، ولا يداً تكتب حديث رسولك وصفيك ﷺ. اللهم لا تدخلنى النار، ولا تفضحنى فيها، فقد علم أهلها أنى كنت أذب عن دينك، وأدافع عن شرعك، وأظهر مكانة وحيك، وأبين عظمة وعصمة نبيك وخليلك وصفيك ﷺ.\rاللهم اجعلنى وما عملت من عمل صالح فى ميزان أبوىَّ، واغفر لهما، وأكرمهما، وارحمهما كما ربيانى صغيراً، وألبسهما حلة الكرامة، وشفع فيهما كتابك ونبيك.\rوالحمد لله رب العالمين\rوصلى الله على سيدنا ومولانا\rمحمد وعلى آله وصحبه وسلم\rالراجى عفو ربه الغفور\rعماد الشربينى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555530,"book_id":1504,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":17,"body":"التمهيد\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: التعريف بالعصمة، وبيان دلالتها على حجية القرآن الكريم والسنة النبوية، والاقتداء بالنبى ﷺ وينقسم إلى ما يلى:\rأولاً: التعريف بالعصمة لغة وشرعاً، وبيان مواضعها من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\rثانياً: العصمة سبيل حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.\rثالثاً: العصمة سبيل الاقتداء بالنبى ﷺ.\rالمبحث الثانى: أهمية السيرة النبوية فى فهم الإسلام قرآناً وسنة وحضارة. وينقسم إلى ما يلى:\r... أولاً: أهمية السيرة النبوية العطرة فى فهم القرآن الكريم.\r... ثانياً: أهمية السيرة النبوية فى فهم السنة النبوية.\r... ثالثاً: أهمية السيرة النبوية فى إثبات أن للمسلمين تاريخاً وحضارةً.\r\rالمبحث الأول: التعريف بالعصمة، وبيان دلالتها على حجية القرآن الكريم\rوالسنة النبوية، والاقتداء بالنبى ﷺ\r... وينقسم إلى ما يلى:\rأولاً: التعريف بالعصمة لغة وشرعاً، وبيان مواضعها من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\rثانياً: العصمة سبيل حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.\rثالثاً: العصمة سبيل الاقتداء بالنبى ﷺ.\r\rأولاً: التعريف بالعصمة لغة وشرعاً\rوبيان مواضعها من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:\rأ- المعنى اللغوى:\r... العصمة وردت فى اللغة لعدة معان منها:\r١- المنع. ... ... ٢- الحفظ.\r٣- القلادة. ... ... ٤- الحبل.\r... قال صاحب اللسان: \"العصمة فى كلام العرب المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، يقال عصمه، يعصمه، عصماً: منعه ووقاه.\r... وبهذا المعنى جاءت الكلمة فى القرآن الكريم والسنة المطهرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555531,"book_id":1504,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":18,"body":"قال تعالى على لسان سيدنا نوح ﵇ وابنه: ﴿يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ (١) وقال تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ (٢) وقال سبحانه فى حق سيدنا محمد ﷺ: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة﴾ (٤) وفى الحديث قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به. فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله\" (٥) والعصمة القلادة، وفى اللسان أيضاً أصل العصمة: الحبل وكل ما أمسك شيئاً فقد عصمه\" (٦) .\r... وبالإمعان فى هذه المعانى جميعها ترى أنها ترجع إلى المعنى الأول الذى هو \"المنع\" فالحفظ منع للشئ من الوقوع فى المكروه أو المحظور، والقلادة تمنع سقوط الخرز منها، والحبل يمنع من السقوط والتردى.","footnotes":"(١) الآيتان ٤٢، ٤٣ هود.\r(٢) جزء من الآية ٣٢ يوسف.\r(٣) الآية ٦٧ المائدة.\r(٤) الآية ١٧ الأحزاب.\r(٥) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله... الخ ١/٢٣٣ رقم ٢٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد، باب دعاء النبى ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة... الخ ٦/١٣٠ رقم٢٩٤٦ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.\r(٦) لسان العرب لابن منظور ١٢/ ٤٠٣ – ٤٠٥، وينظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٤/٣٣٢، ومختار الصحاح للرازى ص٤٣٧، والقاموس المحيط للفيروز آبادى ٤/١٤٨، ١٤٩، والمصباح المنير لأحمد الفيومى ٢/٥٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555532,"book_id":1504,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":19,"body":".. وعلى المعنى الأول دار كلام حُذَاق المفسرين والأثريين، قال الإمام الطبرى (١) فى تفسيره لقوله تعالى: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم﴾ (٢) قال: \"وأصل العصم: المنع، فكل مانع شيئاً فهو عاصمه. والممتنع به معتصم به\" (٣) وقال تفسيراً لقوله تعالى: ﴿قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله﴾ (٤) : يقول سأصير إلى جبل أتحصن به من الماء فيمنعنى منه أن يغرقنى. ويعنى بقوله (يعصمنى) يمنعنى، مثل عصام القربة الذى يشد به رأسهما فيمنع الماء أن يسيل منها (٥) وفى قوله تعالى: ﴿قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة﴾ (٦) قال: من ذا الذى يمنعكم من الله إن هو أراد بكم سوءاً فى أنفسكم (٧) .","footnotes":"(١) هو محمد بن جرير بن يزيد الطبرى، صاحب التفسير الكبير، والتاريخ الشهير، كان من الأئمة المجتهدين، ولم يقلد أحداً، وكان إماماً فى فنون كثيرة منها: التفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، وغير ذلك، توفى سنة ٣١٠هـ له ترجمة فى: تاريخ بغداد للخطيب البغدادى ٢/١٦٢ رقم ٥٨٩، وطبقات المفسرين للداودى ٢/١١٠ – ١١٨ رقم ٤٦٨، وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير ١/٢٢٢ رقم ٢٢.\r(٢) الآية ١٠١ آل عمران.\r(٣) جامع البيان عن تأويل آى القرآن ٤/٢٦.\r(٤) الآية ٤٣ هود.\r(٥) جامع البيان ٦/٣٠٩\r(٦) الآية ١٧ الأحزاب.\r(٧) جامع البيان ٢١/ ١٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555533,"book_id":1504,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":20,"body":".. فكلام هذا الإمام - رحمه الله تعالى - يدل على أن مادة (عصم) فى القرآن الكريم حيثما وردت بشتى تصريفاتها تدور على المنع والامتناع، وهو أصلها فى الوضع اللغوى. وقال ابن الأثير (١) : العصمة: المنعة، والعاصم: المانع الحامى، والاعتصام الامتساك بالشئ افتعال منه. ومنه شعر أبى طالب (٢) يمدح النبى ﷺ:\rوأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... *** ... ثمال (٣) اليتامى عصمة للأرامل\rأى يمنعهم من الضياع والحاجة (٤) .\r\rب- المعنى الشرعى:\r... عرَّف المتكلمون والمحدثون من أهل السنة العصمة فى الشرع بتعريفات بعضها يختلف عن بعض لفظاً إلا أن المعنى واحد، وقد يختلف بعضها لفظاً ومعنى، والاختلاف فى المعنى يعود إلى من سلب اختيار المعصوم فى أفعاله، ومن أوجبه.","footnotes":"(١) هو المبارك بن محمد الشيبانى الجزرى، يكنى أبا السعادات، ويلقب مجد الدين، ويعرف بابن الأثير وهو واحد من الأئمة الأعلام فى الحديث والفقه والنحو، قال ابن خلكان: كان فقيهاً محدثاً ورعاً مهيباً من مؤلفاته الغزيرة والنافعة النهاية فى غريب الحديث، وأسد الغابة وغير ذلك مات سنة ٦٠٦هـ له ترجمة فى: وفيات الأعيان ٣/٢٨٩ - ٢٩١، وشذرات الذهب ٥/٢٢ - ٢٣، وطبقات الفقهاء والشافعيين لابن كثير ٢/٧٧٦، ٧٧٧.\r(٢) هو عم رسول الله ﷺ واسمه عبد مناف. مات على دين قومه فى السنة العاشرة من البعثة، ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٣٠ نص رقم ٤١٦، والبداية والنهاية ٣/٢٤.\r(٣) الثمال بالكسر الملجأ والغياث. وقيل هو المطعم فى الشدة. النهاية فى غريب الحديث ١/٢١٦.\r(٤) النهاية فى غريب الحديث ٣/٢٢٥، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٣٥٢، ٣٥٣ نص رقم ٢٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555534,"book_id":1504,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":21,"body":".. وهذه التعريفات وإن اختلفت مناحيها فى التعبير، وتنوعت جوانب تناولها لمعنى عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنها جميعها تنتهى إلى حفظ الله تعالى إياهم من مواقعة الذنوب والمخالفات بعد البعثة باتفاق المحققين المحقين، وقبل البعثة على التحقيق.\r... ولعل من أحسن التعريفات للعصمة وأسلمها ما ذكره صاحب كتاب نسيم الرياض فى شرح الشفا للقاضى عياض بأنها: \"لطف من الله تعالى يحمل النبى على فعل الخير، ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقاً للابتلاء\" (١) ومن المستحسن فى تعريفها أيضاً من قال: \"هى حفظ الله ﷿ للأنبياء بواطنهم وظواهرهم من التلبس بمنهى عنه، ولو نهى كراهة ولو فى حال الصغر مع بقاء الاختيار تحقيقاً للابتلاء (٢) .\r... إن العصمة تعنى حفظ الله تعالى لأنبيائه عن مواقعة الذنوب الظاهرة والباطنة، وأن العناية الإلهية لم تنفك عنهم فى كل أطوار حياتهم قبل النبوة وبعدها، على ما هو المعتمد كما سيأتى تحقيقه، فهى محيطة بهم تحرسهم من الوقوع فى منهى عنه شرعاً أو عقلاً، وصدق القائل حين قال:\rوإذا العناية لاحظتك عيونها ... *** ... نم فالمخاوف كلهن أمان","footnotes":"(١) نسم الرياض فى شرح الشفا للقاضى عياض ٤/٣٩، وينظر: التعريفات للجرجانى ص١٥٠، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهانى ص٣٧٧، وفتح البارى ١١/ ٥١٠ رقم ٦٦١١، وشرح العقائد للسعد التفتازانى ١/٢٠٠، وشرح المواقف للجرجانى ٨/٢٨٠، ٢٨١، والمسامرة بشرح المسايرة لكمال بن الهمام ص٢٢٧، والنفحات الشذية فيما يتعلق بالعصمة والسنة النبوية لمحمد الطاهر الحامدى ص١٨ – ٢٠.\r(٢) شرح الخريدة مع حاشية الصاوى للدردير ص١٠٤ بتصرف، وينظر: إتحاف المريد شرح جوهرة التوحيد بهامش حاشية محمد الأمير على جوهرة التوحيد ص١١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555535,"book_id":1504,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":22,"body":"وهذا ما ظهر أثره فى الخارج، فقد كان أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام محفوظى الظواهر والبواطن من التلبس بمنهى عنه ولو نهى كراهة أو خلاف الأولى.\r... فهم محفوظون ظاهراً من الزنا وشرب الخمر والكذب والسرقة، وغير ذلك من المنهيات المستقبحات فى الخارج، ومحفوظون فى الباطن من الحسد والكبر والرياء وغير ذلك من منهيات الباطن (١) .\r... فلم تُعرف لهم زَلة، ولا سُجلت عليهم هفوة فى مجتمعاتهم المليئة بالشحناء والعداوة والبغضاء لهم، ولو أن أعدائهم علموا من ذلك شيئاً لطاروا به فرحاً، ليدفنوا ما زاع لهم من مكارم الأخلاق، وصالح القول والعمل، كشأن الغوغائيين الذين قال فيهم الشاعر:\rإن يسمعوا زلة طاروا بها فرحاً ... *** ... منى وما علموا من صالح دفنوا\rصُمُ إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... *** ... وإن ذكرت بسوء عندهم أُذن\rفقد كانوا فى غاية التربص لتصيد عثراتهم إن وجدوها، فلما أعياهم البحث والانتظار، ويئسوا من العثور على شئ من ذلك، طفقوا يفترون الكذب، ويقولون الزور، فيرمونهم بالسحر تارة، والكهانة أخرى، والجنون حيناً، والافتراء حيناً آخر، وغير ذلك بما طاب لهم التفوه به مما سجله عليهم القرآن الكريم، وحفظه التاريخ، ولكن سرعان ما كان يكذبهم الواقع، فتبور أقوالهم، وترجع عليهم بالخزى والعار، ويبقى جانب الأنبياء مصوناً بالعصمة الإلهية، والعناية الربانية، ليكونوا أطهاراً أتقياء قادة الخلق إلى مكارم الأخلاق.\rوما كان لهم بذلك من يد لولا العصمة الربانية التى أحاطت بهم قبل نبوتهم وبعدها فمنعتهم من الوقوع فيما لا يحمد مما يكون منفرداً للناس عن أتباعهم إلى ما يدعونهم إليهم من الدين والأخلاق الفاضلة (٢) .","footnotes":"(١) ينظر: إتحاف المريد بحاشية الأمير ص١١٤، وتحفة المريد على جوهرة التوحيد للباجورى ص٧٥.\r(٢) ينظر: أخلاق النبى ﷺ فى القرآن والسنة للدكتور أحمد الحداد ٢/٩٩٠، ٩٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555536,"book_id":1504,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":23,"body":"هذا وللعلماء كلام طويل، وتفصيل مستطيل حول العصمة التى رعى الله تعالى بها رسله أوجزها فى الآتى:\rج- مواضع العصمة:\rالعصمة التى أوجبها الله تعالى لرسله – عليهم الصلاة والسلام – تتعلق بالاعتقادات، والتبليغ، والأقوال والأفعال، وخُص نبينا ﷺ بعصمة بدنه الشريف من القتل.\rفقد عصم الله ﷿ أنبياءه ورسله من الوقوع فى محظور فى الأمور السابقة حتى أدوا رسالتهم ولحقوا ببارئهم ﷿.\rوعصمة الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – فى الأمور السابقة ثابتة لهم قبل النبوة وبعدها فى الكبائر والصغائر، عمدها وسرها على الأصح، فى ظاهرهم وباطنهم ورضاهم وغضبهم، وهو ما أَدين لله تعالى به، لأن حال الأنبياء قبل النبوة يؤثر على مستقبل دعوتهم بعد النبوة سلباً وإيجاباً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555537,"book_id":1504,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":24,"body":"وهذا هو الصحيح عندى ويطمئن إليه القلب، وتستريح إليه النفس وهو مذهب كثير من العلماء المحققين المحقين من أهل الكلام والحديث (١) .\rقال تعالى: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون﴾ (٢) .\rفهذه الآية الكريمة كانت جواباً من النبى ﷺ على ما طلبه مشركوا مكة من رسول الله ﷺ أن يأتيهم بقرآن غير الذى أتاهم به، لا يكون فيه عيب آلهتهم، أو يبدله من تلقاء نفسه على ذلك الشرط، ليقبلوا منه بعد ذلك دعوته للإسلام.","footnotes":"(١) منهم ابن حزم فى الفصل فى الملل والنحل ٢/٢٨٥، ٣٢١، والأيجى فى المواقف فى علم الكلام ص٣٥٨، ٣٥٩، والجرجانى فى شرح المواقف ٨/٢٨٨ – ٢٩٠، وسعد الدين التفتازانى فى شرح المقاصد ٢/١٤٢، ١٤٣، وفخر الدين الرازى فى المحصل ص٢١٩، ٢٢٠ والقاضى عبد الجبار المعتزلى فى شرح الأصول الخمسة ص٥٧٣، ٥٧٥، والشوكانى فى إرشاد الفحول ١/١٦١، وكثير من المحققين من أهل الحديث منهم القاضى عياض فى الشفا ٢/١٤٥، والقسطلانى فى المواهب اللدنية، والزرقانى فى شرحه على المواهب ٩/٥، ٧/١٤، والأُبى فى إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ١/٣١٥، وابن الوزير اليمانى فى الروض الباسم فى الذب عن سنة أبى القاسم ١/١١٨، وأبو نعيم الأصبهانى فى دلائل النبوة عقد فصلاً بعنوان \"ذكر ما خصه الله ﷿ به من العصمة وحماه من التدين بدين الجاهلية ١/١٨٥ – ٢١٢، وكذلك فعل البيهقى فى دلائل النبوة أيضاً فقد عقد عنواناً لهذا الموضوع فقال: \"باب ما جاء فى حفظ الله تعالى رسوله ﷺ فى شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعائبها... الخ ٢/٣٠ – ٤٢، ومثلهما السيوطى فى الخصائص الكبرى حيث قال: \"باب اختصاصه ﷺ بحفظ الله إياه فى شبابه عما كان عليه أهل الجاهلية\" ١/١٤٨ – ١٥٢.\r(٢) الآية ١٦ يونس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555538,"book_id":1504,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":25,"body":"قال تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون﴾ (١) .\rفكانت حجة رسول الله ﷺ عليهم، أنه عبد مأمور، ورسول مبلغ عن ربه ﷿ وليس إليه تبديل القرآن أو يتقوله من عنده ﴿قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ ثم قال محتجاً عليهم فى صحة ما جاءهم به \"قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به\" أى هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لى فى ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أنى لست أتقوله من عندى ولا افتريته؛ أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقى وأمانتى منذ نشأت بينكم إلى حين بعثنى الله عزوجل لا تنتقدون على شيئاً تُعيِّرونى به. ولهذا قال: ﴿فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون﴾ أى: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل.","footnotes":"(١) الآيتان ١٥، ١٦ يونس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555539,"book_id":1504,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":26,"body":"ولهذا لما سَأَل هرقل (١) ملك الروم أبا سفيان (٢) ومن معه، فيما سأله من صفة النبى ﷺ قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق:\rوالفضل ما شهدت به الأعداء\rفقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله!! (٣) .","footnotes":"(١) هو: ملك الروم، وهرقل اسمه، ولقبه قيصر. وكان له علم فى دين النصرانية وهو الذى أرسل إليه النبى ﷺ خطاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، فأراد أن يسلم ولكن الروم أبت عليه فضن بملكه فلم يسلم. ينظر: البداية والنهاية ٤/٢٦٧، وفتح البارى ١/٤٤ – ٥٩رقم ٧.\r(٢) هو: صخر بن حرب بن أمية، كان من أشراف قريش، أسلم ليلة الفتح، وشهد حنيناً، والطائف مع رسول الله ﷺ ففقئت عينه يومئذ، وفقئت الأخرى يوم اليرموك، وهو يقاتل تحت ابنه يزيد. يقاتل ويقول: \"يا نصر الله اقترب\" له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/١٤٤ رقم ٥٩٦٨، والاستيعاب ٤/١٦٧٧ رقم ٣٠٠٥، وتاريخ الصحابة ص١٣٦ رقم ٦٦٨.\r(٣) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منهما كتاب بدء الوحي ١/٤٢ – ٤٤ رقم٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبى ﷺ إلى هرقل ٦/٣٤٦ – ٣٤٨ رقم ١٧٧٣ من حديث ابن عباس رضى الله عنهما وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/١٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555540,"book_id":1504,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":27,"body":"وإذا كان الوحي الإلهى فى آية يونس السابقة يقدم حياة رسول الله ﷺ وسيرته الطاهرة قبل البعثة دليلاً على نبوته ﷺ (١) وهو ما استدل به هرقل على صدقه ﷺ فى نبوته، دل ذلك كله وأكد ما سبق ذكره أن حال الأنبياء قبل النبوة يؤثر على مستقبل دعوتهم بعد النبوة سلباً وإيجاباً.\rفكيف والحال هكذا يختلف فى العصمة لهم قبل النبوة؟!!\rقال سبحانه: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين﴾ (٢) .\rوقال تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ (٣) .\rوقال تعالى: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ (٤) .\rوقال ﷿: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد﴾ (٥) .\rففى هذه الآيات الكريمات كان التعبير فيها \"بصاحبكم\" تذكيراً بأن كفار مكة أعرف الناس به، فمحمد ﷺ لم يفارقهم، وهم لم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، وهذا يفيد أن كفار مكة فى اتهامهم لرسول الله ﷺ بالضلال والجنون، مكابرون، والدليل حاله قبل نبوته حيث صحبتهم له منذ نشأته بينهم، واعترافهم له بالأمانة والصدق ورجاحة العقل، والخلق القويم (٦) .","footnotes":"(١) ينظر: الرسالة المحمدية لسليمان الندوى ص٢٣، والمقدمة لابن خلدون ص١٠٣.\r(٢) الآية ١٨٤ الأعراف.\r(٣) الآية ٢ النجم.\r(٤) الآية ٢٢ التكوير.\r(٥) الآية ٤٦ سبأ.\r(٦) ينظر: محمد رسول الله ﷺ لمحمد صادق عرجون ١/٢٩١، ودلالة القرآن المبين على أن النبى ﷺ أفضل العالمين لعبد الله الغمارى ص١٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555541,"book_id":1504,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":28,"body":"وما كان كذلك إلا بعصمة الله ﷿ له قبل نبوته (١) تلك العصمة التى استدل رسول الله ﷺ بحاله فيها على نبوته لما أمر بالبلاغ فى قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (٢) .\r٦- فعن ابن عباس رضى الله عنهما (٣) قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: \"أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً!!، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد\".\r... وفى رواية قال لهم: \"أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقى؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً!!، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد\" (٤) .\r... فالشاهد من الحديث قوله ﷺ: \"أكنتم مصدقى؟ \" وقولهم جواباً: نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً: ما جربنا عليك كذباً!!.","footnotes":"(١) ينظر الأدلة على ذلك فى مبحث \"دلائل عصمته ﷺ فى عقله من خلال القرآن والسنة ص٤٧.\r(٢) الآية ٢١٤ الشعراء.\r(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٤٠ رقم ١٨، وتاريخ الصحابة ص١٤٨ رقم ٧١٧، وأسد الغابة ٣/٢٩١ رقم ٣٠٣٧، والإصابة ١/٣٢٢ رقم ٤٧٩٩.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب سورة المسد ٨/٦٠٩ رقم ٤٩٧١، وباب وأنذر عشيرتك الأقربين ٨/٣٦٠ رقم ٤٧٧٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب وأنذر عشيرتك الأقربين ٢/٨٣، ٨٤ رقم ٢٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555542,"book_id":1504,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":29,"body":".. حيث استدل رسول الله ﷺ بحاله قبل نبوته من صدقه، وعصمة الله ﷿ له من الكذب، استدل بذلك على صدقه فيما يخبرهم به بعد نبوته، فكانت منهم هذه الشهادة الجماعية بصدقه وانتفاء الكذب عنه لعلمه ﷺ بما قد سيقع من تكذيبهم له عند إخبارهم بأمر الرسالة وصدق رب العزة: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (١) .\r... وصفوة القول أنه يمتنع وقوع صورة المعصية من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل بعثتهم، لا لكونها معصية حقيقية تترتب عليها المؤاخذة والعقاب، بل لأن الله تعالى خلقهم مجبولين على مجانبتها والمنافرة لها، لما علمه جل شأنه من أنهم سيكونون مصابيح الظلام، وهداة الأنام، يخرجونهم من الظلمات إلى النور، ويرشدونهم إلى صراط العزيز الحميد. فلا تمر بهم طرفة عين إلا وهم مراقبون لحضرته، مشاهدون لعظمته كما تشهد بذلك سوابقهم الحميدة، وتواريخهم المجيدة.\r... وإذا اتضح هنا صحة ثبوت عصمة الله ﷿ للأنبياء وحفظ بواطنهم وظواهرهم من التلبس بمنهى عنه، ولو نهى كراهة قبل النبوة وبعدها، فإلى بيان أن تلك العصمة هى سبيل الإيمان بحجية كل ما يبلغه رسول الله ﷺ عن ربه من الوحي قرآناً وسنةً.","footnotes":"(١) الآية ٣٣ الأنعام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555543,"book_id":1504,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":30,"body":"ثانياً: العصمة سبيل حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة:\r... إن عصمة رسول الله ﷺ فى التبليغ لها دلالتها وأهميتها فى حجية كل ما يبلغ عن ربه ﷿ من الوحي سواء كان متلواً من القرآن الكريم، أو غير متلواً من السنة النبوية المطهرة، ومن هنا ترى علماء الأصول تناولوا العصمة فى مباحث السنة الشريفة، نظراً لشدة التصاقها بها، حيث تتوقف حجية السنة المطهرة، بل والقرآن الكريم أيضاً على عصمة رسول الله ﷺ (١) لأن القرآن الكريم والسنة الشريفة، كليهما دليل شرعى يجب العمل به، ولا شك أن وجوب العمل به ناتج عن وجوب طاعة الرسول ﷺ الذى صدر عنه ذلك الوحي بنوعيه (القرآن الكريم، والسنة النبوية) ووجوب طاعته ﷺ متوقف على صدقه، وعصمته ﷺ من الكذب (٢) وهذا ما أجمعت عليه الأمة، فقد أجمعوا على عصمته عن أى شئ يخل بالتبليغ، فلا يجوز عليه كتمان الرسالة، والكذب فى دعواها لا بالعمد ولا بالسهو، وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من الشرائع (٣) إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام والتبيين، وتصديق ما جاء به النبى ﷺ، وتجويز شئ من الكذب قادح فى ذلك، ومشكك فيه، ومناقض للمعجزة التى أيد الله ﷿ بها رسله تصديقاً له فى رسالته، وفى كل ما يبلغه عنه سبحانه، تلك المعجزة القائمة مقام قول الله ﷿: صدق رسولى فيما يذكر عنى،","footnotes":"(١) ينظر: الإحكام لابن حزم ١/١٢٤، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/٢٢٣، والبرهان للجوينى ١/١٨١، والإحكام للآمدى ١/١٥٦، والمحصول للرازى ١/٥٠١، والبحر المحيط للزركشى ٤/١٦٩، وإرشاد الفحول للشوكانى ١/١٥٩.\r(٢) دراسات أصولية فى السنة النبوية للدكتور محمد إبراهيم الحفناوى ص١٩ بتصرف.\r(٣) ينظر: الشفا للقاضى عياض ٢/١٤٤، وعصمة الأنبياء ص٧، والبحر المحيط للزركشى ٤/١٧٤، والإحكام لابن حزم ١/١٢٤، وحجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٩٧، ١٠٢،٢٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555544,"book_id":1504,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":31,"body":"وهو يقول: إنى رسول الله إليكم لأبلغكم ما أرسلت به إليكم، وأبين لكم ما نزل عليكم.\r... وذلك يستلزم أن كل خبر بلاغى عن رسول الله ﷺ صادق مطابق لما عند الله إجماعاً: فيجب التمسك به.\r... يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (١) فكلمة \"ينطق\" فى لسان العرب تشمل كل ما يخرج من الشفتين قولاً أو لفظاً (٢) أى ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله ﷿ (٣) .\r... ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ محصور فى كونه وحى لا يتكلم إلا به، وليس بغيره (٤) .\r... وفى هذا دليل واضح على عصمته ﷺ فى كل أمر بلغه عن ربه ﷿، فعن طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه (٥) قال: قال رسول الله ﷺ! \"إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله ﷿\" (٦) .","footnotes":"(١) الآيتان ٣،٤ النجم.\r(٢) ينظر: القاموس المحيط ٣/٢٧٧، ومختار الصحاح ص٦٦٦، ولسان العرب ١٠/٣٥٤.\r(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ١٧/٨٤، ٨٥.\r(٤) تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير للدكتور مروان شاهين ص٥٥.\r(٥) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٢٣٢ رقم ١٥٨٠، والاستيعاب ٢/٤٨٩ رقم ٧٢٦، وتاريخ الصحابة ص٩٧ رقم ٤١٩، وتجريد أسماء الصحابة ١/١٧٣، والإصابة ١/٤٩٥ رقم ٢٥٢٦\r(٦) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً، دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأى ٨/١٢٧ رقم ٢٣٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555545,"book_id":1504,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":32,"body":".. وتبليغ وحى الله ﷿ كما يكون بالخبر القولى يكون بالفعل والتقرير، وبالأمر والنهى، فإن ذلك كله نوع من البلاغ يستلزم مع حجية جميع أقواله، حجية جميع أفعاله وتقريراته، وأوامره ونواهيه.\r... فيثبت بذلك حجية قوله ﷺ فى حق القرآن: \"هذا كلام الله ﷿\" (١) وقوله فى الأحاديث القدسية: قال رب العزة كذا، أو نحو هذه العبارة. وقوله ﷺ: \"ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا كل ذى مخلب من الطير، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعاقبهم بمثل قراه\".","footnotes":"(١) ينظر: فى حجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٢٥٠ دفعه لافتراض أن القرآن كلام الله لا يثبت بذلك القول.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555546,"book_id":1504,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":33,"body":".. وفى رواية قال: \"ألا هل عيسى رجل يبلُغه الحديث عنى وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله ﷿\" (١) وقوله ﷺ بعد البيان القولى والعملى للصلاة: \"صلوا كما رأيتمونى أصلى\" (٢) وقوله ﷺ بعد البيان القولى والعملى للحج: \"لتأخذوا عنى مناسككم فإنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه\" (٣) وقوله ﷺ: \"ما نهيتكم عنه فاجتنوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم\" (٤) فهذه كلها أخبار معصوم عن","footnotes":"(١) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب السنة، باب لزوم السنة ٤/٢٠٠ رقم ٤٦٠٤، ٤٦٠٥ والترمذى فى سننه كتاب العلم، باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبى ﷺ ٥/٣٧ رقم ٢٦٦٤ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجه فى سننه المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله والتغليظ على من عارضه ١/٢٠ رقم ١٢، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بتقريب صحيح ابن حبان) باب الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها نقلاً وأمراً وزجراً ١/١٠٧ رقم ١٢، والحاكم فى المستدرك ١/١٩١ رقم ٣٧١، وسكت عنه الحاكم والذهبى؛ وصححه الشيخ أحمد شاكر فى هامش الرسالة للشافعى ص٩٠، ٩١.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة ١/١٣١، ١٣٢ رقم ٦٣١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة ٣/١٨٧ رقم ٦٧٤ من حديث مالك بن الحويرث رضى الله عنه.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب رمى حجرة العقبة يوم النحر راكباً ٥/٥٢ رقم ١٢٩٧ من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه.\r(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه ٨/١٢٠ رقم ١٣٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555547,"book_id":1504,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":34,"body":"الكذب أخذ منها العلماء أن الوحي على رسول الله ﷺ قسمان:\rالقسم الأول: الكتاب المعجز المتعبد بتلاوته.\rوالقسم الثانى: ما ليس بكتاب وهو قسمان:\rأ- حديث قدسى: وهو ما نزل لفظه (١) .\rب- وحديث نبوى: وهو ما نزل معناه، وعبر عنه النبى ﷺ بلفظ من عنده.\r... فأنت ترى من هذا كله أن عصمة رسول الله ﷺ من الكذب فى الخبر البلاغى لها دلالتها وأهميتها فى إثبات حجية القرآن الكريم، وجميع أنواع السنة على الوجه المتقدم (٢) .","footnotes":"(١) اختلف العلماء فى ذلك اللفظ، هل هو من عند الله ﷿، أو هو من عند رسول الله ﷺ مع اتفاقهم على أن معناه من عند الله ﷿، والقول القائل بأن لفظ الحديث القدسى من عند= =رسول الله ﷺ هو أظهر القولين عندى، لأنه لو كان منزلاً بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية فى نظر الشرع ما للنظم القرآنى، إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين منزلين من عند الله، فكان من لوازم ذلك وجوب المحافظة على نصوصه، وعدم جواز روايته بالمعنى إجماعاً، وحرمة مس المحدث لصحيفته، ولا قائل بذلك كله. ينظر: النبأ العظيم للدكتور محمد دراز ص١١.\r(٢) حجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٩٦، ٢٧٩ - ٢٨٢ بتصرف وتقديم وتأخير. وينظر: مبحث دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي كما يصورها القرآن الكريم، والسنة النبوية ص٢٦٠ - ٢٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555548,"book_id":1504,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":35,"body":"ثالثاً: العصمة سبيل الاقتداء بالنبى ﷺ:\r... إذا كانت العصمة فى التبليغ للنبى ﷺ لها دلالتها على حجية كل ما يبلغ من الوحي سواء كان متلواً من القرآن الكريم، أو غير متلواً من السنة المطهرة، فالعصمة لرسول الله ﷺ فى أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وأوامره ونواهيه، مما هو ليس من باب البلاغ، مما كان فى أمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة، لها أيضاً دلالتها على الاقتداء به ﷺ ٠\r... ومن هنا جرت عادة علماء الأصول قبل كلامهم عن أفعاله ﷺ أن يقدموا عليها الكلام على العصمة؛ لأجل أنه ينبنى عليها وجوب التأسى بأفعاله ﷺ (١) .\r... وعصمة رسول الله ﷺ من الكبائر والصغائر فى أقواله وأفعاله مما ليس سبيله البلاغ دل عليها القرآن الكريم، والسيرة العطرة، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة.\rأ- ففى القرآن الكريم تجد شهادة رب العزة لأنبيائه ورسله - عليهم الصلاة والسلام بعصمتهم من الصغائر فى سلوكهم.\r١- قال تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (٢) فما كان ﷿ أن يحث نبيه\rﷺ على الاقتداء والأسوة بأنبيائه ورسله إلا وهم معصومون من الصغائر.","footnotes":"(١) ينظر: الإحكام للآمدى ١/١٥٦، والبرهان للجوينى ١/١٨١، والمستصفى للغزالى ٢/٢١٢، والمحصول فى علم اٍلأصول للرازى ١/٥٠١، والمعتمد فى أصول الفقه ١/٣٤٢، والبحر المحيط ٤/١٦٩، وإرشاد الفحول ١/١٥٩، وأفعال النبى ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية للدكتور عمر سليمان الأشقر ١/١٣٩ - ١٤٠.\r(٢) الآية ٩٠ الأنعام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555549,"book_id":1504,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":36,"body":"٢- وقال سبحانه: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (١) ففى تلك الآية الكريمة جعل المولى ﷿ التأسى بنبيه ﷺ من لوازم رجائه تعالى واليوم الآخر، وما كان سبحانه يجعل الاقتداء بنبيه ﷺ من لوازم رجاءه تعالى واليوم الآخر، إلا وهو ﷺ معصوم فى سلوكه من الصغائر.\r٣- وقال ﷿: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾ (٢) .\r٤- وقال سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٣) فقوله: \"فاتبعونى\"، \"واتبعوه\" أى اسلكوا مسلكه، واحذوا حذره ﷺ فى جميع أموره من قول وفعل.\rووجه الاستدلال فى الآيتين أنه تعالى جعل الاقتداء والمتابعة لرسوله ﷺ لازمة من محبته ﷿ الواجبة، ولازمة للهداية والفلاح فى الدنيا والآخرة. وما تلك الملازمة وسابقتها إلا شهادة من رب العزة لرسوله ﷺ على عصمته من الصغائر فى كل أقواله وأفعاله.","footnotes":"(١) الآية ٢١ الأحزاب.\r(٢) الآية ٣١ آل عمران.\r(٣) الآية ١٥٨ الأعراف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555550,"book_id":1504,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":37,"body":"ب- أما السيرة العطرة: فتشهد أيضاً بعصمته ﷺ من الصغائر فى أحواله كلها حيث لم يعلم عنه ﷺ الوقوع فى صغيرة ولا الدنو من شئ منها، مع أن سبل النقل عنه ﷺ أحصت كل حركة من حركاته، وكل قول من أقواله، فما ترك الصحابة رضى الله عنهم فعلاً من أفعاله، ولا قولاً من أقوله، دق أو جلَّ إلا نقلوه إلينا عنه، حتى أنهم وصفوا يقظته، ونومه، كما وصفوا حديثه وصمته، وقيامه وجلوسه، وسيره وركوبه وترجله وجميع شمائله، إلى غير ذلك مما هو مدون فى كتب الحديث والمشائل والمغازى والسير، لأنهم كانوا يرون ذلك تبليغاً عنه، وقد أمرهم ﷺ بالتبليغ عنه بقوله ﷺ فى حجة الوداع: \"ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه\" (١) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض ٦/١٨٢ رقم ١٦٧٩، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التوحيد، باب قال الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ ١٣/٤٣٣ رقم ٧٤٤٧ من حديث أبى بكرة رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555551,"book_id":1504,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":38,"body":".. وقولهم ﷺ: \"نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً؛ فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه\" (١) فلو رأى الصحابة – رضى الله عنهم – أو سمعوا منه شيئاً مما أجازه عليه بعض أهل العلم من قربه الصغائر – وحاشاه من ذلك – لما فاتهم نقل ذلك عنه ضمن ما نقلوه من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.\r... ولكنهم رضى الله عنهم لم ينقلوا عنه شيئاً من ذلك – فيما علمنا – ولو رأوا منه شيئاً من ذلك أو علموه عنه لنقلوه إلينا، وعُلم عنهم لتوافر دواعى النقل عنه.","footnotes":"(١) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب العلم، باب فضل نشر العلم ٣/٣٢٢ رقم ٣٦٦٠، والترمذى فى سننه كتاب العلم، باب ما جاء فى الحث على تبليغ السماع ٥/٣٣ رقم ٢٦٥٦ وقال حديث حسن، وابن ماجه فى سننه المقدمة، باب من بلغ علماً ١/٨٤ رقم ٢٣٠ من حديث زيد بن ثابت رضى الله عنه، وللحديث شاهد من حديث ابن مسعود رضى الله عنه أخرجه ابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) كتاب العلم، باب دعاء المصطفى ﷺ لمن أدى من أمته حديثاً سمعه ١/٢٦٨ رقم ٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555552,"book_id":1504,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":39,"body":".. فالقول بعصمة رسول الله ﷺ من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، سرها، وجهرها، عمدها وسهوها هو ما أَدين لله تعالى به؛ فقد كانت أقواله وأفعاله ﷺ وأحواله كلها تشريعاً تقتضى المتابعة والاقتداء، إلا ما ورد الدليل فيها على أنه من خصائصه ﷺ (١) أو ما ورد الدليل فيه أنه ليس من جنس ما يشرع لهم التأسى به فيه إلا عند وجود السبب (٢) .","footnotes":"(١) نحو نكاحه أكثر من أربع، وكالوصال فى الصوم، وأن ماله بعده صدقة لا ميراث، ونحو ذلك من خصائصه ﷺ الكثيرة. إن شئت فانظرها فى الخصائص الكبرى للسيوطى والمواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٧/١٤٠ – ١٨٥.\r(٢) نحو ما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياماً، فخرج إلينا رسول الله ﷺ، فلما قام فى مصلاة ذكر أنه جنب، فقال لنا: \"مكناكم\" ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه\". فالصحابة رضى الله عنهم فى هذا الموقف لم ينصرف واحد منهم يفعل فعل النبى ﷺ، لعملهم أن هذا ليس من جنس ما يشرع لهم التأسى به فيه، إلا عند وجوب السبب أهـ ينظر: المحقق من علم الأصول لأبى شامة ص٩٩، ١٠٠، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الغسل، باب إذا ذكر فى المسجد أنه جنب خرج ١/٤٥٦ رقم ٢٧٥،ومسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة ٣/١١٠ رقم ١١٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555553,"book_id":1504,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":40,"body":".. ولا يكون لأقواله وأفعاله ﷺ ذلك الوصف التشريعى إلا بالقول بوجوب العصمة لرسول الله ﷺ من الصغائر خلافاً لمن أجازها من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين (١) تمسكاً منهم بظواهر من القرآن الكريم، وبعض الأحاديث الصحاح التى ذكر فيها ما يشعر بوقوع الخطيئة من بعضهم، وسيأتى الجواب عن ذلك تفصيلاً (٢) ويكفى فى الرد عليهم هنا إجمالاً ما سبق من شهادة القرآن الكريم والسيرة العطرة على عصمته ﷺ من الصغائر، فضلاً عن إجماع الأمة.\rج- إجماع الأمة على عصمته ﷺ من الصغائر:","footnotes":"(١) ينظر: جامع أحكام القرآن للقرطبى١/٣٠٨، والمنهاج شرح مسلم للنووى ٣/٧٢، ٧٣ رقم ٥٧٤.\r(٢) ص ١١١ – ١٨١، ١٨٢ – ٢٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555554,"book_id":1504,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":41,"body":".. حكى القاضى عياض (١) اتفاق السلف وإجماعهم على أنه لا يصدر عنه ﷺ خبر بخلاف إخباره عنه فقال: \"أما ما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التى لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحى، بل فى أمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة؛ فالذى يجب تنزيه النبى ﷺ عن أن يقع خبره فى شئ من ذلك بخلاف مخبره لا عمداً، ولا سهواً، ولا غلطاً، وأنه معصوم من ذلك فى حال رضاه، وفى حال سخطه، وجده مزحه، وصحته ومرضه، ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه، وذلك أنى نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها، ولا إستثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا\" (٢) .","footnotes":"(١) هو: أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبى، البستى المالكى، إمام حافظ، متمكن فى علم الحديث والأصول، والفقه، والعربية، له مصنفات عدة منها: طبقات المالكية، وشرح مسلم، ومن أجلها الشفا فى حقوق المصطفى ﷺ، مات سنة ٥٤٤هـ، له ترجمة فى: تهذيب الأسماء واللغات للنووى ٢/٤٣، وتذكرة الحفاظ للذهبى ٤/١٣٠٤ رقم ١٠٨٣، وطبقات المفسرين للداودى ٢/٢١ رقم ٣٩٨ والديباج المذهب لابن فرحون المالكى ص٢٧٠ رقم ٣٥١.\r(٢) الشفا ٢/١٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555555,"book_id":1504,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":42,"body":".. واستدل على ذلك بما جرى لسيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه (١) مع ابن أبى الحقيق اليهودى حين إجلاهم من خيبر، حيث احتج عليه عمر رضى الله عنه بقوله ﷺ: \"كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك (٢) ليلة بعد ليلة؟ ! \" فقال اليهودى: كانت هزيلة (٣) من أبى القاسم ﷺ فقال له عمر: كذبت يا عدو الله! فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك\" (٤) .\r... قال القاضى: \"وأيضاً فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرد فى شئ منها استدراكه ﷺ لغلط فى قول قاله، أو اعترافه بوهم فى شئ أخبر به.","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/١٣٧ رقم ٣٨٣٠ والاستيعاب ٣/١١٤٤ رقم ١٨٧٨، وتاريخ الصحابة ص٢٣ رقم ٢، ومشاهير علماء الأمصار ص١٠ رقم٣، والإصابة ٢/٤٥٦ رقم ٥١٩٥.\r(٢) القلوص: بفتح القاف، والصاد المهملة: هى الناقة الصابرة على السير، وقيل الشابة، وقيل أول ما يركب من إناث الإبل، وقيل الطويلة القوائم. ينظر القاموس المحيط ٢/٢١٣، ومختار الصحاح ص٥٤٨؛ والحديث أشار به رسول الله ﷺ إلى إخراجهم من خيبر، وكان ذلك من إخباره بالمغيبات قبل وقوعها.\r(٣) تصغير هزلة، وهى المرة الواحدة من الهزل ضد الجد. القاموس المحيط ٤/٦٨، ومختار الصحاح ص٦٩٥.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب إذا اشترط فى المزارعة إذا شئت أخرجتك ٥/٣٨٥ رقم ٢٧٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555556,"book_id":1504,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":43,"body":".. قال: ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته ﷺ عما أشار به على الأنصار فى تلقيح النخل (١) وكان ذلك رأياً لا خبراً\" يعنى فلا يدخله الصدق والكذب إلى أن قال: \"فانقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء خلف فى قول أو فعل فى وجه من الوجوه لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا تسامح فى تجويز ذلك عليهم حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ\" (٢) .\r... قلت وما قاله القاضى عياض هو الذى أَدين لله تعالى به فى أحوال رسول الله ﷺ كلها؛ فقد كانت جميع أقواله وأفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة تشريعاً تقتضى المتابعة والاقتداء، وعلى ذلك سلفنا الصالح من الإيمان بعصمته فى أحواله كلها، ولهذا كانوا يسارعون إلى التأسى به. والأمثلة على ذلك كثيرة ومعلومة منها ما يلى:\r١- حرصهم على مضاهاته ﷺ فى العبادة، كما فى قصة وصاله ﷺ ورغبة بعض الصحابة\rالوصال نحوه، على ما بين وصاله ﷺ، ووصالهم من الفرق؛ حيث إنه ﷺ إذا واصل يطعمه ربه ويسقيه بخلافهم، ومع ذلك فحرصوا على التأسى به فيه.","footnotes":"(١) يشير إلى ما أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله النبى ﷺ شرعاً دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأى ٨/١٢٨ رقم ٢٣٦٣ من حديث أنس وعائشة رضى الله عنهما أن النبى ﷺ مر بقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصاً – يعنى تمراً رديئاً – فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ فقالوا: قلت: كذا وكذا، فقال: \"أنتم أعلم بأمور دنياكم\" وسيأتى مزيد من بيان المراد بهذا الحديث فى شبهة أن اجتهاده ﷺ يؤيد أن السنة النبوية ليست كلها وحى ص٤١٢.\r(٢) الشفا ٢/١٣٦ بتصرف يسير، وينظر: المنهاج شرح مسلم ٣/٧٣ رقم ٥٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555557,"book_id":1504,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":44,"body":"فعن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنهما (١) قالت: \"نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. قال: إنى لست كهيئتكم، إنى يطعمنى ربى ويسقينى\" (٢) .\r٢- ومنها قصة اتخاذه ﷺ خاتماً من ذهب حيث اتخذ الناس خواتيم كذلك، فطرحه النبى ﷺ، فطرح الناس خواتيمهم.\rفعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما (٣) قال: \"اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال النبى ﷺ: \"إنى اتخذت خاتماً من ذهب، فنبذه، وقال: \"إنى لن ألبسه أبداً\" فنبذ الناس خواتيمهم\" (٤) .","footnotes":"(١) لها ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٢٧ رقم ١٢، وتاريخ الصحابة ص٢٠١ رقم ١٠٧٢، وأسد الغابة ٧/١٨٦ رقم ٧٠٩٣، والاستيعاب ٤/١٨٨١ رقم ٣٤٧٦، والإصابة ٨/١٦ رقم ١١٤٦١.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصوم، باب الوصال ٤/٢٣٨ رقم ١٩٦٤، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب النهى عن الوصال فى الصوم ٤/٢٢٩ رقم ١١٠٥.\r(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٣٣٦ رقم ٣٠٨٢، والاستيعاب ٣/٣٤٠ رقم ١٦٣٠، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٣ رقم ٥٥، والإصابة ٢/٣٤٧ رقم ٤٨٥٢.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بأفعال النبى ﷺ ١٣/٢٨٨ رقم ٧٢٩٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب اللباس والزينة، باب تحريم الذهب على الرجال ٧/٣١٥ رقم ٢٠٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555558,"book_id":1504,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":45,"body":"٣- وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه (١) قال: \"بينما رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قال: \"ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ \" قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال: ﷺ إن جبريل ﵇ أتانى فأخبرنى أن فيهما قذراً، وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر: فإن رأى فى نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما\" (٢) ويلاحظ هنا فى الحديث مسارعة صحابة رسول الله ﷺ إلى متابعته ﷺ فى خلع نعليه، وهو فعل من أفعال العادة، وفى ذلك أقوى دليل على فهمهم واعتقادهم بعصمة رسول الله ﷺ من الصغائر حتى فى أفعاله الجبلية.","footnotes":"(١) هو سعد بن مالك، صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٤٤ رقم ٢٢، ومشاهير علماء الأمصار ص١٧ رقم ٢٦، وأسد الغابة ٢/٤٥١ رقم ٢٠٣٦، والاستيعاب ٢/١٦٧١ رقم ٩٥٨.\r(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الصلاة، باب الصلاة فى النعل ١/١٧٥ رقمى ٦٥٠، ٦٥١، والدارمى فى سننه كتاب الصلاة، باب الصلاة فى النعلين ١/٣٧٠ رقم ١٣٧٨، وفيه عمرو بن عيسى أبو نعامة – صدوق – كما قال الحافظ فى التقريب ١/٧٤٢ رقم ٥١٠٥ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555559,"book_id":1504,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":46,"body":"٤- ولقد كان من كمال تأسى الصحابة رضى الله عنهم برسول الله ﷺ واعتقادهم بعصمته ﷺ من الصغائر فى كل أحواله، شدة حرصهم على تأسهم به ﷺ حتى فى أمور بيته، وذلك كاختلافهم فى جواز القبلة للصائم (١) ، وفى طلوع الفجر على الجنب وهو صائم (٢) فسألوا أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فأخبرتهم أن ذلك وقع من النبى ﷺ فرجعوا إلى ذلك، وعلموا أنه لا حرج على فاعله لعصمته.\r٥- وعن أبى بكر الصديق رضى الله عنه (٣) قال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ كان يعمل به إلا عملت به، فإنى أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ\" (٤) .","footnotes":"(١) روى فى الصحيح أن عائشة رضى الله عنها سُألت عن قبلة الصائم، فقالت: \"كان النبى ﷺ يقبل، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصوم، باب المباشرة للصائم ٤/١٧٦ رقم ١٩٢٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة فى الصوم ليست محرمة ٤/٢٣٠ رقم ١١٠٦.\r(٢) روى أن مروان بن الحكم أرسل إلى عائشة، وأم سلمة رضى الله عنهما، ليسألنهما عن ذلك، فأخبرتاه أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصيام، باب الصائم يصبح جنباً ٤/١٦٩، ١٧٠ رقمى ١٩٢٥، ١٩٢٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ٤/٢٣٦ رقم ١١٠٩.\r(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب ٣/٩٦٣ رقم ١٦٣٣، وأسد الغابة ٣/٣١٠ رقم ٣٠٦٦، وتذكرة الحفاظ ٢/١ رقم ١، ومشاهير علماء الأمصار ص١٠ رقم ٢، والإصابة ٢/٣٤١ رقم ٤٨٣٥.\r(٤) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس ٦/٢٢٧ رقم ٣٠٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555560,"book_id":1504,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":47,"body":"٦- ولما وقف عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمام الحجر الأسود يقبله خاطبه بقوله: \"لولا أنى رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك\" (١) .\r٧- وجاء رجل يجادل ابن عمر فى شأن تقبيل الحجر من أجل الزحمة قائلاً له: أرأيت إن\rزحمت، أرأيت إن غلبت؟ فقال له ابن عمر \"اجعل \"أرأيت\" باليمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله\" (٢) .\r٨- ولقد بلغ من كمال امتثال ابن عمر رضى الله عنه لهدى رسول الله ﷺ أنه كان يتأسى به حتى فى حركاته وسكناته العادية التى هى من أفعال الجبلية، حيث كان يتبع آثار رسول الله ﷺ فى كل مكان حتى أنه كان يأتى شجرة بين مكة والمدينة فَيُقِيل تحتها، ويخبر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٣) .\r٩- ولما حج فأفاض وانتهى إلى المضيق دون المأزمين، أناخ، وذكر أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذلك المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضى حاجته (٤) .\r١٠- وكان مرة فى سفر فمر بمكان فحاد عنه، فسئل: لما فعلت ذلك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا ففعلت (٥) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب تقبيل الحجر ٣/٥٥٥ رقم ١٦١٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود ٥/٢٠ رقم ١٢٧٠.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى نفس أماكن الحديث السابق برقم ١٦١١.\r(٣) أخرجه البزار فى مسنده بإسناد رجاله ثقات، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٧٥.\r(٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٢/١٣١، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٧٤، ١٧٥.\r(٥) أخرجه أحمد فى مسنده ٢/٣٢، والبزار فى مسنده (كشف الأستار) كتاب العلم، باب اتباع رسول الله ﷺ ١/٨١ رقم ١٢٨، ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555561,"book_id":1504,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":48,"body":"وكل ذلك له دلالته على عصمته ﷺ من الصغائر، ومن ثمَّ فالعصمة سبيل الاقتداء برسول الله ﷺ ٠\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555562,"book_id":1504,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":49,"body":"المبحث الثانى: أهمية السيرة النبوية فى فهم الإسلام\rقرآناً وسنةً وحضارةً\r... وينقسم إلى ما يلى:\rأولاً: أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم.\rثانياً: أهمية السيرة الشريفة فى فهم السنة النبوية.\rثالثاً: أهمية السيرة النبوية فى إثبات أن للمسلمين تاريخاً وحضارةً.\r\rأولاً: أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم:\r... إن فى دراسة السيرة النبوية الشريفة ما يعين كل مسلم على فهم قوى ودقيق لكتاب الله ﷿، إذ أن كثيراً من آيات القرآن الكريم إنما تفسرها وتجليها الأحداث التى مرت برسول الله ﷺ، ومواقفه منها فهناك من الآيات القرآنية ما نزلت إثر حوادث طرأت أو مشاكل وقعت أو أسئلة وجهت إلى النبى ﷺ، فجاءت هذه الآيات تحمل الحل أو تبين الحكم، أو تجيب على الأسئلة.\r... ومما لا يخفى مدى أهمية الوقوف على هذه الأسباب فى التعرف على المعنى الأصوب والأدق للآية، هذا إن لم يتوقف فهم مثل هذه الآيات على معرفة أسبابها، الأمر الذى يترتب على غياب هذه المعرفة وقوع فى الإشكال والتعارض مع غيرها، وقد حصل هذا بالفعل مع بعض الصحابة والتابعين وسواهم كثيراً ممن جاء بعدهم، ومن أمثلة ذلك ما يلى:\rما أشكل على عروة بن الزبير رضى الله عنه (١) أن يفهم فرضية السعى بين الصفا والمروة مع قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (٢) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة: فى تاريخ الصحابة ص١٥٤ رقم ٧٣٨، وأسد الغابة ٣/٢٣٥ رقم ٢٩٤٣، والاستيعاب ٣/٨٩٨ رقم ١٥٣٠، والإصابة ٢/٣٠٦ رقم ٤٦٩٤.\r(٢) الآية ١٥٨ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555563,"book_id":1504,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":50,"body":"ففى الصحيح عن عروة قال: سألت عائشة رضى الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ قال: فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئسما قلت يا ابن أختى؛ إن هذه الآية لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه ألا يتطوف بهما. ولكنها أنزلت فى الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون (١) لمناة الطاغية (٢) التى كانوا يعبدونها عند المُشَلَّل (٣) فكان من أَهلَّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله ﷿: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ قالت عائشة: \"وقد سن (٤) رسول الله ﷺ الطواف بينهما؛ فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما\" (٥) .","footnotes":"(١) أى يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الحج. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٥/٢٣٤.\r(٢) اسم صنم، كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، ينظر: المصدر السابق ٤/٣١٣.\r(٣) بضم الميم، وفتح الشين، وتشديد اللام الأولى، وفتحها، موضع بين مكة والمدين٧ة. ينظر: المصدر نفسه ٤/٢٨٥.\r(٤) أى فرض ﷺ بالسنة، وليس مرادها نفى فرضيتها، ويؤيده قولها: \"ما أتم الله حج امرئ، ولا عمرته، لم يطوف بين الصفا والمروة\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب ما يفعل بالعمرة، ما يفعل بالحج ٣/٧١٩ رقم ١٧٩٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به ٥/٢٥ رقم ١٢٧٧.\r(٥) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة، وجُعِلَ من شعائر الله ٣/٥٨١ رقم ١٦٤٣، ومسلم فى الأماكن السابقة نفسها فى الحديث السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555564,"book_id":1504,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":51,"body":"وهذه الرواية – كما ترى – تدل على أن عروة مع جلالة قدره وفهمه، فهم من جملة ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ أن الجناح منفى أيضاً عن عدم الطواف بهما، وعلى ذلك تنتفى الفريضة، وكأنه اعتمد فى فهمه هذا على أن نفى الجناح، أكثر ما يستعمل فى الأمر المباح.\rأما عائشة رضى الله عنها فقد فهمت أن فريضة السعى بين الصفا والمروة، مستفادة من السنة المطهرة، ومن سيرته ﷺ العملية، وأن جملة: ﴿فلا جناح عليه ألا يطوف بهما﴾ لا تنافى تلك الفريضة كما فهم عروة، إنما الذى ينفيها أن يقال: \"فلا جناح عليه ألا يتطوف بهما\".\rوإنما توجه نفى الحرج فى الآية عن الطواف بين الصفا والمروة، لأن هذا الحرج هو الذى كان وافراً فى أذهان الأنصار، كما يدل عليه سبب نزول الآية الذى ذكرته السيدة عائشة رضى الله عنها، فتدبر (١) .","footnotes":"(١) مناهل العرفان فى علوم القرآن للشيخ الزرقانى ١/١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555565,"book_id":1504,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":52,"body":"ومن ذلك أيضاً ما تأوله قدامه بن مظعون رضى الله عنه (١) وأشكل عليه أنه لا حرج على كل من آمن واتقى وأحسن إذا ما شرب الخمر، وكان والى عمر بن الخطاب على البحرين، وبعد أن استقدمه عمر رضى الله عنه ليقيم عليه الحد لسكره، قال له: يا قدامه إنى جالدك، فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان الأمر كما يقولون ما كان لك أن تجلدنى. فقال: لم؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾ (٢) فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله ﷺ بدراً وأحداً والخندق والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أنزلت عذراً للماضين، وحجة على الباقين، لأن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ (٣) قال عمر: صدقت (٤) .","footnotes":"(١) هو: قدامه بن مظعون القرشى، أخو عثمان بن مظعون، وخال حفصة، وعبد الله، ابنى عمر بن الخطاب، وهو من السابقين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ مات سنة ٣٦هـ له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/٣٧٥ رقم ٤٢٨٣، والاستيعاب ٣/١٢٧٧ رقم ٢١٠٨، والإصابة ٣/٢٢٨ رقم ٧٠٨٨.\r(٢) الآية ٩٣ المائدة.\r(٣) الآية ٩٠ المائدة.\r(٤) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤/٤١٧ رقم ٨١٣٢ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه ٩/٢٤٠ رقم ١٧٠٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555566,"book_id":1504,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":53,"body":"ويلاحظ هنا أن الوقوف على سبب النزول هو الذى جلى الموقف لابن عباس، ورفع الإشكال عنها، وسبب نزولها على ما روى عن البراء بن عازب رضى الله عنه (١) أنه قال: \"مات رجل من أصحاب النبى ﷺ قبل أن تحرم الخمر، فلما حرمت الخمر، قال رجال كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿ليس على الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾ (٢) فالآية ترفع الجناح عمن شربها قبل التحريم. فلا إشكال ولا تعارض.\rمن أجل ذلك فقد أكد العلماء على الأهمية البالغة لسبب النزول وأنه طريق قوى فى فهم معانى القرآن الكريم (٣) .\rوإذا رجعت إلى السيرة النبوية لتفهم منها التجسيد الحى للقضية الأولى التى ابتدأ بها أمر الدين، وهى الوحي الإلهى، لرأيت أن السيرة العطرة كانت أقرب وأقوى فى تفسير آيات الوحي من بعض التفاسير التى اتخذت الجانب اللغوى، أو التصوير البيانى، أو التأويل التكليفى.\rقال تعالى: ﴿إن سنلقى عليك قولاً ثقيلاً﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾ (٥) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٥٥ رقم ٢٧٢، والرياض المستطابة ص٣٧، وتاريخ الصحابة ص٤٢ رقم ١٠٣، وأسد الغابة ١/٣٦٢ رقم ٣٨٩.\r(٢) الآية ٩٣ المائدة، والحديث أخرجه الترمذى فى سننه كتاب تفسير القرآن، باب سورة المائدة ٥/٢٣٧ رقم ٣٠٥٠ وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده ١/٩٧ رقم ٧١٥، وللحديث شاهد من رواية ابن عباس فى سنن الترمذى فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٠٥٢ وقال: حديث حسن صحيح.\r(٣) ينظر: التفسير والمفسرون للدكتور محمد الذهبى ١/٥٨، ومناهل العرفان فى علوم القرآن ١/١١٠.\r(٤) الآية ٥ المزمل.\r(٥) الآية ٢١ الحشر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555567,"book_id":1504,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":54,"body":"فإن الذى يخلو ذهنه من السيرة النبوية التى تصور الواقع الذى عاشه رسول الله ﷺ فى التنزيل القرآنى لا يستطيع أن يتصور واقع ما تشير إليه تلك الآيات وغيرها المتكلمة عن الوحي وما فيه، وما يتطلبه تصور ذلك من صفاء وطهر واستعداد وأهلية تجعله على مستوى ما لدى هذه الآيات ليتفاعل معها، وتتفاعل معه فى إطار ما تضمنته من هبات ربانية.\rومما روته كتب السنة النبوية كاشفة عن أحواله ﷺ فى التنزيل القرآنى ما يلى:\rعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: \"كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة\" (١) .\rوعن عبادة بن الصامت رضى الله عنه (٢) قال: \"كان نبى الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي كُرِبَ لذلك وَتَرَبَّدَ له وَجْهُهُ...\" (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٣٩ رقم ٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصلاة، باب الاستماع للقراءة ٢/٤٠٢ رقم ٤٤٨.\r(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص١٩٠ رقم ١٠٠٤، والرياض المستطابة ص٢٠٧، وأسد الغابة ٣/١٥٨ رقم ٢٧٩١، والاستيعاب ٢/٨٠٧ رقم ١٣٧٢.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب عرق النبى ﷺ فى البرد، وحين يأتيه الوحي ٨/٩٧ رقم ٢٣٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555568,"book_id":1504,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":55,"body":"وعن يعلى بن أمية رضى الله عنه (١) قال: \"وددت أنى قد رأيت رسول الله ﷺ وقد أنزل عليه الوحي؟ فقال عمر: تعال أيسرك أن تنظر إلى النبى ﷺ وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قلت: نعم. فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط (٢) وأحسبه قال: كغطيط البكر...\" (٣) .\rوعن عائشة رضى الله عنها قالت: \"ولقد رأيته \"أى النبى ﷺ\" ينزل عليه الوحي فى اليوم الشديد البرد، فيفصم \"أى يقلع\" عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً\" (٤) .\rوفى رواية عنها قالت: \"إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها\" (٥) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٤٠ رقم ١٦٧، والاستيعاب ٤/١٥٨٥ رقم ٢٨١٥، وأسد الغابة ٥/٤٨٦ رقم ٥٦٤٧، والإصابة ٣/٦٦٨.\r(٢) هو الصوت الذى يخرج مع نفس النائم، وهو ترديده حيث لا يجد مساغاً. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٣٣٥.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب ما يفعل بالعمرة ٣/٧١٨ رقم ١٧٨٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب ما يباح للحرم بحج أو عمرة ٤/٣٣٢ رقم ١١٨٠.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٢٥، ٢٦ رقم ٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب عرق النبى ﷺ فى البرد، وحين يأتيه الوحي ٨/٩٧ رقم ٢٣٣٣.\r(٥) أى تبرك وتلصق عنقها بالأرض. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/٢٥٥، والحديث رواه أحمد فى مسنده ٦/١١٨، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555569,"book_id":1504,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":56,"body":"وعن زيد بن ثابت رضى الله عنه (١) قال: \"كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه أخذته بُرَحاء (٢) شديدة، وعرق عرقاً شديداً مثل الجُمان (٣) ثم سرى عنه. وكنت أكتب وهو يملى على، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشى على رجلى أبداً\" (٤) .\rوعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: \"كان النبى ﷺ إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوى (٥) النحل، فأنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة فسرى عنه فاستقبل القبلة، ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا\" (٦) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص١٦ رقم ٢٢، وتجريد أسماء الصحابة ٦/١٩٧، والرياض المستطابة ص٨٤، وأسد الغابة ٢/٣٤٦ رقم ١٨٢٤.\r(٢) بضم الباء، وفتح الراء، شدة أذى الحمى وغيرها. ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٤٢٨، والنهاية ١/١١٣.\r(٣) بضم الجيم وهو اللؤلؤ الصغار، وقيل: خرز يتخذ من الفضة مثل اللؤلؤ. النهاية ١/٢٩١.\r(٤) أخرجه الطبرانى بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات عما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٧.\r(٥) صوت ليس بالعالى، كصوت النحل ونحوه. النهاية فى غريب الحديث ٢/١٣٣.\r(٦) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المؤمنون ٥/٣٠٥ رقم ٣١٧٣، والنسائى فى سننه الكبرى كتاب الوتر، باب رفع اليدين فى الدعاء ١/٤٥٠ رقم ١٤٣٩، وأحمد فى مسنده ١/٣٤، وصححه العلامة أحمد شاكر رقم ٢٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555570,"book_id":1504,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":57,"body":"وعن عائشة رضى الله عنها أن الحارث بن هشام رضى الله عنهما (١) سُأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أحياناً يأتينى مثل صلصلة (٢) الجرس، وهو أشده على فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول\" (٣) وهذه الصلصلة أو الدوى هو صوت الملك بالوحي، ولا تعارض بينهما.\rقال ابن حجر (٤) : \"فدوى النحل لا يعارض صلصلة الجرس، لأن سماع الدوى بالنسبة إلى الحاضرين، كما قال عمر: يسمع عنده كدوى النحل، والصلصلة بالنسبة للنبى ﷺ، فشبهه عمر بدوى النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو ﷺ بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه\" (٥) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٦٩ رقم ٢٣٩، وأسد الغابة ١/٦٤٣ رقم ٩٧٩، والاستيعاب ١/٣٠١ رقم ٤٤٠.\r(٢) هى صوت الحديد إذا حرك، ثم أطلق على كل صوت له طنين. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٤٣، وفتح البارى ١/٢٧ رقم ٢.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٢٥، ٢٦ رقم ٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب عرق النبى ﷺ فى البرد، وحين يأتيه الوحي ٨/٩٧ رقم ٢٣٣٣.\r(٤) هو: أحمد بن على بن محمد العسقلانى، أبو الفضل، أصله من عسقلان بفلسطين، ولكنه ولد بالقاهرة، حافظ أهل زمانه، وواحد وقته وأوانه، من مصنفاته النفيسة التى عم النفع بها \"فتح البارى بشرح صحيح البخارى\" و\"الإصابة فى معرفة الصحابة\" وغير ذلك مات سنة ٨٥٢هـ له ترجمة فى: الضوء اللامع للسخاوى ٢/٣٦ رقم ١٠٤، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص٥٥٢ رقم ١١٩٠، وشذرات الذهب لابن العماد ٧/٢٧٠، والبدر الطالع للشوكانى ١/٨٧ رقم ٥١.\r(٥) فتح البارى ١/٢٧ رقم ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555571,"book_id":1504,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":58,"body":"٩- وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما (١) قال: سألت رسول الله ﷺ؛ هل تحس بالوحي؟ فقال: أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلىَّ إلا ظننت أن نفسى تقبض\" (٢) .\r... فهذه الروايات تبين لك إلى أى مدى يستلزم الوحي الإلهى من استعداد خاص، وتجرد عن عالم البشر، وإلى ما لاقى النبى ﷺ من معاناة أثناء تنزيل الوحي عليه، حتى أن الملامس لجسده الشريف، كان يشعر به كما مر من حديث زيد بن ثابت رضى الله عنه.\r... فإذا رجعت للآيات الكريمة والتى تتكلم عن الوحي، تستطيع الآن أن تتفقهها؛ لا فى إعجازها المجرد، وإنما فى هيئة وقعها الحى على صاحب الرسالة ﷺ، ومن عايشه بها من صاحبته رضوان الله عليهم أجمعين.\r... ولتنظر الان كيف تتناول كتب التفسير للقرآن الكريم آية من تلك الآيات وهى قوله تعالى: ﴿إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلا﴾ (٣) بالتفسير والشرح لنرى أى التفاسير أقرب فى تيسير فهم الآية؛ التفسير اللغوى، أو التصوير البيانى، أو التأويل التكليفى، أو التفسير بالمأثور من السنة النبوية، والسيرة العطرة؟.\r... جاء فى تفسير الألوسى: \"قولاً ثقيلاً\": هو القرآن العظيم، فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة، ثقيل على المكلفين، سيما على رسول الله ﷺ، فإنه مأمور بتحملها وتحميلها للأمة. ونحو هذا جاء فى تفسير الكشاف (٤) .\rوقيل: ثقيل فى الميزان، وهو اختيار ابن جرير الطبرى (٥) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص١٥٠ رقم ٧٢١، والاستيعاب ٣/٢٥٦ رقم ١٦٣٦، وأسد الغابة ٣/٣٤٥ رقم ٣٠٩٢، والإصابة ٢/٣٥١ رقم ٤٨٦٥.\r(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٢/٢٢٢، وعزاه إليه، وإلى الطبرانى بإسناد حسن الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٦.\r(٣) الآية ٥ المزمل.\r(٤) ٤/١٧٥.\r(٥) ينظر: جامع البيان عن تأويل آى القرآن ٢٩/٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555572,"book_id":1504,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":59,"body":"وقيل: ثقله على الكافرين والمنافقين بإعجازه ووعيده، وقيل غير ذلك (١) .\r... وفى تفسير القرطبى: قولاً ثقيلاً: صلاة الليل! أى سنلقى عليك بافتراض صلاة الليل قولاً ثقيلاً يثقل حمله، لأن الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل شديد على النفس، ومجاهدة للشيطان فهو أمر يثقل على العبد\" (٢) .\r... وفى تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ثقيلاً: أى ثقيل وقت نزوله من عظمته، ثم ساق الروايات السابقة التى تبين أحوال النبى ﷺ وقت نزول الوحي عليه\" (٣) .\r... ومن كل ما سبق من أوجه التفسير، يتبين لك كيف أن التفسير الذى اعتمد على المأثور من سنة النبى ﷺ، وسيرته العطرة، كان من أقرب وأقوى التفاسير فى تيسير فهم الآية، مع صحة بقية الأوجه الأخرى فى تفسيرها.\rوتبدو أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم من خلال الاستعانة بها فى تقييد مطلق الآيات القرآنية، أو تخصيص عامها؛ وهذه ناحية هامة جداً يترتب عليها كثير من الأحكام الشرعية.\rأ- فمثال تخصيص السيرة العطرة لعام القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (٤) فالظاهر من قوله تعالى: \"وأرجلكم\" الأمر بغسل الرجلين على قراءة النصب عطفاً على قوله تعالى \"فاغسلوا وجوهكم وأيديكم\" وهو الواجب أيضاً على قراءة الخفض عطفاً على قوله ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ فالمراد بمسح الرجلين غسلهما (٥) .","footnotes":"(١) روح المعانى ٢٩/١٠٤.\r(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٩/٣٧.\r(٣) تفسير القرآن العظيم ٨/٢٧٧.\r(٤) اٍلآية ٦ المائدة.\r(٥) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٥٤، ٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555573,"book_id":1504,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":60,"body":".. وقد توهم بعض السلف (١) كما توهم الخوارج والروافض أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روى ذلك عن على بن أبى طالب رضى الله عنه (٢) ولكنه لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه (٣) .\r... ودعوى النسخ مردودة بما ورد فى السيرة العطرة من فعله ﷺ بالمسح على الخفين بعد نزول آية المائدة، ويدل على ذلك ما روى عن جرير بن عبد الله البجلى رضى الله عنه (٤) حيث بال ثم توطأ، ومسح على خفيه. فقيل: أتفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال: إبراهيم (٥)","footnotes":"(١) ذهب إلى ذلك ابن شاهين فى كتابه الناسخ والمنسوخ من الحديث ص١٤٩ – ١٥٤.\r(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص١١ رقم٥، وأسد الغابة ٤/٨٧ رقم ٣٧٨٩ والاستيعاب ٣/١٠٨٩ رقم ١٨٥٥، والإصابة ٢/٥٠٧ رقم ٥٧٠٤.\r(٣) تفسير القرآن العظيم ٣/٥٤، وينظر: تلخيص الحبير لابن حجر ١/٤١٥، ٤١٦.\r(٤) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٥٦ رقم ٢٧٥، وٍأسد الغابة ١/٥٢٩ رقم ٧٣٠، والاستيعاب ١/٢٣٦ رقم ٣٢٢، وتجريد أسماء الصحابة ١/٨٢.\r(٥) هو إبراهيم بن سويد النخعى، ثقة، لم يثبت أن النسائى ضعفه. له ترجمة فى: تقريب التهذيب ١/٥٧ رقم ١٨٤، والثقات للعجلى ص٥٢ رقم ٢٦، ومشاهير علماء الأمصار ص١٩٤ رقم\r١٢٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555574,"book_id":1504,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":61,"body":": فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة\" (١) وهو ما صرح به جرير رضى الله عنه رداً على من تأول أن مسح النبى ﷺ على الخفين قبل نزول المائدة، فأجاب قائلاً: \"ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة\" (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ٢/١٦٦، ١٦٧ رقم ٢٧٢، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلاة، باب الصلاة فى الخفاف ١/٥٨٩ رقم ٣٨٧.\r(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ١/٣٩ رقم ١٥٤، والترمذى فى سننه كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ١/١٥٦ رقم ٩٤، وقال الترمذى: وهذا حديث مفسر، لأن بعض من أنكر المسح على الخفين، تأول أن مسح النبى ﷺ كان قبل نزول آية الوضوء التى فى المائدة، فيكون منسوخاً، فذكر جرير فى حديثه أنه رآه يمسح بعد نزول المائدة، فكان أصحاب ابن مسعود يعجبهم حديث جرير لأن فيه رداً على أصحاب التأويل المذكور أهـ وينظر: فتح البارى ١/٥٩٠ رقم ٣٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555575,"book_id":1504,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":62,"body":".. فإذا كانت آية المائدة نزلت فى غزو المريسيع سنة خمس، وقيل سنة ست هجرية، ومسحه ﷺ كان فى غزوة تبوك سنة تسع هجرية على ما جاء فى رواية المغيرة بن شعبة (١) فإن هذا يدل على أن فعله ﷺ محكم وأنه مع الآية الكريمة يخصص عمومها.\r... قال الإمام النووى (٢) : \"فلو كان إسلام جرير متقدماً على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه فى مسح الخفين منسوخاً بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخراً علمنا أن حديثه يعمل به، وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة المطهرة مخصصة لعموم الآية\" (٣) .","footnotes":"(١) فعنه قال: \"إن رسول الله ﷺ ذهب لحاجته فى غزوة تبوك، قال المغيرة: فذهبت معه بماء، فجاء رسول الله ﷺ، فسكبت عليه الماء، فغسل وجهه، ثم ذهب يخرج يديه من كمى جبته، فلم يستطع من ضيق كمى الجبة، فأخرجهما من تحت الجبة، فغسل يديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين\" أخرجه مالك فى الموطأ كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ١/٥٩ رقم ٤١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، ٧/ ٧٣١ رقم ٤٤٢١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ٢/١٦٨ رقم ٢٧٤، وينظر: فتح البارى ١/٣٦٨ رقم ٢٠٣، وشرح الزرقانى على الموطأ ١/٩٦ رقم ٧٠.\r(٢) هو أبو زكريا، يحيى بن شرف الحوارنى، الشافعى، كان إماماً حافظاً متفناً، صاحب تصانيف نافعة فى الحديث، والفقه، وغيرها \"كشرح مسلم\" و\"شرح المهذب\" و\"المبهمات\" وغير ذلك مات سنة ٦٧٦هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٧٠ رقم ١١٦٢، وشذرات الذهب ٥/٣٤٥، وطبقات الشافعية لابن كثير ٢/٩٠٩.\r(٣) المنهاج شرح مسلم ٢/١٧٠ رقم ٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555576,"book_id":1504,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":63,"body":".. على أنه قد يقال: قد ثبت فى آية المائدة القراءة بالجر \"وأرجلكم\" عطفاً على الممسوح وهو الرأس، فيحمل على مسح الخفين كما بينته السيرة النبوية، ويتم ثبوت المسح بالكتاب والسيرة، وهو أحسن الوجوه التى توجه بها قراءة الجر.\r... وعلى جواز المسح على الخفين فى السفر والحضر، سواء كان لحاجة أو لغيرها إجماع من يعتد به فى الإجماع، ولا يعتد بإنكار الشيعة والخوارج لتلك الرخصة، ولا بخلافهم فى ذلك (١) .","footnotes":"(١) ينظر: المصدر السابق فى الأماكن السابقة نفسها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555577,"book_id":1504,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":64,"body":".. قال الحافظ ابن كثير (١) : \"وقد ثبت بالتواتر (٢) عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفين قولاً منه وعملاً (٣) وقد خالفت الروافض ذلك كله بلا مستند، بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت فى صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علىَّ بن أبى طالب رضى الله عنه (٤)","footnotes":"(١) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو الفداء، الدمشقى، الشافعى، كان عالماً حافظاً فقيهاً، ومفسراً نقاداً، ومؤرخاً كبيراً، من مصنفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، مات سنة ٧٧٤هـ. له ترجمة فى: الدرر الكامنة لابن حجر ١/٣٧٣ رقم ٩٤٤، وطبقات المفسرين للداودى ١/١١١ رقم ١٠٣، وشذرات الذهب ٦/٢٣١، والبدر الطالع للشوكانى ١/١٥٣ رقم ٩٥.\r(٢) قال ابن عبد البر فى الاستذكار ٢/٢٣٩ رقم ٢١٩٠ \"روى عن النبى ﷺ المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة، ونقل ابن المنذر، والنووى، عن الحسن البصرى قال: حدثنى سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه كان يمسح على الخفين، كما نقل ابن المنذر عن ابن المبارك أنه قال: ليس فى المسح على الخفين عن الصحابة رضى الله عنهم اختلاف، لأن كل من روى عنه منهم إنكاره، فقد روى عنه إثباته\" أهـ ينظر: المنهاج شرح مسلم ٢/١٧٠ رقم ٢٧٢، والروضة الندية شرح الدرر البهية للقنوجى ١/٤١، ٤٢، وتلخيص الحبير ١/٤١٥، وفتح البارى ١/٣٦٥ رقم ٢٠٢، وشرح الزرقانى على الموطأ ١/٩٥ رقم ٧٠.\r(٣) ينظر تفصيل أحكام المسح على الخفين فى: نيل الأوطار ١/١٧٦، وسبل السلام ١/٨٦، وفقه السنة للشيخ السيد سابق ١/٥٧.\r(٤) يشير إلى ما رواه مسلم عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة رضى الله عنها أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبى طالب، فسله، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر؛ ويوما وليلة للمقيم\" أهـ أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب التوقيت فى المسح على الخفين ٢/١٧٨ رقم ٢٧٦، وروى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: \"لو كان الدين بالرأى، لكان أسفل الخف أولى من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظهر خفيه\" أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب كيف المسح ١/٤٢ رقم ١٦٢ وإسناده صحيح كما قال الحافظ ابن حجر فى تلخيص الحبير ١/٤١٨، وأخرجه البيهقى فى معرفة السنن والآثار كتاب الطهارة، باب كيف المسح على الخفين ١/٣٥٢ رقم ٤٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555578,"book_id":1504,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":65,"body":"مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله ﷺ على وفق ما دلت عليه آية المائدة، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليل صحيح فى نفس الأمر\" (١) .\rفتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم من خلال الاستعانة بها فى تخصيص عام غسل الرجلين فى قوله تعالى \"وأرجلكم\" بما ورد فى السيرة العطرة من فعله ﷺ بالمسح على الخفين، ورد دعوى نسخ آية المائدة لتلك الرخصة النبوية.\rب- ومثال تقييد السيرة العطرة لمطلق القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم﴾ (٢) وهذه الآية الكريمة مطلقة لم تقيد قطع اليد بموضع محدد، لأن اليد تطلق على الأصابع، والكف، والرسغ، والساعد، والمرفق، والعضد. ولكن السيرة العطرة بينت ذلك، وقيدت القطع بمقدار الكف فقط من يد واحدة. وذلك حينما أتى بسارق إلى النبى ﷺ فقطع يده من مفصل الكف (٣) .\r...\rفلولا السيرة العطرة لما استطعنا فهم المراد من الآية الكريمة، ولما استطعنا إقامة الحد على وجهه الصحيح.\r... والذى أخلص إليه من كل ما تقدم، التأكيد على أن أهمية السيرة النبوية فى تفسير القرآن الكريم، والوقوف من خلالها على فهم أدق وأقرب لآيات القرآن هو أمر فى غاية الجلاء.\r... وهو وإن كان لا يخلو من الاعتماد عليه كتاب تفسير، إلا أن المطلوب إنما هو التركيز عليه، بحيث لا يطغى الاهتمام بالشكل، والأمور الجانبية على هذا الفحوى والمضمون؛ وهو ما يشاهد فى غالبية كتب التفسير، الأمر الذى أصبح يشكل عبئاً ظاهراً فى تناول أمر هداية القرآن حتى على طلبة العلم والمتخصصين منهم.","footnotes":"(١) تفسير القرآن العظيم ٣/٥٤ بتصرف يسير.\r(٢) الآية ٣٨ المائدة.\r(٣) أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى كتاب السرقة، باب السارق يسرق أولاً فتقطع يده اليمنى من مفصل الكف ٨/٢٧٠، ٢٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555579,"book_id":1504,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":66,"body":"فإن هذه العلوم مِنْ لغوية - نحوية، وبلاغية - وغيرها وإن كانت وسائل يستعان بها على فهم القرآن، والوقوف على أسرار بيانه، إلا أنه لا ينبغى أن تكون هى الشغل الشاغل عن الهداية العملية للقرآن، هذه التى سرت روحها فى الرعيل الأول، فتفجرت منها ينابيع العلم والمعارف، ودانت لهم الدنيا بأسرها.\r... فكيف إذا جاوز الأمر الوقوف على الوسائل إلى قضايا جانبية من القضايا الفلسفية، والأهواء الشخصية، فإنه عند ذلك يبعد كثيراً عن القصد ولا يحقق المطلوب (١) . أهـ\r\rثانياً: أهمية السيرة العطرة فى فهم السنة الشريفة:\r... لا تقف أهمية السيرة النبوية فى فهم القرآن الكريم فقط، بل تتعدى تلك الأهمية إلى السنة المطهرة.\r... فدراسة السيرة تفيدنا فى معرفة حقيقة الأوامر والنواهى فى السنة النبوية، فقد يرد الأمر أو النهى فى السنة النبوية، ولا نعلم هل هذا الأمر على الوجوب، أو على الإرشاد، أو هو منسوخ! ولا نعلم النهى أيضاً هل على التحريم، أو التنزيه، أو هو منسوخ! فتأتى السيرة العطرة لتبين لنا الحكم الدقيق فى المسألة.\rأ- مثال الأمر: ما ورد فى الوضوء مما مسته النار:\r... فعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: \"توضأوا مما مست النار\" (٢) وفى الباب عن أبى هريرة، وزيد بن ثابت (٣) وغيرهم.","footnotes":"(١) ينظر: المؤتمر العالمى الرابع للسيرة والسنة ٢/٥٤٩ - ٥٦٩، بحث الدكتور عبد الجليل عبد الرحيم \"أهمية السيرة فى تفسير القرآن\".\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الوضوء، باب الوضوء مما مست النار ٢/٢٧٨ رقم ٣٥٣.\r(٣) أخرجهما مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقمى ٣٥١، ٣٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555580,"book_id":1504,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":67,"body":".. فالظاهر هنا من قوله ﷺ: \"توضأوا\" أن الوضوء مما مسته النار واجب، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين (١) ، ولكن ما ورد فى السيرة العطرة من فعله ﷺ يبين حقيقة هذا الأمر، وأنه منسوخ على وجه، ومحمول على الاستحباب لا على الوجوب على وجه آخر؛ يدل على ذلك ما يلى:\rعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى، ولم يتوضأ\" (٢) ونحوه عن عمرو بن أمية الضمرى رضى الله عنه (٣) .\rوعن ميمونة زوج النبى ﷺ (٤) أن رسول الله ﷺ أكل عندها كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ\" (٥) .","footnotes":"(١) منهم ابن عمر، وأبى طلحة، وأنس بن مالك، وأبى موسى الأشعرى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبى هريرة، وعمر بن عبد العزيز، وأبى قلابة، والحسن البصرى، والزهرى.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار ٢/٢٨٠ رقم ٣٥٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق ١/٣٧١ رقم ٢٠٧.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٥٥، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد والسير، باب ما يذكر فى السكين ٦/١١٩ رقم ٢٩٢٣.\r(٤) لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٢٦٢ رقم ٧٣٠٥، والاستيعاب ٤/١٩١٤ رقم ٤٠٩٩، وتاريخ الصحابة ص٢٤٧ رقم ١٣٦٣، والرياض المستطابة ص٣١٣، ٣١٤.\r(٥) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار ٢/٢ رقم ٣٥٦، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ ١/٣٧٣ رقم ٢١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555581,"book_id":1504,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":68,"body":"وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه (١) قال: \"كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار\" (٢) وأصل هذا الحديث رواه البخارى فى صحيحه أن جابر بن عبد الله رضى الله عنه سأل عن الوضوء مما مست النار، فقال: لا، قد كنا زمان النبى ﷺ لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفَّنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلى ولا نتوضأ\" (٣) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٤٣ رقم ٢١، ومشاهير علماء الأمصار ص١٧ رقم ٢٥، وأسد الغابة ١/٤٩٢ رقم ٦٤٧، والاستيعاب ١/٢١٩ رقم ٢٩٠، والإصابة ٢/٤٥ رقم ١٠٢٢.\r(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار ١/٤٩ رقم ١٩٢، والترمذى فى سننه كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار ١/١١٦، ١١٧ رقم ٨٠ هذا وللشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، كلام طيب يرد به على القائلين بأن ابن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر، فراجعه إن شئت فى سنن الترمذى فى الأماكن السابقة نفسها والحديث أخرجه أيضاً: النسائى فى سننه الصغرى كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار ١/١٠٨ رقم ١٨٥، والبيهقى فى السنن الكبرى، باب ترك الوضوء مما مست النار ١/١٥٥ وابن خزيمة فى صحيحه ١/٢٨ رقم ٤٣، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ٣/٤١٦ رقم ١١٣٤، والطبرانى فى الأوسط ٥/٥٨، ٥٩ رقم ٤٦٦٣.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأطعمة، باب المنديل ٩/٤٩٢ رقم ٥٤٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555582,"book_id":1504,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":69,"body":"وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة رضى الله عنه (١) قال: إن رسول الله ﷺ أكل آخر أمره لحماً، ثم صلى، ولم يتوضأ\" (٢) .\rوعلى ذلك جمهور الصحابة، ففى الموطأ روى موقوفاً، مفرقاً ومجمعاً عن أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وعامر بن ربيعة العنزى، وابن عباس، رضوان الله عليهم أجمعين – أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار\" (٣) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٣٠ رقم ٩٣، والرياض المستطابة ص٢٥٨، ٢٥٩، وأسد الغابة ٥/١٠٦ رقم ٤٧٦٨.\r(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير، وفيه يونس بن أبى خلده، قال فيه الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/٢٥٢ لم أرى من ذكره. قلت: سكت عنه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٩/٢٣٨ رقم ١٠٠٢، وأخرجه ابن شاهين فى الناسخ والمنسوخ من الحديث ص٩٧ رقم ٩٥، والحازمى فى الاعتبار فى الناسخ والمنسوخ من الآثار ص١٦٠، والبيهقى فى السنن الكبرى كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار ١/١٥٦ وفى طريقهم أيضاً يونس بن أبى خلده. أهـ.\r(٣) أخرجه مالك فى الموطأ كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مسته النار ١/٥٢، ٥٣ أرقام ٢١ – ٢٤، وأخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الطهارة، باب الرخصة فى ترك الوضوء مما غيرت النار ١/١٦١ رقم ٤٨٩، والطبرانى فى مسند الشاميين بإسناد حسن كما قال الحافظ فى فتح البارى ١/٣٧١، ٣٧٢ رقم ٢٠٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555583,"book_id":1504,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":70,"body":"٤- وروى أن أنس بن مالك رضى الله عنه قدم من العراق، فدخل عليه أبو طلحة، وأبى بن كعب، فقرب لهما طعاماً قد مسته النار، فأكلوا منه. فقام أنس فتوضأ، فقال أبو طلحة، وأبى بن كعب: ما هذا يا أنس؟ أعراقية؟ (١) فقال أنس: ليتنى لم أفعل. وقام أبو طلحة، وأبى بن كعب، فصليا ولم يتوضآ\" (٢) .\r... ففى هذه الروايات ما يدل على أن الأمر فى قوله ﷺ: \"توضأوا مما مست النار\" محمول على الاستحباب، لا على الوجوب، وهذا قول بعض العلماء الذين ذهبوا إلى الجمع بين الروايات (٣) .\r... أما الجمهور من العلماء فعلى أن أحاديث الوضوء مما مست النار منسوخة برواية جابر بن عبد الله، ومحمد بن مسلمة، وغيرها من الروايات السابقة المرفوعة والموقوفة (٤) .\r... فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى فهم حقيقة الأمر الوارد فى السنة النبوية، وأنه ليس مراداً، إذ هو محمول على الاستحباب على وجه الجمع بين الروايات – على رأى بعض العلماء – ومنسوخ على رأى الجمهور.\rب- ومثال النهى: ما ورد فى النهى عن الشرب قائماً:","footnotes":"(١) أى: أبا العراق استفدت هذا العلم، وتركت عمل أهل المدينة المتلقى عن النبى ﷺ؟ ينظر: شرح الزرقانى على الموطأ ١/٧٨ رقم ٥٥.\r(٢) أخرجه مالك فى الموطأ كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مسته النار ١/٥٤ رقم ٢٦.\r(٣) ينظر: شرح الزرقانى على الموطأ ١/٧٧ رقم ٥٣، والمنهاج شرح مسلم ٢/٢٨٠ رقم ٣٥٤، وسبل السلام ١/١٠٨، وفقه السنة للشيخ سيد سابق ١/٥٦.\r(٤) ينظر: المصادر السابقة، مع نيل الأوطار ١/٢٠٢، والمغنى لابن قدامه ١/١٨٧، والاعتبار للحازمى ص١٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555584,"book_id":1504,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":71,"body":".. فعن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى ﷺ، أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً: قال: قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث\" (١) ونحوه عن أبى سعيد الخدرى، وأبى هريرة بزيادة \"فمن نسي فليستقئ\" (٢) .\r... فالظاهر هنا من أن هذا النهى النبوى، أن الشرب من قيام حرام، ولاسيما بعد قوله فى رواية أبى هريرة السابقة \"فمن نسى فليستقئ\" فإن ذلك يدل على التشديد فى المنع، والمبالغة فى التحريم.\r... ولكن روى فى السيرة العطرة من فعله ﷺ ما يبين حقيقة هذا النهى، وأنه ليس للتحريم:\rفعن أبى عباس رضى الله عنهما قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب قائماً (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب كراهية الشرب قائماً ٧/٢١٣ رقم ٢٠٢٤.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقمى ٢٠٢٥، ٢٠٢٦، وفى رواية عنه أيضاً عن النبى ﷺ قال لرجل رآه يشرب قائماً: \"قئ! قال: لم؟ قال: أتحب أن تشرب مع الهر؟ قال: لا. قال: فقد شرب معك شر منه الشيطان\" أخرجه الدارمى فى سننه كتاب الأشربة، باب من كره الشرب قائماً ٢/١٦٢ رقم ٢١٢٨، وأحمد فى مسنده ٢/٣٠١، ٢٨٣، والبزار، ورجال أحمد ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٥/٧٩.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب الشرب من زمزم قائماً ٧/٢١٤ رقم ٢٠٢٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً ١٠/٨٤ رقم ٥٦١٧، وكتاب الحج، باب ما جاء فى زمزم ٣/٥٧٦ رقم ١٦٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555585,"book_id":1504,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":72,"body":"وروى أن على بن أبى طالب رضى الله عنه أتى باب الرحبة (١) بماء فشرب قائماً. فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإنى رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتمونى فعلت\" (٢) .\rوعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى ﷺ دخل على أم سليم، وفى البيت قربة معلقة فشرب من فيها وهو قائم، قال: فقطعت أم سليم فم القربة (٣) فهو عندنا (٤) .\rوروى أن كبشة بنت ثابت الأنصارى – وهى أخت حسان بن ثابت رضى الله عنهما لما دخل عليها رسول الله ﷺ، وعندها قربة معلقة، فشرب منها وهو قائم، فقطعت فم القربة تبتغى بركة موضع فىّ رسول الله ﷺ\" (٥) .","footnotes":"(١) الرَحبة: بفتح الراء، والمهملة، والموحدة، المكان المتسع، ورحبة المسجد بالتحريك وهى ساحته والمراد رحبة للمكوفة بمنزلة رحبة المسجد، ينظر: القاموس المحيط ١/٧٢، وفتح البارى ١٠/ ٨٤ رقم ٥٦١٥.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً ١٠/٨٤ رقم ٥٦١٥ عن النزال بن سبرة رضى الله عنه.\r(٣) قطعها لفم القربة، فعلته لوجهين أحدهما: أن تصون موضعاً أصابه فم رسول الله ﷺ عن أن يبتذل ويمسه كل أحد، والثانى: أن تحفظه للتبرك به والاستشفاء\" قلت ما فعلته للوجهين معا. ينظر: المنهاج شرح مسلم ٧/٢١٣ رقم ٢٠٢٣.\r(٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٣/١١٩، ٦/٤٣١، والترمذى فى الشمائل المحمدية ص١٢٩ رقم ٢٠٥ وأخرجه الدارمى مختصراً فى سننه كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً ٢/١٦٢ رقم ٢١٢٤، وعزاه الهيثمى إلى أحمد والطبرانى وقال فيه البراء بن زيد ولم يضعفه أحد وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ٥/٧٩.\r(٥) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الأشربة، باب الشرب قائماً ٢/٣٢٥ رقم ٣٤٢٣، والترمذى فى سننه كتاب الأشربة، باب ما جاء فى الرخصة فى الشرب قائماً ٤/٢٧٠ رقم ١٨٩٢ وقال: حديث حسن صحيح غريب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555586,"book_id":1504,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":73,"body":"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: \"رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائماً وقاعداً\" (١) .\rفهذه الروايات وغيرها تدل دلالة قاطعة على أن أحاديث النهى عن الشرب قائماً تحمل على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل، وليس النهى للتحريم على ما جزم به ابن حزم، ولا الكراهة (٢) على ما ذهب إليه البعض (٣) .\rوللحافظ ابن حجر:\rإذا رمت تشرب فاقعد تفز ... *** ... بسنة صفوة أهل الحجاز\rوقد صححوا شربه قائماً ... *** ... ولكنه لبيان الجواز (٤) .\r... فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى حل ما ظاهره التعارض والتناقض من الأحاديث، ببيان حقيقة المراد بالنهى النبوى عن الشرب قائماً، وأنه محمول على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل حال الشرب. وليس النهى للتحريم ولا الكراهة. ودليل ذلك كله سيرة رسول الله ﷺ فى الشرب قائماً أهـ والله أعلم.\r\rثالثا: أهمية السيرة العطرة فى إثبات أن للمسلمين تاريخاً وحضارةً:\r... السيرة النبوية هى مصدر لكل معرفة، وهى مفتاح نهضة المسلمين وحضارتهم، وهى فوق كل هذا الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، والعمل بها حفظ لكيان الإسلام وتقدمه، وتركها هدم لدين الإسلام، وتأخر المسلمين.","footnotes":"(١) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الأشربة، باب ما جاء فى الرخصة فى الشرب قائماً ٤/٢٦٦ رقم ١٨٨٣، وقال: حسن صحيح، وفى الشمائل المحمدية ص١٢٦ رقم ١٩٨، وابن شاهين فى الناسخ والمنسوخ ص٤٢٢ رقم ٥٨٤.\r(٢) قال الأثرم: إن ثبتت الكراهة، حملت على الإرشاد والتأديب لا على التحريم. ينظر: فتح البارى ١٠/ ٨٧ رقم ٥٦١٧.\r(٣) ينظر: نيل الأوطار ٨/١٩٥، وشرح الزرقانى على الموطأ ٤/٣٤٣ رقم ١٧٨٤.\r(٤) ينظر: شرح الزرقانى على الموطأ ٤/٣٤٣ رقم ١٧٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555587,"book_id":1504,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":74,"body":".. فها هو ذا مشرك ينطق بشمول السيرة النبوية العطرة لكل أمور الحياة، معترفاً على نفسه، ومن كل شاكلته؛ بأنهم يحرصون على معرفة تعاليم السيرة. فعن سلمان رضى الله عنه (١) أنه قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شئ حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجى باليمين، أو أن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجى برجيع أو بعظم\" (٢) .\r... وانظر إلى قول السائل: \"لقد علمكم نبيكم كل شئ\" تجد أنها تدل على تتبع هؤلاء لأمور السنة النبوية والسيرة العطرة، واعترافهم – مع أهلها – بشمولها لكل أمور الحياة (٣) .\r... ويقول العلامة المجرى المسلم: محمد أسد (ليوبولدفايس) فى بيان أهمية السيرة العطرة فى تاريخ المسلمين وحضارتهم قال: \"لقد كانت السيرة النبوية مفتاحاً لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، فلماذا لا تكون مفتاحاً لفهم انحلال الحاضر؟\r... إن العمل بسنة رسول الله ﷺ وسيرته العطرة هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة والسيرة هو انحلال الإسلام، لقد كانت السنة والسيرة الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما! أفيدهشك بعد أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ \" (٤) .\r... إن الطعن فى السيرة العطرة والسنة المطهرة طعن فى حقيقة الإسلام قرآناً وسنة، وتاريخاً، وحضارةً!!","footnotes":"(١) هو سلمان الفارسى صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص١١٦ رقم ٥٣٣، ومشاهير علماء الأمصار ص٥٦ رقم٢٧٤،وأسد الغابة٢/٥١٠ رقم ٢١٥٠، والإصابة ٢/٦٢ رقم ٣٣٦٩.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب الاستطابة ٢/١٥٤ رقم ٢٦٢.\r(٣) السنة النبوية. مكانتها. عوامل بقائها. تدوينها. لفضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر ص٦٦، ٦٧.\r(٤) الإسلام على مفترق الطرق ترجمة الدكتور عمر فروخ ص٨٧ بتصرف يسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555588,"book_id":1504,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":75,"body":".. لأنه مما لا يخفى أن القرآن الكريم إنما نزل لهداية البشر إلى مصالحهم الدينية والدنيوية، ولهذا بين لهم طريق العمل، وسبل النجاح، وأعلن أن الأمة التى تعمل بهذا القانون تكون لها الخلافة فى الأرض، وتنال من السعادة، والسيادة مالا يزيد عليه، وتكون خير أمة أخرجت للناس. وكل من لم يعمل بهذا القانون يكون ذليلاً مهاناً فى الأرض، وشقياً فى الدنيا والآخرة.\r... فإذا سألنا أحد: هل وجدت أمة فى زمن من الأزمان عملت بهذا القانون؟ وهل نالت به ما وعدت؟ ومتى كانت هذه الأمة؟ وكيف كانت طريقة عملها بهذا القانون؟ وأين التاريخ الصحيح لأعمالها؟.\r... نقول له: نعم. وجدت أمة عظيمة عملت بهذا الكتاب الحكيم، واتخذته قانوناً أساسياً لها مدة كبيرة، فصدقها الله وعده، وأنعم عليها بالخلافة، والسيادة فى الأرض، وامتد سلطانها إلى مشارق الأرض ومغاربها، وكانت أمة لا نظير لها فى تاريخ العالم، وتاريخ أعمالهم المجيدة، وطريقة تنفيذهم لأحكام القرآن، وكيفية عملهم بها، كل ذلك ثابت محفوظ بصورة عديمة المثال، فإنه لا يوجد تاريخ لأمة من الأمم يبين عملها وتمسكها فى كل شئونها بقانونها مثل تاريخ هذه الأمة.\r... هذه الأمة هى: رسول الله ﷺ، وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، وهذا التاريخ هو السنة النبوية، والسيرة العطرة، فبهما يعلم كيف عمل الرسول وأصحابه بالقرآن، وبهما يعرف أن القرآن قانون قد عمل به، ونجحت أصوله الإدارية، والسياسية، والمدنية، والأخلاقية... الخ وليس هو مجموعة نظريات محتاجة للإثبات بالتجربة والتطبيق!!.\r... وأما إذا عملنا برأى المنكرين للحديث والسيرة العطرة الواردة فى السنة، يضيع تاريخ الإسلام الذهبى ولا يقدر أحد أن يثبت أن القرآن قد عملت به أمة من الأمم، ونجحت فى تأسيس حكومة إسلامية مطبقة لتعليماته. فهل يرضى المسلمون بهذا؟.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555589,"book_id":1504,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":76,"body":".. لا والله، لا المسلمون يرضون بهذا، ولا العلم، ولا التاريخ يرضيان بهذا! ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً﴾ (١) أهـ.\rوالله تعالى أعلى وأعلم.","footnotes":"(١) الآية ٧٨ النساء. وينظر: تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها للعلامة سليمان الندوى ص١٢، ١٣ وقارن بالإسلام على مفترق الطرق لمحمد أسد ص٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555590,"book_id":1504,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":77,"body":"الباب الأول:عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه ودفع الشبهات\rويشتمل على فصلين:\rالفصل الأول: عصمته ﷺ فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية ويشتمل على تمهيد ومبحثين:\r... المبحث الأول: دلائل عصمته ﷺ فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.\r... المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.\rالفصل الثانى: شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد ومبحثين:\r... المبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها.\r... المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها.\r\rالفصل الأول: عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه\rكما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية\r... ويشتمل على تمهيد ومبحثين:\rالمبحث الأول: دلائل عصمته ﷺ فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة.\rالمبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة.\rتمهيد\r... عصمة سيدنا رسول الله ﷺ؛ فى عقيدتنا أصل من أصول الإيمان والإسلام، وهى عقيدة لا تنفك عن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. والطعن فى هذه العصمة طعن فى هذه الشهادة، ولم لا وهى دليلنا على حجية الوحي الإلهى (قرآناً وسنةً) وهى دليلنا على الاقتداء الشامل برسول الله ﷺ على ما سبق تفصيله (١) .","footnotes":"(١) راجع إن شئت ص١١ - ٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555591,"book_id":1504,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":78,"body":".. ومرادى فى هذا الفصل، بيان عصمته ﷺ فى بدنه من القتل، وفى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، مع بيان كمال عقله، وخلقه ﷺ، وأنه كما قال فيه ربه ﷿: ﴿والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى إن هو إلى وحى يوحى﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ (٣) .\r... إن كمال العقل وعصمته من الكفر والشرك والشك، ومن تسلط الشيطان عليه؛ صفة أساسية فى رسل الله ﷿، وشرط ضرورى من شروط رسالة جميع الرسل؛ وهى جزء من الكمال البشرى الذى كملهم الله ﷿ به، وهو عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة ربهم إلى أقوامهم.\r... وإذا كان الكمال العقلى صفة أساسية فى رسل الله ﷿، فإمامهم سيدنا محمد ﷺ. والقارئ لسيرته ﷺ لا يشك فى أنه ﷺ كان أعقل الناس وأذكاهم (٤) .\r... ولم لا وقد كانت نشأته ﷺ، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله ﷿ رحمة للعالمين، أكمل نشأة، تولاه الله تعالى فأدبه ورباه فكمله، ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مسترذلة، حتى غدا أكمل إنسان فى بشريته، لم يستطع أحد أن يريبه فى حياته، أو يزن شبابه بغميزه أو ريبة على كثرة الخصوم، والأعداء المتربصين، فضلاً من الله ونعمة، والله ذو الفضل العظيم (٥) .","footnotes":"(١) الآيات ١ – ٤ النجم.\r(٢) الآية ١١ النجم.\r(٣) الآية ١٧ النجم.\r(٤) ينظر: الشفا ١/٦٦.\r(٥) ينظر: محمد رسول الله ﷺ لفضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون ١/١٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555592,"book_id":1504,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":79,"body":".. وبذلك الفضل العظيم تحدث المصطفى ﷺ بنعمة ربه ﷿ قائلاً \"أدبنى ربى فأحسن تأديبى\" (١) .\r... وقد أجمعت الأمة على هذا الأدب الربانى، وأن حياة نبيها ﷺ قبل البعثة، وبعدها أمثل حياة وأكرمها وأشرفها، فلم تعرف له فيها هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس، ثم نبأه الله وبعثه، فنمت فيه هذه الفضائل وترعرعت حتى أضحت حياته فريدة فى تاريخ هذه الحياة الدنيا.\r... فمن أين له هذا؟ وهو اليتيم الذى تعرض منذ طفولته لمحنة اليتم، والفقر! وهو الأمى الذى لم يجلس طيلة حياته إلى معلم يثقف عقله! وهو الذى نشأ فى بيئة سيطرت عليها الجاهلية، سيطرة كاملة فى مجال العقيدة والفكر، وفى مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتى لا تكاد تجد إنساناً يسلم من وراثة البيئة، وعدوى التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد.","footnotes":"(١) أخرجه ابن السمعانى فى أدب الإملاء والاستملاء ص١، بلفظ \"إن الله أدبنى وأحسن أدبى، ثم أمرنى بمكارم الأخلاق فقال: \"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين\" الآية ١٩٩ الأعراف، قال السخاوى فى المقاصد الحسنة ص٢٩ رقم ٤٥ وإسناده منقطع فيه من لم أعرفه عن عبد الله أظنه ابن مسعود رضى الله عنه. وذكر له شواهد، وقال عنه: إسناده ضعيف جداً، وإن اقتصر شيخنا – يعنى الحافظ ابن حجر – على الحكم عليه بالغرابة فى بعض فتاويه، قال: ولكن معناه صحيح، ونقل عن ابن الأثير نحو ذلك فى النهاية فى غريب الحديث ١/٨، وذكره السيوطى فى الجامع الصغير ص١٤، ١٥ ورمز له بالصحة. ونقل فى الدرر المنتثرة فى الأحاديث المشتهرة ص٤٣ تصحيح أبى الفضل ابن ناصر له، وينظر: فيض القدير للمناوى ١/٢٢٤، والفتاوى الحديثية للسخاوى ص٢٦٩ – ٢٧١، وكشف الخفاء للعجلونى ١/٦٢ رقم ١٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555593,"book_id":1504,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":80,"body":".. فكيف نجا سيدنا رسول الله ﷺ من تلك المؤثرات القوية؟\r... إن الإنسان العادى قد يستطيع أن تعاف نفسه شيئاً يكرهه ولا يستسيغه بحكم الفطرة السليمة لكن من المحال عقلاً أن يعيش فى عزلة روحية كاملة، وهجرة نفسية تامة لقومه، فيسلم له عقلة من الخرافات، وتسلم روحه من الجهالات، ويسلم وجدانه من التلون بشئ يغضب الله عزوجل.\r... نعم لقد كان فى المجتمع العربى حنيفيون وحدوا الله ودعوا إلى توحيده، وكان هناك كرماء، وكان هناك أوفياء، وكان هناك أناس عرفوا بالعفة والتنزه عن الفواحش، ولكن كان عزيزاً جداً أن تجد فى هذه البيئة إنساناً جمع الله فيه كل هذه الصفات وغيرها مثل ما جمع الله ذلك فى النبى محمد ﷺ ٠\r... إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التى نشأ فيها إلا أن تقول: إنه الإعداد الإلهى للنبوة و ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (١) .\r... إنها العصمة الربانية! تلك التى حفظته ﷺ، من بيئة الجاهلية أربعين عاماً، لم يصبه أذى من غبارها، فشب أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً، ودلائل تلك العصمة الإلهية متوافرة فى كتاب الله عزوجل، وسيرته العطرة، فإلى بيانها فى المبحث التالى:","footnotes":"(١) جزء من الآية ١٢٤ الأنعام وينظر: المؤتمر العالمى الرابع للسيرة والسنة ١/٦٨٦ بتصرف، بحث الدكتور أحمد خليل بعنوان \"شخصية محمد ﷺ البشر الرسول\" مقارنة بالسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٢٣٥ - ٢٤٠، والرسالة المحمدية لسليمان الندوى ص٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555594,"book_id":1504,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":81,"body":"المبحث الأول: دلائل عصمته ﷺ فى عقله\rمن خلال القرآن الكريم والسنة النبوية\r... تجلت رعاية الله ﷿ وعصمته لرسوله ﷺ فى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وهو فى عالم الذر، وتحدث الوحي الإلهى (قرآناً وسنةً) بذلك بياناً لمنَّة الله ﷿ على نبيه ﷺ قال تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً﴾ (١) .\r... ووجه الاستدلال بالآية أنه إذا عهد إلى الأنبياء جميعاً وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه، وتوحيده. دل ذلك على عصمتهم فى عقولهم وعقيدتهم، فلا يصدر عنهم ما يخالف ذلك لا قبل النبوة ولا بعدها، ولا يقول بغير ذلك إلا من يرد على الله ﷿ كلامه باصطفائهم وعصمتهم!.\r... وقال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (٢) .","footnotes":"(١) الآية ٧ الأحزاب.\r(٢) الآية ٨١ آل عمران.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555595,"book_id":1504,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":82,"body":".. وهذا غاية التكريم من الله ﷿ لنبيه ﷺ بأخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به، وينصروه إن ظهر فى زمانهم، وفى ذلك إشارة إلى أنه ﷺ نبى الأنبياء (١) وفى السنة المطهرة ما يؤكد الآية الكريمة، فعن ميسرة الفجر رضى الله عنه (٢) قال: قلت لرسول الله ﷺ متى كنت نبياً؟ قال: \"وآدم بين الروح والجسد\" (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ١/٥٧.\r(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٢٣٧ رقم ١٢٩٥، وأسد الغابة ٥/٢٧٢ رقم ٥١٥٤، وتجريد أسماء الصحابة ٢/٩٩، والاستيعاب ٤/١٤٨٨ رقم ٢٥٨٢.\r(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٦٦٥ رقم٤٢٠٩،وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، وأخرجه أحمد فى المسند ٥/٥٩،وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٣ رواه أحمد، والطبرانى، ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ١/٨٥،٢/١٢٩،وللحديث شاهد من حديث أبى هريرة= =رضى الله عنه أخرجه الترمذى فى سننه كتاب المناقب، باب فضل النبى صلى الله عليه وسلم٥/٥٤٥ رقم ٣٦٠٩ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبى هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والحاكم فى المستدرك ٢/٦٦٥ رقم ٤٢١٠، أخرجه شاهداً لحديث ميسرة، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٤٨ رقم ٨، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/١٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555596,"book_id":1504,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":83,"body":".. وعن العرباض بن سارية رضى الله عنه (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنى عبد الله وخاتم النبين، وأبى منجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى آمنة التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين، وأن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته له نوراً أضاءت لها قصور الشام، ثم تلا: ﴿يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾ (٢) .\r... والشاهد مما سبق أن الله ﷿ اصطفى أنبياءه ورسله وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه وتوحيده، وفضل بعض النبيين على بعض، فجعل سيدنا محمدا ﷺ إمامهم، وأخذ منهم الميثاق فى عالم الأزل بالإيمان بنبوته ونصرته.\r... وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور، ويجوز عليه ما يناقض عصمته فى عقله وعقيدته من الشرك، أو الشك، أو غيره من الذنوب صغائر كانت أم كبائر فهذا مالا يجوزه إلا ملحد (٣) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ١٩٩ رقم ١٠٦٢، وأسد الغابة ٤/١٩ رقم ٣٦٣٠، والاستيعاب ٣/١٢٣٨ رقم ٢٠٢٦، والإصابة ٢/٤٧٣ رقم ٥٥٠١.\r(٢) الآيتان ٤٥، ٤٦ الأحزاب، والحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٤٥٣، ٦٥٦ رقمى ٣٥٦٦، ٤١٧٥ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى وأحمد فى المسند ٤/١٢٧،وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٣ رواه أحمد بأسانيد والبزار والطبرانى بنحوه، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد، وقد وثقه ابن حبان، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه \"الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان\" كتاب التاريخ، باب صفته ﷺ وإخباره ٨/١٦٠، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٤٨ رقم ٩، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/١٣٠.\r(٣) الشفا ٢/١١٠ بتصرف، وينظر: نسيم الرياض فى شرح الشفا ٤/٤١، ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555597,"book_id":1504,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":84,"body":".. وعليه فلا معنى لإثارة الخلاف حول عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قبل نبوتهم من المعاصى كبائرها وصغائرها من حيث الوقوع أو عدمه، أو من حيث امتناعه سمعاً أوعقلاً!.\r... فعصمة الرسل والأنبياء مبنية على إرادة إلهية، وهى اصطفاء الله ﷿ لهم، وعصمتهم من كل ما يخل بهذا الاصطفاء، قبل نبوتهم وبعدها، وهم فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد!\r... وإليك نماذج من دلائل عصمة رسول الله ﷺ:\r\rأ- عصمته ﷺ من كيد إبليس وجنوده:\r... حفظ الله ﷿ عباده المخلصين من كيد إبليس وجنوده فلا سبيل له عليهم كما قال عزوجل: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا﴾ (١) واعترف إبليس بعجزه عن الكيد لهم فحكى عنه رب العزة قوله: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (٢) .\r... ولا شك أن أنبياء الله ﷿ ورسله، وعلى رأسهم خاتمهم ﷺ على قمة عباد الله المخلصين الذين عصمهم رب العزة من كيد إبليس وجنوده.\r... والمراد بعصمة رسول الله ﷺ من الشيطان قال فيها القاضى عياض: \"واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى ﷺ من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى - كالجنون والإغماء - ولا على خاطره بالوساوس\" (٣) .\r... ولا عبرة بمن خرج عن المفهوم السابق لعصمة رسول ﷺ من أعداء الإسلام وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة.\r... وقد دل على المفهوم السابق القرآن الكريم والسنة المطهرة.","footnotes":"(١) الآية ٦٥ الإسراء.\r(٢) الآيتان ٨٢، ٨٣ ص.\r(٣) الشفا ٢/١١٧، وشرحه للملاعلى ٢/٢١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555598,"book_id":1504,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":85,"body":".. أما القرآن الكريم: فقد ورد فيه تعرض الشيطان لبعض الأنبياء فى أجسامهم ببعض الأذى، وعلى خاطرهم بالوسوسة، مع عصمة الله ﷿ لهم بعدم تمكن الشيطان من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين. قال تعالى: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فأذلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾ (٣) وقال ﷻ: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (٤) .\r... وليس فى هذه الآيات الكريمات ونحوها ما يتعارض مع قوله تعالى: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ (٥) .\r... أما السنة المطهرة: فقد ورد فيها ما يؤكد ما ورد فى القرآن الكريم من تعرض الشياطين لرسول الله ﷺ فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه، وإدخال شغل عليه، ولكن كانت عصمة الله ﷿ له حائلة دون تمكن الشياطين من إغواءه، أو إلحاق ضرر به. ومن هذه الأحاديث التى تدل على ما سبق، وأنكرها أعداء السيرة العطرة (٦) ما يلى:","footnotes":"(١) الآية ٤١ ص.\r(٢) الآية ٣٦ البقرة.\r(٣) الآية ١٥ القصص.\r(٤) الآية ٢٠٠ الأعراف.\r(٥) الآية ٤٣ الحجر، وسيأتى الرد بالتفصيل على دعوى التعارض ص١٣٩ – ١٤٥، ١٩٤.\r(٦) وزعموا أنها موضوعة، دون أن يبينوا لنا بالدليل العلمى علامات وضعها فى السند أو فى المتن، أو حتى وجه التشكيك بها فى النبوة والإسلام؟! ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٢/٣٠٥، وأضواء على السنة لمحمود أبو ريه ص١٨١، والأضواء القرآنية لصالح أبو بكر ٢/١٤٤، وأبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين ص١٠٨، والأنبياء فى القرآن لأحمد صبحى ص٣٣، ١٢٦ ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٨٣، ودفع الشبهات عن الشيخ الغزالى لأحمد حجازى السقا ص١١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555599,"book_id":1504,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":86,"body":"عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه (١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: \"وإياى. إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير\" (٢) .\rوقوله: \"فأسلم\" برفع الميم وفتحها، روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه: أَسْلَم أنا من شره وفتنته. ومن فتح قال: إن القرين أسلم من الإسلام، وصار مؤمناً لا يأمرنى إلا بخير.\rوصحح الخطابى وغيره رواية الرفع، ورجح عياض والنووى والزرقانى الفتح، لأنه ظاهر الحديث فى قوله ﷺ: \"فلا يأمرنى إلا بخير\" ولقوله ﷺ: \"فضلت على الأنبياء بخصلتين. كان شيطانى كافراً فأعاننى الله عليه حتى أسلم، قال أبو هريرة راوى الحديث، ونسيت الخصلة الأخرى\" (٣) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص١٦ رقم ٢١، وتذكرة الحفاظ ١/١٣ رقم ٥، وأسد الغابة ٣/٣٨١ رقم ٣١٨٢، والاستيعاب ٣/٩٨٧ رقم ١٦٥٩، والإصابة ٢/٣٦٠ رقم ٤٩٦٩.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعثه سرياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قريناً ٩/١٧٢ رقم ٢٨١٤، وروى نحوه من حديث عائشة رضى الله عنها فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٨١٥.\r(٣) رواه البزار، وفيه إبراهيم ابن صِرمَة، وهو ضعيف كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٥، ٢٦٩، ولكن يعضده رواية مسلم السابقة، ينظر: الشفا ٢/١١٨، وشرح الزرقانى على المواهب ٧/٢٦٠، ٢٦١، وشرح الشفا للملاعلى ٢/٢١٤، والمنهاج شرح مسلم ٩/١٧٣ رقم ٢٨١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555600,"book_id":1504,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":87,"body":"وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن عفريتاً من الجن جعل يفتك (١) علىَّ البارحة ليقطع على الصلاة. وإن الله أمكننى منه فذعته (٢) . فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سوارى المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون، أو كلكم، ثم ذكرت قول أخى سليمان: رب اغفر لى وهب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى. فرده الله خاسئاً\" (٣) .\rوعن أبى الدرداء رضى الله عنه (٤) قال: قام رسول الله ﷺ. فسمعناه يقول: \"أعوذ بالله منك\" ثم قال: \"ألعنك بلعنة الله\" ثلاثاً. وبسط يده كأنه يتناول شيئاً. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله! قد سمعناك تقول فى الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك. قال: \"إن عدو الله، إبليس، جاء بشهاب من نار، ليجعله فى وجهى، فقلت: أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه، والله! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة\" (٥) .","footnotes":"(١) \"يفتك) وفى رواية \"يفلت\" وهما صحيحان. والفتك: الأخذ فى غفلة وخديعة.\r(٢) بذال معجمة، أى خنقته، وفى رواية صحيحة بدال مهملة، أى: دفعته دفعاً شديداً.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان فى أثناء الصلاة والتعوذ منه؛ وجواز العمل القليل فيه ٣/٣٢، ٣٣ رقم ٥٤١، والبخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب الصلاة، باب الأسير أو الغريم يربط فى المسجد ١/٦٦٠ رقم ٤٦١.\r(٤) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/٩٤ رقم ٥٨٦٥، ومشاهير علماء الأمصار ص٦٤ رقم ٣٢٢، وتجريد أسماء الصحابة ٢/١٦٣، والاستيعاب ٤/١٦٤٦ رقم ٢٩٤٠.\r(٥) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان ٣/٣٣ رقم ٥٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555601,"book_id":1504,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":88,"body":"وعن عبد الرحمن بن خنبش رضى الله عنه (١) لما سئل كيف صنع رسول الله ﷺ حين كادته الشياطين. قال: تحدرت عليه الشياطين من الجبال والأودية، يريدون رسول الله ﷺ، قال: وفيهم شيطان وبيده شعلة من نار، يريد أن يحرق بها رسول الله ﷺ، فلما رآهم رسول الله ﷺ فزع منهم، فجاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد قل، فقال: ما أقول؟ قال: قل: \"أعوذ بكلمات الله التامات، التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن\" قال: فقالهن، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله ﷿\" (٢) .\rبالتأمل فى الروايات السابقة تجد أن الله ﷿ عصم رسوله ﷺ من قرينه الجنى بإسلامه، فلا يأمر رسول الله ﷺ إلا بخير.","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٤٣٩ رقم ٣٢٩٩، والاستيعاب ٢/٨٣١ رقم ١٤٠٦، وتجريد أسماء الصحابة ١/٣٤٦.\r(٢) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩١ رقم ١٣٧، والبيهقى فى دلائل النبوة ٧/٩٥، وأحمد فى مسنده ٣/٤١٩، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد ١٠/١٢٧ إلى أحمد وأبو يعلى والطبرانى بنحوه، وقال رجال أحد إسنادي أحمد، وأبى يعلى، وبعض أسانيد الطبرانى رجال الصحيح، وعزاه المنذرى فى الترغيب والترهيب ٢/٤٥٧ إلى أحمد وأبى يعلى، وقال لكل منهما إسناد جيد محتج به.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555602,"book_id":1504,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":89,"body":"وكذلك عصمه الله ﷿ من سائر شياطين الجن عندما تعرضوا له فى غير موطن. منها فى الصلاة عندما تعرض له عفريت من الجن، وفى رواية إبليس، وأراد إدخال شغل عليه فى الصلاة، فتمكن منه رسول الله ﷺ بخنقه، وهمَّ بربطة فى ساريه من سوارى المسجد، حتى يراه أهل المدينة إلا أنه ﷺ تركه، ودفعه دفعاً شديداً، وترك ما هَّم به عندما تذكر دعوة سيدنا سليمان ﴿رب هب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى﴾ (١) والنتيجة كما جاء فى روايات الحديث: عصمة رسول الله ﷺ من هذا العاتى المارد من الجن أو إبليس كما جاء فى رواية أبى الدرداء، ورده الله خاسئاً.\rوكذلك تبين رواية عبد الرحمن بن خنبش عصمة رب العزة لرسوله ﷺ من الشياطين لما تحدرت عليه من الجبال والأودية، يريدون حرقه وقتله، حيث نزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ يعلمه كلمات إذا قالهن نجا من كيدهم، فقالهن ﷺ، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله ﷿.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٣٥ ص.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555603,"book_id":1504,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":90,"body":"وهكذا كانت عصمة المولى ﷿ لرسوله ﷺ من الشياطين حتى مرض وفاته الذى لده فيه (١) بعض الحاضرين عنده بغير إذنه، ولما سألهم ﷺ عن ذلك قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجنب (٢) فبين لهم رسول الله ﷺ أن ذات الجنب من الشيطان وهو معصوم منه. قائلاً: \"إنها\rمن الشيطان، ولم يكن الله ﷿ ليسلطه علىَّ\" (٣) .\r\rب- عصمته ﷺ من الجهالات:","footnotes":"(١) أى جعلوا فى جانب فمه دواه بغير اختياره. ينظر: فتح البارى ٧/٧٥٤ رقم ٤٤٥٨، ١٠/١٧٦ رقم ٥٧١٢.\r(٢) ذات الجنب: تطلق بإزاء مرضين: أحدهما حقيقى: وهو ورم حار يعرض فى الغشاء المستبطن للأضلاع وينفجر إلى الداخل، وقلما يسلم صاحبها. والآخر: ما يعرض فى نواحى الجنب من رياح= =غليظة تحتقن بين الأضلاع التى فى الصدر، فتحدث وجعاً بين القلب والكبد. وهى من سئ الأسقام، والمراد بذات الجنب فى الحديث، التعريف الثانى لها، ولهذا قال ﷺ: \"إنها من الشيطان، ولم يكن الله ليسلطه على\" والضمير فى \"إنها\" راجع إلى لَدِهم، وأنثه باعتبار صنعتهم، ثم نسبه إلى الشيطان لأنه كان بسبب وسوسته لهم بذلك حتى فعلوا ما لم يأذنهم هناك\" ينظر: فتح البارى ٧/٧٥٤ رقم ٤٤٥٨، ١٠/١٧٦، رقم٥٧١٢ وشرح الشفا للملاعلى ٢/٢١٧.\r(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤/٤٤٩ رقم ٨٢٣٥، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وسكت عنه الحافظ فى فتح البارى ٧/٧٥٥ رقم ٤٤٥٨، ١٠/ ١٨٢ أرقام ٥٧١٩ - ٥٧٢١ وأخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب المغازى، باب مرض النبى ﷺ ووفاته ٧/٧٥٤ رقم ٤٤٥٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب السلام، باب كراهية التداوى باللدود ٧/٤٥٦ رقم ٢٢١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555604,"book_id":1504,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":91,"body":".. شب رسول الله ﷺ، يحفظه الله ﷿، ويعصمه من أقذار الجاهلية ومعائبها، ويتحدث رسول الله ﷺ عن مظاهر عصمة الله ﷿ له فى صغره، وقبل النبوة قائلاً:\r١- \"ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون بها إلا مرتين الدهر، كلتاهما يعصمنى الله ﷿ منها، قلت ليلة لفتى من قريش بأعلى مكة فى أغنام لأهلنا نرعاها: انظر غنمى حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وضرب دفوف وزمراً، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء، وبذلك الصوت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبى فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لى مثل ما قيل لى، فلهوت بما سمعت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبى، فقال لى! ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئاً، قال رسول الله ﷺ: فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمنى الله ﷿ بنبوته\" (١)","footnotes":"(١) أخرجه ابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) كتاب التاريخ، باب ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن النبى ﷺ كان على دين قومه قبل أن يوحى إليه ١٤/ ١٦٩ رقم ٦٢٧٢، والحاكم فى المستدرك ٤/٢٧٣ رقم ٧٦١٩ وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وأخرجه البزار ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٦، وصححه جماعة من الأئمة غير من سبق ذكرهم. منهم ابن حزم فى الفصل فى الملل والنحل ٢/٣٢١، والقارى فى شرح الشفا ١/٢٩٩ والشهاب الخفاجى فى نسيم الرياض ١/٤٨٣، وابن حجر فى المطالب العالية ٤/١٧٨ رقم ٤٢٥٩، وقال: قال البوصيرى: رواه ابن إسحاق بإسناد حسن، وابن حبان فى صحيحه، ووافق= =ابن حجر، السيوطى فى الخصائص الكبرى ١/١٥٠، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٨٦ رقم ١٢٨ واللفظ له، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٣، ٣٤، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٢/٢٦٧ من رواية البيهقى، وقال: هذا حديث غريب جداً، وقد يكون عن على بن أبى طالب نفسه، ويكون قوله فى آخره \"حتى أكرمنى الله ﷿ بنبوته، مقحماً أهـ قلت: ما قاله الحافظ ابن كثير يرده، إخراج الأئمة للحديث مرفوعاً، وتصحيح بعض الأئمة له.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555605,"book_id":1504,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":92,"body":".. وفيما قصه النبى ﷺ عن نفسه من خبر حفظ الله إياه من كل سوء منذ صغره وصدر شبابه، ما يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية:\rالأولى: أن النبى ﷺ كان متمتعاً بخصائص البشرية كلها، وكان يجد فى نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميولات الفطرية التى اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها. فكان يحس بمعنى السمر واللهو، ويشعر بما فى ذلك من متعة، وتحدثه نفسه لو تمتع بشئ من ذلك كما يتمتع الآخرون.\rالثانية: أن الله ﷿ قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف، وعن كل مالا يتفق مع مقتضيات الدعوة التى هيأه الله لها، فهو حتى عندما لا يجد لديه الوحي أو الشريعة التى تعصمه من الاستجابة لكثير من رغائب النفس، يجد عاصماً آخر خفياً يحول بينه وبين ما قد تتطلع إليه نفسه مما لا يليق بمن هيأته الأقدار لتتميم مكارم الأخلاق، وإرساء شريعة الإسلام (١) .\r\rجـ- عصمته ﷺ من التعرى ودفع ما يتوهم عكس ذلك:\r... عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: \"لما بنيت الكعبة ذهب النبى ﷺ وعباس ينقلان حجارة، فقال العباس للنبى ﷺ: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال: \"إزارى إزارى\" فشد عليه إزاره، وفى رواية: فما رؤى بعد ذلك اليوم عرياناً\" (٢) .","footnotes":"(١) ينظر: فقه السيرة للدكتور محمد البوطى ص٥٠، ٥١.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب الاعتناء بحفظ العورة ٢/٢٦٨ رقم ٣٤٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها ٣/٥١٣ رقم ١٥٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555606,"book_id":1504,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":93,"body":".. وهذه القصة وما فيها من حفظه ﷺ من التعرى قبل النبوة، وردت فى غير الصحيح عن ابن إسحاق عن أبيه عمن حدثه عن النبى ﷺ قال: \"لقد رأيتنى فى غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك قال: فأخذته وشددته علىَّ ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى وإزارى علىَّ من بين أصحابى\" (١) .\r... قال الحافظ ابن كثير: \"هذه القصة شبيهة بما فى الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقل هو وعمه العباس، فإن لم تكن فهى متقدمة عليها كالتوطئة\" (٢) .\r... وقال الإمام السهيلى: \"وهذه القصة إنما وردت فى الحديث الصحيح فى حين بنيان الكعبة، فإن صح أنه كان فى صغره، إذ كان يلعب مع الغلمان: فمحمله على أن هذا الأمر كان مرتين: مره فى صغره، ومره فى أول اكتهاله عند بنيان الكعبة\" (٣) .","footnotes":"(١) السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٣٩ نص رقم ١٨، وأخرجه من طريق ابن إسحاق البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٠، ٣١.\r(٢) البداية والنهاية ٢/٢٦٦.\r(٣) الروض الأنف ١/٣١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555607,"book_id":1504,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":94,"body":".. قلت: هذه القصة فى حالة صغره لم تصح سنداً، وإنما هى نفس قصة بنيان الكعبة، وإلى هذا مال الحافظ فى الفتح، فبعد أن ذكر روايات بنيان الكعبة، وهو ﷺ فى حالة كبره، والمؤيدة لما فى الصحيحين ذكر رواية الحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما (١) وهو ﷺ فى حالة صغره، وقال فيها: \"النضر أبو عمر الخزاز\" ضعيف، وقد خبط فى إسناده، وفى متنه، فإنه جعل القصة فى معالجة زمزم بأمر أبى طالب وهو غلام، وكذا روى ابن إسحاق – إشارة إلى الرواية السابق ذكرها – ثم قال الحافظ: فكأن هذه قصة أخرى، واغتر بذلك الأزرقى فحكى قولاً: أن النبى ﷺ لما بنيت الكعبة كان غلاماً\".\r... ثم أكد الحافظ أن القصة واحدة فى موضع آخر إذ يقول معقباً على كلام السهيلى السابق على رواية ابن إسحاق قائلاً: \"قلت: وقد يطلق على الكبير غلام إذا فعل فعل العلماء، فلا يستحيل اتحاد القصة اعتماداً على التصريح بالأولية فى حديث أبى الطفيل رضى الله عنه قال: \"فبينما رسول الله ﷺ ينقل الحجارة معهم إذ انكشفت عورته، فنودى يا محمد غط عورتك، فذلك فى أول ما نودى، فما رؤيت له عورة قبل ولا بعد\" (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤/١٩٩ رقم ٧٣٥٦، وقال: صحيح الإسناد، وقال الذهبى: فيه النضر أبو عمر الخزاز ضعفوه، وأخرجه الطبرانى فى الكبير، وفيه أيضاً النضر أبو عمر، وقد أجمعوا على ضعفه كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢/٥٢، وأخرجه ابو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩٠ رقم ١٣٥ من طريق ابن إسحاق، وفيه أيضاً النضر أبو عمر.\r(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه ٥/١٠٣ رقم ٩١٠٦، ومن طريقه الحاكم فى المستدرك ٤/١٩٩ رقم ١٩٩ رقم ٧٣٥٧ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، وأحمد فى مسنده ٥/٤٥٤، ٤٥٥، وينظر: فتح البارى ٣/٥١٦ رقم ١٥٨٢، ٧/١٨١ رقم ٣٨٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555608,"book_id":1504,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":95,"body":"فرية على عصمته ﷺ من التعرى والرد عليها:\r... رغم ما فى هذه القصة الصحيحة من عناية الله ﷿ بحفظ رسوله ﷺ من التعرى؛ إلا أننا نجد بعض أعداء السيرة العطرة الواردة فى السنة المطهرة من يرى فى إثبات هذا الأمر فى سيرة المصطفى ﷺ: \"خرافة، وأكذوبة مفضوحة، وشناعة، ليس الهدف منها إلا الحط من كرامة النبى ﷺ والإساءة لمقامه الأقدس\" (١) .\r... ولست أدرى أى خرافة، أو كذب، أو شناعة أو...الخ فى عصمة الله ﷿ لرسوله ﷺ من التعرى عند بناء الكعبة المشرفة؟\r... إن الشناعة فى نظر الرافضى هى فى تعرى رسول الله ﷺ! دون التفات منه لكيفية تعرى رسول الله ﷺ، وعصمة الله ﷿ منه! إنه يتكلم عن تعرى رسول الله ﷺ فى الرواية، وكأنه ﷺ تعمد ذلك أمام الناس.\r... إذ يقول بعد أن ذكر بعض النصوص فى حياء رسول الله ﷺ، وأنه كان مصوناً من رؤية عورته، حتى بالنسبة لأزواجه، وأن المشركين كانوا يستقبحون التعرى أمام الناس.\r... يقول متسائلاً: \"فكيف إذن يكشف النبى الأعظم عورته أمام الناس يا تُرى؟ \" (٢) وأقول له: من أين لك من روايات عصمة رسول الله ﷺ من التعرى عند بناء الكعبة، أنه ﷺ تعمد التعرى أمام الناس (وحاشاه من ذلك) من أين لك هذا التعمد حتى ولو فى رواية ضعيفة؟!! وأنى لك هذا، وفى الصحيح ما يبطل افتراءك.","footnotes":"(١) الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٢/١٦٧، وينظر: الخطوط الطويلة أو دفاع عن السنة لمحمد بن على الهاشمى ص١٣.\r(٢) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/١٧٠ – ١٧٢، وينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٢٦٩، ٢٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555609,"book_id":1504,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":96,"body":".. فعن أبى الطفيل رضى الله عنه قال: فبينما رسول الله ﷺ يحمل حجارة من أَجْياد (١) ، وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فيرى عورته من صغر النمرة، فنودى يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك\" (٢) .\r... فواضح من هذه الرواية، وما فيها معناها من الروايات التى فى الصحيحين أن رسول الله ﷺ، وهو يحمل الحجارة كان يستر عورته بنمرة، ولكنه وهو يحاول أن يتقى أذى الحجارة على عاتقه، حاول أن يضع طرفاً من النمرة على عاتقه، سواء من قبل نفسه أو بنصح عمه العباس له كما جاء فى الصحيح، لا تعارض. إذ النتيجة واحدة وهى: لصغر النمرة، بدت عورته، فسقط مغشياً عليه، وفى الصحيح أيضاً فخر إلى الأرض، وكلها بمعنى واحد، ولا تعارض ولا تناقض كما زعم الرافضى مستدلاً بذلك على وضع الحديث (٣) .\r... وفى هذا الغشيان أو السقوط على الأرض، عصمة من الله ﷿ لرسوله ﷺ إذ الجلوس أستر للعورة، ومعه أى هذا (السقوط) تمكن رسول الله ﷺ من شد إزاره على عورته التى انكشفت بلا تعمد منه، ومع كل ذلك كانت عناية وعصمة ربه ﷿ له إذ نودى: \"يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك\" وكل الروايات فى الصحيح وغيره على هذا المعنى!.","footnotes":"(١) بفتح الهمزة وسكون الجيم. جبل بمكة، النهاية فى غريب الحديث ١/٣١.\r(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٥/٤٥٥، وعبد الرزاق فى مصنفه ٥/١٠٣ رقم ٩١٠٦ وفيه عبد الله بن عثمان بن خيثم – صدوق كما قال الحافظ فى التقريب ١/٥١٣ رقم ٣٤٧٧ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.\r(٣) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٦٩، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٢٦٩، ٢٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555610,"book_id":1504,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":97,"body":".. فأين إذن ما يزعمه الرافضى بأن فى روايات عصمة رسول الله ﷺ، من التعرى حط من كرامته ﷺ، وإساءة لمقامه الأقدس؟ وأين ما يزعمه بأن هذه الروايات تظهره بتعمد كشف عورته أمام الناس؟ وأين أيضاً ما يزعمه بأن محاولة علماء أهل السنة للجمع بين هذه الروايات محاولة فاشلة، تأتى على حساب القرآن الذى لا نقدسه - على حد كذبه - ونزعم أن فيه تحريف، ونسخ لتلاوته، أما البخارى فنقدسه ونجله عن ذلك؟! (١) أهـ.\r\rد- عصمته ﷺ من أكل ما ذبح على النصب، ودفع ما يتوهم عكس ذلك:","footnotes":"(١) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/١٦٩، وينظر فى الرد على دعوى تقديس البخارى، الباب الرابع فصل \"شبهة اختلاف سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة والتاريخ عنها فى القرآن الكريم والرد عليها\" ص٤٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555611,"book_id":1504,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":98,"body":"١- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أن النبى ﷺ، لقى زيد بن عمرو بن نفيل (١) بأسفل بلدح (٢) قبل أن ينزل عليه ﷺ الوحي، فقدمت إلى النبى ﷺ سفرة (٣) فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه\" (٤) ، ففى الحديث تصريح بعدم أكله ﷺ، مما ذبح على النصب.","footnotes":"(١) هو والد سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم عمر بن الخطاب، يجتمع هو وعمر فى نفيل، كان يتعبد فى الجاهلية على دين سيدنا إبراهيم الخليل، ويوحد الله تعالى، قال زيد بن حارثة، ومات زيد بن عمرو وأنزل على النبى ﷺ فقال النبى لزيد: \"إنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة\" رواه أبو يعلى بإسناد حسن كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٤١٧، وزيد له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٣٦٨ رقم ١٨٦٠، وتجريد أسماء الصحابة ١/٢٠٠، والإصابة ٢/٦١٣ رقم ٢٩٢٥.\r(٢) اسم موضع بالحجاز قرب مكة. النهاية فى غريب الحديث ١/١٥٠.\r(٣) طعام يتخذه المسافر، ويحمله فى جلد مستدير. المصدر السابق ٢/٣٣٦.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل ٧/١٧٦ رقم ٣٨٢٦، وكتاب الذبائح والصيد، باب ما ذبح على النصب والأصنام ٩/٥٤٥ رقم ٥٤٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555612,"book_id":1504,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":99,"body":"- أما ما جاء فى حديث سعيد بن زيد بن عمرو أن رسول الله ﷺ، وزيد بن حارثة (١) مر بهما زيد بن عمرو، فدعوه إلى سفرة لهما، فقال: يا ابن أخى إنى لا آكل مما ذبح على النصب، فما رؤى النبى ﷺ بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب\" (٢) .\r- وفى حديث زيد بن حارثة رضى الله عنه قال: خرج رسول الله ﷺ وهو مردفى إلى نصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة، ووضعناها فى التنور (٣) حتى إذا نضجت، استخرجناها فجعلناها فى سفرتنا، ثم أقبل رسول الله ﷺ يسير، وهو مردفى فى أيام الحر، من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادى لقى فيه زيد بن عمرو – فذكر الحديث مطولاً – وفيه: ثم قدّمنا إليه يعنى زيد بن عمرو – السفرة التى كان فيها الشواء، فقال: ما هذه؟ فقلنا: هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال: إنى لا آكل ما ذبح لغير الله\" (٤) .","footnotes":"(١) هو حِبَّ رسول الله ﷺ، وأشهر مواليه، كان يدعى زيد بن محمد ﷺ قبل نزول قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ جزء من الآية ٥ الأحزاب له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٣٥٠ رقم ١٨٢٩، والاستيعاب ٢/٥٤٢ رقم ٨٤٣.\r(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ١/١٨٩ وفيه المسعودى وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٤١٧.\r(٣) هو الإناء الذى يخبز فيه. النهاية فى غريب الحديث ١/١٩٤.\r(٤) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٢٣٨، ٢٣٩ رقم ٤٩٥٦ وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وأخرجه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٦، وأخرجه ابو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٨٧ رقم ١٣٠، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555613,"book_id":1504,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":100,"body":"وفى رواية قال: \"ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه\" (١) فليس فى الروايتين ما يتعارض مع رواية البخارى السابقة من عصمته ﷺ من أكل ما ذبح للأصنام، لأن قول زيد: \"هذه شاة ذبحناها لنُصب كذا وكذا\" تعنى الحجر الذى ذبحت عليه الشاة، وليس هذا الحجر بصنم ولا معبود، وإنما هو من آلات الجزار التى يذبح عليها، لأن النُصب فى الأصل حجر كبير. فمنها ما يكون عندهم من جملة الأصنام، فيذبحون له وعلى اسمه! ومنها مالا يعبد، بل يكون من آلات الذبح، فيذبح الذابح عليه لا للصنم!.\rوهذا أكثر ما تحمله العبارة السابقة: أن يكون زيد بن حارثة ذبح شاة، واتفق ذلك الذبح عند صنم، كانت قريش تذبح عنده، لا أنه ذبحها للصنم!.\rفظن زيد بن عمرو أن ذلك اللحم مما ذبح لصنم، فامتنع لذلك حسماً للمادة، ولم يكن الأمر كما ظن زيد (٢) .\rويكون امتناع النبى ﷺ بعد ذلك عن أكل شئ ذبح على النصب أى الحجر مثل امتناع زيد بن عمرو حسماً للمادة.","footnotes":"(١) أخرجه أبو يعلى، والبزار، والطبرانى، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٤١٨ ورجال أبى يعلى والبزار، وأحد أسانيد الطبرانى رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث. وينظر: مجمع الزوائد ٨/٢٢٦.\r(٢) ينظر: فتح البارى ٧/١٧٨ رقم ٣٨٢٦،والنهاية فى غريب الحديث ٥/٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555614,"book_id":1504,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":101,"body":"هذا ولا يعنى قول زيد بن حارثة: \"فما رؤى النبى ﷺ بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب\" أنه ﷺ قبل ذلك كان يأكل مما ذبح لصنم! كلا! وحاشاه ﷺ من ذلك، ويؤكده ما جاء فى نفس الرواية السابقة من حديث زيد بن حارثة قال: \"وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تمسه\" قال زيد: فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فمسحته! فقال رسول الله ﷺ: \"ألم تنه؟ \" (١) .\rفكيف يعقل إذن أن ينهى رسول الله ﷺ عن استلام الأصنام ثم يذبح لها؟! (٢) .\rأما ما يستشكل من قول زيد بن عمرو: \"إنى لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه\" وهو ما يعنى أنه علم أن الشاة المذبوحة، إنما ذبحت على النصب الذى هو من آلات الذبح، ولم تذبح لصنم، ولكنه مع ذلك امتنع عن الأكل منها، لأنها لم يذكر عليها اسم الله ﷿، وهو ما يعنى أن رسول الله ﷺ كان أولى بهذه الفضيلة من زيد بن عمرو.\rفالجواب: أنه ليس فى الحديث أنه ﷺ أكل منها، وعلى تقدير أن يكون أكل، فزيد إنما كان يفعل ذلك برأى يراه، لا بشرع بلغه، ولاسيما وزيد يصرح عن نفسه بأنه لم يتبع أحداً من أهل الكتابين (٣) .","footnotes":"(١) يراجع: تخريج رواية الحاكم السابقة.\r(٢) سيأتى بعد قليل: بيان المراد مما يفيد ظاهره عكس عصمته من استلام الأصنام.\r(٣) ينظر فى ذلك ما أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو ٧/١٧٦ رقم ٣٨٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555615,"book_id":1504,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":102,"body":"وهو وإن كان على دين سيدنا إبراهيم، فشرعه على تحريم الميتة، لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، واستمر ذلك حتى جاء الإسلام (١) .\rأما قول بعض خصوم السيرة العطرة: \"بأن هذا جواب بارد، لأن فيه إدراك زيد لهذا الأمر الذى وافق فيه نظر الشرع\" (٢) .\rفأقول له: وأين نظر الشرع هنا فى إدراكه، وقد جاء النهى عن أكل ما ذبح إلى غير اسم الله ﷿، بعد المبعث بمدة طويلة، ولم ينقل أن أحداً بعد المبعث كف عن الذبائح حتى نزل قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ (٣) .\rأما زعمه بان إدراك زيد لذلك دونه ﷺ مما لا يمكن قبوله، أو الالتزام به، لأنه يعنى أن زيداً كان أعقل من النبى ﷺ وأعرف به (٤) .\rفالجواب: أنه ليس فى إسناد فضيلة لزيد بن عمرو أو لغيره، ما يعود بالنقض على رسول الله ﷺ، ولا ما يثبت تفضيله عليه. إذ من المسلم أنه قد يكون فى المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل، ولا يؤثر هذا فى أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية. وهذا بديهى. وإلا فليخبرنا الرافضى، هل الفضائل والمناقب الصحيحة، بل وحتى الضعيفة والموضوعة التى تنسب لسيدنا على بن أبى طالب، أو غيره من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين تعنى أنه أو أنهم أعقل من سيدنا رسول الله ﷺ وأعرف منه، وأفضل منه؟!! أهـ.\r\rهـ عصمته ﷺ من الحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، ويحلفون بها تعظيماً لها:","footnotes":"(١) ينظر: فتح البارى ٧/١٧٦ رقم ٣٨٢٧، والروض الأنف ١/٣٨٣.\r(٢) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٢٠٣، وينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٢٦٢، ومساحة للحوار لأحمد حسين يعقوب ص١١٧.\r(٣) الآية ١٢١ الأنعام.\r(٤) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٢٠١ - ٢٠٣، وينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٢٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555616,"book_id":1504,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":103,"body":".. جاء فى قصة بحيرا الراهب أنه استحلف النبى ﷺ باللات والعزى حينما لقيه بالشام فى سفرته مع عمه أبى طالب وهو صبى، لما رأى فيه علامات النبوة، فقال بحيرا للنبى ﷺ يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فقال له النبى ﷺ: \"لا تسألنى باللات والعزى شيئاً، فوالله ما أبغضت بغضها شيئاً قط\" (١) .\rوعن عروة بن الزبير رضى الله عنه قال: حدثنى جار لخديجة بنت خويلد رضى الله عنها قال: سمعت النبى ﷺ يقول لخديجة: أى خديجة والله لا أعبد اللات أبداً، والله لا أعبد العزى أبداً، قال: فتقول خديجة خل العزى، قال: كانت صنمهم الذى يعبدون، ثم يضطجعون\" (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٣٦ نص رقم ١٧٧، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٧٢ رقم ١١٠، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٢٦ – ٢٩، كلاهما من طريق ابن إسحاق.\r(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٤/٢٢٢، ٥/٣٦٢ ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٥، وصحح إسناده أيضاً الشيخ محمد شاكر فى هامشه على المسند ١٤/١٥ رقم ١٧٨٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555617,"book_id":1504,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":104,"body":"و عصمته ﷺ من استلام الأصنام، وبيان مراد ما يفيد ظاهره عكس ذلك:\r... عن زيد بن حارثة رضى الله عنه قال: \"وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تمسه\" قال زيد: فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه؛ حتى أنظر ما يقول! فمسحته فقال رسول الله ﷺ: \"ألم تنه؟ \" قال زيد: فوالذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلمت صنماً حتى أكرمه الله بالذى أكرمه، وأنزل عليه الكتاب...الحديث\" (١) .\r... أما ما روى ما يفيد ظاهره من استلامه ﷺ الأصنام، فليس ظاهره مراداً على فرض صحة الرواية، كيف والرواية فى ذلك لم تصح.\r... فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: \"كان النبى ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم، قال: فسمع مَلَكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله ﷺ. قال: كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم\" (٢) أى لم يعد رسول الله ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم التى فيها شئ من الوثنية، وإلا فقد كان يشهد مشاهد الحلف ونحوه، لا مشاهد استلام الأصنام.","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٥٩.\r(٢) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٥، وأبو يعلى، والحديث فيه عبد الله بن محمد ابن عقيل، ولا يحتمل هذا من مثله كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555618,"book_id":1504,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":105,"body":".. قال الحافظ ابن حجر فى المطالب العالية: \"هذا الحديث أنكره الناس على عثمان ابن أبى شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الَملَك \"عهده باستلام الأصنام\" فإن ظاهره أنه باشر الاستلام، وليس ذلك مراداً، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم\" (١) .\r... وهذا الرأى ذهب إليه الأئمة: السيوطى فى الخصائص الكبرى (٢) وابن كثير فى البداية\rوالنهاية (٣) والبيهقى فى دلائل النبوة (٤) والهيثمى فى مجمع الزوائد (٥) قائلاً: \"رواه أبو يعلى وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، ولا يحتمل هذا من مثله، إلا أن يكون رسول الله ﷺ كان يشهد تلك المشاهد قبل النبوة للإنكار وهذا يتجه، ويفسره ويؤكده رواية زيد بن حارثة السابقة\" أهـ بتصرف.\r... قلت: وأنا مع الأئمة فيما ذهبوا إليه من إنكارهم للحديث، وتفسيرهم لظاهر استلامه ﷺ للأصنام بأن المراد به شهوده ﷺ مشاهد المشركين واستلامهم لأصنامهم، ويؤكد هذا التفسير سيرته العطرة قبل النبوة والتى عصمه ربه ﷿ فيها مما كان عليه المشركون، من أكل ما ذبح على النصب، أو الحلف بأسماء الأصنام، وكذلك عصمته من مظاهر لهو الجاهلية، ولو كان من رسول الله ﷺ شئ من ذلك لاحتجوا به فى رد دعوته بعد البعثة، ولكن ذلك لم يرد، فدل على عصمته ﷺ منه.","footnotes":"(١) المطالب العالية ٤/١٧٩ رقم ٤٢٦١.\r(٢) ١/١٥٢.\r(٣) ٢/٢٦٨.\r(٤) ٢/٣٦.\r(٥) ٨/٢٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555619,"book_id":1504,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":106,"body":".. \"وأياً كان الأمر فإن حديث جابر منكر، أنكره أحمد بن حنبل جداً، وقال هو موضوع، أو شبيه بالموضوع، وقال الدارقطنى: يقال إن عثمان بن أبى شيبة وَهِمَ فى إسناده ... وقال القاضى عياض: والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه\" (١) ورغم حكم أئمة السنة على رواية جابر بالنكارة، إلا أنك تجد بعض الشيعة يحاول أن يوهم قارئه أن علماء السنة يصححونها (٢) .\r... أما ما زعمه \"در منغم\" من تقربه ﷺ إلى العزى بشاة بيضاء (٣) وما ذكره الدكتور هيكل تبعاً له، من أنه ﷺ تمسح بالصفراء (٤) فكلاهما ادعاء باطل؛ واختلاق من نسج خيال مريض، حيث لم يرد لم زعموا ذكر البتة، فى أى من كتب السنة أو السير أو التاريخ أو غيرها. وأنى لهما أن يثبتا ذلك؟ ! ولماذا اختيار الشاة البيضاء؟ أو صنم الصفراء بأعيانهما؟ وإذا كان رسول الله ﷺ، يصون لسانه عن مجرد ذكر الأصنام؛ فكيف يقرب القرابين إليها ويتعبدها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.\r\rز- من مظاهر عصمته ﷺ شق صدره الشريف:\r... قال تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٥) فى هذه الآية الكريمة يبين رب العزة منته على رسول الله ﷺ، بشرح صدره الشريف لإعداده للقيام بعبء الدعوة، وحمل الرسالة، وعصمته من الشيطان الرجيم (٦) .","footnotes":"(١) الشفا ٢/١١٤ بتصرف يسير.\r(٢) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٢/٢٠٤.\r(٣) حياة محمد ص٧٥، وينظر: الرسول ﷺ فى كتابات المستشرقين ص١٣٥، ١٦٠.\r(٤) ينظر: السيرة النبوية فى ضوء الكتاب والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٢٣٦، وحياة محمد لهيكل ص١١٧.\r(٥) الآية الأولى الشرح.\r(٦) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٨/٤٤٨ بتصرف يسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555620,"book_id":1504,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":107,"body":".. والاستفهام فى الآية (ألم) للتقرير: أى قد شرحنا لك صدرك والشرح هنا فى حقه ﷺ، شرح معنوى وحسى معاً.\r... أما الشرح المعنوى: فهو بالنور الإلهى كما فى قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد فى السماء﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ (٢) .\r... أما الشرح الحسى: فقد حدث له ﷺ أربع مرات (٣) وبه قال كثير من الأئمة:\rوكانت المرة الأولى: عندما كان ابن أربع سنين من عمره المبارك، وكان القصد منها كما جاء فى الرواية – نزع العلقة السوداء من قلبه، كرامة له من عند ربه ﷿، تلك العلقة التى ولد بها تكملة للخلق الإنسانى، لأنها حظ الشيطان من كل البشر، وقد تم بنزعها من قلبه ﷺ، أن نشأ مبرءاً من كل عيب، فنشأ على أكمل أحوال البشر من العصمة من الشيطان، والاتصاف بالمحامد العليا منذ نعومة أظفاره، والتى لا يفوقه فيها غيره (٤) .","footnotes":"(١) الآية ١٢٥ الأنعام.\r(٢) الآية ٢٢ الزمر.\r(٣) وروى شق صدره الشريف مرة خامسة، وهو ابن عشرين سنة فيما قيل ولا تثبت فلا تذكر إلا مقرونة ببيان عدم الثبوت كما قال أئمة الحديث ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٢٨٩، ٥/٤٧٢، وفتح البارى ١/٥٤٩ رقم ٣٤٩، ١٣/ ٤٨٩ رقم ١٥١٧.\r(٤) ينظر: الروض الأنف للسهيلى ١/٢٩١، وفتح البارى ٧/٢٤٤ رقم ٣٨٨٧، وشرح الزرقانى على المواهب ١/٢٨٩، ٥/٤٦٨، ٤٦٩، ٨/٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555621,"book_id":1504,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":108,"body":"وقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه هذه المرة الأولى لشق صدره الشريف مجملة عن أنس بن مالك رضى الله عنه (١) أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعنى ظئره (٢) فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره\" (٣) فالحديث نص صريح على الشق الحسى لصدر رسول الله ﷺ (٤)","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٤٤ رقم ٢٣، ومشاهير علماء الأمصار ص٤٧ رقم ٢١٥، وأسد الغابة ١/٢٩٤ رقم ٢٥٨، والإصابة ١/٧١ رقم ٢٦٧.\r(٢) أى مرضعته، وأصله العاطفة التى تحن على ولد غيرها فترضعه. ينظر: القاموس المحيط ٢/٧٩، ولسان العرب ٤/٢٧٤١.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ ١/٤٨٨ رقم ٢٦١، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ١٤/ ٢٤٢ رقم ٦٣٣٤، وأحمد فى مسنده ٣/١٢١، ١٤٩، ٢٨٨، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢٢١ رقم ١٦٨، وابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٥٠، وللحديث شاهد من حديث حليمة بنت الحارث، أم رسول الله ﷺ، السعدية، التى أرضعته، أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ١/٢١١ – ٢١٤ رقم ١٦١، وأبو يعلى، والطبرانى فى الكبير بنحوه ٢٤/٢١٢ رقم ٥٤٥ ورجالهما ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٠، وابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١١٠ – ١١٢، والذهبى فى تاريخ الإسلام ٢/٤٦ – ٤٨ وقال: هذا حديث جيد الإسناد، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ١/١٣٢ – ١٣٦، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٥٥ رقم ٩٤ كلاهما من طريق ابن إسحاق.\r(٤) خلافاً لمن أنكر ذلك من أعداء الإسلام، وأذيالهم من خصوم السنة والسيرة، وسيأتى الرد عليهم ص١٨٤ - ١٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555622,"book_id":1504,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":109,"body":"، وإخراج جبريل لحظ الشيطان منه، وتطهير لقلبه، فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه، وهذا دليل على عصمته من كل ما يمس قلبه، وعقيدته، وخلقه، منذ صغره ﷺ.\rوقد تكرر شق صدره الشريف للمرة الثانية، وهو ابن عشر سنين وأشهر من عمره الطيب المبارك، وهو سن بداية الكمال، وذلك لقربه من سن التكليف، من أجل أن لا يلتبس بشئ مما يعاب على الرجال، وحتى لا يكون فى قلبه شئ إلا التوحيد، كما كان أيضاً شق صدره الشريف هذه المرة توطئة لما بعده عند البعثة الشريفة (١) .","footnotes":"(١) ينظر: الروض الأنف ١/٢٩١، وشرح الزرقانى على المواهب ١/٢٧٩، ٥/٤٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555623,"book_id":1504,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":110,"body":"فقد أخرج عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند عن أبى بن كعب رضى الله عنه (١) أن أبا هريرة رضى الله عنه كان جريئاً على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت فى أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالساً. وقال: لقد سألت أبا هريرة إنى لفى صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسى، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلانى بوجوه لم أراها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلىَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهم بعضدى، لا أجد لأحدهما مساً، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه؛ فأضجعانى بلا قصر ولا حصر، وقال أحدهما لصاحبه: أفلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدرى، ففلقها فيما أرى بلا دم، ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذى أخرج يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلى اليمنى، فقال: اغد وأسلم، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير\" (٢) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/١٧ رقم ٦، ومشاهير علماء الأمصار ص١٩ رقم ٣١، وأسد الغابة ١/١٦٨ رقم ٣٤، والإصابة ١/١٩ رقم ٣٢.\r(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند ٥/١٣٩ وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٣ رواه عبد الله بن أحمد ورجاله ثقات، وثقهم ابن حبان أهـ وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢١٩ رقم ١٦٦، وللحديث شاهد من حديث عتبة بن عبد السلمى أخرجه أحمد فى مسنده ٤/١٨٤، وإسناده حسن كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢١، والدارمى فى سننه المقدمة، باب كيف كان أول شأن النبى ﷺ ١/٢٠ رقم ١٣، والحاكم فى المستدرك ٢/٥٧٥ رقم ٣٩٤٩، وقال: صحيح الإسناد، وقال الذهبى: صحيح على شرط مسلم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555624,"book_id":1504,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":111,"body":"وكان المرة الثالثة لشق صدره الشريف عند المبعث، وذلك لإعداد قلبه لتحمل عبء الوحي والرسالة، بقلب قوى فى أكمل الأحوال من التطهير (١) فعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ نذر أن يعتكف شهراً هو وخديجة بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبى ﷺ ذات ليلة فسمع: السلام عليك، فقال: فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعاً حتى دخلت على خديجة، فسجتنى ثوباً، وقالت: ما شأنك يا ابن عبد الله؟ فقلت سمعت: السلام عليك، فظننتها فجأة الجن، فقالت: أبشر يا ابن عبد الله، فإن السلام خير، قال: ثم خرجت مرة فإذا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، قال فهلت (٢) منه، فجئت مسرعاً، فإذا هو بينى وبين الباب، فكلمنى حتى أنست به، ثم وعدنى موعداً، فجئت له فأبطأ علىَّ، فأردت أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل قد سدا الأفق، فهبط جبريل وبقى ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذنى جبريل، فاستلقانى لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبى، فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم أكفأنى كما يكفأ الأديم، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مس الخاتم فى قلبى، ثم قال: اقرأ، ولم أك قرأت كتاباً قط، فلم أجد ما أقرأ، ثم قال: اقرأ، قلت ما أقرأ قال ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق﴾ (٣) حتى انتهى إلى خمس آيات منها، فما نسيت شيئاً بعد، ثم وزننى برجل، فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، حتى وزننى بمائة رجل، فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، فجعلت لا يلقانى حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة قالت: السلام عليك يا رسول الله\" (٤)","footnotes":"(١) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٢٨٨، ٤١٩، ٤٢٠، وفتح البارى ٧/ ٢٤٤ رقم ٣٨٨٧.\r(٢) أى فَهِبتُ منه، كما جاء فى رواية الطيالسى فى مسنده ص٢١٦ رقم ١٥٣٩.\r(٣) الآية الأولى العلق.\r(٤) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢١٥، ٢١٦ رقم ١٦٣، وأبو داود الطيالسى فى مسنده ص٢١٥، ٢١٦ رقم ١٥٣٩، وإسناده حسن كما قال الحافظ فى فتح البارى ١/٣٣ رقم ٣، وأخرجه الحارث بن أسامة فى مسنده كما قال الحافظ فى فتح البارى ١٣/٤٨٩ رقم ٧٥١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555625,"book_id":1504,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":112,"body":"٠\rأما المرة الرابعة التى شق فيها صدر النبى ﷺ فكانت ليلة الإسراء والمعراج وذلك تأهباً لمناجاة ربه ﷿، والمثول بين يديه، واستعداداً لما يلقى إليه من سائر أنواع الفيوضات الإلهية، وما يراه من عظيم الآيات الربانية (١) .\rفعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان أبو ذر رضى الله عنه (٢) يحدث أن رسول الله ﷺ قال: \"فرج عن سقف بيتى وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدرى، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً. فأفرغها فى صدرى، ثم أطبقه. ثم أخذ بيدى، فعرج بى إلى السماء ... الحديث (٣) .\rوالحكمة هنا فى شق صدره الشريف، مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيماناً وحكمة بغير شق؛ الزيادة فى قوة اليقين، لأنه أعطى برؤية شق بطنه، وعدم تأثره بذلك، ما أمن معه من جميع المخاوف العادية المهلكة، فكمل له ﷺ بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله ﷿ وعدم الخوف مما سواه، فلذلك كان ﷺ أشجع الناس، وأعلاهم حالاً ومقالاً، ولذلك وصف بقوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿ما زاغ البصر ما طغى﴾ (٥) .","footnotes":"(١) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٨/٥٠، والبداية والنهاية ٢/٢٥٧.\r(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/٩٦ رقم ٥٨٦٩، وتجريد أسماء الصحابة ٢/١٦٤، والاستيعاب ٤/١٦٥٢ رقم ٢٩٤٤، وتذكرة الحفاظ للذهبى ١/١٧ رقم ٧.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ ١/٤٨٩ رقم ٢٦٣، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب أحاديث الأنبياء، باب ذكر إدريس ﵇ ٦/٤٣١ رقم ٣٣٤٢.\r(٤) الآية ١١ النجم.\r(٥) الآية ١٧ النجم. وينظر: فتح البارى ٧/٢٤٦ رقم ٣٨٨٧، وشرح الزرقانى على المواهب ٨/٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555626,"book_id":1504,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":113,"body":"والشاهد فى الروايات السابقة على عصمته ﷺ، أنه قد أُفرغ فى صدره الشريف طست ممتلئ حكمة وإيماناً؛ وتجسيد المعنويات فى قدرة الله ﷿ هين... وهذا يوضح عصمته، إنه الذى نزعت عقله من صدره، هى حظ الشيطان منه، وأفرغ فى صدره طست الإيمان والحكمة، فكيف يكون عقل هذا شأنه؟ إنه يكون عقله أسمى من كل عقل، وأزكى من كل فهم، ولم لا: وقد نزع منه حظ الشيطان، وملئ قلبه بالحكمة والإيمان والحكمة جامعة لعموم العلوم والمعارف، والإيمان كلمة جامعة لكل ما يرضى الله ﵎ (١) .\r\rح- من مظاهر عصمته ﷺ تكافؤ أخلاقه:\r... وهكذا نشأ المصطفى ﷺ، محفوظاً ومعصوماً قبل النبوة وبعدها من الشيطان الرجيم، ومعصوماً من كل ما يمس عقيدته بسوء، بل ومن كل ما يمس خلقه، حتى كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً حتى سماه قومه \"الأمين\" (٢) .\r... وهذا الاسم العظيم \"الأمين\" يمثل أصدق تمثيل مدح رب العزة له بقوله سبحانه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية لفضيلة الأستاذ الدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٧١.\r(٢) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٥٢ نص رقم ١٩٧، والروض الأنف ١/٣٤٦، وطبقات ابن سعد ١/١٤٦، ودلائل النبوة للبيهقى ٢/٥٦ - ٦٢، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/٥٢.\r(٣) الآية ٤ القلم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555627,"book_id":1504,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":114,"body":".. وهو اسم يمثل التكافؤ الخلقى فى شخصية سيدنا محمد ﷺ أصدق تمثيل؛ وأعنى بالتكافؤ الخلقى: أن أخلاقه ﷺ كلها قبل النبوة وبعدها تنبع من عصمة المولى ﷿ له، فهو الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، ومن هنا كانت أخلاقه كلها نِسَبِها متفقة، فصهره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه... وهكذا لا تجد له خلقاً فى موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خلق آخر فى موضعه منها، وهذا التكافؤ الخلقى فى وجوده الواقعى فى شخصيته ﷺ معجزة فى الحياة، لأن الإنسان معترك الغرائز، والتكافؤ الخلقى فى الشباب ضرب من المحالات فى متعارف الحياة، فإذا حققه الوجود الواقعى فى شباب سيدنا محمد ﷺ كان وجوده معجزة، ودليل على عصمة رب العزة له، وعنايته به وحفظه من مظاهر الجاهلية، على ما سبق تفصيله.\r... وكذلك التكافؤ الخلقى فى شخصيته ﷺ بعد النبوة يعد معجزة ودليل على عصمته. لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشرية من كان هذا التكافؤ الخلقى خليقته العامة سوى المصطفى محمد ﷺ، وإذا ذكر التاريخ غيره من النماذج العليا ذكره عنواناً لتبرير جزئى فى بعض الفضائل والأخلاق. فهذا مثل مضروب فى الصبر، وذاك فى الحلم، وثالث فى الكرم، ورابع فى الشجاعة. وهكذا تتفرق النهايات فى الأخلاق والفضائل فى نماذج متعددة، ولكنها تجتمع متكافئة فى شخصيته ﷺ، وهذا من الإعجاز والعصمة.\r... وإذا أردت مثلاً على هذا التكافؤ الخلقى فى شخصيته ﷺ فتأمل حاله قبل زواجه من خديجة رضى الله عنها من شظف العيش، وقلة ذات يده، وتأمل حاله بعد زواجه منها، حيث أصبح ﷺ بين عشية وضحاها من أغنياء قريش، وذوى ثرواتها، حيث أصبح عُرفاً مالها ماله، وثراؤها ثراءه. فهل غير ذلك تكافؤه الخلقى؟!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555628,"book_id":1504,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":115,"body":".. كلا! إن سيدنا محمد ﷺ ظل بعد هذا الثراء الغامر، كما كان من ولد ونهد وشب، يعيش فى شظف عيشه؛ لا من قلة المال فى يده، بل لأن خصيصة التكافؤ الخلقى عنده طبعته على الزهادة فى الحياة المادية المترهلة التى كانت تحياها قريش، وطبعته على التسامى بنفسه عن مطامع الماديين، إذا هبط عليهم الثراء من غير كد ولا تعب.\r... فحياته ﷺ قبل زواجه من خديجة كانت تقلل من الدنيا، وكذلك كانت حياته بعد زواج خديجة، حياة تقلل من الدنيا وهى ملء يده وهكذا كان آخر حياة شبابه، صورة من أولها (١) .\r... ولا غرو فى أن يكون رسول الله ﷺ بتلك المثابة من التكافؤ الخلقى، فقد عصمه ربه ﷿، واصطنعه لنفسه، وأراد منه أن يكون خاتم أنبيائه ورسله إلى الخلق كافة، ولا يقوم بذلك إلا أمين صاحب خلق عظيم، ينال ثقة الناس فيستجيبون له ويؤمنون به.\r\rط- من مظاهر عصمته ﷺ كمال عقله:\r... إن كمال العقل وفطنته من أبرز صفات الرسل الذاتية التى منحهم الله تعالى إياها، وهى من لوازم الرسالة الإلهية، والاصطفاء الربانى لها، كما أنها عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة الرسل إلى أقوامهم، ومعالجتهم بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة وفق طبائعهم وأخلاقهم. قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ (٢) وواضح من هذه الآية الكريمة التى تبين سبيل الدعوة أنها تعتمد على رجاحة العقل وفطنته.","footnotes":"(١) ينظر: محمد رسول الله ﷺ لفضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون ١/٢١١ - ٢١٣ بتصرف، ونبى الإسلام بين الحقيقة والادعاء للدكتور عبد الراضى محمد ص٤٩، ٢١٢، وأعلام النبوة للماوردى ص٣٠٩.\r(٢) الآية ١٢٥ النحل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555629,"book_id":1504,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":116,"body":".. فلابد أن يكون الرسول أكمل الناس عقلاً وفطنة حتى يقيم الحجة على قومه على خير وجه، بحيث تكون ملزمة للخصم كل الإلزام، فإن آمن، وإلا جادله فاستعمل معه أسلوب المعارضة، والمناقضة، وهو فى كل ذلك يسلك مسالك الكرام لا يسئ ولا يغضب (١) وقد قص الله ﷿ لنا من أحوال فطنة الرسل مالا ينقض منه العجب، من سرعة البديهة، وإقامة الحجة الصادقة، وذلك كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، ويونس، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\r... وإذا ذهبنا لذكر نماذج من فطن الأنبياء فى القرآن الكريم، فإن ذلك يفضى بنا إلى الإطالة، ولكن بحسبنا أن نأتى ببعض النماذج من واقع حياة سيدنا محمد ﷺ، لتكون كافية للدلالة على باقى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق نبى يجوز فى حق غيره من الأنبياء.\r... قال القاضى عياض: بعد أن قرر أنه لا مرية فى أنه ﷺ أعقل الناس وأذكاهم وفى ذروة الذرى فى الفطنة، ورجاحة العقل قال: \"ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب فيه، لم يمتر فى رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة\" (٢) .\r... وإليك بعض الأمثلة على كمال عقله وفطنته من سيرته العطرة:\rأ- سرعة حله للمشاكل المستعصية التى تحار فى حلها العقول الكبيرة الشهيرة وصور ذلك كثيرة منها:","footnotes":"(١) ينظر: أعلام النبوة للماوردى ص٨٩، ٣٠٩ بتصرف، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٧٢، وأخلاق النبى ﷺ فى القرآن والسنة للدكتور أحمد الحداد ٢/١٠٣٧.\r(٢) الشفا ١/٦٦، ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555630,"book_id":1504,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":117,"body":"حله لمشكلة قريش فى وضع الحجر الأسود الذى تنافست فيه قبائلها، وأرادت كل قبيلة أن تحوز شرف وضعه، وتستأثر به على غيرها، حتى وصل بها الحال إلى شفا الحرب، حيث قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، وأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة، وكان يومئذ أسن قريش كلها على أن يجعلوا بينهم فيما يختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد – يعنى باب بنى شيبة – فكان أول داخل رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد! فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال ﷺ: \"هلم إلى ثوباً، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً. ففعلوه حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ ثم بنى عليه\" (١) .","footnotes":"(١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٥٢ نص رقم ١٩٧، والروض الأنف ١/٣٤٦، وطبقات ابن سعد ١/١٤٦، ودلائل النبوة للبيهقى ٢/٥٦ – ٦٢، وعيون الأثر ١/٥٢، وأصل القصة فى سند أحمد ٣/٤٢٥ من حديث مجاهد عن مولاه السائب بن عبد الله، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٣/٢٩٢، ٨/٢٢٩، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة، وأخرجه الحاكم فى المستدرك ١/٦٢٨ رقم ١٦٨٣ وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555631,"book_id":1504,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":118,"body":"وبذلك رفع ما بينهم من ذلك الخلاف الذى كاد يؤدى برجالهم، والذى حارت فيه عقولهم، وفيهم المشهورون بالعقل والحنكة والتجربة والسؤود، ومع ذلك بارت فى هذه المشكلة العويصة، حتى خلصهم منها ذو الفطنة النبوية سيدنا محمد ﷺ، وهو يومئذ فى سن الخامسة والثلاثين من عمره ﷺ (١) على الرغم من وجود الكبار والكبار جداً، وعلى الرغم من وجود العقلاء والنبلاء جداً، إلا أنه ﷺ هو الذى حل المشكلة، إنه ﷺ الذى ارتضاه الجميع لمكانته، فلما حكم ارتضوا حكمه لعدالته. لم يعترض أحد على شخصه، ولم يعترض أحد على فكره، حتى قال من لا يعرفه! يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سناً، وأقلهم مالاً، فرأسوه فى مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له!! (٢) .","footnotes":"(١) وهذا رأى ابن إسحاق، وإليه جنح جمهور المؤرخين، ومؤلفى السير والمغازى. ينظر: المصادر السابقة، مع محمد رسول الله ﷺ للشيخ محمد عرجون ١/١٩٠.\r(٢) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555632,"book_id":1504,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":119,"body":"ومثل هذا الحل السريع الحاسم حله ﷺ لمشكلة المهاجرين ﴿الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله﴾ (١) فوفدوا إلى المدينة لا يملكون شيئاً، فكانوا بذلك فى خطر المجاعة والغربة، مما اقتضى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة، وكان رجلها وواحدها رسول الله ﷺ، حيث آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق، والتوارث، واستمروا على ذلك الحال إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿وأولوا الرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾ (٢) فنسخت حكم التوارث بين المهاجرين والأنصار (٣) وبذلك حل النبى ﷺ مشكلة من أكبر المشاكل استعصاءً فى الحل.\rكما حل فى نفس الوقت مشكلة أخرى هى بمثابة المشكلة الأولى فى الأهمية، وهى مشكلة التعايش فى المدينة بين طوائف مختلفة: الأوس والخزرج الذى كان بينهما من العداء بسبب ما كان يجرى بينهما من الحروب مالا يكاد ينسى والمهاجرين الذين تركوا أوطانهم وأموالهم، وأتوا لنصرة رسول الله ﷺ وجموع يهود التى كانت تسيطر على الحركة الاقتصادية فى المدينة باحتكارها التجارة فيها، وتشكيلهم خطراً عظيماً على الدولة الإسلامية الفتية، وهم أيضاً منقسمون على أنفسهم، فبعضهم يوالى الأوس، والبعض الآخر يوالى الخزرج. فكان لابد من إيجاد ثقة كاملة، بين هذه الأطراف المختلفة للتعايش السلمى، والدفاع العام عن عدو مشترك يقدم عليهم من الخارج، يريد المساس بأحد من هذه الطوائف، فكان ذلك بما أجراه النبى ﷺ من عهد موادعة بين هذه الطوائف يرضى جميعها.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٨ الحشر.\r(٢) جزء من الآية ٧٥ الأنفال.\r(٣) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/١٣٠ نص رقم ٥٤٠، مع الروض الأنف ٢/٣٥٠ ووفاء الوفاء للسمهودى ١/٢٦٧، وعيون الأثر ١/٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555633,"book_id":1504,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":120,"body":"وبهذا العهد (١) قضى رسول الله ﷺ على النعرات الجاهلية، والدسائس اليهودية، وأوجب للجميع الود والإخاء، والتراحم، وإقامة العدل، وما كان لذلك أن يتم لولا هذا العلاج الناجح، من ذى الفطنة العظيمة، والسياسة الحكيمة – صلوات الله وسلامه عليه.\rوكم كانت فطنته الكاملة تحل من مشاكل عديدة فى أسرع وقت وأقصره، فيتحقق بذلك له ولأمته ما يصبون إليه من نصر وسعادة وعز وسيادة، وليس أدل على ذلك من صلح الحديبية! الذى كان آية من الآيات العظيمة، فبه فتح الله عليه مكة دون حرب أو قتل... ومن كان يتصور فتح مكة بهذا السلام العظيم؟!! والأمثلة غير ذلك ينوء عنها الحصر فى مثل هذا المقام المقتضى للإيجاز، والإتيان من كل بحر قطرة كالأنموذج لغيره، والدليل على ما سواه.\rب- ومن مظاهر كمال عقله ﷺ وفطنته، سرعة إقامة الحجة على المعارضين وقطع شغبهم وجدالهم بالباطل، فلا يستطيعون مجاراته أو مكابرته، بل لا يسعهم إلا الإذعان والتسليم، أو النكوص على أعقابهم خاسئين خاسرين، وصور ذلك كثيرة منها:","footnotes":"(١) نص ذلك العهد فى السيرة النبوية لابن هشام ٢/١٢٦ نص رقم ٥٣٨، وعيون الأثر ١/٩٧ والروض الأنف للسهيلى ٢/٣٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555634,"book_id":1504,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":121,"body":"١- ما جاء عن سعيد بن أبى راشد (١) – ﵀ – قال: رأيت التنوخى رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ (بحمص) وكان جاراً لى شيخاً كبيراً، قد بلغ الفناء أو قرب، فقلت: ألا تخبرنى عن رسالة هرقل إلى رسول الله ﷺ، ورسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل؟ قال: بلى... وذكر الحديث وفيه: \"فانطلقت بكتابه (أى كتاب هرقل) حتى جئت \"بتبوك\" فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟، قيل: ها هو ذا، قال: فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابى فوضعه فى حجره، إلى أن قال: ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره، فقلت: من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ فقالوا: معاوية. فإذا فى كتاب صاحبى: يدعونى إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين! فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ \"سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟! ...\" (٢) .","footnotes":"(١) قال الحافظ فى التهذيب ٤/٢٦، ذكره ابن حبان فى الثقات ٤/٢٩٠، وفى التقريب ١/٣٥٢ رقم ٢٣٠٨ مقبول.\r(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند ٣/٤٤١ وأبو يعلى، وإليهما عزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٣٦ وقال: رجال أبى يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555635,"book_id":1504,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":122,"body":"٢- وجاءت قريش إلى حصين بن عبيد (١) وهو من عظماء قريش، فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، يقصدون: رسول الله ﷺ، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبى ﷺ، فقال: أوسعوا للشيخ، وعمران (٢) وأصحابه متوافرون.","footnotes":"(١) هو والد عمران بن حصين رضى الله عنهما، له ترجمة فى أسد الغابة ٢/٣٤ رقم ١١٨٥، وتجريد أسماء الصحابة ١/١٣٢، والاستيعاب ١/٣٥٣ رقم ٥١٤.\r(٢) عمران هو: ابن حصين الذى يتحدث مع الرسول هنا، إلا أن عمران كان قد أسلم، أما أبوه فقد أسلم فى هذه الجلسة. له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٤٨ رقم ٢١٨، وتاريخ الصحابة ص١٨٣ رقم ٩٤٩، والاستيعاب ٣/١٢٠٨ رقم ١٩٦٩، وأسد الغابة ٤/٢٦٩ رقم ٤٠٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555636,"book_id":1504,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":123,"body":".. فقال حصين: ما هذا الذى بلغنا عنك، إنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيراً؟ فقال ﷺ: يا حصين، إن أبى وأباك فى النار. يا حصين! كم تعبد من إله؟ قال: سبعاً فى الأرض، وواحداً فى السماء. قال: فإذا أصابك الضر من تدعوا؟ قال: الذى فى السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعوا؟ قال: الذى فى السماء. قال: فيستجيب لك وحده، وتشركهم معه؟! أرضيته فى الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟ قال: لا واحدة من هاتين. قال: \"وعلمت أنى لم أكلم مثله\" قال: يا حصين! أسلم تسلم. قال: إن لى قوماً وعشيرة فماذا أقول؟ قال: قل: اللهم إنى أستهديك لأرشد أمرى، وزدنى علماً ينفعنى. فقالها حصين، فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه عمران فقبل رأسه، ويديه، ورجليه، فلما رأى ذلك النبى ﷺ بكى، وقال: بكيت من صنيع عمران، دخل حصين، وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلم أسلم قضى حقه، فدخلنى من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه: قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا: صبأ (١) وتفرقوا عنه (٢) .\r... فنتأمل كلمة \"حصين\" الذى تعظمه قريش: \"وعلمت أنى لم أكلم مثله\" إن هذه الكلمة من هذا الرجل تبين مدى كمال عقله ﷺ، وأنه يفوق عقل المعظمين من البشر، إنه عقل نبى مصطفى معصوم! (٣) .","footnotes":"(١) أى ترك دينهم، وأسلم لله رب العالمين. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٣.\r(٢) ذكره ابن حجر فى الإصابة ٢/٨٧، وعزاه لابن خزيمة، وشئ منه عند الترمذى فى سننه كتاب الدعوات، باب بعد باب جامع الدعوات بأربعة أبواب ٥/٤٨٥ رقم ٣٤٨٣ وقال حديث غريب، وفيه حديث عند أحمد فى مسنده ٤/٤٤٤.\r(٣) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555637,"book_id":1504,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":124,"body":"٣- وعن أبى أمامة رضى الله عنه (١) قال: إن فتى شاباً أتى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لى بالزنا!! فأقبل القوم عليه، فزجروه، وقالوا: مهٍ مهٍ (٢) فقال ﷺ: أدنه، فدنا منه قريباً. قال: فجلس فقال ﷺ: أتحبه لأمك؟ قال: لا! والله، جعلنى الله فداك فقال ﷺ: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. ثم قال ﷺ: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا!، والله يا رسول الله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ ولا الناس يحبونه لبناتهم. ثم قال ﷺ: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، ثم قال ﷺ: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ ولا الناس يحبونه لعماتهم. ثم قال ﷺ: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ\" (٣) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٦٥ رقم ٣٢٧، وتاريخ الصحابة ص١٣٧ رقم ٦٧٥، وأسد الغابة ٦/١٤ رقم ٥٦٩٥، والإصابة ٢/١٨٢.\r(٢) كلمة زجر بمعنى اسكت. النهاية فى غريب الحديث ٤/٣٢١.\r(٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٥/٢٥٦، ٢٥٧، وعزاه إليه وإلى الطبرانى فى الكبير وقال رجاله رجال الصحيح الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555638,"book_id":1504,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":125,"body":".. انتهى الفتى عن هذه الفاحشة، وأصبح لا يلتفت إليها، فقد أقنعه ﷺ إقناعاً تاماً، وردد، وكرر، حتى قبح هذا الفعل فى نظر الرجل، فأبغضه وابتعد عنه، وهو ﷺ بدعائه له زاد الأمر حسناً فلم يقف عند حد الإقناع، وإنما دعا له – وهو مستجاب الدعوة – فاقتناع الرجل، وهداه الله، وهكذا النبوة (١) .\r... والشاهد مما سبق أنه ﷺ لم يغضب، ولم يثر، وإنما كلمه كلاماً سهلاً غاية السهولة، أقنعه كل الإقناع. وهذا من كمال العقل وفطنته.\r٤- وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن أعرابياً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن امرأتى ولدت غلاماً أسود، وإنى أنكرته (٢) فقال له النبى ﷺ هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال ﷺ ما ألوانها؟ قال: حمر. قال ﷺ: فهل فيها من أورق (٣) قال: نعم. قال رسول الله ﷺ: فأنى هو؟ (٤) قال: لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له (٥) فقال له النبى ﷺ وهذا لعله يكون نزعه عرق له (٦) .","footnotes":"(١) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية ص١٦٦.\r(٢) أى أنكر أن يكون هذا الغلام ابنه، إذ هو أبيض والابن أسود، كما جاء فى رواية أخرى: \"وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه\" أى يدعى أنه ليس ابنه، وإنما جاءت به أمه من زنا!!.\r(٣) الجمل الأورق: هو الذى سواد لونه ليس صافياً. ينظر: مختار الصحاح ص٧١٧.\r(٤) أى: من أين جاء هذا الأورق الذى يختلف لونه عن لون جمالك.\r(٥) أى: يحتمل أن يكون فى آبائه من الإبل ما هو أسود، فأشبهه هذا.\r(٦) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب اللعان ٥/٣٨٥ رقم ١٥٠٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام، باب من شبه أصلاً ١٣/٣٠٩ رقم ٧٣١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555639,"book_id":1504,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":126,"body":".. إنه ﷺ فى هذا الموقف جعل السائل ينطق بالجواب، وضرب له ﷺ مثلاً من بيئته، وأقنعه أيما إقناع، ولقد كان الرجل منصفاً، فما أن ضرب له ﷺ المثل إلا اقتنع. لقد سلم الرجل واعترف أن العرق نزاع، وعليه فلعل عرقاً نزع ابنه هذا، كما أن إبله التى فيها جمل يختلف لونه عن بقية الإبل لعله نزعه عرق (١) .\rجـ- ومن مظاهر كمال عقله وفطنته ﷺ براهينه الساطعة القاطعة التى كان يقيمها على مجادليه ومناظريه من مشركين، وأهل كتاب وغيرهم، وصور ذلك كثيرة أكتفى منها بما يلى:","footnotes":"(١) المدخل إلى السنة النبوية ص١٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555640,"book_id":1504,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":127,"body":"مجادلته لكفار قريش، وهو ما كان من ابن الزبعرى (١) الذى سمع بقول الله تعالى ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون﴾ (٢) فقال: أما والله لو وجدت محمداً لخصمته، فسلوا محمداً! أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة! واليهود تعبد عزيزاً! والنصارى تعبد عيسى ابن مريم! فعجب الحاضرون مما قاله ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد خصم رسول الله ﷺ وغلبه، فقال النبى ﷺ: \"إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته\" فأنزل الله تعالى تصديقاً لنبيه ﷺ: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم فى ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون﴾ (٣) .\rفانظر إلى هذا الجواب المفحم الذى لم يترك للمجادل مجالاً للتمادى بالباطل، حيث أعلمه أن من ذكر لم يأمروهم بعبادتهم، وأنهم إنما يعبدون الشياطين، وأنهم لو أمروهم بذلك أو حبذوا ذلك منهم لكان الحكم عاماً فيهم.","footnotes":"(١) هو عبد الله بن الزبعرى، شاعر قريش فى الجاهلية، كان شديداً على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران، ثم عاد إلى مكة، فأسلم واعتذر. مات سنة ١٥هـ له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٢٣٩ رقم ٢٩٤٦، والاستيعاب ٣/٩٠١ رقم ١٥٣٣.\r(٢) الآيات ٩٨ – ١٠٠ الأنبياء.\r(٣) الآيات ١٠١ – ١٠٣ الأنبياء، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٤٥١، ٤٥٢ نص رقم ٣٤٩، والبداية والنهاية لابن كثير ٣/٨٦، ٨٧ نقلاً عن ابن إسحاق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555641,"book_id":1504,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":128,"body":"على هذا النحو كانت مجادلة النبى ﷺ للمشركين فى مكة، وأهل الكتاب فى المدينة (١) والوفود الواردة من كل نواحى الجزيرة، يجادلوه فيأيده الله، ويقيم الحجة عليهم، وأذكر من ذلك مثالاً ما يلى:\rوفد بنى تميم: فلقد قدم عليه أشرافهم، منهم الأقرع بن حابس، وهو من سادات العرب وحكامها (٢) والزبرقان بن بدر التميمى– أحد بنى سعد – وعمرو بن الأهتم. وقالوا لرسول الله ﷺ: جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، وتمت المفاخرة، وفى نهايتها قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لموتى له (٣) لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا (٤) .\rلقد اعترف الرجل بكمال عقله وفطنته ﷺ، وأنه اختار من أتباعه خطيباً يناسب هذه القبيلة من العرب، ففاق خطيبهم، واختار شاعراً فاق شاعرهم، وما ذلك إلا لكمال عقله وفطنته، وفهمه الدقيق للوافدين عليه، وفهمه الدقيق لأتباعه.\rلقد أسلم الوفد (٥) ، وهكذا كل من ورد عليه، يعترف بنبوته، وعصمة المولى ﷿ له، وتأييده فى كل أموره (٦) .","footnotes":"(١) ينظر أمثلة على ذلك فى البداية والنهاية ٦/١٧٩، وحوار الرسول ﷺ مع اليهود للدكتور محسن عبد الناظر.\r(٢) له ترجمة فى: أسد الغابة ١/٢٦٤ رقم ٢٠٨، وتاريخ الصحابة ص٣٨ رقم ٧٣، والاستيعاب ١/١٠٣ رقم ٦٩.\r(٣) أى: أنه ﷺ مؤيد وموفق.\r(٤) قصة الوفد ذكرها ابن إسحاق، ومن طريقة غيره، ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٤/٢٤٢ – ٢٥١ من نص ١٩٣٢ – ١٩٤٢، وطبقات ابن سعد ١/٢٩٣، ٢٩٤، وتاريخ الطبرى ٣/١١٥،= والدرر = فى اختصار المغازى والسير لابن عبد البر ص٢٥٥، ودلائل النبوة للبيهقى ٥/٣١٣، والبداية والنهاية لابن كثير ٥/٤١، ٤٢.\r(٥) ينظر المصادر السابقة.\r(٦) المدخل إلى السنة النبوية ص١٧٠ بتصرف يسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555642,"book_id":1504,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":129,"body":"وبعد: فقد اتضح لك فيما سبق من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله ﷺ من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب، ونحو ذلك من مظاهر الكفر والشرك والضلال، والغفلة، والشك، وكذا عصمته من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس أخلاقه بسوء حتى استحقت أن توصف بالعظمة قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (١) وبلغ من عظمة أخلاقه تكافؤها بنسب متفقة، فحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مروءته، الخ، وهو فى كل ذلك فى أول شبابه كآخر حياته. وكذلك اتضح عصمته ﷺ من كل ما يمس عقله بسوء، حتى كان قبل النبوة وبعدها أكمل الناس عقلاً وفطنة، كما كان ﷺ أكمل الناس إيماناً وخلقاً.\rوكذا عصم رب العزة رسوله ﷺ وخصه دون سائر الأنبياء بعصمة بدنه الشريف من القتل، وقد دل على ذلك الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فإلى تفصيل ذلك فى المبحث التالى.","footnotes":"(١) الآية ٤ القلم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555643,"book_id":1504,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":130,"body":"المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى بدنه\rمن خلال القرآن الكريم والسنة النبوية\r\r... المراد بعصمة النبى ﷺ فى بدنه هنا، عصمته من القتل، أما الأمراض والآفات الغير منفرة فلا. لأن رسول الله ﷺ وسائر الأنبياء والرسل، من البشر. وهم بحسب ظواهرهم يطرأ عليها ما يطرأ على سائر البشر من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام.\r... وهذا كله ليس بنقيصه فيهم لأن الشئ إنما يسمى ناقصاً بالإضافة إلى ما هو أتم منه، وأكمل من نوعه، وقد كتب الله ﷿ على أهل هذه الدار كلها، بأنهم فيها يحيون، وفيها يموتون، ومنها يخرجون. فالمرض والشكوى منه والتداوى، والإحساس بالحر والبرد، وإدراك الجوع والعطش، والغضب والضجر، والتعب والضعف والموت. كل ذلك سمات البشر كلها، والتى لا محيص عنها، وقد جرى على خير خلق الله ﷿ من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام السمات السابقة، كما ابتلاهم الله ﷿ بضروب من المحن، وذلك من تمام حكمته عزوجل لحكم منها ما يلى:\rليتحقق بامتحانهم بشريتهم، ويرتفع الالتباس من أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم، ضلال النصارى بعيسى ابن مريم، وضلال اليهود بعزيز.\rليظهر شرفهم، ورفعة درجاتهم، كما قال ﷿: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم﴾ (١) .\rتسلية لأممهم، وتذكرة لهم ليتأسوا بهم فى البلاء، ويستخرجوا حالات الصبر، والرضى، والشكر، والتسليم، والتوكل ونحو ذلك مما وقع منهم.\rفى امتحانهم محو لهنات فرطت منهم أو غفلات سلفت لهم - إن صح التعبير - ليلقوا الله عزوجل طيبين مهذبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأجزل (٢) .","footnotes":"(١) الآية ٣١ محمد.\r(٢) الشفا ٢/١٧٨، ٢٠٤ بتصرف، وذكر حكم أخرى للبلاء فى المصدر نفسه ٢/٢٠٧ - ٢١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555644,"book_id":1504,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":131,"body":"وكل ذلك تحقيقاً لما أجمله القرآن الكريم ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ (١) وقوله سبحانه ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ (٢) وهذا ما فصله وبينه النبى ﷺ فى أحاديث عدة منها ما يلى:\r١- عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه (٣) قال: قلت: يا رسول الله! أى الناس أشد بلاءً قال: \"الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبلتى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة\" (٤) .\rوقوله ﷺ قال الله تعالى: \"إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك\" (٥) .\rوعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة فى نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة\" (٦) .","footnotes":"(١) الآية ٣١ محمد.\r(٢) جزء من الآية ٢ الملك.\r(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٤٥٢ رقم ٢٠٣٨، وتذكرة الحفاظ ١/٢٢ رقم ٩، والرياض المستطابة ص٩١، وتجريد أسماء الصحابة ١/٢١٨، والاستيعاب ٢/٦٠٦ رقم ٩٦٣.\r(٤) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الزهد، باب ما جاء فى الصبر على البلاء ٤/٥٢٠ رقم ٢٣٩٨ وقال: حسن صحيح، والنسائى فى سننه الكبرى كتاب الطب، باب أى الناس أشد بلاء ٤/٣٥٢ رقم ٧٤٨١، وابن ماجة فى سننه كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء ٢/٥٠٣، ٥٠٤ رقم ٤٠٢٣، والحاكم فى المستدرك ١/١٠٠ رقم ١٢١ وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وقال: وله شواهد كثيرة.\r(٥) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل النار ٩/٢١٥ رقم ٢٨٦٥ من حديث عياض المجاشعى رضى الله عنه.\r(٦) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الزهد، باب ما جاء فى الصبر على البلاء ٤/٥٢٠ رقم ٢٣٩٩ وقال: حسن صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555645,"book_id":1504,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":132,"body":"وعن أبى سعيد الخدرى وعن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: \"ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم – حتى الشوكة يشاكها – إلا كفر الله بها من خطاياه\" (١) .\rومن أجل كل ما سبق كانت شدة المرض والوجع بالنبى ﷺ بدليل:\rعن عائشة رضى الله عنها قال: ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ\" (٢) .\rوعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكاً شديداً. قال: \"أجل إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك بأن لك أجرين. قال: أجل، ذلك كذلك\" (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المرضى، باب ما جاء فى كفارة المرض ١٠/ ١٠٧ رقمى ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه ٨/٣٧٢ رقم ٢٥٧٣.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المرضى، باب شدة المرض ١٠/١١٥ رقم ٥٦٤٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرضى، ٨/٣٦٩ رقم ٢٥٧٠.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المرضى، باب أشد الناس بلاء ١٠/١١٥ رقم ٥٦٤٨، ومسلم (بشرح النووى) نفس الأماكن السابقة فى الحديث السابق برقم ٣٥٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555646,"book_id":1504,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":133,"body":"وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو موعوك، عليه قطيفة، ووضعت يدى عليها، فوجدت حرارتها فوق القطيفة، فقلت: ما أشد حر حماك يا رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: \"إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر\" قال أبو سعيد: يا رسول الله، من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء قال: ثم من؟ قال: العلماء، قال: ثم من؟ قال: \"ثم الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى تقتله، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء\" (١) .\r\rخصوصية عصمة النبى ﷺ فى بدنه من القتل:\r... إذا كانت الأحاديث النبوية السابقة تؤكد على أن رسول الله ﷺ جرى عليه ما جرى على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من سمات البشر التى لا ميحص عنها، وابتلى كما ابتلى غيره من الأنبياء بضروب المحن، إلا أنه ﷺ اختص بعصمة بدنه الشريف من القتل بدليل قوله تعالى:\r﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ (٢) .\rوقال سبحانه: ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾ (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك ١/٩٩ رقم ١١٩، ٤/٣٤٢ رقم ٧٨٤٨ وصححه على شرط مسلم فى كلا الموضعين، ووافقه الذهبى وقال: وله شواهد كثيرة، وأخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء ٢/٥٠٤ رقم ٤٠٢٤.\r(٢) الآية ٩١ البقرة.\r(٣) الآية ١٨٣ آل عمران.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555647,"book_id":1504,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":134,"body":"فتأمل قوله تعالى: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ وقوله سبحانه: ﴿قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم﴾ إن الخطاب فى هاتين الآيتين موجه من رسول الله ﷺ كما أمره ربه ﷿ إلى قتلة الأنبياء والمرسلين من بنى إسرائيل، وتحدى لهم بأوضح بيان، بأنهم وإن وقع منهم قتل الأنبياء من قبل رسول الله ﷺ بإذن الله تعالى، فهم مع رسول الله ﷺ مهما حاولوا قتله، فلم ولن يفلحوا، لأن الله ﷿ عصم بدنه الشريف من القتل، كما عصم قلبه وعقله وَخُلُقَه من كل ما يمسهم بسوء، وخصوصية عصمة بدنه الشريف من القتل مستفادة من الآيتين السابقتين فى تكرار قوله: \"من قبل\" و\"من قبلى\" فتأمل.\rوقال ﷿: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) .\rروى عن عائشة رضى الله عنها قالت: \"كان النبى ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال لهم: \"يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنى ربى ﷿\" (٢) وهذه الآية الكريمة، وإن كانت مدنية النزول على قول الأكثرين من المفسرين، إلا أنها لا تعنى أن خصوصية عصمة رسول الله ﷺ فى بدنه من القتل لم تكن إلا بعد الهجرة النبوية، كلا! لما يلى:","footnotes":"(١) الآية ٦٧ المائدة.\r(٢) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب تفسير القرآن، باب سورة المائدة ٥/٢٣٤ رقم ٣٠٤٦ وقال: حديث غريب، وحسنه الحافظ فى فتح البارى ٦/٩٦ رقم ٢٨٨٥، وقال: اختلف فى رفعه ووقفه، وأخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٣٤٢ رقم ٣٢٢١ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/١٨٤، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩٨ رقم ١٥١ من حديث أبى ذر الغفارى رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555648,"book_id":1504,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":135,"body":"أولاً: لاحتمال تكرار نزول الآية مرة بمكة، وبمرة بالمدينة:\r... ومن تمسك برواية أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها السابقة، فلا حجة له فيها لاحتمال أن السيدة عائشة لم تخبر عن أمر شهدته، وإنما حدثت عن من شهد الحادثة، وقت نزول الآية فى مكة من الصحابة رضى الله عنهم ويؤيد هذا الاحتمال، الاختلاف فى رفع الحديث ووقفه كما قال الحافظ ابن حجر (١) وأيضاً: اختلاف ألفاظ روايات حديث عائشة تشير إلى أنها حدثت أولاً عن أمر سمعته من غيرها، كما فى حديث الترمذى – وهذا هو ما ذكرت فيه نزول الآية، وهو محتمل احتمالاً قوياً أن يكون فى مكة، فلا حجة فيه لمن يتمسك بمدنية الآية لأنه كما \"لا يخفى ليس بنص فى المقصود\" كما قال الإمام الألوسى فى تفسيره (٢) .\r... وهى رضى الله عنها تحدثت مرة أخرى عما رأته وشاهدته، وكانت فيه مع رسول الله ﷺ، بدليل رواية الإمام أحمد \"وهى إلى جنبه\" (٣) .\rثانياً: يحتمل أن قول رسول الله ﷺ السابق فى حديث عائشة – على فرض أن هذا القول كان بالمدينة، إخبار عن حال ثابتة له ﷺ منذ كان بمكة، ولما رأى حرص أصحابه على حمايته، وانتدابهم لحراسته فى بلد نزل فيه مهاجراً قبل أن يستقر؛ ذكرهم بأنه لا حاجة له بحراستهم فى المدينة أيضاً، لأن الله تعالى قد عصمه منذ كان فى شدة الأزمات والشدائد بمكة (٤) .","footnotes":"(١) ينظر: تخريج حديث عائشة السابق.\r(٢) روح المعانى ٦/١٩٩.\r(٣) أخرجه أحمد فى المسند ٦/١٤١،وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/١٣٥ فى الصحيح طرف منه، ورواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف أهـ.\r(٤) ينظر: محمد رسول الله لفضيلة الشيخ محمد عرجون ٢/٤٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555649,"book_id":1504,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":136,"body":".. ويؤيد ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان النبى ﷺ يحرس، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالاً من بنى هاشم حتى نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال: يا عم إن الله قد عصمنى من الجن والإنس\" (٢) وللحديث شاهد من رواية جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فذهب ليبعث معه فقال: \"يا عم إن الله قد عصمنى لا حاجة لى إلى من تبعث\" (٣) .","footnotes":"(١) الآية ٦٧ المائدة.\r(٢) أخرجه الطبرانى وفيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٧، وقال ابن كثير فى تفسيره ٣/١٤٥ حديث غريب، قلت: يزيل غرابته ما يعضده من الآيات والأحاديث الصيحة الواردة فى معناه أهـ.\r(٣) ذكره ابن كثير والسيوطى فى تفسيرهما عن ابن مردويه، وقال ابن كثير: هذا حديث غريب وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضى أنها مكية أهـ ينظر: تفسير القرآن العظيم ٣/١٤٥،والدر المنثور ٢/٢٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555650,"book_id":1504,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":137,"body":".. وللحديث شاهد ثانى من رواية أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: \"كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ ... الآية، ترك رسول الله ﷺ الحرس\" (١) فهذه الروايات السابقة مع معنى الآية الواردة فيها يقتضى أنها نزلت بمكة أيام الشدائد والأزمات التى كانت تعترض رسول الله ﷺ وهو يدعو قومه، فقوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ أى بلغ أنت رسالتى، وأنا حافظك وناصرك، ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك (٢) والعباس فى حراسته لرسول الله ﷺ على ما جاء فى رواية أبى سعيد الخدرى، هو بلا شك أحد فتيان بنى هاشم الذين كان يبعثهم أبو طالب كل يوم لحراسة رسول الله ﷺ.","footnotes":"(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٤/٢١ رقم ٣٥١٠، والصغير ١/١٤٩ وفيه عطية العوفى وهو ضعيف كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٧، ورواه ابن كثير أيضاً فى تفسيره ٣/١٤٤ عن ابن مردويه، والحديث تعضده الآيات والأحاديث.\r(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/١٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555651,"book_id":1504,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":138,"body":".. وذهاب الحافظ ابن حجر فى الفتح (١) إلى أن ملازمة العباس لرسول الله ﷺ إنما كانت بعد فتح مكة عدول منه – رحمه الله تعالى – عما تلهمه الآية، ويقتضيه حال الدعوة فى مستهلها من حاجة الرسول ﷺ إلى العصمة من الناس ليتمكن من إبلاغهم ما أمره الله بتبليغهم إياه، واستدلاله على ما ذهب إليه بما ورد فى الأخبار من أن رسول الله ﷺ حرس فى بدر، وفى أحد، وفى الخندق، وفى رجوعه من خيبر، وفى وادى القرى، وفى عمرة القضاء، وفى حنين، وهذا يقتضى عنده نزول الآية متراخية عن وقعة حنين (٢) غير مسلم به من وجهين:","footnotes":"(١) فتح البارى ١٣/٢٣٢ رقم ٧٢٣١.\r(٢) المصدر السابق فى الأماكن السابقة نفسها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555652,"book_id":1504,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":139,"body":"الوجه الأول: أن ملازمة العباس للرسول ﷺ ومداومته عليها كانت معلومة للناس بمكة قبل الهجرة، فقد كان من لا يعرف شخص رسول الله ﷺ من العرب، ولم يسبق له أن رآه، ويعرف عمه العباس، فإنه يدل على رسول الله ﷺ بأنه الرجل الذى يجلس مع العباس بن عبد المطلب (١) ومما يؤكد ملازمة العباس لرسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة أيضاً – وهى بلا ريب ذات هدف سام أهم ما فيها حراسة رسول الله ﷺ، من أعدائه – أن العباس لم يترك رسول الله ﷺ وحده فى بيعة العقبة الكبرى التى تمت بين رسول الله ﷺ، وبين الأنصار، وكان أول متكلم فى تلك الليلة، وفيما قاله دليل على أنه كان يحرس رسول الله ﷺ ويمنعه من أذى قومه قال: \"يا معشر الخزرج... إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو فى عز من قومه، ومنعة فى بلده... فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه فإنه فى عز ومنعة من قومه وبلده\" (٢) .","footnotes":"(١) ينظر: من أمثلة ذلك ما رواه أحمد فى مسنده ٣/٤٦٠ – ٤٦٢، والطبرانى فى الكبير ١٩/ ٨٧، ٨٨، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٤٤٤ – ٤٤٦، والطبرى فى تاريخه ٢/٣٦٠، ٣٦١، وابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٢/٥٦ نص رقم ٤٤٨.\r(٢) أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٢/٥٨ نص رقم ٤٥٠، وأحمد فى مسنده ٤٦٠ – ٤٦٢ ورجاله رجال الصحيح، غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/٤٥، وأخرجه الأئمة الطبرانى، والبيهقى، والطبرى، ثلاثتهم من طريق ابن إسحاق، فى الأماكن السابقة نفسها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555653,"book_id":1504,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":140,"body":".. فحراسات رسول الله ﷺ بمكة من قبل أهله وعشيرته، كانت لأسباب عامة، الغرض منها حماية سيدنا محمد ﷺ وهو منهم فى الذروة لرد اعتداء قريش عنه، ومنع طغيانها عليه.\rالوجه الثانى: أن حراسته ﷺ بعد الهجرة كانت جميعها لأسباب خاصة. وباستقصاء الأسباب الخاصة لحراسة رسول الله ﷺ فى المدينة، تراها:\rإما فى أول مقدمة المدينة كما فى حديث عائشة رضى الله عنها عند البخارى أنها قالت: \"كان النبى ﷺ سهر، فلما قدم المدينة قال: ليت رجلاً من أصحابى صالحاً يحرسنى الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: من هذا؟ فقال: أنا سعد بن أبى وقاص جئت لأحرسك، فنام النبى ﷺ\" (١) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة فى الغزو فى سبيل الله ٦/٩٥ رقم ٢٨٨٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل سعد ٨/١٩٥ رقم ٢٤١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555654,"book_id":1504,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":141,"body":"أو أن تكون أسباب حراسته صلى الله عليه وسلمأموراً داخلية خاصة به، كما فى حراسة أبى أيوب رضى الله عنه (١) لرسول الله ﷺ ليلة بنائة صلى الله عليه وسلمبصفية بنت حى بن أخطب رضى الله عنها (٢) وهو عائد من خيبر، فقد بين أبو أيوب سبب حراسته لرسول الله ﷺ حين سأله عن حراسته له ﷺ فقال أبو أيوب: \"خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها، وزوجها، وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك\" فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى\" (٣) .\rأو أن تكون وقائع حربية كما فى حراسته ﷺ فى بدر وأحد والخندق وحنين (٤) وغيرها من المشاهد الحربية.","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/٢٢ رقم ٥٧١٤، والاستيعاب ٤/١٦٠٦ رقم ٢٨٦٦، ومشاهير علماء الأمصار ص٣٤ رقم ١٢٠، والإصابة ١/٤٠٥.\r(٢) لها ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص١٣٩ رقم ٦٨١، والاستيعاب ٤/١٨٧١ رقم ٤٠٠٥، وأسد الغابة ٧/١٦٨ رقم ٧٠٦٣، والرياض المستطابة ص٣١٥، ٣١٦.\r(٣) أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٣/٣٤٩ رقم ١٥٧١، والحاكم فى المستدرك ٤/٣٠ رقم ٦٧٨٧ وصحح إسناده، ووافقه الذهبى.\r(٤) حديث حراسته ﷺ ليلة حنين أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الجهاد، باب فضل الحرس فى سبيل الله ٢/١٢، ١٣ رقم ٢٥٠١، والنسائى فى سنته الكبرى كتاب السير، باب فضل الحرس ٥/٢٧٣ رقم ٨٨٧٠، والحاكم فى المستدرك ٢/٩٣ رقم ٢٤٣٣ وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555655,"book_id":1504,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":142,"body":"وهذه جميعها أمور يجب أن يحرس فيها الإمام والقائد، ورسول الله ﷺ كان يعلم قطعاً فى هذه الحراسات الخاصة أنه معصوم، ولكنه طلبها أو أقرها تشريعاً لأمته لتقتدى به فى ذلك، ولتتعلم الأخذ بالحذر، والاحتراس من العدو، وحراسة السلطان أو القائد خشية القتل، وفى هذا يقول الحافظ ابن حجر: \"وإنما عانى النبى ﷺ ذلك مع قوة توكله، للاستنان به فى ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل. وأيضاً فالتوكل لا ينافى تعاطى الأسباب، لأن التوكل عمل القلب، وهى عمل البدن، وقد قال ﷺ: \"اعقلها وتوكل\" (١) .\rوقال القرطبى: \"ليس فى الآية – يعنى ﴿والله يعصمك من الناس﴾ ما ينافى الحراسة، كما أنه ليس فى أعلام الله نصر دينه وأظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد\" (٢) .","footnotes":"(١) فتح البارى ٦/٩٦، ٩٧ رقم ٢٨٨٠، والحديث أخرجه الترمذى فى سننه كتاب صفة القيامة ٤/٥٧٦ رقم ٢٥١٧ وقال: حديث غريب، وأخرجه أبو نعيم فى حلية الأولياء ٨/٣٩٠ من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه، وله شاهد من حديث عمرو بن أمية الضمرى رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: أرسل راحلتى وأتوكل؟ فقال له ﷺ \"بل قيدها وتوكل\" أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٧٢٢ رقم ٦٦١٦ وسكت عنه، وقال الذهبى: سنده جيد، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد ١٠/٣٠٣ إلى الطبرانى من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية وهو ثقة.\r(٢) ينظر الجامع لأحكام القرآن ٦/٢٤٢ – ٢٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555656,"book_id":1504,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":143,"body":"وبهذين الاحتمالين السابقين تبقى مكية الآية قائمة، ومما يؤكد القول بمكيتها ما قاله ﷺ لابنته زينب رضى الله عنها (١) لما قامت تغسل عنه التراب الذى نثره أحد سفهاء قريش، وهى تبكى؛ خاطبها ﷺ: بقوله: \"لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك\" (٢) فهذا يدل بما لا مجال للريب فيه أنه ﷺ كان على يقين من عصمة الله ﷿ له من جميع ما يكيدون ويدبرون.\rوأيضاً فإن القول بمدنية هذه الآية مع ما فى أسلوبها من شدة الأمر بالتبليغ، والتحريض عليه، والتوعد على التقصير فيه، يتنافى مع ما كان عليه رسول الله ﷺ فى المدينة من عزة ومنعة، مكنته من التبليغ ونشر الدعوة بقوة، ونقلها إلى خارج المدينة التى هو فيها سيد الموقف وبيده المبادأة متى أرادها.\rبل كيف يتأتى القول أن تنزل عليه آية العصمة من الناس فى المدينة، وهو للعصمة أحوج فى مطلع الرسالة منه عليها فى آخرها؛ وسورة المائدة من آخر القرآن تنزيلاً\" (٣) .","footnotes":"(١) لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/١٣١ رقم ٦٩٦٤، والاستيعاب ٤/١٨٥٣ رقم ٣٣٦٠، والإصابة ٤/٣١٢.\r(٢) أخرجه ابن إسحاق مرسلاً عن عروة بن الزبير رضى الله عنه، ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٩، ٣٠ نص رقم ٤١٤، وأخرجه ابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٢٤، والطبرى فى تاريخه ٢/٣٤٤، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٥٠ كلاهما من طريق ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر، وكذا أورده ابن كثير فى البداية والنهاية ٣/١٢٠، والسهيلى فى الروض الأنف ٢/٢٢٣ وللحديث شاهد من حديث عائشة رضى الله عنها أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٤٩، ٣٥٠.\r(٣) فتح القدير للشوكانى ٢/٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555657,"book_id":1504,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":144,"body":"هذا فى الوقت الذى تأييده ﷺ بالمؤمنين ظاهر فى قوله تعالى: ﴿هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ (١) فلا معنى لأخباره على القول بمدنية آية العصمة – بعصمته من الناس – وقد عَرَفَه قبلاً أنه مؤيد بنصره تعالى، وبالمؤمنين.\rوتعليل ابن كثير نكارة حديث جابر بن عبد الله فى بعث أبى طالب حُراساً مع رسول الله ﷺ بأن \"هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضى أنها مكية\" (٢) غير مسلم به لأن دعواه مدنية هذه الآية لم يقم عليها دليلاً سوى ما يظهر من أنها موجودة فى نظم التلاوة فى سورة مدنية. ووجود الآية فى سورة مدنية، لا يستلزم كونها مدنية، لأن كثيراً من الآيات المكية، وضعت توقيفاً منه ﷺ فى سورة مدنية، وكثيراً من الآيات المدنية وضعت توقيفاً فى سورة مكية.\rوبهذا أيضاً يُردَّ على الإمام القرطبى فيما ذهب إليه، من أن حديث ابن عباس – الذى سبق أن سقناه – يقتضى مكية هذه الآية، والسورة مدنية بإجماع (٣) . فمدنية السورة لا يمنع من وجود آية أو آيات مكيات فيها.\rودعوى أبى حيان فى البحر: \"أن مكية هذه الآية يجعلها أجنبية بالنسبة لما قبلها وما بعدها لأنها فى قصة اليهود والنصارى\" (٤) غير مسلمة أيضاً لأن وجود آية بين آيات منسجمة معها فى المعنى منسقة فى الربط والتناسب، لا يلزمه اتحاد زمن نزول هذه الآيات، إذ كثيراً ما تكون الآية مكية، لكنها مناسبة لمعانى آيات مدنية اقتضت وضعها بينها توقيفاً من رسول الله ﷺ (٥) .","footnotes":"(١) الآية ٧١ الأنفال.\r(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/١٤٥.\r(٣) الجامع لأحكام القرآن ٦/٢٤٤.\r(٤) البحر المحيط ٣/٥٣٠.\r(٥) ينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة للدكتور عويد المطرفى ص١٢٤ – ١٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555658,"book_id":1504,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":145,"body":"\"لأن المدار فى سمو نظم القرآن الكريم لم يقم على أساس التوافق الزمنى أو المكانى فى نزول الآيات، وإنما المدار فيه على انسجام المعنى، واتساقه فى نظم التلاوة، ولو تباعد زمن النزول واختلف مكانه، وهذا هو سر التوقيف فى ترتيب الآيات ونظمها فى وضع التلاوة. فلا بدع أن تكون آية أو آيات نزلت فى مطلع الرسالة وشدائدها، ثم وضعت توقيفاً بين آيات نزلت فى أواخر ما نزل من القرآن مادام المعنى فى الآيات منسجماً متسقاً، يأخذ بعضه بحجز بعض، وهذا كثير فى القرآن الحكيم، وهو من دلائل الإعجاز\" (١) .\rقلت: ويؤكد مكية الآية، أو تكرار نزولها، وبالتالى خصوصية عصمة النبى ﷺ فى بدنه الشريف من القتل، ما ورد فى القرآن الكريم من آيات كلها مكية تخاطبه ﷺ بأنه محفوظ بعناية الله ﷿، وسيكفيه المستهزئين من قومه، ومن هذه الكفاية عصمة بدنه الشريف من القتل. قال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيينا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (٤) وهذه الآيات الكريمات السابقة كلها مكية، وهى واضحة الدلالة على بيان اختصاص النبى ﷺ بعصمته من القتل.","footnotes":"(١) محمد رسول الله ﷺ للشيخ محمد عرجون ٢/٤٧٩.\r(٢) الآية ٤٨ الطور.\r(٣) الآية ٣٦ الزمر.\r(٤) الآية ٣٠ الأنفال.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555659,"book_id":1504,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":146,"body":"ولم لا! ورب العزة يخاطبه فى شدة المحن والابتلاء فى مكة المكرمة بقوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك﴾ أى اصبر على أذاهم، ولا تبالهم ﴿فإنك بأعيينا﴾ أى بمرأى منا، وتحت كلاءتنا. وما تلك العناية الإلهية إلا خطاب للنبى ﷺ، بأنه معصوم من ربه ﷿ من الناس\" (١) وجاء التأكيد لعصمته ﷺ من الناس، بالأمر الربانى بالمضى فى دعوتة، وعدم المبالاة بأعداءه من المشركين، حيث سيكفيهم إياه سبحانه القائل ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزءين﴾ (٢) وهذه الآية المكية نظير الآية المدنية على ما ذهب إليه بعض المفسرين: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم ٧/٤١٤.\r(٢) الآيتان ٩٤، ٩٥ الحجر.\r(٣) الآية ٦٧ المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555660,"book_id":1504,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":147,"body":"ففى الآيتين ﴿والله يعصمك من الناس﴾ و ﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ خطاب من رب العزة لنبيه ومصطفاه ﷺ بالعصمة من الناس. فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال فى قوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ قال: \"المستهزءين: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بنى أسد بنى عبد العزى، والحارث بن غيطل السهمى، والعاص بن وائل السهمى. فأتاه جبريل – ﵇ فشكاهم إليه رسول الله ﷺ، فأراه أبا عمرو الوليد بن المغيرة، فأومأ جبريل إلى أبجله (١) فقال: ما صنعت شيئاً، فقال: كفيتكه، ثم أراه الحارث بن غيطل السهمى، فأومأ إلى بطنه، فقال: ما صنعت شيئاً، فقال: كفيتكه، ثم أراه العاص بن وائل السهمى، فأومأ إلى أخمصه (٢) ، فقال: ما صنعت شيئاً، فقال: كفيتكه، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة، وهو يرش نبلاً له (٣) فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمى، فمنهم من يقول: عمى كذا، ومنهم من يقول: نزل تحت شجرة، فجعل يقول: يا بنى لا تدفعون عنى، قد هلكت أطعن بشوك فى عينى، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث، فخرج فى رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث بن غيطل، فأخذه الماء الأصفر فى بطنه حتى خرج خرؤه (٤) مِنْ فِيه، فمات منها، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك","footnotes":"(١) الأبجل: عرق فى باطن الذراع، وقيل: هو عرق غليظ فى الرجل فيما بين العصب والعظم. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/٩٨.\r(٢) الأخمص من القدم: الموضع الذى لا يلصق بالأرض منها عند الوطء. المصدر السابق ٢/٧٦.\r(٣) النبل: السهام العربية، والمراد أن الرجل الخزاعى يرمى بسهام له للتدريب على الرمى. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٥/ ٨، ٩.\r(٤) الخراءة بفتح الخاء وكسرها: هو التخلى والقعود للحاجة. النهاية فى غريب الحديث ٢/١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555661,"book_id":1504,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":148,"body":"يوماً حتى دخل فى رجله شبرقه (١) حتى امتلأت منها فمات\" (٢) .\rوللحديث شاهد عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: مر النبى ﷺ على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون فى قفاه، ويقولون: هذا الذى يزعم أنه نبى، ومعه جبريل، فَغَمَزَ جبريل بإصبعه، فوقع مثل الظفر فى أجسادهم، فصارت قروحاً، حتى نَتُنُوا، فلم يستطيع أحدٌ أن يدنو منهم، فأنزل الله: ﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ (٣) .\rوصدق رب العزة: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ (٤) بلى كاف عبده!! وقال ﷺ: \"إن الله أمرنى أن أُحَرِّقَ قريشاً، فقلت رب إذاً يَثْلَغُوا (٥) رأسى! فَيَدعُوهُ خُبْزَةً، قال: استخرجهم كما","footnotes":"(١) الشبرق: نبت حجازى يؤكل وله شوك. المصدر السابق ٢/٣٩٥.\r(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٥/١٧٣، ١٧٤ رقم ٤٩٨٦ وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٤٧ رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه محمد بن عبد الحليم النيسابورى ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣١٦، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢٧٠ رقم ٢٠٣ وفيه الكلبى متروك، وأخرجه ابن إسحاق مرسلاً عن عروة بن الزبير ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٠ رقم ٤٠٧، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢٦٨ رقمى ٢٠١، ٢٠٢.\r(٣) الآية ٩٥ الحجر، والحديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٧/١٥٠ رقم ٧١٢٧، وأخرجه البزار بنحوه، وفيه يزيد عن درهم ضعفه ابن معين، ووثقه الفلاس. كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٤٦ قلت: فالإسناد حسن أهـ.\r(٤) الآية ٣٦ الزمر.\r(٥) الثلغ: الشدخ. وقيل هو ضربك الشئ الرطب بالشئ اليابس حتى ينشدخ. النهاية ١/٢١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555662,"book_id":1504,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":149,"body":"استجرجوك واغزهم نغزك (١) ، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله...\" (٢) .\rوسياق هذا الحديث فى صحيح مسلم يشعر على طوله بأن التحديث به كان بعد الهجرة النبوية، وقد تنبه الإمام القرطبى إلى ذلك، فنزع هذه الجملة من سياق مسلم، ووضعها فى موضعها عند كلامه على آية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٣) باعتبارها مكية (٤) وهذا هو الصواب عندى، وعند غيرى (٥) والله أعلم.\rوتأكيداً لخصوصية عصمته ﷺ من القتل فى مكة، حتى على فرض مدنية آية ﴿والله يعصمك من الناس﴾ إليك هذه النماذج:","footnotes":"(١) أى نعينك.\r(٢) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجنة، باب الصفات التى يعرف بها أهل الجنة ٩/٢١٤، ٢١٥ رقم ٢٨٦ من حديث عياض بن حمار المجاشعى رضى الله عنه.\r(٣) الآية ٦٧ المائدة.\r(٤) الجامع لأحكام القرآن ٦/٢٤٣، ٢٤٤.\r(٥) ذهب إلى ذلك فضيلة الشيخ محمد عرجون فى كتابه محمد رسول الله ﷺ ٢/٤٧٨، والدكتور عويد المطرفى فى كتابه آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة ص١٢٤ – ١٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555663,"book_id":1504,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":150,"body":"١- ما نزل فى قوله تعالى: ﴿أرأيت الذى ينهى عبداً إلى صلى. أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى. أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرى. كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة. فليدع ناديه. سندع الزبانية. كلا لا تطعه واسجد واقترب﴾ (١) فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفر (٢) محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه فى التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلى، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بينى وبينه لخندقاً من نار وهولا، وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ: \"لو دنا لاختطفته الملائكة عضواً عضواً\" قال: فأنزل الله ﷿ – لا ندرى فى حديث أبى هريرة أو شئ بلغه - ﴿كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى﴾ ... الآيات (٣) .","footnotes":"(١) الآيات ٩ – ١٩ العلق.\r(٢) العفر هو التراب، والمعنى: أيسجد محمد أمامكم؟ ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٢٣٦.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب قوله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى﴾ ٩/١٥٣ رقم ٢٧٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555664,"book_id":1504,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":151,"body":"٢- وفى رواية عن أبى عباس رضى الله عنهما قال فى قوله تعالى: ﴿سندع الزبانية﴾ قال: قال: أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلى، لأطأن عنقه، فقال النبى ﷺ \"لو فعل لأخذته الملائكة عياناً\" (١) لقد ظن أبو جهل فرعون هذه الأمة أنه يستطيع أن ينال من رسول الله ﷺ، بل ظن أنه يستطيع أن يقتله، لكنه ما إن اقترب من رسول الله ﷺ إلا سلط الله عليه ما أخافه كل الخوف، وأفزعه كل الفزع، مما جعله يعود خاسئاً، يجرى إلى الخلف صاغراً، وهكذا يعصم الله ﷿ رسوله ﷺ، ويهين أعداءه (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة اقرأ باسم ربك ٥/٤١٣ رقم ٣٣٤٨ وقال: حسن صحيح غريب، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ٨/٥٩٥ رقم ٤٩٥٨، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٣٧٥ نص رقم ٢٨٤ ودلائل النبوة لأبى نعيم ١/٢٠٨ رقم ١٥٨ \"ما حدث لأبى جهل حين هم بإلقاء الحجر على الرسول ﷺ، ففيه زيادة\".\r(٢) المدخل إلى السنة النبوية ص٢٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555665,"book_id":1504,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":152,"body":".. قال الحافظ ابن حجر: \"وإنما شدد الأمر فى أبى جهل، ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبى معيط، حيث طرح سلى الجزور على ظهره ﷺ وهو يصلى\" (١) لأنهما وإن اشتركا فى مطلق الأذية حالة صلاته، لكن زاد أبو جهل بالتهديد، وبإرادة وطء العنق الشريف، وفى ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك، ولأن سلى الجزور لم يتحقق نجاستها، وقد عوقب عقبه بدعائه ﷺ عليه وعلى من شاركه فى فعله فقتلوا يوم بدر\" (٢) .","footnotes":"(١) ينظر الحديث فى البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب إذا ألقى على ظهر المصلى قذرة أو جيفة لم تفسد عليه صلاته ١/٤١٦ رقم ٢٤٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد باب ما لقى النبى ﷺ من أذى المشركين والمنافقين ٦/٣٩١ رقم ١٧٩٤ من حديث ابن مسعود رضى الله عنه.\r(٢) فتح البارى ٨/٥٩٦ رقم ٤٩٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555666,"book_id":1504,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":153,"body":"٣- ما نزل فى قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبى لهب وتب﴾ (١) فعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: لما نزلت: ﴿تبت يدا أبى لهب﴾ جاءت امرأة أبى لهب (٢) ورسول الله ﷺ جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشئ (٣) فقال رسول الله ﷺ: \"إنه سيحال بينى وبينها\" فأقبلت حتى وقفت على أبى بكر، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا، ورب هذه البنية ما نطق بالشعر، ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق، فلما ولت، قال أبو بكر رضى الله عنه: ما رأتك؟ قال: \"لا، مازال ملك يسترنى حتى ولت\" (٤) .","footnotes":"(١) الآية الأولى المسد.\r(٢) هى بنت حرب بن أمية، أخت أبى سفيان والد معاوية، يقال إن اسمها أروى، وتكنى أم جميل، وتلقب بالعوراء، ويقال لم تكن عوراء، وإنما قيل لها ذلك لجمالها. ينظر: فتح البارى ٨/٦١٠ رقم ٤٩٧٣.\r(٣) جاء فى حديث أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما أنها كانت فى يدها \"فهر\" وهو بالكسر الحجر، وهو قدر ما يملأ الكف. ينظر: القاموس المحيط ٢/١١، وسيأتى تخريج حديث أسماء شاهداً لحديث ابن عباس.\r(٤) أخرجه البزار وأبو يعلى نحوه، وقال البزار حسن الإسناد، وتعقبه الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٤٤، قائلاً: فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط، ووافق البزار فى حسن إسناده، الحافظ فى فتح البارى ٨/٦١٠ رقم ٤٩٧٣، وابن كثير فى تفسيره ٨/٥٣٧، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩٤ رقم ١٤١، وابن أبى شيبة فى مصنفه ١١/ ٤٩٨ رقم ١١٨١٧، وللحديث شاهد من حديث أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٣٩٣ رقم ٣٣٧٦ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، والحميدى فى مسنده ١/١٥٣، ١٥٤ رقم ٣٢٣، وللحديث شاهد ثانى من حديث زيد بن أرقم رضى الله عنه أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٥٧٣ رقم ٣٩٤٥، وصحح إسناده على علة فيه بذكر يزيد بن زيد بدلاً من زيد بن أرقم – ووافقه الذهبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555667,"book_id":1504,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":154,"body":"وروى عنه أيضاً قال: \"إن الملأ من قريش اجتمعوا فى الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمداً لقمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة (١) تبكى، حتى دخلت على النبى ﷺ فقالت: هؤلاء الملأ من قومك قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من ديتك، فقال: يا بنيه ائتنى بوضوئى، فتوضأ، ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم فى صدورهم، وعقروا فى مجالسهم، ولم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم، فأخذ حفنة من تراب، فقال: شاهت الوجوه، ثم حصبهم، فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر\" (٢) .","footnotes":"(١) لها ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٢٠٨ رقم ١١٠٧، وأسد الغابة ٧/٢١٦ رقم ٧١٨٣ والاستيعاب ٤/١٨٩٣ رقم ٤٠٥٧، والإصابة ٤/٣٧٧.\r(٢) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩٢ رقم ١٣٩، وأحمد فى مسنده ١/٣٦٨، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٨ رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، وقال الشيخ أحمد شاكر فى حاشيته على المسند بل كلاهما صحيح ٣/٢٢٨ رقمى ٢٧٦٢، ٤٣٨٥، والحاكم فى المستدرك ٣/١٧٠، ١٧١ رقم ٤٧٤٢ وقال: صحيح الإسناد، وسكت عنه الذهبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555668,"book_id":1504,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":155,"body":"وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: فى قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (١) قال: \"تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فاثبتوه بالوثاق – يريدون النبى ﷺ وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل اخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات على بن أبى طالب رضى الله عنه على فراش رسول الله ﷺ تلك الليلة، وخرج رسول الله ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليَّاً يحسبونه النبى ﷺ: فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياًّ رد الله تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدرى. فاقتفوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا فى الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال\" (٢) .","footnotes":"(١) الآية ٣٠ الأنفال.\r(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ١/٣٤٨، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٢٧ رواه أحمد والطبرانى وفيه عثمان بن عمرو الجزرى، وثقة ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسن إسناد أحمد الحافظ فى فتح البارى ٧/٢٧٨ رقم ٣٩٠٥، وحسنها ابن كثير فى البداية والنهاية ٣/١٧٩ قال بعد أن ذكر رواية أحمد فى مسنده \"هذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روى فى قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله ﷿ لرسوله ﷺ\"أهـ وأخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٢/١٠٠ نص رقم ٥٠٢، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٤٦٦ – ٤٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555669,"book_id":1504,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":156,"body":"فتأمل ما فى الروايات السابقة من عصمة المولى ﷿ لرسوله ﷺ من محاولات قتله التى همَّ بها كفار قريش، فرادى تارة، وجماعات تارة أخرى، والتى كان آخرها جماعة فى مكة، ليلة هجرته إلى المدينة المنورة، حيث رد كيدهم إلى نحورهم، وعادوا إلى ديارهم، كحالهم فى كل مرة يجرون أذيال خزى الله ﷿ لهم.\rهذا ولم تكن عصمة المولى ﷿ لرسوله ﷺ فى ليلة الهجرة قاصرة على نجاته من بين أيدى صناديد الكفر فى مكة، وإنما امتدت عنايته ﷿ ورعايته لرسوله ﷺ، وهو فى طريقه إلى المدينة، وفى غار ثور، كما جاء فى الحديث السابق، من نسج العنكبوت على باب الغار، فكان قولهم: \"لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه\".\rولم تكن عصمة الله ﷿ لرسوله ﷺ فى غار ثور، قاصرة على العنكبوت، وإنما امتدت إلى الشجرة التى أنبتها الله ﷿ على فهم الغار، تستر رسول الله ﷺ، وصاحبه رضى الله عنه، وإلى حمامتين وحشيتين وقفتا على فم الغار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555670,"book_id":1504,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":157,"body":"فعن أبى مصعب المكى (١) قال: أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، رضى الله عنهم، فسمعتهم يحدثون: أن النبى ﷺ ليلة الغار أمر الله سبحانه، شجرة فنبتت على وجه الغار فسترته، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل، بعصيَّهم وحرْباتهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبى ﷺ، قدر أربعين ذراعاً جعل بعضهم ينظر فى الغار، فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعرفت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبى ﷺ ما قال؛ فعرف أن الله ﷿ قد درأ بهما، فدعا لهن وسمَتَ (٢) عليهن، وفرض جزاءَهن، ونزلن بالحرم\" (٣) .","footnotes":"(١) روى عن زيد بن أرقم، والمغيرة، وأنس، بحديث الغار، وعنه عون، ويقال عوين بن عمرو القيسى، قال العقيلى: مجهول، ذكره فى ترجمة عون. لسان الميزان ٨/١٩ رقم ١٠٦٧٨، والضعفاء الكبير للعقيلى ٣/٤٢٢ فى ترجمة عوين رقم ١٤٦٢، وكذلك الذهبى فى الميزان ٤/٣٠٧ رقم ٦٥٣٥، والجرح والتعديل ٩/٤٤١ رقم ٢٢٢٠.\r(٢) أى ادعى لهن بالبركة – ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٢/٣٥٧.\r(٣) أخرجه ابو نعيم فى دلائل النبوة ٢/٣٢٥ رقم ٢٢٩، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٤٨١، ٤٨٢، وابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/٢٢٨، وفيه زيادة قصة العنكبوت، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٣/١٧٩، ١٨٠ وقال رواه ابن عساكر، وذكر إسناده ثم قال: هذا حديث غريب جداً من هذا الوجه، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/٥٣ إلى البزار والطبرانى وقال: فيه جماعة لم أعرفهم، وأخرجه العقيلى فى الضعفاء الكبير ٣/٤٢٢ ترجمة عوين القيسى رقم ١٤٦٢ والحديث يعضده القرآن الكريم على ما ذكرته فى المتن أهـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555671,"book_id":1504,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":158,"body":"وهذا الحديث على غرابة سنده، فلا غرابة فى متنه، وما فيه قليل فى كرامته ﷺ، وجائز فى العقل، مؤيد بمطلق قوله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم﴾ (١) فتأمل ما فى الآية الكريمة من نسبة نصر رسول الله ﷺ إلى الله ﷿، وتأييده ﷺ بجنود لا يراها أحد، تجد أنه لا يوجد ما يمنع أن يكون ما ورد فى الحديث الغريب السند من الحمامتين الوحشيتين، والشجرة، والعنكبوت من جنود الله تعالى!!\rوامتدت عصمة الله ﷿ لنبيه ﷺ فى غار ثور إلى أمره ﷿ ملائكته أن تستر نبيه وصاحبه عن أعين المشركين، فكان ﷺ وصحابه يريان المشركين، والمشركون لا يرونهما.\rفعن أبى بكر رضى الله عنه قال: \"كنت مع النبى ﷺ فى الغار، فرأيت آثار المشركين، قلت يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال ﷺ: \"ما ظنك باثنين الله ثالثهما\" (٢) \"لا تحزن إن الله معنا\" (٣) وهذا اليقين من النبى ﷺ بعصمة الله ﷿ له، تجلى فى ملائكة الله ﷿ التى سترتهم وهم فى الغار.","footnotes":"(١) الآية ٤٠ التوبة.\r(٢) أخرجه البخارى ٠بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب ثانى اثنين إذ هما فى الغار ٨/١٧٦، ١٧٧ رقم ٤٦٦٣.\r(٣) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الزهد، باب حديث الهجرة ٩/٣٧٣ رقم ٢٠٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555672,"book_id":1504,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":159,"body":"فعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها (١) : \"وطافوا فى جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذى فيه رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذا الرجل يرانا – وكان مواجهة– فقال: كلا! إن ملائكة تسترنا بأجنحتها، فجلس ذلك الرجل يبول مواجهة الغار، فقال النبى ﷺ: \"لو كان يرانا ما فعل هذا\" (٢) .","footnotes":"(١) صحابية جليلة لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٧، ٨ رقم ٦٧٠٥، والاستيعاب ٤/١٧٨١ رقم ٣٢٢٦، وتاريخ الصحابة ص٤٠ رقم ٨٨، والإصابة ٤/٢٢٨ رقم ١٠٧٩٨.\r(٢) أخرجه الطبرانى وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب، وثقة ابن حبان وغيره، وضعفه أبو حاتم وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/٥٣، ٥٤ – فالإسناد حسن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555673,"book_id":1504,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":160,"body":"وتمتد عناية الله ﷿ وعصمته لنبيه صلى الله عليه وسلممن محاولة سراقة بن مالك (١) النيل من رسول الله ﷺ، بالقتل أو الأسر للحصول على الدية التى رصدها كفار قريش (مائة ناقة لمن يأتى برسول الله ﷺ\" قتيلاً أو أسيراً وكما جاء على لسان سراقة بعد أن تتبع أثرهم قال: \"حتى إذا دنوت منهم، (أى اقترب من رَكْبِه ﷺ فعثرت بى فرسى، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدى إلى كنانتى فاستخرجت منها الأزلام (٢) فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذى أكره، فركبت فرسى – وعصيت الأزلام – تقربِّ بى، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ (٣) وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم","footnotes":"(١) أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٤١٢ رقم ١٩٥٥، والاستيعاب ٢/٥٨١ رقم ٩١٦، وتجريد أسماء الصحابة ١/٢١٠، ومشاهير علماء الأمصار ص٤٠ رقم ١٧٠، والإصابة ٢/١٩ رقم ٣١٢٢.\r(٢) الزُّلَم، والزَّلَم، واحد الأزلام: وهى القداح التى كانت فى الجاهلية عليها مكتوب الأمر والنهى، افعل ولا تفعل، كان الرجل منهم يضعها فى وعاء له، فإذا أراد سفراً أو زواجاً أو أمراً مهماً، أدخل يده فأخرج منها زلماً، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خرج النهى كف عنه ولم يفعله، وهذا ما فعله سراقة إلا أن الزلم خرج بالنهى عن الإضرار بركب رسول الله ﷺ إلا أنه خالفها. ينظر النهاية ٢/٢٨١.\r(٣) وكانت تلك القراءة منه ﷺ الدعاء بقوله \"اللهم اكفناه بما شئت\" كما جاء فى رواية البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٤٨٤، وفى رواية قال ﷺ: \"اللهم أصرعه\" كما جاء فى حديث أنس عند البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبى ﷺ ٧/٢٩٣، ٢٩٤ رقم ٣٩١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555674,"book_id":1504,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":161,"body":"زجرتها، فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان (١) ساطع فى السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذى أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم أخباراً ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى (٢) ولم يسألانى إلا أن قال: أخف عنا. فسألته أن يكتب لى كتاب أمن (٣) ، فأمر عامر بن فهيرة رضى الله عنه (٤) فكتب فى رقعة من آدم (٥) ثم مضى رسول الله ﷺ\" (٦)","footnotes":"(١) أى دخان من غير نار، وجمع عثان، عواثن، على غير قياس، ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/١٦٦، وفتح البارى ٧/٢٨٤ رقم ٣٩٠٦.\r(٢) أى لم يأخذا منى شيئاً، يقال رزأته أرزؤه، وأصله النقص. النهاية ٢/١٩٩.\r(٣) أى كتابا يكون موادعة، وآية بينه وبين رسول الله ﷺ، كما جاء فى رواية ابن إسحاق، ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/١١٢ نص رقم ٥١٦، والنهاية ١/٧٠.\r(٤) وفى رواية ابن إسحاق أن الذى أمر بالكتابة الصديق رضى الله عنه ينظر: السيرة النبوية لابن هشام المواضع السابقة. وعامر بن فهيرة صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/١٣٤ رقم ٢٧٢٤، والاستيعاب ٢/٧٩٦ رقم ١٣٣٨.\r(٥) هو باطن الجلد الذى يلى اللحم، مختار الصحاح ص١٠، والقاموس المحيط ٤/٧٢، وفى رواية لابن إسحاق \"فكتب لى كتاباً فى عظم أو فى رقعة أو فى خرقة، ثم ألقاها إلىَّ فأخذته فى كنانتى. السيرة النبوية لابن هشام ٢/١١٢ نص رقم ٥١٦.\r(٦) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبى ﷺ وأصحابه إلى المدينة ٧/٢٨١ رقم ٣٩٠٦، ومن حديث أنس بن مالك رضى الله عنه فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٩١١، وأخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الزهد، باب حديث الهجرة ٩/٣٧٢، ٣٧٣، رقم ٢٠٠٩ من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555675,"book_id":1504,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":162,"body":"٠\rفتأمل كيف عصم رب العزة رسوله ﷺ من محاولة سراقة قتله أو أسره، ليفوز بالدية التى رصدت من كفار قريش، إذ ما اقترب من ركب رسول الله ﷺ حتى عثرت به فرسه، مرة تلو الأخرى بعد إصراره على تتبع ركبه ﷺ، حتى إذا ما سمع دعاءه ﷺ بأن يصرعه، أو يكفيه إياه بما شاء، إلا وتتعثر به فرسه للمرة الثالثة، حتى أن يدا فرسه فى هذه المرة غاصت فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، وبعد محاولات منه لاستنهاضها، إذ به يرى على يديها أثر دخان من غير نار ساطع فى السماء، وهنا أيقن سراقة بأن رسول الله ﷺ محفوظ، ومعصوم منه، كما أيقن فى نفس الوقت، أنه نبى الله حقاً، وأن دينه سيظهر، فما كان منه إلا أن سأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتاب أمان، فأعطاه إياه، ولم يسأله رسول الله ﷺ سوى أن يقف فى مكانه، ولا يترك أحداً يلحق برَكْبِهِ ﷺ، ففعل سراقة، وهنا تتجلى إرادة المولى ﷿ ومشيئته فى عصمة رسول الله ﷺ بتغير حال سراقة \"إذ كان فى أول النهار جاهداً على رسول الله ﷺ، وكان آخر النهار مسلحة له\" (١) أى حارساً له بسلاحه، بل وبلسانه أيضاً كما جاء فى رواية ابن سعد: \"أنه لما رجع، قال لقريش: قد عرفتم بصرى بالطريق وبالأثر، وقد استبرأت لكم، فلم أر شيئاً، فرجعوا\" (٢) وقال أيضاً رضى الله عنه رداً على أبى جهل لما بلغه موقفه هذا، ولامه فى تركهم أنشده:\rأبا حكم والله لو كنت شاهداً ... *** ... لأمر جوادى إذ تسيخ قوائمه","footnotes":"(١) كما جاء فى حديث أنس عند البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبى ﷺ ٧/٢٩٣، ٢٩٤ رقم ٣٩١١.\r(٢) الطبقات الكبرى ٨/٢٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555676,"book_id":1504,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":163,"body":"عجبت ولم تشكك بأن محمداً ... *** ... نبى وبرهان فمن ذا يقاومه؟ !\rعليك بكف الناس عنه فإننى ... *** ... أرى أمره يوماً ستبدو معالمه (١) .\r... وبعد: فهل فى كل ما سبق من دلائل حفظ الله ﷿ وعصمته لرسوله ﷺ من محاولات كفار قريش قتله، شك فى عصمته ﷺ من القتل فى فترة مكة، حتى على فرض مدنية الآية الكريمة: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٢) ؟!!.\r... إن خصوصية عصمة النبى ﷺ فى بدنه الشريف من القتل، دلت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة فى مكة على ما سبق، وفى المدينة أيضاً.\r\r... وإليك نماذج من كفاية الله ﷿ وعصمته لرسوله ﷺ من مؤامرات أعدائه لقتله أو النيل منه، فى المدينة المنورة:","footnotes":"(١) ينظر: الروض الأنف للسهيلى ٢/٣٢٢، ودلائل النبوة للبيهقى ٢/٤٨٩، ودلائل النبوة لأبى نعيم ٢/٣٣٧ رقم ٢٣٧.\r(٢) الآية ٦٧ المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555677,"book_id":1504,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":164,"body":"١- ما حدث بعد غزوة بدر الكبرى من محاولة عمير بن وهب (١) قتل النبى ﷺ، وكتمه ذلك سراً بينه وبين صفوان بن أمية (٢) على أن يؤدى عنه صفوان دينه، ويعوله فى أهله وعياله، ولا ينقسهم شيئاً ما بقوا، فلما قدم عمير المدينة، ودخل على رسول الله ﷺ وكان ابنه \"وهب\" وقع أسيراً يوم بدر، فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه فى عنقه قال: أرسله يا عمر، أدن يا عمير، فدنا، ثم قال: انعموا صباحاً – وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم – فقال رسول الله ﷺ: \"قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة\" فقال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد، قال: \"فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا فيه، قال: \"فما بال السيف فى عنقك\" قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً؟ قال: \"أصدقنى ما الذى جئت له؟ \" قال: ما جئت إلا لذلك، قال: \"بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين على، وعيال عندى، لخرجت حتى أقتل محمداً: فتحمل لك صفوان بن أمية، بدينك، وعيالك، على أن تقتلنى له، والله حائل بينك وبين ذلك\" قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إنى لأعلم أن ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول","footnotes":"(١) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/٢٨٨، ٢٨٩ رقم ٤٠٩٦، والاستيعاب ٣/١٢٢١ – ١٢٢٣ رقم ١٩٩٧، والإصابة ٥/٣٦ رقم ٦٠٧٣، وتاريخ الصحابة ص١٣٥ رقم ٦٦٠.\r(٢) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٢٤ رقم ٢٥١٠، والاستيعاب ٢/٧١٨ رقم ١٢١٤، والإصابة ٢/١٨٧ رقم ٤٠٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555678,"book_id":1504,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":165,"body":"الله ﷺ: \"فقهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره\" ففعلوا\" (١) .\rفتدبر ما فى القصة السابقة، من يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، بعد أن أخبر عمير بما كان بينه وبين صفران من اتفاق على قتلهصلى الله عليه وسلم، وإعلامه بأن الله ﷿ حائل بينه، وبين ما جاء من أجله.","footnotes":"(١) أخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٢/٣٣٩، ٣٤٠ نص رقم ٨٢٧ من حديث عروة بن الزبير مرسلاً، والقصة أخرجها الطبرانى فى الكبير ١٧/٥٦، ٥٧ عن عروة أيضاً وعن محمد بن جعفر بن الزبير مرسلاً، وإسنادها جيد كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٨٦، ٢٨٧، وأخرجها أيضاً البيهقى فى دلائل النبوة ٣/١٤٧–١٤٩،وينظر: الإصابة فى معرفة الصحابة لابن حجر ٥/٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555679,"book_id":1504,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":166,"body":"٢- وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رجلاً من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: اقتل لكم محمداً، فقالوا: كيف تقتله؟ قال: أفتك به، فأقبل إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيفه فى حجره، فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا، قال: نعم، فأخذه واستله وجعل يهزه ويهم، فيكبته الله، فقال: يا محمد أما تخافنى؟ قال: لا، وما أخاف منك؟ قال: أما تخافنى، وفى يدى السيف؟ قال: لا، يمنعنى الله منك، ثم أغمد السيف، ورده إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ (١) .","footnotes":"(١) الآية ١١ المائدة، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة١/١٩٥ رقم ١٤٥ من طريق ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ٣/١٨٦،١٨٧ رقم١٣٣٢، وفى سنده عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة فى عصره ومفتيها، كان زاهداً ثم أحدث فتركه الأئمة مات سنة ١٤٣هـ وقيل١٤٤هـ، له ترجمة فى: الضعفاء للنسائى ص١٨٤ رقم٤٦٩، والضعفاء لأبى نعيم ص١١٨ رقم١٦٤، وتاريخ بغداد١٢/١٦٦ رقم٦٦٥٢، ووفيات الأعيان١/١٣٠ رقم ٤٧٦، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب غزوة ذات الرقاع٧/٤٩٠، ٤٩١ رقمى٤١٣٥،٤١٣٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف٣/٣٨٩ رقم٨٤٣، والحاكم فى المستدرك٣/٣١،٣٢ رقم٤٣٢٢ وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555680,"book_id":1504,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":167,"body":"٣- وقيل فى سبب نزول هذه الآية، ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إن عمرو بن أمية الضمرى (١) حين انصرف من بئر معونة (٢) لقى رجلين كلابيين معهما أمان من رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فقتلهما ولم يعلم أن معهما أماناً من النبىصلى الله عليه وسلم، ففداهما رسول اللهصلى الله عليه وسلم ومضى إلى بنى النضير، ومعه أبو بكر وعمر وعلى، فتلقوه بنو النضير فقالوا: مرحباً يا أبا القاسم؛ ماذا جئت له؟ قال: رجل من أصحابى قتل رجلين من كلاب معهما أمان منى، طلب منى ديتهما، فأريد أن تعينونى، قالوا: نعم والحب لك والكرامة يا أبا القاسم، اقعد حتى نجمع لك، فقعد رسول اللهصلى الله عليه وسلم تحت الحصن، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلى بين يديه، وقد توامر بنو النضير أن يطرحوا عليه حجراً (٣) ، وقال بعض أهل العلم: بل ألقوه، فأخذه جبرئيل ﵇، وأخبر النبى بما توامر الفسقة، وما هموا به، فقام رسول اللهصلى الله عليه وسلم واتبعه أبو بكر وعمر وعلى رضى الله عنهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ (٤)","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة٤/١٨١ رقم٣٨٦٢، والرياض المستطابة ص٢١٤،٢١٥.\r(٢) مكان فى الطريق الداخلى بين مكة والمدينة. معجم البلدان٥/١٥٩، وسرية بئر معونة، وتعرف أيضاً بسرية القراء كانت فى صفر سنة٤ هـ. ينظر البداية والنهاية٤/٧٣، والسيرة النبوية لابن هشام٣/١٦٤ نص رقمى١٢٩٥،١٢٩٦.\r(٣) جاء فى مغازى الواقدى ص٢٨٢، وسيرة ابن إسحاق، أن الذى هَمَّ بإلقاء الحجر (عمرو بن جحاش بن كعب النضيرى) ينظر: دلائل النبوة لأبى نعيم٢/٤٩١ رقم٤٢٧، والسيرة النبوية لابن هشام٣/١٧٠ نص رقم ١٣٠٨.\r(٤) الآية ١١ المائدة، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة٢/٤٨٩رقم٤٢٥، وابن جرير الطبرى فى تاريخه٢/٥٥١،٥٥٢، وابن إسحاق أورده معضلاً (السيرة النبوية لابن هشام) ٣/١٧٠ نص رقم ١٣٠٨، والبيهقى فى دلائل النبوة٣/٣٥٤،٣٥٥، وابن عبد البر فى الدرر فى اختصار المغازى والسير ص١٦٤،١٦٥ وابن كثير فى البداية والنهاية ٤/٧٦ ثلاثتهم عن ابن إسحاق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555681,"book_id":1504,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":168,"body":"، وفى رواية عن عروة بن الزبير زاد: \"وأمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم بإجلائهم، لما أرادوا برسول اللهصلى الله عليه وسلم، فلما أخذهم بأمر الله وأمرهم أن يخرجوا من ديارهم، فيسيروا حيث شاؤوا، قالوا: أين تخرجنا، قال ﷺ: إلى الحشر\" (١) .\rفتأمل ما فى حديث جابر من عصمة المولى ﷿ لنبيهصلى الله عليه وسلم من الإعراب حيث أغمد السيف ورده هو بنفسه إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد أن أخذ يراجع رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى قتله، فما الذى أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله؟!\rإن مراجعة الأعرابى لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى الكلام، دليل على أن الله ﷿ منعه، بدليل ما ورد فى الحديث من تلويحه بالسيف، فيكبته الله.\rوفى جوابهصلى الله عليه وسلم \"يمنعنى الله منك\" إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعاد الأعرابى كلامه، لم يزدهصلى الله عليه وسلم على ذلك الجواب، وفى ذلك غاية التهكم، وعدم المبالاة به، وفى ذلك دليل على قوة صبره وشجاعته، ويقينه بعصمة المولى ﷿ له.","footnotes":"(١) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة٢/٤٩٠،٤٩١ رقم٤٢٦ مرسلاً عن عروة. وينظر السيرة النبوية لابن هشام٣/١٧٢ نص رقم ١٣١٣، وشرح الزرقانى على المواهب٢/٥١٠،٥٢٩-٥٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555682,"book_id":1504,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":169,"body":"وفى حديث ابن عباس بيان لعصمة رسول اللهصلى الله عليه وسلم من محاولة يهود بنو النضير قتلهصلى الله عليه وسلم، كما فعل أسلافهم مع أنبيائهم سابقاً، ولكن عصمة رب العزة، سواء بتلقى جبريل الحجر قبل أن يقع عليهصلى الله عليه وسلم، أو بإخباره بمؤامرتهم، وبما هموا به، وقيامهصلى الله عليه وسلم قبل أن يلقوا الحجر. ففى تلك القصة تأكيد لخصوصية عصمتهصلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، كما قال ﷿: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ (١) فقوله \"من قبل\" بيان لخصوصية عصمته فى بدنه من القتل لأن اليهود وإن وقع منهم قبلهصلى الله عليه وسلم قتل أنبياءهم بإذن الله تعالى، إلا أنهم مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم، لم ولن يفلحوا فى قتله مهما حاولوا، بدليل الآية الكريمة، وهو ما أكدته السنة المطهرة كما فى هذه القصة، وكما فى الحديث التالى.","footnotes":"(١) الآية ٩١ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555683,"book_id":1504,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":170,"body":"٤- عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن امرأة يهودية (١) أتت رسول اللهصلى الله عليه وسلم بشاه مسمومة، فأكل منها. فجئ بها إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك. قال: \"ما كان الله عزوجل ليسلطك على ذاك\" قال: أو قالصلى الله عليه وسلم: \"علىَّ\" قال قالوا ألا نقتلها؟ قال: لا (٢) ، قال: فما زلت أعرفها فى لهوات (٣) رسول اللهصلى الله عليه وسلم (٤) .","footnotes":"(١) هى زينب ابنة الحارث، امرأة سلام بن مشكم، كما فى السيرة النبوية لابن هشام٣/٣٤٦ نص رقم ١٥٦٦.\r(٢) وذلك قبل موت بشر بن البراء من تلك الأكلة المسمومة، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصاً. قال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قتلها. ينظر: المنهاج شرح مسلم٧/٤٣٤ رقم٢١٩٠، وفتح البارى٧/٥٦٩ رقم٤٢٤٩، ١٠/٢٥٧ رقم٥٧٧٧.\r(٣) جمع لهاة، وهى اللحمات فى سقف أقصى الفم. النهاية فى غريب الحديث٤/٢٤٣.\r(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب السلام، باب السم٧/٤٣٣ رقم٢١٩٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين٥/٢٧٢رقم٢٦١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555684,"book_id":1504,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":171,"body":"ففى قولهصلى الله عليه وسلم \"ما كان الله ليسلطك على ذاك أو قال: علىَّ\" فيه بيان عصمتهصلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، كما قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (١) وهى معجزة لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى سلامته من السم المهلك لغيره، وفى إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام الشاة له، فقد جاء فى غير مسلم، أنهصلى الله عليه وسلم قال: \"ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة\" (٢) .","footnotes":"(١) جز من الآية ٦٧ المائدة.\r(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلاً سماً أو أطعمه فمات، أيقاد منه٤/١٧٤ رقم٤٥١٢ وفيه خالد بن خلى الحمصى- صدوق- كما قال الحافظ فى التقريب١/٢٥٧ رقم١٦٢٩ وبقية رجاله ثقات- فالإسناد حسن، وأخرجه ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام٣/٣٤٦ نص رقم١٥٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555685,"book_id":1504,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":172,"body":"٥- وعن سلمة بن الأكوع رضى الله عنه (١) أنه كان مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بفرس له يقودها عقوق (٢) ومعها مهرة لها يتبعها فقال: من أنت؟ فقال: \"أنا نبى\" قال: ما نبى؟ قال \"رسول الله\" قال: متى تقوم الساعة؟ فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: \"غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله\" قال: أرنى سيفك، فأعطاه النبىصلى الله عليه وسلم سيفه، فهزه الرجل ثم رده عليه، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم \"أما أنك لم تكن تستطيع الذى أردت\" (٣) زاد الطبرانى فى روايته، ثم قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: \"إن هذا أقبل، فقال آتية فاسأله، ثم أخذ السيف، فأقتله، ثم أغمد السيف\" (٤) .\rفتأمل يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، إذ أخبره ربه ﷿ بحال الرجل القادم عليه، وأنه سيسأل رؤية سيفهصلى الله عليه وسلم ليقتله به، ومع ذلك عندما يأتى الرجل يعطيه النبىصلى الله عليه وسلم السيف عندما سأله، ويهز الرجل السيف محاولاً قتل رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ولكن يكبته الله ويمنعه، فلا يملك إلا رد السيف إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم ويخبره بما كان فى نفسه من نية قتلهصلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن يستطيع ذلك، لعصمة الله لهصلى الله عليه وسلم.","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة٢/٥١٧ رقم٢١٥٥، والاستيعاب٢/٦٣٩ رقم ١٠١٦، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٨ رقم٨٠، والإصابة٢/٦٦ رقم٣٣٧٤.\r(٢) أى حامل، يقال عقت له فرسه، أى: حملت. النهاية فى غريب الحديث٣/٢٥١.\r(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك١/٤٩ رقم١٤ وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.\r(٤) أخرجه الطبرانى فى الكبير٧/٢٠ ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد٨/٢٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555686,"book_id":1504,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":173,"body":"٦- وعن جعدة بن خالد بن الصَّمة رضى الله عنه (١) قال: شهدت النبى ﷺ وأتى برجل، فقيل يا رسول الله، هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبى ﷺ: لم تراع، لم تراع (٢) لو أردت ذلك لم يسلطك الله على قتلى\" (٣) .\r٧- وعن فضالة بن عمير الليثى رضى الله عنه (٤) قال: أردت قتل النبىصلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنوت منه، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم \"أفضالة\"؟ قلت: نعم! فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شئ، كنت أذكر الله ﷿، فضحك النبىصلى الله عليه وسلم ثم قال: \"استغفر الله\" ثم وضع يده على صدرى، فسكن قلبى، فوالله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شئ أحب إلىَّ منه\" (٥) نعم: هكذا النبوة يقين بعصمة الله تعالى وحفظه، وعلم بالغيب، ورحمة وسكن، وهداية للعصاة.","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب١/٢٤١ رقم٣٢٦، وأسد الغابة١/٥٣٧ رقم٧٥٠، وتجريد أسماء الصحابة١/٨٤.\r(٢) كلمة تقال عند تسكين الروع تأنيساً، وإظهاراً للرفق بالمخاطب أهـ فتح البارى١٠/٤٧٢ رقم٦٠٣٣.\r(٣) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة١/١٩٤ رقم١٤٣، وأحمد فى مسنده٣/٤٧١، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد٨/٢٢٦ رواه أحمد والطبرانى باختصار ورجاله رجال الصحيح غير أبى إسرائيل الجشمى وهو ثقة، وأخرجه ابن الأثير فى أسد الغابة١/٥٣٧،٥٣٨ رقم٧٥٠.\r(٤) أسلم وحسن إسلامه، له ترجمة فى: أسد الغابة٤/٣٤٧ رقم٤٢٣٣، والاستيعاب٤/١٢٦٣ رقم٢٠٨٣، والإصابة٥/٢١١ رقم ٧٠١٥.\r(٥) أخرجه ابن هشام فى السيرة النبوية٤/٤٠،٤١ نص رقم١٦٩٢، وأورده ابن كثير فى البداية والنهاية٤/٣٠٦، وابن عبد البر فى الدر فى اختصار المغازى ص٢٢٢ كلاهما نقلاً عن ابن هشام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555687,"book_id":1504,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":174,"body":"٨- وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه (١) قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول اللهصلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار (٢) يسوقه، أو أنا أسوقه، وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة (٣) ، فإذا أنا باثنى عشر راكباً، قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله ﷺ بهم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله ﷺ، هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا، يا رسول الله، كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا، قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله ﷺ فى العقبة، فليقوه منها. قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: لا، أكره أن تحدث العرب بينها: أن محمداً قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة (٤) . قلنا: يا رسول الله! وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك\" (٥) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ٧٣ رقم٢٦٧، والرياض المستطابة ص٤٩،٥٠، وأسد الغابة١/٧٠٦ رقم١١١٣، والاستيعاب١/٣٣٤ رقم٤٩٢.\r(٢) هو عمار بن ياسر صحابى جليل له ترجمة فى: الرياض المستطابة ص٢١١-٢١٣، ومشاهير علماء الأمصار ص٥٤ رقم٢٦٦، والاستيعاب٣/١١٣٥ رقم١٨٦٣، وأسد الغابة٤/١٢٢ رقم٣٨٠٤.\r(٣) واحدة عقبات وهى الجبال، والمراد مكان مرتفع. ينظر: مختار الصحاح ص٤٤٤، والقاموس المحيط١/١٠٦.\r(٤) هى خراج ودمل كبير تظهر فى الجوف فتقتل صاحبها غالباً. النهاية فى غريب الحديث ٢/٩٤.\r(٥) أخرجه البهيقى فى دلائل النبوة ٥/٢٦٠، ٢٦١، والطبرانى فى الأوسط ٨/١٠٢ رقم ٨١٠٠، وفيه عبد الله بن سلمة، وثقة جماعة، وقال البخارى لا يتابع على حديثه، وفى الصحيح بعضه. كذا قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٠٩، ١١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555688,"book_id":1504,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":175,"body":"وللحديث شاهد صحيح أخرجه أحمد فى مسنده عن أبى الطفيل رضى الله عنه (١) .\rوأصل هذه القصة أخرجها الإمام مسلم فى صحيحه مختصرة عن حذيفة رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: \"فى أمتى اثنا عشر منافقاً، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل فى سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة. سراج من النار يظهر فى أكتافهم حتى ينجم من صدورهم\" (٢) وكان حذيفة رضى الله عنه على علم بأسمائهم من رسول الله ﷺ دون غيره من الصحابة (٣) ، ولما سئل رضى الله عنه: \"كيف عرفت المنافقين، ولم يعرفهم أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ولا عمر؟ قال: إنى كنت أسير خلف رسول الله ﷺ، فنام على راحلته، فسمعت ناساً منهم يقولون: لو طرحناه عن راحلته، فاندقت عنقه فاسترحنا منه، فسرت بينه وبينهم، وجعلت أقرأ وأرفع صوتى، فانتبه النبى ﷺ، فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة، قال: من هؤلاء خلفك؟ قلت: فلان وفلان حتى عددت أسماءهم، قال: وسمعت ما قالوا؟ قلت: نعم، ولذلك سرت بينك وبينهم، فقال: إن هؤلاء فلاناً وفلاناً، حتى عدد أسماءهم، منافقون، لا تخبرن أحداً\" (٤) ، وفيهم أنزل","footnotes":"(١) مسند أحمد ٥/٤٥٣، ٤٥٤ ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/١٩٥ وأخرجه أيضاً الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١١٠.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٩/١٣٧ رقم ٢٧٧٩.\r(٣) ولهذا كان رضى الله عنه يقال له \"صاحب السر الذى لا يعلمه غيره\" ينظر: تفسير القرآن العظيم ٤/١٢٣، وزاد المعاد ٣/٥٤٨.\r(٤) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ٢/٥٢٨ رقم ٤٥٦، والطبرانى فى الكبير وفيه: مجالد بن سعيد وقد اختلط، وضعفه جماعة، كذا قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٠٩، قلت: ولكنه توبع؛ حيث أصل حديثه فى صحيح مسلم وغيره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555689,"book_id":1504,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":176,"body":"قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا﴾ (١) .\rإن فى تلك الآية الكريمة يمتن رب العزة على نبيه ومصطفاه ﷺ بعصمته من مؤامرة نفراً من المنافقين هموا بقتله ﷺ، وهو عائد من تبوك فى طريقه إلى المدينة، بطرحه من فوق عقبة فى الطريق، وقد جمعهم رسول الله ﷺ وهم اثنا عشر منافقاً، وأخبرهم بقولهم، وبما هموا به من قتله، ولكنهم حلفوا بالله ما قالوا، وتركهم رسول الله ﷺ وتجاوز عنهم، حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه، بعد أن أظهره الله ﷿ على أعداءه، ولكن مع ذلك لحقتهم لعنة الله فى الدنيا، وموتهم شر ميتة بالدبيلة، وفى الآخرة لهم عذاب جهنم، جزاء نفاقهم وما همو به من قتله ﷺ، ولم ينالوا ذلك لعصمة رب العزة له ﷺ.\rوبعد: فما ذكر من هذه النماذج الصحيحة فى عصمته ﷺ من القتل، غنىٌ عن غيره مما لم يذكر من الصحيح، أو ورد ضعيفاً.\rوإذا تقرر هنا فى هذا الفصل تفصيل دلائل عصمته ﷺ فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فقد حان الآن بيان شبهات الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها، فإلى تفصيل ذلك فى الفصل التالى.","footnotes":"(١) الآية ٧٤ التوبة، وسبب النزول، أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٥/٢٥٨، ٢٥٩، عن ابن إسحاق، ونقله عنه ابن كثير فى البداية والنهاية ٥/١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555690,"book_id":1504,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":177,"body":"الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها\rويشتمل على تمهيد ومبحثين:\rالمبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها:\r... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:\rالمطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد \"الضلال\" و\"الغفلة\" إلى ضمير خطابه ﷺ والجواب عنها.\rالمطلب الثانى: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد \"الذنب\" و\"الوزر\" إلى ضمير خطابه ﷺ والجواب عنها.\rالمطلب الثالث: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتقوى الله عزوجل، ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك والجواب عنها.\rالمطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتعرض الشيطان له والجواب عنها.\rالمطلب الخامس: شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله ﷺ والجواب عنها.\rالمبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها:\r... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:\rالمطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث \"شق صدره ﷺ\" والرد عليها.\rالمطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث \"فترة الوحي\" والرد عليها.\rالمطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" والرد عليها.\rالمطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"سحر رسول الله ﷺ\" والرد عليها.\rالمطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث \"أَهَجَرَ\" والرد عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555691,"book_id":1504,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":178,"body":"تمهيد\r... ثبت فيما سبق ثبوتاً قطعياً من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله ﷺ قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب أو نحو ذلك من مظاهر الكفر، والشرك، والشك، والضلال والغفلة، وكذا عصمته ﷺ من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس عقله وخلقه بسوء؛ ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يُقدِّر على نبيه ﷺ، عكس ذلك بعد اصطفائه فقد ظن السوء بربه. أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555692,"book_id":1504,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":179,"body":".. وكما ظهر قديماً من يطعن فى عصمة الأنبياء ممن لا يعتد بخلافهم من الأزرقة، والكرامية، والرافضة وغيرهم فقد ظهر حديثاً أذيالهم من المنكرين لسنة المعصوم ﷺ وسيرته العطرة الواردة فيها، ومن عجيب أمر هؤلاء الأذيال تحمسهم لفكرة أن الأنبياء غير معصومين، أكثر من أسلافهم، إذ تجرأوا على أنبياء الله ﷿ بجعلهم أقل مرتبة من سائر البشر، وحال لسانهم يقول: الأنبياء أناس يخطئون كما يخطئ عامة الناس، بل إن الله قد يتوب على عامة الناس، ولا يتوب عليهم، وليس أدل على ذلك من زعم بعضهم أن \"وصف الأنبياء بالعصمة المطلقة تأليه لهم، وأنهم معرضون للوقوع فى أعظم الذنوب وهو الشرك الأكبر، وأنهم سيحاسبون أمام الله يوم القيامة\" (١) ومن هنا زعموا أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك\" (٢) وتجرأ بعضهم على كتاب الله ﷿ زاعماً: \"أن القرآن الكريم لم يعتبر النبى ﷺ معصوماً\" (٣) بل ويذهب إلى أن الاعتقاد بعصمة الأنبياء فى الإسلام دخيل عليه من النصرانية إذ يقول: \"دخلت فكرة عصمة الأنبياء، إلى الفكر الإسلامى نقلاً عن الفكر المسيحى الذى يؤمن بأن المسيح اقنوم \"صورة\" لله، وأنه لذلك لا يمكن أن يخطئ، لأنه معصوم بطبيعته من الوقوع فى الخطأ\" (٤) متجاهلاً أن حقوق الأنبياء واحدة لا تختلف أبداً، فما يجب فى حق واحد منهم يجب كذلك فى حق الجميع، وما يستحيل فى حق واحد منهم يستحيل كذلك فى حق الجميع، لأنهم متساوون فيما يجب","footnotes":"(١) الأنبياء فى القرآن الكريم لأحمد صبحى ص٣٠، ٤٠، ٧٤ وينظر: القرآن والحديث والإسلام لرشاد خليفة ص٨ – ١٠، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص٢٨٦.\r(٢) سيأتى تفصيل تلك الشبهة والرد عليها ص٣٧٧.\r(٣) الإسلام السياسى للمستشار العشماوى ص٨٦.\r(٤) أصول الشريعة للعشماوى ص١٤٣، وقارن بكتابة معالم الإسلام ص١٤٨ حيث أثبت عصمته ﷺ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555693,"book_id":1504,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":180,"body":"لهم، وما يستحيل عليهم بمقتضى قوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يأتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً﴾ (٢) وقوله ﷿: ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل﴾ (٣) ومن هنا كان الدفاع عن عصمة نبينا ﷺ دفاع عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\r... والمتتبع للمروجين لفرية عدم عصمة الأنبياء، يهون عليه أنه يجدهم جميعاً من أصحاب المنافع والشهوات، أو من أصحاب الأغراض، وأرباب الهوى.\r... وقد استند هؤلاء المشاغبون فى عصمة النبى ﷺ إلى بعض النصوص القرآنية والنبوية التى قد يتوهم من ظاهرها أن رسول الله ﷺ كان فى ضلال أو غفلة قبل نبوته، أو فى شك، وتأثير للشيطان، عليه بعد البعثة، وكلك نصوص وردت فيها بعض التنبيهات الموجهة مباشرة إلى رسول الله ﷺ فى القرآن الكريم (٤) وهذه التنبيهات قد تبدو فى الظاهر وكأنها تمس عصمته ﷺ، فأخذوا يلوون تلك النصوص، ويحملونها من المعانى مالا تحتمل، إلا أنهم لن يستطيعوا بهذه الحيلة أن يضللوا الأمة.\r... وسوف أعرض لهذه النصوص والتنبيهات، وأبين التوجيه الصحيح لها بما يبين الحق، ويصحح الفهم، ويزيل ما يقع من الوهم إن شاء الله تعالى، آملاً منه ﷿ التوفيق والهداية إلى ما فيه السداد، وحسن الأدب فى بيان المراد. فإلى بيان ذلك فى المبحثين التاليين.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٢٨٥ البقرة.\r(٢) الآية ١٥٢ النساء.\r(٣) الآية ٩ الأحقاف.\r(٤) ينظر: الأصلان العظيمان لجمال البنا ص٢٣٢ حيث استدل بتلك التنبيهات على عدم عصمة الأنبياء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555694,"book_id":1504,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":181,"body":"المبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم على عدم عصمة النبى ﷺ\rفى عقله وبدنه والرد عليها\rتمهيد:\r... إن الذى يتتبع القرآن الكريم، ويتقصى آياته العظيمة، ويمعن النظر فيه، ينتهى منه إلى رصيد ضخم، وثروة لا حدود لها، من الثناء الحلو، والمديح الطيب، والتنويه الذى ليس قبله ولا بعده، برسول هذه الإنسانية، وسيد هذا الكون، حتى لكأنه بلغ قمة الثناء، وغاية المديح، وكل ذلك تجده حتى فى الآيات المتشابهات التى استدل بها خصوم السنة المطهرة والسيرة العطرة.\r... إن مما يشرح الصدر، ويبهج النفس أن المتتبع للآيات المتشابهات التى استدلوا بها على عدم عصمتهم ﷺ، يرى أنها ورادة فى مقام المنَّة على رسول الله ﷺ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه ﷿ فى الدنيا والآخرة، بأعظم ما يكون البيان.\r... ويرى بوضوح وجلاء أن كل آية من تلك الآيات تأتى بنوع من الترفق برسول الله ﷺ فى الخطاب طمأنة لقلبه الطاهر، وتنادى بأن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته ﷺ غير مراد، وتنادى بأن ما صدر منه من خطأ فى الاجتهاد، ووجه إلى الأخذ بالأصوب منه فيما يستقبل من حوادث، لم تؤثر على شئ من عصمته، ولا مما ناله من شرف القرب، والرضا عليه من الله ﷿، مما يمكن أن يقال فيه: إنه مسح بيد الرحمة على القلب الطاهر الرحيم، الذى جعله رب العزة هدى ورحمة للعالمين.\r... ومن هنا من يتأمل ما استدل به أعداء الإسلام من آيات قرآنية على عدم عصمته ﷺ، لا يستطيع إلا أن يقرر بأنها افتراءات أطلقوا عليها اسم أدلة وبراهين... وقد لا يصل القارئ إلى هذا التقرير، إلا بعد أن يتأمل جيداً، ويرجع إلى النصوص، ويمحصها بدقة فيخرج بنتيجة حاسمة، وحكم نهائى، بأن ما زعموه أدلة وحججاً وبراهين، إنما هى من نفخ الشيطان وهمزه ونفثه، سولها لهم الشيطان، وحسنها فى قلوبهم، ودفعهم بأن يقولوا أنها حجج قرآنية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555695,"book_id":1504,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":182,"body":".. وسوف نناقشها فقرة فقرة، وننقضها لبنة لبنة، حتى يقتنعوا أن ما زعموه من أدلة هى السراب الباطل الذى يحسبه الظمآن ماءً.\r... إنى أقول ذلك ومعى تأكيداً له شواهد من التاريخ، والنقل الثابت من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة على عصمته ﷺ من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته وخلقه وعقله بسوء، ومبرهناً فى نفس الوقت أن رسول الله ﷺ أجل وأعلى، وأرفع وأقدس من أن تناله الشبه.\r... فإلى بيان ذلك من خلال استعراض شبهاتهم والرد عليها فى المطالب التالية.\r\rالمطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد \"الضلال\" و\"الغفلة\" إلى ضمير خطابه ﷺ\rوالجواب عنها\r... احتج المشاغبون الذاهبون إلى نفى العصمة عن رسول الله ﷺ فى قلبه وعقيدته قبل البعثة وبعدها، بما ورد من آيات أسند فيها \"الضلال\" و\"الغفلة\" إلى ضمير خطابه ﷺ، وحملوها على الكفر فى حقه ﷺ كقوله تعالى: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب﴾ (١) وقوله ﷿: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (٣) .\r... ويجاب عن ما سبق بما يلى:","footnotes":"(١) الآية ٥٠ سبأ.\r(٢) الآية ٧ الضحى.\r(٣) الآية ٣ يونس، وينظر: ممن قال بهذه الشبهة، الإسلام بدون حجاب (كتاب مستل من شبكة الإنترنت) ص٣٥ - ٣٧، والأنبياء فى القرآن لأحمد صبحى منصور ص٢٣، ٣٠ - ٨٠، ١٢٦، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص١٣٧، ١٥٢، وجريدة الدستور عدد ٣١/١٢/١٩٩٧، وجريدة الميدان العدد ٢٨٩ مقالتان لأحمد صبحى منصور، وإعادة تقييم الحديث لقاسم أحمد ص١٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555696,"book_id":1504,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":183,"body":"أولاً: حمل أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة كلمتى \"الضلال\" والغفلة، فى الآيات على الكفر والغى والفساد! وهذا تعسف باطل فى تأويل الآيات، ومرفوض من وجوه:\rالأول: أنه قبل النبوة لم يكن هناك شرعاً قائماً حتى يوصف المنحرف عنه بالضلال.\rالثانى: ما ثبت بإجماع الأمة قاطبة من عصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر (١) .\rالثالث: ما ثبت بالتواتر عن حال النبى ﷺ فى نشأته قبل النبوة من عصمة ربه ﷿ له من كل ما يمس عقيدته وخلقه بسوء على ما سبق تفصيله (٢) .\rثانياً: إن تأويل أعداء الإسلام للآيات يرفضه القرآن الكريم، حيث وردت فيه كلمة \"الضلال\" مراداً بها أكثر من معنى، منها ما يلى:\rضلال بمعنى الكفر فى نحو قوله تعالى: ﴿ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون﴾ (٣) .\rضلال بمعنى النسيان فى نحو قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (٤) أى أن تنسى إحدى المرأتين، فتذكر إحداهما الأخرى.\rضلال بمعنى الغفلة فى نحو قوله سبحانه على لسان سيدنا موسى ﵇ لفرعون: ﴿قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين﴾ (٥) .","footnotes":"(١) ينظر ص٧،١١.\r(٢) ص٤٤ – ٧٩، وينظر: خواطر دينية لعبد الله الغمارى ص١٧٨، ١٧٩.\r(٣) الآية ٦٢ يس، وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٥٧٠، ٥٧١.\r(٤) جزء من الآية ٢٨٢ البقرة.\r(٥) الآية ٢٠ الشعراء، وينظر: الأشباه والنظائر فى القرآن الكريم لمقاتل بن سليمان ص٢٩٧ – ٢٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555697,"book_id":1504,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":184,"body":"ضلال بمعنى المحبة فى نحو قوله ﷿ على لسان أولاد سيدنا يعقوب: ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين﴾ (١) أى فى حب مبين ليوسف، وهو المشار إليه فى قوله تعالى على لسانهم أيضاً: ﴿قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم﴾ (٢) وكذلك قوله سبحانه على لسان نسوة المدينة: ﴿وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها فى ضلال مبين﴾ (٣) أى حب مبين ليوسف ﵇.\rولما كان الضلال فى لسان أهل اللغة: العدول عن الطريق المستقيم، وضده الهداية، كان كل عدول ضلال، سواء كان عمداً أو سهواً، يسيراً كان أو كثيراً، ومن هنا صح أن يستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء، وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بون بعيد (٤) .\rوعلى الوجهين الثالث والرابع تفسر آية: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ ونحوها، ويكون المعنى على الوجه الرابع: ووجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويشهد لصحة هذا الوجه والتأويل ما يلى:\rأ- ما صح من سيرة رسول الله ﷺ قبل النبوة، وتحنثه فى غار حراء طلباً للهداية، حتى نزل عليه جبريل ﵇ بالوحي (٥) .\rب- أن من أسماء المحبة عند العرب \"الضلال\" قال الشاعر:\rهذا الضلال أشاب منى المفرقا ... *** ... والعارضين ولم أكن متحققا\rعجباً لعزة فى اختيار قطيعتى ... *** ... بعد الضلال فحبلها قد أخلفا (٦) .","footnotes":"(١) الآية ٨ يوسف.\r(٢) الآية ٩٥ يوسف.\r(٣) الآية ٣٠ يوسف.\r(٤) ينظر: معجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص٣٣٣، ٣٣٤، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٤٥٧.\r(٥) ينظر: حديث تحنثه فى غار حراء فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٣٠ رقم ٣.\r(٦) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ٢٠/ ٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555698,"book_id":1504,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":185,"body":"قال الإمام الزرقانى (١) : وهذا أى الوجه الرابع، وتأويل الضلال بمعنى المحبة منقول عن قتادة، وسفيان الثورى، فلا يضر عدم وجوده فى الصحاح وأتباعه، فاللغة واسعة (٢) ، وقال الدكتور عبد الغنى عبد الخالق: وهذا قول حسن جداً (٣) ويكون المعنى على الوجه الثالث: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ أى وجدك غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك أى فأرشدك.\r... والضلال هنا: بمعنى الغفلة كقوله تعالى: ﴿لا يضل ربى ولا ينسى﴾ (٤) أى لا يغفل ولا يسهو ﷻ عن شئ فى السماوات والأرض وما فيهن (٥) وقال تعالى فى حق نبيه ﷺ: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (٦) أى لم تكن تدرى القرآن، والشرائع وما فيها من قصص الأنبياء، فهداك الله ﷿ إلى ذلك، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم﴾ (٧) .","footnotes":"(١) هو: محمد بن الشيخ عبد الباقى الزرقانى، أبو عبد الله، الإمام الفقيه، الفهامة المتفنن، المحدث، الرواية المسند، المؤلف المتقن، من مؤلفاته النافعة: شرح الموطأ، وشرح المواهب اللدنية للقسطلانى، وغير ذلك. مات سنة ١١٢٢هـ له ترجمة فى: شجرة النور الزكية للشيخ محمد مخلوف ١/٣١٨، ٣١٩ رقم ١٢٣٧.\r(٢) شرح الزرقانى على المواهب ٩/١١، وينظر: الشفا ٢/١١٢، ١١٣.\r(٣) حجية السنة ص١١٢.\r(٤) الآية ٥٢ طه.\r(٥) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير٥/٢٩١،ومعجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص٤٠٥.\r(٦) الآية ٣ يوسف.\r(٧) الآية ٥٢ الشورى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555699,"book_id":1504,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":186,"body":".. والغفلة فى حق الأنبياء لا جهل فيها، لأن الجاهل لا يسمى غافلاً حقيقة لقيام الجهل به، فصح أن ضلال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غفلة لا جهل (١) وقد روى هذا التأويل والوجه بعينه عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين، وجماعة من أهل التأويل (٢) .\r... وقيل: الضلال فى الآيات بمعنى التحير، ولهذا كان ﷺ يخلو بغار حراء فى طلب ما يتوجه به إلى ربه، ويتشرع به؛ حتى هداه الله إلى الإسلام (٣) وهذا التأويل قريب من الوجه السابق.\r... وبقيت وجوه أخرى من التأويل ذكرها أهل العلم (٤) وأقواها ما اكتفيت بذكره.","footnotes":"(١) ينظر: تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء لعلى السبتى ص١١٢، ١١٣، والشفا ٢/١١٤.\r(٢) ينظر: تفسير المنار ١٢/٢٠٨، وجامع البيان عن تأويل آى القرآن لابن جرير الطبرى ١٢/٦٢٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبى ٢٠/٩٦، وفتح القدير ٤/٧٦٣، وعصمة الأنبياء للرازى ص٩٢، ٩٣.\r(٣) الشفا ٢/١١٢، وينظر: شرح الشفا للقارى ٢/٢٠٥٠ تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده ص١١١، ١١٢.\r(٤) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/ ٨ – ١٤، والشفا ٢/١١٢ – ١١٤، ومفاتيح الغيب للرازى ٨/٤٥١، ٤٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555700,"book_id":1504,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":187,"body":".. أما ما استدلوا به من قوله ﷺ على ما حكاه عنه القرآن الكريم: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب﴾ (١) وزعمهم بأن نسبة الضلال إلى نفسه ﷺ يعنى أنه غير معصوم منه حتى بعد النبوة، فلا حجة لهم فى التعلق بظاهر هذه النسبة! لأن نسبة الضلال إلى نفسه ﷺ جاءت منه على جهة الأدب مع ربه ﷿، وهكذا الأنبياء جميعاً إذا مسهم ضر نسبوه إلى الشيطان على جهة الأدب مع الحق ﷻ، لئلا ينسبوا له فعلاً يكره، مع علمهم أن كلا من عند الله تعالى، قال الخليل ﵇: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٢) وقال الخضر ﵇: ﴿فأردت أن أعيبها﴾ (٣) أى السفينة، مع أن فعله كان بأمره ﷿ كما قال ﷿ على لسانه: ﴿وما فعلته عن أمرى﴾ (٤) وقال موسى ﵇: ﴿هذا من عمل الشيطان﴾ (٥) وقال نبينا ﷺ: \"والخير كله فى يديك، والشر ليس إليك\" (٦) يعنى: ليس إليك يضاف الشر وصفاً لا فعلاً، وإن كان الفعل كله من عند الله ﷿ كما قال: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾ (٧) .","footnotes":"(١) الآية ٥٠ سبأ.\r(٢) الآية ٨٠ الشعراء.\r(٣) جزء من الآية ٧٩ الكهف.\r(٤) جزء من الآية ٨٢ الكهف.\r(٥) جزء منا الآية ١٥ القصص.\r(٦) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبى ﷺ، ودعاؤه بالليل ٣/٣٠٩ رقم ٧٧١ من حديث على ابن أبى طالب رضى الله عنه.\r(٧) الآية ٧٨ النساء، وينظر: المنهاج شرح مسلم ٣/٣١٧ رقم ٧٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555701,"book_id":1504,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":188,"body":".. أما الشرط فى الآية ﴿إن ضللت﴾ فلا يقتضى الوقوع ولا الجواز، فالضلال لا يقع منه ﷺ، ولا يجوز أن يقع منه، لا قبل النبوة ولا بعدها، بمقتضى عصمة الله ﷿ له، ألا ترى كيف قال الله تعالى: ﴿لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم﴾ (١) والمعنى: لولا ما عصمناه ورحمناه، لأتى ما يذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع.\r... وكذلك قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٢) والمعنى: لولا فضل الله عليك يا رسول الله، بالعصمة ورحمته إياك، لهمت طائفة منهم أن يضلوك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، بدليل بقية الآية: ﴿وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً﴾ فهذه الآية كسابقتها من جملة الآيات المادحة لرسول الله ﷺ، لا أنها من المتشابهات.\r... ومعناها: \"لولا وجود تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئاً يسيراً من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود عصمتنا وتثبيتنا إياك\" (٤) .\r... فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليه، على فرض الإمكان لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء فى أثناء عتبه – إن كان ثم عتب – براءته ﷺ، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته صلوات الله وتسليمه عليه (٥) .","footnotes":"(١) الآية ٤٩ القلم.\r(٢) الآية ١١٣ النساء.\r(٣) ينظر: تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص١١٩.\r(٤) شرح الشفا للقارى ١/٦٨ بتصرف يسير.\r(٥) الشفا ١/٣٠، وينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555702,"book_id":1504,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":189,"body":".. وصفوة القول: أن ما استدل به من آيات على عدم عصمته ﷺ لا حجة لهم فيها لأن تلك الآيات الكريمات هى فى حقيقة الأمر واردة فى مقام المنة على رسول الله ﷺ، ومع تلك المنَّة يستحيل ما استدلوا به على عدم عصمته ﷺ وتأمل معى آية سبأ: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب﴾ (١) فهل مع منَّة النبوة، ونزول وحى الله تعالى إليه يكون ضلال؟ هل يعقل هذا؟ وكذلك آية يوسف: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (٢) فهل مع منة الوحي، ونزول القرآن عليه يجوز فى حقه ﷺ غفلة جهل، سواء قبل النبوة أو بعدها؟! وكذلك ما استدلوا به من آية الضحى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ تجدها آية كريمة وردت فى سورة عظيمة أقسم رب العزة فى أولها بالضحى، والليل إذا أقبل بظلامه، على أنه ما ترك نبيه ﷺ، وما أبغضه، وهذا من كمال عنايته ﷿ فى رد ما قال المشركون للنبى ﷺ، ثم أخذ رب العزة يعدد فى ضمن نفى التوديع والقلى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ (٣) نعمه على حبيبه ومصطفاه فى الدنيا والآخرة، وآمراً له بأن يحدث بها قال تعالى: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيماً فأوى. ووجدك ضالاً فهدى. ووجدك عائلاً فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث﴾ (٤) فتأمل كيف وردت آية ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ فى معرض الثناء والمدح، والمنَّة عليه ﷺ بنعم لا تعد ولا تحصى. فهل يعقل أن يكون مراداً بالضلال فى هذا المقام ضلال الكفر والفساد؟!! كيف وقد عصمه رب العزة من ذلك قبل نبوته، وهو ما تشهد","footnotes":"(١) الآية ٥٠ سبأ.\r(٢) الآية ٣ يوسف.\r(٣) الآية ٣ الضحى.\r(٤) الآيات ٤ – ١١ الضحى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555703,"book_id":1504,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":190,"body":"به سيرته العطرة، على ما سبق تفصيله فى مبحثى الفصل الأول دلائل عصمته فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ كما شهد رب العزة بعصمته من الضلال بعد نبوته فى قوله تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ (١) مع تأكيد النفى بالقسم بقوله ﷿: ﴿والنجم إذا هوى﴾ (٢) .\r... وتأمل دلالة كلمة \"صاحبكم\" فى قوله ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ ولم يقل: محمد، أو رسول الله، أو نحو ذلك. تأكيداً لإقامة الحجة على المشركين بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به، وبحاله، وأقواله، وأعماله، منذ نشأته بينهم بالأمانة، والصدق ورجاحة العقل، والخلق القويم، وأنهم لا يعرفونه بكذب، ولا غى، ولا ضلال فى العقيدة أو الأخلاق، وبالجملة: لا ينقمون عليه أمراً واحداً قط، وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله ﷿: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون﴾ (٤) .\r... هذا وفى القسم بالنجم، إشارة إلى أنه ﷺ يهتدى به كما يهتدى بالنجم، ومن يهتدى به، وحث رب العزة على الاقتداء به، يستحيل فى حقه الضلال.\r... إن الآية الكريمة ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ مسوقة لتبرئته ﷺ مما رماه به المشركون قديماً من الضلال والغى، وهى أيضاً مسوقة لتبرئته ﷺ مما رماه به أذيالهم حديثاً من تفسير الضلال والغفلة، بالكفر والفساد. فوجب أن يكون النفى عاماً فى الضلال والغى قبل النبوة وبعدها.\r... وهو ما يدل عليه اللفظ العربى، ويقتضيه سياق الآية، إذ من المعلوم فى اللفظ العربى أن الفعل إذا ما وقع فى سياق النفى أو الشرط، دل على العموم وضعاً بلا نزاع.","footnotes":"(١) الآية ٢ النجم.\r(٢) الآية الأولى النجم.\r(٣) الآية ١٦ يونس.\r(٤) الآية ٦٩ المؤمنون، وينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٨/٤٥٧ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555704,"book_id":1504,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":191,"body":".. زد على هذا أن الأفعال بمنزلة النكرات، والنكرة تعم، فكأنه قال: ما صدر منه ﷺ ضلال لا فى عقيدة ولا فى خلق لا قبل النبوة ولا بعدها (١) .\r... والمفسرون حين عمموا الآية فى جميع الضلال قبل النبوة وبعدها، قالوا بما يدل عليه اللفظ العربى دلالة وضعية لغوية، وبما يقتضيه سياق الآية، وبما تشهد به سيرته ﷺ من كمال عقله وخلقه قبل النبوة وبعدها، وعصمته فى قلبه وعقيدته من الكفر والشرك، والشك، والضلال، والغفلة، على ما سبق تفصيله (٢) أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم\r\rالمطلب الثانى: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد \"الذنب\" و\"الوزر\" إلى ضمير خطابه ﷺ\rوالجواب عنها\r... مما استدل به الطاعنون فى عصمة النبى ﷺ، وزعموه أدلة على جواز الكبائر والصغائر عنه ﷺ، قبل النبوة وبعدها، ما ورد فى القرآن الكريم من آيات أسند فيها \"الذنب\" و\"الوزر\" إلى ضمير خطابه ﷺ، كقوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٤) وقوله ﷿: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك﴾ (٥) .\rويجاب عن ما زعموا بما يلى:\rأولاً: إن ظاهر ما استدلوا به على عدم عصمته ﷺ، لا حجة لهم فيه، لأن ظاهره غير مراد، لمن تفكر فى سياق الآيات التى ورد فيها كلمتى: \"الذنب، والوزر\"!.","footnotes":"(١) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/٤.\r(٢) يراجع: ص٤٧ - ٧٩، وينظر: دلالة القرآن المبين على أن النبى ﷺ أفضل العالمين للأستاذ عبد الله الغمارى ص١٣٨، ١٣٩.\r(٣) الآية ٥٥ غافر.\r(٤) الآية ٢ الفتح.\r(٥) الآية ٣ الشرح، وأصحاب هذه الشبهة هم أنفسهم أصحاب الشبهة السابقة، ينظر مصادرهم السابقة ص١١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555705,"book_id":1504,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":192,"body":".. وهو سياق يظهر منَّة الله ﷿ على رسوله ﷺ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه ﷿ فى الدنيا والآخرة، مما يؤكد أن ظاهر ما يطعن فى عصمته غير مراد، وإنما هو فى حقيقة الأمر من جملة ما يمدح به ﷺ. وتأمل معى قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك﴾ إنها آية كريمة وردت بين منتين:\rالأولى: شرح الصدر فى قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (١) شرحاً حسياً ومعنوياً، ليسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق جميعاً، وليكون موضع التجليات ومهبط الرحمات (٢) .\rوالثانية: رفع ذكره فى قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (٣) رفعاً بلغت قمته فى الشهادة التى لا يكون الشخص مسلماً إلا إذا نطق بها، فضلاً عن قرن اسمه ﷺ باسمه ﷿ فى الآذان، والإقامة، والتشهد فى الصلاة، وفى خطب الجمعة، والعيدين، وفى خطبة النكاح، وجعل الصلاة والتسليم عليه ﷺ عبادة على المسلمين (٤) .\r... وتأمل معى أيضاً ما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ إن سياق الآية مع ما قبلها وما بعدها تجدها لا تحتمل إلا وجهاً واحداً، وهو تشريف النبى ﷺ، من غير أن يكون هناك ذنب، ولكنه أريد أن يستوعب فى الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية: أما الأخروية فشيئان:\rسلبية وهى غفران الذنوب، وإن لم يكن للمخاطب ﷺ ذنب، ولو لم يذكر غفرانها لكان فى ذلك ترك استيعاب جميع أنواع النعم.","footnotes":"(١) الآية الأولى الشرح.\r(٢) يراجع: روايات شق صدره الشريف، ودلالات ذلك على عصمته وكمال عقله وخلقه ومكانته عند ربه ﷿ ص٦٤ – ٦٨.\r(٣) الآية ٤ الشرح.\r(٤) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٨/٣٠٩ – ٣١٣، والشفا ١/١٩، ٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555706,"book_id":1504,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":193,"body":"وثبوتية وهى لا تتناهى أشار إليها رب العزة بقوله تعالى: ﴿ويتم نعمته عليك﴾ (١) وجميع النعم الدنيوية شيئان أيضاً:\rدينية أشار إليها بقوله تعالى: ﴿ويهديك صراطاً مستقيماً﴾ (٢) أى يثبتك على دين الإسلام.\rودنيوية وهى قوله تعالى: ﴿وينصرك الله نصراً عزيزاً﴾ (٣) أى نصراً لا ذل معه وقدم النعم الأخروية على الدنيوية، وقدم فى الدنيوية الدينية على غيرها تقديماً للأهم فالأهم فانتظم بذلك تعظيم قدر النبى ﷺ بإتمام أنواع نعم الله عليه المتفرقة فى غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذى عظمه وفخمه بإسناده إليه بنون العظمة، وجعله خاصاً بالنبى ﷺ بقوله \"لك\" (٤) فهل يعقل فى مقام المنَّة هذا، أن يكون المراد بالذنب والوزر ظاهرهما؟!\rثانياً: إن هذه الألفاظ التى يتعارض ظاهرها مع العصمة تحتمل وجوهاً من التأويل:\rتخريجها على مقتضى اللغة بما يناسب سياقها فى الآيات، فالوزر فى أصل اللغة الحمل والثقل (٥) قال تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ (٦) أى أثقالها، وإنما سميت الذنوب بأنها أوزاراً لأنها تثقل كاسبها وحاملها، وإذا كان الوزر ما ذكرناه، فكل شئ أثقل الإنسان وغمه وكده، وجهده، جاز أن يسمى وزراً، تشبيهاً بالوزر الذى هو الثقل الحقيقى.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٢ الفتح.\r(٢) جزء من الآية ٢ الفتح.\r(٣) الآية ٣ الفتح.\r(٤) ينظر: المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٩/١٩، ٢٠، والخصائص الكبرى للسيوطى ٢/٤٤٩، ٤٥٠، والشفا ١/٤٨، ٤٩، وعصمة الأنبياء للرازى ص١٠٩.\r(٥) ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٥/١٥٦، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن ص٥٩٣.\r(٦) جزء من الآية ٤ محمد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555707,"book_id":1504,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":194,"body":"وليس يمتنع أن يكون الوزر فى الآية ثقل الوحي، كما قال ﷿: ﴿إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلاً﴾ (١) وعبء التبليغ، وثقل الدعوة، حيث كان الاهتمام بهما يقض مضجعه، حتى سهلهما الله تعالى عليه، ويسرهما له، ويقوى هذا التأويل، سياق الآية الواردة فى مقام الامتنان عليه ﷺ وقوله ﷿: ﴿فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً﴾ (٢) والعسر بالشدائد والغموم أشبه، وكذلك اليسر بتفريج الكرب، وإزالة الغموم والهموم أشبه (٣) .\rفإطلاق الوزر من باب الاستعارة التصريحية كما هو معلوم. وفى قراءة ابن مسعود وحللنا عنك وقرك (٤) والوقر الحمل، وهذه القراءة تؤيد ما قررناه (٥) .\rأن \"الوزر\" و\"الغفران\" فى الآيتين مجازاً عن العصمة، والمعنى: عصمناك عن الوزر الذى أنقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلاً، كما قال ﷿: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٦) وقوله ﷿: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً﴾ (٧) والمعنى: لولا عصمتنا ورحمتنا لأتيت ما تذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع على ما سبق شرحه (٨) .","footnotes":"(١) الآية ٥ المزمل.\r(٢) الآيتان ٥، ٦ الشرح.\r(٣) ينظر: تنزيه الأنبياء للموسوى ص١١٤، ١١٥ بتصرف، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٨/٤٥٢، ومفاتيح الغيب للرازى ٣٢/ ٤، وشرح الزرقانى على المواهب ٩/١٥، ١٦، وخواطر دينية لعبد الله الغمارى ص١٧٨، وعصمة الأنبياء فى الكتاب والسنة والرد على الشبهات الواردة عليها لمحمد الناجى ص٢٨٧، ٢٨٨.\r(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠/٣٤٤٥ رقم ١٩٣٩٠.\r(٥) ينظر: دلالة القرآن المبين لعبد الله الغمارى ص١٧٢.\r(٦) الآية ١١٣ النساء.\r(٧) الآيتان ٧٣، ٧٤ الإسراء.\r(٨) ص١١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555708,"book_id":1504,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":195,"body":"\"فسمى رب العزة العصمة \"وضعاً\" على سبيل المجاز، وإنما عبر عنها به، لأن الذنب يثقل الظهر بعقابه، وبالندم عليه فى حالة التوبة منه. والعصمة لكونها تمنع وقوع الذنب، تريح صاحبها من ثقل عقابه، ومن ثقل الندم عليه، فعبر عنها بالوضع لذلك\" (١) .\rويشهد لصحة هذا القول: سيرة النبى ﷺ قبل النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من أكل ما ذبح على النصب، والحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، واستلامها، وكذا عصمته من كل ما يمس خلقه بسوء، من أقذار الجاهلية ومعائبها، من اللهو، والتعرى، وكذا تشهد سيرته ﷺ بعد النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ مما عصمه به قبل النبوة، ومن أن يضله أهل الكفر، وأنى لهم ذلك وقد نفاه الله تعالى: ﴿وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٢) كما عصمه ربه ﷿ من أن يفتنوه عن الوحي أو التقول عليه، ولو حدث شئ من ذلك، لوقع عقاب ذلك، الوارد فى قوله سبحانه: ﴿إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ (٣) وقوله ﷿: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين﴾ (٤) .\rفهل نقل إلينا ولو بطريق ضعيف أن رب العزة عاجله بالعقوبة فى الدنيا مضاعفة؟ أو تخلى عن نصرته؟\rالإجابة بالقطع لا، لم ينقل إلينا، وهو ما يؤكد أن الخطاب فى آيات الشرط ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ و ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ ونحو ذلك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، وبتعبير آخر الشرط فى تلك الآيات لا يقتضى الوقوع ولا الجواز.","footnotes":"(١) خواطر دينية لعبد الله الغمارى ص١٧٨.\r(٢) الآية ١١٣ النساء.\r(٣) الآية ٧٥ الإسراء.\r(٤) الآيات ٤٤ - ٤٧ الحاقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555709,"book_id":1504,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":196,"body":"وإذا صح تسمية العصمة \"وضعاً\" فى قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ (١) مجازاً، صحح أيضاً إطلاق المغفرة كناية عن العصمة فى قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٢) إذ الغفر الستر والغطاء (٣) والمعنى فى الآية: ليعصمك الله فيما تقدم من عمرك، وفيما أخر منه.\rقال الإمام السيوطى (٤) : \"وهذا القول فى غاية الحسن، وقد عد البلغاء من أساليب البلاغة فى القرآن؛ أنه يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة، والعفو، والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءُوا ما تيسر من القرآن﴾ (٥) وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدى النجوى قال سبحانه: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ (٦) وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام قال ﷿: ﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ (٧) .","footnotes":"(١) الآية ٣ الشرح.\r(٢) الآية ٢ الفتح.\r(٣) ويروى فى ذلك عن شريح بن عببيد الحضرمى \"ووضعنا عنك وزرك\" قال: وغفرنا لك ذنبك، أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠/٣٤٤٥ رقم ١٩٣٨٩، وينظر: القاموس المحيط ٢/١٠١،والنهاية فى غريب الحديث ٣/٣٣٥.\r(٤) هو: عبد الرحمن بن أبى بكر محمد السيوطى، جلال الدين، كان إماماً حافظاً بارعاً، ذا قدم راسخة فى علوم شتى، فكان مفسراً، محدثاً، فقيهاً، أصولياً، لغوياً، مؤرخاً، له مؤلفات بلغت نحو ستمائة مصنف منها: الأشباه والنظائر فى القواعد الفقيهة، والأشباه والنظائر فى العربية، والدر المنثور فى التفسير بالمأثور، والجامع الكبير والصغير، مات سنة ٩١١هـ له ترجمة فى: حسن المحاضرة للسيوطى ١/٣٣٥ رقم ٧٧، وشذرات الذهب ٨/٥١، وطبقات المفسرين للسيوطى ص٣، والبدر الطالع للشوكانى ١/٣٢٨ رقم ٢٢٨.\r(٥) جزء من الآية ٢٠ المزمل.\r(٦) جزء من الآية ١٣ المجادلة.\r(٧) جزء من الآية ١٨٧ البقرة، وينظر: الدر المنثور ٦/٣٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555710,"book_id":1504,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":197,"body":"ووجه إطلاق المغفرة كناية عن العصمة: أن العصمة تحول بين الشخص وبين وقوع الذنب منه، والمغفرة تحول بين الشخص وبين وقوع العقاب عليه، فكنى عن العصمة بالمغفرة بجامع الحيلولة؛ لأن من لا يقع منه ذنب، لا يقع عليه عقاب.\rواختيرت هذه الكناية – أعنى الاستعارة – لأن المقام مقام امتنان عليه ﷺ. ثم المعنى بعد هذا: ليظهر الله عصمتك للناس، فيروا فيك حقيقة الإنسان الكامل، ويلمسوا منك معنى الرحمة العامة، لا تبطرك عزة الفتح، ونشوة النصر، فلا تنتقم، ولا تتشفى، ولكن تعفوا وتغفر (١) .","footnotes":"(١) دلالة القرآن المبين ص١٣٢، وخواطر دينية ص١٧٦، ١٧٧ كلاهما لعبد الله الغمارى وينظر: فيض البارى على صحيح البخارى للكشميرى ٤/٢٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555711,"book_id":1504,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":198,"body":"ولهذا دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح مطاطئاً رأسه حتى كاد يمس مقدمة رحله، وهو راكب على بعيره تواضعاً لله ﷿ (١) .وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وذقنه على رحله متخشعاً\" (٢) وفى نفس الوقت كان يرجع (٣) فى تلاوته، وهو على مشارف مكة سورة الفتح (٤) وهذا يعنى أنه ﷺ كان مندمجاً فى حالة من العبودية التامة لله تعالى، شكراً له ﷿، على هذه النعم التى لا تعد ولا تحصى، ولهذا كان ﷺ يكثر من الاستغفار والعبادة شكراً لله سبحانه على ذلك، وليس كما يفهم أعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة أنه استغفار لذنبه (٥) لأن الاستغفار ليس خاصاً بالذنوب، بل له حِكَمٌ كثيرة، على رأسها: شكر الله ﷿ على نعمه، ولذا جاء الأمر به للنبى ﷺ شكراً لله ﷿ بنصره على أعدائه، وفتح مكة له، قال تعالى: ﴿إذا","footnotes":"(١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٤/٢٥ نص رقم ١٦٦٨.\r(٢) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٤٩ رقم ٤٣٦٥ وصححه على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبى، وقال الزرقانى فى شرحه على المواهب ٣/٤٣٤ سنده جيد قوى، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٥/٦٨، ٦٩.\r(٣) الترجيع: ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، وكان ترجيعه ﷺ بمد الصوت فى القراءة نحو: آء، آء، أء. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٢/١٨٥، وفتح البارى ٨/٤٤٨ رقم ٤٨٣٥.\r(٤) ينظر الحديث فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب التفسير، باب \"إنا فتحنا لك فتحاً مبينا\" ٨/٤٤٧ رقم ٤٨٣٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب قراءة النبى ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة ٣/٣٣٩ رقم ٧٩٤ من حديث عبد الله بن المغفل رضى الله عنه.\r(٥) ينظر: الأنبياء فى القرآن لأحمد صبحى منصور ص٣٥، ٤٨، ٤٠، ٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555712,"book_id":1504,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":199,"body":"جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ (١) وامتثل النبى ﷺ لهذا الأمر الإلهى كما جاء فى حديث عائشة رضى الله عنها قالت: \"كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: \"سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه\" قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر من قول: \"سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟ \" فقال: خبرنى ربى أنى سأرى علامة فى أمتى، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. فقد رأيتها \"إذا جاء نصر الله والفتح – فتح مكة – ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً\" (٢) .\rوعصمته ﷺ من الذنب فيما تقدم من عمره، وفيما أخر منه، من أعظم النعم التى قام النبى ﷺ بشكرها، بالاستغفار، والقيام بين يدى الله ﷿ حتى تورمت قدماه.\rفعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ، إذا صلى، قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله! أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: \"يا عائشة! أفلا أكون عبداً شكوراً\" (٣) والمعنى: \"أن المغفرة سبب لكون التهجد شكراً فكيف أتركه؟ \" (٤) .","footnotes":"(١) سورة النصر كلها.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصلاة، باب ما يقال فى الركوع والسجود ٢/٤٣٨ رقم ٤٨٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب سورة إذا جاء نصر الله ٨/٦٠٥ رقم ٤٩٦٧.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد فى العبادة ٩/١٧٨ رقم ٢٨٢٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب \"ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر\" ٨/٤٤٨ رقم ٤٨٣٧.\r(٤) ينظر: فتح البارى ٣/٢٠ رقم ١١٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555713,"book_id":1504,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":200,"body":"وعلى ما تقدم فقوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ ونحوها من الآيات مراداً بها الحث على دوام الاستغفار والشكر لله ﷿، على ما أنعم عليه من العصمة.\rوأقول: إذا لم يسلم الخصم بما سبق من تأويل آيات الذنب والوزر الواردة فى حقه ﷺ، وأخذ بها على ظاهرها، فليبين لنا حقيقة الذنب والوزر الذى ارتكبه رسول الله ﷺ، سواء قبل النبوة أو بعدها؟!.\rإنه إن كان ثمَّ ذنب فلن يَخْرُج عن ترك الأَوْلَى، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين (١) وترك الأولى ليس بذنب، لأن الأولى وما يقابله مشتركان فى إباحة الفعل، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم ومنزلتهم، لأنهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات (٢) مما يتقوون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة (٣) .","footnotes":"(١) أى: كلما ترقى فى درجة عد ما قبلها سيئة، وهذا قول سعيد الخراز، كما رواه ابن عساكر فى ترجمته، ولم أعثر عليها فى مختصر التاريخ، ينظر: شرح المواهب للزرقانى ٩/١٩.\r(٢) قال أبو الحسين المعتزلى: \"ولا يجوز فى حقهم عليهم الصلاة والسلام كثير من المباحات القادحة فى التعظيم، الصارفة عن القبول\" ينظر: المعتمد فى أصول الفقه ١/٣٤٢.\r(٣) الشفا ٢/١٤٧ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555714,"book_id":1504,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":201,"body":"قلت: وكيف يتخيل صدور الذنب فى حقه ﷺ، وقد عصمه ربه ﷿ فى قوله وفعله وخاطبه بقوله سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (١) وقال ﷿: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ (٢) . \"ومن تأمل إجماع الصحابة على اتباعه ﷺ والتاسى به فى كل ما يقوله ويفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير، ولم يكن عندهم فى ذلك توقف ولا بحث، حتى أعماله فى السر والخلوة، يحرصون على العلم بها، وعلى اتباعها، عَلِمَ بهم ﷺ أو لم يعلم، ومن تأمل أحوال الصحابة معه ﷺ استحى من الله تعالى أن يخطر بباله خلاف ذلك\" (٣) .\rثم إن حقيقة الذنب فى اللغة ترجع إلى كل فعل يُسْتَوخَمُ عُقباَهُ كما فسره الراغب فى مفرداته (٤) . وشرعاً: يرجع الذنب إلى مخالفة أمر الله تعالى أو نهيه.\rوهو أمر نسبى يختلف باختلاف الفعل والفاعل، وقصد الفاعل، فليست المخالفة من العَالم كالمخالفة من الجاهل، وليست المخالفة الواقعة عن اجتهاد، كالمخالفة التى لا تقع عن اجتهاد، وليست المخالفة الواقعة بالقصد والتعمد، كالمخالفة الواقعة بالنسيان.\rومن هنا تختلف الذنوب ومسئولياتها بالنسبة للفاعل، والحوادث. وعلى ضوء ذلك نفهم معانى الآيات التى ورد فيها إسناد الذنب إلى رسول الله ﷺ مضافاً إلى ضمير خطابه ﷺ (٥) .","footnotes":"(١) الآيتان ٣، ٤ النجم.\r(٢) الآية ٢١ الأحزاب.\r(٣) وهذا رد الإمام السبكى على الزمخشرى فى تفسيره لآية ٢ الفتح بأن المراد: جميع ما فرط منك. الكشاف ٤/٣٣٣. وينظر: المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى ٩/٢١، ٢٢.\r(٤) ص٢٠٣.\r(٥) ينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة للدكتور عويد المطرفى ص١٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555715,"book_id":1504,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":202,"body":"وصفوة القول، أن يقال: إما أن يكون صدر من رسول ﷺ ذنب أم لا! فإن قلنا: لا، امتنع أن تكون هذه الآيات إنكاراً عليه، وقدحاً فى عصمته. وإن قلنا: إنه صدر عنه ذنب – وحاشاه الله من ذلك – فقوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ وقوله سبحانه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ يدل على حصول العفو (١) وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه! فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله تعالى ﴿واستغفر لذنبك﴾ وقوله سبحانه: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ ، يدل على كون رسول الله ﷺ مذنباً، أو غير معصوم!. وهذا جواب شاف كاف قاطع. وما فوق مقام رسول الله ﷺ مقام أهـ.","footnotes":"(١) وهذا من خصائصه ﷺ التى لا يشاركه فيها غيره، كما قال ابن كثير فى تفسيره ٧/٣١٠، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من خصائصه ﷺ أنه أخبره الله تعالى بالمغفرة، ولم ينقل أنه أخبر أحداً من الأنبياء بمثل ذلك، ويدل له قولهم فى الموقف: \"نفسى، نفسى، نفسى\" جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب \"ذرية من حملنا مع نوع إنه كان عبداً شكوراً\" ٨/٢٤٧، ٢٤٨ رقم ٤٧١٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٢/٥٥ – ٥٧ رقم ١٩٤ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه. وينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٧/٢٥٩، ويدل أيضاً على أن الإخبار بالمغفرة من خصائصه قوله ﷺ: \"فضلت على الأنبياء بست لم يعطهن أحد كان قبلى. غفر لى ما تقدم من ذنبى وما تأخر، وأحلت لى الغنائم... الحديث\" أخرجه البزار وسنده جيد كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٦٩، ووافقه السيوطى فى الخصائص الكبرى ٢/٣٣٦، من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555716,"book_id":1504,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":203,"body":"المطلب الثالث: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتقوى الله ﷿\rونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك والجواب عنها\r... زعم أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة أن رسول الله ﷺ غير معصوم من الذنوب كبائرها وصغائرها، قبل النبوة وبعدها، ودليلهم ما ورد فى القرآن الكريم من آيات تخاطب رسول الله ﷺ بتقوى الله ﷿، وتنهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين والكاذبين، كما تنهاه عن التكذيب بآيات الله ﷿، وتحذره من الشك فيما أنزل عليه، ومن الوقوع فى الشرك؛ ومن الآيات التى استشهدوا بها على ما زعموا ما يلى:\rقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ (١) .\rوقوله سبحانه: ﴿فلا تطع المكذبين. ودو لو تدهن فيدهنون. ولا تطع كل حلاف مهين﴾ (٢) .\rوقوله ﷿: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٣) .\rوقوله: ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (٤) .\rوقوله: ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين﴾ (٥) .\rويجاب عن ما سبق بما يلى:","footnotes":"(١) الآية الأولى الأحزاب.\r(٢) الآيات ٨ - ١٠ القلم.\r(٣) الآية ٩٤ يونس.\r(٤) الآية ٦٥ الزمر.\r(٥) الآية ٩٥ يونس، وينظر: ممن قال بهذه الشبهة، نيازى عز الدين فى كتابيه، إنذار من السماء ص١٧٤، ١٧٦، ١٨٢، ٤٣٧، ودين الرحمن المدخل إلى الحقيقة ص٢٢٣، وأحمد صبحى منصور فى كتابه الأنبياء فى القرآن دراسة تحليلية ص٤٠، ٤١، ٤٤، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص١٣٧، والإسلام بدون حجاب (كتاب مستل من شبكة الإنترت) ص٣٧، وجريدة الدستور عدد ٣١/ ١٢/ ١٩٩٧ مقال لأحمد صبحى منصور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555717,"book_id":1504,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":204,"body":"أولاً: لا حجة للخصوم فى التعلق بظاهر الآيات التى استشهدوا بها على عدم عصمته ﷺ لِمَ صح من سيرته ﷺ أنه كان أتقى وأخشى خلق الله ﷿، وما كذب بآيات ربه تعالى، ولا شك فيما أنزل عليه، ولا أشرك بالله طرفة عين أو أقل منها، ولا أطاع أحداً من الكافرين، أو المنافقين، أو الكاذبين. ومن زعم خلاف ذلك فليبينه لنا، فالأصل براءة الذمة حتى يثبت العكس، وهذه قاعدة أصولية، تحدد الأصل فى كل شئ، وهى تعنى أن كل منهم برئ حتى تثبت إدانته... فالمتهم بالشرك أو الشك، أو بأى ذنب آخر هو برئ منه، حتى تثبت إدانته بما اتهم به بالدليل الشرعى!.\r... فهل من دليل شرعى على ما افتروه على رسول الله ﷺ من عدم عصمته؟! ولكن أنى لأعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة بدليل شرعى بعد شهادة القرآن الكريم له بالخشية والخوف من الله تعالى فى غير ما آية. منها:\rقوله تعالى: ﴿قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ (١) .\rوقوله سبحانه: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ (٢) .\rوهذا وإن كان أمراً من الله ﷿ أن يقول ذلك، فهو أيضاً تقرير لحقيقة حاله ﷺ، ووصف له فى المعنى بتلك الصفة الإيمانية العليا.\rوفى الآية أيضاً شهادة له ﷺ بأنه ما أطاع أهل الكفر فى أهوائهم؛ وقد كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام كلهم بمحل الخشية والخوف من الله تعالى، كما وصفهم بذلك بقوله: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً﴾ (٣) وخوفهم ليس خوف معصية وإساءة، وإنما هو خوف إعظام وتبجيل.","footnotes":"(١) الآية ١٥ الأنعام.\r(٢) الآية ١٥ يونس.\r(٣) الآية ٣٩ الأحزاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555718,"book_id":1504,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":205,"body":"ونبينا محمد ﷺ هو سيد الأنبياء وخاتمهم وأفضلهم، فهو معهم على ذلك الخُلُق، وتشمله هذه الآية شمولاً أولياً، لأنها فى صدر الحديث عنه، فهى شهادة قرآنية إلهية له ﷺ بهذا الخُلُق العظيم (١) .\rوقد دعم هذه الشهادة، الشواهد الكثيرة من الأحاديث الشريفة من واقع حياته ﷺ، ومن تلك الشواهد قوله ﷺ: \"ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه؟ فوالله إنى لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية\" (٢) وفى رواية قال: \"أما والله إنى لأتقاكم لله وأخشاكم له\" (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: المنهاج شرح مسلم للنووى ٨/١١٨ رقم ٢٣٥٦.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب ١٠/٥٢٩ رقم ٦١٠١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب علمه ﷺ بالله وشدة خشيته ٨/١١٧ رقم ٢٣٥٦ من حديث عائشة رضى الله عنها.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب أن القبلة فى الصوم ليست محرمة ٤/٢٣٣، ٢٣٤ رقم ١١٠٨ من حديث عائشة رضى الله عنها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555719,"book_id":1504,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":206,"body":"وفى الإخلاص لله ﷿، شهد له بذلك القرآن الكريم حيث قص قوله ﷺ وهو يخاطب أهل الكتاب: ﴿قل أتحاجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون﴾ (١) فهو ﷺ يخبر عن نفسه بأنه مخلص لله تعالى فى دينه وعبادته، وهو الصادق الأمين، وقد أقره القرآن الكريم على ذلك، فحكى مقالته على سبيل الإقرار والاعتماد والإشادة، مما يدل على أن هذا الخلق العظيم قد كان مستحكماً فيه ﷺ فى كل أحواله، كما هو شأنه فى كل خُلُق عظيم، وما جاء فى قوله تعالى: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٢) فالشرط فى الآية لا يقتضى الوقوع ولا الجواز على ما سيأتى تفصيله بعد قليل. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال فى تفسير الآية: \"لم يشك النبى ﷺ ولم يسأل\" وعامة المفسرين على هذا، وقالوا: وفى السورة نفسها ما دل على هذا التأويل، قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إن كنتم فى شك من دينى فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين﴾ (٣) فهذا تقرير لحقيقة حاله ﷺ، وشهادة له بأنه ما شك فيما أنزل إليه، ولا سأل أهل الكتاب، وكان من عباد الله المؤمنين المخلصين.\rوفى إخلاصه فى عبادته لله تعالى يقول ﷿: ﴿قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ (٤) فهذا القرآن الكريم يلقن النبى ﷺ أن يعلن للملأ هذه الحقيقة الكامنة فيه لما علمها الله تعالى منه.","footnotes":"(١) الآية ١٣٩ البقرة.\r(٢) الآية ٩٤ يونس.\r(٣) الآية ١٠٤ يونس، وينظر: التفسير الوسيط للدكتور محمد سيد طنطاوى المجلد ٧/١٣٩، ١٤٠.\r(٤) الآيتان ١٦٢، ١٦٣ الأنعام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555720,"book_id":1504,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":207,"body":"وقد كان ﷺ يطبق هذا التوجيه القرآنى، فكان يقول عند قيامه إلى الصلاة \"وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين إن صلاتى ونسكى ومحياى وممات لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين\" (١) .\rفهل بعد كل هذه الشهادات، يصح قول أعداء الإسلام، وخصوم السيرة العطرة أن رسول الله ﷺ غير معصوم من الشرك والشك؟!\rثانياً: الأوامر والنواهى الواردة فى القرآن الكريم فى حق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، هى أوامر ونواهى إرشاد وإعلام على جهة الوصية والنصيحة، وهى أحد دلائل العصمة، فوجودها لا يخل بالعصمة بناء على ما تقدم فى تعريف العصمة، فى بقاء الاختيار فى أفعالهم تحقيقاً للابتلاء (٢) .\r\rثالثاً: لله ﷿ أن يؤدب أنبياءه وأصفياءه، ويطلبهم بالنقير والقطمير من غير أن يلحقهم فى ذلك نقص من كمالهم، ولا غض من أقدارهم، حتى يتمحصوا للعبودية لله ﷿.\r... ألا ترى كيف نهى الله تعالى رسول الله ﷺ عن النظر لبعض المباحات فقال: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين. وقل إنى أنا النذير المبين﴾ (٣) مع قوله تعالى فى مقام آخر: ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (٤) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء فى صلاة الليل ٣/٣٠٩ رقم ٧٧١ من حديث على رضى الله عنه.\r(٢) يراجع ص٥، ٦.\r(٣) الآيتان ٨٨، ٨٩ الحجر.\r(٤) الآية ٣٢ الأعراف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555721,"book_id":1504,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":208,"body":".. فتأمل كيف أن الله ﷿ لم يحرم التمتع بالزينة، وأكل الطيبات إذا كانت من كسب الحلال، ومع ذلك نهى رسول الله ﷺ عن النظر إلى زينة الحياة الدنيا، وهى من المباحات، فكيف يحرم النظر إليها؟! \"إن ذلك ما هو إلا لأن الله تعالى أخذ الأنبياء بمثاقيل الذر لقربهم عنده، وحضورهم، وتجاوز عن العامة أمثال ذلك، فإن الزلة على بساط الآداب، ليست كالذنب على الباب، كما لا يخفى على أولى الألباب، ممن قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين\" (١) .\r... وتأمل قوله ﷺ يوم فتح مكة: \"إنه لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين\" (٢) يعنى: الإشارة بالعين فى الأوامر حتى يفصح بها، والإشارة بالعين فى الأوامر مباحة لغير الأنبياء، لكن نهى عنها الأنبياء تنزهاً وتأكيداً لرفع الالتباس\" (٣) .","footnotes":"(١) شرح الشفا للقارى ١/٦٩، ويراجع ص١٢٧.\r(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد ٤/١٢٨ رقم ٤٣٥٩، وفى كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام ٣/٥٩ رقم ٢٦٨٣، وصحح إسناده ابن تيمية فى الصارم المسلول ص١٠٩، وأخرجه النسائى فى سننه كتاب تحريم الدم، باب الحكم فى المرتد ٧/١٠٥ رقم ٤٠٦٧، والبيهقى فى سننه كتاب الجزية، باب الحربى إذا لجأ إلى الحرم، وكذلك من وجب عليه الحد ٩/٢١٢ والحاكم فى المستدرك ٣/٤٧ رقم ٤٣٦٠ وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبى.\r(٣) تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص٨٤، ٨٥، وينظر: الخصائص الكبرى للسيوطى ٢/٤١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555722,"book_id":1504,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":209,"body":".. إن رب العزة يأمر رسوله ﷺ بما يشاء، وإن استحال تركه، نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى اتق الله﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر﴾ (٢) وقوله ﷿: ﴿واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله﴾ (٣) وقد كان ﷺ من أتقى وأخشى خلق الله ﷿ (٤) وما قهر يتيماً، وما نهر سائلاً، وإنما كان مثالاً أعلى للبذل والعطاء حتى شهد له ربه ﷿ بذلك بقوله: ﴿فلا أقسم بما تبصرون. ومالا تبصرون. إنه لقول رسول كريم﴾ (٥) وهو ما شهدت به سيرته العطرة قبل أن يأتيه وحى الله تعالى وبعده.","footnotes":"(١) جزء من الآية الأولى الأحزاب.\r(٢) الآيتان ٩، ١٠ الضحى.\r(٣) الآية ١٠٩ يونس.\r(٤) يراجع الشواهد على ذلك ص١٣٠ – ١٣٢.\r(٥) الآيات ٣٨ – ٤٠ الحاقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555723,"book_id":1504,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":210,"body":".. فقد وصفته خديجة رضى الله عنها بقولها: \"إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (١) وتُكسب (٢) المعدوم، وتقرى الضيق، وتعين على نوائب الحق\" (٣) فهى تصفه بهذه الصفات البالغة عظمة وخطورة، التى كان عليها قبل بعثته ورسالته، ولم يكن قد تحمل أعباء أمته، ولا قد أضفت عليه النبوة زيادة كمال وعظمة، فكيف به بعد ذلك كله؟! لا جرم أن كرمه ﷺ بعد ذلك سيكون بالغاً ذروة الذرى فى كرم الأنبياء وسائر البشر، وهو ما دلت عليه الدلائل النقلية الكثيرة منها ما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: \"ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا\" (٤) وهو ما يؤكد ما سبق من أن رب العزة يأمر نبيه ﷺ بما شاء، وإن استحال عليه تركه، وَمَنْ عِنْدَهُ خلاف ذلك فليأتنا به؟!","footnotes":"(١) هو الثقل من كل ما يتكلف من عيال ونحوهم. النهاية فى غريب الحديث ٤/١٩٨.\r(٢) بضم أوله، وكسر ثانيه، كما هى إحدى روايات الحديث، وهو الأوجه فى ضبطها كما رجحه النووى فى شرح مسلم ١/٤٨١ رقم ٢٥٢، ومعناها: تعطى الناس مالا يجدونه عند غيرك.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٣٠١ رقم ٣، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ١/٤٧٤ رقم ٢٥٢.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل ١٠/٤٧٠ رقم ٦٠٣٤، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط، فقال: لا ٨/ ٧٩ رقم ٢٣١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555724,"book_id":1504,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":211,"body":".. كما أن رب العزة ينهى رسوله ﷺ عما يشاء، وإن لم يكن وقوعه منه كما قال تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ (١) أى لا تعط شيئاً لتطلب أكثر منه، لأنه طمع لا يليق بك، بل اعط لربك، واقصد به وجهه (٢) وهكذا كان خلقه ﷺ.\r... وقال سبحانه: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٣) وما كان طردهم ﷺ من مجلسه، وما كان من الظالمين أى ممن ظلمهم بطردهم، لأنه لم يقع منه ذلك.\r... فعن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: كنا مع النبى ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبى ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع فى نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل الله ﷿: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٤) .\r... وهذا أصح ما روى فى سبب نزولها. وعند الحاكم فى مستدركه جاء هذا الحديث عن سعد أيضاً ولم يذكر فيه ما جاء فى رواية مسلم من قول سعد \"فوقع فى نفس النبى ﷺ ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه، فنزلت الآية\".","footnotes":"(١) الآية ٦ المدثر.\r(٢) المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى ٧/١٤٤، ١٤٥.\r(٣) الآية ٥٢ الأنعام.\r(٤) الآية ٥٢ الأنعام، والحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ٨/١٩٩ رقم ٢٤١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555725,"book_id":1504,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":212,"body":".. وإنما الذى جاء فى حديث الحاكم أن سعداً قال: \"نزلت هذه الآية فى خمس من قريش أنا وابن مسعود فيهم، فقالت قريش للنبى ﷺ: لو طردت هؤلاء عنك جالسناك! تدنى هؤلاء دوننا، فنزلت ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ ... إلى قوله... ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ (١) ولا يخلو هذا من الإشعار الذى أشعر به حديث مسلم فى كلام سعد، وإن كان حديث مسلم أصرح فى الإشعار من حديث الحاكم.\r... ولعل حديث الحاكم دخله شئ من الاختصار، أو أن حديث مسلم روى بالمعنى فدخله شئ من التفصيل.\r... وحديث سعد – عند مسلم – صريح فى أن العتاب فى الآية وقع على ما حدث به النبى ﷺ نفسه. وهذا على فرض التسليم به لا يقدح فى عصمته ﷺ، لأن همه ﷺ بذلك كان ابتغاء مرضاة الله تعالى، برجاء إسلام قومه، وذلك لا يضر فى نفس الوقت أصحابه رضى الله عنهم لعلمه ﷺ بأحوالهم ورضاهم بما يرضاه (٢) وإلا فما ورد على لسان سعد من همه ﷺ بالاستجابة لاقتراحهم لا حجة فيه، فقد أخبر بحسب ظنه، وأخبر عن أمر لا يعلمه إلا علام الغيوب المطلع على أسرار قلوب خلقه.\r... ويؤكد أن الإخبار عن هذا الهم بحسب ظن الراوى، وأن رسول الله ﷺ ما كان ليطردهم، ما أنزل عليه ﷺ من قبل آية الأنعام، مما جاء على لسان نوح ﵇ جواباً على مثل اقتراح كفار قريش. قال تعالى: ﴿وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكنى آراكم قوماً تجهلون. ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون﴾ (٣) .","footnotes":"(١) الآيتان ٥٢، ٥٣ والحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٣٦٠ رقم ٥٣٩٣ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.\r(٢) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/٣٢.\r(٣) الآيتان ٢٩، ٣٠ هود.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555726,"book_id":1504,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":213,"body":".. وهذا ما تؤكده الروايات السابقة، وشواهدها من حديث ابن مسعود رضى الله عنه (١) وخباب رضى الله عنه (٢) حيث لم يرد فى شئ منها أن رسول الله ﷺ طرد أحداً من أصحابه فى مجلسه.\r... بل الروايات جميعها على أنه بمجرد اقتراح أهل الشرك على رسول الله ﷺ أن يجعل لهم يوماً يجلسون معه دون الفقراء والعبيد، نزلت الآية جواباً على اقتراحهم أو سؤالهم، بنهيه ﷺ عن ذلك قال تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٣) .\r... وهذه مِنَّة من الله ﷿ على رسوله ﷺ، حيث عاتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد العثرات الصورية، وأدب نبيه ﷺ بأشرف الآداب، وأجل الأخلاق، وعاتبه إن كان ثمَّ عتاب – قبل وقوعه ليكون بذلك أشد انتهاء عن المخالفة، ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية والرعاية فى العصمة (٤) .\r... وإذا تقرر أن الله ﷿ ينهى رسوله ﷺ عما يشاء وإن لم يكن وقوعه منه، علمت الجواب الرابع عن هذه الشبهة وهو:","footnotes":"(١) أخرجه أحمد فى مسنده ٤/٤٢٠، والطبرانى ورجال أحمد رجال الصحيح غير كردوس وهو ثقة، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/ ٢٠، ٢١.\r(٢) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الزهد، باب مجالسة الفقراء ٢/ ٥٤٤، ٥٤٥ رقم ٤١٢٧ وسنده صحيح كما قال البوصيرى فى مصباح الزجاجة ٣/٢٧٦، ٢٧٧ رقم ١٤٦٢، وقال ابن كثير بعد أن أورده من رواية ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/٢٥٥، وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس، وعيينه، إنما أسلما بعد الهجرة بدهر. قلت: يحتمل أن يكون الأقرع وعيينه نزلاً بمكة، وكانا ممن قال به كفار قريش، فلا غرابة أهـ والله أعلم.\r(٣) الآية ٥٢ الأنعام.\r(٤) شرح الشفا للقارى١/٦٩، وينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة ص٢١٥ – ٢١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555727,"book_id":1504,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":214,"body":"رابعاً: الأوامر والنوهى السابقة فى حقه ﷺ لا تقتضى الوقوع ولا الجواز فقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١) كقوله ﷿: ﴿ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿أم يقولون افترى على الله كذباً فإن يشأِ الله يختم على قلبك﴾ (٣) وقوله: ﴿فإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (٤) وقوله: ﴿وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ (٥) وقوله: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ (٦) وقوله: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (٧) وقوله: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٨) فكل هذا شرط، والشرط لا يقتضى الوقوع ولا الجواز، إذ لا يصح ولا يجوز على رسول الله ﷺ، أن يشرك، ولا أن يدعو من دون الله أحداً، ولا أن يخالف أمر ربه ﷿، ولا أن يتقول على الله مالم يقل، أو يفترى على الله شيئاً، أو يضل، أو يختم على قلبه، أو يشك.\r... فمثال هذه الآيات إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين (٩) أى أن الشرط فى الآيات السابقة فى حقه ﷿، وفى حقه ﷺ، وحق غيره، معلق بمستحيل، فكما لا تنقسم الخمسة على متساويين، فكذلك الشرط فى الآيات السابقة لا يكون منه ﷺ، لا وقوعاً ولا جوازاً.","footnotes":"(١) الآية ٦٥ الزمر.\r(٢) الآية ١٠٦ يونس.\r(٣) جزء من الآية ٢٤ الشورى.\r(٤) جزء من الآية ٦٧ المائدة.\r(٥) الآية ١١٦ الأنعام.\r(٦) الآية ٨١ الزخرف.\r(٧) الآيات ٤٤ – ٤٦ الحاقة.\r(٨) الآية ٩٤ يونس.\r(٩) ينظر: التفسير الكبير للرازى ١٢/١٧٠، والبحر المحيط لأبى حيان ٤/٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555728,"book_id":1504,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":215,"body":"خامساً: وقيل فى الجواب عن الآيات التى معنا، أن الخطاب فى الظاهر فيها للنبى ﷺ والمراد بها غيره، إذ هو معصوم من مخالفة الأوامر، وارتكاب النواهى الواردة فى الآيات، ومستحيل عليه فعلها، لعصمة الله ﷿ له، وإنما هذا إفهام لغيره من المسلمين، أن الرسول ﷺ، وهو رسول رب العالمين، ذو المنزلة الرفيعة، والمقام الأسمى عند الله عزوجل، إن افترض وقوع ذلك منه، فإن الله تعالى يجازيه على ما فرط، فكيف إذا فعل ذلك أحد من المؤمنين؟! فسيلقى عقابه من باب أولى، وذلك أيضاً إيضاح لقدرة الله عزوجل، وأنه عدل، ولا يحابى أحداً من خلقه فليس أحد من المشركين بمأمن من عذابه تعالى حتى ولو كان نبياً، وهنا يفهم المؤمنون عامة، هذه الحقائق، فيرتدعون عن المعاصى والذنوب والآثام، خوفاً منه تعالى وخشية، مادام سبحانه لا يستثنى أحداً من عذابه، إن أشرك.. حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ولكنهم لا يشركون لعصمة الله ﷿ لهم (١) .\r... ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يُقدِّر على الأنبياء، وعلى خاتمهم ﷺ ارتكاب الكبائر من الكفر والشرك والشك أو نحو ذلك، فقد ظن السوء بربه، أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم\r\rالمطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ\rبتعرض الشيطان له والجواب عنها","footnotes":"(١) ينظر: نوال المنى فى إثبات عصمة أمهات وأزواج الأنبياء من الزنى للشيخ محمد نسيب الرفاعى ص١١٤، ١١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555729,"book_id":1504,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":216,"body":".. زعم أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة أن رسول الله ﷺ غير معصوم من الشيطان، واستدلوا على ذلك بآيات ورد فيها مخاطبة النبى ﷺ بتعرض الشيطان له بالوسوسة، وتسببه فى سهوه، نحو قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (١) وقوله ﷿: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته﴾ (٣) .\rويجاب عن ما سبق بما يلى:\rأولاً: التعلق بظاهر الآيات السابقة على عدم عصمة رسول الله ﷺ من الشيطان لا حجة فيه لهم، إذ لم يسلط الشيطان على رسول الله ﷺ، وعلى سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بأكثر من التعرض لهم، دون أن يكون له قدرة على إلحاق أى ضرر يضر بالدين.","footnotes":"(١) الآية ٢٠٠ الأعراف.\r(٢) الآية ٦٨ الأنعام.\r(٣) الآية ٥٢ الحج، وممن قال بهذه الشبهة: جعفر مرتضى العاملى فى كتابه الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٥/١٨٠، ١٨٢، وعبد الحسين شرف الدين فى كتابه أبو هريرة ص٩٦ – ١٠٠، وأمير محمد قزوينى فى كتابه الشيعة فى عقائدهم وأحكامهم ص٣٦٩، وصالح الوردانى فى كتابيه أهل السنة شعب الله المختار ص٦٥ – ٦٨، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٢٥٨، ٢٦٧، وأحمد حسين يعقوب فى كتابه مساحة للحوار ص١١٩، وهؤلاء الشيعة أنكرو السهو والنسيان فى حقه ﷺ، وزعموا أنه قادح فى النبوة، وأن الأحاديث الواردة فى ذلك أخبار آحاد روتها الناصبة يعنون (أهل السنة) فلا يصح الاعتماد عليها للاعتقاد، لأنه يكون من اتباع الظن\"أهـ وفى مقابلهم استدل بالسهو فى حقه ﷺ على عدم عصمته أحمد صبحى منصور فى كتابه الأنبياء فى القرآن ص٣٤، ٣٥، وغيره ممن سبق ذكرهم فى المطلب الثالث ص١٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555730,"book_id":1504,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":217,"body":".. وعصمة سيدنا رسول الله ﷺ من كيد إبليس وجنوده هو وسائر الأنبياء، ثابتة لهم بكتاب الله ﷿، فهم على رأس عباد الله المخلصين الذين لا سلطان للشيطان عليهم لقوله: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً﴾ (١) وقد تقدم تفصيل عصمته ﷺ من الشيطان الرجيم فى قلبه وعقيدته وخلقه منذ الصغر بنزع العلقة السوداء – حظ الشيطان - من قلبه ﷺ وعلى هذا إجماع الأمة، كما قال القاضى عياض: \"واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى ﷺ من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس\" (٢) .\r... وهو بذلك يبين حقيقة العصمة من الشيطان، وأنها لا تتعارض مع تعرض الشيطان لخاطره ﷺ بالوساوس.\r... واستدل القاضى على ذلك بحديث ابن مسعود مرفوعاً: \"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياى، إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير\" (٣) .","footnotes":"(١) الآية ٦٥ الإسراء.\r(٢) الشفا ٢/١١٧.\r(٣) سبق تخريجه ص٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555731,"book_id":1504,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":218,"body":".. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بتصدى الشياطين له فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه الشريفة، وإدخال شغل عليه، إذ يئسو من إغوائه فانقلبوا خاسرين، كتعرضه له فى صلاته فأخذه النبى ﷺ وأسره (١) وقد سبق ذكر نماذج من هذه الأحاديث (٢) التى تتفق فى ظاهرها مع الآيات التى استدل بها خصوم السيرة العطرة على عدم عصمته ﷺ من الشيطان، دون أن يفهموا حقيقة ظاهر هذه الآيات، وهو: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (٣) أى يتعرض لك الشيطان بأدنى وسوسة – إذ النزغ أدنى الوسوسة، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، يكفى أمرك، ويكون سبب تمام عصمتك (٤) ، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل له قدرة عليه (٥) وهو ما أكدته الأحاديث المشار إليها.\rثانياً: ما يتوهم من قدرة الشيطان على النبى ﷺ حيث أسند النسيان بسبب الشيطان إلى ضمير خطابه ﷺ فى قوله تعالى: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (٦) .","footnotes":"(١) سبق ذكره وتخريجه ص٥١.\r(٢) يراجع ص٥٠ – ٥٢.\r(٣) الآية ٢٠٠ الأعراف.\r(٤) على ما سبق فى تعريف العصمة من بقاء الاختيار للنبى المعصوم فى أقواله، وأفعاله تحقيقاً للابتلاء. يراجع ص٥ وما بعدها.\r(٥) ينظر: الشفا ٢/١٢٠، والمواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٩/ ٣٢، ٣٣.\r(٦) الآية ٦٨ الأنعام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555732,"book_id":1504,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":219,"body":".. فليس فى الآية دليل على تسلط الشيطان على النبى ﷺ، لأن فعل الشيطان فى هذا النسيان، لا يعدو أكثر من شغل خاطره ﷺ وتذكيره أكثر فأكثر بحرصه على إسلام قومه، مع شدة كفرهم وعنادهم، وطعنهم فى آيات الله ﷿، فيكون شغله وتذكيره بهذا الحرص، سبباً فى نسيان الإعراض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غير حديث القرآن الكريم، وهذا ما يقتضيه سياق الآية الكريمة: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخضوا فى حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (١) كما أن هذا المعنى هو ما يقتضيه واقع حال النبى ﷺ فى دعوته.\r... والنسيان فى هذه الحالة لا طلب عليه فى الشرع، ولا ذم بالإجماع، كما أنه لا يتعارض مع عصمته ﷺ.\r... فالسهو والنسيان من الأنبياء فى الأفعال البلاغية، والأحكام الشرعية جائز فى حقهم، وهو ظاهر القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهو مذهب جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين (٢) .\r... وفرقوا بين ذلك، وبين السهو فى الأقوال البلاغية: فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمده، لقيام المعجزة على الصدق فى القول، ومخالفة ذلك تناقضها.","footnotes":"(١) الآيتان ٦٧، ٦٨ الأنعام.\r(٢) ولم يخالف فى ذلك إلا الشيعة وغيرهم ممن سبق ذكرهم هامش ص١٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555733,"book_id":1504,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":220,"body":".. أما السهو فى الأفعال البلاغية، فغير مناقض لها ولا قادح فى النبوة، بل غلطات الفعل، وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال ﷺ: \"إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكرونى\" (١) وحالة النسيان والسهو هنا – فى الأفعال البلاغية – فى حقه ﷺ سبب إفادة علم، وتقرير شرع، كما قال ﷺ: \"إنى لأَنسْىَ، أو أُنسَىَ لأَسُن\" (٢) أى: إنما أدفع إلى النسيان لسوق الناس بالهداية إلى طريق مستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان (٣) .\r... وهذه الحالة زيادة له فى التبليغ، وتمام عليه فى النعمة، بعيدة عن سمات النقص، وأغراض الطعن، فإن القائلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط، بل ينبهون عليه، ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح، وقبل انقراضهم على قول الآخرين.","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان ١/٦٠٠ رقم ٤٠١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب السهو فى الصلاة والسجود له ٣/٦٣ رقم ٥٧٢ من حديث ابن مسعود رضى الله عنه.\r(٢) أخرجه مالك فى الموطأ كتاب السهو، باب العمل فى السهو ١/١٠٠ رقم٢، قال ابن عبد البر لا أعلم هذا الحديث روى عن النبى ﷺ مسنداً ولا مقطوعاً، من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التى فى الموطأ، التى لا توجد فى غيره مسنده ولا مرسله. ومعناه صحيح فى الأصول. وقال الحافظ فى فتح البارى ٣/١٢٢ رقم ١٢٢٩ هذا الحديث لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك، التى لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وقال الشوكانى فى نيل الأوطار ٣/١٠٩، وهو أحد الأحاديث الأربعة التى تكلم عليها فى الموطأ.\r(٣) لسان العرب ١٣/ ٢٢٥، والقاموس المحيط ٤/٢٣٣، والمعجم الوسيط ١/٤٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555734,"book_id":1504,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":221,"body":".. وأما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من أفعاله ﷺ، وما يختص به من أمور دينه، وأذكار قلبه مما لم يفعله ليتبع فيه. فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها، ولحوق الفترات، والغفلات بقلبه، وذلك مما كلفه من مقاساة الخلق، وسياسات الأمة، ومعاناة الأهل، وملاحظة الأعداء، ولكن ليس على سبيل التكرار، ولا الاتصال، بل على سبيل الندور (١) كما قال ﷺ: \"إنه ليغان على قلبى، وإنى لأستغفر الله، فى اليوم مائة مرة\" (٢) وفى رواية: \"فى اليوم أكثر من سبعين مرة\" (٣) .\r... \"والغين\" بالغين المعجمة الغيم، والمراد هنا ما يتغشى القلب من السهو الذى لا يخلوا منه البشر (٤) وذكر العلماء عدة أقوال فى المراد بالحديث منها ما يلى:\rقال القاضى عياض: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذى كان شأنه الدوام عليه، فإذا افتر عنه أو غفل عد ذلك ذنباً، واستغفر منه.","footnotes":"(١) الشفا ٢/١٥٠، ١٥١، وينظر: فتح البارى ٣/١٢١ رقم ١٢٢٩، والبحر المحيط فى أصول الفقه ٤/١٧٣، ١٧٤.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الذكر، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ٩/٢٨ رقم ٢٧٠٢ من حديث الأغر المزنى رضى الله عنه.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الدعوات، باب استغفار النبى ﷺ فى اليوم والليلة ١١/١٠٤ رقم ٦٣٠٧ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.\r(٤) النهاية فى غريب الحديث ٣/٣٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555735,"book_id":1504,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":222,"body":"أن الغين همه بسبب أمته وما اطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر لهم، وسببه اشتغاله بالنظر فى مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة، ونحو ذلك فيشتغل بذلك عن عظيم مقامه، فيراه ذنباً بالنسبة إلى عظيم منزلته. وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال، فهى نزول عن عالى درجته، ورفيع مقامه من حضوره مع الله تعالى ومشاهدته ومراقبته وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك.\rأن الغين هو السكينة التى تغشى قلبه، لقوله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله﴾ (١) ويكون استغفاره إظهاراً للعبودية والافتقار، وملازمة الخشوع وشكراً لما أولاه (٢) .\rأن الغين حاله خشية وإعظام، والاستغفار شكرها، ومن ثمَّ قيل: خوف الأنبياء والملائكة خوف إجلال وإعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله تعالى.\rأن الغين ليست حالة نقص فى حاله ﷺ، بل هو كمال أو تتمة كمال ومثال ذلك: بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلاً، فإنه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفى الحقيقة هو كمال. فهكذا بصيرة النبى ﷺ متعرضة للأغيرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته صيانة لها، ووقاية عن ذلك (٣) .\rقلت: والأقوال السابقة معناها محتمل، وجائزة فى حقه ﷺ، ولا تناقض عصمته. أهـ. والله أعلم.","footnotes":"(١) الآية ٢٦ التوبة.\r(٢) المنهاج شرح مسلم للنووى ٩/٢٩، ٣٠ رقم ٢٧٠٢، والشفا ٢/١٠٦، ١٠٧.\r(٣) ينظر: فتح البارى ١١/١٠٤، ١٠٥ رقم ٦٣٠٧، وشرح الزرقانى على المواهب ٧/١٣١ – ١٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555736,"book_id":1504,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":223,"body":"وأما قوله حين نام عن الصلاة يوم الوادى لما عاد من خيبر أو من الحديبية وبطريق تبوك روايات (١) : \"فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان\" (٢) وفى رواية قال ﷺ: \"إن هذا واد به شيطان\" (٣) .","footnotes":"(١) شرح الزرقانى على المواهب ٩/٣٥، وينظر: فتح البارى ١/٥٣٤ رقم ٣٤٤، والمنهاج شرح مسلم ٣/٢٠٢ رقم ٦٨٠.\r(٢) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة ٣/١٩٧ رقم ٦٨٠ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.\r(٣) أخرجه مالك فى الموطأ، كتاب الصلاة، باب النوم عن الصلاة ١/٤٥ رقم ٢٦ مرسلاً من حديث زيد بن أسلم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555737,"book_id":1504,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":224,"body":"فهذا الحديث ليس فيه ذكر لتسلط الشيطان عليه ﷺ، ولا وسوسته له، ولا يصح الطعن فى عصمة النبى ﷺ بمقتضى ظاهر هذا الحديث، لأنه ﷺ بين على من تسلط الشيطان بقوله ﷺ: \"إن الشيطان أتى بلالاً، وهو قائم يصلى، فأضجعه، فلم يزل يهدئه (١) كما يهدأ الصبى حتى نام\" (٢) ، فظهر من ذلك أن تسلط الشيطان فى ذلك الوادى، إنما كان على بلال الموكل بمراقبة طلوع الفجر ليوقظهم، كما جاء فى حديث أبى هريرة السابق، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلة، حتى إذا أدركه الكرى (٣) عرس (٤) وقال لبلال: \"اكلأ (٥) لنا الليل\" فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه. فلما تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجهة الفجر، فغلبت بلالاً عيناه، وهو مستند إلى راحلته. فلم يستيقظ رسول الله ﷺ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً\" (٦) .","footnotes":"(١) أى يسكنه وينومه، من هدأت الصبى إذا وضعت يدك عليه لينام، وروى \"يهدهده\" من هدهدت الأم ولدها لينام، أى حركته. ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/٣٦، والنهاية فى غريب الحديث ٥/٢١٩.\r(٢) أخرجه مالك فى الأماكن السابقة نفسها.\r(٣) الكرى: بفتح الكاف، النوم، وقيل: النعاس. النهاية فى غريب الحديث ٤/١٤٧.\r(٤) التعريس: نزول المسافر آخر الليل، نزلة للنوم والاستراحة. المصدر السابق ٣/١٨٦.\r(٥) أى راقب واحفظ واحرس لنا وقت الفجر لتوقظنا. المصدر نفسه ٤/١٦٨.\r(٦) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب قضاء الفائتة ٣/١٩٦ رقم ٦٨٠، وينظر: رواية أبى قتادة فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مواقيت الصلاة، باب الآذان بعد ذهاب الوقت ٢/٧٩ رقم ٥٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555738,"book_id":1504,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":225,"body":"فإن قيل: كيف نام النبى ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس مع قوله ﷺ: \"إن عينى تنامان، ولا ينام قلبى\" (١) فجوابه من وجهين:\r١- أصحهما وأشهرهما: أنه لا منافاة بينهما، لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة، وإن كان القلب يقظان.\r٢- أنه ﷺ كان له حالان: أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع. والثانى: لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله. وهذا التأويل ضعيف، والصحيح المعتمد هو الأول (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التهجد، باب قيام النبى ﷺ بالليل فى رمضان وغيره ٣/٤٠ رقم ١١٤٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبى ﷺ ٣/٢٧٠ رقم ٧٣٨ من حديث عائشة رضى الله عنها.\r(٢) قاله النووى فى المنهاج شرح مسلم ٣/٢٠٣ رقم ٦٨٠، ووافقه ابن حجر فى فتح البارى ١/٥٣٦ رقم ٣٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555739,"book_id":1504,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":226,"body":"وقريب من الأول، من قال: إن القلب قد يحصل له السهو فى اليقظة لمصلحة التشريع، ففى النوم بطريق الأولى، أو على السواء (١) ويؤيد ذلك ما جاء فى رواية أبى قتادة رضى الله عنه (٢) قال: \"فجعل بعضنا يهمس إلى بعض! ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا فى صلاتنا؟ ثم قال: أما لكم فِىَّ أُسوَةٌ؟ ثم قال: أما إنه ليس فى النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة، حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى. فمن فعل ذلك فليصلها حتى ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها\" (٣) .\rوالكلام فيما سبق من ظاهر تسلط الشيطان على بلال، موجه إلى أن جملة: \"إن هذا وادٍ به شيطان\" تنبيهاً على سبب النوم عن الصلاة، وهو تنويم الموكل بحراسة الوقت.\rأما إن جعلنا جملة: \"إن هذا واد به شيطان\" تنبيهاً عن سبب الرحيل عن الوادى، وعلة لترك الصلاة به، على ما جاء فى رواية مالك فى الموطأ (٤) فلا اعتراض بهذا الحديث على عدم عصمة رسول الله ﷺ من الشيطان (٥) أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":"(١) قاله ابن المنير، ينظر: فتح البارى ١/٥٣٦ رقم ٣٤٤.\r(٢) هو الحارث بن ربعى السلمى الأنصارى الخزرجى، صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/٢٤٤ رقم ٦١٧٣، والاستيعاب ٤/١٧٣١ رقم ٣١٣٠، وتاريخ الصحابة ص٦٩ رقم ٢٤١.\r(٣) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب قضاء الفائتة ٣/١٩٧ رقم ٦٨١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مواقيت الصلاة، باب الأذان بعد ذهاب الوقت ٢/٧٩ رقم ٥٩٥.\r(٤) فبعد قوله ﷺ: \"إن هذا واد به شيطان\" قال زيد بن أسلم: فركبوا حتى خرجوا من ذلك الواد، ثم أمرهم أن ينزلوا ويتوضئوا، وأمر بلالاً أن ينادى بالصلاة أو يقيم، فصلى رسول الله ﷺ بالناس\" الحديث أخرجه مالك فى الموطأ كتاب وقوت الصلاة، باب النوم عن الصلاة ١/٤٥ رقم ٢٦.\r(٥) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/٣٦، ٣٧، والشفا ٢/١٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555740,"book_id":1504,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":227,"body":"المطلب الخامس: شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله ﷺ\rوالجواب عنها\r... مما استدل به الطاعنون فى عصمة النبى ﷺ وزعموه أدلة على صدور وجواز الكبائر والصغائر من الذنوب عنه ﷺ. ما ورد فى القرآن الكريم من آيات ظاهرها عتاب رسول الله ﷺ نحو قوله تعالى: ﴿عبس وتولى، أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى. أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى وهو يغشى. فأنت عنه تلهى﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض. تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ (٢) وقوله ﷿: ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٣) وقوله: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (٤) وقوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٥)","footnotes":"(١) الآيات ١ - ١٠ عبس.\r(٢) الآيتان ٦٧، ٦٨ الأنفال.\r(٣) الآيات ٣٧ - ٣٩ الأحزاب.\r(٤) الآية الأولى التحريم.\r(٥) الآية ٤٣ التوبة، وممن قال بهذه الشبهة، در منغم فى حياة محمد ص٢٩٩، ٣٠٥، ٣٢٨، ومونتجمرى وات فى محمد فى المدينة ص٤٣٤، ٥٠٢، وغوستاف لوبون فى حضارة العرب ص١١٢، وكارل بروكلمان فى كتابيه تاريخ الشعوب الإسلامية ص٦٧، وتاريخ العرب ص١٦٦، وجولد تسيهر فى العقيدة والشريعة فى الإسلام ص١٤٣، ومجهول صاحب كتاب اٍلإسلام بدون حجاب مستل من شبكة الإنترنت ص٢٧، ونيازى عز الدين فى إنذار من السماء ص١٧٩ - ١٨٢، وجمال البنا فى الأصلان العظيمان ص٢٣٢، وأحمد صبحى منصور فى كتابيه لماذا القرآن ص٤٠، والأنبياء فى القرآن دراسة تحليلية ص٥٣، وغيرهم ممن سيأتى ذكرهم ص١٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555741,"book_id":1504,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":228,"body":"٠\r... ويجاب عن ما سبق إجمالاً بما يلى:\rأولاً: إن عتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الوارد فى القرآن الكريم، هو فى الظاهر عتاب، وفى الحقيقة كرامة وقربة لله ﷿، وتنبيه لغيرهم ممن ليس فى درجتهم من البشر، بمؤاخذتهم بذلك، فيستشعروا الحذر، ويلتزموا الشكر على النعم، والصبر على المحن، والتوبة عند الزلة (١) .\rثانياً: أن لله تعالى أن يعتب أنبياءه وأصفياءه، ويؤدبهم، ويطلبهم بالنقير والقطمير من غير أن يلحقهم فى ذلك نقص من كمالهم، ولا غض من أقدارهم، حتى يتمحصوا للعبودية لله عزوجل (٢) .\rثالثاً: أن غاية أقوال الأنبياء وأفعالهم التى وقع فيها العتاب من الله ﷿ لمن عاتبه منهم، أن تكون على فعل مباح، كان غيره من المباحات أولى منه فى حق مناصبهم السنية.\rرابعاً: المباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم ومنزلتهم، فهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات، مما يتقون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة (٣) .\rخامساً: أنه ليس كل من أتى ما يلام عليه يقع لومة، فاللوم قد يكون عتاباً، وقد يكون ذماً، فإن صح وقوع لومه، كان من الله عتاباً له لا ذماً، إذ المعاتب محبور (٤) والمذموم مدحور، فاعلم – رحمك الله – صحة التفرقة بين اللوم والذم قال الشاعر:\rلعل عتبك محمود عواقبه ... *** ... فربما صحت الأجسام بالعلل (٥) .\rإذا ذهب العتاب فليس ود ... *** ... ويبقى الود ما بقى العتاب (٦) .","footnotes":"(١) الشفا ٢/١٧١ بتصرف.\r(٢) يراجع: ص١٣٢ – ١٣٧.\r(٣) يراجع: ص١٢٧.\r(٤) أى مظنة للحبور، وهو السرور. النهاية فى غريب الحديث ١/٣١٦.\r(٥) البيت للمتنبى فى ديوانه (بشرح العكبرى) ٣/٨٦.\r(٦) البيت فى الأمثال والحكم للرازى ص١٠٣ ولم ينسبه، وينظر: تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص١١٨، ١١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555742,"book_id":1504,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":229,"body":"سادساً: أن العتاب فيما قيل أنه عوتب عليه رسول الله ﷺ، إنما كان على ما حَكَمَ فيه رسول الله ﷺ بالاجتهاد، والاجتهاد محتمل الخطأ، فكان تصحيح الخطأ فى اجتهاده من الله ﷿، بتوجيهه ﷺ إلى الأخذ بالصوب فعاد الحكم بذلك إلى الوحي.\rسابعاً: عدم ورود نهى عما عوتب فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى يكون عتابهم ثمَّ ذم.\rثامناً: إنه ما من آية ظاهرها عتاب رسول الله ﷺ إلا وهى واردة فى مقام المنَّة على رسول الله ﷺ، وبيان عظيم فضله ومكانته عند ربه ﷿ بأعظم ما يكون البيان.\r\r... وإليك التفصيل:\rما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ (١) .\rهذه الآية بحسب الأسلوب العربى، تفيد تكريم النبى ﷺ وتعظيمه، خلافاً لمن وهم، ففهم منها عتابه أو تأنيبه، لأن النبى ﷺ لم يخالف أمراً ولا نهياً، فيستوجب ما فهمه ذلك الواهم.\rفرسول الله ﷺ لما عزم على الخروج إلى تبوك، استأذنه بعض المنافقين فى التخلف، لأعذار أبدوها، فأذن لهم فيه لسببين:\rأحدهما: أن الله لم يتقدم إليه فى ذلك بأمر ولا نهى.\rثانيهما: أنه لم يرد أن يجبرهم على الخروج معه، فقد يكون فى خروجهم على غير إرادتهم ضرر.","footnotes":"(١) الآية ٤٣ التوبة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555743,"book_id":1504,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":230,"body":".. فأنزل الله تعالى: يبين له أن ترك الإذن لهم كان أولى، لما يترتب عليه من انكشاف الصادق من الكاذب، فيما أبدوه من الأعذار، واستفتح رب العزة ما أنزله بجملة دعائية. هى قوله: ﴿عفا الله عنك﴾ على عادة العرب فى استفتاح كلامهم بهذه الجملة، أو بقولهم: غفر الله لك، أو جعلت فداك، أو نحوها يقصدون تكريم المخاطب؛ إذا كان عظيم القدر، ولا يقصدون المعنى الوصفى للجملة (١) .\r... ولو بدأ رب العزة حبيبه ومصطفاه بقوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ لخيف عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه، ثم قال له: لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق فى عذره من الكاذب؟\r... وفى هذا من عظيم منزلته عند الله مالا يخفى على ذى لب، ومن إكرامه إياه وبره به، ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب.\r... فليتأمل كل مسلم! هذه الملاطفة العجيبة فى السؤال من رب الأرباب، المنعم على الكل، المستغنى عن الجميع، ويستثير ما فيها من الفوائد.","footnotes":"(١) دلالة القرآن المبين على أن النبى ﷺ أفضل العالمين ص٦٨ بتقديم وتأخير، وينظر: خواطر دينية ص٤٣، ٤٤ كلاهما لعبد الله الغمارى، وشرح الزرقانى على المواهب ٩/٤٠ – ٤٢، والشفا ٢/١٥٨، ١٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555744,"book_id":1504,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":231,"body":".. وكيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب (وهل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا إن كان ثمَّ عتب) وأنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كان ثمَّ ذنب، وهكذا فى أثناء عتبه براءته، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته (١) . إن قوله تعالى: ﴿لم أذنت لهم﴾ غاية ما يمكن أن يدعى فيها أن تكون دالة على أنه ﷺ ترك الأولى والأفضل، وقد بينت أن ترك الأولى ليس بذنب، وقد يقول أحدنا لغيره إذا ترك الندب، لم تركت الأفضل، ولم عدلت عن الأولى، ولا يقتضى ذلك إنكاراً، ولا ذنباً (٢) .\r... أما قول بعضهم: إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب، لأنه تعالى قال: ﴿عفا الله عنك﴾ والعفو يستدعى سابقة ذنب، وأن الاستفهام فى قوله تعالى: ﴿لم أذنت لهم﴾ استفهام بمعنى الإنكار (٣) .\rفهذا قول من يجهل لغة العرب فى استفتاح كلامهم بهذه الجملة ونحوها يقصدون بها تكريم المخاطب، إذا كان عظيم القدر، وتحاشياً عن جعل الاستفهام أول كلام للمعظم.\rوليس \"عفا\" هنا فى الآية بمعنى \"غفر\" أى ستر، وترك المؤاخذة بل بمعنى: لم يلزمك شيئاً فى الأذن، كما قال ﷺ: \"إنى قد عفوت عنك عن صدقة الخيل والرقيق، ولكن هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهماً، درهماً\" (٤) .","footnotes":"(١) الشفا ١/٢٨، ٢٩، ٣٠ بتصرف، وقارن بشرح الزرقانى على المواهب ٩/٤٠.\r(٢) ينظر: تنزيه الأنبياء لعلى الحسين الموسوى ص١١٤ بتصرف.\r(٣) سيأتى بعد قليل التعرف بهم، ورد الأئمة عليهم.\r(٤) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الزكاة، باب زكاة الورق والذهب ١/٥٥٩ رقم ١٧٩٠، وأبو داود فى سننه كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة ٢/١٠١ رقم ١٥٧٤، والترمذى فى سننه كتاب الزكاة، باب ما جاء فى زكاة الذهب والورق ٣/١٦ رقم ٦٢٠ وقال: حديث صحيح، والنسائى فى سننه الصغرى كتاب الزكاة، باب زكاة الورق ٥/٣٧ رقم ٢٤٧٧ من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555745,"book_id":1504,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":232,"body":"ولم تجب عليهم زكاة فى خيل ورقيق قط، أى: لم يلزمكم ذلك، فليس معناه: إسقاط ما كان واجباً، ولا ترك عقوبة هنا فتأمل (١) .\rوصفوة القول: أن يقال: إما أن يكون صدر عن رسول الله ﷺ ذنب أم لا؟ فإن قلنا: لا! امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله \"لم أذنت لهم\" إنكاراً عليه. وإن قلنا: إنه صدر عنه ذنب – وحاشاه الله من ذلك – فقوله ﷿: ﴿عفا الله عنك﴾ يدل على حصول العفو، وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه.\rفثبت أنه على التقديرين المذكورين، يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ يدل على كون الرسول مذنباً، وهذا جواب شاف كاف قاطع.\rوعند هذا يحمل قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ على ترك الأولى والأكمل، بل لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ذلك (٢) كالإمام الزمخشرى (٣) فقد أساء الأدب فى التعبير – مع جلالة علمه – عن بيان العتاب – فى زعمه – فقال: إن قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ كناية عن الجناية، لأن العفو رادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت (٤) .","footnotes":"(١) ينظر: المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٩/٤١، ٤٢، والشفا ٢/١٥٨، وشرح السيوطى على النسائى، وحاشية السندى ٥/٣٧ رقم ٢٤٧٧.\r(٢) المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٩/٤٢، ٤٣، وينظر: زاد المسير لابن الجوزى ٣/٤٤٥، ونسيم الرياض ٤/١٧٨، وتفسير القرطبى ٨/١٥٤.\r(٣) هو: أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد الزمخشرى، معتزلى، نحوى، مفسر، يلقب بجار الله، لمجاورته بمكة زماناً، من مصنفاته: الكشاف عن حقائق التنزيل، والفائق فى غريب الحديث. مات سنة ٥٣٨هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى ٢/٣١٤ رقم ٦٢٥، وطبقات المفسرين للسيوطى ص٤٨ رقم ١٤٧، وإشارة التعيين فى تراجم النحاة واللغويين لعبد الباقى اليمانى ص٣٤٥ رقم ٢١٠، ووفيات الأعيان لابن خلكان ٥/١٦٨ – ١٧٤ رقم ٧١١.\r(٤) الكشاف ٢/١٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555746,"book_id":1504,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":233,"body":"وقد استغواه فى هذا التعبير السئ سلفه الجبائى (١) الذى يرى أن أذن رسول الله ﷺ للمستأذنين من المنافقين بالقعود عن الخروج معه إلى غزوة تبوك \"كان قبيحاً، ووقع صغيراً\" (٢) فالزمخشرى – ﵀ – مقلد فى سوء الأدب لشيخ شيوخ المعتزلة، وقد تابع البيضاوى (٣) الزمخشرى فى جفوة التعبير فى هذا الموضع من تفسيره (٤) .","footnotes":"(١) هو: أبو على، محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائى، ينسب إلى جبى – من قرى البصرة – كان من أئمة المعتزلة، ورئيس علماء الكلام فى عصره، وإليه تنسب الطائفة الجبائية، من آثاره: التفسير الكبير، والأصول، وغير ذلك مات سنة ٣٠٣هـ. له ترجمة فى: طبقات المعتزلة لابن المرتضى ص٧، ٥٧، ٦٨، ولسان الميزان ٦/٣٢٠ رقم ٧٧٨٣، والبداية والنهاية ١١/١٣٤، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ١٨٣ رقم ١٠٢، والأعلام ٦/٢٥٦.\r(٢) مجمع البيان للطبرسى المجلد الثالث ١٠/٦٨.\r(٣) هو: عبد الله بن عمر بن محمد، أبو الخير، ناصر الدين البيضاوى، كان إماماً علامة، عارفاً بالفقه، والتفسير، والأصلين، والعربية، والمنطق، نظاراً صالحاً، متعبداً زاهداً شافعياً، من مصنفاته: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، وشرح الكافية لابن الحاجب وغير ذلك مات سنة ٦٨٥هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى ١/٢٤٨ رقم ٢٣٠، وطبقات الشافعية للسبكى ٨/١٥٨، والبداية والنهاية لابن كثير ١٣/٣٢٧.\r(٤) أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوى ٣/٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555747,"book_id":1504,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":234,"body":"وقد علق أبو حيان (١) - رحمه الله تعالى فى البحر، على هذا المسلك من التفكير والتعبير فقال: \"وكلام الزمخشرى فى تفسير قوله ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ مما يجب إطراحه، فضلاً عن أن يذكر فيرد عليه\" (٢) قال الألوسى (٣) : \"وكم لهذه السقطة فى الكشاف من نظائر\" (٤) .\r\rوأما قوله تعالى: فى أسارى بدر: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾ (٥) فليس فى هذه الآية الكريمة وما بعدها إلزام ذنب لرسول الله ﷺ، لتصديرها بجملة \"ما كان لنبى\" وهذا الأسلوب المكون من \"كان\" المنفية بـ \"ما\" الآتى بعدها لام الجحود، تأكيداً لتقوية النفى فيها قد ورد فى القرآن الكريم، وكلام العرب على وجهين، كما قال المفسرون، وأهل المعانى (٦) .","footnotes":"(١) هو: محمد بن يوسف بن على، أثير الدين، أبو حيان، الغرناطى، من كبار العلماء بالعربية والتفسير، والحديث، من مؤلفاته: البحر المحيط فى التفسير، والتذكرة فى العربية، وغير ذلك مات سنة ٧٤٥هـ. له ترجمة فى: ذيل تذكرة الحفاظ للحسينى الدمشقى ص٢٣، وطبقات الشافعية لابن السبكى ٦/٣١، وشذرات الذهب ٦/١٤٥، والرسالة المستطرفة للكتانى ص١٠١، وطبقات المفسرين للداودى ٢/٢٨٧ رقم ٦٠٨.\r(٢) البحر المحيط ٥/٤٧.\r(٣) هو: محمود شكرى بن عبد الله بن شهاب الدين، محمود الألوسى، الحسينى، أبو المعالى، عالم بالأدب والدين، والتاريخ، ومن الدعاة إلى الإصلاح، من مصنفاته: روح المعانى، ومختصر التحفة الإثنى عشرية، مات بغداد سنة ١٣٤٢هـ، له ترجمة فى الأعلام للزركلى ٧/١٧٢، ١٧٣.\r(٤) روح المعانى ١٠/١٠٩.\r(٥) الآية ٦٧ الأنفال.\r(٦) تفسير القرطبى ٨/٢٧٤، وفتح القدير للشوكانى ٢/٤١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555748,"book_id":1504,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":235,"body":"الوجه الأول: النفى كما هو ظاهر أسلوبها كقوله تعالى ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ (١) وقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (٢) وهذا هو الأصل فى معنى هذا الأسلوب، لأن توكيد فعل الكون بلام الجحود هو \"أبلغ لفظ يستعمل فى النفى\" (٣) ومعناه انصباب النفى على ما قبل اللام وما بعدها نفياً مطلقاً \"يشمل جميع الحالات المعنوية التى يتضمنها الكلام\" (٤) .\r... ويفيد هذا التركيب معنى زائداً على نفى مجرد الفعل، وهو نفى التهيؤ للفعل المنفى عنه وإرادته والصلاحية له، كما أوضح ذلك أبو حيان وغيره (٥) .\r... ولا شك أن نفى التهيئة والإرادة للفعل أبلغ من نفى الفعل، لأن نفى الفعل لا يستلزم نفى إرادته، ونفى التهيئة والصلاح والإرادة للفعل تستلزم نفى الفعل، فلذلك كان النفى مع لام الجحود أبلغ\" (٦) .\r... أما الوجه الثانى: من وجهى استعمال هذا الأسلوب فى القرآن الكريم، فهو النهى الضمنى عن أن يقع متعلق الخبر، كقوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ (٧) .\r... وقد جعل منه بعض العلماء آية بحثنا هذا ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى﴾ (٨) ومعنى الآية على الوجه الأول: أن الله ﷿ يبرئ نبيه ﷺ، وينزه ساحته عن أن يكون له تهيئة وقصد فى أخذ الأسرى، وإنهاء المعركة قبل الإثخان فى الأرض.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٦٠ النمل.\r(٢) جزء من الآية ١٤٣ البقرة.\r(٣) أسرار التكرار فى القرآن لمحمود بن حمزة الكرمانى ص٩٩.\r(٤) النحو الوافى لعباس حسن ٤/٢٩٩.\r(٥) البحر المحيط ١/٤٢٦، وينظر: مغنى اللبيب لابن هشام ١/٢١١.\r(٦) البحر المحيط ١/٤٢٦.\r(٧) جزء من الآية ٥٣ الأحزاب.\r(٨) الآية ٦٧ الأنفال. وينظر: البحر المحيط ٤/٥١٨، وروح المعانى للألوسى ٤/١٠٩، والأنصاف لابن المنير بهامش الكشاف ١/٤٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555749,"book_id":1504,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":236,"body":".. والمعنى على الوجه الثانى: نهيه ﷺ عن أن يكون له أسرى قبل الإثخان فى الأرض، والمبالغة فى إضعاف قوة العدو، ولا يستلزم هذا النهى وقوع المنهى عنه من المخاطب، لجواز\rأن يكون وقوع المنهى عنه، كان ممن له صلة تبعية بالمخاطب، ويؤيد هذا أن \"التنكير – أى تنكير نبى فى قوله \"ما كان لنبى\" إبهاماً فى كون النفى لم يتوجه عليه معيناً\" (١) تلطفاً به ﷺ، وإشارة إلى أن هذا سنة من سنن الله تعالى مع أنبيائه وبياناً لأنه لم يكن ﷺ متوجه القصد، إلى أن يكون له أسرى قبل الإثخان فى العدو، وإكثار القتل، والجراح فيه، وعلى ذلك يكون الخطاب – فى ظاهره – موجهاً لرسول الله ﷺ مع هذا التلطف الذى يبرئ سماحته ﷺ مما يوجب العتاب، ويكون الخطاب - فى حقيقته - موجهاً إلى الذين أسرعوا فى إنهاء المعركة، وأخذ الغنائم والأسرى بمجرد ظهور طلائع النصر، ولم يصبروا حتى يكثروا القتل فى العدو كسراً لشوكته. وقد نزه الله تعالى نبيه ﷺ عن إرادة شئ من الدنيا بتوجيه الكلام بطريق الإفراد فى أول الكلام فى قوله \"ما كان لنبى\" الذى أخرج مخرج الغيبة، مع أن المقصود به هو النبى ﷺ، إلى الجمع فى قوله: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ الذى قصد به بعض الصحابة، ممن تجرد غرضه لعرض الدنيا وحده، والاستكثار منها، وليس المراد بهذا النبى ﷺ ولا علية أصحابه رضى الله عنهم (٢) .","footnotes":"(١) البحر المحيط ٤/٥١٨.\r(٢) الشفا ٢/١٥٩، والمواهب اللدنية وشرحها ٩/٤٦، ٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555750,"book_id":1504,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":237,"body":".. وهذا يدل على أن النبى ﷺ لم يدر بخلده، أن ينهى المعركة قبل الإثخان فى العدو ليأخذ الأسرى، ويغنم أصحابه المغانم، ويؤكده ما رواه ابن إسحاق فى سيرته: \"ولما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله ﷺ فى العريش (١) وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله ﷺ متوحشاً السيف فى نفر من الأنصار، يحرسون رسول الله ﷺ، يخافون عليه كرة العدو، ورأى رسول الله ﷺ فى وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له رسول الله ﷺ لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ قال: أجل، والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال\" (٢) .","footnotes":"(١) هو: كل ما يستظل به. النهاية فى غريب الحديث ٣/١٨٧.\r(٢) أخرجه ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام، ٢/٢٩٠ نص رقم ٧٥٣، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٣/٢٨٤ نقلاً عن ابن إسحاق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555751,"book_id":1504,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":238,"body":".. وهذا يدل على أن النبى ﷺ لم ينكر على سعد بن معاذ ما رأى فى وجهه من كراهية ما يصنع القوم، فاستفسره عن ذلك، فقال له: \"والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ \" فقال سعد: أجل يا رسول الله، وعلل سعد ذلك بأن هذه أول وقعة فى الإسلام نصر الله فيها المسلمين على أعدائهم من المشركين، فكان الإثخان فى القتل أحب إليه من استبقاء الرجال. وفيه دلالة على أن المعاتب عليه عدم الإثخان فى القتل، والإسراع إلى الغنيمة، لا أخذ الفداء، لأن سعداً أبان عن رأيه قبل الاستشارة فى أخذ الفداء، وهذا كالصريح فى أن أخذ الفداء من الأسرى لا عتاب عليه، وقد بين الله تعالى هذا بقوله ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ (١) فإنه تعالى لعظيم فضله، وبالغ رحمته، منع عذابه العظيم عن المؤمنين المجاهدين يوم بدر، الذى استحقوه بما مالت إليه أنفسهم من الإسراع فى جميع الغنائم، قبل إكثار القتل فى عدوهم.\r... وهذه الآية الكريمة: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض﴾ (٢) كما هو ظاهر منها لا تمنع الأسر، وأخذ الفداء نهائياً، ولكنها تقرر أنهما لا يكونان إلا بعد الإثخان فى الأرض بظهور المسلمين على أعدائهم.\r... وهى لا تتنافى مع آية سورة محمد ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء﴾ (٣) فلا زيادة فى حكم هذه الآية، على آية الأنفال، لأن كلتا الآيتين متوافقتان \"فإن كلتيهما تدلان على أنه لابد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء\" (٤) فلا نسخ إذن كما يزعم البعض.\r... ولكن بعض الصحابة رضى الله عنهم حين اشتغلوا بجمع الغنائم قدموا عرض الدنيا على الآخرة فخالفوا ما أراده الله تعالى لهم من عظيم الظهور وقوة الشوكة.","footnotes":"(١) الآية ٦٨ الأنفال.\r(٢) الآية ٦٧ الأنفال.\r(٣) الآية ٤ محمد.\r(٤) التفسير الكبير للرازى ١٥/٢٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555752,"book_id":1504,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":239,"body":".. أما الكتاب المذكور فى قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ فقد أدى إبهامه إلى اختلاف العلماء فيه على أقوال كثيرة أوصلها الشوكانى (١) إلى ستة أقوال، لعل أرجحها وأقربها إلى المعقول، وأولاها بالقبول هو: ألا يعذب الله أحداً إلا بعد أن يقدم إليه أمراً أو نهياً فيخالف ما قدمه الله إليه (٢) .\r... والمعنى: لولا أنه سبق منى أن لا أعذب أحداً إلا بعد النهى لعذبتكم على ما أخذتم من الفداء. إذ لو كان منهياً عنه محرماً لاستحقوا بمخالفته العذاب، فالمراد بالكتاب: حكم الله الذى كتبه وقدره، وهذا التفسير ينفى أن يكون أمر فداء الأسارى معصية لعدم النهى (٣) .","footnotes":"(١) هو: محمد بن على بن محمد الشوكانى، فقيه مجتهد، من كبار علماء اليمن، من أهل صنعاء، من مؤلفاته: فتح القدير فى التفسير، وإرشاد الفحول فى أصول الفقه، مات سنة ١٢٥٠هـ له ترجمة فى: البدر الطالع للشوكانى ٢/٢١٤ – ٢٢٥ رقم ٤٨٢، والفتح المبين لعبد الله المراغى ٣/١٤٤ – ١٤٥، والرسالة المستطرفة للكتانى ص١٥٢، ومعجم المؤلفين لكحالة ١١/٥٣٣.\r(٢) فتح القدير ٢/٣٢٥، ٣٢٦.\r(٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/٣٤، وروح المعانى للألوسى ١٠/ ٣٤، والبحر المحيط لأبى حيان ٤/٥١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555753,"book_id":1504,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":240,"body":".. وفى الآية بيان لما كان مسطوراً فى غيبه تعالى من إحلال الغنيمة، وتطييبها لعبادة المؤمنين من هذه الأمة، وهذا كان من خصائصه ﷺ على سائر الأنبياء فكأنه قال: \"ما كان أخذ الفداء لنبى غيرك\" وهو ما أكده ﷺ بقوله: \"أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلى، أحلت لى الغنائم، ولم تحل لأحد قبلى – الحديث\" (١) .\r... فقال الله تعالى تطيباً لنفوس أولئك المجاهدين ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾ (٢) وهذا كله ينفى الذنب والمعصية، لأن من فعل ما أحل الله لم يعص (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلاة، باب قول النبى ﷺ جعلت لى الأرض مسجد وطهوراً ١/٦٣٤ رقم ٤٣٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، ٣/٥ رقم ٥٢١ من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه.\r(٢) الآية ٦٩ الأنفال.\r(٣) الشفا ٢/١٥٩، ١٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555754,"book_id":1504,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":241,"body":".. أما ما روى فى أسباب نزول آيات بحثنا، من مشاورة رسول الله ﷺ أصحابه فى أمر أسرى بدر، واختياره ﷺ لرأى أبى بكر ومن معه القائلين بقبول الفداء، من الأسرى تقوية لجيش المسلمين على الكفار بالفداء، ورجاء أن يهديهم الله تعالى للإسلام أو أن يخرج من أصلابهم بعد وقعة بدر من يؤمن بالله، ويهتدى بهداه، ثم بكاءه ﷺ وصاحبه أبى بكر شفقة لأجل ما عرض عليه ﷺ من عذاب أصحابه لأخذهم الفداء، ونزول الآيات بذلك (١) فليس فى ذلك ما يفيد أصلاً بأن النبى ﷺ أشار بأخذ الفداء، وإنما شاور أصحابه، فأشارت الكثرة منهم بأخذ الفداء، وهم الذين عوتبوا بقوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ (٢) فلما خرج إليهم بعد المشاورة قال لهم: ﴿أنتم عالة، فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق﴾ (٣) .","footnotes":"(١) ينظر الحديث فى صحيح مسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة ٦/٣٢٧ رقم ١٧٦٣ من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.\r(٢) جزء من الآية ٦٧ الأنفال.\r(٣) أخرجه أحمد فى مسنده ١/٣٨٣، والحاكم فى المستدرك ٣/٢٤ رقم ٤٣٠٤ وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبى، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/٨٧ إلى أحمد وأبى يعلى والطبرانى وقال: وفيه أبو عبيده ولم يسمع من أبيه ولكن رجاله ثقات أهـ، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555755,"book_id":1504,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":242,"body":".. وهذه المشاورة مأمور بها النبى ﷺ كما يدل على ذلك صريح حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: جاء جبريل ﵇ يوم بدر إلى النبى ﷺ، فقال: \"خير أصحابك فى الأسرى إن شاءوا فى القتل، وإن شاءوا فى الفداء، على أن يقتل منهم فى العام المقبل مثلهم، فقالوا: الفداء ويقتل منا\" (١) .","footnotes":"(١) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى، كتاب السير، باب قتل الأسرى ٥/٢٠٠ رقم ٨٦٦٢، والترمذى فى سننه كتاب السير، باب ما جاء فى قتل الأسارى والفداء ٤/١١٤ رقم ١٥٦٧ وقال: حديث حسن غريب، وعن أبى عبيدة مرسلاً فى الطبقات الكبرى لابن سعد٢/١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555756,"book_id":1504,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":243,"body":".. ومن هنا يظهر جلياً أن النبى ﷺ لم يختر أخذ الفداء ولا حبذه، بدليل ما رواه البخارى من قوله ﷺ فى أسارى بدر: \"لو كان المطعم بن عدى (١) حياً، ثم كلمنى فى هؤلاء النتنى (٢) لتركتهم له\" (٣) .\r... وهذا يدل على أن لا عتاب على أخذ الفداء لعزم رسول الله ﷺ على ترك الأسرى، وإطلاقهم بدون فداء، فيما لو كان المطعم بن عدى حياً، وكلم رسول الله ﷺ فيهم.","footnotes":"(١) هو المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف، دخل رسول الله ﷺ مكة فى جواره مرجعه من الطائف، وبات رسول الله ﷺ فى بيته ليلة دخوله مكة، وفى الصباح خرج رسول الله ﷺ، ومعه المطعم بن عدى، وبنوه السبعة فطاف رسول الله ﷺ بالبيت، وهم محتبون بحمائل سيوفهم فى المطاف لحمايته، فلما انصرف رسول الله ﷺ انصرفوا معه وأعلن ذلك فى قريش. وقد توفى المطعم بن عدى بعد هجرة رسول الله بيسير وهو على دين قومه، وخبر ذلك فى البداية والنهاية لابن كثير ٣/١٣٥، ١٣٦.\r(٢) يعنى أسارى بدر، وأحدهم: نتن كزمن وزمنى، سماهم نتنى لكفرهم كقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ جزء من الآية ٢٨ التوبة، وينظر: النهاية فى غريب الحديث ٥/١٢.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب فرض الخمس، باب ما من النبى ﷺ على الأسارى من غير أن يخمس ٦/٢٨٠ رقم ٣١٣٩، وفى كتاب المغازى ٧/٣٧٥ رقم ٤٠٢٤ من حديث جبير بن مطعم رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555757,"book_id":1504,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":244,"body":".. كما يؤخذ أيضاً من حديث تخيير جبريل فى أمر الأسرى، أن أخذ الفداء، لا عتاب عليه، إذ لو كان أخذ الفداء موضع مؤاخذة، ما جاء جبريل ﵇ بالتخيير بينه، وبين القتل، لأنه لا يخير بين جائز مطلق، وبين مؤاخذ عليه. وبالتالى فهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه، لكن بعض الصحابة مال إلى أضعف الوجهين، فى حين كان الأصلح غيره من الإثخان فى القتل، فعوتبوا على ذلك، وتبين لهم ضعف اختيارهم، وتصويب اختيار غيرهم، وكلهم غير عصاة ولا مذنبين (١) .","footnotes":"(١) الشفا ٢/١٦٠، وينظر: جامع البيان عن تأويل آى القرآن لابن جرير ٦/٢٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555758,"book_id":1504,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":245,"body":".. ويؤيد أنه لا عتاب على رسول الله ﷺ فى أخذ الفداء، أنه ﷺ سبق أن فادى الحكم بن كيسان (١) وعثمان بن عبد الله بن المغيرة (٢) اللذين أسرتهما سرية عبد الله بن جحش الأسدى رضى الله عنه (٣) حين أرسله رسول الله ﷺ ومعه ثمانية من المهاجرين – إلى وادى نخلة بين مكة والطائف لرصد عير قريش – وذلك قبل غزوة بدر الكبرى بأكثر من شهرين، فالتقوا بهم فى آخر يوم من رجب، من السنة الثانية من الهجرة، فغنموا العير، واقتادوا معهم الأسيرين إلى المدينة، فوقف رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وقال أهل الكفر: استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وأكثروا فى ذلك، فرد الله عليهم قولهم فأنزل: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهوكافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون\" (٤) .","footnotes":"(١) قدم به أسيراً على رسول الله ﷺ، فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة، شهيداً. له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٥٤ رقم ١٢٢٦، والاستيعاب ١/٣٥٥ رقم ٥٢٢.\r(٢) ذهب حين فدى إلى مكة، فمات بها كافراً. السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٥٩ نص رقم ٧٠٩ والدرر فى اختصار المغازى والسير لابن عبد البر ص١٠١.\r(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: تجريد أسماء الصحابة ١/٣٠٢، وتاريخ الصحابة ص١٦٠ رقم ٧٧٧، وأسد الغابة ٣/١٩٤ رقم ٢٨٥٨، والاستيعاب ٣/٨٧٧ رقم ١٤٨٤.\r(٤) الآية ٢١٧ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555759,"book_id":1504,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":246,"body":"فقبل رسول اللهصلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وأخذ الغنيمة، وهى أول غنيمة غنمها أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى الإسلام\" (١) ولم يعاتب الله تعالى أحداً على شئ من ذلك، فلو كان الفداء ممنوعاً لعتب (٢) .\rوعلى ذلك فلا عتاب لسيدنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى فداء الأسرى يوم بدر لعدم العتاب على أخذه، وأخذ الغنيمة، فيما سبق هذه الغزوة أولاً، هذا بالإضافة إلى أن اختيار أخذ الفداء يوم بدر، وقع من الصحابة رضى الله عنهم كما فى حديث تخيير جبريل ﵇.\rعلى أن بعض الأئمة من الذين يرون أن فى الآية عتاباً، أخذاً بظاهر رواية مسلم المشار إليها (٣) رجحوا رأى الصديق رضى الله عنه بأخذ الفداء.\rقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وقد اختلف السلف فى أى الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم: كان رأى أبى بكر لأنه وافق ما قدر الله فى نفس الأمر، ولم استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم فى الإسلام، إما بنفسه، وإما بذريته التى ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب، كما ثبت ذلك عن الله تعالى فى حق من كتب له الرحمة\" (٤) قالوا: وأما بكاء النبىصلى الله عليه وسلم، فإنما كان شفقة لنزول العذاب، لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول اللهصلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر، وغيره من عليَّة أصحابه (٥) أ. هـ. والله أعلم.","footnotes":"(١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام٢/٢٥٥-٢٥٩ نص رقم ٧٠٥-٧٠٩، ودلائل النبوة للبيهقى٣/١٧-١٩، والدرر فى اختصار المغازى والسير لابن عبد البر ص٩٩،١٠٠، وتاريخ الطبرى٢/٤١٠-٤١٣.\r(٢) ينظر: الشفا٢/١٦٠،١٦١، وشرح الزرقانى على المواهب٩/٤٩،٥٠.\r(٣) يراجع: ص١٥٥.\r(٤) فتح البارى٧/٣٧٧ رقم٤٠٢٢.\r(٥) ينظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية٣/١١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555760,"book_id":1504,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":247,"body":"٣- وأما قوله تعالى: ﴿عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى﴾ (١) .\rأولاً: هذه الآيات نزلت فى ابن أم مكتوم الأعمى (٢) أتى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: يا رسول الله أرشدنى، وعند رسول اللهصلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول اللهصلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول: بأساً؟ فيقول: لا، ففى هذا أنزلت \"عبس وتولى\" (٣) .\rفهذا أصح ما روى فى سبب نزول الآيات، والزعم بأن هذا السبب لا يصح، والقصة مفتعلة، لأن عائشة الراوية لها لم تدركها (٤) ، قول مردود بما يلى:\rأ-أن مرسل الصحابى مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه، حكمه على المذهب الصحيح، الوصل المقتضى للاحتجاج به، لأن غالب رواية الصغار من الصحابة عن صحابة مثلهم، وكلهم عدول، ورواية صغار الصحابة عن غيرهم نادرة، فإذا رووها بينوها، وحيث أطلقوا فالظاهر أنها عن الصحابة وأكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات، والقول بأنه لا يحتج بمرسل الصحابى قول ضعيف.","footnotes":"(١) الآيات١-١٠ عبس.\r(٢) هو: عمرو بن قيس بن زائدة، صحابى جليل له ترجمة فى أسد الغابة٤/٢٥١ رقم ٤٠١١، والاستيعاب٣/١١٩٨ رقم١٩٤٦.\r(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك٢/٥٥٨ رقم٣٨٩٦ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، والترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة عبس٥/٤٠٢ رقم٣٣٣١ وقال: حديث غريب، من حديث عائشة رضى الله عنها.\r(٤) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى٣/١٥٧، والخطوط الطويلة أو الدفاع عن السنة لمحمد بن على الهاشمى ص١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555761,"book_id":1504,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":248,"body":"ب-اتفاق أهل الحديث على أن الصحابى الذى شاهد الوحي والتنزيل إذا فسر شيئاً من آى القرآن، أو أخبر عن آية نزلت فى كذا، كان له حكم المرفوع المسند، وقيده بعضهم بما إذا كان التفسير مما لا مجال فيه للاجتهاد، ولا يقال من قبل الرأى (١) .\rجـ- اتفاق السلف، وجمهور المفسرين على أن فاعل \"عبس وتولى\" هو رسول الله ﷺ (٢) كما أجمعوا على أن هذه الآيات نزلت فى ابن أم مكتوم (٣) .\rثانياً: مع صحة سبب نزول الآيات، فليس فيها إثبات ذنب لرسول الله ﷺ، بل الآيات إعلام من الله تعالى لرسوله ﷺ، بأن ذلك المتصدى له ممن لا يتزكى، وأن الصواب والأولى، كان لو كشف له حال الرجلين، لاختار الإقبال على الأعمى لأنه ﴿جاءك يسعى. وهو يخشى﴾ والإعراض عن الكافر، وتوهين أمره لأنه استغنى عن الإسلام بكفره، ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ أى ليس عليك بأس فى أن لا يتزكى بالإسلام، والمراد: لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم أن تعرض عمن أسلم، بالاشتغال بدعوتهم، إن عليك إلا البلاغ.\r...\r... وفعل النبى ﷺ لما فعل من العبوس والإعراض، وتصديه لذلك الكافر، كان طاعة لله عزوجل، وتبليغاً عنه، واستمالة للكافر، رجاء إسلامه، كما شرعه الله له بالتبليغ، ومن لين الجانب لمن يدعوه، وبالتالى لا معصية ولا مخالفة لله ﷿ (٤) .","footnotes":"(١) ينظر: فتح المغيث للسخاوى١/١٧٠،١٧١، والتبصرة والتذكرة للعراقى١/١٥٦، وتدريب الراوى١/٢٠٧، والأحكام للآمدى٢/١١٢-١١٨، وإرشاد الفحول للشوكانى١/٢٥٨-٢٦٤.\r(٢) ينظر: روح المعانى للألوسى ٣٠/ ٣٩، وفتح البارى لابن حجر ٨/٥٦٠ رقم ٤٩٣٧.\r(٣) ينظر: فتح القدير للشوكانى ٥/٣٨٢، وجامع الأحكام للقرطبى ١٩/٢١١.\r(٤) الشفا ٢/١٦١ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555762,"book_id":1504,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":249,"body":".. وقد كان ابن أم مكتوم يستحق التأديب والزجر، لأنه وإن فقد بصره، كان يسمع مخاطبة رسول الله ﷺ لأولئك الكفار، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمامه ﷺ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه ﷺ بعد سماعه، إيذاء له ﷺ وذلك معصية عظيمة.\r... فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنباً ومعصية، وأن الذى فعله رسول الله ﷺ كان هو الواجب المتعين، سواء كان ابن أم مكتوم مسلماً فى ذلك الوقت، كما هو رأى الجمهور، أو لم يكن أسلم بعد، على ما ذهب إليه السهيلى (١) فى الروض الأنف ورجحه قائلاً: \"مع أنه – أى الأعمى – لم يكن آمن بعد، ألا تراه يقول: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ (٢) ولو كان قد صح إيمانه وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله ﷺ، وكذلك لم يكن ليخبر عنه ويسميه بالاسم المشتق من العمى، دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، ولو كان دخل فى الإيمان من قبل – والله أعلم – وإنما دخل فى الإسلام بعد نزول الآية ويدل على ذلك قوله للنبى ﷺ: \"يا محمد استدننى\" (٣)","footnotes":"(١) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أصبغ، أبو القاسم، السهيلى، الأندلسى، المالكى، حافظ، كان عالماً بالعربية، واللغة، والقراءات، بارعاً فى ذلك، جامعاً بين الرواية والدراسة، عالماً بالتفسير، وصناعة الحديث، حافظاً للتاريخ، من مصنفاته: الروض الأنف فى شرح السيرة، ومسألة السرفى عور الدجال، وغير ذلك ما سنة ٥٨١هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى ١/٢٧٢، رقم ٢٥٧ وتذكرة الحفاظ للذهبى ٤/١٣٤٨رقم ١٠٩٩،والديباج المذهب لابن فرحون ص٢٤٦ رقم ٣١٨.\r(٢) الآية ٣ عبس.\r(٣) بياء بين نونين أى: أشر لى إلى موضع قريب منك أجلس فيه. شرح الزرقانى على الموطأ ٢/١٩ رقم ٤٧٧، والحديث أخرجه مالك عن عروة بن الزبير مرسلاً فى كتاب القرآن، باب ما جاء فى القرآن ١/١٨٠ رقم٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555763,"book_id":1504,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":250,"body":"، ولم يقل \"يا رسول الله استدننى\" مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء فى لعله يزكى، عائدة على الأعمى لا على الكافر، لأنه لم يتقدم له ذكر بعد، و (لعل) تعطى الترجى والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجى والانتظار للتزكى والله أعلم\" (١) .\r... أما قوله تعالى: ﴿أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ (٢) فهو معطوف على قوله \"يزكى\" الواقع خبراً لحرف الرجاء \"لعل\" فهو من مدخول الرجاء معه على معنى: أن قوله: \"لعله يزكى\" يدل على أنه يراد منه التطهر بالإيمان (٣) ولعل هذا القول هو مستقى كلام السهيلى فى اختياره عدم إيمانه حين مجيئه إلى رسول الله ﷺ.","footnotes":"(١) الروض الأنف للسهيلى ٢/١٥١، ١٥٢.\r(٢) الآية ٤ عبس.\r(٣) ينظر: جامع البيان للطبرى ٣٠/٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555764,"book_id":1504,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":251,"body":".. قلت: فى كلا الحالتين إسلامه وعدمه وقتئذ، فليس فى الآيات إثبات ذنب له ﷺ، وإنما الذنب والمعصية ما فعله ابن أم مكتوم على ما سبق شرحه. وإن كان ثمَّ عتاب موجه إلى رسول الله ﷺ، فهو بسبب عمى ابن أم مكتوم حيث استحق مزيداً من الرفق به، ولذا ذكره الله فى كتابه بوصفه المشتق من العمى، بيان لعذره فيما واجه به رسول الله ﷺ من تكرير القول عليه، وسبب فى أحقية التلطف به والعطف عليه، وأنه جاءه يسعى، أى يمشى مع عجزه، إشارة لذلك، وللصفح عنه (١) وبيان أن عجزه هذا مما له مدخل فى العتاب، الذى جاء بأحسن ما يكون بعدم التصريح بذكر الفاعل للفعلين الماضيين (عبس وتولى) تلطفاً برسول الله ﷺ عن المفاجأة بهذا الخطاب المشعر بالشدة.\r... وذهب البعض إلى أن المقصود بالآيات شخص آخر غير النبى ﷺ، وهذا يرده ما فى الآيات من قوله تعالى: ﴿فأنت له تصدى﴾ (٢) وقوله: ﴿فأنت عنه تلهى﴾ (٣) فإن ظاهره أن هذا التصدى والتلهى من قبل من يهمه هذا الدين، فيتصدى لهذا، ويتلهى عن ذلك!","footnotes":"(١) المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى ٩/٣٩، ٤٠، وقال بنحو قولهما ذلك من الشيعة الإمامية السيد الأمين فى كتابه الأعيان، وقال بقوله: هاشم معروف الحسينى فى كتابه سيرة المصطفى ﷺ ص١٩٣ قائلاً: \"والذى أراه أن ما ذكره السيد الأمين مقبول ومعقول، ولا يتنافى مع مقام النبى ﷺ ولا مع عصمته كما ذكره السيد ﵀\" أهـ. قلت: وكفى بهذا رداً على من أنكر سبب نزول هذه الآيات ممن هو على مذهبهم. يراجع ص١٥٩.\r(٢) الآية ٦ عبس.\r(٣) الآية ١٠ عبس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555765,"book_id":1504,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":252,"body":".. والقول بأن التصدى كان لأهداف أخرى دنيوية، أو أن التصدى للدعوة كان من غيره ﷺ (١) قول ضعيف يرده ما فى الآيات من كاف الخطاب التى للتعظيم فى قوله تعالى: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ (٣) وقوله ﷿: ﴿وأما من جاءك يسعى﴾ (٤) فهل جاء مثل هذا الخطاب لغير رسول الله ﷺ؟!.\r... وهل فيمن يتصدى للدعوة أو غيرها أيام النبوة من يسعى إليه غير رسول الله ﷺ؟!.\rوقالا شارحا الشفا، الشهاب الخفاجى، وعلى القارى فى شرحيهما رداً على من قال، إن فاعل \"عبس\" هو الكافر. قال الخفاجى: \"وهو قول فى غاية الضعف، بعيد عن السياق الذى عليه المفسرون أنه النبى ﷺ\" (٥) وقال على القارى: \"وهذا التأويل مخالف لظاهر التنزيل، بل كاد فى مقام النزاع أن يكون مخالفاً للإجماع\" (٦) .","footnotes":"(١) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٣/١٦١، ١٦٢.\r(٢) الآية ٣ عبس.\r(٣) الآية ٧ عبس.\r(٤) الآية ٨ عبس.\r(٥) نسيم الرياض فى شرح شفاء القاضى عياض ٤/١٨٧.\r(٦) شرح الشفا لعلى القارى ٢/٢٩٠، ويراجع ما سبق ص١٧٩ تأكيداً لذلك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555766,"book_id":1504,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":253,"body":".. وبالجملة: ففى هذه القصة ما يشعر بأن اجتهاد رسول الله ﷺ فى حديثه مع الكافر ليستميله إلى الإيمان، رجاء أن يؤمن بإيمانه عدد ممن يتبعه، كان غير متمش مع طبيعة. الهداية الإلهية، التى عليه ﷺ أن يعرضها على الناس دون أن يبخع نفسه حرصاً على إيمانهم فجاءت الآية الكريمة تصحح هذا الاجتهاد، وتبين الطريق للدعاة إلى الله تعالى الذن يرثون دعوة رسول الله ﷺ، وتبليغ رسالته ونهجه فى إيصالها إلى جميع الناس، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وبتصحيح هذا الاجتهاد، يعود حكم اجتهاده ﷺ إلى وحى الله تعالى، وإن كان ثمَّ عتاب فهو على أمر اجتهادى وقع على خلاف الأولى، لا على ذنب، كما أن المعاتب محبور كما سبق (١) أهـ. والله أعلم.\r\r٤- وأما قوله تعالى فى قصة زيد عن حارثة رضى الله عنه: ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً﴾ (٢) .\r... إن هذه الآية الكريمة ذكر فيها كلاماً من بعض الذين تصدوا لتفسير القرآن الكريم، وتحملوا أمانة تجلية معانيه، وهو كلام لا يليق بمنصب النبوة، ولا بالعصمة، اتخذ فيما بعد منطلقاً لضجيج أهوج، وصيحات هستيرية تطعن فى السنة النبوية وأهلها من أعدائها (٣) وترمى بالنقيصة، وعدم العصمة أكمل الناس خلقاً، وأحمدهم سيرة.","footnotes":"(١) يراجع:ص١٤٧، وينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة والاجتهاد ص٢٨٦، ٢٨٧.\r(٢) الآية ٣٧ الأحزاب.\r(٣) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ١/١٩، وسيرة المصطفى ﷺ لهاشم معروف الحسينى ص٤٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555767,"book_id":1504,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":254,"body":".. من ذلك أقوال وآراء تضمنتها تفاسير الطبرى، والزمخشرى، والنسفى، ومن نحا نحوهم حول الآية الكريمة.\r... فقد ذكرت هذه التفاسير: أن نبينا ﷺ رأى زينب بنت جحش رضى الله عنها (١) وهى تحت زيد بن حارثه، على حالة جعلت قلبه يتعلق بها، ويود لو فارقها زيد فيتزوجها، وخشى أن يقول الناس، أمر ابنه بطلاق امرأته، ونكحها حين طلقها، والله أحق أن يخشاه من الناس (٢) وفى هذا طعن على نبينا ﷺ، فتح الباب لأعداء الإسلام قديماً وحديثاً من المبشرين والمستشرقين الذين أطلقوا العنان لخيالهم، وهم يتحدثون عن تاريخ رسول الله ﷺ فى هذا الموضوع، والذى اتخذوا منه دعامة للطعن فى نبوته، وعصمته ﷺ (٣) .\rوالجواب:\r... لا حجة لهم فى التعلق بظاهر الآية، ولا بالآراء التى قيلت فى تأويلها ولا سند لها بل هى باطلة لوجوه:","footnotes":"(١) هى زوج النبى ﷺ، وابنة عمة النبى ﷺ، وأول نساء رسول الله ﷺ لحقوقاً به كما أخبر ﷺ، وتوفيت سنة ٢٠هـ لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/١٢٦ – ١٢٨ رقم ٦٩٥٥، والاستيعاب ٤/١٨٤٩ رقم ٣٣٥٥، والرياض المستطابة ص٣١٤، ٣١٥.\r(٢) ينظر: جامع البيان للطبرى ٢٢/١٠، والكشاف للزمخشرى ٣/٤٢٧، ٤٢٨، والنسفى ٣/٦٧، وتفسير الجلالين ص٥٥٥، ونوادر الأصول للحكيم الترمذى ١/٧٠٤ – ٧٠٦ الأصل رقم ١٤٧، ومع المفسرين والمستشرقين فى زواج النبى ﷺ بزينب دراسة تحليلية للدكتور زاهر الألمعى ص٩ – ٢١.\r(٣) يراجع: مصادرهم السابقة ص١٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555768,"book_id":1504,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":255,"body":"الوجه الأول: أنه ليس فى الآية ما يدل على أن رسول الله ﷺ صدر منه فى هذه الواقعة مذمة، ولا عاتبه الله على شئ منه، ولا ذكر أنه عصى أو أخطأ، ولا ذكر استغفار النبى ﷺ منه، ولا أنه اعترف على نفسه مخطئاً، وأنه لو صدر عنه زلة لوجد من ذلك شئ، كما فى سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متى صدرت عنهم زلة – إن صح التعبير – أو ترك مندوب.\rالوجه الثانى: أنه ذكر فى القصة بصريح القرآن الكريم: ﴿ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له﴾ (١) ونفى الحرج عن النبى ﷺ تصريح بأنه لم يصدر منه ذنب البتة، كما أن نفى الحرج رد على من توهم من المنافقين نقصاً فى تزويجه ﷺ إمرأة زيد مولاه، ودعيه الذى كان قد تبناه (٢) .\rالوجه الثالث: أنه تعالى ذكر الحكمة والعلة من زواجه ﷺ من زينب رضى الله عنها بقوله: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها كيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطراً﴾ (٣) ولم يقل: إنى فعلت ذلك لأجل عشقك! أو نحو ذلك.\rالوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿زوجناكها﴾ ولو حصل فى ذلك سوء لكان قدحاً فى الله تعالى، وهو ما يؤكد أنه لم يصدر منه ﷺ ذنب البتة فى هذه القصة.\rالوجه الخامس: أنه لو كان ما زعموه صحيحاً، لكان قوله ﷺ لزيد كما حكى القرآن الكريم ﴿أمسك عليك زوجك﴾ نفاقاً، لأنه أظهر بلسانه خلاف ما يضمره فى نفسه! لكن الله ﷿ عصم نبيه ﷺ من ذلك.","footnotes":"(١) الآية ٣٨ الأحزاب.\r(٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/ ٤٢٢.\r(٣) جزء من الآية ٣٧ الأحزاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555769,"book_id":1504,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":256,"body":"الوجه السادس: أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى زينب للمرة الأولى، فهى بنت عمته، ولقد شاهدها منذ ولدت، وحتى أصبحت شابة، أى شاهدها مرات عديدة، فلم تكن رؤيته لها مفاجأة، كما تصور القصة الكاذبة! ولو كان رسول الله ﷺ يحمل أى ميل نحو زينب رضى الله عنها لتقدم بزواجها، وقد كان هذا أملها، وأمل أخيها حين جاء ﷺ يخطبها منه، فلما صرح لهما بزيد، أبيا، فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (١) فقالا: رضينا بأمر الله ورسوله (٢) وكانت هذه الآية توطئة وتمهيداً لما ستقرره الآيات التالية لها من حكم شرعى يجب على المؤمنين الانصياع له، وامتثاله والعمل به، وتقبله بنفس راضية، وقلب مطمئن، وتسليم كامل.","footnotes":"(١) الآية ٣٦ الأحزاب.\r(٢) فعن قتادة ﵀ قال: خطب النبى ﷺ زينب بنت عمته، وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ... الآية﴾ فرضيت وسلمت. رواه الطبرانى بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٩١، ٩٢، وهكذا قال مجاهد، ومقاتل بن حيان، وابن عباس: إنها نزلت فى زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله ﷺ لمولاه زيد بن حارثة، فامتنعت ثم أجابت. ينظر: رواية الطبرانى فى مجمع الزوائد ٩/٢٤٦، ٢٤٧، وجامع البيان للطبررى ٢٢/٩ – ١٢، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٤١٧، وشرح الزرقانى على المواهب ٧/١٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555770,"book_id":1504,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":257,"body":"الوجه السابع: أن ما أخفاه النبى ﷺ، وأبداه الله تعالى هو: أمره بزواج زينب ليبطل حكم التبنى، هذا ما صرحت به الآية، لا شئ آخر غيره، قال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً﴾ (١) .\r... فكيف يعدلون عن صريح القرآن الكريم إلى روايات لا زمام لها ولا خطام؟! (٢) وليس فى هذا الإخفاء ما يعاب عليه ﷺ أصلاً، وإلا لكان ذنباً تجب منه التوبة، وليس فى الآية الكريمة ما يشعر بشئ من ذلك.\r... وعليه فالإخفاء هو غاية العقل، وعين الكمال، لأن ذلك إنما كان سراً بينه وبين خالقه عزوجل، لم يأمره بإذاعته قبل أوانه، فكتمانه فى الحقيقة، قبل مجئ وقته هو الكمال الذى لا ينبغى غيره.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٣٧ الأحزاب.\r(٢) قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٦/٤٢٠ \"ذكر ابن جرير، وابن أبى حاتم، ها هنا أى فى تفسير قوله تعالى ﴿وتخفى فى نفسك ما الله مبديه﴾ آثاراً عن بعض السلف أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحتها فلا نوردها\" أهـ وقال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى ٨/٣٨٤ رقم ٤٧٨٧ \"ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبى حاتم، والطبرى، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغى التشاغل بها، والذى أوردته منها هو المعتمد\" والحافظ يشير إلى رواية السدى التى أخرجها ابن أبى حاتم، والتى سيأتى ذكرها قريباً فى الهامش. أهـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555771,"book_id":1504,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":258,"body":".. ويوضح هذا ويبينه ما وقع منه ﷺ فى قصة عائشة رضى الله عنها، حين أتاه جبريل ﵇، قبل أن يتزوجها بأمد بعيد، بصورتها على ثوب من حرير، وقال له: \"هذه امرأتك\"، وقد عرفها رسول ﷺ يقيناً، ولم يشك فى أنها ستكون من أزواجه الطاهرات، ومع ذلك فقد ترك هذا الأمر سراً مكتوماً بينه وبين ربه، وقال: \"إن يك هذا من عند الله يمضه\" (١) أى أنه من الله ولابد، فلأتركه إلى أن يجئ وقته الموعود، فلما جاء هذا الوقت أظهره الله تعالى، وتم ما أراد عزوجل.\rإذن ليس فى الإخفاء المذكور منقصة، ولا خيانة للوحى، كلا، بل لو أنه ﷺ كان قد أذاع هذا السر المكنون، والأمر المصون، لكان ذلك هو الخروج عن دائرة الحزم والكمال.","footnotes":"(١) قيل: التردد هنا فى: هل هى رؤيا وحى على ظاهرها وحقيقتها، أو هى رؤيا وحى لها تعبير؟ وهذا هو المعتمد فى تأويلها. ينظر: فتح البارى ٩/٨٨ رقم ٥١٢٥، والحديث فى صحيح مسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة رضى الله عنها ٨/٢١٧ رقم ٢٤٣٨، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة قبل التزويج ٩/٨٦ رقم ٥١٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555772,"book_id":1504,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":259,"body":"وهنا نصل إلى أصح المحامل فى قصة زينب رضى الله عنها، وهو: أن الله تعالى قد أعلم نبيه ﷺ أنها ستكون من أزواجه، فلما شكاها له زيد، وشاوره فى طلاقها، ومفارقتها، قال له على سبيل النصيحة والموعظة الخالصة \"أمسك عليك زوجك واتق الله\" أى واتق الله فى شكواك منها (١) واتهامك لها بسوء الخلق، والترفع عليك، لأنه شكا منها ذلك، وأخفى رسول الله ﷺ فى نفسه ما كان أعلمه الله به من أنه سيتزوجها، مما الله مبديه، ومظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لها (٢) .","footnotes":"(١) ينظر: السنن الكبرى للبيهقى ٧/١٣٨.\r(٢) فعن السدى الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبى كريمة) قال: بلغنا أن هذه الآية: ﴿وتخفى فى نفسك ما الله مبديه﴾ نزلت فى زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت الحارث عبد المطلب، عمة رسول الله ﷺ، فأراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه، ثم أعلم الله ﷿ نبيه بعد أنها من أزواجه، فكان يستحى أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقى الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيداً\" أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/٣١٣٧ رقم ١٧٦٩٦ وقد أثنى الحافظ ابن حجر فى فتح البارى ٨/٣٨٤ رقم ٤٧٨٧، على رواية السدى هذه دون غيرها من التى أخرجها ابن أبى حاتم فى تفسيره، وقال الحافظ فى رواية السدى: هى أوضح سياقاً، وأصح إسناداً، من التى اطنب الترمذى الحكيم فى تحسينها من رواية ابن أبى حاتم عن على بن زيد بن جدعان الضعيف، يقول الحافظ: وكأنه أى الحكيم الترمذى لم يقف على تفسير السدى الذى أوردته أهـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555773,"book_id":1504,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":260,"body":"ويصحح هذا قول المفسرين فى قوله تعالى بعد هذا ﴿وكان أمر الله مفعولاً﴾ (١) أى لابد لك أن تتزوجها، ويوضح هذا أيضاً أن الله ﷿ لم يبد من أمره ﷺ معها غير زواجه لها، فدل أنه الذى أخفاه ﷺ مما كان أعلمه به ربه ﷿.\rوبهذا القول: الذى تعطيه التلاوة من أن الذى أخفاه النبى ﷺ هو إعلام الله له أنها ستكون زوجة له بعد طلاقها من زيد، قال به جمهور السلف، والمحققون من أهل التفسير، والعلماء الراسخون كابن العربى والقرطبى (٢) والقاضى عياض (٣) والقسطلانى فى المواهب والزرقانى فى شرحها (٤) وغيرهم (٥) ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية وفقهها، وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع.","footnotes":"(١) أحكام القرآن لابن العربى ٣/١٥٣١.\r(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٩٠، ١٩١.\r(٣) الشفا ٢/١٩١.\r(٤) شرح الزرقانى على المواهب ٧/١٧٠.\r(٥) ينظر: روح المعانى للألوسى ٢٢/ ٢٣، ٢٤، ومحاسن التأويل للقاسمى ١٣/ ٤٨٦٤ – ٤٨٧٧، وآيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة والاجتهاد ص٢٤٣، ٢٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555774,"book_id":1504,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":261,"body":"بقى فى القصة: قوله تعالى: ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (١) فليس مرد هذه الخشية عند رسول الله ﷺ رهبة شئ يحول بينه وبين تبليغ رسالته من قريب أو بعيد، ولا يصح أن يفهم منها أنه ﷺ لم يكن يخشى الله تعالى، بدليل ما ورد فى القرآن الكريم فى أكثر من آية الشهادة له ﷺ بالخشية والخوف قال تعالى: ﴿قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ (٢) وقوله ﷿: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا﴾ (٣) وهذه الآية الكريمة تشمله ﷺ شمولاً أولياً لأنها فى صدر الحديث عنه (٤) ومن هنا فالخشية فى آية بحثنا ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ مردها إلى شدة حياءه ﷺ، فقد كان يتحرج حياء من بيان ما قد اطلعه الله عليه، مما سيؤول إليه أمر زينب رضى الله عنها، لأن الناس كانوا يعدون ذلك أمراً كبيراً، ولكن لما كان شرعاً محكماً، كان لابد من بيانه.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٣٧ الأحزاب.\r(٢) الآية ١٥ الأنعام.\r(٣) الآية ٣٩ الأحزاب.\r(٤) يراجع تفصيل ذلك ص١٣٠ – ١٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555775,"book_id":1504,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":262,"body":"أما ما ارتضاه كثير من المفسرين فى معنى الخشية بأنها: مجرد خوفه من قالة المنافقين، وطعنهم فى ذاته الكريمة بقولهم: تزوج زوجة ابنه، أى من تبناه (١) . فهذا التأويل ترده سيرته العطرة مما تعالم وعرف فى تاريخ تبليغه الرسالة على مدى مدة الإقامة فى مكة – ثلاثة عشر عاماً – وما مضى من مدة قدومه ﷺ المدينة إلى حين وقوع قصة زيد وزينب، وهى قد وقعت فى السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة، من مناهضة الكفر والشرك والوثنية، وطغيان ملأ قريش وعتوهم وفجور سفهائهم من مواقف حفظها تاريخ السيرة النبوية العطرة من صبر على البلاء، ومجابهة الأعداء فى وقائع وأحداث كثيرة تدل قطعاً على أن النبى ﷺ ما كان فى حياته المباركة يخشى أحداً غير الله تعالى، ولا يقيم وزناً لأقوال الناس فيه، وأفعالهم معه، وفى مهاجره ﷺ لقى من أعداء الإسلام اليهود والمنافقين وبقايا المشركين مالا يقل فى عنفونه وعتوه، عن فجور مشركى مكة، فلم يحفل به، ولا خشى أحداً من الناس، ولو لم يكن من صور صبره ﷺ على سفاهة السفهاء، وقالة السوء من أعدى أعداء الإسلام المنافقين واليهود إلا صبره فى قصة الإفك (٢)","footnotes":"(١) فعن عائشة رضى الله عنها قالت: لما تزوج ﷺ زينب، قالوا تزوج حليلة ابنه، فنزل: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما﴾ الآية ٤٠ الأحزاب، والحديث أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة الأحزاب ٥/٣٢٨ رقم ٣٢٠٧ وقال: حديث غريب. وينظر: فتح البارى ٨/٣٨٤ رقم ٤٧٨٧، والسيرة النبوية فى ضوء الكتاب والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ٢/٢٩٧، ٢٩٨.\r(٢) القصة أخرجها البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب ﴿لولا إذا سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين... الآية﴾ ٨/٣٠٦ رقم ٤٧٥٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب التوبة، باب حديث الإفك – ٩/١١٥ رقم٢٧٧٠من حديث عائشة رضى الله عنها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555776,"book_id":1504,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":263,"body":"وعدم المبالاة بتقول المتقولين، وافتراء المفترين، لكفاه ﷺ ذلك فى مواقف الفخر بالاعتصام بالله، وأفراده وحده بالخشية منه دون خشية أحد من خلقه.\rوالذى أرتضيه فى المراد بالخشية فى قوله تعالى: ﴿وتخشى الناس﴾ هو ما أشار إليه ابن حزم (١) فى كتابه الفصل فى الملل والنحل:\"أنه ﷺ خشى ضرر الناس، ووقوعهم فى الهلاك","footnotes":"(١) هو على بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهرى، أبو محمد، عالم الأندلس فى عصره، وأحد أئمة الإسلام، روى ابنه أبو رافع أن مصنفات والده بلغت الأربعمائة، من أشهرها: الإحكام فى أصول الأحكام، والفصل فى الملل والنحل، مات سنة ٤٥٦هـ له ترجمة فى: لسان الميزان لابن حجر ٤/٧٢٤ رقم ٥٧٨٢، والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/٩١، وتذكرة الحفاظ للذهبى ٣/١١٤٦ رقم ١٠١٦، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص٤٣٥ رقم ٩٨١، ووفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٣٢٥ رقم٤٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555777,"book_id":1504,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":264,"body":"بسبب إساءة ظنهم به، وبسط ألسنتهم فيه بالسوء\" (١) كما وقع له ﷺ، أنه كان واقفاً مرة مع زوجته صفية بنت حى بن أخطب رضى الله عنها، ليلاً، فمر عليه رجلان من أصحابه، فلما أبصراه واقفاً معها أسرعا فى المشى، فقال لهما رسول الله ﷺ، \"على رسلكما، إنها صفية بنت حى\" فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ذلك (٢) فقال النبى ﷺ: \"إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وقد خشيت (٣) أن يقذف فى قلوبكما شيئاً\" (٤) فالخشية كانت من سوء الظن، والإشاعات الكاذبة التى قد تؤثر على بعض ضعفاء الإيمان، أو تقف عقبة فى سبيل تبليغ الرسالة، فيستغلها الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهذا هو المعقول اللائق بعظيم منزلته ﷺ، وإلا فمجرد الخوف من قالة الناس، وخشية الطعن منهم، مما يجب أن ينزه عنه مقام النبوة","footnotes":"(١) الفصل فى الملل والنحل ٢/٣١٢.\r(٢) أى: عظم عليهما توضيح الرسول ﷺ لهما، لأنه ﷺ فوق الشك.\r(٣) ليس فى هذه الروايات ما يشير إلى أنه ﷺ ظن بهما سوءاً، لم تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشى عليهما أن يوسوس لهما الشيطان، ذلك لأنهما غير معصومين، فقد يفضى بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسما للمادة، وتعليماً لمن بعده إذا وقع له مثل ذلك، فهذه الخشية كانت من قبيل الرحمة والإحسان إلى المؤمنين ليحفظ ﷺ إيمانهم أهـ. ينظر: فتح البارى ٤/٣٢٨ رقم ٢٠٣٥.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد ٤/٣٢٦ رقم ٢٠٣٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رؤى خالياً بامرأة وكانت زوجته أو محرماً له أن يقول: هذه فلانة ليدفع ظن السوء به ٧/٤١١ رقم ٢١٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555778,"book_id":1504,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":265,"body":"الأسمى، فإنه أى خوف الناس، لا ينشأ إلا من حب المحمدة والثناء، والحرص على الجاه عند الناس، وحسن الأحدوثة بينهم، وهذا مما يترفع عنه آحاد الأتقياء، فضلاً عن سيد الأنبياء، وعلى ذلك فليست قصة زينب المذكورة، مسوقة مساق العتاب له ﷺ، كما توهمه المفسرون، وإنما سيقت فى الحقيقة لبيان كماله وحزمه ﷺ، وشدة شفقته على الناس، وحرصه على سلامتهم من الأذى، كما يومئ إليه قوله تعالى قبل هذه القصة ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (١) فإن إعطاء النبى ﷺ هذا المنصب العظيم، وإحلاله هذه المنزلة الرفيعة، التى جعلت رأيه فوق رأى الجميع، بحيث لا يكون لمؤمن ولا مؤمنة الخيرة فى شئ ما، بعد قضائه ورأيه ﷺ، يدل على دلالة ظاهرة على أن هذه القصة، وهى قصة زينب المذكورة، إنما ذكرت هنا كالتعليل لاستحقاقه ﷺ ما ذكر، فلابد حينئذ أن يكون\rمضمونها مدحاً له ﷺ، وتنزيهاً له عن جميع الأغراض والحظوظ النفسية، فما قيل من أنه صلى الله عليه وسلمأبصرها فتعلق قلبه بها وأخفاه، فهو قول باطل كما قال بعض العلماء، لا يلتفت إليه، وإن جل ناقلوه، فإن أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا، وكذلك لا يجدى فيه الاعتذار، بأن ميل القلب غير مقدور، فإنه هنا أيضاً مما يجب صيانة النبى ﷺ وعصمته عنه، ويرد هذا القيل: أن الله ﷾ لم يبده، أى لم يبد الميل القلبى كما زعمتم، وإنما أبدى نكاحه إياها نسخاً لما كان عليه الجاهلية من تحريم أزواج الأدعياء (٢) .","footnotes":"(١) الآية ٣٦ الأحزاب.\r(٢) الأدعياء: هم الذين ينسبون إلى غير آبائهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555779,"book_id":1504,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":266,"body":"فإن قيل: فما تصنع بقوله تعالى: ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ فإنه يدل على معاتبة النبى ﷺ، بأنه خشى الناس، ولم يخش الله الأحق بالخشية؟.\rفالجواب: بأن ظاهر الآية غير مراد، وإنما المعنى: والله أحق أن تخشاه، أى: جدير بأن تخشاه كما فعلت يا رسول الله، وذلك لأن خشية ضرر الناس، وتوقى هلاكهم على ما وقع منه ﷺ فى قصة صفية بنت حى السابقة، إنما نشأت من مراقبته لله تعالى، وقيامه بحق الرعاية التى جعلها الله تعالى له عليهم، فهو فى الواقع إنما خشى الله فى الناس، فجاء قوله ﷿: ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ تعزيزاً له ﷺ على ما فعل، وإخباراً بأن الله تعالى جدير بأن يخشاه مثلك يا رسول الله فى عباده، بأن يقيهم أسباب الضرر والهلاك، ويحرص على هدايتهم وسعادتهم فى الدارين.\rقلت: وهذا الوجه الأخير من أحسن ما تنزل عليه الآية الكريمة، لأنه اللائق بما جبل عليه رسول الله ﷺ من الرأفة والرحمة، وبما كان فى المسلمين من حدثاء الإسلام، الذين لم تتعمق جذور الإيمان فى قلوبهم بعد، فخشى رسول الله ﷺ عليهم ذلك (١) . أهـ ... ...","footnotes":"(١) ينظر: النفحات الشذية فيما يتعلق بالعصمة والسنة النبوية لمحمد الطاهر الحامدى ص٦٦ – ٦٨، وآيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة والاجتهاد ص٢٤٠ – ٢٤٧، وخواطر دينية لعبد الله الغمارى ص٤٥، ٤٦، والشفا ٢/١٨٨ – ١٩١، وعصمة الأنبياء للرازى ص١٠٠ – ١٠٤، ومحمد رسول الله لفضيلة الشيخ عرجون ٢/٤٣٨ – ٤٤١، وتنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص٥٠ – ٦٣، وعصمة الأنبياء للدكتور محمد أبو النور الحديدى ص٤٥٣ – ٤٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555780,"book_id":1504,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":267,"body":"٥- أما قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (١) ففهم البعض من هذه الآية، أن تحريمه ﷺ على نفسه ما أحله الله له ابتغاء مرضاة أزواجه، أنه ارتكب ذنباً، وبالتالى فهو غير معصوم! .\r\rقال أحمد صبحى منصور (٢) : \"إن تحريم الحلال، اعتداء على حق الله تعالى فى التشريع، والله تعالى يقول فى ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ (٣) .","footnotes":"(١) الآية الأولى التحريم.\r(٢) أحمد صبحى منصور، تخرج فى الأزهر الشريف، وحصل على العالمية فى التاريخ من الجامعة، وتبرأ من السنة النبوية، زاعماً أن السنة عمل شيطانى، ورواتها مجرمون خونة، فتبرأت منه الجامعة، سافر إلى أمريكا، وعمل مع المتنبئ رشاد خليفة، يحاضر بالجامعة الأمريكية بمصر، ومدير رواق ابن خلدون الثقافى بالمقطم، من مؤلفاته: الأنبياء فى القرآن دراسة تحليلية، والمسلم العاصى، وعذاب القبر والثعبان الأقرع، والقرآن وكفى، وغير ذلك ينظر: قصته هو ورشاد خليفة فى كتابى: مسيلمة فى مسجد توسان، والدفاع عن السنة - الجزء الأول من سلسلة الإسلام واستمرار المؤامرة، كلاهما لفضيلة الدكتور طه حبيشى.\r(٣) الآية ٨٧ المائدة، وينظر: الأنبياء فى القرآن دراسة تحليلية ص٥٣، والنص والاجتهاد لعبد الحسين شرف الدين، ص٢٩١، وحوار ومناقشة كتاب عائشة لهشام آل قطيط ص١٧٨، ١٩٠ - ١٩٢، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٩٥ - ٩٧، ١١٧، ١١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555781,"book_id":1504,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":268,"body":"وأحمد صبحى منصور فيما أطلقه فى حق رسول الله ﷺ تقول وافتراء، والنبى ﷺ منه براء، وتعليله بما علل به، تصيد لزلة من زلات أحد المفسرين الأعلام هو الزمخشرى؛ إذ قال فى تفسيره: \"كان هذا ما حرمه الرسول على نفسه من ملك اليمين أو العسل زلة منه، لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، لأن الله ﷿، إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها فى إحلاله، فإذا حرم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة\" (١) .\rقلت: وعد الزمخشرى ﵀، ظاهر التحريم فى الآية زلة لرسول الله ﷺ، وتعليله بما علل به، زلة من الزمخشرى نفسه.\rوإليك تفصيل ذلك فى الجواب:\rأولاً: قبل دفع هذه الشبهة، وما قاله الزمخشرى، وتبعه فيه خصوم السنة المطهرة، والسيرة العطرة، أذكر سبب نزول هذه الآية، حيث يوضح سبب النزول حقيقة ما حرمه رسول الله ﷺ على نفسه مما كان حلاله.\rفأقول: وردت روايات فى صحيحى البخارى ومسلم، وتفيد أن ما حرمه ﷺ على نفسه هو العسل، كذلك وردت روايات أخرى تفيد أن ما حرمه ﷺ على نفسه هو وطء جاريته مارية رضى الله عنها (٢) . فلنذكر كلا منهما، لنعرف من الموازنة بينهما أيهما أصح، ولنعرف أيضاً أيهما أكثر توافقاً وانسجاماً مع ألفاظ هذه الآية، والآيات بعدها.\rأ- حديث العسل:","footnotes":"(١) الكشاف ٤/٤٥٠.\r(٢) هى: مارية القبطية، مولاة رسول الله ﷺ، وسريته، وهى أم ولده إبراهيم ابن سيد ولد آدم ﷺ، أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية، لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٢٥٣ رقم ٧٢٧٦، والاستيعاب ٤/١٩١٢ رقم ٤٠٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555782,"book_id":1504,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":269,"body":".. روى مسلم فى صحيحه بسنده عن عائشة رضى الله عنها قالت: إن النبى ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً. قالت: فتواطئت أنا وحفصة (١) أن أيتنا ما دخل عليها النبى ﷺ، فلتقل: إنى أجد منك ريح مغافير (٢) أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له. فقال: \"بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له\" فنزل: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك﴾ ... إلى قوله: \"إن تتوبا (لعائشة وحفصة) وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثاً، لقوله: بل شربت عسلاً\" (٣) .\r... وفى رواية للبخارى: \"فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبرى بذلك أحداً\" (٤) وقد روى مسلم فى صحيحه روايتين، أحدهما السابقة، والتى تفيد أن التى سقت الرسول ﷺ العسل، زينب بنت جحش، وأن المتظاهرتين عليه هما عائشة وحفصة رضى الله عنهما.","footnotes":"(١) هى: حفصة بنت عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، وزوج النبى ﷺ، توفيت سنة ٤١هـ، وقيل غير ذلك. لها ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٨٣ رقم ٣٣٩، والرياض المستطابة ص٣١٢، وأسد الغابة ٧/٦٧ رقم ٦٨٥٢، والاستيعاب ٤/١٨١١ رقم ٣٧٩٧.\r(٢) بفتح الميم، وبغين معجمة، وفاء بعدها ياء، وأحدها مغفور وهو: صمغ حلو كالنَّاطِف، وله رائحة كريهة منكرة، ينضحه شجر يقال له: العرفط، يكون بالحجاز ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٣٣٦.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق ٥/٣٣٠ رقم ١٤٧٤.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب التفسير، باب سورة التحريم ٨/٥٢٤ رقم ٤٩١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555783,"book_id":1504,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":270,"body":".. والرواية الثانية تفيد أن التى سقته العسل هى حفصة، وأن المتظاهرات عليه من نسائه، سودة وعائشة وصفية رضى الله عنهن (١) والحديث الأول الذى فيه أن المتظاهرتين عائشة وحفصة رضى الله عنهما أرجح (٢) لما يلى:\rلأنه يتوافق مع لفظ الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ (٣) فإنه بالتثنية.\rولأنه يتفق مع الحديث الذى رواه البخارى ومسلم فى صحيحهما بسندهما عن ابن عباس رضى الله عنهما، أنه سأل عمر رضى الله عنه عن المرأتين اللتين نزلت فيهما الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ فما أتم سؤاله حتى قال عمر: هما عائشة وحفصة رضى الله عنهما (٤) .\rب- حديث مارية رضى الله عنهما:","footnotes":"(١) ينظر: صحيح مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها مع صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الطلاق، باب لم تحرم ما أحل الله لك ٩/٢٨٧ رقم ٥٢٦٨.\r(٢) وهو رأى القاضى فى إكمال المعلم بفوائد مسلم ٥/٢٩ رقم ١٤٧٤، واختاره النووى فى المنهاج شرح مسلم ٥/٣٣٤ رقم ١٤٧٤، وابن حجر فى فتح البارى ٩/٢٨٩ رقم ٥٢٦٦،وابن كثير فى تفسيره ٨/١٨٧.\r(٣) جزء من الآية ٤ التحريم.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثاً والباب الذى يليه ٨/٥٢٦، ٥٢٧ رقمى ٤٩١٤، ٤٩١٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الطلاق، باب الإيلاء واعتزال النساء ٥/٣٣٩ رقم ١٤٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555784,"book_id":1504,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":271,"body":".. عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: \"إن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة، وحفصة حتى حرمها فأنزل الله ﷿: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾ (١) .\r... وعن عمر رضى الله عنه قال: دخل رسول الله ﷺ بأم ولده مارية فى بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت له: تدخلها بيتى، ما صنعت بى هذا من بين نسائك إلا من هوانى عليك، فقال: لا تذكرى هذا لعائشة، فهى علىَّ حرام إن قربتها\"، قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهى جاريتك، فحلف لها لا يقربها، فقال النبى ﷺ، لا تذكريه لأحد، فذكرته لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه شهراً، فاعتزلهن تسعاً وعشرين ليلة: فأنزل الله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (٢) .","footnotes":"(١) الآية الأولى التحريم، والحديث أخرجه النسائى فى سننه الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب الغيرة ٥/٢٨٦ رقم ٨٩٠٧، وفى كتاب التفسير، باب سورة التحريم ٦/٤٩٥ رقم ١١٦٠٧، وسنده صحيح كما قال الحافظ فى فتح البارى ٩/٢٨٨ رقم ٥٢٦٦، والحاكم فى المستدرك ٢/٥٣٥ رقم ٣٨٢٤ وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.\r(٢) أخرجه الدارقطنى فى سننه كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ٤/٤١، ٤٢ رقم ١٢٢، قال العظيم آبادى فى التعليق المغنى ٤/٤١ فيه عبد الله بن شعيب هو أبو سعيد أخبارى علامة لكنه واه، قال الحاكم ذاهب الحديث، وكذا حاله فى لسان الميزان ٢/٤٣٩ رقم ٤٣٧٨، وأخرجه الهيثمى بن كليب فى مسنده بنحوه عن عمر بسند صحيح كما قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٨/١٨٦، وينظر: فتح البارى ٨/٥٢٥ رقم ٤٩١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555785,"book_id":1504,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":272,"body":".. وللحديث شواهد أخرى (١) بمجموعها يتبين أن للقصة أصلاً، كما قال الحافظ ابن حجر، وزاد أحسب لا كما زعم القاضى عياض أن هذه القصة لم تأت من طريق صحيح (٢) وغفل – ﵀ – عن طريق النسائى التى سلفت، فكفى بها صحة (٣) .\r... وهناك أقوال أخرى غير ما سبق فى أسباب نزول آية التحريم، ولكن ضعفها العلماء لإرسالها وشذوذها (٤) ولهذا استبعدت ذكرها.","footnotes":"(١) عن ابن عباس رضى الله عنهما أخرجه البيهقى فى سننه كتاب الخلع والطلاق، باب من قال لامرأته، أنت على حرام ٧/٣٥١، والطبرانى فى الكبير ١١/٨٦ رقم ١١١٣٠، والبزار بإسنادين رجالهما رجال الصحيح غير بشر بن آدم الأصغر وهو ثقة، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٢٦، وعن قتادة مرسلاً، أخرجه أبو داود فى المراسيل، كتاب النكاح، باب ما جاء فى الحرام ص٩٤ رقم ٢٥٤، وعن مسروق مرسلاً أخرجه سعيد بن منصور فى سننه ١/٤٣٨ رقم ٦٧٠٧، وإسناده صحيح كما قال الحافظ فى فتح البارى ٨/٥٢٥ رقم ٤٩١١، وعن زيد بن أسلم مرسلاً، أخرجه الطبرانى بسند صحيح كما قال الحافظ فى الفتح ٩/٢٨٨ رقم ٥٢٦٦.\r(٢) ينظر:إكمال المعلم بفوائد مسلم ٥/٢٩ رقم ١٤٧٤، والمنهاج شرح مسلم ٥/٣٣٥ رقم ١٤٧٤.\r(٣) تلخيص الحبير ٣/٤٤٧ رقم ١٥٩٥، وكذا قال فى الفتح ٨/٥٢٥ رقم ٤٩١١.\r(٤) ينظر: فتح البارى ٩/٢٨٩ رقم ٥٢٦٦، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٨/١٨٧، وأحكام القرآن لابن العربى ٤/١٨٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555786,"book_id":1504,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":273,"body":".. ويبقى معنا قولان: الأول: وهو تحريم العسل، والثانى: وهو تحريم مارية أما القول الأول: فهو إن كان أقوى من جهة رواية الشيخين له، ورجحه بعض الأئمة على ما سبق قريباً، إلا أن القول الثانى: أكثر موافقة لألفاظ الآيات، ومال إلى ترجيحه ابن الجوزى (١) فى تفسيره، وأسنده إلى بعض أئمة السلف والأكثرين من المفسرين، وإلى هذا الترجيح مال جمال الدين القاسمى فى تفسيره حيث قال: \"والذى يظهر لى هو ترجيح روايات تحريم الجارية فى سبب نزولها وذلك لوجوه: منها: أن مثله يبتغى به مرضاة الضرات (٢) ويهتم به لهن. ومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه (٣) .\r... ولا مانع من القول بعد كل هذا بأن الآية نزلت بعد القصتين، فاقتصر بعض الرواة على إحداهما، والبعض الأخرى على نقل الأخرى. قال الحافظ فى فتح البارى: \"وطريقة الجمع بين هذا الاختلاف، الحمل على التعدد، فلا يمتنع أن تكون الآية نزلت فى السببين معاً\" (٤) .","footnotes":"(١) هو: عبد الرحمن بن على بن محمد الجوزى القرشى البغدادى، ابو الفرج، علامة عصره فى الحديث والتاريخ، له نحو ثلاثمائة مصنف منها: زاد المسير فى التفسير، والمنتظم فى تاريخ المملوك والأمم. مات سنة ٥٩٧هـ له ترجمة فى: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/٣١، وطبقات المفسرين للداودى ١/٢٧٥ رقم ٢٦٠، وتذكرة الحفاظ للذهبى ٤/١٣٤٢ رقم ١٠٩٨، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ١/٣٩٩، والنجوم الزاهرة لابن تغرى ٦/١٧٤.\r(٢) يقصد بالضرات الزوجات، وإن كانت السرية ليست ضرة بالمعنى الشرعى، وإنما هى ضرة فى الواقع النفسى لهن.\r(٣) محاسن التأويل ١٦/٥٨٥٥.\r(٤) فتح البارى ٩/٢٨٩ رقم ٥٢٦٦، ٨/٥٢٥ رقم ٤٩١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555787,"book_id":1504,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":274,"body":".. قلت: وأياً كان السبب، فإن ما أطلقه الزمخشرى، وتابعه فيه خصوم السنة النبوية، والسيرة العطرة، فى حق النبى ﷺ تقول وافتراء، والنبى ﷺ مما أطلقوه براء، وذلك أن تحريم ما أحله الله على وجهين:\rالوجه الأول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما حرمه الله ﷿، وكلاهما محظور لا يصدر من المتسمين بسمة الإيمان، وإن صدر! سلب المؤمن حكم الإيمان.\r... والزمخشرى كلامه محمول على هذا المحمل، ومعاذ أن يعتقد رسول الله ﷺ تحريم ما أحله الله له... وما هذه من الزمخشرى إلا جراءة على الله ورسوله؛ تابعه فيها بعض أدعياء العلم على ما سبق.\rالوجه الثانى: الامتناع عما أحله الله ﷿، وهو المعنى الأصلى لمادة \"حرم\" فى اللغة (١) وقد ورد التحريم بهذا المعنى فى القرآن الكريم فى آيات منها:\rقوله تعالى: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ (٢) أى منعنا موسى المراضع، أن يرتضع منهن إلا من قِبَلِ أمه (٣) .\rوقوله ﷿: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ (٤) أى منعه من دخولها.\rوقوله سبحانه: ﴿كل الطعام كان حلاً لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ (٥) أى إلا ما امتنع عنه سيدنا يعقوب ﵇ عنه من قبل نفسه.\rوالامتناع عما أحله الله قد يكون مؤكداً باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف، وحلال محض.","footnotes":"(١) فحرمه، وتحريمه، وحرماناً، وأحرمه، أى منعه. والمحروم: الممنوع عن الحير، ومن لا ينمى له مال، ومنه الصيام إحرام، لامتناع الصائم عما يفسد صومه ينظر: معجم مقاييس اللغة ٢/٤٥، والقاموس المحيط ٤/٩٣، ومختار الصحاح ص١٣٢، والنهاية فى غريب الحديث ١/٣٥٨.\r(٢) الآية ١٢ القصص.\r(٣) جامع البيان للطبرى ٢٠/٤٠.\r(٤) الآية ٧٢ المائدة.\r(٥) الآية ٩٣ آل عمران.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555788,"book_id":1504,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":275,"body":"وعلى هذا الوجه الثانى تحمل آية التحريم، والتفسير الصحيح، والحديث الصحيح يعضده فإن النبى ﷺ فى العسل قال: \"فلن أعود له، وقد حلفت\". وفى مارية عندما قالت حفصة، كيف تحرم عليك وهى جاريتك حلف لها لا يقربها.\rفالتحريم منه ﷺ كان امتناعاً عن العسل أو مارية، وهو امتناع أكده باليمين، مع اعتقاد حله، ولذا نزلت الآيات وفيها الحث على التحلل من يمينه، والتكفير عنه، قال تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (١) وهذا المقدار مباح، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم (٢) .\rوإنما قيل له ﷺ: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (٣) رفقاً به، وشفقه عليه، وتنويهاً لقدره بحيث لا يجب له أن يضيق على نفسه فى سبيل إرضاء أى شخص، فيكون معنى الآية على هذا، وقد صدرت بندائه بوصف النبوة تشريفاً لمكانه، وتعظيماً لمقامه، يا أيها النبى لم تمنع نفسك وتحرمها من الاستمتاع بما أحله الله لك، مما لك فيه رغبة ومتعة وسرور، تبتغى بذلك مرضاة أزواجك؟ وهن أحق أن يسعين فى رضاك ليسعدن!.\rوهذا القيد ﴿تبتغى مرضاة أزواجك﴾ هو محط العتاب فى الحقيقة، وليس مجرد منعه ﷺ نفسه من المتعة بالمباح، محلاً للعتاب، لأنه ﷺ كثيراً ما منع نفسه من بعض المباحات، التى ينعم بها الناس، ولاسيما فى مجال المتعة الجسدية، زهداً فى الدنيا وبعداً عنها، ولم يحظر عليه ذلك، ولم يعاتبه الله تعالى على شئ من ذلك كله.","footnotes":"(١) اٍلآية ٢ التحريم.\r(٢) يراجع ما سبق ص ١٢٧، ١٤٧.\r(٣) جزء من الآية الأولى التحريم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555789,"book_id":1504,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":276,"body":"إذن فى قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك﴾ منَّة وتعظيم من الله ﷿ لرسوله ﷺ برفع الحرج عليه، فى الامتناع عن شئ ليرضى أزواجه، إذ هنَّ وسائر المؤمنين أحق أن يسعوا فى مرضاته ليسعدن، قال تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾ (١) .\rفتأمل كيف أن صلاته ﷺ مأمورا بها ليرضى هو، لا ليكفر الله عنه سيئاته، ولا ليرضى عليه، وحينئذ فلا كلفة عليه فيها، لأن فيها شهوده لربه الذى هو قرة عينه، كما قال ﷺ: \"وجعلت قرة عينى فى الصلاة\" (٢) فانظر: إلى هذا الخطاب اللطيف المشعر بأنه ﷺ حبيب رب العالمين، وأفضل الخلق أجمعين، حيث قال له ربه: ﴿لعلك ترضى﴾ ولم يقل: لعلى أرضى عنك، ونحو ذلك (٣) .","footnotes":"(١) الآية ١٣٠ طه.\r(٢) أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب عشرة النساء، باب حب النساء ٧/٦١ رقم ٣٩٣٩، وأحمد فى مسنده ٣/١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥، والحاكم فى المستدرك ٢/١٧٤ رقم ٢٦٧٦ وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وعزاه العراقى فى تخريج الإحياء ٢/٣٥ إلى النسائى والحاكم وقال: إسناده جيد، وأخرجه البيهقى فى سننه الكبرى ٧/٨٧.\r(٣) ينظر: دلالة القرآن المبين على أن النبى ﷺ أفضل العالمين لعبد الله الغمارى ص٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555790,"book_id":1504,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":277,"body":"ومن هنا جعل رب العزة رضاه عن خلقه، مقترناً برضا حبيبه ومصطفاه ﷺ عنهم، حيث أتبع رضا نبيه لرضاه سبحانه مباشرة، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسول أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين﴾ (١) فوحد ﷿ الضمير فى \"يرضوه\" مع أن الظاهر بعد العطف بالواو التثنية؛ لأن إرضاء الرسول ﷺ لا ينفك عن إرضاء الله تعالى، كما قال ﷿: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٢) فلتلازمهما جعلاً كشئ واحد، فعاد إليهما الضمير المفرد (٣) وإذا كان الله تعالى قد جعل إرضاء رسوله ﷺ إرضاءً له، وطاعته طاعة له، فذلك دليل على كمال رضاه عنه فى الدنيا قبل الآخرة، وليس أدل على ذلك من مسارعة ربه لمرضاته ﷺ كما قال: ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٥) .\rفتأمل هذا الخطاب، وقارنه بخطاب موسى ﵇ لربه ﴿وعجلت إليك ربى لترضى﴾ (٦) .","footnotes":"(١) الآية ٦٢ التوبة.\r(٢) الآية ٨٠ النساء.\r(٣) روح المعانى للألوسى ١٠/١٢٨.\r(٤) جزء من الآية ١٤٤ البقرة.\r(٥) الآية ٥ الضحى.\r(٦) الآية ٨٤ طه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555791,"book_id":1504,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":278,"body":"وهذه المسارعة فى مرضاته ﷺ لاحظتها أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، لما أنزل الله تعالى: ﴿ترجى (١) من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ (٢) قال عائشة قلت: \"ما أرى ربك إلا يسارع فى هواك\" (٣) أى ما أرى الله إلا موجوداً لما تريد بلا تأخير، منزلاً لما تحب وتختار وترضى (٤) وإنما جاء التعبير بالهوى هنا، بدافع الغيرة، وحاشاها رضى الله عنها أن تعنى حقيقة اللفظ!.","footnotes":"(١) حاصل ما نقل فى تأويل \"ترجى\" أقوال: أحدها تُطَلِق وتُمْسِك، ثانيها: تعتزل من شئت منهن بغير طلاق، وتقسم لغيرها؛ ثالثها: تقبل من شئت من الواهبات، وترد من شئت والحديث يؤيد هذا الأخير، والذى قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة، وظاهر ما حكته عائشة رضى الله عنها من استئذانه أنه لم يرج أحداً منهن، بمعنى أنه لم يعتزل، وهو قول الزهرى: \"ما أعلم أنه أرجأ أحداً من نسائه\" وعن قتادة: \"أطلق له أن يقسم كيف شاء، فلم يقسم إلا السوية\" ينظر: فتح البارى ٨/٣٨٦ رقم ٤٧٨٨.\r(٢) الآية ٥١ الأحزاب.\r(٣) بداية الحديث، قالت عائشة: كنت أغار على اللاتى وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿ترجى من تشاء منهن﴾ ...الآية\" والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب ترجى من تشاء منهن... ٨/٣٨٥ رقم ٤٧٨٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها ٥/٣٠٥ رقم ١٤٦٤.\r(٤) ينظر: فتح البارى ٨/٣٨٦ رقم ٤٧٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555792,"book_id":1504,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":279,"body":"وبعد: أليس فيما سبق تأكيد لما فى آية التحريم من منَّة وتكريم وتعظيم لرسول الله ﷺ، وشفقة عليه، ورفقاً به، بحيث لا يجب عليه أن يمتنع عن شئ مباح له من أجل مرضاة أزواجه، إذ هن وسائر الأمة كافة أحق أن يسعوا فى مرضاته ليسعدن فى الدنيا والآخرة؟! وإذا افترض أن فى الآية إنكاراً عليه، ودليل على أنه صدر منه ذنب – عصمه الله من ذلك - فقوله تعالى فى ختام الآية ﴿والله غفور رحيم﴾ يدل على حصول الغفران، وبعد حصول الغفران، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه!.\rبمعنى: أنه يمتنع أن يقال أن قوله ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ دليل على كون الرسول مذنباً! وإذا صح أن فى الآية عتاب، فهو وارد بأحسن ما يكون العتاب من تعظيم المولى ﷿ لنبيه ﷺ، حيث ناداه وخاطبه فى هذا المقام بوصف النبوة فى أكثر من موطن فى القصة بدأً من أولها، قال تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا﴾ (٢) ولكن أنى يكون العتاب؟ وأنى يصح افتراضه، مع ما ورد فى القصة من قوله ﷿: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ (٣) إن فى الآية بيان لمن أذنب، ولمن يستحق العتاب والتأديب، من نسائه اللائى تظاهرن عليه ﷺ، وأفشين سره، إنهن بالتظاهر، وإفشاء السر، آذين رسول الله ﷺ، والتوبة من ذلك واجبة فى حقهن، لأن قلوبهن قد مالت عن الحق، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود رضى الله عنه ﴿زاغت قلوبكما﴾ (٤) وعلى هذا فإن قوله ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ ليس جواب الشرط، وإنما هو دليله وتعليله.","footnotes":"(١) الآية الأولى التحريم.\r(٢) الآية ٣ التحريم.\r(٣) الآية ٤ التحريم.\r(٤) روح المعانى ٢٨/ ١٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555793,"book_id":1504,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":280,"body":"والمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله، وترجعا عن مغاضبة رسول الله ﷺ، وإيذائه بالتظاهر عليه، وإفشاء سره، فالتوبة حق واجب عليكما، لأن قلوبكما قد زاغت ومالت عن الحق فى مغاضبة رسول الله ﷺ وإيذائه.\rويمكن أن تحمل الآية على فهم آخر، يأتى من حمل قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ على معنى أنها مالت إلى الحق، وهو ما وجب من مجانبة ما يسخط رسول الله (١) وندمت على ما كان منها، من مغاضبة النبى ﷺ، وإيذائه.\rوالمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله، وترجعا عن مغاضبة النبى ﷺ، وتندماً على ما كان منكما، فقد مالت قلوبكما إلى الحق، ومصالحة النبى ﷺ ومرضاته، وأن ما كان منكما من مغاضبة، وإيذاء لم يكن صادراً عن قلوبكما، وإنما هو فورة غضب، ونار غيرة.\rويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ (٢) أى إن استمررتما على المغاضبة، والإيذاء، وتعاونتما عليه ﷺ، فإن الله ناصره بقوته القاهرة، وخواص ملائكته، وعامتهم، وصالح المؤمنين، وهذا كالمقابل لقوله: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ ٠","footnotes":"(١) محاسن التأويل ١٦/٥٨٦٣.\r(٢) جزء من الآية ٤ التحريم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555794,"book_id":1504,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":281,"body":"ثم تلطف الله تعالى بنبيه ﷺ إظهاراً لحفاوته به، وإعلاء لمقامه، بما زاد فى تأديب الزوجات الطاهرات، متمشياً مع أسلوب الزجر والتهديد فقال: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً﴾ (١) أى جامعات للكمال فى إسعاده ﷺ حساً ومعنى، فلا يعصين له أمراً، ولا يخالفن له نهياً، يعملن على إسعاده، وإدخال السرور عليه، بما يفرغ قلبه من حمل أثقال الزوجية إلى القيام بواجبه الأعظم، وهو تبليغ رسالته، وتعليم أمته، وإعطاؤها الأسوة الحسنة به، لتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس (٢) .\rوكل ما سبق تأكيد على أن قوله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ليس إنكاراً عليه، ولا عتاباً له على ذنب، بل تكريمه وتعظيمه على نحو ما سبق فى قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٣) ونحو ما يقول الإنسان منا لعزيز عليه، ضيق على نفسه فى شئ، والله حرام عليك فعل كذا، والمراد: إظهار مكانته، وفضله، وشرفه، إذ كيف يفعل هذا الأمر الذى فيه مشقة عليه، مع عظم مكانته، والمراد \"حرام عليك ظلم نفسك\" وليس المراد تأثيم المخاطب المعظم بنحو هذه العبارة، وهذا غاية ما يمكن أن يدعى فى قوله ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ أن تكون دالة على أنه ﷺ ترك الأولى والأفضل بالنسبة لمقامه العظيم، وترك الأولى فى المباح ليس بذنب فى حقه ﷺ.","footnotes":"(١) الآية ٥ التحريم.\r(٢) ينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة والاجتهاد للدكتور عويد المطرفى ص٢٦٣ – ٢٧٩.\r(٣) الآية ٤٣ التوبة، ويراجع ص١٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555795,"book_id":1504,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":282,"body":"وبعد: فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل رتبته ﷺ، وتعظيم قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره، ما يقضى بأنه جمع أقصى درجات التكريم، ويكفى أن تجد هذا التصريح بعظيم مكانته وفضله عند ربه ﷿ فى الدنيا والآخرة، حتى فى الآيات المتشابهات التى استدل بها أعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة، والسيرة العطرة، على نحو ما سبق تفصيله فى هذا المبحث الذى وصلنا إلى نهايته الآن، وسوف أنتقل بإذن الله تعالى، إلى شبهاتهم على عدم عصمته فى عقله من السنة المطهرة والرد عليها فى المبحث التالى، فإلى بيان ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555796,"book_id":1504,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":283,"body":"المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية على عدم عصمة النبى ﷺ\rفى عقله وبدنه والرد عليها\r... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:\rالمطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث \"شق صدره ﷺ\" والرد عليها.\rالمطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث \"فترة الوحي\" والرد عليها.\rالمطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" والرد عليها.\rالمطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"سحر رسول الله ﷺ\" والرد عليها.\rالمطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث \"أَهَجَرَ\" والرد عليها.\r\rتمهيد\r... بعد أن تحايل أعداء الإسلام، وأعداء السنة والسيرة العطرة، على بعض آيات من القرآن الكريم، ليحوروا معانيها، ويستدلوا بهذا التحوير على عدم عصمة سيدنا رسول الله ﷺ فى قلبه، وعقيدته، وخلقه، تجدهم هنا باسم السنة ونصوصها يستشهدون بها أيضاً على إنكار حجتها، وإنكار مصدريتها التشريعية، فى تحديد شخصية وسيرة رسول الله ﷺ، بزعم أن فيها أحاديث صحيحة يفيد ظاهرها - فى نظرهم - عدم عصمته ﷺ ويشوه سيرته، وهذا رأى الشيعة ممن تغالوا فى فهم العصمة.\r... وفريق آخر يشترك مع سابقه فى إنكار حجية السنة، وإنكار مصدريتها التشريعية فى فهم سيرة رسول الله ﷺ، إلا أنه فى نفس الوقت يستشهد من ظاهر نصوص السنة والسيرة ما يفيده فى زعمه ودعواه بعدم عصمته ﷺ فى قلبه وعقيدته.\r... وهكذا عكس المشاغبون القضية، ونظروا فى السنة المطهرة والسيرة العطرة فما وافق دعواهم منها قبلوه، واعترضوا به على منازعيهم، واحتجوا به مع وضعه أو ضعف دلالته على ما يزعمون.\r... وهذا العمل مع جهالته، أخطر منطق عكسى فى التدليل على فساد الشئ بمادته، نصاً وأسلوباً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555797,"book_id":1504,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":284,"body":".. لأنه إذا كان من الخطأ والخطر قبول الأحاديث الباطلة والموضوعة، وعزوها إلى رسول الله ﷺ، فمثله فى البطلان رد الأحاديث الصحيحة الثابتة، بالهوى، والعجب، والتعالم على الله ورسوله، وسوء الظن بالأمة، وعلمائها، وأئمتها، فى أفضل أجيالها وخير قرونها.\r... إن قبول الأحاديث المكذوبة يدخل فى الدين، وفى سيرة رسول الله ﷺ ما ليس منها.\r... أما رد الأحاديث الصحيحة، فيخرج من الدين، ومن سيرة النبى ﷺ ما هو منها. ولا ريب أن كليهما مرفوض مذموم، قبول الباطل، ورد الحق.\r... ولأعداء الإسلام، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، شبهات على عدم عصمة رسول الله ﷺ فى قلبه وعقيدته، بنوها على أحاديث مكذوبة، وضعيفة، وأخرى صحيحة مع ضعف دلالتها على ما احتجوا به.\r... وسوف أذكر تلك الشبهات مع الرد عليها فى المطالب التالية، فإلى بيان ذلك، سائلاً المولى ﷿ التوفيق والسداد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555798,"book_id":1504,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":285,"body":"المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث \"شق صدره ﷺ\"\rوالرد عليها\r... يذهب أعداء الإسلام من المستشرقين، وأذيالهم من أعداء السنة المطهرة إلى إنكار الشق الحسى لصدر رسول الله ﷺ (١) فبعض المستشرقين مثل \"نيكولوسون\" يرجعه إلى حالة عصبية كانت تنتابه ﷺ فى فترات متقطعة (٢) بينما تجد \"موير\" يوافقه ويزيد عليه أنها لم تؤثر فى شخصيته، معللاً ذلك بحسن تكوينه وسلامة أعضائه، ونجد أن \"شبرنجر\" يؤيدهما أيضاً ويتلمس مخرجاً لظهور هذه الحالة عنده، فيعللها بأنها موروثة له عن أمه بسبب الرؤيا التى كانت تراه أثناء حمله... وما هى إلى من قبيل الخرافات (٣) وهو يقصد أن أمه آمنة كانت مصابة بداء الصرع، يدلنا على وجوده عندها تلك الرؤيا المتكررة لها أثناء حملها له، وليس لها نصيب من الحق، وقد ورث هذا الصرع منها.\r... أما \"درمنغم\" فإنه يعزو شرح الصدر إلى أمر معنوى يشير إلى مغزى فلسفى نبهت إليه سورة \"الشرح\" فيقول: \"إنها نشأت من قول الله تعالى ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٤) وأن هذه العملية أمر باطنى قام على تطهير ذلك القلب وتوسيعه ليتلقى رسالة الله عن حسن نية، ويبلغها بإخلاص تام، ويحتمل عبئها الثقيل، وأن أسطورة شق الصدر ذات مغزى فلسفى لما تشير إليه تلك الدرنة السوداء من الخطيئة الأولى التى لم يعف منها غير مريم وعيسى، ولما يدل عليه تطهير القلب من معنى الورع الصوفى\" (٥) .\r... وقد تأثر بهذا الفكر الاستشراقى أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة من القرآنيين، والرافضة.","footnotes":"(١) سبق ذكر الروايات فى ذلك وتخريجها ص٦٤ - ٦٨.\r(٢) تاريخ أدب العرب ص١٤٧، ١٤٨.\r(٣) دائرة المعارف ٢/٦٣٠ مادة آمنة. وينظر: الاستشراق فى السيرة لعبد الله النعيم ص٣٩، ٦٠، والرسول فى كتابات المستشرقين لنذير حمدان ص١١٢، ١٣٤، ومقالة فى الإسلام لجرجس سال ص٤٩، ومحمد رسول الله لآتيين دينيه ص٨٥، والظاهرة القرآنية لمالك بن نبى ص٧٦.\r(٤) الآية الأولى الشرح.\r(٥) حياة محمد لدر منغم ص٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555799,"book_id":1504,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":286,"body":".. يقول محمود أبو ريه (١) مصرحاً بهذا التأثير قائلاً: \"من شاء أن يستزيد من معرفة الإسرائيليات، والمسيحيات وغيرها فى الدين الإسلامى، فليرجع إلى كتب التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المستشرقين أمثال جلدتسيهر\" وفون كريمر وغيرهما، فقد نقلت فيهما من هذه الإسرائيليات والمسيحيات أشياء كثيرة\" (٢) .\r... ويقول طاعناً فى حديث شق الصدر قائلاً: \"إن حديث شق الصدر يأتى مؤيداً لحديث البخارى: \"ما من بنى آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان، غير مريم وابنها، ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم ﴿وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ (٣) .","footnotes":"(١) محمود أبو ريه: كاتب مصرى كان منتسباً إلى الأزهر فى صدر شبابه، فلما انتقل إلى مرحلة الثانوية الأزهرية أعياه أن ينجح فيها، اكثر من مرة، فعمل مصححاً للأخطاء المطبعية بجريدة فى بلده، ثم موظفاً فى دائرة البلدية حتى أحيل إلى التقاعد، من مصنفاته التى طعن فيها فى السنة المطهرة والسيرة الواردة فيها. أضواء على السنة، وقصة الحديث المحمدى، وشيخ المضيرة (أبو هريرة) ينظر: السنة ومكانتها فى التشريع للدكتور السباعى ص٤٦٦.\r(٢) أضواء على السنة المحمدية ص١٩١.\r(٣) الآية ٣٦ آل عمران والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى واذكر فى الكتاب مريم ٦/٥٤١ رقم ٣٤٣١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇ ٨/١٣١ رقم ٢٣٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555800,"book_id":1504,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":287,"body":".. ويقول: \"وبذلك لم يسلم من طعن الشيطان أحد غيرهما من بنى آدم أجمعين، حتى الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم، وخاتمهم محمد ﷺ فانظر واعجب! ولم يقفوا عند ذلك بل كان من رواياتهم أن النبى ﷺ لم ينج من نخسة الشيطان إلا بعد أن نقذت الطعنة إلى قلبه، وكان ذلك بعملية جراحية تولتها الملائكة بآلات جراحية مصنوعة من الذهب! ونصت هذه الروايات أن صدره صلوات الله عليه قد شق وأخرجت منه العلقة السوداء! وحظ الشيطان كما يقولون، وكأن هذه العملية لم تنجح فأعيد شق صدره... وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح ﵇، وإنما ذكروا ذلك لكى يغفر الله خطيئة آدم التى احتملها هو وذريته من بعده إلى يوم القيامة، وأصبحت فى أعناقهم جميعاً، وتنص العقيدة المسيحية أنه لا يظفر بهذا الغفران إلا من يؤمن بعقيدة الصلب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555801,"book_id":1504,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":288,"body":".. ولئن قال المسلمون لإخوانهم المسيحيين: ولم لا يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية التى أزهقت فيها روح طاهرة بريئة، هى روح عيسى ﵇ بغير ذنب؟ قيل لهم: ولم لم يخلق الله قلب رسوله الذى اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه من الأنبياء والمرسلين – نقياً من العلقة السوداء، وحظ الشيطان بغير هذه العملية الجراحية التى تمزق فيها صدره وقلبه مراراً عديدة! \" (١) ومما يؤسف له تأثر بعض كتاب المسلمين بهذا الفكر الاستشراقى ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل (٢) حيث يقول فى كتابه حياة محمد: \"لا يطمئن المستشرقون، ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه، ويرونها ضعيفة السند، فالذى رأى الرجلين فى رواية كُتَّاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلاً، وكذلك كانت سن محمد يومئذ\" (٣) .","footnotes":"(١) أضواء على السنة ص١٨٥ – ١٨٧ وقال بقوله السيد صالح أبو بكر فى الأضواء القرآنية ٢/٣٣، ١٣٣، وينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين ص٤٥٥، ودفع الشبهات عن الشيخ الغزالى لأحمد حجازى السقا ص١١٧، والبيان القرآن لمصطفى كمال المهدوى ٢/٦٣٧، ٦٥١، وتبصير الأمة بحقيقة السنة لإسماعيل منصور ص٧٠٥، والصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٢/٨٣ – ٩٠، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٢٤٨.\r(٢) محمد حسين هيكل: كاتب مصرى. من رواد المدرسة العقلية الحديثة، تأثر فيما كتب عن السنة وسيرة النبى ﷺ بالمستشرقين. من مؤلفاته: حياة محمد.\r(٣) حياة محمد ص١٠٤ وينظر: تفسير محمد عبده ٣/٢٩١، ٢٩٢، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا ٣/٢٩٢، ومجلة المنار المجلد ١٠/١٦٦، والمجلد ١٩/٥٣١، ٥٣٢، وفقه السيرة ص٦٥، والسنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص١١٨ كلاهما للشيخ محمد الغزالى، والنبى محمد ﷺ لعبد الكريم الخطيب ص١٩٤ – ١٩٧، وأسئلة حرجه لعبد الرازق نوفل ص١٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555802,"book_id":1504,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":289,"body":"ويجاب عن الشبهات السابقة بما يلى:\rأولاً: رواية شق صدر رسول الله ﷺ ثابتة صحيحة رويت فى مصادر عدة بطرق صحيحة لا يسع العقل المدرك إنكارها.\rثانياً: المستشرقون ومن تابعهم فى إنكارهم لشق الصدر لا يستندون إلى علم أو منطق سليم. وإليك التفصيل.\r... أما مستند إنكار \"موير\" و\"نيكولسون\" و\"شبرنجر\" فيكمن فى: أن ما حدث لرسول الله ﷺ إنما كان ضرباً من نوبات الصرع التى كانت تتعاوده بين الحين والحين، وهو ما زعموه أيضاً فى حالات نزول الوحي عليه (١) بهدف إنكار نبوته! لكن المتأمل فى معجزة شق الصدر يجد أن هناك بوناً شاسعاً بينه وبين الصرع، فإن نوبة الصرع لا تذر عند من تصيبه أى ذكر لما مر به أثناءها، بل هو ينسى هذه الفترة من حياته بعد إفاقته من نوبته نسياناً تاماً، ولا يذكر شيئاً مما صنع أو حل به خلالها، ذلك أن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام التعطيل.\r... هذه أعراض الصرع كما يثبتها العلم، ولم يكن ذلك ليصيب رسول الله ﷺ، بل كانت تنتبه حواسه المدركة فى تلك الأثناء تنبهاً لا عهد للناس به، وكان يذكر كل ما يطرأ عليه بدقة فائقة، بدليل قوله ﷺ لما سئل عن كيفية إتيانه الوحي قال: أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على، فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال...\" (٢) .","footnotes":"(١) سيأتى إن شاء الله تعالى الجواب عن ذلك فى الباب الثانى ينظر: ص٢٨٩.\r(٢) سبق تخريجه ص٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555803,"book_id":1504,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":290,"body":".. هذا بالإضافة إلى أن قصة شق صدره الشريف تحدث به الأطفال الذين كانوا فى صحبته إبان حدوثها، ومن البعيد، بل ومن المستحيل أن يتفق الأطفال على اختراع حادثة لا أساس لها، وذلك لطهرهم وصفاء سريرتهم ونقائها على أن رسول الله ﷺ تحدث بها أيضاً بعد الرسالة على ما جاء فى رواية مسلم عن أنس بن مالك، وتصريحه بأنه كان يرى أثر المخيط فى صدره ﷺ!.\r... وكذلك جاء التصريح بقصة شق الصدر صريحاً على لسان رسول الله ﷺ على ما جاء فى رواية عبد الله بن أحمد عن أبى هريرة رضى الله عنه، وكذلك جاء التصريح بالشق ليلة الإسراء والمعراج على ما جاء فى الصحيحين عن أبى ذر رضى الله عنه.\r... أما ما زعمه \"موير\" من عدم تأثير النوبة فيه لحسن تكوينه فإنه دس خبيث، وطعن مردود، مؤداه إنكار شق صدره لإنكار نبوته، متذرعاً بما هو مقرر عند المسلمين من كمال هيئته وحسن تكوينه ﷺ، وليس فى الروايات ما يساعد على زعمه وافتراءاته.\r... إذ كيف يجتمع حسن التكوين، وحدوث الصرع؟ إنها قضية من المضحكات المبكيات على عقله الكليل المتناقض!.\r... وأما ما زعمه \"شبرنجر\" من أن رسول الله ﷺ كانت له حالات عصبية تنتابه، وأنه ورثها عن أمه بسبب الرؤيا التى كانت تراها أثناء حمله، وما هى إلا من قبيل الخرافات! يكذبه ما سبق من أن أعراض الصرع ما كان ليصيب رسول الله ﷺ منها شئ.\r... وحمله سبب الصرع، على رؤيا آمنة يكذبه أيضاً ما ثبت فى الصحيح من تأكيده ﷺ لرؤيا أمه، فى قوله ﷺ: \"إنى عبد الله وخاتم النبيين وأبى منجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى آمنة التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين...\" (١) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555804,"book_id":1504,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":291,"body":".. وإذا كان \"شبرنجر\" يعتبر رؤيا أم رسول الله ﷺ، من قبيل الخرافات، فهل يعتبر أيضاً رؤيا أم موسى من قبيل الخرافات؟ والواردة فى قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ (١) .\r... إن أم رسول الله ﷺ آمنة، كان من أعقل الناس، وأصحهم بدناً، ومن زعم خلاف ذلك من المستشرقين فعليه الدليل، ولا دليل! لأن الحق المؤيد بالأدلة القاطعة. أن أم رسول الله ﷺ كانت مؤمنة بعصمة ابنها (محمد بن عبد الله ﷺ من الشيطان، وأنه سيكون له شأن، وكان هذا بناءاً على أمارات تحدثت بها لحليمة السعدية عندما تخوفت على رسول الله ﷺ لما بلغها قصة شق صدره الشريف مع الغلمان.\r... قالت لها: \"أفتخوفت عليه الشيطان؟ قالت حليمة: قلت نعم، قالت آمنة: كلا! والله ما للشيطان عليه من سبيل (٢) وإن لابنى شأناً! أفلا أخبرك خبره، قالت: قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج منى نور أضاء لى به قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف، ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته، وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك، وانطلقى راشدة\" (٣) .","footnotes":"(١) الآية ٧ القصص، وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٢٣٢.\r(٢) وفى دلائل النبوة لأبى نعيم بلفظ \"لا تخافى هذا، فإن ابنى هذا معصوم من الشيطان\" أهـ.\r(٣) لفظ ابن إسحاق فى (السيرة النبوية لابن هشام) من حديث حليمة بنت الحارث السعدية. وقد سبق تخريجه ص٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555805,"book_id":1504,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":292,"body":".. أما ما ادعاه \"درمنغم\" من أن قصة شق الصدر لا تستند إلا إلى الآية الكريمة وأنه عمل روحى خالص، فإن الدليل ليس هو الآية فقط، وإنما الدليل على وقوع شق الصدر على جهة الحس، إنما هو الروايات المتواترة والمتكاثرة، التى ذخرت بها كتب السنة كما أسلفنا، وحسبك بمصدرها أحد الصحيحين (مسلم) فلا سبيل إلى التشكيك فى وقوع القصة بعدها، وخاصة أنها جاءت مؤكدة ومفسرة للآية الكريمة ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (١) .\r... وإن كانت دعوى المفكرين من المستشرقين، ومن لف لفهم من المسلمين، بأن حياة الرسول ﷺ حياة إنسانية رفيعة، فلا معنى لمثل هذا الحادث بالنسبة له!! فإننا نقول لهم: إن الحياة الإنسانية الرفيعة لا تتعارض والمعجزات الحسية للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولماذا ينكر هذا على سيد ولد آدم، ولا ينكر على غيره ممن سبقه من الأنبياء ممن ظهرت على أيديهم خوارق العادات كموسى وعيسى ﵉، ولم يقل أحد من أهل العلم إن ذلك كان مجافياً لحياتهما الإنسانية الرفيعة؟.\r... وقصة شق الصدر لا تخالف العقل أيضاً من جهة كونها تمت دون إراقة دم، والتأمت دون آلات طبية، فإن العلم الحديث يؤيد ذلك ويصدقه، فقد اخترعت آلات للجراحة تجعل الجرح يلتئم بدون سيلان دم من جسم المريض، كما وجد بعض الأودية تمنع سيلان الدم بمجرد بثها على الجرح، والطبيب لا يدعى أنه يفعل الأشياء الخارقة، وإنما يعتقد أن ذلك قد تم بعلم مدروس له قواعده وأصوله. كيف وقد تم زرع بعض الأجسام المنقولة من ميت أو صحيح إلى آخر مريض، ويزاول حياته الطبيعية بعد أن برأ وعافاه الله وزال عنه المرض؟ وإذا جاز ذلك فى حق البشر وهو من جملة ما خلق الله ﷿، أيستبعد ذلك على الخالق ﷻ؟.","footnotes":"(١) الآية الأولى الشرح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555806,"book_id":1504,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":293,"body":".. أما ما ادعاه الدكتور هيكل وغيره: بأن قصة شق الصدر ضعيفة السند، ولم يقم عليها دليل قطعى من الكتاب أو السنة (١) أو أن هذه القصة مأخوذة عن أهل الجاهلية، ومفتعلة ومختلقة (٢) .\r... فهو نقد هزيل، لأنه نقد عام دون بيان الضعف من جهة السند، كيف وقد وردت قصة شق الصدر فى صحيح مسلم وغيره من كتب السنة كما بينا (٣) حتى قال الحافظ فى الفتح عن شق الصدر ليلة الإسراء إنه تواترت الروايات به (٤) .","footnotes":"(١) على حد قول عبد الكريم الخطيب فى كتابه النبى محمد ﷺ ص١٩٦، وينظر: سيرة المصطفى ﷺ لهاشم معروف الحسينى ص٤٥.\r(٢) على حد زعم الشيعى جعفر مرتضى العاملى فى كتابه الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٨٩.\r(٣) راجع إن شئت ص٦٤ – ٦٨.\r(٤) فتح البارى ٧/٢٤٤ رقم ٣٨٨٧. وينظر: الأزهار المتناثرة فى الأخبار المتواترة للسيوطى ص٦٤ رقم ٩٤، ونظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتانى ص١٣٣ رقم ٢٦١، وإتحاف ذوى الفضائل المشتهرة بما وقع من الزيادات فى نظم المتناثر لعبد العزيز الغمارى ص٢٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555807,"book_id":1504,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":294,"body":".. وهؤلاء الطاعنون بذلك أدخلوا أنفسهم فى ميدان هم ليسوا من فرسانه فحالفهم الخطأ، وخالفهم الصواب، لأن رواية قصة شق الصدر – كما عرفت آنفاً – رواها أئمة الحديث، وجهابذته العارفون بكل دقائقه، وما يتصل به من تمحيص المرويات، ودراسة أحوال رجالها، وما يتصل بذلك من قواعد علم الجرح والتعديل وغيرها. وأهل كل فن هم أعلم به من غيرهم! وقد ثبت صحة هذه القصة سنداً ومتناً، وأنها خالية من كل مطعن حسب قواعد علم الحديث وأصوله، مما يضطر العقل إلى قبولها والتسليم بها، وأحاديث شق الصدر رواها الخلف عن السلف فى كل الطبقات منذ حدوثها إلى الآن، وهذا هو المعول عليه فى قبول الحديث أو رده (١) وليس اتباع الهوى والغرض دون دليل أو برهان، وإذا ثبت ذلك فاعلم أنه لا يشذ عن الإقرار بحدوثها إلا كل مكابر يجافى الحق وأهله، وطرائق البحث الجاد المستقيم فى صادق الأخبار.\r... أما قول الدكتور هيكل: إن الذى رأى الرجلين فى رواية كتاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلاً، وكذلك كانت سن محمد يومئذ.","footnotes":"(١) وليس الاعتماد على رواية ابن إسحاق فى السيرة النبوية، ووصفه بأنه حديث مضطرب السند، لا يؤخذ به، كما قال عبد الكريم الخطيب فى كتابه النبى محمد ص١٩٦؛ ومع ذلك فليست رواية ابن إسحاق التى اعتمد عليها عبد الكريم الخطيب مضطربة السند كما يزعم. فقد ساق ابن كثير فى تاريخه البداية والنهاية ٢/٢٥٦: إحدى روايات ابن إسحاق، وهى فى السيرة النبوية لابن هشام ١/٢١٥ رقم ١٦٢، وقال معقباً عليها \"وهذا إسناد جيد قوى\". وينظر اعتماد جعفر مرتضى العاملى فى كتابه الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٨٩، ٩٠ على رواية الأصفهانى فى كتابه الأغانى ٣/١٨٨ – ١٩٠ فى رده قصة شق الصدر!.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555808,"book_id":1504,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":295,"body":".. فهو ادعاء ينقصه الدليل، والأرجح والأصح عند العلماء أنها كانت بعد إتمامه الأربع من السنين، وهو سن أجاز علماء الحديث فيه صحة تحمل الطالب للحديث مادام مرتفعاً عن حال من لا يعقل فهماً للخطاب، ورداً للجواب ونحو ذلك طبقاً لمعايير خاصة حول الإدراك والتمييز والضبط تتفق مع ما هو ملاحظ فى واقع الأطفال من النباهة، وقوة الحافظة (١) .\r... وإذا كان مقبولاً ممن سوى المصطفى ﷺ فى مثل سنه، وهم بلا ريب فى أدنى درجات التعقل بالنسبة له، أفلا يجوز ذلك لمن لو وزن بأمته كلها لرجحها ﷺ؟.\r... وحتى لو كان سن رسول الله ﷺ ومن معه من الغلمان ممن شهدوا قصة شق الصدر لا يزيد على سنتين إلا قليلاً كما يزعم الدكتور هيكل؛ أليس رسول الله ﷺ صرح بالتحديث بها بعد البعثة؟! أليس فى هذا التصريح بعد البعثة دليل على أن ذلك وحى من الله ﷿ إليه بما حدث له فى صغره من عناية الله ﷿ به وعصمته؟!.\rأليس فى التحديث بها بعد وحى الله ﷿ إليه دليل على صحة القصة ووجوب قبولها، حتى ولو كان رسول الله ﷺ ومن شهدها فى الصغر دون سن التمييز؟!.\r... وأختم الرد على الدكتور هيكل ومن شايعه بما قاله فضيلة الشيخ محمد عرجون: قال: \"ولا عبرة بعدم اطمئنان المستشرقين، وجماعة \"العقلانيين\" من الباحثين المعاصرين إلى القصة ووقوعها، فلو لم يكن فى رواياتها إلا رواية الشيخين البخارى ومسلم لكانت فى أعلى مرات الصحة من ناحية السند.\r... وأما غمز القصة بطفولية النبى ﷺ، واستعظام ما حدث به على سنه فى الرواية، فهذا من قبيل الإيهام المضلل، لأن تحديد السن لم تتفق عليه الروايات!.","footnotes":"(١) ينظر: فتح المغيث للسخاوى ٢/٦، وتدريب الراوى ٢/٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555809,"book_id":1504,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":296,"body":".. على أننا نسأل عبيد الاستشراق والمستشرقين، ما قولكم فى رواية البخارى وهى صريحة فى أن القصة وقعت بعد النبوة ليلة الإسراء؟ والحديث معكم فى وقوع القصة لا فى زمانها ومكانها، لأن ذلك تحقيق تاريخى لا يضير البحث ألا تؤمنوا به، وكيف يستعظم تحدثه ﷺ على سنه، والأمر كله من قبيل الإعجاز؟ على أن تحدثه كان وهو نبى رسول، إذ سئل من بعض أصحابه فأجاب بما جاء فى الرواية.\r... والذى يعنى البحث أن قصة شق الصدر حادث كونى، ومعجزة عجيبة وقعت لنبينا محمد ﷺ، وجاءتنا بها الروايات الصحيحة الثابتة، ولا يردها تشكيك مستشرق، ولا مستغرب، ولا متعوقل ولا متعالم\" (١) .\r... أما من حمل شرح الصدر على الأمور المعنوية من المستشرقين فظاهر من جحدهم وإنكارهم، أما من حمله على ذلك من المسلمين، فإن صاحب السيرة الهاشمية يقول رداً عليهم: \"وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك وحمله على الأمر المعنوى، وإلزام قائله القول بقلب الحقائق، فهو جهل صريح، وخطأ قبيح، نشأ من خذلان الله تعالى لهم وعكوفهم على العلوم الفلسفية، وبعدهم عن دقائق السنة\" (٢) . أهـ.\r... ولا شك أن ذلك ينسحب على كل منكر له فى القديم والحديث. عصمنا الله من ذلك.\r... أما مقارنة محمود أبو ريه بين قصة شق الصدر، وحديث نخس الشيطان كل مولود. فلا وجه لهذه المقارنة، لأن شق الصدر لم يكن لإزالة أثر النخسة كما زعم، وإنما كانت لتطهير القلب من شئ يخلق لكل إنسان بمقتضى أنه خلق ليبتلى.","footnotes":"(١) محمد رسول الله ﷺ ١/١٥٠.\r(٢) ينظر: سبل الهدى والرشاد ٢/٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555810,"book_id":1504,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":297,"body":".. أما تكراره فذلك كان لمقصود مناسب لوقت وقوعه، فالمقصود أولاً، غير المقصود ثانياً، وثالثاً، ورابعاً. على نحو ما فصل سابقاً (١) وبالتالى لا وجه لسؤال أعداء السيرة العطرة، لماذا تكررت هذه العملية أربع أو خمس مرات فى أوقات متباعدة؟!!.\r... كما أنه لا وجه للمقارنة بين شق الصدر والصلب لما يلى:\rأولاً: لأن شق الصدر أمر حق وممكن، وثابت بالأسانيد الصحيحة المؤكدة للآية الكريمة ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٢) والصلب أمر باطل، وفيه مخالفة للعقل والنقل، وقد نفاه القرآن نفياً باتاً، قال تعالى: ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ (٣) .\rثانياً: شق صدر رسول الله ﷺ لم يؤلمه البتة على ما زعمه أعداء السنة والسيرة (٤) وإنما شق صدره الشريف على ما جاء فى الحديث: \"أخذ كل واحد من الملكين بعضده، ولا يجد ﷺ لأحدهما مساً، واضجعاه بلا قصر ولا حصر، وهوى أحدهما إلى صدره الشريف ففلقها، ورسول الله ﷺ لا يرى دماً، ولا وجعاً\" (٥) وهذا كله بخلاف الصلب!.\rثالثاً: شق صدره ﷺ على ما جاء فى الروايات الصحيحة ليس لتكفير ذنبه ولا ذنب غيره، وهذا بخلاف خرافة صلب المسيح!.","footnotes":"(١) راجع إن شئت ص٦٤ - ٦٨ وينظر: الأنوار الكاشفة لما فى كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة لعبد الرحمن اليمانى ص١٣٦.\r(٢) الآية الأولى الشرح.\r(٣) الآيتان ١٥٧، ١٥٨ النساء.\r(٤) ينظر: أضواء على السنة لمحمود أبو ريه ص١٨٧، والصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر العاملى ٢/٨٧.\r(٥) راجع إن شئت رواية عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند والسابق ذكرها ص٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555811,"book_id":1504,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":298,"body":".. أما قول محمود أبو ريه تبعاً لأسياده من المبشرين والمستشرقين قال: \"ولئن قال المسلمون... ولم لا يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية... قيل لهم: ولم لم يخلق الله قلب رسوله الذى اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه المرسلين؟ \".\r... قيل له: أما المسلمون فلا يقولون ما زعمت، وإنما يقولون: كيف يذنب آدم ﵇ وهو عبد من عبيد الله، فيعاقب الله عيسى ﵇! وهو عند زاعمى ذلك \"ابن الله الوحيد\" بتلك العقوبة القاسية التى تألم لها عيسى بزعمهم أبلغ الألم، وصرخ بأعلى صوته \"إيلى ايلى، لم شبقتنى\" أى إلهى إلهى لم تركتنى؟ وقد قال الله ﷿: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئاً إن وعد الله حق﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿ألا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى﴾ (٢) وغير ذلك من الآيات التى تبطل الأساس الذى قامت عليه خرافة صلب المسيح!.\r... ثم أين العلم: أن قلوب سائر المرسلين لم تُخْلَق كما خُلِقَ قلب محمد ﷺ؟ فقد تكون خلقت سواء، وخص سيدنا رسول الله ﷺ بهذا التطهير، أو طهرت أيضاً بهذه الوسيلة أو غيرها، ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (٣) .\r... أما ما ادعاه محمود أبو ريه من أن بعض القساوسة المسيحيين: \"اتكأوا على حديث نخس الشيطان كل مولود حين يولد، وقصة شق الصدر فى إثبات عقيدة من عقائدهم الزائفة، وهذا فى زعمه دليل على بطلان الحديث وقصة شق الصدر وردهما (٤) .\r... فهذا ادعاء واتكاء باطل، والتبعة فى هذا الادعاء والاتكاء على من حرف الحديث عن موضعه، وحمله على غير محامله الصحيحة.","footnotes":"(١) الآية ٣٣ لقمان.\r(٢) الآية ٣٨ النجم.\r(٣) جزء من الآية ٦٦آل عمران. وينظر: الأنوار الكاشفة ص١٣٧، والروض الأنف للسهيلى ١/٢٩٣.\r(٤) ينظر: هامش أضواء على السنة ص١٨٦، وحياة محمد لدرمنغم ص١٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555812,"book_id":1504,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":299,"body":".. فالحديث صحيح رواية، ودراية، وليس فى معناه ما يدعو إلى رده عند المحققين، لأنه لا يخالف عقلاً ولا نقلاً. بل الحديث استجابة لدعاء أم السيدة مريم حيث قالت كما حكى القرآن عنها: ﴿وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ (١) وبالتالى فالحديث جاء تأكيداً وبياناً للآية الكريمة، كما جاء على لسان راوى الحديث أبو هريرة رضى الله عنه.\r... كما أن الحديث ليس كما توهم مخالفاً لقوله تعالى: ﴿قل رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين. قال هذا صراط على مستقيم إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ (٢) .\r... ولا مخالفاً أيضاً لما ثبت من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الشيطان الرجيم لأن الذى يقتضيه ظاهر الحديث. أن إبليس – عليه لعنة الله – مُمَكَنْ من مس كل مولود عند ولادته، لكن عباد الله المخلصين لا يضرهم ذلك المس أصلاً، واستثنى من المخلصين مريم وابنها، فإنه ذهب يمس على عادته، فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص (٣) ، ولا يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين من أنبياء الله عليهم جميعاً الصلاة والسلام.\r... وليس فى إسناد خصوصية لعيسى ﵇، أو لغيره من الأنبياء، ما يعود بالنقص على إخوانه الأنبياء، ولا ما يثبت تفضيله عليهم، إذ من المسلم به أنه قد يكون فى المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل، ولا يؤثر هذا فى أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية (٤) .","footnotes":"(١) الآية ٣٦ آل عمران.\r(٢) الآيات ٣٩ – ٤١ الحجر.\r(٣) الذى سأل عنه محمود أبو ريه. ينظر: أضواء على السنة ص١٨٨.\r(٤) ينظر: دفاع عن السنة للدكتور محمد أبو شهبة ص٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555813,"book_id":1504,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":300,"body":".. هذا ولا يلزم من وقوع المس إضلال الممسوس وإغواءه، فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله ﷿، بعدم تمكنه من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين؛ وتأمل قوله تعالى فى حق سيدنا أيوب ﵇: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب﴾ (١) وقوله سبحانه فى حق سيدنا آدم وزوجته: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ (٢) وقوله ﷿ فى حق سيدنا موسى ﵇: ﴿قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾ (٣) وقوله تعالى لسيدنا رسول الله ﷺ: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (٤) وقوله ﷺ: \"إن عفريتاً (٥) من الجن جعل يفتك (٦) على البارحة ليقطع على الصلاة. وإن الله أمكننى منه فذعته (٧) ... الحديث\" (٨) .\r... فكل هذا لا يتعارض مع حديث (نخس الشيطان كل مولود) ولا مع قوله تعالى ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ لأن معناه والله أعلم: \"لن تسلط على إغوائهم الإغواء اللازم، لأن الكلام فيه لتقدم قوله: ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ . وهذا لا ينافى أن يسلط على بعضهم لإغواء عارض، أو لإلحاق ضرر لا يضر بالدين (٩) .","footnotes":"(١) الآية ٤١ ص.\r(٢) الآية ٣٦ البقرة.\r(٣) الآية ١٥ القصص.\r(٤) الآية ٢٠٠ الأعراف.\r(٥) العفريت: العاتى المارد من الجن.\r(٦) \"يفتك\" وفى رواية \"يفلت\" وهما صحيحان. والفتك: الأخذ فى غفلة وخديعة.\r(٧) بذال معجمة أى خنقته، وفى رواية صحيحة بدال مهملة: أى دفعته دفعاً شديداً.\r(٨) سبق ذكره كاملاً وتخريجه ص٥١.\r(٩) ينظر الأنوار للكاشفة لعبد الرحمن اليمانى ص١٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555814,"book_id":1504,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":301,"body":".. هذا ولا يلزم من ظاهر حديث (نخس الشيطان كل مولود) أن تمتلئ الدنيا صراخاً وعياطاً كما توهم الزمخشرى (١) لأن الحديث إنما جعل ذلك عند الولادة فحسب، وأما بعدها فلا! ولو حكمنا المشاهدة، فما من مولود إلا ويستهل صارخاً أو باكياً، وإنكار ذلك مكابرة (٢) .\r... أما زعم محمود أبو ريه: أن ذلك النخس أو المس لو وجد لبقى أثره، ولو بقى أثره لزم الصراخ والبكاء. فنقول: أرأيتم إذا ختن الطفل فتألم وبكى، أيستمر الألم والبكاء؟!!.\r... أما ما ذكره محمود أبو ريه: عن الرازى وغيره (٣) أن الخبر على خلاف الدليل لأن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخيروالشر، والصبى ليس كذلك، كما أنه يلزم منه تمكن الشيطان من إهلاكهم... فأقول: ومن قال إن النخسة دعاء إلى الشر؟ بل إن كانت للإيلام فقط، فذلك من خبث الشيطان، مُكِّن منها، كما مُكِّن مما أصاب به سيدنا أيوب ﵇، وكما يمكن الكفار من قتل المسلمين حتى الأنبياء، وذبح أطفالهم. وإن كانت النخسة لإحداث أمر من شأنه أن يورث القلب قبولاً ما للوسوسة بعد الكِبَرْ، فهذا لا يستدعى معرفة الخير والشر فى الحال. والتمكين من هذا كالتمكين من الوسوسة والتزيين، وذلك من تمام أصل البلاء. ولا يلزم من تمكنه من هذا النخس أن يفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين، وإفساد أحوالهم كما زعم أعداء السنة والسيرة العطرة، لأنه لا يتمكن إلا إن مكنَّه الله تعالى، فإذا مكنَّه الله تعالى من أمر خاص، فمن أين يلزم تمكنه من غيره؟!! (٤) .","footnotes":"(١) وتوقف فى صحة الحديث ينظر: الكشاف ١/٣٥٦، ٣٥٧.\r(٢) ينظر: دفاع عن السنة للدكتور محمد أبو شهبة ص٨٧.\r(٣) كالقاضى عبد الجبار المعتزلى. ينظر: أضواء على السنة ص١٨٨، وجامع البيان عن تأويل آى القرآن ٢/٤٠٩.\r(٤) ينظر: الأنوار الكاشفة ص١٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555815,"book_id":1504,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":302,"body":".. ولعله بعد هذا العرض، ومناقشة المستشرقين وأضرابهم قد تبين لك الثقة الكاملة فى ثبوت الشق الحسى لصدر رسول الله ﷺ فى المرة الأولى مدعماً بالدليل الصحيح، وأيضاً فيما تبعه من تكرره فى سن العاشرة وأشهر، وعند البعثة، وفى ليلة الإسراء والمعراج، مدعماً بالأدلة فى أصح كتب الصحيح كما بينا فى موضعه مما سبق.\r... هذا وقد أنكر صحة وقوع شق الصدر ليلة الإسراء ابن حزم وعياض، وادعيا أنها تخليط من \"شريك\" وليس كذلك فقد ثبت هذا أيضاً فى الصحيحين من غير طريق \"شريك\" (١) .\r... قال الحافظ ابن حجر: \"جميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يحبب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شئ من ذلك (٢) ويؤيده الحديث الصحيح. أنهم كانوا يرون أثر المخيط فى صدره ﷺ\" (٣) أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":"(١) قاله الحافظ العراقى فى أول شرحه لتقريبه، طرح التثريب فى شرح التقريب ١/١٨.\r(٢) وقال بنحو ذلك هاشم الحسينى بعد أن شكك فى أسانيد هذه القصة. ينظر كتابه سيرة المصطفى ﷺ ص٤٥.\r(٣) فتح البارى ٧/٢٤٥ رقم ٣٨٨٧، والمواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٨/٥٠، ٥١، وينظر: الفصول الزكية فى سيرة خير البرية للدكتور عبد الموجود عبد اللطيف ص١٤٢ – ١٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555816,"book_id":1504,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":303,"body":"المطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث \"فترة الوحي\"\rوالرد عليها\r... روى البخارى ومسلم وغيرهما عن عائشة رضى الله عنها قالت: \"أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة (١) فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو فى غار حراء، فجاءه الملك،، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذنى فغطنى (٢) حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى الثالثة، ثم أرسلنى فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم﴾ (٣) فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: زملونى زملونى فزملوه (٤) حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله","footnotes":"(١) هى: خديجة بنت خويلد، أول نساء رسول الله ﷺ، ولم يتزوج عليها فى حياتها قط، رزق حبها، ورزق منها جميع ولده، عدا إبراهيم رضى الله عنه، وكانت وزيرة صدق له ﷺ، تفرج همومه، وتنفس كربه، ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة أبى طالب بثلاثة أيام، ولذلك سمى هذا العام بعام الحزن. لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٨٠ رقم ٦٨٧٤، والاستيعاب ٤/١٨١٧ رقم ٣٣١١، وتاريخ الصحابة ص٩٢ رقم ٣٩٠، والإصابة ٤/٢٨١.\r(٢) الغط: العصر الشديد، والكبس، ومنه الغط فى الماء، الغوص. النهاية فى غريب الحديث ٣/٣٣٥.\r(٣) الآيات ١ - ٣ العلق.\r(٤) أى: لفوه: يقال: تزمل بثوبه إذا التف فيه. النهاية ٢/٢٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555817,"book_id":1504,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":304,"body":"أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (١) وتكسب المعدوم (٢) وتقرى الضيف، وتعين على نوائب (٣) الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى – ابن عم خديجة – وكان امرءاً تنصر فى الجاهلية، فيكتب بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمى (٤) فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخى، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذى نزل الله على موسى، يا ليتنى فيها جذعاً (٥) ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك رسول الله ﷺ أو مخرجى هم؟ قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك، أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحي\" (٦)","footnotes":"(١) بالفتح: الثقل من كل ما يتكلف، والكل: العيال، والمراد: من يستقل بأمره، كما قال الله تعالى: ﴿وهو كل على مولاه﴾ جزء من الآية ٧٦ النحل ينظر: النهاية ٤/١٧٢،وفتح البارى١/٣١ رقم ٣.\r(٢) بضم أوله: هو الفقير، والمراد تعطى الناس مالا يجدونه عند غيرك. النهاية ٣/١٧٣.\r(٣) النوائب: جمع نائبة، وهى الحادثة، وإنما قالت: نوائب الحق، لأن النائبة قد تكون فى الخير، وقد تكون فى الشر، وهى كلمة جامعة لما تقدم من أوصاف، ولغيرها.\r(٤) مات قبل أن يؤمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم بالبلاغ سنة١٢هـ له ترجمة فى: أسد الغابة ٥/٤١٦ رقم ٥٤٦٥.\r(٥) يعنى: شاباً قوياً، حتى أبالغ فى نصرتك وحمايتك، وأصل الجذع: من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شاباً قوياً، وهو هنا استعارة. ينظر: النهاية ١/٢٤٣.\r(٦) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٣٠، ٣١ رقم ٣، وفى كتاب التفسير، باب سورة العلق ٨/٥٨٥ رقم ٤٩٥٣، وأرقام ٤٩٥٥ – ٤٩٥٧ مختصراً، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ١/٤٧٤، ٤٧٥ رقم ٢٥٢، والحاكم فى المستدرك ٣/٢٠٢ رقم ٤٨٤٣، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولم يذكره الذهبى فى التلخيص، ولا يخفى أن الشيخين قد أخرجاه، ولكن من غير طريقه، وأحمد فى مسنده ٦/٢٢٣، والطيالسى فى مسنده ص٢٠٦ رقم ١٤٦٧، ص٢١٥، ٢١٦ رقم ١٥٣٩، وحسن إسناده الحافظ فى فتح البارى ١/٣٣ رقم ٣، قلت: فيه رجل مبهم قد سماه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢١٥ رقم ١٦٣ حيث أخرج الحديث عن أبى عمران عن (يزيد بن بابنوس) عن عائشة، وابن بابنوس هو الرجل المبهم فى سند الطيالسى، وهو حسن الحديث، ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين ٥/٥٤٨، وقال ابن حجر: مقبول، أخرج له البخارى فى الأدب المفرد، وأبو داود والنسائى فى السنن، والترمذى فى الشمائل، ينظر: تهذيب التهذيب ١١/٣١٦، وتقريب التهذيب ٢/٣٢١ رقم ٧٧٢٢، والحديث أخرجه أيضاً ابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٢٩، ١٣٠، وابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ١/٣٠٢ – ٣٠٥ نصى رقم ٢٣٠ – ٢٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555818,"book_id":1504,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":305,"body":"٠\rوفى هذا الحديث الموصول زيادة فى آخره رواها الإمام عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى بلاغاً قال: \"وفتر الوحي فترة حتى حزن النبى ﷺ فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً، كى يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل، لكى يلقى منه نفسه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك\" (١) .\r... بهذه الرواية وزيادتها، طعن أعداء السنة والسيرة العطرة قديماً وحديثاً فى المحدثين زاعمين أن فى هذه الرواية طعن فى نبوة رسول الله ﷺ وعصمته. فقديماً قالوا: \"كيف يجوز للنبى أن يرتاب فى نبوته حتى يرجع إلى ورقة، ويشكوا لخديجة ما يخشاه، وحتى يوفى بذروة جبل ليلقى منها نفسه على ما جاء فى رواية معمر؟ \" (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه ٥/٣٢١ – ٣٢٣ ومن طريقه أحمد فى مسنده ٦/٢٣٢، ٢٣٣، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة ١٢/٣٦٨ رقم ٦٩٨٢، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) كتاب الوحي ١/١١٩، ١٢٠، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢١٣ – ٢١٥ رقم ١٦٢.\r(٢) حكاه عنهم الإمام الإسماعيلى، على ما نقله عنه الحافظ فى فتح البارى ١٢/٣٧٧ رقم ٦٩٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555819,"book_id":1504,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":306,"body":".. وحديثاً: لم يخرج أعداء السنة والسيرة عن طعون أسلافهم قديماً. إذ يقول: عبد الحسين شرف الدين الموسوى (١) \"تراه – يعنى حديث بدء الوحي – نصاً فى أن رسول الله ﷺ كان – والعياذ بالله – مرتاباً فى نبوته بعد تمامها، وفى المَلَكْ بعد مجيئه إليه، وفى القرآن بعد نزوله عليه، وأنه كان من الخوف على نفسه فى حاجة إلى زوجته تشجعه، وإلى ورقة الأعمى الجاهلى...\" (٢) .\r... ويقول جعفر مرتضى العاملى (٣) \"كيف يجوز إرسال نبى يجهل نبوة نفسه، ويحتاج فى تحقيقها إلى الاستعانة بامرأة، أو نصرانى؟ ألم تكن هى فضلاً عن ذلك النصرانى أجدر بمقام النبوة من ذلك الخائف المرعوب الشاك؟ ثم كيف يتناسب ذلك مع كونه أراد أن يلقى نفسه من شواهق الجبال\" (٤) .","footnotes":"(١) شيعى إمامى، ولد فى الكاظمية ببغداد سنة ١٢٩٠هـ. من مؤلفاته: أبو هريرة، والنص والاجتهاد، مات سنة ١٣٧٧هـ – ١٩٥٧م. ترجم له: محمد صادق الصدر فى مقدمة كتاب النص والاجتهاد ص٥ – ٣٩.\r(٢) النص والاجتهاد ص٢٩٥ – ٢٩٦.\r(٣) كاتب شيعى، إمامى، معاصر، من مؤلفاته: الحياة السياسية للإمام الرضا، والصحيح من سيرة النبى الأعظم ﷺ، نال به جائزة الكتاب الأول فى مجال كتابة السيرة من الجمهورية الإسلامية بإيران لعام ١٤١٣هـ والكتاب يرفض فيه صاحبه سيرة رسول الله ﷺ الواردة فى السنة المطهرة، كما يطعن فى طول الكتاب البالغ عشر مجلدات فى كل منقبة لصحابة رسول الله ﷺ، واردة فى السنة والسيرة.\r(٤) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٢٩٨، وينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٢٤٥ – ٢٤٨، والأضواء القرآنية لصالح أبو بكر ٢/١٢٤ – ١٢٧، ودفاع عن السنة لمحمد الهاشمى ص٤٣، وحياة محمد لدرمنغم ص٦٥، ٨٦، والرسول حياة محمد للمستشرق بود لى ص٥٧ – ٦٣، والظاهرة القرآنية لمالك بن نبى ص٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555820,"book_id":1504,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":307,"body":".. ويجاب عن الشبهات السابقة بما يلى:\rأولاً: الحديث الذى طعنوا فيه - بدون الزيادة - صحيح سنداً ومتناً، وفى أعلى درجات الصحة، باتفاق البخارى ومسلم وغيرهما على إخراجه من رواية عائشة رضى الله عنها، ولا يقدح فى سند الحديث، وصحة متنه، أن عائشة رضى الله عنها لم تدرك القصة، لما يلى:\rأ- لأن مرسل الصحابى حكمه على المذهب الصحيح، الوصل المقتضى للاحتجاج به (١) .\rب- السيدة عائشة رضى الله عنها لم تنفرد برواية حديث بدء الوحي، فللحديث شاهد من حديث جابر بن جابر عبد الله رضى الله عنه، وهو أيضاً لم يشهد هذه القصة، ولكنه فى روايته يصرح بالتحديث عن بدء الوحي وفترته سماعاً من رسول الله ﷺ (٢) مما يؤكد صحة مرسل عائشة، حيث لا يبعد سماعها تلك القصة من رسول الله ﷺ أو ممن سمعها منه ﷺ، وهو يحدث بها، كما سمعها جابر وصرح بذلك. ومما يؤكد صحة سماعها رضى الله عنها من رسول الله ﷺ حديث بحثنا، ما ورد فى الحديث من قوله (فغطنى حتى بلغ منى الجهد) فهنا فى الكلام التفات، حيث انتقل الكلام من حكاية عائشة، إلى حكاية رسول الله ﷺ، عن نفسه، مما يؤيد صحة إرسالها، وأنه موصول من أوله إلى آخره.\rثانياً: الزيادة الواردة فى سند حديث عائشة رضى الله عنها غير ثابتة عن رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئاً منها، ولا فعلها، فهى لا تصح سنداً ولا متناً لما يلى:","footnotes":"(١) سبق تفصيل ذلك ص١٥٩.\r(٢) سيأتى ذكر الرواية وتخريجها قريباً.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555821,"book_id":1504,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":308,"body":"أ- فأما الدليل على عدم صحة هذه الرواية سنداً فهو ما ورد فى الرواية ذاتها إذ فيها \"حزن النبى ﷺ، فيما بلغنا...\" والقائل \"فيما بلغنا\" هو الإمام الزهرى (١) وهو أعلم الحفاظ، ولكن لا يقبل ما رواه من غير سند! فعن يحيى بن سعيد القطان (٢) قال: مرسل الزهرى شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمى سمى! وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه (٣) وهذه الزيادة من هذه القبيل، حيث أنها منقطعة قد رواها الزهرى بلاغاً، وهو من صغار التابعين، وجل روايته عن كبار التابعين، وأقلها عن صغار الصحابة (٤) فكيف بالكبار منهم، لاسيما من شهدوا بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (٥)","footnotes":"(١) على ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، وتبعه فى ذلك السيوطى، والقسطلانى، خلافاً للقاضى عياض، حيث جزم بأن البلاغ من قول معمر، ينظر: فتح البارى ١/٣٧٦ رقم ٦٩٨٢، والمواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى ١/٤٠٢ قلت: سواء كان هذا البلاغ من قول معمر أو الزهرى فهو غير مسند، وهذا مطعن فيه من جهة السند، فلا وجه لقبوله، لأن البلاغ من قبيل المنقطع وهو من أنواع الضعيف.\r(٢) هو: يحيى بن سعيد بن فروخ، التميمى، أبو سعيد القطان البصرى، أحد الأئمة الأعلام، ثقة، حافظ، متقن، كان رأساً فى العلم والعمل، مات سنة ١٩٨هـ له ترجمة فى: تقريب التهذيب ٢/٣٠٣ رقم ٧٥٨٤، والكاشف ٢/٣٦٦ رقم ٦١٧٥، ومشاهير علماء الأمصار ص١٩٢ رقم ١٢٧٨، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص١٣١ رقم ٢٦٨.\r(٣) ينظر: تذكرة الحفاظ ١/١٠٨ رقم ٩٧، وتدريب الراوى ١/١٩٦، ٢٠٥.\r(٤) ينظر: تقريب التهذيب ١/٢٥ المقدمة.\r(٥) وفى هذا رد على الإمام الزرقانى فى رده على القاضى عياض بأن هذا البلاغ ضعيف، قائلاً: هذا البلاغ ليس بضعيف، كما ادعى عياض متمسكاً بأنه لم يسنده، لأن عدم إسناده، لا يقدح فى صحته، بل الغالب على الظن أنه بلغه عن الثقات أهـ وما قاله الإمام الزرقانى: فرض احتمالى، لا يثبت، ولا يقوم على قدم صحيحة، ومجرد الاحتمال كافٍ لرده وعدم قبوله، ويرده أيضاً ما قاله يحيى بن سعيد القطان. ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٤٠٣، والشفا ٢/١٠٤، ومحمد رسول الله لفضيلة الشيخ عرجون ١/٣٨٦ – ٣٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555822,"book_id":1504,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":309,"body":"وعلى ذلك فلا سند يعتمد عليه، ولعل الإمام البخارى وغيره ممن أخرج هذه الزيادة أرادوا بذلك التنبيه إلى مخالفتها لما صح من حديث بدء الوحي الذى لم تذكر فيه هذه الزيادة، وخصوصاً أن البخارى لم يذكر هذه الزيادة فى بدء الوحي، ولا التفسير، وإنما ذكرها فى التعبير على ما سبق فى التخريج.\r... ويؤيد ما سبق، أن الأئمة الحفاظ يذكرون عقب هذه الزيادة حديث جابر الصحيح فى فترة الوحي إلى الزهرى بنفس السند الذى يروونه عنه فى حديث عائشة الأول، ويفهم من صنيعهم ذلك: أن الزهرى نفسه كان يحدث بحديث جابر عقب حديث عائشة.\r... ففى مصنف الإمام عبد الرزاق بعد فراغه من حديث عائشة: قال معمر، قال الزهرى، فأخبرنى – حرف الفاء هذا يفيد العطف على رواية سابقة، والتعقيب بأخرى لاحقة، وذلك فى مجلس واحد - أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ، وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال فى حديثه: \"بينما أنا أمشى سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسى، فإذا الذى جاءنى بحراء جالساً على كرسى بين السماء والأرض، فجُئِثْتُ (١) منه رعباً، ثم رجعت، فقلت: زملونى، زملونى، ودثرونى، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ إلى ﴿والرجز فاهجر﴾ (٢) .","footnotes":"(١) فى بعض الروايات (فجثثت) بمثلثة بدل الهمزة، ومعناهما: فزعت منه، وخفت، وذعرت، وقيل: معناه: قلعت من مكانى. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/٢٣١، ٢٢٥.\r(٢) الآيات ١-٥ المدثر، وينظر: مصنف عبد الرزاق ٥/٣٢٣، ٣٢٤، ودلائل النبوة لأبى نعيم ١/٢١٣ – ٢١٥ رقم ١٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555823,"book_id":1504,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":310,"body":".. وكذلك الإمام البخارى ذكر حديث عائشة المتقدم فى بدء الوحي عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضى الله عنها إلى قولها: ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحي، ثم قال عقبة: قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصارى قال... فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق، غير أنه زاد فى آخره: \"فحمى الوحي وتتابع\" (١) .\r... قال الحافظ ابن حجر: قوله: (قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة) إنما أتى بحرق العطف، ليعلم أنه معطوف على ما سبق، كأنه قال: أخبرنى عروة بكذا، وأخبرنى أبو سلمة بكذا، وأخطأ من زعم أن هذا معلق، وإن كانت صورته صورة التعليق، ولو لم يكن فى ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة، فإنها دالة على تقديم شئ عطفته – وهو حديث عائشة المتقدم – ثم قال ابن شهاب – أى بالسند المذكور – وأخبرنى أبو سلمة بخبر آخر، وهو حديث جابر عن فترة الوحي) (٢) .\r... وكذلك فعل الإمام أحمد فى مسنده، مع أنه قد جمع فى مسنده مرويات كل صحابى على حده، دون الالتزام بالوحدة الموضوعية للأحاديث، لكنه لما روى حديث عائشة المتقدم عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى، قال: فذكر حديثاً (٣) لعله يشير إلى حديث جابر الذى أخرجه قبل ذلك فى المسند (٤) .","footnotes":"(١) صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٣٧ رقم٤، وفى كتاب التفسير، باب سورة اقرأ باسم ربك الذى خلق ٨/٥٨٥، ٥٨٦ رقمى ٤٩٥٣، ٤٩٥٤، وأخرجه فى مواطن أخرى من صحيحه، ينظر: تفسير سورة المدثر ٨/٥٤٥ – ٥٤٧ أرقام ٤٩٢٢ – ٤٩٢٥، وفى كتاب الأدب، باب رفع البصر إلى السماء ١٠/٦١١ رقم ٦٢١٤.\r(٢) فتح البارى ١/٣٧ رقم٤.\r(٣) المسند ٦/٢٣٢، ٢٣٣.\r(٤) ينظر المسند ٣/٢٣٢، ٢٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555824,"book_id":1504,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":311,"body":".. وكذلك صنعا مسلم، وابن حبان فى صحيحيهما عقب إخراجهما لحديث عائشة رضى الله عنها (١) فدل هذا كله، على أن ابن شهاب الزهرى كان يحدث بالحديثين معاً، كما روى عنه غير واحد مما سبق بيانه، وأن الصواب فى رواية حديث عائشة بدون تلك الزيادة، كما أخرجه مسلم، والبخارى فى بعض مواضعه، وغيرهما (٢) .\rب- أما الدليل على عدم صحة هذه الزيادة متناً فهو ما يلى:","footnotes":"(١) ينظر: صحيح مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ١/٤٧٦ رقم ٢٥٥، وصحيح ابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) كتاب بدء الوحي، باب ذكر القدر الذى جاور المصطفى ﷺ بحراء عند نزول الوحي عليه ١/١٢١، ١٢٢، وينظر: الإتقان فى علوم القرآن ١/٧٤ – ٧٦ نصوص أرقام ٢٧٩ – ٢٨٢، وهذا الجمع أولى من تضعيف الإمام النووى ومن تبعه لحديث جابر رضى الله عنه أهـ. ينظر: المنهاج شرح مسلم ١/٤٨٥ رقم ٢٥٧، ومحمد رسول الله ﷺ لمحمد عرجون ١/٣٨٩.\r(٢) يراجع تخريج الحديث ص١٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555825,"book_id":1504,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":312,"body":"معارضتها لأصل من أصول الإسلام، وهو عصمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بمعنى: حفظ الله ظواهرهم وبواطنهم، وتفكيرهم وخواطرهم، وسائراً أعمالهم، حفظاً كاملاً، فلا يقع منهم قط ما يشكك فى نبوتهم ورسالاتهم، وهذا البلاغ المعمرى أو الزهرى، لم يبق لعصمة النبى ﷺ مكاناً فى مدة الحزن اليائس التى تقول أقصوصة هذا البلاغ إنه ﷺ مكثها وهو يغدو مراراً كى يتردى من شواهق الجبال، ولاسيما على مذهب من يرى أن مدة فترة الوحي – وهى مدة الحزن اليائس – قد طالت إلى ثلاث سنوات، أو سنتين ونصف سنة، أو ستة أشهر، وفى هذا البلاغ الضعيف تصريح بأن صاحبه يذهب مذهب من يرى طول مدة فترة الوحي (١) لأن ما ذكر فيه من الغدو مراراً لكى يلقى بنفسه من ذرا الشواهق يقتضى طول المدة، ولاسيما مع تمثل جبريل له وقوله: أنا جبريل، وأنت رسول الله حقاً، أكثر من مرة.","footnotes":"(١) القول بطول مدة فترة الوحي، قول ضعيف على ما سيأتى هامش ص٢١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555826,"book_id":1504,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":313,"body":"يتعارض هذا البلاغ مع ما يجب أن يكون عليه النبى ﷺ من رسوخ الإيمان بنبوته، وكمال اليقين برسالته، ولا شك أن ما جاء فى هذا البلاغ، من تبدى جبريل ﵇ للنبى ﷺ كلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى منها نفسه، وقوله له: يا محمد: أنت رسول الله حقاً، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ﵇، فقال مثل ذلك – يصور مدى ما بلغه ذلك الحزن اليائس – فى زعم قائليه – من نفس النبى ﷺ حتى جعله يتشكك فى تبدى جبريل له، وفى إخباره أنه رسول الله حقاً، فالنبى ﷺ كما تصرح به عبارة هذا البلاغ – لم يكد يسكن جأشه لتبدى جبريل له وإخباره أنه رسول الله حقاً حتى يعود إلى عزيمته فى إلقاء نفسه من ذرا شواهق الجبال، فيتبدى له جبريل مرة أخرى، ويقول له: يا محمد، أنت رسول الله حقاً.\rفأين سكون جأشه الذى أحدثه فى نفسه تبدى جبريل له، وإخباره أنه رسول الله حقاً؟.\rوأين رسوخ إيمانه برسالة ربه التى شرفه بها قبل فترة الوحي، وأنزل عليه فى أول مراتب وحيها فى غار حراء قرآناً يتلى، حتى يعود عن عزيمته لإلقاء نفسه من ذرا شواهق الجبال إذا طالت عليه فترة الوحي؟!.\rإن ما تضمنه هذا البلاغ الضعيف يشمل أمرين:\rأحدهما: ظاهر محسوس، يمكن مشاهدته، والحكم بوجوده أو عدم وجوده بمقتضى إمكان مشاهدته حساً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555827,"book_id":1504,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":314,"body":"ثانيهما: باطن محجوب فى داخل النفس، لا يمكن معرفته إلا بإخبار صاحبه الذى دار فى نفسه، أو إخبار من أظهرهم عليه بنقل ثابت عنه. فذهاب النبى ﷺ إلى أعالى الجبال وشواهقها التى ألف الصعود إليها فى أزمان خلواته وتطلعاته للتفكر فى عجائب آيات الله الكونية، وبدائع ملكوته، أمر محسوس، يمكن الحكم عليه برؤيته ومشاهدته، ولا حرج فى أن يكون النبى ﷺ قد حزن فى فترة الوحي اشتياقاً لأنوار الشهود الروحانى الأعلى الذى كان يغمره فى أوقات نزول الوحي، ونزول آيات القرآن المبين، حزناً كان يغدو منه إلى ذرا الجبال التى كانت مأنس روحه، تطلعاً إلى آفاق أشواقه لشهود تجليات أمين الوحي جبريل ﵇ الذى سبق له أن تجلى فى آفاقها بصورته الملائكية الروحانية العالية.\r... وكون هذا الذهاب إلى ذرا شواهق الجبال لقصد التردى منها ليقتل نفسه – كما هو نص عبارة البلاغ الضعيف – أمر باطن محجوب بأستار الضمير فى حنايا النفس، لا يعلمه، ولا يطلع عليه إلا الله علام الغيوب، وإلا صاحبه الذى دار فى حنايا نفسه، وعزم على تحقيقه عملياً، وإلا من يظهره عليه صاحبه العليم به، بأخبار منه إليه، وكل ذلك لم يثبت!.\r... وما روى عن ابن عباس من قوله: \"مكث النبى ﷺ أياماً بعد مجئ الوحي لا يرى جبريل، فحزن حزناً شديداً حتى كان يغدو إلى ثبير (١) مرة، وإلى حراء أخرى، يريد أن يلقى نفسه\" (٢) غير مسلم من وجوه.","footnotes":"(١) اسم جبل معروف عند مكة. النهاية فى غريب الحديث ١/٢٠٢.\r(٢) أخرجه ابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555828,"book_id":1504,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":315,"body":"أ- أن حديث ابن عباس من رواية الواقدى (١) ، وهو معروف بالضعف، لا يقبل الجهابذة من المحدثين روايته إلا إذا اعتضدت بروايات الثقات.\rب- إذا صح سند الحديث إلى ابن عباس رضى الله عنهما، فهو اجتهاد لا يعلم معتمده، فى أمر لا سبيل إلى معرفته إلا بإخبار من النبى ﷺ، ولم يثبت هذا الإخبار، فالحديث موقوف على ابن عباس، فيكون فى منزلة بلاغ الزهرى، كما يؤخذ من كلام ابن حجر (٢) يجب رفضه كرفض بلاغ الزهرى، وإبطاله كإبطاله، ولعل هذا الحديث الضعيف فى سنده، الباطل فى متنه ونصه، هو مستند بلاغ الزهرى، والزهرى إمام موثق، فلا حرج على البخارى فى إلحاق بلاغة بجامعه من جهة توثيق السند، على أن البخارى لم يلحقه بجامعه إلا فى موضع واحد فقط من مواضع حديث بدء الوحي، وهى متعددة فيه بالإسناد نفسه مقروناً بإسناد آخر تارة، وغير مقرون تارة أخرى، ولم يرد فى تلك المواضع ذكر لهذا البلاغ الضعيف إلا فى كتاب (التعبير) بلاغاً لا تأصيلاً.\rثالثاً: ثبت فى الصحيح من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ تحدث عن فترة الوحي، ولم يرد فى كلامه ﷺ كلمة واحدة، تشعر بما جاء فى هذا البلاغ الضعيف، حتى ولو مجرد حزن لحق به تأسفاً على هذه الفترة.","footnotes":"(١) هو: محمد بن عمر بن واقد الواقدى، قاضى العراق، رغم دقته فى المغازى وإمامته فيها إلا أنهم ضعفوه فى الحديث، قال الذهبى: الواقدى وإن كان لا نزاع فى ضعفه، فهو صادق اللسان، كبير القدر، وقال: ابن حجر: متروك مع سعة علمه، من أشهر مؤلفاته: المغازى، والردة، مات سنة ٢٠٧هـ له ترجمة فى: لسان الميزان ٩/٥٣١ رقم ١٥٦١٥، والكاشف ٢/٢٠٥ رقم ٥٠٧٨، والمجروحين لابن حبان ٢/٢٩٠، وتقريب التهذيب ٢/١١٧ رقم ٦١٩٥، وتهذيب الكمال للمزى ٢٦/ ١٨ رقم ٥٥٠١.\r(٢) ينظر: فتح البارى ١٢/٣٧٦ رقم ٦٩٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555829,"book_id":1504,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":316,"body":".. هذا مع أنه لا نرى حرجاً فى أن يكون النبى ﷺ قد اعتراه شئ من الحزن فى مدة فترة الوحي، لانقطاع أنوار الشهود الروحى، ولا نرى حرجاً فى أن النبى ﷺ كان يغدو إلى ذرا الجبال تطلعاً لتجليات أمين الوحي الذى عهد لقاءه فى هذه الذرا، وهذا أمر فطرى وطبيعى، فالإنسان إذا حصل له خير أو نعمة فى مكان ما، فإنه يحب هذا المكان، ويلتمس فيه ما افتقده، فلما فتر الوحي: صار ﷺ يكثر من ارتياد قمم الجبال، ولاسيما حراء، رجاء أنه إن لم يجد جبريل فى حراء، فليجده فى غيره، فرآه راوى هذه الزيادة وهو يرتاد قمم الجبال، فظن أنه يريد أن يلقى بنفسه، وقد أخطأ الراوى المجهول فى ظنه قطعاً.\r... وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل ﵇ كان يقول للنبى ﷺ كلما أوفى بذروة جبل: \"يا محمد إنك رسول الله حقاً\" وأنه كرر ذلك مراراً، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفى فى تثبيت النبى ﷺ وصرفه عما حدثته به نفسه كما زعموا (١) .","footnotes":"(١) ينظر: محمد رسول الله ﷺ لفضيلة الشيخ محمد عرجون ١/٣٨٧ – ٤٠٠، والسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٢٦٦، والمعين الرائق من سيرة خير الخلائق للدكتور سعيد صوابى ص٢٥٠ – ٢٥٩، وهناك أقوال أخرى فى تأويل الزيادة البلاغية إن شئت أنظرها فى: الشفا ٢/١٠٤، ١٠٥، وفتح البارى ١٢/ ٣٧٧ رقم ٦٩٨٢، وشرح الزرقانى على المواهب ١/٤٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555830,"book_id":1504,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":317,"body":"رابعاً: ما يشكل ظاهره فى الحديث الموصول – لعائشة رضى الله عنها – من ارتياب وشك من رسول الله ﷺ فى نبوته – كما زعموا – مستشهدين على ذلك بقوله ﷺ لخديجة \"لقد خشيت على نفسى\" وزعمهم شكواه ﷺ لخديجة، ورجوعه إلى ورقة بن نوفل... هذا الإشكال لا وجه لهم فيه، كما أن هذه الكلمة: \"لقد خشيت على نفسى\" فى ذاتها لا تضير عصمة رسول الله ﷺ، ولا نبوته شيئاً.\r...\rوالذين ذكروا هذه الكلمة فى رواياتهم قد أدوا أمانة العلم، ولا سبيل عليهم، إنما السبيل على الذين تقحموا متخرصين فى تفسير المراد من الخشية، حتى زعم بعضهم فى تفسيرها، وبيان المراد منها، بما كان ويكون أمضى سلاح فى يد أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة.\r... وما قيل فى تفسير الخشية من كلام لا يليق، ولا ينبغى أن يدون فى سيرة المعصوم ﷺ قد أبطله بعض حذاق الأئمة، وحق له أن يبطل (١) .\r... أما ما زعمه أعداء السنة المطهرة من أن ظاهر هذه العبارة \"لقد خشيت على نفسى يفيد ارتياب وشك رسول الله ﷺ فى نبوته، فهذا من تخرصاتهم، ويرده سياق الحديث الذى وردت فيه هذه العبارة، وقبل بيان ذلك أقول: إن الله ﷿ إذا اصطفى أحداً لنبوته أو رسالته يخلق فيه علماً ضرورياً بنبوته بحيث لا يبقى له قلق ولا اضطراب، كما يظهر من قصة سيدنا موسى ﵇، حين توجه إلى جبل الطور بسيناء ليأتى بقبساً أو يجد على النار هدى.","footnotes":"(١) ينظر: فتح البارى ١/٣٣ رقم ٣، ومحمد رسول الله لعرجون ١/٣٠٤، ٣٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555831,"book_id":1504,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":318,"body":".. ومعلوم أنه لم يكن مراقباً عما يصنع به، ولا منتظراً بما يكلف به، إذ ناداه ربه ﷿ من شاطئ الوادى الأيمن: ﴿إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾ (١) وأمره أن يذهب إلى فرعون إنه طغى، فلما سمعه موسى ﵇، ألقى عليه فى ساعته تلك من اليقين، والإذعان بنبوته، ما هون عليه الدعوة لمثل فرعون الباغى الطاغى، ولم يشك فى نبوته كجناح بعوضة، إلا أنه كان بشراً، خلق من ضعف، ولذا خاف من عصاه حين صار جاناً – حية عظيمة – لما أمره ربه ﷿، بإلقاءها من يده، قال تعالى: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى. قال هى عصاى أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مآرب أخرى.\rقال ألقها يا موسى. فألقاها فإذا هى حية تسعى. قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ (٢) .\r... وقال سبحانه: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون. إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإنى غفور رحيم﴾ (٣) .\r... وبمقتضى بشريته أيضاً خاف من القتل، كما حكى القرآن الكريم على لسانه: ﴿ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون﴾ (٤) ومن هنا شكى إلى ربه عن ضعفه، وسأله أن يجعل أخيه ردئاً يصدقه، ويكون عوناً له فإنه كان أفصح لساناً، قال تعالى: ﴿قال رب إنى قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون. وأخى هارون هو أفصح منى لساناً فأرسله معى ردءاً يصدقنى إنى أخاف أن يكذبون﴾ (٥) .\r... ولم يكن هذا الخوف شكاً منه أو إعراضاً عما أمره الله ﷿ به – والعياذ بالله – بل إظهاراً لضعف جبل عليه الإنسان.\r... فإذا لم يشك من كان نبى بدون تمهيد، ولا سابقة خبر، فكيف بمن مهد له تمهيداً، ومرن تمريناً فى النوم واليقظة؟.","footnotes":"(١) الآية ١٢ طه.\r(٢) الآيات ١٧ – ٢١ طه.\r(٣) الآيتان ١٠، ١١ النمل.\r(٤) الآية ١٤ الشعراء.\r(٥) الآيتان ٣٣، ٣٤ القصص.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555832,"book_id":1504,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":319,"body":".. فالتمهيد كان منذ صغره وشبابه، من شق صدره، ونهيه عن التعرى، وعصمته من كل مظاهر الجاهلية التى سبق تفصيلها (١) والتمرين فى النوم بالرؤيا التى كان لا يراها إلا وتجئ مثل فلق الصبح الذى لا شك فيه، وفى اليقظة كان التمرين على الوحي والنبوة بسلام الحجر عليه، وسماع الصوت، ورؤية الضوء.\r... فعن جابر بن سمرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: \"إنى لأعرف حجراً بمكة كان يسلم على، قبل أن أبعث، إنى لأعرفه الآن\" (٢) .","footnotes":"(١) يراجع: ص٤٧ – ٧٩.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبى ﷺ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ٨/٤١ رقم ٢٢٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555833,"book_id":1504,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":320,"body":".. وجاء التصريح بصيغة التسليم برسول الله فى حديث عائشة رضى الله عنها (١) وحديث على بن أبى طالب رضى الله عنه إذ يقول: \"كنت مع النبى ﷺ بمكة فخرجنا فى بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر، إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله\" (٢) وعنه ﷺ قال: \"يا خديجة إنى أسمع صوتاً، وأرى ضوءاً، وإنى أخشى أن يكون بى جنن، فقالت: لم يكن الله ليفعل بك ذلك يا عبد الله...\" (٣) .\r... وكل هذا التمهيد والتمرين على النبوة قبل التنبؤ يستحيل معه أن يشك رسول الله ﷺ فى نبوته ورسالته بعد التنبؤ – حتى لو فتر الوحي – وهنا نصل إلى تفسير الخشية.\rتفسير الخشية فى قوله (لقد خشيت على نفسى) :\r... ورد فى سياق حديث (بدء الوحي) ما يعين على فهم صحيح ودقيق لقوله ﷺ: \"لقد خشيت على نفسى\" ويرد تخرصات أعداء الإسلام، وأعداء السيرة العطرة، فى أن ظاهر هذه العبارة يفيد ارتياب وشك من رسول الله ﷺ فى نبوته ورسالته.","footnotes":"(١) سبق ذكره وتخريجه ص٦٦، ٦٧، وينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٤٠٨.\r(٢) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب المناقب، باب آيات إثبات نبوة النبى ﷺ وما قد خصه الله ﷿ به ٥/٥٥٣ رقم ٣٦٢٦، وقال: حديث غريب، وأخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن ١/ ٢٥ رقم ٢١، ورواه البزار فى مسنده (كشف الأستار) كتاب المناقب، باب تسليم الحجر والشجر عليه ٣/١١٦ رقم ٢٣٧٣، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٩ رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف.\r(٣) أخرجه أحمد فى المسند ١/٣١٢، ٢٩٤ من حديث ابن عباس متصلاً ومرسلاً، والطبرانى بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555834,"book_id":1504,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":321,"body":"١- وأول ما يعين على بيان حقيقة المراد من الخشية فى سياق الحديث قوله: \"حتى فجئه الحق\" (١) بكسر الجيم أى بغتة الأمر الحق، وهو الملك جبريل ﵇ بالوحي.\r... وهذه الجملة فى الحديث، تفيد أن رسول الله ﷺ تعرض وهو فى غار حراء للمفاجأة، وتحققت ثلاثة مرات متواليات:\rالأولى: فى دخول الملك عليه ﷺ مختلاه ومتعبده، دون تمهيد يشعر النبى ﷺ بأن أحداً سيدخل عليه فى الغار.\rالثانية: فى رؤيته للملك جبريل ﵇ على صورته الملائكية، وقد سد الأفق.\rالثالثة: فى أمره بالقراءة عقب دخوله عليه مباشرة، وهو أمى لا يقرأ ولا يكتب!.\r... وفى كل ذلك نوع من المفاجأة الباغتة المؤثرة على الطبيعة البشرية بما يهز كيانها هزاً يقحم عليها الرعب والفزع.\r... ومن هنا كان خوف وفزع النبى ﷺ خوفاً وفزعاً بشرياً رجف منه فؤاده، وسائر جسده، وظهرت على بشريته آثاره، حتى هدأت نفسه، فتلقى رسالة ربه متثبتاً، مغموراً بأنوار شهود العزة الإلهية فى يقين لا يداخله أدنى شك فى اصطفائه رسولاً بعد اجتبائه نبياً من الصالحين.\r٢- وثانى ما يعين على تفسير الخشية قوله: \"فغطى حتى بلغ منى الجهد\" فهذه العبارة تبين مدى الشدائد التى صحبت رسول الله ﷺ فى هذا اللقاء المفاجئ.","footnotes":"(١) لفظ رواية البخارى فى كتاب التفسير، يراجع تخريج الحديث ص١٩٨","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555835,"book_id":1504,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":322,"body":".. إذ صحب مع دخول الملك عليه فى متعبده، دون تمهيد، ورؤيته للملك فى صورته الملائكية، وأمره بالقراءة، صحب كل ذلك مع ما فيه من شدة شدائد أخرى، إذ غطه الملك ثلاث مرات، والغط: العصر الشديد، وحبس النفس، وكأنه أراد ضمنى وعصرنى، أو أراد غمنى، ومنه الخنق، ويدل عليه رواية أبو داود الطيالسى \"فأخذ بحلقى\" (١) . وفى كل مرة من هذا الغط بلغ من رسول الله ﷺ \"الجهد\" مبلغه وغايته حتى ظن بنفسه الموت (٢) .\r٣- وثالث ما يعين على فهم قوله \"لقد خشيت على نفسى\" نزول الوحي عليه بأوائل سورة \"العلق\" وحالات النبى ﷺ وقت نزول الوحي عليه كلها شدة، فهى حالات خاصة تتغلب فيها روحانيته على بشريته، ليتصف بصفة الملك، ليقع بينهما التناسب والتجانس، ويتم التلقى على أكمل وجه وأثبته.\r... يقول الإمام ابن حجر: \"وهى حالة يؤخذ فيها النبى ﷺ عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخى، يحصل له عند تلقى الوحي، ولما كان الرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال، خص الله ﷿ نبيه ﷺ ببرزخ فى الحياة، يلقى إليه فيه وحيه المشتمل على كثير من الأسرار\" (٣) .\r... ويدل على شدة الوحي أثناء نزوله على رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة منها:\rحديث زيد بن ثابت رضى الله عنه قال: \"كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقاً شديداً مثل الجمان ثم سرى عنه. وكنت أكتب وهو يملى على، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشى على رجلى أبداً\".","footnotes":"(١) يراجع تخريج حديث بدء الوحي ص١٩٨.\r(٢) ينظر: فتح البارى ١/٣٣ رقم٣، ومحمد رسول الله لمحمد عرجون ١/٢٦٤.\r(٣) فتح البارى ١٢/٣٧٤ رقم ٦٩٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555836,"book_id":1504,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":323,"body":"وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال: سألت رسول الله ﷺ، هل تحس بالوحي؟ فقال: أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض\" وغير ذلك من الروايات السابق ذكرها (١) وهى روايات تبين لنا إلى أى مدى لاقى النبى ﷺ من شدة أثناء تنزيل الوحي عليه حتى أن الملامس لجسده الشريف، كان يشعر به كما مر من حديث زيد بن ثابت رضى الله عنه، وحتى أنه ﷺ يصرح بأنه ما من مرة يوحى إليه إلا ظن أن نفسه تقبض!.\rفإذا كانت الروايات السابقة تبين لنا حاله ﷺ بعد مزاولات ومعاهدات بالوحي، فما ظنك بحاله إذا نزل عليه الوحي لأول مرة، وهو غير ممارس لتلك الأهوال ولا حامل لهذه الأثقال؟!.\rإن كل ما سبق من دخول الملك على رسول الله ﷺ فى متعبده دون تمهيد، وتجلى الملك له، وقد سد الأفق، وغطه ﷺ حتى بلغ منه الجهد، وأمره بالقراءة مع أميته، ونزل الوحي عليه، وهو ما لو أنزل على الجبال لتصدعت من خشية الله.\rكل ذلك جعله يرجف فؤاده، ويخشى على نفسه، لا لريب عرضه، أو هول هاله، بل لضعف فطر عليه الإنسان. نعم وحق لرسول الله ﷺ أن يرجف ويخشى، كيف وقد كان هذا أول معاملة اعترته! وفكر فى نفسك لو اعتراك ما اعتراه ﷺ كيف يكون حالك؟!.","footnotes":"(١) يراجع: ص٢٦ – ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555837,"book_id":1504,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":324,"body":"ومما يؤكد ما سبق من تفسير الخشية قوله ﷺ: \"بينما أنا أمشى، إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت: زملونى\" (١) وهذا الحديث وإن كان فى واقعة أخرى، لكن ما جاء فيه من قوله: \"فرعبت منه\" قرينه قوية على أن خشيته ﷺ على نفسه كانت مما رأى من المفاجآت السابق ذكرها، فضلاً عن شدة الوحي التى اعترته لأول مرة، وهو فى غار حراء، وكلها أمور تضعف عن حملها فطرة البشر. فالخوف والخشية، لا يصادم الإذعان والإتقان بشئ أصلاً، لأنه فى بنية البشر، قال تعالى: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ (٢) .\rوكما جاز لموسى ﵇ أن يخاف من عصاه حين صار ثعباناً، ولم يصادم ذلك إيمانه، جاز لرسول الله ﷺ أيضاً أن يخشى عند رؤية الملك بهيئته الملائكية، وغطه، وشدة الوحي، فكل ذلك ليس بأقل من عصا موسى ﵇ (٣) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص١٩٨، ٢٠١.\r(٢) الآية ٢٨ النساء.\r(٣) ينظر: حاشية البدر السارى إلى فيض البارى لمحمد بدر ١/٢٦، ٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555838,"book_id":1504,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":325,"body":"وكما هو معلوم فإن النبوة لا تمنع الأعراض البشرية التى لا تنافى العصمة، وسيدنا رسول الله ﷺ ثبتت له النبوة قطعاً قبل مفاجأة الغار، وقبل فترة الوحي (١) .\rفإذا روى أنه فزع من هول المفاجأة، وما حف بها، فلا يجوز قط أن يقال: إنه فزع فزعاً أذهله عن مقام نبوته فلم يتمكن من التأمل، وخشى على نفسه أن يكون كاهناً أو أن يكون به جنن.\rكما لا يجوز قط أن يقال عنه: إنه حزن على فتور الوحي حزناً أخرجه عن عصمة النبوة والرسالة، وحمله على محاولة قتل نفسه.","footnotes":"(١) معنى فتور الوحي: ضعفه، وتأخر مجيئه مدة من الزمان، ولذا عبر رسول الله ﷺ عن تواصله وتواليه بقوله: (فحمى الوحي وتتابع) وذلك فى نهاية حديث جابر المتقدم قال الحافظ ابن حجر: (فحمى الوحي) أى جاء كثيراً، وفيه مطابقة لتعبيره عن تأخره بالفتور، إذ لم ينته إلى انقطاع كلى، حتى يوصف بالضد وهو البرد، وقوله: وتتابع، تأكيد معنوى، ويحتمل أن يراد بحمى: قوى، وتتابع: أى تكاثر، وفى بعض الروايات: وتواتر، وهو مجئ الشئ يتلو بعضه بعضاً من غير تخلل، وليس المراد بفترة الوحي المقدرة... ما بين نزول ﴿اقرأ﴾ و ﴿يا أيها المدثر﴾ عدم مجئ جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط. ينظر: فتح البارى ١/٣٦ – ٣٨ رقم ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555839,"book_id":1504,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":326,"body":"ففترة الوحي طالت أو قصرت (١) شأن من شئون الله تعالى التى ينفرد بحكمتها فهى كانت لطفاً من الله تعالى لنبيه ﷺ ورحمة به، ليستجم من عناء ما لاقى من روع المفاجأة، وشدة الغط، وشدة الوحي، لاستفراغ بشريته ليزداد تشوفاً وتشوقاً إلى تتابع الوحي، وتقوية لروحانيته على احتمال ما يتوالى من الله ﷿ إليه، حتى يتم استعداده لتبليغ رسالته إلى الخلق كافة بصبر وقوة، ويقين لا يدانيه يقين فى أن الله ﷿، سيتم عليه نعمته.\rويشهد لصحة تفسير الخشية بما سبق ذكره، رجوعه ﷺ إلى مكان تحنثه فى غار حراء (٢) ، بعد ما لاقاه من الشدائد السابق ذكرها.\rفهل فى منطق العقل أن يكون رسول الله ﷺ خشى على نفسه ما تخرص به المتخرصون، ثم يسرع إلى العودة إلى المكان الذى لقى فيه ما خشيه على نفسه فى زعم المتخرصين؟!.","footnotes":"(١) كانت هذه الفترة على الراجح أياماً على ما رواه ابن سعد فى طبقاته ١/٣١ عن ابن عباس رضى الله عنهما، أما أن يقضى رسول الله ﷺ ثلاث سنين، أو سنتين ونصف سنة من عمر الدعوة الإسلامية من غير وحى ودعوة، فهذا مالا تقبله العقول، ولا يدل عليه نقل صحيح. ينظر: فتح البارى ١/٣٦، ٣٧ رقم ٣، وعمدة القارى ١/٥٥، ٥٦ وشرح الزرقانى على المواهب ١/٤٤١، والسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٢٦٤.\r(٢) دل على العودة حديث جابر السابق ص٢٠١، وكذلك حديث عائشة أيضاً فى الزيادة البلاغية الضعيفة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555840,"book_id":1504,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":327,"body":"إن بداهة العقل تأبى أن تقبل ذلك، وتنادى بأن أى إنسان توجس خفية من شر حادث وقع له فى مكان لا يمكن أن يعود إليه، وفى سرعة، وهو يملك الاختيار والإرادة، وبالتالى فعودة رسول الله ﷺ لنفس المكان الذى لقى فيه ما خشيه على نفسه، دليل قاطع على ثباته ﷺ، ورباطة جأشه، واطمئنانه ويقينه بفوزه برسالة ربه وأنه لم يشك قط ولو للحظة واحدة فى نبوته، ولا فى أن ما جاءه هو جبريل ﵇، ومعه وحى الله تعالى.\rفكل ذلك يؤكد أن الخشية من الموت من شدة الرعب (من المفاجآت التى توالت عليه ﷺ فى هذا اللقاء على ما سبق تفصيله) هو أدنى الأقوال بالصواب فى تفسير الخشية، وأسلمها من الارتياب كما قال الحافظ ابن حجر (١) وهو ما أقول به وأرجحه، بدليل سياق الحديث على ما سبق شرحه، وبدليل قوله ﷺ يعد تتابع نزول الوحي عليه: \"فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض\" (٢) فهو نص صريح فى خشيته على نفسه من الموت، من شدة الوحي، وهو أحد المفاجآت التى توالت عليه فى هذا اللقاء.\rكما لا يمنع أن تكون خشيته ﷺ على نفسه من الموت على أيدى كفار قريش، إذا بلغهم رسالة ربه ﷿، ويشهد لصحة هذا قوله ﷺ: \"...وإن الله أمرنى أن أحرق قريشاً. فقلت رب! إذا يثلغوا رأسى فيدعوه خبزه. قال: استخرجهم كما استخرجوك\" (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: فتح البارى ١/٣٣ رقم٣، ومحمد رسول الله لفضيلة الشيخ محمد عرجون ١/٣٤٤ حيث رد ترجيح الحافظ ابن حجر.\r(٢) يراجع: ص٢١٠.\r(٣) سبق تخريجه ص٩١، ٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555841,"book_id":1504,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":328,"body":"إن خوف رسول الله ﷺ على نفسه من الموت من شدة الرعب، وشدة نزول الوحي عليه، ومن أن يقتله قومه، جعله يرجع بما حملت نفسه الكريمة من آثار ذلك كله، إلى بيته، وزوجته الأمينة، وزيرة الصدق، ومأنس الوفاء، يبدى لها ما تعرض له فى غار حراء، من محن وشدائد تذيب رواسى الجبال، فكان من فراستها ورجاحة عقلها، أن أقسمت على أن الله تعالى لن يخزيه، وأكدت ذلك بلفظ التأبيد (كلا والله ما يخزيك الله أبداً) واستدلت على ما أقسمت عليه بأمر استقرائى، فوصفته بأصول مكارم الأخلاق (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق) .\rخامساً: بقى الجواب عن ما يزعمه أعداء السنة المطهرة من استنكار لتخفيف الزوجة على زوجها، إذا ألمت به محنة وشدة، وكذلك استنكار لطلب عين اليقين.\r...\rإذ زعموا أن فى إخبار رسول الله ﷺ لزوجته ما حدث له، ثم ذهابهم إلى ورقة بن نوفل، منقصة لرسول الله ﷺ، ودليل فى زعمهم على ارتيابه فى نبوته، ومنقبة لزوجته خديجة وورقة وأنهما أحق بالنبوة منه (١) وهذا لعمرى لمنطق معكوس إذ كيف ينكر عاقل دور الزوجة عامة فى تخفيف الآلام عن زوجها، وخاصة دور خديجة العظيم فى تخفيف آلام رسول الله ﷺ منذ أول يوم أرسل إليه فيه، حتى تتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بموتها وموت عمه أبو طالب، ونالت قريش من أذيته ﷺ ما لم تكن تطمع به فى حياتهما (٢) وما ذلك إلا لأن مواقفها من رسول الله ﷺ، من أشرف المواقف التى تحمد لامرأة فى الأولين والآخرين.","footnotes":"(١) يراجع: ما قاله عبد الحسين شرف الدين، وجعفر مرتضى العاملى ص١٩٩.\r(٢) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٩ نص رقم ٤١٣، والروض الأنف للسهيلى ٢/٢٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555842,"book_id":1504,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":329,"body":"ويدل على ذلك ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: \"كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الأيام، فأدركتنى الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً، فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضب، حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: \"لا والله ما أبدلنى الله خيراً منها، آمنت بى إذ كفر الناس، وصدقتنى إذ كذبنى الناس، وواستنى بمالها إذ حرمنى الناس، ورزقنى الله منها أولاداً إذ حرمنى أولاد النساء\" قالت عائشة: فقلت فى نفسى، لا أذكرها بسيئة أبداً\" (١) .\rوأصل الحديث فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: \"ما غرت على أحد من نساء النبى ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبى ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها فى صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن فى الدنيا امرأة إلا خديجة؟! فيقول: \"إنها كانت وكانت، وكان لى منها ولد\" وفى رواية مسلم: \"إنى قد رزقت حبها\" (٢) .\rفتأمل قوله ﷺ: \"لا والله ما أبدلنى الله خيراً منها، آمنت بى إذ كفر الناس.. إلخ إنها كلمات من جوامع الكلم تبين عظيم دورها فى تخفيف آلام الدعوة وشدائدها عن رسول الله ﷺ، كما أن فى الحديث بيان لعظم فضلها، وإلى أى مدى عرف لها النبى ﷺ قدرها ومنزلتها فى حياتها، وحفظ لها ودها وعهدها بعد وفاتها، فرضى الله عنها وأرضاها، وجزاها بفضله وكرمه عن دينه ونبيه، خير وأوفر الجزاء.","footnotes":"(١) أخرجه أحمد فى مسنده ٦/١١٧، ١١٨ بإسناد حسن كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٢٢٤.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبى ﷺ خديجة وفضلها ٧/١٦٦ رقم ٣٨١٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة ٨/٢١٤ رقم٢٤٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555843,"book_id":1504,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":330,"body":"وإذا كان دورها فى الدعوة الإسلامية لا ينكره عاقل، فلا وجه لاستنكار أعداء السنة المطهرة، تخفيفها عن رسول الله ﷺ بعد عودته من غار حراء ولاسيما ورسول الله ﷺ، عاد إليها وعليه آثار الروع والمشقة، رأتها على وجهه وجسده الشريف، كما كان يراها فيما بعد صحابة رسول الله ﷺ، على ما ورد فى حالات نزول الوحي عليه.\rوليس فى روايات الحديث ما يحاول زعمه أعداء السنة والسيرة العطرة، من أن رسول الله ﷺ اشتكى لخديجة (شكوى من يرتاب فى نبوته ورسالته والعياذ بالله) .\rوإنما إذا صح التعبير أن يكون من رسول الله ﷺ شكوى، فهى شكوى من زوج لزوجته، يريد أن يخفف عنه ما لاقاه من رعب وفزع وشدة فى هذا اللقاء الذى عاد منه إلى بيته، ولا تزال آثاره على سائر جسده الذى يرجف مما جعله يقول: \"زملونى، زملونى\" أو \"دثرونى، دثرونى\" والمعنى واحد، وكأنه ﷺ يقول: غطونى بما أدفأ به حتى يذهب عنى أثر الرعب والرجفة عن سائر جسدى (١) تقول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها \"فزملوه حتى ذهب عنه الروع\" وهو بفتح الراء أى الفزع، وأما الذى بضم الراء فهو موضع الفزع من القلب (٢) .\rوتأمل ما جاء فى الحديث من قوله ﷺ: \"يا خديجة مالى؟ \" وهو استفهام تعجبى، أى: أى شئ ثبت لى، حتى حصل ما حصل، وأخبرها الخبر، وما عانى فيه، حتى ظن أن نفسه تقبض من شدة الفزع والرعب، من هول المفاجأة، ومن معاناة نزول الوحي عليه، وهو ما عبر عنه بقوله: \"لقد خشيت على نفسى\".","footnotes":"(١) ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٢/٩٥، ٢٨٣، وفتح البارى ٨/٥٩٠ رقم ٤٩٥٣.\r(٢) فتح البارى ٨/٥٩٠ رقم ٤٩٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555844,"book_id":1504,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":331,"body":"فأين الشكوى التى يزعمها أعداء السيرة العطرة؟ وإذا كانت شكوى فأين ما فيها مما يفيد فى زعمهم أنه شك وارتاب فى نبوته؟ إنه مجرد \"إخبار من زوج لزوجته لموقف شديد حدث له يريد أن تخفف عنه آثاره! فأى استنكار فى ذلك؟!.\rوقد أدت الزوجة خديجة رضى الله عنها دورها باطمئنان زوجها والتخفيف عنه بأعظم الكلمات على ما سبق شرحه قريباً.\rوأرادت أن تزداد يقيناً فانطلقت به إلى ورقة بن نوفل ابن عمها وكان امرءاً تنصر فى الجاهلية، واشتهر عنه فى مكة من العلم بما فى التوراة والإنجيل، وتباشير الأحبار والرهبان، بما جاء فى الكتابين من أوصاف نبى آخر الزمان، وأن وقته قد أظل، فلما أخبره ﷺ بما رأى، قال ورقة (هذا الناموس الذى أنزل على موسى) وتمنى ورقة أن يعيش حتى يدرك انتشار الإسلام، ليكون جندياً من جنود الله، يجاهد فى ظل لواء النبى ﷺ فى سبيل إعلاء كلمة الله ولكنه أدركته منيته، فلم يلبث بعد بعث النبى ﷺ إلا قليلاً، ثم توفى، وفتر الوحي، هذا كل ما تفيده قصة ذهابه ﷺ وزوجته إلى ورقة بن نوفل.\rفهل فيها ما يزعمه الخصوم من ارتياب رسول الله ﷺ فى نبوته؟!.\rوأنى لهم هذا الزعم، وكل ما فى الحديث أن ورقة، سأل رسول الله ﷺ، عما رأى قائلاً: \"يا ابن أخى ماذا ترى؟ \" فأخبره ﷺ خبر ما رأى\" إذن لم يسأله ورقة عما يشك فيه؛ ولم يقل له رسول الله ﷺ إنى أشك فى كذا، وإنما كل ما فى الأمر، سؤال عما حدث له، وإخبار منه ﷺ لهذا الحدث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555845,"book_id":1504,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":332,"body":"وما كان من جواب ورقة لرسول الله ﷺ إلا بيان بأن ما رآه هو أمين وحى الله تعالى الذى أنزل على موسى ﵇، وهنا ازداد رسول الله ﷺ نوراً إلى نور يقينه، لما يعلمه من مكانه ورقة فى العلم والمعرفة بما فى التوراة والإنجيل من المبشرات ببعث رسول الله قد أظل الحياة مخرجه.\rفهل فى طلب عين اليقين استنكار؟! لاسيما وأن النبوة، من المغيبات تبقى فيها أمور تتردد النفس فى تفاصيلها، ولا يكون هذا التردد فى المتعلقات التى لا تدخل فى الإيمان، ألا ترى إلى قوله تعالى فى سؤال إبراهيم ﵇ عن كيفية إحيائه ﷿ للموتى ﴿أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ (١) أى الإيمان حاصل بالمرة، ولكن إحيائك غيب، فأريد أن أرى الغائب شاهداً لأزيل به ما يبقى فى الغيب، وسماه طمأنينة، وبالتالى سؤاله ﵇ لم يخالف إيمانه، بل أكده.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٢٦٠ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555846,"book_id":1504,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":333,"body":"وكذلك الحال مع ذهاب رسول الله ﷺ إلى ورقة، كل ما فيه طلب عين اليقين؛ ولا يعنى ذهابه أنه شك فى نبوته عما يزعم الرافضة، بدليل أن رسول الله ﷺ لم يعقب على كلام ورقة إلا بقوله: \"أو مخرجى هم؟ \" ولم يعقب ﷺ على قوله \"هذا الناموس الذى أنزل على موسى\" لأنه ﷺ كان على يقين بأنه مَلَك من عند ربه ﷿، نزل عليه بوحى الله تعالى، فلم يزده ﷺ هذا الجواب إلا يقيناً على يقينه، وإلا لو كان فى شك – لجاء – ما يشير إلى ذلك، تعقيباً واستفسار منه ﷺ لورقة، وإنما لم يعقب ولم يستفسر ﷺ عن ذلك ليقينه بذلك، وإنما جاء التعقيب والاستفسار على قول ورقة \"ليتنى أكون حياً إذ يخرجك قومك\" ففى هذا الكلام شئ جديد على رسول الله ﷺ، فيستفسر \"أو مخرجى هم\" وكأنه ﵊ يقول: كيف يخرجونى، وأنا جئت لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وكيف يخرجونى من حرم الله، وجوار بيته، وبلدة آبائى من عهد إسماعيل ﵇؟.\rفيأتى الجواب من ورقة: نعم! أى هم مخرجوك، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصراً مؤزراً.\rولعل حكمة المولى ﷿ اقتضت أن تكون ما أخذت رسول الله ﷺ من المخافة، وما غشيته من الخشية والرهبة كلها ألقيت عليه تكويناً، ليرجع إلى من جعلها الله ﷿ سكناً، وترجع به إلى ورقة، فيشيع خبر نبوته من قبلهم... ويصير بهذا الطريق دليلاً محكماً على أن محمداً ﷺ نبى صادق، حتى شهد به شاهد من أهله، (خديجة) وشهد به ورقة الذى كان يعرف حال الأنبياء، ليكون حجة على أهل الكتاب، وعلى المشركين الذين يقدرون علم ومكانه ورقة بالمبشرات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555847,"book_id":1504,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":334,"body":"وهكذا يقدر المولى ﷿ لأنبيائه ورسله أموراً، ويلقيها عليهم تكويناً لمصالح لا يعلمها إلا هو (١) أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":"(١) ينظر: حاشية البدر السارى إلى فيض البارى لمحمد بدر ١/٢٧ – ٢٩ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555848,"book_id":1504,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":335,"body":"المطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\"\rوالرد عليها\r... روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ (١) .\r... هذا الحديث طعن فيه أعداء السنة والسيرة قديماً من أهل الأهواء والبدع، وزعموا أن فيه طعناً فى عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٢) وتابعهم حديثاً أذيالهم إذا يقول عبد الحسين شرف الدين الموسوى: \"إن الظاهر من قوله: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" ثبوت الشك لرسول الله ﷺ، ولسائر الأنبياء، وأنهم جميعاً أولى به من إبراهيم، ولو فرض عدم إرادة الأنبياء جميعاً فإرادة رسول الله ﷺ مما لابد منها...، والحديث نص صريح فى أنه أولى بالشك\" (٣) .\r... ويجاب عن ما سبق بما يلى:","footnotes":"(١) جزء من الآية ٢٦٠ البقرة، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم﴾ ٦/٤٧٣ رقم ٣٣٧٢، وفى كتاب التفسير، باب ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحى الموتى﴾ ٨/٤٩ رقم ٤٥٣٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة ١/٤٦٠ رقم ٢٣٨، وكتاب الفضائل، باب فضائل إبراهيم الخليل ﵇ ٨/١٣٤ رقم ٢٣٧١.\r(٢) حكاه عنهم الإمام ابن قتيبة فى كتابه تأويل مختلف الحديث ص٩١، ٩٢.\r(٣) أبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين ص٩٠، وينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ١/٢٠، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء، والمحدثين لصالح الوردانى ص٣١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555849,"book_id":1504,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":336,"body":"أولاً: إجماع الأمة على عصمة أنبياء الله ﷿ ورسله، من الكفر والشرك، والشك، ومن تسلط الشيطان عليهم، وأن تلك العصمة صفة أساسية فيهم، وشرطاً ضرورياً من شروط الرسالة، كما أنها جزء من الكمال البشرى الذى كملهم الله ﷿ به، حتى يبلغوا رسالة ربهم إلى أقوامهم، وقد سبق تفصيل ذلك فى حقه ﷺ من خلال القرآن والسنة (١) .\rثانياً: اتفاق علماء المسلمين على أن ظاهر الشك فى قوله ﷺ: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" ليس مراداً، كما أنه ليس فى ظاهر هذا القول اعتراف بالشك، بل نفيه عن نفسه ﷺ، وعن إبراهيم وسائر أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق واحد منهم يجور فى حق الجميع.\r...\rيقول الحافظ ابن كثير: قوله ﷺ: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" ليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف (٢) .\rوقال الإمام على القارى (٣) : \"ليس فى قوله ﷺ: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" اعترافاً منه بالشك لهما، بل نفى لأن يكون إبراهيم ﵇ شك\" (٤) .","footnotes":"(١) يراجع: ص٤٧ – ٧٩.\r(٢) تفسير القرآن العظيم ١/٤٦٥، ٤٦٦.\r(٣) هو: أبو الحسن، على بن محمد سلطان الهروى، المعروف بالقارى، نزيل مكة، فقيه حنفى، من صدور العلم فى عصره، من مؤلفاته: تذكرة الموضوعات، وشرح الشفا، وغيره ذلك، مات بمكة المكرمة ١٠١٤هـ له ترجمة فى: الرسالة المستطرفة للكتانى ص١٥٣، والأعلام للزركلى ٥/١٢.\r(٤) شرح الشفا للقارى ٢/١٧٦، وينظر: الشفا ٢/٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555850,"book_id":1504,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":337,"body":"ثالثاً: إن سبب قوله ﷺ \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" على ما جاء فى الحديث ما ذكره ﷺ من قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿رب أرنى كيف تحى الموت قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ (١) وهذه الآية وما بعدها قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك، فأراد ﷺ نفى هذا الشك عن سيدنا إبراهيم، وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظن هذا به ﵇.\r... ويؤكد ذلك أنه ليس فى سؤال سيدنا إبراهيم ﵇ ما يدل على أنه شك، إذ السؤال وقع بـ \"كيف\" الدالة على حال شئ موجود مقرر عند السائل والمسئول، كما تقول: كيف علم فلان؟ فكيف فى الآية، سؤال عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنه ثابت مقرر لدى سيدنا إبراهيم ﵇ (٢) وهو ما شهد به رب العزة لسيدنا إبراهيم رداً على سؤاله، بقوله ﷿: \"أولم تؤمن\" والاستفهام هنا تقريرى للمنفى، وهو الشك، كأنه قال له: ألست مؤمناً بالبعث؟ فكان جوابه ﵇ بـ \"بلى\" لإثبات المنفى وهو الشك، والمعنى: أنا مؤمن بالبعث كما علمت ما فى قلبى، لكننى أريد أن يطمئن قلبى برؤية الكيفية فقط، واعتبر بذلك.\r... فما شك إبراهيم ﵇، ولم يكن لديه أى شبهة فى قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، إذ لم يقل لله تعالى: أتستطيع أن تحى الموتى؟ وإنما أراد أن يرى الهيئة، كما أننا لا نشك فى وجود الفيل، والتمساح، والكسوف، وزيادة النهر، ورسول الله ﷺ، ثم يرغب من لم يرى ذلك منا، فى أن يرى كل ذلك، ولا يشك فى أنه حق، لكن ليرى العجب الذى يتمثله فى نفسه، ولم تقع عليه حاسة بصره قط (٣) .","footnotes":"(١) جزء من الآية ٢٦٠ البقرة.\r(٢) فتح البارى ٦/٤٧٥ رقم ٣٣٧٢، وينظر: تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص٩٦.\r(٣) ينظر: الفصل فى الملل والنحل لابن حزم ٢/٢٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555851,"book_id":1504,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":338,"body":".. فواضح فى السؤال والجواب، أنه ﵇، لم يسأل لشك أو شبهة أو تردد وهذا ظاهر من سؤاله، إذ لم يقل لله تعالى: \"هل تقدر أن تحى الموتى، أم لا تقدر؟.\r... وهذا يشبه قولك لرسام كبير: دعنى أنظر إليك وأنت ترسم لوحة، أو لخطاط فنان: خط أمامى لكى أرى كيف تخط مثل هذه الخطوط الجميلة.\r... فليس فى مثل هذا الطلب أى ناحية تعجيزية، بل هو تعبير عن الافتنان بفنه الجميل، واعتراف به، ولهفة على رؤية دقائق فنه، وسعادة كبيرة فى تأمل كيفية ظهور لوحة رائعة، مرحلة مرحلة. أجل: فالسؤال كان حول كيفية الإحياء، وليس حول إمكانيته أو عدم إمكانيته\" (١) .\r... قلت: وكيف يشك من وصفه ربه ﷿ فى كتابه بقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ (٣) والرشد، والإيقان، اسمى مراتب العلم الذى لا يصح معه شك أو حتى شبهة!.\r... وكيف يصح الشك، وقد وصفه ربه تعالى بقوله: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ (٤) فبين رب العزة كما ترى أنه جاء ربه بقلب سليم، وإنما أراد به، أنه كان سليماً من الشك، وخالصاً للمعرفة واليقين، ثم ذكر المولى ﷿، أنه عاب قومه على عبادة الأصنام فقال تعالى: ﴿ماذا تعبدون. أإفكاً آلهة دون الله تريدون﴾ (٥) فسمى عبادتهم بأنها إفك وباطل، ثم قال سبحانه: ﴿فما ظنكم برب العالمين﴾ (٦) وهذا قول عارف بالله تعالى غير شاك!.\r... فكيف يكون قوله ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى﴾ (٧) شك فى البعث وإحياء الموتى؟!.\rالحديث حجة لنا لا علينا:","footnotes":"(١) ينظر: النور الخالد محمد مفخرة الإنسانية لمحمد كولن ٢/١٨٦، وفى ظلال القرآن لسيد قطب ١/٣٠١، ٣٠٢.\r(٢) الآية ٥١ الأنبياء.\r(٣) الآية ٧٥ الأنعام.\r(٤) الآية ٨٣ الصافات.\r(٥) الآيتان ٨٥، ٨٦ الصافات.\r(٦) الآية ٨٧ الصافات.\r(٧) جزء من الآية ٢٦٠ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555852,"book_id":1504,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":339,"body":".. ومن هنا كان قوله ﷺ: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" حجة لنا إذ فيه نفى للشك عن سيدنا إبراهيم ﵇، وعن نفسه ﷺ، وهذا من أحسن الأقوال وأصحها وأرجحها عندى فى معنى قوله ﷺ، \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" فكأنه ﷺ يقول: إن الشك مستحيل فى حق إبراهيم ﵇، فإن الشك فى إحياء الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به من إبراهيم، لأن ما يجوز فى حق واحد من الأنبياء يجوز فى حقهم جميعهم، وقد علمتم أنى لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم ﵇ لم يشك!.\rأو أراد ﷺ بقوله: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" أن يقول: إن هذا الذى تظنونه شكاً، أنا أولى به، ولكنه ليس بشك، وإنما هو طلب لمزيد اليقين.\r... وهذا الكلام مما جرت به العادة فى المخاطبة، لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئاً، قال: مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لى، ومقصوده ﷺ لا تقل ذلك.\r... وإنما خص إبراهيم ﵇، لكون الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة، منها احتمال الشك، وإنما رجح إبراهيم ﵇ على نفسه ﷺ، تواضعاً وأدباً، أو قبل أن يعلم ﷺ أنه خير وسيد ولد آدم ﵇ (١) .\r... هذا: وقيل غير ذلك من الأقوال فى توجيه قوله ﷺ: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم\" لكنها أقوال ضعيفة (٢) ومن هنا اقتصرت على ذكر ما سبق منها، لكونها أصحها، وأوضحها، وأرجحها أهـ.\rوالله تعالى أعلى وأعلم","footnotes":"(١) ينظر: المنهاج شرح مسلم ١/٤٦١ رقم ٢٣٨، وفتح البارى ٦/٤٧٥ رقم ٣٣٧٢، وفيض البارى ١/٣٥، وتنزيه الأنبياء لعلى الحسين الموسوى ص٢٧.\r(٢) ينظر: فتح البارى ٦/٤٧٤، ٤٧٥ رقم ٣٣٧٢، وعصمة الأنبياء للدكتور محمد أبو النور الحديدى ص٢٧٧ - ٢٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555853,"book_id":1504,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":340,"body":"المطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"سحر رسول الله ﷺ\"\rوالرد عليها\r... روى البخارى ومسلم: عن عائشة رضى الله عنها قالت: \"سحر رسول الله ﷺ يهودى من يهود بنى زُريق، يقال له: لبيد بن الأعصم (١) قالت: حتى كان رسول الله ﷺ، يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ، ثم دعا. ثم دعا. ثم قال: يا عائشة! أَشَعَرْتِ أن الله أفتانى فيما استفتيته فيه؟ جاءنى رجلان (٢) فقعد أحدهما عند رأسى، والآخر عند رجلى، فقال الذى عند رأسى، للذى عند رجلى، أو الذى عند رجلى، للذى عند رأسى: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب (٣) قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم قال فى أى شئ؟ قال فى مشط (٤) ومشاطة (٥) قال: وجب (٦) طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: فى بئر ذى أروان (٧) قالت: فأتاها رسول الله -","footnotes":"(١) رجل من المنافقين، وهو أصلا من الخزرج، وأسلم نفاقاً، وكان حليفاً لليهود. فتح البارى ١٠/٢٣٦ رقم ٥٧٦٣.\r(٢) أى ملكان فى صورة رجلين، دل على ذلك ما جاء فى مسند أحمد ٦/٦٣ \"أتانى ملكان\" وكان ذلك مناماً.\r(٣) أى مسحور، كنو بالطب عن السحر، تفاؤلاً بالبرء، كما كنوا بالسليم عن اللديغ. النهاية ٣/١٠١.\r(٤) بضم الميم، ويجوز كسرها، هو الآلة المعروفة التى يسرح بها شعر الرأس واللحية. فتح البارى ١٠/٢٣٩ رقم ٥٧٦٣.\r(٥) هى: الشعر الذى يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط. النهاية ٤/٢٨٤.\r(٦) بالجيم والباء، وفى رواية: بالجيم والفاء، وهما بمعنى واحد، وهو الوعاء الذى يكون فيه ثمرة النخلة، سواء النخلة الذكر أو الأنثى، ولهذا قيده فى الحديث بأنه كان من نخلة ذكر، وهو الذى يكون فيه اللقاح. المنهاج شرح مسلم ٧/٤٣٢ رقم ٢١٨٩، والنهاية ١/٢٢٧.\r(٧) وفى رواية \"ذروان\" وكلاهما صحيح، وهى بئر بالمدينة فى بستان بنى زريق. النهاية ٢/١٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555854,"book_id":1504,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":341,"body":"صلى الله عليه وسلم - فى أناس من أصحابه، ثم قال: يا عائشة! والله! لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين، قالت: فقلت: يا رسول الله! أفلا أحرقته؟ (١) قال: لا. أما أنا فقد عافانى الله، وكرهت أن أثير على الناس شراً، فأمرت بها فدفنت (٢) .\r... أنكر هذا الحديث بعض المبتدعة قديماً على ما حكاه عنهم غير واحد من الأئمة قال الإمام النووى: \"وقد أنكر بعد المبتدعة هذا الحديث بسبب أنه يحط من مقام النبوة وشرفها، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع\" (٣) وتابع المبتدعة طعناً فى الحديث أذيالهم من الرافضة، ودعاة اللادينية.","footnotes":"(١) وفى رواية: قلت يا رسول الله فأخرجه، وكلاهما صحيح، فطلبت أن يخرجه ثم يحرقه، وقد أخرج ﷺ الجف، وأمر به فدفن، أما جوابه ﷺ بـ \"لا\" فهى نفى لاستخراج ما حواه الجف من السحر، لما فى ذلك من إشاعة الضرر على المسلمين من تذكر السحر أو تعلمه، وشيوعه والحديث فيه، أو إيذاء فاعله، فيحمله ذلك، أو يحمل بعض أهله ومحبيه والمتعصبين له من المنافقين وغيرهم على سحر الناس وأذاهم، وانتصابهم لمناكدة المسلمين بذلك، وهذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها. ينظر: المنهاج شرح مسلم ٧/٤٣٣ رقم ٢١٨٩، والروض الأنف ٢/٣٧٣، وفتح البارى ١٠/٢٤١، ٢٤٥ رقمى ٥٧٦٣، ٥٧٦٥.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب السلام، باب السحر ٧/٤٢٩ رقم ٢١٨٩، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الطب، باب هل يستخرج السحر ١٠/٢٤٣ رقم ٥٧٦٥، وباب السحر ١٠/٢٤٦رقم٥٧٦٦،وفى كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل= =والإحسان﴾ ١٠/٤٩٤ رقم ٦٠٦٣، وفى كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ٦/٣٨٥ رقم ٣٢٦٨، وفى كتاب الدعوات، باب تكرير الدعاء ١١/١٩٦ رقم ٦٣٩١.\r(٣) المنهاج شرح مسلم ٧/٤٣٠ رقم ٢١٨٩، وينظر: تأويل مختلف الحديث ص١٦٤، والروض الأنف ٢/٣٧١، والشفا ٢/١٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555855,"book_id":1504,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":342,"body":".. يقول أحمد صبحى منصور: \"اتهام الرسول بالسحر أو بأن بعضهم سحره فيه تشكيك فى الرسالة، وطعن فى الدين (١) ويفقد المصداقية فى أى قول أو فعل يصدر منه، ومنه يدخل باب الشك فى الإسلام جملة وتفصيلاً، ويتعارض مع قوله تعالى: ﴿وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ (٢) .","footnotes":"(١) لماذا القرآن ص١٠٩ – ١١١.\r(٢) الآية ٨ الفرقان، وينظر: قراءة فى صحيح البخارى ص٣٦، والأنبياء فى القرآن كلاهما لأحمد صبحى منصور ص٢٠٦- ٢٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555856,"book_id":1504,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":343,"body":".. ويقول صالح الوردانى (١) : \"وتأتى قضية السحر لتؤكد لنا مدى هامشية شخصية الرسول ﷺ فى نظر أهل السنة، ومدى إهمال الوحي له، حتى أن بعض السحرة يسحرونه ويسيطرون عليه، فيفعل الشئ ولا يفعله، أو يتخيل فعل الشئ، وهذا يعنى أن الساحر قد هيمن على الرسول نفسياً، ومن الممكن أن يقول على لسانه ما يشاء. ومرة أخرى يطرح السؤال: أين دور الوحي...\" (٢) .","footnotes":"(١) كاتب مصرى معاصر، يزعم أن ما كان عليه من مذهب أهل السنة والجماعة، زيف وتضليل، وخداع، وأن ما عليه الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، هو الحق والصواب، فتشيع لهم، وكتب كتابه: الخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة، وطعن فى كل معتقدات أهل السنة والجماعة، سواء عقيدتهم فى: القرآن أو السنة أو الرسول أو الصحابة أو الحكام أو... الخ ينظر: كتابه أهل السنة شعب الله المختار، الذى شبه فيه أهل السنة باليهود، ووجه الشبه فى نظره الكذب فى كل من أهل السنة بأنهم الطائفة الناجية، واليهود بأنهم شعب الله المختار، ومن مؤلفاته الخطيرة غير ما سبق، دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين.\r(٢) أهل السنة شعب الله المختار ص٦٨، ٧٠، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٢٥٨، ٢٦٨ كلاهما لصالح الوردانى، وينظر: أضواء على السنة لمحمود أبو ريه ص٣٧٨، والأضواء القرآنية= للسيد =صالح أبو بكر ٢/٢٢٠، ٢٨٧، ودفع الشبهات عن الشيخ الغزالى ص١٩٤، وعلم السحر بين المسلمين وأهل الكتاب ص١٠٦ كلاهما لأحمد حجازى السقا، والسنة ودورها فى الفقه الجديد لجمال البنا ص٢٣٧، ومساحة للحوار ص١١٨، والمواجهة مع رسول الله ﷺ ص٢٥٩ كلاهما لأحمد حسين يعقوب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555857,"book_id":1504,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":344,"body":".. وتأثر بتلك الطعون من علماء المسلمين الإمام محمد عبده (١) وتابعه على ذلك من سار على طريقته من علماء المسلمين، وقال بقولهم بعض أدعياء العلم.","footnotes":"(١) هو: محمد بن عبده بن حسن خير الله، إمام فقيه، مفسر، متكلم، أديب لغوى، كاتب صحافى سياسى، له باعه الطويل فى مجال الإصلاح العلمى، والاجتماعى، ولكنه مع هذا كان قليل البضاعة فى الحديث، وكان يرى فى الاعتماد على المنطق والبرهان العقليين، خير سلاح للدفاع عن الإسلام، ومن هذين العاملين، وقعت له آراء فى السنة ورواتها، وفى العمل بالحديث، والاعتداد به، ما صح أن يتخذه مثل محمود أبو ريه، وأحمد صبحى منصور، والسيد صالح أبو بكر، وغيرهم من أعداء السنة، تكأة يتكئون عليها، فى تشكيكهم وطعنهم فى السنة المطهرة. من مؤلفاته: رسالة التوحيد، وشرح نهج البلاغة، وغير ذلك مات سنة ١٩٠٥م، له ترجمة فى: السنة ومكانتها فى التشريع للدكتور السباعى ص٣٠، والسنة بين دعاة الفتنة وأدعياء العلم للدكتور عبد الموجود عبد اللطيف ص٢٣٦، والمجددون فى الإسلام لعبد المتعال الصعيدى ص٥٣٤، وتاريخ الأستاذ لرشيد رضا ١/١٦، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة فى التفسير للدكتور فهد الرومى ١٢٤ – ١٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555858,"book_id":1504,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":345,"body":".. قال الإمام محمد عبده ﵀: \"نعلم أن البخارى أصدق كتاب بعد كتاب الله، وأنا لا أشك أن البخارى سمع هذا من أساتذته، والبخارى يشترط فى أحاديثه المعاصرة واللقاء، إلا أننى أرى أن هذا لم يحدث مع النبى ﷺ، وإن كان قد دس من الإسرائيليات إلى مشايخ البخارى الذين أخذ منهم، وإلا فإننا إن قد صدقنا أن النبى ﷺ، قد سحر فقد صدقنا كلام الظالمين الذى حكاه القرآن عنهم، ﴿وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحورا﴾ (١) وإن صدقنا أن النبى ﷺ قد سحر، فقد كذبنا الله ﷾ القائل فى كتابه الحكيم: ﴿إنهم عن السمع لمعزولون﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصدا﴾ (٣) ثم قال: وأما الحديث على فرض صحته فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها فى باب العقائد، وعصمة النبى من تأثير السحر فى عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ فى نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن المظنون على أى حال، فلنا بل علينا أن نفوض الأمر فى الحديث، ولا نحكمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب، وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبى ﷺ فى عقله – كما زعموا – جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئاً، وهو لم يبلغه، أو أن شيئاً نزل عليه، وهو لم ينزل عليه، والأمر هنا ظاهر لا يحتاج إلى بيان. ثم ختم كلامه قائلاً: أحب أن أكذب البخارى، من أن أنسب إلى رسول الله ﷺ، أنه سحر\" (٤) .\rويجاب عن الشبه السابقة بما يلى:","footnotes":"(١) الآية ٨ الفرقان.\r(٢) الآية ٢١٢ الشعراء.\r(٣) الآية ٩ الجن.\r(٤) تفسير جزء عم ص١٨٠ – ١٨٣،وينظر: مجلة المنار المجلد ١٢/٦٩٧، والمجلد ٢٩/١٠٤، وغيرهم ممن ذكرهم عبد المجيد محمد صالح فى كتابه: صواعق الحق المرسلة على الجنيين والكهان والسحرة ص١٢٠ – ١٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555859,"book_id":1504,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":346,"body":"أولاً: إن الحديث صحيح، وثابت بأصح الأسانيد فى أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿ فقد رواه الشيخان فى صحيحهما، ولا يصح لنا أن نقول بصدق البخارى ثم نكذب شيوخه، فإن ما يجرى على شيوخه، يجرى عليه، ولا يصح لنا أن نكذب البخارى وروايته، اعتماداً على رأى ليس له من حظ فى توثيق الأخبار، وإقرار الحقائق من قريب أو بعيد، ولو أننا سلمنا جدلاً بصدق معطيات العقل، لأتينا على كثير من السنة، بل وعلى كثير من آيات القرآن الكريم نفسه (١) .\rثانياً: قول الإسناد الإمام: بأن الحديث على فرض صحته فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها فى باب العقائد، لأنها لا تفيد إلا الظن، قول غير صحيح، لأن الحق الذى ترجحه الأدلة الصحيحة، أن الحديث الصحيح، مقطوع بصحته، ويفيد العلم اليقينى النظرى، سواء كان فى أحد الصحيحين أم فى غيرهما، وهذا العلم اليقينى نظرى برهانى، لا يحصل إلا للعالم المتجر فى الحديث العارف بأحوال الرواة والعلل، المميز بين صحيحه وسقيمه، وغثه وثمينه، وأصيله ودخيله، أما من ليس من أهل هذا الشأن، فإن هذه القرائن ولو كثرت، لا تفيدهم علماً، فمثلهم لا يعتد به فى هذا المقام، ولا تبنى عليه هنا الأحكام (٢) .\r... هذا مع العلم بأن التفرقة بين العقائد والأحكام فى العمل بخبر الواحد، لا تعرف عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين، ولا من تابعهم، ولا عن أحد من أئمة الإسلام، وإنما تعرف عن رءوس أهل البدع ومن تبعهم.","footnotes":"(١) ينظر: السنة النبوية بين دعاء الفتنة وأدعياء العلم للدكتور عبد الموجود عبد اللطيف ص٢٣٩.\r(٢) ينظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير بشرح الباعث الحثيث للأستاذ أحمد محمد شاكر ص٣٠، ومقاصد الحديث فى القديم والحديث للدكتور مصطفى التازى ٢/٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555860,"book_id":1504,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":347,"body":".. يقول الإمام ابن دحية (١) : \"وعلى قبول خبر الواحد الصحابة والتابعون وفقهاء المسلمين، وجماعة أهل السنة، يؤمنون بخبر الواحد، ويدينون به فى الاعتقادات\" (٢) .","footnotes":"(١) هو: أبو الخطاب، عمر بن الحسن بن دحية، الأندلسى، المحدث، يلقب بذى النسبين، نسبة إلى دحيه الكلبى صاحب رسول الله ﷺ، وإلى الحسين بن على رضى الله عنهما، كان بصيراً بالحديث معتنياً به، معروفاً بالضبط، له حظ وافر من اللغة. من مصنفاته: الابتهاج فى أحاديث المعراج، والعلم المشهور فى فضائل الأيام والشهور، وغير ذلك مات سنة ٦٣٣هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٢٠ رقم ١١٣٦، ولسان الميزان ٥/١٦٣ رقم ٦٠٨٦، ووفيات الأعيان ٣/٤٤٨ رقم ٤٩٧، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادى ٤/٢٠٢ رقم ١١٥.\r(٢) الابتهاج فى أحاديث المعراج ص٧٨، وللاستزادة ينظر: البحر المحيط فى أصول الفقه للزركشى مسألتى إثبات أسماء الله بأخبار الآحاد، وإثبات العقيدة بخبر الآحاد ٤/٢٦١، ٢٦٢، ومختصر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية ٢/٥٧٨، والسنة المفترى عليها للمستشار البهنساوى ص١٦٨، ١٧٢، وفتوى الشيخ محمد رشيد رضا \"أحاديث الآحاد يحتج بها فى العقائد\" مجلة المنار المجلد ١٩/٣٤٢، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٢٩١، والحديث حجة بنفسه فى العقائد والأحكام للألبانى ص٤٥ – ٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555861,"book_id":1504,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":348,"body":"ثالثاً: قول الأستاذ الإمام عن حديث السحر: وعلى أى حال، فلنا بل علينا أن نفوض الأمر فى الحديث، ولا نحكمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب، وبدليل العقل. فهذا كلام خطير جداً يفتح ثغرة ضد الثابت الصحيح من السنة، كما يفتح مجالاً لقالة السوء فى الصدام بين الكتاب والسنة، والأمر ليس كذلك، بينما حدد لنا رسول الله ﷺ فى حديثه الصحيح: \"إنى قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ\" (١) كما أن الأستاذ الإمام بجعله الأخذ بالكتاب، وبدليل العقل فقط، ترك فرصة للهجوم عليه، مما دفع تلميذه محمد رشيد رضا (٢)","footnotes":"(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك ١/١٧١ رقم ٣١٨، من حديث ابن عباس رضى الله عنهما، وقال فى إسناد عكرمة، واحتج به البخارى، وابن أبى أويس، واحتج به مسلم، وسائر رواته متفق عليهم، ثم قال: وله شاهد من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، وأخرجه فى الموضع السابق، ووافقه الذهبى، وقال: وله أصل فى الصحيح. يشير إلى ما رواه جابر بن عبد الله مرفوعاً \"وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله\"جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب= =الحج، باب حجة النبى ﷺ ٤/٤٣١ رقم ١٢١٨، والاقتصار على الوصية بالكتاب هنا: لأنه الأعظم والأهم، وفيه تبيان كل شئ إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب، عملوا بكل ما أمرهم النبى ﷺ به لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ جزء من الآية ٧ الحشر، وينظر: فتح البارى ٥/٤٢٥ رقم ٢٧٤٠.\r(٢) هو: محمد رشيد بن على رضا، البغدادى الأصل، الحسين النسب، صاحب مجلة المنار، وتفسير المنار، والوحي المحمدى، وغير ذلك من مؤلفاته، وهو أحد رواد المدرسة العقلية الحديثة، كان فى= أول =أمره متأثراً بوجهة شيخه محمد عبده، وكان مثله فى أول الأمر قليل البضاعة من الحديث، قليل المعرفة بعلومه، ولكنه كما قال الدكتور السباعى: \"منذ أن استلم لواء الإصلاح بعد وفاة الإمام محمد عبده، وأخذ يخوض غمار الميادين الفقهية والحديثية وغيرهما، وأصبح مرجع المسلمين فى أنحاء العالم فى كل ما يعرض لهم من مشكلات، كثرت بضاعته من الحديث وخبرته بعلومه، حتى غدا آخر الأمر حامل لواء السنة وأبرز أعلامها، مع بعض المآخذ عليه فى بعض فتاويه الحديثية، مات سنة ١٩٣٥م له ترجمة فى: الأعلام للزركلى ٦/٣٦١، والسنة ومكانتها التشريعية للدكتور السباعى ص٣٠، والمجددون فى الإسلام لعبد المتعال الصعيدى ص٥٣٩، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة فى التفسير للدكتور فهد الرومى ص١٧٠، ومحمد رشيد رضا وجهوده فى السنة للدكتور يوسف عبد المقصود، مخطوط بكلية أصول الدين بالقاهرة رقم ١٢٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555862,"book_id":1504,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":349,"body":"إلى القول: بأن الأستاذ الإمام كان ضعيفاً فى الحديث، كما أنه وحتى الآن محل نقد من رجال السنة، مما جرهم إلى التهجم عليه، وعلى أفكاره، بينما أبان هو عن هدفه من ذلك وجعله محدداً فى قوله: \"وقد قال الكثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هى النبوة، ولا ما يجب لها، أن الخبر بتأثير السحر فى النفس الشريفة قد صح فليزم الاعتقاد به\".\r... ويبدو أن الأستاذ الإمام قد أبدى بعض التراجع عن هذه الفكرة عندما قال: \"ثم إن نفى السحر عنه لا يستلزم نفى السحر مطلقاً\" مع أنه قد أقر سابقاً بأن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية، يعرفها بعض الناس، ويجهلها الأكثرون... إلى أن قال: أن السحر يتلقى بالتعليم، ويتكرر بالعمل فهو أمر عادى قطعاً بخلاف المعجزة، ثم يجعل بعد ذلك نفى السحر بالمرة ليس بدعة، لأن الله تعالى لم يذكره ضمن آية ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ (١) ويجعل سحر سحرة فرعون ضرباً من الحيلة ويستدل بقوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ (٢) وما قال أنها تسعى بسحرهم.\r... مع أن أقوى دليل يمكن أن ترد به على الأستاذ الإمام قوله تعالى: ﴿قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم﴾ (٣) فكيف غاب عن الأستاذ الإمام النظر فى هذه الآية، وكيف كان يمكن له أن يفسرها على خلاف ما هى عليه من إثبات حقيقة السحر لا كونه تخييلاً أو وهماً.\r... وهل يأمر رب العزة بالاستعاذة من وهم وتخيل فى قوله: ﴿ومن شر النفاثات فى العقد﴾ ؟ (٤) وهو يعنى بالنفاثات السواحر إذا رقين ونفثن فى العقد؟ (٥) .","footnotes":"(١) الآية ٢٨٥ البقرة.\r(٢) الآية ٦٦ طه.\r(٣) الآية ١١٦ الأٍعراف.\r(٤) الآية ٤ الفلق.\r(٥) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٨/٥٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555863,"book_id":1504,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":350,"body":".. أما الحديث فقد ثبت فى صحيح البخارى، وهو مرجع أساسى للسنة، فلو شككنا فى حجية الثابت فى البخارى، فكيف يقبل الناس بعد ذلك حديثاً ورد فى كتب الصحاح أو فى رواية عن غير البخارى؟!.\r... وما دفع الأستاذ الإمام من عاطفة تنزيه مقام النبوة أو محاولة إظهار الإسلام بمظهر لا يكون فيه موضع اتهام من أعداء الإسلام، أو محاربة السحر كخرافة، بعد أن توسع الناس فى عمل أشياء تتنافى مع عظمة الإسلام، وإنكاره لمظاهر الكهانة والسحر والشعوذة.\r... وهذه إن جاز أن تكون دوافع الأستاذ الإمام فلا يجوز أن تكون بحيث تصادم الثابت الصحيح، وهو الذى كثيراً ما وقف عند الثابت عن المعصوم ﷺ لا يتعداه، ولا يحاول تأويله، ويسلم به تسليم معتقد لما جاء به، حيث لا مجال للعقل فيه.\r... ثم ما هو الدافع؛ لأن يتأثر الأستاذ الإمام بالمعتزلة فى ذلك، ويحاكى رأيهم، وهو الذى كثيراً ما نعى على التقليد والمقلدين، وكان أولى به أن يأخذ برأى الإمام ابن قيم الجوزية، عندما قال فى هذا الشأن: \"وأما قولكم أن سحر الأنبياء ينافى حماية الله لهم، قيل لكم: إنه سبحانه كما يحميهم، ويصونهم، ويحفظهم، ويتولاهم، يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم، ليستوجبوا كمال كرامته، وليتأسى بهم من بعدهم من أممهم، إذا أوذوا من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا، ورضوا، وتأسوا بهم\" (١) .\r... ومن أجل ذلك أثبت علماء الإسلام هذا الحديث، وأوجدوا له مخرجاً يتفق مع سلامة النسبة إليه، ومع مكانة النبوة، وعصمته ﷺ، فقالوا:","footnotes":"(١) تفسير المعوذتين لابن قيم الجوزية ص٤١، وينظر: الإمام محمد عبده ومنهجه فى التفسير للدكتور عبد الغفار عبد الرحيم ص٢٥٩ – ٢٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555864,"book_id":1504,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":351,"body":"أولاً: الزعم بأن الحديث يحط من منصب النبوة، ويشكك فيها، وفى عصمة الأنبياء، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، هذا الذى ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل (١) .\rثانياً: أن سحر الرسول ﷺ، يرفع من مقام النبوة وشرفها، ولا يحط من شأنها، ولا يتعارض مع عصمته ﷺ، فالرسول ﷺ لم يكن معصوماً من الأمراض، فلقد كان يأكل، ويشرب، ويمرض، كما قالت عائشة رضى الله عنها \"إن رسول الله ﷺ كان رجلاً مسقاماً، وكان أطباء العرب يأتونه فأتعلم منهم\" (٢) وكانت تجرى عليه كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم، وليس فى السحر على الهيئة الواردة ما ينقص من قدره وعصمته كإمام لسائر الأنبياء والمرسلين، مادام السحر على قواه البدنية (٣) .\r... قال القاضى عياض: \"وقد جاءت راويات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده، وظواهر جوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده، ويكون معنى قوله فى الحديث: \"حتى يظن أنه يأتى أهله ولا يأتيهن\" ويروى: \"يخيل إليه\" بالمضارع كلها: أى يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعترى المسحور.","footnotes":"(١) المنهاج شرح مسلم للنووى ٧/٤٢٩ رقم ٢١٨٩.\r(٢) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤/٢١٨ رقم ٧٤٢٦ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبى صحيح على شرط البخارى ومسلم.\r(٣) يراجع ما سبق فى المراد بعصمته ﷺ فى بدنه ص٨٠ - ٨٢، وينظر: السحر والسحرة والوقاية من الفجرة لتاج الدين نوفل ص٢٩، ٦٣، ٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555865,"book_id":1504,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":352,"body":".. قلت: وهذا مثل ما يعترى الرجل السليم قوى البدن، المحطم للأرقام القياسية فى رفع الأثقال، يظن تحطيم رقم قياسى أعلى، وعند محاولة الرفع لا يستطيع، ومثل ذلك أيضاً الإنسان فى حالة النقاهة من المرض، يظن أن به قدرة على الحركة، وعندما يهم بذلك لا تحتمله قدماه.\r... قال القاضى عياض: وكل ما جاء فى الروايات من أنه يخيل إليه فعل الشئ ولم يفعله ونحوه، فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس فى ذلك ما يدخل لبساً على تبليغه أو شريعته، أو يقدح فى صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا (١) فلا مطعن لأهل الضلالة\" (٢) ثم إنه لم يثبت، بل ولم يرد أنه ﷺ تكلم بكلمة واحدة فى أثناء مدة السحر تدل على اختلال عقله ﷺ، ولا أنه قال قولاً فكان بخلاف ما أخبر به، ومن نفى فعليه بالدليل ولا دليل (٣) وكل هذا يوضح كيف أخطأ خصوم السنة والسيرة العطرة فى تفسير السحر، وأنه أثر على عقله ﷺ عصمه الله من ذلك.","footnotes":"(١) سيأتى تفصيل أدلة عصمته فى تبليغ الوحي ص٢٦٤ – ٢٧٨.\r(٢) الشفا ٢/١٨٠ – ١٨٣ بتصرف.\r(٣) أقوال فى هذا المعنى أنظرها فى: فتح البارى ١٠/٢٣٧ رقم ٥٧٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555866,"book_id":1504,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":353,"body":"ثالثاً: أن عصمة الرسول ﷺ الواردة فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) العصمة هنا المراد بها عصمته ﷺ من القتل، والاغتيال، والمكائد المهلكة، فضلاً عن عصمته من الغواية، والهوى، والضلال، وعدم الوقوع فى المعاصى والمنكرات، ولا يدخل فى العصمة هنا عصمته من الأمراض كما سبق أن ذكرت، بل الأنبياء جميعاً غير معصومين من المرض غير المنفر، فهم جميعاً تجرى عليهم كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم، وعلى ذلك فالآية ليست على عمومها، ولو كانت على عمومها ما استطاع أحد أن يخطئ فى حقه ﷺ، ولا أن يناله بأذى، وهاهم يخطئون فى حقه ﷺ كثيراً، بوصفه بالجنون والكهانة، والسحر، وينالون منه فى المعارك بكسر رباعيته، وشج رأسه، وهذا يدل على أن الآية فى عصمته من القتل، والغواية، والضلال، ولا تعارض بينهما وبين شخص يسحره (٢) .\rرابعاً: أن القول بأن الحديث معارض للقرآن الكريم، ويصدق المشركين فى قولهم: ﴿إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ (٣) مردود بأن المشركين كانوا يقولون إن محمداً بشر، وأنه فقير، وأنه لا يعلم الغيب، فهل نكذبهم فى ذلك؟!. ...","footnotes":"(١) الآية ٦٧ المائدة.\r(٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٧٧ – ٧٩، والروض الأنف للسهيلى ٢/٣٧١، ودفع الشبهات عن السنة للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٩٠، والإمام محمد عبده ومنهجه فى التفسير للدكتور عبد الغفار عبد الرحيم ص٢٥٩.\r(٣) الآية ٨ الفرقان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555867,"book_id":1504,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":354,"body":"ثم إننا نعلم يقيناً، أن الكفار لا يريدون بقولهم هذا، أن يثبتوا لرسول الله ﷺ ما أثبته هذا الحديث، وهو أن فلاناً من اليهود سحره بضعة أيام، فأدركه شئ من التغير، وخيل إليه أنه يفعل بعض الشئ، وهو لا يفعله، ثم أن الله شفاه من ذلك، هم لا يريدون هذا، بل يريدون أن ما يصدر عن رسول الله ﷺ، إنما يصدر عن خيال وجنون، وأنه لم يوح إليه شئ، فإذا آمنا بما دل عليه الحديث لم نكن مصدقين للمشركين فى دعواهم، فمفهوم الحديث شئ، ودعواهم شئ آخر.\rخامساً: زعمهم أن السحر من عمل الشياطين، وصنع النفوس الشريرة الخبيثة، أما من تحصن بعبادة الله كالأنبياء، فليس للشيطان، ولا للشريرين عليهم من سلطان، قال تعالى: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ (١) .","footnotes":"(١) الآية ٤٢ الحجر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555868,"book_id":1504,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":355,"body":".. هذا الزعم مردود عليهم بما ورد فى القرآن الكريم من آيات تثبت تعرض الشيطان للأنبياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله ﷿ بعدم تمكنه من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين، وتأمل قوله تعالى: فى حق سيدنا أيوب ﵇ ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب﴾ (١) وقوله سبحانه فى حق سيدنا آدم وزوجته: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ (٢) ومن هنا لا يلزم من وقوع السحر فى حق الأنبياء، إضلالهم وإغوائهم، فإن ذلك ظن فاسد، وتأمل قوله تعالى: ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى. قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس فى نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى. وألقى ما فى يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ (٣) فقد صرحت الآيات بأن سحر أولئك السحار، قد أوقع نبى الله موسى فى التخييل، حتى تغيرت أمامه الحقائق، فحسب الحبال حيات، والساكنات متحركات، وعندما أوجس فى نفسه من ذلك خيفة، كانت عصمة ربه له بالوحي إليه بعدم الخوف لأنه رسول الله حقاً، وعليه إلقاء ما فى يمينه يعنى عصاه فإذا هى ﴿تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ فتأمل ما فى الآيات من إثبات السحر للأنبياء مع عصمتهم من آثاره المضرة بدعوتهم.","footnotes":"(١) الآية ٤١ ص.\r(٢) الآية ٣٦ البقرة.\r(٣) الآيات ٦٥ – ٦٩ طه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555869,"book_id":1504,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":356,"body":".. وهكذا يتضح أن الحديث لا يتعارض مع أى آية من القرآن الكريم، بل آيات القرآن الكريم تؤيده نحو قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب. ومن شر النفاثات فى العقد. ومن شر حاسد إذا حسد﴾ (١) فهذه السورة وسورة الناس، واللتين تسميان بالمعوذتين، نزلتا فى قصة سحره ﷺ، كما جاء من حديث ابن عباس (٢) ومن حديث عائشة أيضاً ففيه من الزيادة أنه \"وجد فى الطلعة تمثالاً من شمع، تمثال رسول الله ﷺ وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألماً، ثم يجد بعدها راحة\" (٣) حتى قام رسول الله ﷺ، كأنما نشط من عقال، أى من حبل كان مربوطاً به.\r... وهنا قد يرد سؤال: إذا كانت عصمة الله وعنايته أحاطت رسول الله ﷺ فلم أثر فيه السحر؟.\r... والجواب: لتتعلم الأمة كيف تعالج نفسها من السحر، إذا وقع لواحد من أبنائها شئ من السحر، وهو علاج من أربعة أمور وردت فى الحديث:","footnotes":"(١) سورة الفلق كلها.\r(٢) أخرجه ابن سعد فى الطبقات الكبرى ٢/١٥٣، وسنده منقطع كما قال الحافظ فى تلخيص الحبير ٤/١١٠ رقم ١٧٢٣، وكذا فى فتح البارى ١٠/٢٣٦ رقم ٥٧٦٣، وأخرجه ابن مردويه موصولاً من طريق عكرمة عن ابن عباس، كما قال السيوطى فى الدر المنثور ٦/٧١٧.\r(٣) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٧/٩٢ – ٩٤ وسنده ضعيف كما قال الحافظ فى تلخيص الحبير وفى فتح البارى فى الأماكن السابقة نفسها، وأخرجه ابن مردويه كذا فى الدر المنثور ٦/٧١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555870,"book_id":1504,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":357,"body":"الأول: الصبر على البلاء، ابتغاء الأجر والمثوبة الواردة فى قوله ﷺ: \"ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة فى نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة\" (١) وكذلك الأنبياء يبتلون ابتغاء أجر البلاء وهو فى حقهم لرفعة درجاتهم، وإظهاراً لشرفهم، كما قال ﷿: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ (٢) وفى الحديث عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أى الناس أشد بلاءاً قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة\" (٣) ومن هنا صبر رسول الله ﷺ على سحره يحتسب أجر ذلك عند الله تعالى.\rالثانى: كثرة الدعاء، ففى الحديث الذى معنا صبر ﷺ فترة، ثم دعا، ودعا، ودعا. وفى هذا تعليم للأمة، أنه للمبتلى منها عليه بكثرة الدعاء، فإنه ببركة الدعاء، يفرج الله عنه ما هو فيه، قال تعالى: ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم﴾ (٤) وقال ﷺ: \"لا يرد القضاء إلا الدعاء\" (٥) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٨١.\r(٢) الآية ٣١ محمد.\r(٣) سبق تخريجه ص٨١.\r(٤) الآية ٦٠ غافر.\r(٥) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء ٤/٣٩٠ رقم ٢١٣٩ وقال: حديث حسن غريب، من حديث سلمان، وللحديث شاهد من حديث ثوبان رضى الله عنه أخرجه الحاكم فى المستدرك ١/٦٧٠ رقم ١٨١٤ وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555871,"book_id":1504,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":358,"body":"الثالث: الرقية، وذلك بقراءة سورتى ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ (١) ففى بعض روايات هذا الحديث على ما سبق قريباً أنه ﷺ، رقى بهاتين السورتين، وكلما رقى بآية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، وشفى بفضل الله تماماً.\r... وفى سورتى الفلق والناس واللتين تسميان بالمعوذتين، فيهما يقول ﷺ: \"ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما\" (٢) .\rالرابع: النشرة (٣) وهى مباحة، وهذه الإباحة مستفادة من قول عائشة رضى الله عنها: \"هلا تنشرت\" ولم ينكر عليها ﷺ قولها.\r... وذكر الإمام البخارى عن سعيد بن المسيب (٤) بأنه سئل عن النشرة للذى يؤخذ عن أهله، فقال: لا بأس! لم ينه عن الصلاح، إنما نهى عن الفساد، ومن استطاع ان ينفع أخاه فليفعل (٥) .","footnotes":"(١) السورتان الفلق، والناس.\r(٢) أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الاستعاذة ٨/٥٣ رقم ٥٤٣٨، وفى سننه الكبرى نفس الكتاب ٤/٤٣٧ رقم ٧٨٣٨، وأحمد فى مسنده ٤/١٤٦، والحاكم فى المستدرك ٢/٥٨٩ رقم ٣٩٨٨ وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى. من حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه.\r(٣) بضم النون: ضرب من الرقية والعلاج، سميت نشرة، لأنه ينشر بها عن المريض، ما خامره من الداء، أى: يكشف ويزال. النهاية ٥/٤٦، ويحتمل أن يكون من النشر بمعنى الإخراج، فيوافق رواية من رواة بلفظ \"أفلا أخرجته\" ويكون المراد بالمخرج، ما حواه الجف، لا الجف نفسه، فيتأيد الجمع المقدم ذكره هامش \"أفلا أحرقته\" ينظر: فتح البارى ١٠/٢٤٦ رقم ٥٧٦٥.\r(٤) أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، قال ابن المدينى: لا أعلم فى التابعين أوسع علماً منه. مات سنة ٩٤هـ له ترجمة فى: تقريب التهذيب١/٣٦٤رقم٢٤٠٣،ومشاهير علماء الأمصار ص٨١رقم ٤٢٦\r(٥) الروض الأنف ٢/٣٧٣، وينظر: فتح البارى كتاب الطب، باب هل يستخرج السحر ١٠/٢٤٣ رقم ٥٧٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555872,"book_id":1504,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":359,"body":".. ومن الناس من كره النشرة على العموم، ونزع بحديث خرجه أبو داود مرفوعاً \"هو من عمل الشيطان\" (١) .\r... قال الحافظ ابن حجر: \"ويجاب عن الحديث، بأنه إشارة إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيراً كان خيراً، وإلا فهو شر\" (٢) وقال الإمام السهيلى: النشرة من عمل الشيطان، هذا والله أعلم فى النشرة التى فيها الخواتم والعزائم، وما لا يفهم من الأسماء العجمية (٣) .\r... وبعد: فإن حديث سحر رسول الله ﷺ، لا يتعارض مع عصمته ﷺ ولا يشكك فى النبوة، كما أنه لا يمثل ثغره فى السنة والسيرة العطرة، وإنما يمثل نقطة مشرقة، إنه سحر، لكنه لم يخرج عن دائرة الصواب، بل كان فى أعلى درجات الاستقامة والهداية، وهذا يدل على أن السحر لم يؤثر فى قواه ﷺ العقلية، ولا فى درجته الإيمانية، وإنما كان مؤثراً فى أداء الجسم، وهذا لا علاقة له بالرسالة والوحي، والعصمة، ومع أنه أمر جسدى، فإن الرعاية الإلهية قد شملته، وتولاه الله بالحفظ، وسلمه سبحانه وشفاه، بعد أن أطلعه ﷿ على المكيدة التى صنعها له لبيد بن الأعصم فى السحر، فذهب إلى حيث قد طوى الرجل أمشاطه، وأسباب سحره، فأبطل ﷺ كل ذلك.","footnotes":"(١) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطب، باب النشرة ٤/٦ رقم ٣٨٦٨، وأحمد فى مسنده ٣/٢٩٤ من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه، وحسن إسناده الحافظ فى فتح البارى ١٠/٢٤٤ رقم ٥٧٦٥.\r(٢) فتح البارى ١٠/٢٤٤ رقم ٥٧٦٥.\r(٣) الروض الأنف ٢/٣٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555873,"book_id":1504,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":360,"body":".. وهكذا فأنت ترى أن هذا الحديث دليل إكرام وعصمة من الله ﷿ لرسوله ﷺ أكثر من كونه دليل أذى قد أصابه فى جسمه، أو أى جانب يتعلق ببشريته (١) أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":"(١) ينظر: دفع الشبهات عن السنة للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٨٨ - ٩٦، ومشكلات الأحاديث وبيانها للقصيمى ص٤٨ - ٥٨، والسحر بين الحقيقة والخيال للدكتور أحمد ناصر الحمد ص١١٢ - ١٢٦، وفقه السيرة للدكتور محمد البوطى ص٣٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555874,"book_id":1504,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":361,"body":"المطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث \"أَهَجَرَ\"\rوالرد عليها\"\r... روى البخارى ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: \"لما حضر رسول الله ﷺ، وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبى ﷺ: \"هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده\" فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ، قال ﵊: قوموا، وكان ابن عباس يقول: إنا الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم\" (١)","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شئ يوص فيه ٦/١٠٠ رقم ١٦٣٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن هى: كتاب العلم، باب كتابة العلم ١/٢٥١ رقم ١١٤، وكتاب الجهاد، باب جوائز الوفد ٦/١٩٦ رقم ٣٠٥٣، وكتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ٦/٣١٢ رقم ٣١٦٨، وكتاب المغازى باب مرض النبى ﷺ ووفاته ٧/٧٣٨ رقمى ٤٤٣١، ٤٤٣٢، وكتاب المرضى، باب قول المريض: قوموا عنى ١٠/١٣١ رقم ٥٦٦٩، وكتاب الاعتصام، باب كراهية الاختلاف ١٣/٣٤٧ رقم ٧٣٦٦، وأحمد فى مسنده ١/٢٩٣، ٣٢٤، ٣٥٥، والبيهقى فى دلائل النبوة ٧/١٨١ - ١٨٣، والطبرانى وفيه ليث بن أبى سليم وهو مدلس وبقية رجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٤/٢١٥، وللحديث شاهد من رواية جابر بن عبد الله رضى الله عنه، قال: إن رسول الله ﷺ دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده، ولا يضلون، وكان فى البيت لغط، فتكلم عمر بن الخطاب، فرفضها رسول الله ﷺ\" أخرجه أبو يعلى فى مسنده، ورجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٤/٢١٤، ٢١٥، وأخرجه أحمد فى مسنده ٣/٣٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555875,"book_id":1504,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":362,"body":"٠\r... هذا الحديث طعن فيه الرافضة، بما جاء فى بعض رواياته من قول بعض الحاضرين \"أهجر\" وزعموا كذباً نسبة هذه اللفظة إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأنه بقوله \"أهجر\" ورفعه شعار \"حسبنا كتاب الله\" تجاوز حد الأدب مع رسول الله ﷺ، وطعن فى شخصه الكريم، واتهامه بالتخريف والهذيان، كما زعموا أن تبرير الفقهاء لموقف عمر تشويه لرسول الله ﷺ، وحط من قدره وشخصه، ومكانته العالية، ومساس بعصمته ورسالته (١) .","footnotes":"(١) ينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٢٣٥، ٢٣٦، ٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555876,"book_id":1504,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":363,"body":".. يقول: أحمد حسين يعقوب (١) : \"أول من اتهم رسول الله ﷺ بالهجر، ورفع بوجهه شعار \"حسبنا كتاب الله\" هو عمر بن الخطاب، حيث حضر هو وثلة من حزبه ليطمئنوا على الوضع الصحى لرسول الله، ومن المؤكد أن شخصاً ما أخبر عمر بأن الرسول سوف يكتب وصية تلك الليلة، فأحضر عمر عدداً كبيراً من حزبه ليحول بين الرسول، وبين كتابة وصيته كما أقر عمر بذلك. وما أن قال الرسول: \"قربوا كتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً\" حتى تصدى له عمر بن الخطاب، فقال فوراً دون أن يسأل عن مضمون الكتاب: \"حسبنا كتاب الله، إن رسول الله قد هجر\" وبدون تروى صاح الحاضرون من حزب عمر فقالوا: القول ما قاله عمر!! إن رسول الله يهجر، واستغرب الحاضرون من غير حزب عمر، وصعقوا من هول ما سمعوا، فقال عفوياً: قربوا يكتب لكم رسول الله، وكان الحاضرون من حزب عمر يشكلون الأكثرية، لأنهم أعدوا للأمر عدته فصاح عمر وأعوانه: \"حسبنا كتاب الله إن الرسول يهجر\" واختلف الفريقان وتنازعوا، وصدم عمر وحزبه خاطر النبى، فقال النبى للجميع: \"قوموا عنى، ولا ينبغى عندى التنازع، وما أنا فيه خير مما تدعونى إليه\" ولقد أصاب ابن عباس عندما سمى ذلك اليوم بيوم الرزية!!! \" (٢)","footnotes":"(١) كاتب أردنى معاصر، يعمل فى مهنة المحاماة، انتقل من المذهب السنى إلى المذهب الشيعى، الذى يطعن أصحابه فى السنة النبوية، وأهلها، من مؤلفاته: نظرية عدالة الصحابة، والنظام السياسى فى الإسلام، والمواجهة مع رسول الله ﷺ وآله.\r(٢) المواجهة مع رسول الله وآله ص٢٦١، وينظر: نظرية عدالة الصحابة ص٢٨٧، كلاهما لأحمد حسين يعقوب، والمرجعات لعبد الحسين شرف الدين ص٣٣١، وحوار ومناقشة كتاب عائشة لهشام آل قطيط ص٩١، والصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ١/٥٧، ٥٨، ومنع تدوين الحديث أسباب ونتائج لعلى الشهرستانى ص٣٠٠، وسيرة المصطفى ﷺ لهاشم معروف الحسينى ص٦٩٦، ٧٠٢، وشرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ٣/١١٤، ١٢/٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555877,"book_id":1504,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":364,"body":"٠\r... ويجاب عن الشبهات السابقة بما يلى:\rأولاً: نسبة القول بـ \"أَهَجَر\" إلى الفاروق عمر بن الخطاب، لا دليل عليه، إذ جميع روايات هذا الحديث تنفى هذه الكلمة إلى عمر رضى الله عنه. وإنما الذى جاء على لسان عمر فى جميع الروايات: قال ابن عباس: \"فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله\" (١) .\r... أما لفظ \"أَهَجَر\" فجاءت جميع الروايات بنسبتها إلى بعض الحاضرين فى بيت رسول الله ﷺ دون تحديد لأشخاصهم، قال ابن عباس: \"فقالوا ما شأنه؟ أهجر! استفهموه\" (٢) .\r... فأين إذن ما يزعمه الرافضة من نسبة هذه الكلمة إلى سيدنا عمر رضى الله عنه؟.\rإنه لا وجود لهذه النسبة إلا فى أذهانهم المريضة، وقلوبهم الممتلئة حقداً على صحابة رسول الله ﷺ!!.\rثانياً: ليس فى كلمة \"أهجر\" ما يعارض عصمة رسول الله ﷺ فى عقله، وفى الوحي وتبليغ الرسالة، حال صحته، وحال مرضه يبين ذلك ضبط الكلمة المبين حقيقة المراد منها وهو سلب الهجر لا إثباته، وحاصل هذا الضبط فيما يلى:","footnotes":"(١) ينظر: تخريج حديث بحثنا، روايات البخارى أرقام ١١٤، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦، وطريق من رواية مسلم رقم ١٦٣٧، وأحمد فى مسنده ١/٣٢٤، ودلائل النبوة للبيهقى ٧/١٨٣.\r(٢) ينظر: تخريج حديث بحثنا، روايات البخارى أرقام ٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، وطريق من رواية مسلم رقم ١٦٣٧، وأحمد فى مسنده ١/٣٥٥، والبيهقى فى دلائل النبوة ٧/١٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555878,"book_id":1504,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":365,"body":"أ- إثبات همزة الاستفهام، وبفتحات عليها، \"أَهَجَرَ\" على أنه فعل ماض، والكلمة فى هذه الحالة، على سبيل الاستفهام الإنكارى على من توقف فى امتثال أمره ﷺ، بإحضار الكتف والدواة. فكأن قائلها قال: كيف تتوقف فى امتثال أمره ﷺ، أتظن أنه ﷺ كغيره يقول الهذيان فى مرضه، امتثل أمره، وأحضره ما طلب فإنه لا يقول إلا الحق.\r... وهذا الضبط والمراد به، هو أحسن الأجوبة، وأرجحها عند الحافظ ابن حجر، والقرطبى فى توجيه هذه الكلمة (١) وهو ما أرجحه أيضاً.\rب- وضبطها بعضهم: \"أهُجْراً\" بضم الهاء، وسكون الجيم، والتنوين والكلمة فى هذه الحالة راجعة إلى المختلفين عند رسول الله ﷺ وقائلها خاطبهم بها، والمراد: جئتم باختلافكم عند رسول الله ﷺ، وبين يديه هجراً ومنكراً من القول (٢) .\r... وهذا الضبط الثانى والمراد به، تثبته الروايات، وما جاء فيها من كثرة لغطهم ولغوهم.","footnotes":"(١) فتح البارى٧/٧٣٩رقم ٤٤٣٢، وينظر: فيض البارى على صحيح البخارى للكشميرى ٤/١٤٦.\r(٢) ينظر: المصادر السابقة فى الأماكن نفسها، والشفا ٢/١٩٣، وشرحه للقارى ٢/٣٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555879,"book_id":1504,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":366,"body":"ثالثاً: اتفق العلماء على أنه لا يصح أن تكون هذه الكلمة \"أهجر\" إخباراً، لأن الهجر بالضم، ثم السكون، من الفحش أو الهذيان، والمراد به هنا: ما يقع من كلام المريض الذى لا ينتظم، ولا يعتد به لعدم فائدته (١) . ووقوع ذلك من النبى ﷺ مستحيل فى حقه، لأنه معصوم فى صحته ومرضه، لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (٢) ولقوله ﷺ: \"فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه (أى من فمه الشريف فى حال غضبه، ورضاه، وكذا صحته ومرضه) ، إلا حق\" (٣) .\r... وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى فى الحديث \"هجر\" أو \"يهجر\" (٤) وهى محمولة عند أهل العلم على وجهين:\rالوجه الأول: حذف ألف الاستفهام، والتقدير أهجر؟.\r... ويؤيد صحة هذا الحمل، أنه لو احتمل من بعض الصحابة أنه قال تلك الكلمة، إخباراً عن حال رسول الله ﷺ، أو عن شك عرض له فى عصمة رسول الله ﷺ حال مرضه، لوجد من ينكره عليه من كبار الصحابة، بل من رسول الله ﷺ نفسه رداً عن عصمته، ولو ثبت الإنكار من الصحابة أو الرسول، لنقل إلينا، ولا نقل! وهو ما يؤكد صحة هذا المحمل.","footnotes":"(١) النهاية فى غريب الحديث ٥/٢١٣، وينظر: فتح البارى ٧/٧٣٩ رقم ٤٤٣٢.\r(٢) الآية ٣ النجم.\r(٣) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب العلم، باب فى كتاب العلم ٣/٣١٨ رقم ٣٦٤٦، وأخرجه أحمد فى مسنده ٢/ ١٦٢، ١٩٢، والحاكم فى المستدرك ١/١٨٧ رقم ٣٥٩ وقال على شرط مسلم، ووافقه الذهى، وسيأتى ذكر قصة الحديث ص٢٧٧.\r(٤) ينظر: تخريج حديث بحثنا، رواية البخارى رقم ٣٠٥٣، وطريق من رواية مسلم رقم ١٦٣٧، وأحمد فى مسنده ١/٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555880,"book_id":1504,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":367,"body":"الوجه الثانى: فى المراد بظاهر رواية \"هجر\" و\"يهجر\" هو حملها على ما جاء فى الرواية الثانية من قول الفاروق عمر: \"إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع\" ويكون قائل \"هجر\" أو \"يهجر\" لم يضبط لفظه، وأجرى الهجر، مجرى شدة الوجع، لأنه ينشأ منه، لا أنه اعتقد أنه ﷺ يجوز عليه الهجر، وإلا وجد من ينكر عليه كما سبق.\rهذا وقيل غير ذلك من الأقوال فى توجيه كلمة \"هجر\" و\"يهجر\" فاقتصرت على ما سبق لكونه أرجح عندى من غيره (١) .\r... وعلى ما سبق فليس فى قول القائل \"أَهَجَر\" أياً كان قائلها، كما أنه ليس فى قول عمر رضى الله عنه: \"إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع\" ما يتعارض مع عصمة رسول الله ﷺ، ولا ما يشوه شخصيته، ويحط من قدره كما يزعم الرافضة! لأن قائل \"أهجر\" أو \"أهجراً\" كان القول منه سلباً للهجر لا إثباته، وإنكاراً منه على من توقف فى امتثال أمره ﷺ، وإنكاراً أيضاً على المختلفين بين يديه ﷺ، وما أحدثوه بحضرته من لغط ولغو. ولو حملت الكلمة من قائلها، على الإخبار بحاله ﵊ لوجد من ينكر على قائلها، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ ينكر ذلك، ولنقل إلينا، ولا نقل! مما يؤكد أن قائل \"أهجر\" قصد بها سلب الهجر عن رسول الله ﷺ، لا إثباته كما يزعم الرافضة!.\rرابعاً: اتفق قول العلماء – سوى الرافضة – على أن قول عمر \"إن رسول الله، قد غلبه الوجع، عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله\" رد على من نازعه، لا على أمر النبى ﷺ.","footnotes":"(١) ينظر: الشفا ٢/١٩٣، وفتح البارى ٧/٧٤٠ رقم ٤٤٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555881,"book_id":1504,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":368,"body":".. كما أن العلماء عدو قوله: من قوة فقهه، ودقيق نظره، ومن موافقاته للوحى، قصد منه التخفيف عن رسول الله ﷺ، حين رآه قد غلب عليه الوجع، وشدة الكرب، وقامت عنده قرينه بأن الذى أراد كتابته، ليس مما لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل، لم يتركه ﵊، لأجل اختلافهم ولغطهم، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) .\r... كما لم يترك ﷺ تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وفى تركه ﵊، الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه ﷺ رأيه (٢) .\r... قلت: وهذا عندى من أقوى ما يتمسك به فى الرد على الرافضة ومن قال بقولهم، لأن ترك رسول الله ﷺ الإنكار على عمر، هو إقرار منه ﷺ بتصويب رأيه، ويأخذ هذا الإقرار حكم المرفوع المسند.\r... ويؤيد صحة ما سبق، من صحة رأى عمر، وأن أمره ﷺ بالكتابة لم يكن على سبيل الوجوب، ما جاء فى نفس الحديث من وصيته ﵊ بثلاث قال: \"اخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم (٣) وسكت عن الثالثة أو قال الراوى: فنسيتها\" (٤) .","footnotes":"(١) الآية ٦٧ المائدة.\r(٢) ينظر: دلائل النبوة للبيهقى ٧/١٨٤، ١٨٥، وفتح البارى ٧/٧٤٠ رقم ٤٤٣٢.\r(٣) قال العلماء: هذا أمر منه ﷺ، بإجازة الوفود، وضيافتهم، وإكرامهم، تطيباً لنفوسهم، وترغيباً لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم، وإعانة على سفرهم، قال القاضى عياض: قال العلماء: سواء كان الوفد مسلمين أو كفاراً، لأن الكافر إنما يفد غالباً فيما يتعلق بمصالحنا ومصالحهم\"أهـ ينظر: المنهاج شرح مسلم ٦/١٠٥ رقم ١٦٣٧، وفتح البارى ٧/٧٤١ رقم ٤٤٣٢.\r(٤) ينظر: تخريج حديث بحثنا ص٢٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555882,"book_id":1504,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":369,"body":".. فهذا يدل على أن الذى أراد أن يكتبه ﷺ، لم يكن أمراً متحتماً، لأنه لو كان مما أمر بتبليغه، لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب الله ﷿، من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظاً، كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك.\r... وقد عاش ﵊ بعد هذه المقالة أياماً، وحفظوا عنه أشياء لفظاً، فيحتمل أن مجموعها ما أراد أن يكتبه ويبعد مع كل هذا أن يكون أمره ﷺ بالكتابة على الوجوب ويتركه!.\rكما يبعد كل البعد، بدليل ما سبق، ما يزعمه الرافضة من الوصية لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه، بالخلافة من بعده ﵊، وزعمهم أن عمر رضى الله عنه، حال بين رسول الله، وبين كتابة تلك الوصية (١) .","footnotes":"(١) ينظر: مصادر الشيعة السابقة ص٢٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555883,"book_id":1504,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":370,"body":".. قال الإمام المازرى (١) : \"وإنما جاز للصاحبة الاختلاف فى هذا الكتاب، مع صريح أمره ﷺ لهم بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه ﵊ قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر رضى الله عنه، على الامتناع، لما قام عنده من القرائن، بأنه ﷺ قال ذلك من غير قصد جازم، وعزمه ﷺ على الكتابة كان إما بالوحي، وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه ﷺ الكتابة إن كان بالوحي فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضاً، وفيه حجة لمن قال بالرجوع إلى الاجتهاد فى الشرعيات\" (٢) وهو ما ينكره الرافضة على صحابة رسول الله ﷺ (٣) .","footnotes":"(١) هو: محمد بن على بن عمر التميمى المازرى، أبو عبد الله، من فقهاء المالكية، كان محدثاً، فقيهاً، أصولياً، أديباً، وله دراية بالطب، من مصنفاته: المعلم بفوائد شرح مسلم، وإيضاح المحصول من برهان الأصول، وغير ذلك مات سنة ٥٣٦هـ له ترجمة فى: الديباج المذهب ص٣٧٤ رقم ٥٠٨، وشذرات الذهب ٤/١١٤، والوافى بالوفيات ٤/١٥١، وشجرة النور الزكية ١/١٢٧ رقم ٣٧١.\r(٢) فتح البارى ٧/٧٤٠ رقم ٤٤٣٢، وشرح الزرقانى على المواهب ١٢/١٠٦، ١٠٧.\r(٣) ينظر: منع تدوين الحديث أسباب ونتائج لعلى الشهرستانى ص٨٥، ومعالم المدرستين لمرتضى العسكرى المجلد ٢/٦٧، وركبت السفينة لمروان خليفات ص٢٣٣، ٢٩٥، وتأملات فى الحديث عند السنة والشيعة لزكريا عباس داود ص٤٨ – ٦٢، والشيعة هم أهل السنة للدكتور محمد التيجانى ص٢٧، ٢٨، ٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555884,"book_id":1504,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":371,"body":".. قلت: وفى كلا الحالتين العزم على الكتابة وتركها، سواء كان بالوحي، أو بالاجتهاد، فيه إقرار من رسول الله ﷺ لرأى عمر رضى الله عنه، فيأخذ حكم المرفوع المسند، وهو دليل على صحة موقف الصحابة رضى الله عنهم من اختلافهم فى الكتاب، مع صريح أمره ﷺ.\r... قال الإمام القرطبى (١) : \"واختلاف الصحابة رضى الله عنهم، فى هذا الكتاب كاختلافهم فى قوله ﷺ: \"لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة\" (٢) فتخوف ناس فوات الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عنف ﷺ أحد منهم، من أجل الاجتهاد المسوغ، والمقصد الصالح\" (٣) .\r... وعلى ما سبق من اختلاف الصحابة رضى الله عنهم، فى فهم أمره ﷺ، ثم إقراره ﷺ لهذا الاختلاف فى فهمهم لأمره، يرد على زعم الرافضة، ومن قال بقولهم، فى أن اختلاف الصحابة، فى أمر رسول الله ﷺ بالكتابة، سوء أدب منهم، مع رسول الله ﷺ!!.","footnotes":"(١) هو: محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرح الأنصارى، الخزرجى، المالكى، القرطبى، من كبار المفسرين، والمشهورين بالصلاح والتعبد، وله مؤلفات كثيرة عظيمة منها: تفسيره، جامع أحكام القرآن، وغيرها توفى سنة ٦٧١هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للسيوطى ص٧٩ رقم ٨٨، وطبقات المفسرين للداودى ٢/٦٩ رقم ٤٣٤، والديباج المذهب ص٤٠٦ رقم ٥٤٩، وشجرة النور الزكية ١/١٩٧ رقم ٦٦٦.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب مرجع النبى ﷺ من الأحزاب ٧/٤٧١ رقم ٤١١٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين ٦/٣٤٠ رقم ١٧٧٠ من حديث ابن عمر رضى الله عنهما.\r(٣) فتح البارى ١/٢٥٢، ٢٥٣ رقم ١١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555885,"book_id":1504,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":372,"body":".. لأنهم رضوان الله عليهم أجمعين، كانوا يراجعونه ﷺ فى بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية، فى كتاب الصلح بينه وبين قريش (١) . فأما إذا أمر ﵊ بالشئ أمر عزيمة، ولا قرينة تصرفه عن ذلك، فلا يراجع فيه أحد منهم (٢) .\rخامساً: زعم الرافضة أن فى قول عمر: \"حسبنا كتاب الله\" دعوى منه للاكتفاء به عن بيان السنة، زعم لا دليل عليه، لأن سيدنا عمر رضى الله عنه لم يرد بقوله هذا، الاكتفاء به عن بيان السنة المطهرة، بل قال ما قاله لما قام عنده من القرينة، على أن الذى أراد ﷺ كتابته مما يستغنى عنه، بما فى كتاب الله ﷿، لقوله تعالى: ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شئ﴾ (٣) حيث لا تقع واقعة إلى يوم القيامة، إلا وفى الكتاب، أو السنة بيانها نصاً أو دلالة.","footnotes":"(١) ينظر: قصة الحديث فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلح، باب كيف هذا ما صالح فلان ابن فلان... ٥/٣٥٧ رقم ٢٦٩٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية ٦/٣٧٦ رقم ١٣٨٣ من حديث البراء رضى الله عنه.\r(٢) المنهاج شرح مسلم ٦/١٠٣ رقم ١٦٣٧، وفتح البارى ١/٢٥٢ رقم ١١٤.\r(٣) جزء من الآية ٣٨ الأنعام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555886,"book_id":1504,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":373,"body":".. وفى تكلف النبى ﷺ فى مرضه من شدة وجعه، كتابة ذلك مشقة ومن هنا رأى عمر، الاقتصار على ما سبق بيانه إياه نصاً أو دلالة تخفيفاً عليه ﷺ، ولئلا ينسد باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول، وقد كان سبق قوله ﷺ: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر\" (١) .\r... وهذا دليل على أنه ﷺ وكل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، وجعل لهم الأجر على الاجتهاد، فرأى عمر رضى الله عنه الصواب تركهم على هذه الجملة، لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد، مع التخفيف عن رسول الله ﷺ، وفى تركه ﵊ الإنكار على عمر، دليل على استصوابه رضى الله عنه رغم أنف الرافضة (٢) .\r... ولا يعارض ذلك قول ابن عباس رضى الله عنهما: إن الرزية كل الرزية ... الخ لأن عمر كان أفقه منه قطعاً، هذا مع اعترافنا بأنه حبر الأمة، وترجمان القرآن، وأعلم الناس بتفسير كتاب الله وتأويله، ولكنه أسف على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه، لكونه أولى من الاستنباط، لاسيما وقد بقى ابن عباس حتى شاهد الفتن (٣) . أهـ.\rوبعد:","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ١٣/ ٣٣٠ رقم ٧٣٥٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ٦/٢٥٤ رقم ١٧١٦ من حديث عمرو بن العاص رضى الله عنه.\r(٢) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٦/١٠٣ رقم ١٦٣٧ بتصرف.\r(٣) فتح البارى ٧/٧٤٠ رقم ٤٤٣٢، وشرح الزرقانى على المواهب ١٢/١٠٧، ١٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555887,"book_id":1504,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":374,"body":".. فقد استبان لك أيها الناظر بما سبق؛ عصمة رسول الله ﷺ، فى بدنه من الصرع (١) وفى عقله وقلبه من الكفر (٢) والشرك والضلال والغفلة (٣) والشك، والفحش، ومن تسلط الشيطان عليه (٤) واستحالة ذلك ونحوه عليه شرعاً وإجماعاً، ونظراً وبرهاناً وعصمته فيما سبق قبل النبوة وبعدها، وفى كل حالاته من رضى وغضب، وجد ومزح.\r... وما استدل به أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة من أحاديث يفيد ظاهرها عدم عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه لا تفيدهم فى دعواهم، لأن ما استدلوا به من أحاديث، منها ما هو ضعيف، وموضوع لا يحتج به، ومنهما ما هو صحيح ولكن تضعف دلالته على ما احتجوا به، على ما سبق تفصيله فى المطالب السابقة أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":"(١) الطعن فى عصمته فى بدنه، والزعم بأنه كان يصرع سبق الرد على هذه الفرية فى المطلب الأول من هذا المبحث ص١٨٤، وسيأتى الرد على وصف حالته ﷺ، أثناء الوحي بأنها صرع، فى شبهات المستشرقين حول الوحي الإلهى ص٢٨٩.\r(٢) حديث استلامه ﷺ الأصنام سبق الجواب عنه ص٦٢.\r(٣) حديث \"إنه ليغان على قلبى فاستغفر الله...\" سبق الجواب عنه ص١٤٢.\r(٤) حديث (فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان) سبق الجواب عنه ص١٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555888,"book_id":1504,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":375,"body":"الباب الثانى: عصمة رسول الله ﷺ فى تبليغ الوحي ودفع الشبهات\r... ويشتمل على فصلين:\rالفصل الأول: عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية.\rويشتمل على تمهيد ومبحثين:\rالمبحث الأول: التعريف بالوحي، وكيفياته.\rالمبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.\rالفصل الثانى: شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب:\r... ... المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليها.\r... ... المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض عقلية ونفسية والرد عليها.\r... ... المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية والرد عليها.\r... ... المطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها.\rالمبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب:\rالمطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله ﷺ، قاصرة على بلاغ القرآن فقط والرد عليها.\r... ... المطلب الثانى: شبهة أن رسول الله ﷺ، ليست له سنة نبوية والرد عليها.\rالمطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ إلا فى القرآن فقط والرد عليها.\r... ... المطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله ﷺ، تأليه وشرك والرد عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555889,"book_id":1504,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":376,"body":"الفصل الأول: عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي\rكما يصورها القرآن الكريم والسنة المطهرة\r... ويشتمل على تمهيد ومبحثين:\rالمبحث الأول: التعريف بالوحي، وكيفياته.\rالمبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.\r\rتمهيد\r... الوحي الإلهى: هو كلمة الله ﷿ إلى عباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور وهو أصل الدين، إذ يتعلق بكتاب الله ﷿، وسنة نبيه ﷺ والوحي فى الإسلام ثابت محفوظ بحفظ الله تعالى، والأمة مهيأة لخدمة نصوصه كما تقتضيه ظروف الحياة العلمية لها.\rوالوحي: أهم عنصر يميز شخصية النبى أو الرسول، وأكبر الدعائم التى ترتكز عليها حقيقة النبوة.\r...\rوقد دلت نصوص الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، والسيرة العطرة على عصمة سيدنا محمد ﷺ، فى تبليغ وحى الله تعالى إلى الأمة، وانعقد إجماع علماء الأمة على ذلك.\rإلا أنه يوجد فى كل أمة، وفى كل زمان ومكان، من يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى تبليغ وحى الله تعالى؛ من أعداء الإسلام من المستشرقين والمبشرين، ومن أذيالهم المتسترين بعباءة القرآن الكريم ممن يسمون أنفسهم (القرآنيون) .\r...\rأما المستشرقون: فشبهاتهم حول الوحي الإلهى قائمة على إنكار نبوة سيدنا رسول الله ﷺ، إذ لم تكن لدى معظمهم القناعة العلمية ولا الإيمان الراسخ بهذه النبوة، وبخاصة أولئك الذين جمعوا بين الاستشراق والتبشير، وألبسوا أفكارهم أردية كنسية متطرفة، فقد نشأوا على أديان أخرى، ونفذوا بشئ من العداء لهذه الشخصية النبوية الكريمة، ودفعوا دفعاً مقصوداً للإيقاع بنبوته، وحملوا حملاً مغرضاً لتجريده من صفاتها، وعلى رأسها صفة العصمة.\rفزعموا تارة، أن الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ أمر ذاتى من داخل نفسه الصافية، وعقله العبقرى.\r...","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555890,"book_id":1504,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":377,"body":"وتارة ثانية، يزعمون أنه عبارة عن أمراض عقلية ونفسية، وهم بذلك يتناقضون مع أنفسهم؛ إذ كيف يجتمع الضدان، صفاء النفس، والعقل العبقرى، مع الإصابة بالأمراض النفسية والعقلية؟! وتارة ثالثة، يزعمون أن الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ مقتبس من اليهودية والنصرانية، أو أنه وحى شيطانى بناءاً على فرية الغرانيق، وهذه الطعون فى الوحي الإلهى، هى رأى معظم المستشرقين الذين يدرسون ظاهرة الوحي والنبوة، ويخلطون عن عمد بين النبوة والعبقرية، ومعانى البطولة، ومعانى الرسالة، إذا استثنينا أولئك المستشرقين الذين ينحون بتفكيرهم نحو المادية والعلمانية، وينكرون الوحي كله جملة وتفصيلاً ويهاجمون النبوات كلها بما فيها نبوة موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.\rأما أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ففاقت شبهاتهم حول الوحي الإلهى، شبهات أعداء الإسلام، إذ أعلنوا صراحة الكفر بالشطر الثانى من الوحي الإلهى وهو سنة رسول الله ﷺ، وسيرته العطرة الواردة فى سنته الشريفة.\r... وهم فيما يزعمون يتسترون بعباءة القرآن الكريم، وفاق تسترهم كل حد، إذ تجرأوا على كتاب ربهم ﷿، ففسروه وأولوه بما يأتى فى النهاية صراحة بردهم على الله ﷿ كلامه، وتطاولهم عليه ﷿ من حيث يشعرون أو لا يشعرون.\r... إذ رسموا من خيالهم المريض صورة لدور رسول الله ﷺ فى رسالته - وهو أمر لا يملك منه أحد شئ سوى الخالق - تساعدهم فيما يكفرون به من سنة رسول الله ﷺ ٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555891,"book_id":1504,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":378,"body":".. فزعموا أن دور النبى ﷺ فى رسالته قاصراً على بلاغ كتاب الله ﷿ فقط، وأنه ليست له سنة نبوية، وأن طاعته ﷺ الواردة فى القرآن الكريم، تعنى الطاعة لكتاب الله ﷿، وتنحصر فيها، ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن القول بطاعة رسول الله ﷺ شرك وتأليه له ﷺ، وأن من يقول بطاعته فقد كفر وأشرك بربه!.\r... وقبل تفصيل تلك الشبهات والرد عليها، أرى لزاماً على تأصيل المسألة أولاً: وذلك بالتعريف بالوحي، وكيفياته، ثم تفصيل دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي الإلهى من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة. فإلى تفصيل ذلك فى المبحثين التاليين:\r\rالمبحث الأول: التعريف بالوحي لغة، وشرعاً، وكيفياته\rأولاً: التعريف بالوحي:\rأ- من حيث اللغة:\r... ذكر غير واحد من علماء هذا الشأن أن أصل الوحي فى الأسلوب العربى، معناه: الخفاء، والسرعة، والإشارة.\r... فالواو والحاء والحرف المعتل أصل يدل على إلقاء علم فى خفاء إلى غيرك، فكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه، فهو وحى كيف كان. وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة بعض الجوارح، وبالكتابة، والرسالة والإلهام.\r... وأوحى ووحى لغتان يقال: وحيث إليه الكلام، وأوحيت، ووحى، وحياً وأوحى. لكن أوحى بالهمزة أفصح من - وحى - بدونها. ولذلك جرى استعمال القرآن على ما هو الأفصح فى الفعلين أهـ بتصرف (١) .","footnotes":"(١) ينظر: لسان العرب ٦/٤١٢، والقاموس المحيط ٤/٣٩١، ومعجم مقاييس اللغة ص١٠٨٥، وتاج العروس ١٠/٣٨٤ - ٣٨٦، ومختار الصحاح ص٧١٣، والأشباه والنظائر فى القرآن الكريم لمقاتل سليمان ص١٦٨، ١٦٩، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص٥٨٦ - ٥٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555892,"book_id":1504,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":379,"body":".. وقد استعمل القرآن الكريم الوحي بمعناه اللغوى، وهو: الإعلام الخفى السريع، ويتناول الوحي بهذا المعنى عدة أنواع كما جاءت فى القرآن الكريم:\rالإشارة السريعة على سبيل الرمز كما فى قوله تعالى: ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً﴾ (١) وكما فى قوله تعالى: ﴿قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ (٢) .\rالإلهام الغريزى للإنسان (٣) ومنه ما يطلق عليه إلهام الخواطر، وهو ما يلقيه الله تعالى فى روع الإنسان","footnotes":"(١) الآية ١١ مريم.\r(٢) الآية ٤١ آل عمران.\r(٣) اشتهر لدى الكثيرين أن الوحي إلى أم موسى ﵉ الوارد فى قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ آية ٧٠ القصص، هو من هذا القبيل – أعنى الإلهام. أى من قبيل الحقيقة اللغوية. وعللوا قولهم هذا، بأنه لو قلنا إن الوحي إليها كان من قبيل الحقيقة الشرعية – أى كان بواسطة ملك – يلزم عليه أن تكون نبياً. والمقطوع به أنه لم تكن كذلك. أهـ كلامهم والحق: أن هذا الكلام خلاف التحقيق حسبما صرح بذلك الإمام القرطبى فى تفسيره ١٣/٢٥٠، والشيخ أبو حيان فى تفسيره ٧/١٠٥ – ١٠٨، وشيخنا الدكتور إبراهيم خليفة فى منة المنان ٢/١٥٢، وحجتهم فى ذلك، أن ما جاء فى الآية من الأمر بالإلقاء والوعد بأنه سيرجع إليها وسيكون من المرسلين، لا يأتى ذلك من قبل الإلهام، كما أنه لا يلزم من إرسال الملك إلى أحد، ضرورة كونه نبياً، فقد جاء الملك إلى السيدة مريم، وإلى الأقرع، والأبرص، والأعمى، وقصتهم فى الصحاح، ولم يقل أحد بنبوة هؤلاء، وفوق ذلك كله، فإن المجمع عليه أن النبى لا يكون إلا ذكراً قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم﴾ آية ٤٣ النحل، وعليه فالراجح أن الوحي إليها لم يكن إلهاماً، وإنما كان بواسطة ملك. أهـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555893,"book_id":1504,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":380,"body":"السليم الفطرة، الطاهر الروح، كما فى قوله تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾ (١) .\rالإلهام الغريزى للحيوان أو ما يطلق عليه بعض العلماء الأمر الكونى كالوحي إلى النحل، وذلك كما فى قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون﴾ (٢) .\rومما يشير إلى هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها﴾ (٣) ويدخل تحت ذلك كل الأوامر الكونية للجمادات وغيرها.\rوسوسة الشياطين كما فى قوله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ (٤) .\rوهذه الأقسام كلها ليست هى المرادة من اصطلاح الوحي فى علوم القرآن والسنة إذ المراد: الوحي الشرعى الذى جاء إلى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.\r\rب- معناه الشرعى:\rقال الحافظ ابن حجر: هو الإعلام بالشرع (٥) .\rوعرفه الأستاذ الإمام محمد عبده بقوله: هو عرفان يجده الشخص (٦) من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة (٧) .","footnotes":"(١) الآية ١١١ المائدة.\r(٢) الآية ٦٨ النحل.\r(٣) الآيتان ١١، ١٢ فصلت.\r(٤) الآية ١٢١ الأنعام.\r(٥) فتح البارى ١/١٤،١٥، كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم ٠\r(٦) لا أوافق على كلمة (الشخص) لأن الوحي المعرف هو الوحي الشرعى، والوحي الشرعى خاص بالأنبياء، فلا يجوز أن يطلق على الأنبياء هذا التعريف بكلمة (الشخص) لأن الشخص أعم فيدخل فى ذلك الإلهام إلى غير الأنبياء، اللهم إلا إذا كان الشيخ محمد عبده يعرف الوحي من جهته العامة، فلا يكون ذلك تعريفاً للوحى الشرعى.\r(٧) رسالة التوحيد ص٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555894,"book_id":1504,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":381,"body":"وعرفه البعض بأنه كلام الله المنزل على النبى الموحى إليه (١) .\rوبالنظر فى هذه التعريفات تلاحظ أنها جاءت متنوعة تبعاً لتنوع الاعتبارات، فمن نظر إلى المعنى المصدرى عرفه بالتعريف الأول، ومن نظر إلى المعنى الحاصل بالمصدر، عرفه بالثانى، ومن نظر إلى الموحى به، عرفه بالثالث، وهو المختار عندى. والله أعلم.\rثانياً: كيفيات الوحي:\r... هذه الكيفيات ذكرها غير واحد من العلماء (٢) وهى بتصرف واختصار، على النحو التالى:","footnotes":"(١) عمدة القارى شرح صحيح البخارى لبدر الدين العينى ١/١٥، وينظر: مناهل العرفان فى علوم القرآن للشيخ الزرقانى ١/٦٤، والوحي فى الإسلام وأهميته فى الحضارة الإنسانية للدكتور رؤف شلبى ص٢٩، ٣٠.\r(٢) ينظر على سبيل المثال: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ١/٧٨ – ٨٠، وشرح الزرقانى على المواهب اللدنية ١/٤٢٠ – ٤٣٧، ودلائل النبوة للبيهقى ٧/٥٢ – ٥٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٣/٢٠ – ٢٢، والإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ١/١٢٧ فقرة رقم ٥٤٦، والسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور أبى شهبة ١/٢٦٩–٢٧١،والمدخل إلى السنة للدكتور عبد المهدى ص٦٥– ٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555895,"book_id":1504,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":382,"body":"إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه ﷺ، فعن عائشة رضى الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح – الحديث (١) وواضح من قولها رضى الله عنها: \"أول ما بدئ به ... من الوحي الرؤيا الصالحة\" أن الرؤيا الصالحة، كيفية من كيفيات الوحي، وقد جاء ذلك مصرحاً به، عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: \"رؤيا الأنبياء وحى\" (٢) .\r... ويبدوا هذا واضحاً فى رؤيا سيدنا إبراهيم ﵇ فى المنام ذبح ولده إسماعيل ﵇، قال تعالى: ﴿قال يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ (٣) .\r... وتجده أيضاً فى رؤيا سيدنا يوسف ﵇، والتى تحققت بعد سنوات، قال تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين﴾ (٤) وتحققها قصة القرآن الكريم فى قوله ﷿: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقاً﴾ (٥) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص ١٩٧ – ١٩٨.\r(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠/٣٢٢١ رقم ١٨٢٣١ وهو من جمع المحقق إذ هذا من القدر المفقود، وأخرجه موقوفاً على ابن عباس، الحاكم فى المستدرك ٢/٤٦٨ رقم ٣٦١٣ وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، والطبرانى بإسناد رجاله ثقات سوى شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبى مريم فهو ضعيف كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٧٦،ومع صحة وقفه فله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأى.\r(٣) الآية ١٠٢ الصافات، وفى تفسير هذه الآية قال عبيد بن عمير بن قتادة: \"إن رؤيا الأنبياء وحى\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب التخفيف فى الوضوء١/٢٨٧ رقم ١٣٨.\r(٤) الآية ٤ يوسف.\r(٥) الآية ١٠٠ يوسف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555896,"book_id":1504,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":383,"body":".. وفى حق سيدنا رسول الله ﷺ قص القرآن الكريم نماذج من الرؤى وقعت بعد النبوة منها على سبيل المثال:\rقوله تعالى: ﴿إذ يريكهم الله فى منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم فى الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور﴾ (١) ففى غزوة بدر الكبرى واجه المسلمون المشركين فى أول واقعة حربية حاسمة، وكان المشركون ضعف عدد المسلمين، وقد وقعت رؤيا لرسول الله ﷺ شاهد فيها المشركين قلة قليلة فأخبر أصحابه يومئذ بذلك، فكان تثبيتاً لهم، وكانت تلك الرؤيا مناماً كما صرح بذلك القرآن، فلا حاجة إلى تأويل بعضهم أنه رآهم بعينه التى ينام بها (٢) .\rوقال ﷿: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ (٣) .\rفقد أخبر الرسول ﷺ صحابته فى العام السادس للهجرة برؤيا حق شاهد فيها المسلمين داخلين المسجد الحرام فى أمن تام مؤدين المناسك ولما سار المسلمون، ووصلوا إلى الحديبية (٤) لم يشك جماعة منهم أن الرؤيا النبوية تتحقق عامهم هذا... وحين وقع ما وقع من صلح الحديبية تساءل عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به\" (٥) .","footnotes":"(١) الآية ٤٣ الأنفال.\r(٢) على ما حكاه ابن جرير فى تفسيره ١٣/٥٧٠، وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/١٣.\r(٣) الآية ٢٧ الفتح.\r(٤) اسم قرية قريبة من مكة، سميت ببئر فيها. النهاية فى غريب الحديث ١/٣٣٧.\r(٥) جزء من حديث طويل، أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب الشروط فى الحرب والمصالحة مع أهل الحرب... الخ ٥/٣٩٠ رقمى ٢٧٣١، ٢٧٣٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية فى الحديبية ٦/٣٧٧ رقم ١٧٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555897,"book_id":1504,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":384,"body":"وفعلاً ففى العام السابع، وفى ذى القعدة أدى الرسول والمسلمون عمرة القضاء، ودخلوا مكة معتمرين ملبين بعد سبع سنين طوال حرموا خلالها من رؤية الكعبة المشرفة.\rثانيها: الإلهام والقذف فى القلب من غير رؤية، بأن يلقى الله أو الملك الموكل بالوحي فى قلب نبيه ما يريد، مع تيقنه أن ما ألقى إليه من قبل الله تعالى.\r... وهذه الكيفية هى المرادة من قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً﴾ (١) إذ يقابلها إجمال بقية الكيفيات فى قوله سبحانه: ﴿أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحى بإذنه ما يشاء﴾ (٢) وبهذا قال أكثر المفسرين (٣) .\r... ومن هذه الكيفية حديث ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، ولا يستبطئن أحد منكم رزقه، إن جبريل ﵇ ألقى فى روعى أن أحداً منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس، واجملوا فى الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال فضله بمعصية\" (٤) .\rثالثها: تكليم الله نبيه بما يريد من وراء حجاب، ولذلك صورتان:","footnotes":"(١) الآية ٥١ الشورى.\r(٢) جزء من الآية ٥١ الشورى.\r(٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم ٧/٢٠٣، ٢٠٤، والكشاف ٣/٤٧٥، ٤٧٦، وأنوار التنزيل ٥/٨٥، وجامع البيان ١١/٢٨، ٢٩، ومفاتيح الغيب ١٤/ ١٨٧ – ١٩١.\r(٤) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٥ رقم ٢١٣٦ أخرجه شاهداً لحديث جابر برقم ٢١٣٤ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، وأخرجه الشافعى فى الرسالة ص٩٣ فقرة رقم ٣٠٦ عن المطلب بن حنطب، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ١٠/٢٦، ٢٧، عن أبى أمامة، وأخرجه الخطيب فى الفقية والمتفقه ١/٢٧٠ رقم ٢٧٢ من طريق الشافعى، وهو إسناد مرسل كما صرح بذلك البيهقى فى السنن الكبرى ٧/٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555898,"book_id":1504,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":385,"body":"الأولى: إما فى اليقظة: وذلك مثل ما حدث لسيدنا موسى عليه الصلاة قال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (١) ومثل ما حدث لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء والمعراج، وهو ما عبر عنه العلماء بقولهم: أن يكلمه الله كفاحاً – أى مواجهة، حيث فرض الله عليه هناك الصلاة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (٢) .\rالثانية: وإما فى المنام: كما فى حديث معاذ رضى الله عنه (٣) أن النبى ﷺ تأخر عنهم ذات غداة فخرج عليهم وصلى وتجاوز فى صلاته، فلما سلم قال: \"كما أنتم على مصافكم\"، ثم أقبل إلينا فقال: إنى سأحدثكم ما حبسنى عنكم الغداة (٤) إنى قمت من الليل فصليت ما قدر لى، فنعست فى صلاتى حتى استيقظت فإذا أنا بربى ﷿ فى أحسن صورة، فقال: يا محمد أتدرى فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: لا أدرى يا رب... الحديث\" (٥) .\rرابعها: إرسال الملك، ولذلك ثلاث حالات:","footnotes":"(١) الآية ١٦٤ النساء.\r(٢) الآية ١٠ النجم.\r(٣) هو معاذ بن جبل، صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٥/١٨٧ رقم ٤٩٦٠، ومشاهير علماء الأمصار ص٦٣ رقم ٣٢١، والاستيعاب ٣/١٤٠٢ رقم ٢٤١٦، والإصابة ٣/٤٢٦ رقم ٨٠٥٥.\r(٤) المراد: ما بين صلاة الغداة وهى الصبح، وطلوع الشمس. النهاية فى غريب الحديث ٣/٣١١.\r(٥) أخرجه أحمد فى مسنده ٥/٢٤٣، والترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة ص٥/٣٤٣ رقم ٣٢٣٥ وقال: حسن صحيح، سألت البخارى عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح، وعن ابن عباس فى سنن الترمذى فى الأماكن السابقة نفسها رقمى ٣٢٣٣، ٣٢٣٤، وفى المسند ١/٣٦٨، وعن جابر بن سمرة أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة ١/٣٠٢ رقم ٤٦٥، وعن بعض أصحاب النبى ﷺ فى المسند ٤/٦٦، ٥/٣٧٨، وقال فى الجامع الأزهر ١/١٣ رجاله ثقات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555899,"book_id":1504,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":386,"body":"الحالة الأولى: أن يتمثل له الملك فى صورة رجل، والأصل فى ذلك نزول الملائكة على سيدنا إبراهيم ﵇ ضيفاً مكرمين، وقدم لهم عجلاً حنيذاً، ولم يعرف أنهم ملائكة إلا حين أفصحوا له عن حقيقة أمرهم، قال تعالى: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم﴾ (١) وأتى الملائكة لوطاً ﵇ فى صورة شباب بهى جميل المنظر قال سبحانه: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطاً سئ بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ (٢) .\r... وبعث الله إلى مريم البتول جبريل ﵇ فى صورة بشر سوى يبشرها باصطفائها واصطفاء وليدها، قال ﷿: ﴿فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ (٣) .\r... وانطلاقاً من هذه الحقيقة كان جبريل ﵇ يتنزل على سيدنا محمد ﷺ، ويتمثل لى فى صورة رجل، بحيث يراه النبى ﷺ وحده ويكلمه بما أراد فيعى عنه ما يقول، ويدل على ذلك قوله ﷺ، لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال: \"وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول\" (٤) .","footnotes":"(١) الآيات ٢٤ – ٢٨ الذاريات.\r(٢) الآيتان ٧٧، ٧٨ هود.\r(٣) الآية ١٧ مريم.\r(٤) سبق تخريجه ص٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555900,"book_id":1504,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":387,"body":".. وقد يظهر الملك المتشكل فى صورة رجل للعيان، فيراه الناس ويسمعون كلامه للنبى ﷺ، كما فى حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة، ففى نهايته قال ﷺ: يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" (١) . وعن ابن عمر قال: \"وكان جبريل ﵇ يأتى النبى ﷺ فى صورة دحية\" (٢) .\rالحالة الثانية: أن يأتى جبريل فى صورته التى خلقه الله عليها، وهذه الصورة نادرة وقليلة، ولا يراها إلا النبى ﷺ وحده، لأن غيره لا يطيق ذلك بل ربما النبى ﷺ كان لا يطيق ذلك، ولاسيما فى أول مرة وقد رأى النبى ﷺ جبريل على صورته الملائكية التى خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، كل جناح قد سد الأفق. مرتين:","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان... الخ ١/١٧٧ – ١٧٩ رقم١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام... الخ ١/١٤٠ رقم ٥٠، وفى كتاب التفسير، باب إن الله عنده علم الساعة ٨/٣٧٣ رقم ٤٧٧٧.\r(٢) هو: دحية بن خليفة الكلبى، أسلم قديماً، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها خلا بدر، وكان من أجمل الناس، توفى فى خلافة معاوية، له ترجمة فى: الاستيعاب ٢/٤٦١ رقم ٧٠١، وأسد الغابة ٢/١٩٧ رقم ١٥٠٧، ومشاهير علماء الأمصار ص٧٢ رقم ٣٨٠، والإصابة ١/٤٧٣ رقم ٢٣٩٥، والحديث أخرجه أحمد فى مسنده ٢/١٠٧ وذكر الحافظ فى الإصابة ٢/٣٨٥ أن النسائى أخرجه أيضاً بإسناد صحيح، وأخرجه ابن سعد فى ترجمة دحية ٤/٢٥٠، وإسناده، وإسناد أحمد صحيح كما قال فضيلة الدكتور عبد المهدى فى المدخل إلى السنة ص٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555901,"book_id":1504,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":388,"body":"المرة الأولى: كانت فى الأرض، يشير إلى ذلك ما أخرجه الشيخان عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: أى وهو يحدث عن فترة الوحي، بينما أنا أمشى إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت دثرونى، وصبوا على ماء بارد، وأنزل الله على ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ ... الآيات (١) . وأشار إلى هذه الصورة أيضاً قوله تعالى: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ (٢) .\rالمرة الثانية: كانت فى السماء عند سدرة المنتهى ليلة المعراج. وإليها أشار قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ (٣) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٢٠١ واللفظ للبخارى.\r(٢) الآية ٢٣ التكوير.\r(٣) الآيتان ١٣، ١٤ النجم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555902,"book_id":1504,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":389,"body":".. وعن ابن مسعود رضى الله عنه فى تفسير قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ قال: أى ابن مسعود، إنه أى رسول الله ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح\" (١) وفى رواية أخرى عن ابن مسعود عن النبى ﷺ قال فى قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال ﷺ: رأيت جبريل ﵇ عند السدرة له ستمائة جناح يتناثر منها تهاويل الدر\" (٢) ، وكون النبى ﷺ رأى جبريل على صورته الملائكية مرتين، ذلك ما أشار إليه ما ثبت فى الصحيحين عن عائشة مرفوعاً: \"لم أره على صورته التى خلق عليها إلا مرتين\" (٣) وفى رواية \"مرة عند سدرة المنتهى، ومرة فى أجياد (٤) له ستمائة جناح قد سد الأفق\" (٥) وهى رواية مبينة لما روى مختصراً فى الصحيحين.","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب فكان قاب قوسين أو أدنى ٨/٤٧٦ رقم ٤٨٥٦، وفى البابين بعده رقمى ٤٨٥٧، ٤٨٥٨، وأخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب ذكر سدرة المنتهى ٢/٦ رقم ٢٨٢.\r(٢) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب التفسير، باب سورة النجم، تفسير قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى ٦/٤٧٣ رقم ١١٥٤٢.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب معنى قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ وهل رأى النبى ربه ليلة الإسراء ٢/٧ رقم ٢٨٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب سورة النجم ٨/٤٧٢ رقم ٤٨٥٥.\r(٤) موضع بأسفل مكة، معروف من شعابها. ينظر: النهاية ١/٣١٢، وشرح الزرقانى على المواهب ١/٤٢٩.\r(٥) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة النجم ٥/٣٦٧ رقم ٣٢٧٨، وفى باب سورة الأنعام رقم ٣٠٦٨ وقال: حديث حسن صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555903,"book_id":1504,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":390,"body":"والحالة الثالثة: من حالات إرسال الملك: أن يأتى جبريل على صورته الملائكية لكنه فى هذه الحال لا يرى، أى أنه يأتى خفية فيتلبس بالنبى ﷺ ويتغشاه. لكن يصحب مجيئه شدة يراها صحابة رسول الله ﷺ وذلك فى نحو مجئ الملك بصوت صلصلة الجرس، فيوحى إليه بما شاء الله وحيه، وقد دل على ذلك قوله ﷺ لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال: \"أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال\" وفى رواية سئل ﷺ هل تحس بالوحي؟ فقال: \"أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض\".\r... وعن عائشة رضى الله عنها قالت: \"ولقد رأيته ينزل عليه الوحي فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً\" (١) .\r... وبالجملة: الوجى بجميع هذه الكيفيات يصحبه علم يقينى ضرورى من رسول الله ﷺ، بأن ما ألقى إليه حق من عند الله تعالى، وليس من خطرات النفس، ولا نزغات الشيطان، وهذا العلم اليقينى لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية كالجوع والعطش ونحوهما.\rوحى الله إلى أنبياءه قرآن وسنة:","footnotes":"(١) سبق تخريج الأحاديث السابقة ص٢٧، ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555904,"book_id":1504,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":391,"body":".. الوحي المنزل على النبى الموحى إليه بناء على التعريف الثالث للوحى، بأنه كلام الله المنزل على النبى الموحى إليه. نوعان: كتاب، وسنة. قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (١) ويقول رب العزة فى حق آل إبراهيم ﵈ ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً﴾ (٢) ويقول ﷿ فى حق عيسى ﵇: ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلاً وإذا علمتك الكتاب والحكمة﴾ (٣) وقال تعالى فى حق سيدنا محمد ﷺ: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم﴾ (٥) .\r... وهذا يدل على أن الوحي إلى رسول الله ﷺ قسمان:\rالقسم الأول: الكتاب المعجز المتعبد بتلاوته، وكيفية الوحي فى هذا القسم تكون يقظة بواسطة جبريل ﵇.","footnotes":"(١) الآية ٨١ آل عمران.\r(٢) الآية ٥٤ النساء.\r(٣) الآية ١١٠ المائدة.\r(٤) الآية ١٦٤ آل عمران.\r(٥) الآية ٢٣١ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555905,"book_id":1504,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":392,"body":"القسم الثانى: الحكمة (١) والمراد بها هنا السنة المطهرة قال تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (٢) فالتلاوة هنا المرة بعد المرة، والمتلو هنا شيئان، أولهما: آيات الله فى كتابه، وثانيهما: الحكمة وهى: صنف آخر من الوحي المتلو، ولا يكون ذلك إلا السنة النبوية المطهرة (٣) وكيفية الوحي فى هذا القسم ينقسم إلى قسمين:\rالقسم الأول: توقيفى، أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسول الله ﷺ وعبر عنه الرسول ﷺ بألفاظ من عنده، وهذا القسم هو الأعم الأغلب من السنة النبوية، ويدخل فى هذا القسم الحديث القدسى (٤) .","footnotes":"(١) الحكمة فى اللغة تطلق على عدة معان منها: العلم، والفقه، والعدل، والحلم، والنبوة، ينظر: لسان العرب ١٢/١٤٠، ١٤١، والقاموس المحيط ٤/١٠٠، والمعجم الوسيط ١/١٩٠، وبصائر ذوى التمييز للفيروز آبادى ٢/٤٩٠.\r(٢) الآية ٣٤ الأحزاب.\r(٣) ينظر: الرسالة للإمام الشافعى ص٧٨، ٧٩ فقرات رقم ٢٥٢ – ٢٥٧، والفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢٥٨ رقم ٢٥٦، ومختصر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية ٢/٥١١، والمدخل إلى السنن للبيهقى حيث نقل بأسانيده عن الحسن، وقتادة، ويحيى بن أبى كثير أنهم قالوا: الحكمة هى السنة النبوية، وسيأتى مزيد من تفصيل ذلك عند الجواب عن شبهة أن رسول الله ﷺ ليست له سنة ص٣٣٩.\r(٤) يراجع: ما سبق فى العصمة سبيل حجية القرآن والسنة ص١٣، ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555906,"book_id":1504,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":393,"body":"أما القسم الثانى: توفيقى، وهو ما قاله الرسول ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح. أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك (١) كما فى حديث أبى قتاة رضى الله عنه أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ، أرأيت إن قتلت فى سبيل الله؛ تكفر عنى خطاياى؟ فقال له رسول الله ﷺ: نعم، إن قتلت فى سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، أتكفر عنى خطاياى؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل ﵇ قال لى ذلك\" (٢) .\r... فتأمل استدراك الوحي من خلال جبريل، لم اجتهد فيه رسول الله ﷺ بزيادة الدين فى جوابه ﷺ.\r... وهذا القسم الاجتهادى التوفيقى هو الأقل فى السنة الشريفة، ويدخل فى هذا القسم ما صدر من رسول الله ﷺ على سبيل العادة والطبيعة وأقره الله تعالى عليها، كشؤونه فى طعامه وشرابه ولباسه، وجلوسه ونومه، وما ماثل ذلك، فإن ذلك كله بعد تقرير الله ﷿ له، يكون بمنزلة الوحي حجة على العباد ما لم يقم دليل على خصوصيته بالنبى ﷺ (٣) .","footnotes":"(١) وهو ما يسميه الأحناف بالوحي الباطنى. ينظر: أصول السرخسى ٢/٩٠.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأمارة، باب من قتل فى سبيل الله كفرت عنه خطاياه إلا الدين ٧/٣٥ رقم ١٨٨٥.\r(٣) وسيأتى مزيد من تفصيل ذلك فى الجواب عن شبهة أن اجتهاده ﷺ فى الشريعة يؤيد أن السنة النبوية ليست كلها وحى ص٤٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555907,"book_id":1504,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":394,"body":".. \"وذلك يدل على أن كل ما أخبر به رسول الله ﷺ من خبر فهو كما أخبر، وهو حق وصدق مطابق لما عند الله إجماعاً، فيجب التمسك به، لأنه من وحى الله تعالى إليه، وسواء علينا انبنى على هذا الوحي فى التكليف حكم أم لا، لا يفرق فى ذلك بين ما أخبر به الملك عن الله تعالى، وبين ما نفث فى روعة وألقى فى نفسه، أو رآه رؤية كشف واطلاع على مغيب على وجه خارق للعادة، أو اجتهد فى أمر أو نهى أو حكم وأقر عليه، فذلك معتبر يحتج به، ويبنى عليه فى الاعتقادات والأعمال جميعاً، لأنه ﷺ، مؤيد بالعصمة فيما نقل إلينا من وحى الله تعالى\" (١) .\rوقد قامت دلائل الكتاب والسنة على عصمته ﷺ فى نقل هذا الوحي وتبليغه إلى الناس، وهذا هو مضمون المبحث الثانى فإلى بيان ذلك.","footnotes":"(١) الموافقات للإمام الشاطبى ٤/٤٥٦ بتصرف، المسألة العاشرة (ما كشف عن المغيبات للرسول فهو حق) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555908,"book_id":1504,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":394,"sequence_num":395,"body":"المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي\rمن خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة\r... إن مهمة الرسل الأولى التى كلفهم الله ﷿ بها إلى الأمم ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، هى التبليغ الذى أوجبه الله تعالى عليهم بمقتضى اصطفائهم للرسالة التى حملهم إياها، فيجب عليهم التبليغ، ويستحيل عليهم أى شئ يخل به ككتمان الرسالة، والكذب فى دعواها، وتصور الشيطان لهم فى صورة الملك وتلبيسه عليهم فى أول الرسالة وفيما بعدها، وسلطه على خواطرهم بالوساوس، لا على وجه العمد، ولا على وجه السهو، ولا فى حال الرضى أو السخط، والصحة أو المرض، ويجب على المسلمين اعتقاد ذلك فيهم.\r... ولقد دلت نصوص القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة على عصمة نبينا محمد ﷺ فى هذا الجانب، وانعقد إجماع الأمة على ذلك وقبل تفصيل ذلك، أرى لزاماً علىَّ بيان مجالات البلاغ الذى أمر الله ﷿ به رسوله ﷺ، وشهادة الله تعالى لنبيه ﷺ بأداء واجب البلاغ على أكمل وجه.\r\rمجالات البلاغ الذى أمر الله تعالى به رسوله ﷺ:\r... والبلاغ الذى أمر الله به رسوله ﷺ عام وشامل لكل ما تحتاج إليه البشرية فى عاجلها وآجلها، ودنياها وأخراها، سواء كان ذلك بوحى القرآن، أو وحى السنة، فشمل ذلك إبلاغ القرآن، وإبلاغ السنة، إذ كل ذلك مما أنزله الله عليه من أمر الدين، كما أفاد ذلك عموم الاسم الموصول (ما) فى الآية الكريمة: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (١) كما عمم من أراد تبليغهم حيث حذف المفعول الأول لبلغ، ليعم الخلق المرسل إليهم، والتقدير: بلغ جميع ما أنزل إليك من يحتاج إلى معرفته من أمر الدين الموحى به إليك\" (٢) .","footnotes":"(١) الآية ٦٧ المائدة.\r(٢) التحرير والتنوير ٦/٢٦٠ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555909,"book_id":1504,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":396,"body":".. وقد قام رسول الله ﷺ بذلك البلاغ كله على وجه الكمال والتمام من يوم أن أنزل الله تعالى الرسالة، وكلفه بالبلاغ، بصدر سورة المدثر، ﴿يا أيها المدثر. قم فأنذر﴾ (١) فإنه من حينئذ قام بإبلاغ القرآن، وإبلاغ السنة على حد سواء، لا يألو فى ذلك جهداً ولا يدخر وسعاً، حتى أتم الله له الدين وقمع به المشركين والمبطلين.\rتبليغه القرآن الكريم:\r... أما تبليغه ﷺ القرآن فقد قام بذلك استجابة لقوله تعالى: ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً﴾ (٢) أى: لتبلغه الناس وتتلوه على مهل لتكون ألفاظه ومعانيه أثبت فى نفوس السامعين (٣) .\r... فقام بذلك حق القيام، فكانت له به عناية خاصة فى تعليمه وإذاعته ونشره، فهو يقرؤه لهم على مكث لو عده العاد لأحصاه، ترتيلاً كما أمر الله، ويسمعهم إياه فى الخطب، والصلاة، وفى الدروس والعظات والدعوة والإرشاد، وفى الفتوى والقضاء، ويدارسهم إياه فيسمع منهم ويسمعون منه، ومن لم يكن حاضراً لديه كأهل البلاد المختلفة، أرسل إليهم بعثات القراء ليعلموهم إياه ويفقهونهم به، كما هو معلوم من رسالته وسيرته وسننه (٤) .","footnotes":"(١) الآيتان ١، ٢ المدثر.\r(٢) الآية ١٠٦ الإسراء.\r(٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم ٥/١٢٥، والتحرير والتنوير ١٥/٢٣١.\r(٤) ينظر: مناهل العرفان فى علوم القرآن لمحمد الزرقانى ١/٢٤٠، والبرهان للزركشى ١/٢٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555910,"book_id":1504,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":396,"sequence_num":397,"body":".. وقبل ذلك كله كان لا يكاد ينفك عنه الوحي حتى يقرأه على الناس ويدعو كتبة الوحي فيكتبوه ثم يحفظ فى بيته ليكون وثيقة لحفظه، وحفظ أصحابه كما هو مبين فى مظانه من كتب السنة والسيرة المشرفتين (١) .\rتبليغه ﷺ للسنة الشريفة:\r... وأما تبليغه ﷺ للسنة، فما كان أقل شأناً من إبلاغ القرآن، بل كان مسايراً له فى كل أطوار البلاغ على حد سواء، لأن السنة هى: من الوحي الذى أنزل على النبى ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (٣) .\r... ولذلك كانت سنته ﷺ واجبة الطاعة والامتثال ككلام الله ﵎، كما ألزم الله تعالى بقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٤) إلى غير من الآيات الكثيرة التى توجب طاعته ﷺ كما توجب طاعة الله ﵎ (٥) .","footnotes":"(١) ينظر: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن ٨/٦٢٧ وباب كاتب النبى ﷺ ٨/٦٣٨، والبرهان فى علوم القرآن للزركشى ١/٢٣٣ – ٢٤١، والإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ١/١٦٠ – ١٧٦ نص رقم ٧٤٥ وما بعدها، ومناهل العرفان فى علوم القرآن لمحمد الزرقانى ١/٢٤٠ – ٣٣٧.\r(٢) الآيتان ٣، ٤ النجم. ...\r(٣) الآية ١١٣ النساء.\r(٤) الآية ٧ الحشر.\r(٥) سيأتى تفصيل هذه الآيات فى الرد على شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ ص٣٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555911,"book_id":1504,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":398,"body":".. فلهذا كان النبى ﷺ يعنى بإبلاغ السنة كما يعنى بإبلاغ القرآن، بل إن إبلاغه السنة كان أوسع دائرة من حيث إنه لا يمضى عليه حال من الأحوال، إلا وهو محتاج إلى أن يبين ما يستجد فيه من حكم أو موعظة أو قصة أو مثل، إذ القرآن يعنى بجوامع الأمور، وأصول التشريع، وقواعد الأحكام، ويتولى رسول الله ﷺ بيان دقائق الأخبار وتفاصيل الأحوال فى كل الأحيان والأحوال، بل غالبه مجمل أوكل الله بيانه إلى نبيه محمد ﷺ بقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (١) وقد كان ﵊ يبين القرآن الكريم على الدوام، والدليل على هذا محسوس ملموس؛ إذ هذه سنته ﷺ التى بلغت مئات الآلاف من الأحاديث، والمدونة فى دواوين السنة، لم تترك صغيرة ولا كبيرة من أمر الدين إلا وتناولتها بالتفصيل والبيان، حتى بلغ من بيانه ﷺ، أن أخبر أصحابه بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة.\r... فعن عمرو بن أخطب الأنصارى رضى الله عنه (٢) قال: \"صلى رسول الله ﷺ يوماً الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: فأعلمنا أحفظنا\" (٣) .","footnotes":"(١) الآية ٤٤ النحل.\r(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/١٧٧ رقم ٣٨٥٤، والاستيعاب ٣/١١٦٢ رقم ١٨٨٩، وتجريد أسماء الصحابة ١/٣٩٩، والرياض المستطابة ص٢٣٧.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفتن، باب إخبار النبى ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة ٩/٢٤٣ رقم ٢٨٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555912,"book_id":1504,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":399,"body":".. ومن هذا الحديث تعلم مدى تبليغه ﷺ للسنة، حيث كان ذلك البيان كله فى مجلس واحد، فما بالك ببقية المجالس فى سائر الأيام؟!.\r... ثم إنه ﷺ لم يكتف بذلك، بل كلف كل من يسمع عنه شيئاً أن يبلغه إلى من وراءه ليعم بلاغه الأمة فى كل زمان ومكان، ليعملوا بما بلغهم من سنته فى كل ما كلف به بنو الإنسان من أمور الدين والدنيا.\r... فقال ﵊: \"بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار\" (١) ورغبهم ﵊ فى ذلك وشجعهم عليه بقوله: \"نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه\" (٢) .\r... وهكذا أدى رسول الله ﷺ، واجب التبليغ تارة بالعبارة، وتارة بالكتابة، وتارة بالحث على إبلاغ من لم يبلغه، لا يألو جهداً، ولا يدخر وسعاً فى إيصال رسالة الله التى حملها إلى كل من يستطيع إيصالها إليه، تنفيذاً لواجب البلاغ الذى تحمله بمقتضى رسالته، وتنفيذاً لأوامر الله تعالى فى ذلك، كقوله سبحانه: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٣) فبلغ البلاغ المبين منذ أن بعثه الله تعالى إلى أن أتاه اليقين، وقد شهد له بالعصمة فى هذا البلاغ القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة، وإليك تفصيل تلك الشهادات.","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بنى إسرائيل ٦/٥٧٢ رقم ٣٤٦١ من حديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنه\r(٢) سبق تخريجه ص١٦.\r(٣) الآية ٦٧ المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555913,"book_id":1504,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":400,"body":"أولاً: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي\rمن القرآن الكريم والعقل:\r... جاءت آيات فى القرآن الكريم تثبت عصمته ﷺ وصدقه فى كل ما يبلغ عن الله تعالى، وهذه الآيات تتضمن أيضاً أدلة عقلية على صدقه ﷺ. من هذه الآيات ما يلى:\rأ- قول الله تعالى: ﴿وصدق الله ورسوله﴾ (١) وقوله سبحاه: ﴿والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ (٢) والذى جاء بالصدق كما يدل عليه سياق هذه الآية هو نبينا محمد ﷺ، وقد شهد لما جاء به من عنده سبحانه (قرآناً وسنة) سماه صدقاً، ويلزم من صدق ما أتى به، صدقه هو فى نفسه، إذ لا يأتى بالصدق إلا كامل الصدق، وذلك مما لا جدال فيه حيث كان صدقه معلوماً منذ حداثة سنه، وشهد له بذلك أعداؤه قبل أصدقائه، فإن الأعداء من الكفرة والمشركين لم يكونوا يشكون يوماً فى صدقه، كما قال ﷿ ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (٣) وكما كانوا يشهدون له بذلك فى مواقف مختلفة، تقدم ذكر بعضها (٤) .","footnotes":"(١) جزء من الآية ٢٢ الأحزاب.\r(٢) الآية ٣٣ الزمر.\r(٣) الآية ٣٣ الأنعام.\r(٤) يراجع: ص٨ - ١٠، وينظر: ٢٧٠ - ٢٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555914,"book_id":1504,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":401,"body":".. وإذا كانت الآيات السابقة شهادات حسية على صدقه فى كل ما يبلغ عن ربه، فهناك شهادات معنوية على صدقه ﷺ تتمثل فى تأييد الله ﷿ له ﷺ بالمعجزات المنزلة منزلة قوله ﷿: \"صدق عبدى فيما يبلغ عنى\" ومن هذه المعجزات: القرآن الكريم، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وتكثير الطعام، والإخبار بمغيبات كثيرة (١) وتأييده له بالنصر على الأعداء، على قلة جنده وضعف عدته فى معركة إثر معركة، ولقاء بعد لقاء، وكل ذلك منزل منزلة قول مرسله ﵎: \"صدق عبدى فيما يبلغ عنى\".\r... إذ أن تأييده بذلك كله، وهو يدعى أنه مرسل من عند ربه، وهو على مسمع من ربه سبحانه ومرأى، وهو جل شأنه لا يزال يؤيده بكل ذلك: دليل على كمال صدقه، وعصمته فى كل ما يبلغه من قرآن وسنة، إذ لو كان بخلاف ذلك لما أيده، ولفضح أمره للملأ، كما هى سنته سبحانه فيمن حاولوا الكذب عليه.\rب- وقال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) . فهذه الآيات دليل صدقه وعصمته فى تبليغه الوحي (قرآناً وسنة) بدليل التمانع، فقد امتنع أخذه سبحانه لنبيه ﷺ بتلك الصفة، لامتناع تقوله عليه، وامتناع التقول عليه يعنى الصدق والعصمة فيما يقول ويبلغ عن ربه.\r... قلت: وفى الآيات دلالة على أن القرآن الكريم، والسنة المطهرة من عند الله تعالى وهو استدلال بما هو مقرر فى الأذهان، من أن الله ﷿ لا يقرر أحداً على أن يقول عنه كلاماً لم يقله.","footnotes":"(١) ينظر: دلائل النبوة لأبى نعيم ٢/٣٢٥ – ٥٧٢، ودلائل النبوة للبيهقى ٦/٥ – ٥٥٢ والخصائص الكبرى للسيوطى ١/٧٨ – ٤٤٣، ٢/٣ – ٢٩٦، ومعجزات الرسول ﷺ، التى ظهرت فى زماننا للدكتور عبد المهدى عبد القادر.\r(٢) الآيات ٤٤ – ٤٧ الحاقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555915,"book_id":1504,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":402,"body":".. أى: لو لم يكن القرآن والسنة منزلين من عندنا، ومحمد ادعى أنهما منا، لما أقررناه على ذلك، ولعجلنا بإهلاكه. فعدم هلاكه ﷺ دال على أنه لم يقل على الله ما لم يقله عزوجل، لأن \"لو\" حرف امتناع، لامتناع، فامتنع ذلك من الله ﷿، لامتناع سيدنا محمد ﷺ عن هذه الأشياء.\rقال الحافظ ابن كثير: بعد أن فسر هذه الآيات: \"والمعنى فى هذا بل هو صادق بار راشد، لأن الله ﷿ مقرر له ما يبلغه عنه، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات، والدلالات القاطعات\" (١) .\r... وبالجملة: فالآيات من جملة مدحه، ودليل عصمته فى البلاغ لوحى الله تعالى، إذ فيها القسم على تصديقه بجميع الموجودات، وأنه لا يمكنه الافتراء عليه (٢) قال تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون. ومالا تبصرون. إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين﴾ (٣) .\rجـ- وقال سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٤) فكلمة \"ينطق\" فى لسان العرب، تشمل كل ما يخرج من الشفتين قول أو لفظ (٥) أى: ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله ﷿ (٦) .","footnotes":"(١) تفسير القرآن العظيم ٨/٢٤٥، وينظر: الكشاف ٤/٦٠٧، والتحرير والتنوير ٢٩/١٤٤.\r(٢) شرح الزرقانى على المواهب ٩/٥٣.\r(٣) الآيات ٣٨ – ٤٣ الحاقة.\r(٤) الآيتان ٣، ٤ النجم.\r(٥) ينظر: القاموس المحيط ٣/٢٧٧، ومختار الصحاح ص٦٦٦، ولسان العرب ١٠/٣٥٤.\r(٦) الجامع لأحكام القرآن ١٧/٨٤، ٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555916,"book_id":1504,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":403,"body":".. ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ محصور فى كونه وحياً لا يتكلم إلا به وليس بغيره (١) وفى هذا دليل واضح على عصمته ﷺ، فى كل أمر بلغه عن ربه من كتاب وسنة، فهو لا ينطق إلا بما يوحى إليه من ربه، ولا يقول إلا ما أمر به فبلغه إلى الناس كاملاً من غير زيادة ولا نقصان، وهذه شهادة وتزكية من الله ﷿ لنبيه ورسوله ﷺ فى كل ما بلغه للناس من شرعه تعالى.\rد- وقال ﷿: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ (٢) فهذه الآيات من جملة الآيات المادحة للمصطفى ﷺ، والشهادة بعصمته فى كل ما يبلغ عن ربه ﷿. وحكم \"كاد\" فى الآيات حكم سائر الأفعال، فمعناها: منفى إذا صحبها حرف نفى، وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قيل كاد زيد يبكى، فمعناه: قارب البكاء، فمقاربة البكاء ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يبكى، فمعناه: لم يقارب البكاء، فمقاربته منفية، ونفسه منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة\" (٣) والشرط فى الآيات على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، والمعنى: لولا ثبوت تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئاً يسيراً من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود تثبيتنا إياك.","footnotes":"(١) ينظر: تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير للدكتور مروان شاهين ص٥٥، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٤٧، ٤٨.\r(٢) الآيات ٧٣ – ٧٥ الإسراء.\r(٣) شرح الزرقانى على المواهب ٩/٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555917,"book_id":1504,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":404,"body":".. فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليهم، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء فى أثناء عتبه – إن كان ثم عتب – براءته، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته.\r... وبالجملة: فسياق الآيات بين واضح فى أن رسول الله ﷺ لم يركن إليهم أبداً، وإلا لأنزل الله به من العقوبة ما ذكره فى هذه الآيات، وحيث إن رسول الله لم يقع له شئ من ذلك، فلم يعذبه ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، ولم يتخلى عنه طرفة عين، كما تشهد بذلك سيرته العطرة، دل ذلك على أنه ﷺ، لم يتقول على ربه مالم يقله، ولم يفتر شيئاً من عند نفسه، وبهذا تثبت عصمته فى كل ما بلغه عن ربه من وحى الله تعالى قرآناً وسنة.\rقال القاضى عياض: \"فى الآية دليل على أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار، وراموه من فتنته، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته ﷺ وهو مفهوم الآية\" (١) .\rهـ- وقال سبحانه: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ (٢) .","footnotes":"(١) الشفا ٢/١٢٩ وينظر: محمد مفخرة الإنسانية لمحمد فتح الله كولن ٢/٢٢٥.\r(٢) الآية ٨٠ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555918,"book_id":1504,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":405,"body":".. قال الإمام القسطلانى (١) : \"يعنى: من أطاع الرسول لكونه رسولاً مبلغاً إلى الخلق أحكام الله فهو فى الحقيقة ما أطاع إلا الله... وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول ﷺ معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ فى شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله، وأيضاً وجب أن يكون معصوماً فى جميع أحواله، لأنه تعالى أمر بمتابعته فى قوله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له فى جميع أقواله وأفعاله، إلا ما خصه الدليل، طاعة له، وانقياد لحكم الله تعالى\" (٣) .","footnotes":"(١) هو أحمد بن محمد بن على القسطلانى، المصرى، الشافعى، الإمام الحافظ، العلامة، الحجة، الرحالة، الفقيه، المقرئ، المسند، من مؤلفاته النافعة: عمدة القارى بشرح صحيح البخارى، والمواهب اللدنية بالمنح المحمدية، مات سنة ٩٢٣ له ترجمة فى: الضوء اللامع للسخاوى ٢/١٠٣، ١٠٤، والبدر الطالع للشوكانى ١/١٠٢، ١٠٣، ومعجم المؤلفين لكحالة ٢/٨٥، والرسالة المستطرفة للكتانى ص٢٠٠.\r(٢) الآية ١٥٨ الأعراف.\r(٣) المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٨/٥٠٥، ٥٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555919,"book_id":1504,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":406,"body":"و ليس أدل على عصمة رسول الله ﷺ فى تبليغ وحى ربه، من تبليغه حتى ما يمس جنابه العظيم، من العتاب الذى كان يوجهه الله تعالى إليه، كما هو مقتضى تأديب الله تعالى له ﷺ الدال عليه ما روى عنه ﷺ من حديث ابن مسعود رضى الله يرفعه: \"أدبنى ربى فأحسن تأديبى\" (١) وذلك كما فى قوله جل شأنه: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٣) إلى غير ذلك من آيات العتاب التى سبق ذكرها والجواب عما يشكل من ظاهرها فى عدم عصمته ﷺ (٤) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٤٥.\r(٢) الآية الأولى التحريم.\r(٣) جزء من الآية ٣٧ الأحزاب.\r(٤) يراجع ص١٤٨ – ١٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555920,"book_id":1504,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":407,"body":".. فآيات العتاب فى القرآن الكريم ما كان ليتفوه النبى ﷺ بها لولا كمال عصمته فى البلاغ وكمال أمانته فيه، لأن كتمان ذلك فى نظر العقول البشرية ستر على النفس الشريفة، واستيفاء لحرمة آرائه، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه، ولذلك قال أنس بن مالك رضى الله عنه: \"لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً، لكتم هذه الآية ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (١) وعن عائشة رضى الله عنها قالت: \"من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل عليه فقد كذب، والله يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (٢) ولقد صدق أنس، وصدقت عائشة رضى الله عنهما، وبرا، فما أدق استنباطهما فى الدلالة على عصمة رسول الله ﷺ فى بلاغه وحى الله إلى الناس!.","footnotes":"(١) الآية ٣٧ الأحزاب، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء ١٣/٤١٥ رقم ٧٤٢٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان\" باب معنى قول الله ﷿: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ ٢/٩ رقم ٢٨٨ من حديث عائشة.\r(٢) الآية ٦٧ المائدة، والحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٨٨، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب يا أيها الرسول بلغ الخ ٨/ ١٢٤ رقم ٤٦١٢، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ .. الخ ١٣/٥١٢ رقم ٧٥٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555921,"book_id":1504,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":408,"body":"ز- وقال تعالى: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ (١) ففى هذه الآية الكريمة يزكى رب العزة نبيه، ويشهد له بالعصمة فى بلاغ الوحي، فقوله \"بضنين\" قرأت بالظاء، أى: ما هو على ما يخبر به من الوحي إليه، وغيره من الغيوب، بمتهم، وقرأت بالضاد \"بضنين\" من الضن: وهو البخل، أى: لا يبخل بالتعليم والتبليغ (٢) بل يبذله لكل أحد، كما قال قتادة: كان القرآن\rغيباً، فأنزله الله تعالى على محمد، فما ضن به على الناس، بل نشره وبلغه، وبذله لكل من أراده، قال الحفاظ ابن كثير: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح (٣) .\rح- وقال سبحانه: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ (٤) فهذه شهادة من رب العزة لنبيه ﷺ بالبلاغ المبين وعصمته فيه، حيث أباح لنبيه الإعراض عن المشركين، وأخبر أنه غير ملوم فى إعراضه عنهم، وما ذاك إلا لأنه أدى لهم الرسالة، وبذل معهم غاية الجهد، بحيث إنهم اعترفوا بذلك فى قولهم كما حكاه رب العزة عنهم: ﴿أهذا الذى بعث الله رسولا إن كان ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها﴾ (٥) .\r... قال الإمام الزمخشرى: \"قولهم إن كاد ليضلنا دليل على فرض مجاهدة رسول الله ﷺ، فى دعوتهم، وبذل قصارى الوسع والطاقة فى استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم، حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط لجاجهم، واستمساكهم بعبادة آلهتهم\" (٦) .","footnotes":"(١) الآية ٢٤ التكوير.\r(٢) أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوى ٥/٢٩٠، ٢٩١.\r(٣) تفسير القرآن العظيم ٨/٣٦٢، وينظر: النبأ العظيم للدكتور محمد دراز ص٢٤ – ٢٧.\r(٤) الآية ٥٤ الزاريات.\r(٥) الآيتان ٤١، ٤٢ الفرقان.\r(٦) الكشاف ٣/٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555922,"book_id":1504,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":409,"body":".. وبعد: فهذه شهادات من الله ﷿ لرسوله ﷺ بعصمته فى أداء واجب البلاغ على أكمل وجه (وكفى بالله شهيداً) ولم يكتف ﷿ لحبيبه محمد ﷺ بهذه الشهادات، بل لقد أضاف إليها شهادة أخرى بأسلوب آخر، حيث قال جل شأنه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ (١) فإن كمال الدين لا يكون إلا بالتبليغ لجميع أحكامه، وما أوحى الله إليه من كتاب وسنة، وعصمته فى هذا البلاغ.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٣ المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555923,"book_id":1504,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":410,"body":".. ومع ما شهد الله له بالعصمة فى بلاغ الوحي، فإنه ﵊ أحب أن تشهد له أمته بذلك فاستنطقها بذلك فى أعظم المحافل، وذلك فى يوم عرفه فى حجة الوداع، حيث قال لهم فى خطبته العظيمة ذلك اليوم: \"وأنتم تسالون عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات\" (١) فشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم (٢) وفى حديث سمرة بن جندب رضى الله عنه (٣) فى قصة الكسوف قال ﷺ: \"يا أيها الناس، إنما أنا بشر، ورسول الله، فأذكركم الله إن كنتم تعلمون إنى قصرت عن شئ من تبليغ رسالات ربى لما أخبرتمونى! قال: فقام الناس فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذى عليك\" (٤) .\r... فهكذا كانت سناء أخلاقه ﷺ العظيمة تحمله على أن يتحسس من أصحابه أن يخبروه إن وجدوا منه ﷺ تقصيراً فى واجب البلاغ، وذلك لكمال خشيته لله ﷿ وأمانته فيما اؤتمن عليه، وإلا فإنه يعلم أنه المعصوم عن ذلك، فإن كان جانب البشرية منه يجوز له التقصير، فإن واجب العصمة تمنعه منه، ويدفعه إلى كمال البلاغ.","footnotes":"(١) جزء من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه فى بيان حجة النبى ﷺ. أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب حجة النبى ﷺ ٤/٤٢٩، ٤٣٢ رقم ١٢١٨.\r(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/١٤٢.\r(٣) صحابى جليل له ترجمة فى أسد الغابة ٢/٥٥٤ رقم ٢٢٤٢، والاستيعاب ٢/٦٥٣ رقم ١٠٦٣، ومشاهير علماء الأمصار ص٤٩ رقم ٢٢٣، والرياض المستطابة ص١٠٧، ١٠٨.\r(٤) أخرجه الحاكم فى المستدرك ١/٤٧٨، ٤٧٩ رقم ١٢٣٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555924,"book_id":1504,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":411,"body":"ثانياً: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي\rمن خلال السنة المطهرة والسيرة العطرة:\r... الدلائل على صدق رسول الله ﷺ فى كل ما يخبر به عن الله تعالى من الوحي وعصمته فيه من خلال السنة والسيرة كثيرة منها:\rأ- حاله ﷺ قبل النبوة، فصدقه ﵊ مع الناس دليل على صدقه فيما يخبر به عن ربه؛ إذ لا يترك إنسان الكذب على الناس ثم يكذب على الله تعالى.\r... وهذا القياس العقلى قد استخدمه هرقل، وهو يسأل أبا سفيان بن حرب أثناء رحلة تجارية بالشام، عن أحوال النبى ﷺ وصفاته فكان مما سأل عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان، قلت: لا. (فاستخلص هرقل النتيجة المنطقية لهذا، وهى أن محمداً ﷺ صادق فى دعواه الرسالة، وفى كل ما يخبر به عن الله تعالى) قائلاً: إنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله (١) . وقد شهد له ﷺ بالصدق، الأعداء والأصدقاء على السواء.\r... فمن شهادات الأعداء ما يلى:\rعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (٢) خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: \"أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً!! وفى رواية: ما جربنا عليك كذباً!! قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد\" (٣) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٩.\r(٢) الآية ٢١٤ الشعراء.\r(٣) سبق تخريجه ص١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555925,"book_id":1504,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":412,"body":"هكذا يعترف له قومه أجمعون بالصدق، وعدم عثورهم على ما يناقض هذا الخلق منه، وهم وإن لم يكونوا قد ناصبوه العداء آنذاك، إلا أن هذه الشهادة وغيرها ظلت قائمة لا ينازعون فيها، ولم يسحبوها حينما جاهرهم بالدعوة وناصبوه العداء، وقد حرصوا بعد ذلك على صد الناس عن الإيمان كل الحرص، وبذلوا كل جهد، غير أنهم لم يقدروا أن ينالوا من صدقه وأمانته وعفافه.. حتى قال أبو طالب فى لاميته المشهورة التى قالها إبان المقاطعة التى ضربوها عليه وعلى قومه بنى هاشم، لعدم كفهم رسول الله ﷺ عن دعوته، أو تخليهم عنه، قال لهم مذكراً بحاله وأخلاقه:\rلقد علموا أن ابننا لا مكذب ... *** ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل (١) .\r... فهم يعلمون هذه الحقيقة حقا، ولكن تعاموا عنها، وأعماهم الباطل والكبر والعناد، كما قال الله تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقانتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً﴾ (٢) وكما قال ﷿: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (٣) ومما روى فى ذلك تفسيراً للآية الأخيرة.\rأن الأخنس بن شريف سأل أبو جهل، وقد خلا كل منهما بالآخر يوم بدر، فقال: يا أبا الحكم، أخبرنى عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيرى وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذ ذهب\rبنو قصى باللواء، والحجابة، والسقاية، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله تعالى: ﴿فإنم يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ : قال: \"فآيات الله يا محمد: محمد ﷺ\" (٤) .","footnotes":"(١) السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف ٢/٢٨.\r(٢) الآية ١٤ النمل.\r(٣) الآية ٣٣ الأنعام.\r(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره جامع البيان ٧/١٨١ عن السدى الكبير، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/٢٤٦، ٢٤٧ معزواً إليه، ويعضد هذه الرواية، حديث على بن أبى طالب المذكور بعده أهـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555926,"book_id":1504,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":413,"body":"وعن على بن أبى طالب قال: قال أبو جهل للنبى ﷺ، قد نعلم يا محمد أنك تصل الرحم وتصدق الحديث، ولا نكذبك ولكن نكذب الذى جئت به، فأنزل الله ﷿: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (١) .\rومن شهادات الأعداء لرسول الله ﷺ بالصدق، شهادة أمية بن خلف عندما قال له سعد بن معاذ، إنى سمعت محمداً ﷺ يزعم أنه قاتلك قال: إياى؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث، وقد تحقق ذلك يوم بدر حيث اشترك فى الغزوة، ورآه المسلمون فقتلوه شر قتلة (٢) .","footnotes":"(١) الآية ٣٣ الأنعام، والحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٣٤٥ رقم ٣٢٣٠ وصححه على شرط الشيخين، وتعقبه الذهبى بأنهما لم يخرجا لناجية بن كعب الأسدى، رواية عن علىّ شيئاً، وهو ثقة، كما قال الحافظ فى تقريب التهذيب ٢/٢٣٦ رقم ٧٠٩١، وأخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة الأنعام ٥/٢٤٣ رقم ٣٠٦٤، وتعقبه بنحو كلام الذهبى أهـ.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المناقب، باب علامات النبوة فى الإسلام ٦/٧٢٧ رقم ٣٦٣٢، وكتاب المغازى، باب ذكر النبى ﷺ من يقتل ببدر ٧/٣٢٩ رقم ٣٩٥٠، وفى طريقة قتله، يراجع من نفس المصدر، كتاب الوكالة، باب إذا وكل المسلم حربياً فى دار الحرب ٤/٥٦٠ رقم ٢٣٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555927,"book_id":1504,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":414,"body":"ومن ذلك أيضاً شهادة النضر بن الحارث فى قوله: \"يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله، ولقد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم عقلاً، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم فى صدغيه (١) الشيب، وجاءكم بما جاءكم قلتم: ساحراً! لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن! لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وحالهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر! لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه وقريضه، وقلتم: مجنون! لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، ثم قال لهم، يا معشر قريش، انظروا فى شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم\" (٢) فهذا كلام النضر بن الحارث الذى كان\rمن شيطاناً من شياطين قريش، وممن كان يؤذى رسول الله ﷺ، وينصب له العداوة. وكذا قال غيره كلاماً نحو ذلك من إثبات صدق النبى ﷺ، وكماله الخلقى والخلقى، كالوليد بن المغيرة (٣) وعتبة بن ربيعة (٤) وغيرهما.\rومن شهادات الصحابة رضى الله عنهم بصدقه ﷺ ما يلى:\r١- قول خديجة رضى الله عنها فى قصة بدء الوحي، حيث قالت له ﷺ وهى الخبيرة به: \"كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق\" (٥) .","footnotes":"(١) الصدغ: ما بين العين والأذن، ويسمى الشعر المتدلى فى هذا الموضع صدغاً. مختار الصحاح ص٣٥٩، والمصباح المنير ١/٣٥٩.\r(٢) أخرجه ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام ١/٣٧٦ نص رقم ٢٨٥، والبيهقى من طريقه فى دلائل النبوة ٢/٢٠١ عن ابن عباس رضى الله عنهما.\r(٣) ينظر: دلائل النبوة للبيهقى ٢/٢٠٠.\r(٤) ينظر: المصدر السابق ٢/٢٠٣.\r(٥) سبق تخريجه ص١٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555928,"book_id":1504,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":415,"body":".. فهذه شهادة من خبر أخلاقه وسبر أحواله ﷺ، ولا ينبئك مثل خبير، ولذلك كانت مثل هذه الشهادات على صدقه ﷺ من أقرب الناس إليه تعد من أبلغ الدلائل على صدق دعواه ﷺ الرسالة، وعصمته فى بلاغ الوحي، وكانت تلك الشهادات محل ثقة أعدائه.\r... قال الكتاب المستشرق الإنجليزى (هـ جى ويلز) : \"إن من أرفع الأدلة على صدق محمد كون أهله وأقرب الناس إليه يؤمنون به، فقد كانوا مطلعين على أسراره، ولو شكوا فى صدقه لما آمنوا به\" (١) .\r٢- ومن أقوال الصحابة رضى الله عنهم عن صدقه ﷺ وعصمته فى بلاغ الوحي، ما كان يعبر عنه ابن مسعود رضى الله عنه بقوله: \"حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: \"إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك... الحديث\" (٢) .\r٣- وكذا كان يقول أبو هريرة رضى الله عنه، كقوله: \"سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق ﷺ، صاحب هذه الحجرة يقول: \"لا تنزع الرحمة إلا من شقى\" (٣) .","footnotes":"(١) الإسلام والرسول فى نظر منصفى الشرق والغرب لأحمد بن حجر آل بوطامى ص١٣٢.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة﴾ ٦/٤١٨ رقم ٣٣٣٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمى فى بطن أمه ٨/٤٤٠ رقم ٢٦٤٣.\r(٣) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأدب، باب الرحمة ٤/٢٨٦ رقم ٤٩٤٢، والترمذى فى سننه كتاب البر، باب ما جاء فى رحمة الناس ٤/٢٨٥ رقم ١٩٢٣ وقال: حديث حسن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555929,"book_id":1504,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":416,"body":"٤- وكذلك ما كان من أبى بكر رضى الله عنه من التصديق الكامل بكل ما يقوله النبى ﷺ منذ أول دعوته، حتى شهد له بذلك ﷺ بقوله: \"إن الله بعثنى إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواسانى بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لى صاحبى؟ مرتين...\" (١) .\r... وبالجملة: فقد كانت هيئته ﷺ تدل على مبلغ مكانته من الصدق، ودليلاً كافياً على صدق دعواه الرسالة، وعصمته فى كل ما يبلغه من وحى الله ﷿، يعرفه بذلك كل من صفت فكرته، وتجرد عن الأنانية كما كان من الحبر عبد الله بن سلام رضى الله عنه (٢) فإنه ما إن رآه عند مقدمة المدينة حتى استيقن صدقه كما قال: \"لما قدم النبى ﷺ المدينة انجفل (٣) الناس إليه، وقيل قدم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله ﷺ، فجئت فى الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله ﷺ، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شئ تكلم","footnotes":"(١) أخبره البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبى بكر بعد النبى ﷺ ٧/٢٢ رقم ٣٦٦١.\r(٢) ابن الحارث الإسرائيلى، ثم الأنصارى الخزرجى بالولاء، كان أحد أحبار يهود، شهد شهادة الحق ولم يكابر أو يعاند، ونزل فى فضله آيات من كتاب الله تعالى منها قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم﴾ جزء من الآية ١٠ الأحقاف، وقوله: ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيداً بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ الآية ٤٣ الرعد، وشهد له النبى ﷺ بالجنة وهو حى، توفى سنة ٤٣هـ له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٢٦٥ رقم ٢٩٨٦، والاستيعاب ٣/٩٢١ رقم ١٥٦١، وتذكرة الحفاظ ١/٢٦ رقم ١٢.\r(٣) أى: ذهبوا مسرعين نحوه. النهاية فى غريب الحديث ١/٢٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555930,"book_id":1504,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":417,"body":"به أن قال: \"أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام\" (١) .\r... فلم يسعه بعد ذلك غير أن يعلن إسلامه، ويتبرأ من كيد يهود وعنادهم ففعل ذلك مقتنعاً مختاراً، ولقد أجاد عبد الله بن رواحة رضى الله عنه حيث قال:\rلو لم تكن فيه آيات مبينة ... *** ... لكان منظره ينبيك بالخبر (٢) .\r... فانظر إلى حكاية الصحابة رضى الله عنهم عن صدقه ﷺ حيث يسمونه بالصادق المصدوق، أى الصادق فى نفسه، المصدوق أى المعصوم فيما يجئ به عن ربه ﷿، ويرون صدقه وعصمته ينبئ عنه مظهره وجواره، قبل أن تنبئ عنه أقواله.\rب- من دلائل عصمته ﷺ فى نقل الوحي، ما ثبت من أخباره وآثاره، وسيره وشمائله، المعتنى بها، المستوفاة تفاصيلها، ولم يرد فى شئ منها تداركه ﷺ لخبر صدر عنه، رجوعاً عن كذبة كذبها أو اعترافاً بخلف فى خبر أخبر به، ولو وقع منه شئ من ذلك لنقل إلينا. وإن الصحابة رضوان الله عليهم قد اتفقوا على أنه لم يصدر عن النبى خبر بخلاف الواقع فى أى أمر من الأمور، ولم يتثبتوا عن حاله عند ذلك، هل وقع فيها سهواً أم لا، ولم يتوقفوا حتى يتأكدوا إن كان ذلك جداً أو هزلاً، لأنه ﵊ صادق معصوم فى كل ذلك عندهم، كل الصدق، وكل العصمة.","footnotes":"(١) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب القيامة، باب منه ٤/٥٦٢ رقم ٢٤٨٥ وقال حديث صحيح، وأخرجه ابن ماجه فى سننه كتاب الإقامة، باب ما جاء فى قيام الليل ١/٤١٩ رقم ١٣٣٤، والحاكم فى المستدرك ٣/١٤ رقم ٤٢٨٣ وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.\r(٢) ديوان عبد الله بن رواحه ص٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555931,"book_id":1504,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":418,"body":".. قال القاضى عياض: \"ودليل ذلك اتفاق السلف، وإجماعهم عليه، وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أقواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد فى شئ منها ولا استثبات عن حاله عند ذلك، هل وقع فيها سهو أم لا\" (١) وقد استدل على ذلك بما جرى لسيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه، مع ابن أبى الحقيق اليهودى، حين أجلاهم من خيبر، حيث احتج عليه عمر رضى الله عنه، بقوله ﷺ: \"كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟! \" فقال اليهودى: كانت هذه هزيلة من أبى القاسم ﷺ فقال له عمر: كذبت يا عدو الله! فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك\" (٢) .\r... قلت: فثبت عن يقين عصمته ﷺ فى بلاغ وحى الله من كتاب وسنة إلى الناس، ولا يجوز عليه خلف فيما أخبر به من الوحي، لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا فى حال الجد والهزل، ولا فى حال الصحة والمرض أو أى حال كان.\rجـ- ومما يشهد بعصمته ﷺ فى بلاغ الوحي، وأنه لا يقول إلا حقاً سواء فى الرضى والغضب، والصحة والمرض \"فترة الوحي فى قصة الإفك\" لقد كانت تنزل برسول الله ﷺ نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم بحيث لو كان الأمر إليه، لوجد له مقالاً ومجالاً، ولكنه كانت تمضى الليالى والأيام تتبعها الليالى والأيام، ولا يجد فى شأنها وحياً من قرآن أو سنة يقرؤه على الناس.","footnotes":"(١) الشفا / ١٣٥، ١٣٦.\r(٢) سبق تخريجه ص١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555932,"book_id":1504,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":419,"body":".. ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة رضى الله عنها، وأبطأ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: \"إنى لا أعلم عنها إلا خيراً\" ثم إنه بعد أن بذل جهده فى التحرى والسؤال، واستشارة الأصحاب، ومضى شهر بأكمله، والكل يقولون ما علمنا عليها من سوء، لم يزد على أن قال آخر الأمر: \"يا عائشة، أما إنه بلغنى كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله\" (١) .\r... هذا كلامه ﷺ بوحى ضميره، وهو كما ترى كلام البشر الذى لا يعلم الغيب إلا بوحى ربه، وكلام الصديق المتثبت الذى لا يتبع الظن، ولا يقول ما ليس له به علم.\r... على أنه ﷺ، لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلناً براءتها، ومصدراً الحكم المبرم بشرفها وطهارتها. فماذا كان يمنعه، لو أن أمر الوحي إليه، أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل، ليحمى بها عرضه، ويذب بها عن عرينه، وينسبها إلى الوحي الإلهى لتنقطع ألسنة المتخرصين؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، قال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) .","footnotes":"(١) ينظر قصة الحديث فى: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً الآية ٨/٣٠٦ رقم ٤٧٥٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب التوبة، باب حديث الإفك وقبول توبة القاذف ٩/١١٥ رقم ٢٧٧٠.\r(٢) الآيات ٤٤ – ٤٧ الحاقة، وينظر: النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز ص٢٠ – ٢٤ بتصرف يسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555933,"book_id":1504,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":420,"body":"د- هذا حاله ﷺ فى أفعاله يشهد بصدقه وعصمته فى كل ما يبلغ عن ربه ﷿، ومن أقواله ﷺ على عصمته فى بلاغ وحى الله ﷿ من كتاب وسنة ما يلى:\rحديث طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه وجاء فيه قوله ﷺ: \"إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله\" (١) والحديث نص على عصمته ﷺ من الكذب فيما يخبر به عن الله تعالى.\rحديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتنى قريش وقالوا: أتكتب كل شئ تسمعه؟ ورسول الله ﷺ بشر يتكلم فى الغضب والرضى؟! قال: فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: \"أكتب فواللذى نفسى بيده ما يخرج منه إلا الحق\" (٢) .\rحديث أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إنى لا أقول إلا حقاً\" قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله. قال: \"إنى لا أقول إلا حقاً\" (٣) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص١٢.\r(٢) سبق تخريجه ص٢٣٨.\r(٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٢/٣٤٠، ٣٦٠، والترمذى فى سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء فى المزاح ٤/٣١٤ رقم ١٩٩٠ وقال: حسن صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555934,"book_id":1504,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":421,"body":"ثالثاً: من دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي، إجماع الأمة:\r... أجمع أهل الملل والشرائع كلها على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أى شئ يخل بالتبليغ، فلا يجوز عليهم التحريف، ولا الكذب قليلة وكثيرة، سهوه وعمده، فكل هذا مما ينزه عنه منصب النبوة، وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من الشرائع، ولما تميز لنا الغلط والسهو من غيره، ولاختلط الحق بالباطل، واستدلوا لذلك بأنه لو جاز عليهم التقول والافتراء فى ذلك عقلاً، لأدى إلى إبطال المعجزة القاطعة بصدقهم؛ وإبطال المعجزة محال، فالكذب فى التبليغ وعدم العصمة فيه، محال أيضاً (١) .\r... يقول القاضى عياض: \"قامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه ﷺ وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار بشئ منها بخلاف ما هو به (٢) والكلام هنا ليس خاصاً بالنبى ﷺ، بل وغيره من الأنبياء كذلك، إذ لا فرق بينهم فى واجب التبليغ.","footnotes":"(١) المواقف للإيجى وشرحها للجرجانى ٨/٢٦٣ بتصرف، وينظر: الإرشاد لإمام الحرمين ص٣٥٧، وإكمال إكمال المعلم للأبى ٦/١٥٩، ونسيم الرياض فى شرح الشفا للخفاجى ٤/١١٧، وعصمة الأنبياء للرازى ص٧، والشفا للقاضى عياض ٢/١٤٤،والبحر المحيط للزركشى ٤/١٧٤، والإحكام لابن حزم ١/١٢٤، والنبوات لابن تيميه ص٣٣٤، ٣٣٥، والانتصار والرد على ابن الراوندى للخياط ص١٤٧، ومحمد رسول الله ﷺ لمحمد عرجون ٢/١٣٠ – ١٣٢.\r(٢) أى: بخلاف الواقع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555935,"book_id":1504,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":422,"body":".. واستدل القاضى على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق ذكره قريباً، ثم قال: فإذا قامت المعجزة على صدقه وأنه لا يقول إلا حقاً، ولا يبلغ عن الله تعالى إلا صدقاً، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله له: صدقت فيما تذكر عنى، وهو يقول: إنى رسول الله إليكم، لأبلغكم ما أرسلت به إليكم، وأبين لكم ما نزل عليكم، فلا يصح أن يوجد منه فى هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أى وجه كان، قال: فلو جوزنا عليه الغلط والسهو فى بلاغ الوحي، لما تميز لنا الغلط والسهو من غيره، ولاختلط الحق بالباطل، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص، فتنزيه النبى ﷺ، عن ذلك كله واجب برهاناً وإجماعاً\" (١) .\r... وبعد: إذا تقرر لك هنا فى هذا الفصل، عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي، من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، وإجماع الأمة، فقد حان الوقت لبيان شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى من أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة والرد عليها، فإلى بيان ذلك فى الفصل التالى.","footnotes":"(١) الشفا ٢/١٢٣، ١٢٤ بتصرف، وينظر من نفس المصدر ٢/١٣٦، ١٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555936,"book_id":1504,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":423,"body":"الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى والرد عليها\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب:\r... المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليها.\r... المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية والرد عليها.\r... المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية والرد عليها.\r... المطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها.\rالمبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب:\rالمطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله ﷺ، قاصرة على بلاغ القرآن فقط والرد عليها.\r... المطلب الثانى: شبهة أن رسول الله ﷺ، ليست له سنة نبوية والرد عليها.\rالمطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ، إلا فى القرآن فقط والرد عليها.\r... المطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك والرد عليها.\r\rالمبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى والرد عليها\rتمهيد:\r... إن من أهم الأمور، بل من أعظمها خطراً أمر الوحي والنبوة، الذى أطلق المستشرقون لعقولهم الأعنة بالخوض والطعن فيه مستهدفين بذلك الإسلام كله، لأنهم يعلمون أن القدح فى نبوته ﷺ، والنيل منها يؤدى إلى انهيار صرح الإسلام، إذ الوحي هو الأساس الذى ينبنى عليه الدين، فإذا فقد، فقد الدين.\r... ومن هنا كثفوا حملاتهم، وزادوا هجماتهم، يحملهم الحقد، وتدفعهم البغضاء، والعداء السافر، يصدرون عن أحكام مغرضة، وأقوال جائرة، مجافين طرق البحث العلمى النزيه: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (١) .","footnotes":"(١) الآية ٣٢ التوبة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555937,"book_id":1504,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":424,"body":".. لقد كان عدم التصدى بنبوته ﷺ هو القاعدة التى انطلقوا منها فى بث كل شكوكهم ومطاعنهم فى بقية جوانب الإسلام. ولقد ركز المستشرقون جل جهودهم فى التشكيك فى الوحي إلى النبى ﷺ، فى الوقت الذى يوقنون فيه بصدق وقوعه لغيره من الأنبياء السابقين، وهم بذلك لا يدرون أنهم يخربون بيوتهم، قبل أن يخربوا بيوت غيرهم، إذ الوحي إلى النبى محمد ﷺ، لا يختلف فى شئ عن الوحي إلى غيره من الأنبياء السابقين من حيث الوقوع!.\r... والمستشرقون فى بذلهم قصارى جهدهم لنفى الوحي عن رسول الله ﷺ، يحاولون نفى العصمة وسلبها عن رسول الله ﷺ، ويزعمون بأن ما جاء به نتاج بشرى، وليس من عند الله تعالى، ولذا حاولوا أن يفسروا الوحي وكيفياته، تفسيراً يؤدى بهم إلى هذا الزعم الجائر، والضلال المبين؛ ولكن الباطل مهما لمع بريقه، وتكاتف من ورائه أناس على تقويته، إلا أنه سرعان ما يخفت هذا اللمعان، ولا يجنى أصحاب هذا الباطل، من وراء باطلهم إلا الخيبة والخسران، علماً بأن ما أثاروه من شبه لا يعدو فى حقيقته، كونه فتات موائد الجاهلية الأولى، فهم لم يستحدثوا هذه الشبه، وليس لهم فيها من عمل إلا إثارتها مجدداً، وصدق رب العزة: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾ (١) وقال ﷿: ﴿أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ (٢) . ورغم أن شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى، مردود عليها فى القديم والحديث، من علماء أجلاء - جزاهم الله خيراً إلا أنى لم أر بأساً بذكر عمدة هذه الشبهات، التى طعنوا بها فى عصمة رسول الله ﷺ فيما أنزل عليه من الوحي، وإظاهر الردود عليها.\r... فإلى بيان ذلك فى المطالب التالية.","footnotes":"(١) جزء من الآية ١١٨ البقرة.\r(٢) الآية ٥٢ الذاريات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555938,"book_id":1504,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":425,"body":"المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليه\r... زعم بعض المستشرقين أن الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ، أمر ذاتى من داخل نفسه الصافية، وخياله الواسع، وعقله المتوقد الذى أدرك به الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والخير من الشر. هذا فى الوقت الذى يصف فيه بعضهم على ما سيأتى فى الشبهة التالية الحالة التى كانت تعترى رسول الله ﷺ عند تلقى الوحي بحالة الصرع. فكيف يجتمع الصرع مع النفس الصافية، والخيال الواسع، والعقل المتوقد ذكاءً؟!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555939,"book_id":1504,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":426,"body":".. يقول المستشرق بروكلمان (١) مصوراً لنا الوحي النفسى الذى يزعمه هو ومن قال بقوله: \"بينما كان بعض معاصرى النبى، كأمية بن أبى الصلت (٢) ، شاعر الطائف، وهى بلدة بحذاء مكة، يكتفون بوحدانية عامة، كان محمد يأخذ بأسباب التحنث (٣) والتنسك (٤)\rويسترسل فى تأملاته حول خلاصة الروحى، ليالى بطولها فى غار حراء (٥) قرب مكة لقد تحقق عنده أن عقيدة مواطنيه الوثنية فاسدة فارغة، فكان يضج فى نفسه هذا السؤال، إلى متى يمدهم الله فى ضلالهم، مادام هو ﷿ قد تجلى، آخر الأمر، للشعوب الأخرى بواسطة أنبيائه؟ وهكذا نضجت فى نفسه الفكرة أنه مدعو إلى أداء هذه الرسالة، رسالة النبوة،","footnotes":"(١) هو: كارل بروكلمان، مستشرق ألمانى، تعلم اللغة العربية، وكان عالماً بتاريخ الأدب العربى، وعضو المجمع العربى. مات سنة ١٩٥٦م من آثاره: تاريخ الأدب العربى، وتاريخ الشعوب الإسلامية، وغيرها. له ترجمة فى: الإعلام للزركلى ٥/٢١١، ٢١٢، والمستشرقون الألمان تراجمهم، جمع صلاح الدين المنجد ص١٥٣ - ١٦٢.\r(٢) هو: أمية بن عبد الله بن أبى الصلت بن أبى ربيعة بن عوف الثقفى، شاعر جاهلى من أهل الطائف، فى شعره حكم، اطلع على الكتب القديمة، وقد لقى النبى ﷺ، ولم يؤمن به، مات سنة ٥هـ على خلاف فى ذلك، له ترجمة فى: البداية والنهاية ٢/٢٠٥ - ٢١٣، والإصابة ١/١٢٩ - ١٣٠، والأعلام ٢/٢٣.\r(٣) التحنث: هو التعبد من الحنث وهو الاثم، أى يفعل فعلاً يخرج به من الإثم والحرج. ينظر:الفائق فى غريب الحديث للزمخشرى ١/٢٧٢، والنهاية لابن الأثير ١/٤٣٢.\r(٤) التنسك: هو التعبد، من النسك وهو الطاعة والعبادة، وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٥/٤١، ومختار الصحاح ص٦٥٧.\r(٥) حراء: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال. ينظر: معجم البلدان للحموى ١/٢٣٣، ومراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لصفى الدين البغدادى ١/٣٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555940,"book_id":1504,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":427,"body":"ولكن حياءه الفطرى حال بينه وبين إعلان نبوته فترة غير قصيرة، ولم تتبد شكوكه إلا بعد أن خضع لإحدى الخبرات الخارقة فى غار حراء. ذلك بأن طائفاً تجلى له هنالك يوماً، هو الملك جبريل، على ما تمثله محمد فى ما بعد، فأوحى إليه أن الله قد اختاره لهداية الأمة، وآمنت زوجه فى الحال برسالته المقدسة، وتحرر هو نفسه من آخر شكوكه بعد أن تكررت الحالات التى ناداه فيها الصوت الإلهى وتكاثرت. ولم تكد هذه الحالات تنقضى حتى أعلن ما ظن أنه قد سمعه كوحى من عند الله\" (١) .\r... وبالتأمل فى هذه المزاعم، ترى أنها مع طعنها فى الوحي المنزل على رسول الله ﷺ تطعن فى عصمته فيما بلغه من الوحي عن ربه ﷿.\r... ويجاب عن هذه المزاعم بما يلى:\rأولاً: هذا الذى يروجه الملحدون اليوم باسم – الوحي النفسى – زاعمين أنهم بهذه التسمية، قد جاءونا برأى علمى جديد، وما هو بجديد، وإنما هو الرأى الجاهلى القديم، لا يختلف فى جملته ولا فى تفصيله، فقد صور أهل الجاهلية من قبل، النبى ﷺ، رجلاً ذا خيال واسع وإحساس عميق، فهو إذن شاعر، ثم زادوا فجعلوا وجدانه يطغى كثيراً على حواسه، حتى يخيل إليه أنه يرى ويسمع شخصاً يكلمه؛ وما ذاك الذى يراه ويسمعه إلا صورة أخليته ووجد آناته، فهو إذن الجنون أو أضغاث الأحلام؛ فأى جديد ترى فى هذا كله؟ أليس كله حديثاً معاداً يضاهئون به قول جهال قريش؟! وهكذا كان الإحاد فى ثوبه الجديد صورة منسوخة بل ممسوخة منه فى قديمه (٢) .","footnotes":"(١) تاريخ الشعوب الإسلامية ص٣٦، وينظر: آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره للدكتور عمر بن إبراهيم ١/٣٨٢، ومناهج المستشرقين فى الدراسات العربية الإسلامية لجماعة من العلماء ١/٢٦، ٢٢٨، والاستشراق فى السيرة النبوية لعبد الله الأمين ص٣٩.\r(٢) النبأ العظيم للدكتور محمد دراز ص٨٤ هامش بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555941,"book_id":1504,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":428,"body":"ثانياً: إن صورة الوحي النفسى كما صوروه مبنية على وجود معلومات وأفكار مدخرة فى العقل الباطن، وأنها تظهر فى صورة رؤى ثم تقوى فيخيل لصاحبها أنها حقائق خارجية.\r... وإنى أتساءل: هل كان الدين الذى جاء به خاتم الأنبياء ﵊ بعقائده وتشريعاته فى العبادات والمعاملات، والحدود، والجنايات، والاقتصاد، والسياسة، والأخلاق والآداب، وأحوال السلم والحرب، مركوزاً أو مدخراً فى نفسه ﷺ؟!.\r... هذا ما تنكره العقول بداهة، لأن ما جاء به ﷺ وما بلغه من وحى الله فى العقائد: يعتبر مناقضاً لكل ما كان سائداً فى العالم حينئذ، من عقائد، كالوثنية، والمجوسية، والتأليه، والتثليث، والصلب، وإنكار البعث، واليوم الآخر، وكذلك جاء النبى ﷺ بتشريعات ما عرفت فى الشرائع السابقة سماوية، وغير سماوية.\r... واشتمل الوحي الإلهى الذى بلغه المصطفى ﷺ سواء قرآناً أو سنة، على أسرار فى الكون والأنفس والآفات، ما كانت تخطر على بال بشر قط ولم يظهر تأويلها إلا بعد تقدم العلوم والمعارف فى العصر الأخير، فكيف تكون هذه الأسرار من داخل نفس النبى ﷺ، وهى لم تخطر له على بال (١) .\rثالثاً: ليس كل ما فى الوحي الإلهى (قرآناً وسنة) مما يستنبطه العقل والتفكير ومما يدركه الوجدان والشعور.\r... ففى الوحي جانب كبير من المعانى النقلية البحتة التى لا مجال فيها للذكاء والاستنباط، ولا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالدراسة والتلقى والتعليم، أو المعاصرة.\r... ومن هذه الجوانب. ما جاء فى الكتاب والسنة، من أنباء ما قد سبق، وما فصله من تلك الأنباء، على وجهه الصحيح كما وقع؟.","footnotes":"(١) المدخل لدراسة القرآن للدكتور محمد أبو شهبة ص٩٩، ١٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555942,"book_id":1504,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":429,"body":".. أيقولون إن التاريخ يمكن وضعه – أيضاً – بإعمال الفكر، ودقة الفراسة؟ أم يخرجون إلى المكابرة العظمى فيقولون: إن محمداً قد عاصر تلك الأمم الخالية، وتنقل فيها قرناً قرناً، فشهد هذه الوقائع مع أهلها شهادة عيان أو أنه ورث كتب الأولين، فعكف على دراستها حتى أصبح من الراسخين فى علم دقائقها؟.\r... إنهم لا يسعهم أن يقولوا هذا ولا ذاك، لأنهم معترفون مع العالم كله بأنه ﵊ لم يكن من أولئك ولا هؤلاء. قال تعالى: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ (١) . وقال سبحانه: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون﴾ (٢) .\r... فسيدنا محمد ﷺ، كان رجلاً أمياً، نشأ بين قوم أميين أربعين سنة من عمره، لم تظهر عليه فيها أمارات من علوم ومعارف تقارب ما جاء به القرآن والسنة، ثم يطلع علينا بين عشية وضحها فيكلمنا بما لا عهد له به، ويبدى لنا من أخبار تلك القرون الأولى ما أخفاه أهل العلم فى كتبهم، وحجبوه عن الناس. أفى مثل هذا يقول الجاهلون إنه استوحى عقله واستلهم ضميره؟.\rرابعاً: لقد بين الله تعالى، أن الوحي أمر خارج عن نفس النبى ﷺ وليس نابعاً من داخلها، بل حمله جبريل ﵇ من عند الله إليه، كما قال سبحانه: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربى مبين﴾ (٣) .","footnotes":"(١) الآية ٤٩ هود.\r(٢) الآية ٤٨ العنكبوت.\r(٣) الآيات ١٩٢ – ١٩٥ الشعراء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555943,"book_id":1504,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":430,"body":".. فحامل الوحي ملك منفصل عن ذات محمد ﷺ، ليس خيالاً فيها، وله من الصفات ما بينها الله فى قوله: ﴿إنه لقول رسول كريم. ذى قوة عند ذى العرش مكين. مطاع ثم أمين. وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هو على الغيب بضنين. وما هو بقول شيطان رجيم﴾ (١) .\rخامساً: إن النبى ﷺ لم يكن يستشرف النبوة، وما كان يرجوها، ولم يطمع فى حصولها له، بل لم يرد فى الأخبار الصحيحة أنه ﷺ، يرجو أن يكون هو النبى المنتظر الذى يتحدث عنه علماء اليهود والنصارى قبل البعثة، ولو ثبت ذلك عنه لما ترك المحدثون تدوينه، وقد دونوا ذلك عن أمية بن أبى الصلت، لما كان يتوقع أن يكون نبياً.\r... وقد جاء فى القرآن نفى ذلك عنه ﷺ، فى قوله تعالى: ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾ (٢) فما كان ﷺ يظن أن الوحي قبل إنزاله عليه، ينزل عليه، وإنما أنزله الله رحمة به وبالعباد، فهو نعمة من الله وفضل (٣) .\r... وأما اختلاؤه ﷺ وتعبده فى الغار عام الوحي، فلا شك فى أنه كان بقدر الله تعالى ومقويا مقوياً لذلك الاستعداد الوهبى، وعصمة ربه له بالعزلة وعدم مشاركة المشركين فى شئ من عباداتهم ولا عاداتهم، ولكنه لم يكن يقصد به الاستعداد للنبوة، لأنه لو كان لأجلها لاعتقد حين رأى الملك أو عقب رؤيته حصول مأموله، وتحقق رجائه، ولم يخف منه على نفسه!.","footnotes":"(١) الآيات ١٩ – ٢٥ التكوير.\r(٢) الآية ٨٦ القصص.\r(٣) ينظر: الوحي المحمدى لمحمد رشيد رضا ص١٢٣، ١٢٤، ونبوة محمد ﷺ فى القرآن لحسن ضياء الدين العتر ص٢٢٥، والإسلام والمستشرقون لنخبة من العلماء ص٢٠٨، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٢٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555944,"book_id":1504,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":431,"body":".. وإنما كان الباعث لهذا الاختلاء والتحنث، اشتداد الوحشة من سوء حال الناس فى عقائدهم وأخلاقهم، والهرب منها، إلى الإنس بالله تعالى والرجاء فى هدايته إلى المخرج منها (١) .\rسادساً: إن الوحي الذى حدث للنبى ﷺ هو حدث إلزامى فجائى طارئ لا يمكن إحضاره واجتلابه، وبالتالى لا يمكن دفعه ورده.\r... ومن أوضح الأدلة على ذلك، ما يعتريه من أعراض جسدية لا سيطرة له عليها، كاحمرار وجهه، وتتابع أنفاسه، وسماع غطيط منه، وما يتقاطر منه من عرق فى اليوم الشديد البرد، وثقل جسمه، وما يسمعه الصحابة عند وجهه من صوت كدوى النحل، وقد سبق ذكر الأحاديث الدالة على ذلك (٢) .\r... ومما يدل على ذلك أيضاً، ما انتابه ﷺ من أحوال نفسية تمثلت فى خوفه من ملك الوحي فى مبدأ أمره، كما جاء فى قوله ﷺ: \"لقد خشيت على نفسى\" وقوله: \"زملونى زملونى، حتى ذهب عنه الروع\" (٣) وفى رواية قال: \"فإذا الذى جاءنى بحراء جالساً على كرسى بين السماء والأرض، فجئثت منه رعباً\" (٤) .\r... وهذه الأعراض والشدائد كانت لا تعتريه ﷺ إلا فى فترات وجيزة وبرهات متقطعة، وذلك عند نزول الوحي عليه.\r... والدليل على أنه ﷺ، لا قدرة له على إحضار الوحي وجلبه، فتور الوحي، وانقطاعه عنه، فترة من الزمن حتى شق ذلك عليه وأحزنه، وأقض مضجعه، ثم جاءه جبريل بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى﴾ (٥) .","footnotes":"(١) الوحي المحمدى ص١٣١، ١٣٢ بتصرف.\r(٢) يراجع: ص٢٦ – ٢٩.\r(٣) سبق تخريجه ص١٩٨.\r(٤) سبق تخريجه ص٢٠١.\r(٥) الآيات ١ – ٣ الضحى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555945,"book_id":1504,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":432,"body":".. ومن ذلك ما روى عندما أبطأ جبريل ﵇، فى النزول على رسول الله ﷺ، ثم نزل (١) فقال: رسول الله ﷺ، يا جبريل! ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزرنا؟ فنزلت: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا﴾ (٢) ومن ذلك أيضاً، فترة الوحي فى قصة الإفك، على ما سبق شرحه فى عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي (٣) .\rسابعاً: النبوة ليست أمراً كسبياً يناله المرء بسعيه وكسبه، ولا تخضع لجهد فكرى، أو ترقى روحى وأخلاقى، ولا تنال بالقيم الدنيوية، ولا الاعتبارات المادية، فليست باباً مفتوحاً يلج من خلاله من سمت نفسه، أو عظم إشراقه، بل هى اصطفاء إلهى يختص به من يشاء من عباده. قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ (٥) وقد حكى الله عن المشركين عندما قالوا: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ (٦) أجابهم رب العزة بقوله: ﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾ (٧) .","footnotes":"(١) ينظر: الآثار المروية فى ذلك عن عكرمة، ومجاهد، وابن عباس، فى جامع البيان للطبرى ١٦/١٧، وقد ذكرها ابن كثير فى تفسيره ٥/٢٤٤.\r(٢) الآية ٦٤ مريم، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ ١٣/٤٤٩ رقم ٧٤٥٥، وكتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة ٦/٣٥٢ رقم ٣٢١٨، وكتاب التفسير، باب ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ ٨/٢٨٢ رقم ٤٧٣١ من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.\r(٣) يراجع: ص٢٧٥.\r(٤) جزء من الآية ١٢٤ الأنعام.\r(٥) الآية ١٠٥ البقرة.\r(٦) الآية ٣١ الزخرف.\r(٧) الآية ٣٢ الزخرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555946,"book_id":1504,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":433,"body":".. وقد جعل الله تعالى النبوة فى محمد ﷺ، كما جعلها فى الرسل قبله، واصطفاه لذلك؛ فأى غرابة وعجب فى ذلك؟.\rإن قدح بروكلمان ومن شايعه فى إثبات الوحي لمحمد ﷺ، وعصمته فيما بلغ، هو قدح فى ديانته وفى رسوله الذى يؤمن به، فما قاله هنالك فى إثبات الوحي، يلزمه أن يقوله هنا، إذ لا فارق بين الوحيين (١) ولكن لعل بروكلمان يرى كما يرى غيره من أهل ملته، أن الوحي هو حلول روح الله فى روح الموحى إليه. ولأجل ذلك ألهوا رسولهم، وهذا تعريف خاطئ للوحى، وقول فاسد، بل هو كفر وإلحاد، فالله لا يحل فى غيره، ولا يحل فيه غيره (٢) .\rوهكذا ترى أن ما زعموه من فرية الوحي النفسى، إن هذا إلا اختلاق كان مبعثه الحقد على الإسلام والمسلمين وإرادة إبطال عصمته ﷺ فيما بلغ من الوحي ولكن ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (٣) أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":"(١) ينظر: نبوة محمد ﷺ فى القرآن لحسن ضياء الدين العتر ص١٦٦، ١٧٠.\r(٢) ينظر: مناهج المستشرقين فى الدراسات العربية الإسلامية لجماعة من العلماء ١/٢٧.\r(٣) الآية ٣٢ التوبة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555947,"book_id":1504,"shamela_page_id":434,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":434,"body":"المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية\rوالرد عليها\r... زعم بعض المستشرقين أن النبى ﷺ، كان مصاباً ببعض الأمراض العقلية النفسية التى أثرت عليه تأثيراً بالغاً ونتج من ذلك ما ادعى أنه وحى من الله.\r... قال جولد تسيهر (١) : \"وفى خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكاراً أخذ يجتريها فى قرارة نفسه، وهو منطو فى تأملاته أثناء عزلته، ولميل إدراكه وشعوره للتأملات المجردة، والتى يلمح فيها أثر حالته المرضية، نراه ينساق ضد العقلية الدينية والأخلاقية لقومه الأقربين والأبعدين\" (٢) ولكن ما حقيقة هذه الأمراض، وما نوعيتها؟ يجيب على ذلك عدد من المستشرقين مع تباين تشخيصاتهم.","footnotes":"(١) مستشرق مجرى يهودى، رحل إلى سورية وفلسطين ومصر، ولازم بعض علماء الأزهر، له تصانيف باللغات الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، ترجم بعضها إلى العربية، قال الدكتور السباعى: عرف بعدائه للإسلام، وبخطورة كتاباته عنه، وهو من محررى دائرة المعارف الإسلامية، كتب عن القرآن والحديث، ومن كتبه: تاريخ مذاهب التفسير الإسلامى، والعقيدة والشريعة فى الإسلام، وغير ذلك مات سنة ١٩٢١م له ترجمة فى: الأعلام للزركلى ١/٢٨٤، والاستشراق للدكتور السباعى ص٣١، ٣٢، وآراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره للدكتور عمر إبراهيم ١/١٦١، ١٦٢.\r(٢) العقيدة والشريعة فى الإسلام ص١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555948,"book_id":1504,"shamela_page_id":435,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":435,"body":".. زعم شبرنجر (١) وجوستاف فايل (٢) وغيرهم أنه كان مصاباً بحالات من الصرع يغيب فيها عن الناس وعما حوله، ويظل ملقى على أثرها بين الجبال لمدة طويلة، يسمع له على إثرها غطيط كغطيط النائم، ويتصبب عرقاً، ويثقل جسمه (٣) وتعتريه التشنجات، وتخرج منه الرغوة، فإذا أفاق ذكر أنه أوحى إليه، وتلا على أتباعه ما يزعم أنه وحى من الله (٤) .\r... وبعضهم اعتبرها حالة هستيريا، وتهيجاً عصبياً، يظهر عليه أثرها فى مزاجه العصبى القلق، ونفسه كثيرة العواصف بشكل غامض، حتى كان يصل به الأمر أن لا يفرق بين تعاقب الليل والنهار، وقد هزل على إثرها جسمه، وشحب لونه، وخارت قواه (٥) .","footnotes":"(١) هو: ابن كرستوفر شبرنجر، مستشرق نمسوى، يجيد كثيراً من اللغات، له إلمام بالأدب الشرقى مات سنة ١٨٩٣م، من آثاره: حياة محمد، وقد نشر بعض الكتب العربية مثل: الإصابة فى تمييز الصحابة، والإتقان فى علوم القرآن، له ترجمة فى: الأعلام ٢/٨، والمستشرقون لنجيب العقيقى ٢/٦٣١، ٦٣٢.\r(٢) مستشرق ألمانى، له كتاب مدخل تاريخى نقدى إلى القرآن، مات سنة ١٨٨٩م. ينظر: آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره ١/٢٢٩.\r(٣) ينظر: آراء المستشرقون حول القرآن وتفسيره ١/٣٩٨.\r(٤) الإسلام والمستشرقين لنخبة من العلماء ص٢٠٢.\r(٥) مقدمة القرآن لمونتجمرى وات ص١٧، ١٨، ومقدمة القرآن لبل ص٢٩، ٣٠، وينظر: سيرة الرسول ﷺ فى تصورات الغربيين للدكتور محمود زقزوق ص٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555949,"book_id":1504,"shamela_page_id":436,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":436,"body":".. ويذهب بعضهم إلى أنه نوع من الهوس (١) قائلاً: \"ونرى محمداً الثاقب النظر من الناحية العلمية من ذوى الهوس، كما هو شأن أكثر مؤسسى الديانات\" (٢) وبالتأمل فى هذه الافتراءات ترى أنها مع طعنها فى الوحي المنزل على رسول الله ﷺ، تطعن فى عصمته فى عقله وبدنه.\r... ويجاب عن هذه الافتراءات من عدة وجوه:\rأولها: أن المستشرقين هنا فيما يزعمون كالببغاوات يرددون شبهة إخوانهم أعداء الأنبياء والرسل الذين جعلوا ما يحصل لأنبياء الله مثل الذى يحصل للمجانين والسحرة، كما قال تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ (٣) وهى عين الفرية التى رمت بها قريش رسول الله ﷺ، فبرأه الله مما قالوا، بقوله سبحانه: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ (٤) أرأيت كيف يردد المستشرقون شبهة عفا عنها الدهر، وطوتها السنون، وبين الله فسادها قبل خمسة عشر قرناً من الزمن، ثم جاءوا يلو كونها ويدندنون بها تشويهاً للإسلام، وتشكيكاً فى عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه.\rثانيها: إجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ، وسائر الأنبياء قبله من سائر الأمراض المنفرة، فرسول الله ﷺ، وكافة الرسل قبله، قد اشتهروا بالتعقل والنباهة والفطنة قبل النبوة وبعدها.","footnotes":"(١) الهوس: بالتحريك، طرف من الجنون، ويرادفه المس. ينظر: مختار الصحاح ص٧٠١، والقاموس المحيط ٢/٢٥٨.\r(٢) حضارة العرب لجوستاف لبون ص١٢٦، ١٢٧، وينظر: الوحي القرآنى فى المنظور الاستشراقى ونقده للدكتور محمود ماضى ص١٠٩، ١٢٣.\r(٣) الآيتان ٥٢، ٥٣ الذاريات.\r(٤) الآية ٢٩ الطور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555950,"book_id":1504,"shamela_page_id":437,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":437,"body":".. لقد كان ﷺ، أكمل الرجال عقلاً، وأشدهم فطنة، وأصوبهم قولاً، وأحكمهم فعلاً. وقد تحدى الله المشركين الذين عرفوه وعايشوه وخبروا حاله أن يثبتوا عليه جنوناً أو اختلال عقل، وذلك فى قوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد﴾ (١) .\r... ففى قوله ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾ أى جنون. مستأنف منبه لهم على أن ما عرفوه من رجاحة عقله كاف فى ترجيح صدقه؛ والتعبير عنه ﷺ بـ (صاحبهم) للإيماء أن حاله معروف مشهور بينهم، لأنه نشأ بين أظهرهم معروفاً بقوة العقل، ورزانة الحلم، وسداد القول والفعل (٢) .\r... فالآية الكريمة تقول لهم: \"ها هو ذا تاريخ محمد ﷺ وأحاديثه، وسننه، وآدابه، وأخلاقه، وشريعته، تحت أنظاركم فانظروا وتفكروا من غير هوى ولا عصبية فى جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه – ولن تستطيعوا – ما يقيم عوج دعاواكم، وأفك أباطيلكم، ولكنكم علمتم أن محمداً ﷺ معصوم بعصمة الله ﷿، الذى أرسله ليقوض بنيان الكفر والنفاق، ويهدم صرح الإلحاد.\r... وبالجملة: فإن دلائل عصمته ﷺ فى عقله وبدنه، يشهد بها كتاب الله والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله (٣) .\rثالثها: أن ثمة فرقاً واضحاً بين صور الوحي الذى كان يتلقاه النبى ﷺ وبين أعراض مرض الصرع الذى زعمه هؤلاء المستشرقون غير المنصفين فصور الوحي قد وقفت عليها من قبل عند الحديث عن كيفياته بما لم أر بك حاجة إلى إعادة الحديث عنها هنا.","footnotes":"(١) الآية ٤٦ سبأ.\r(٢) محاسن التأويل للقاسمى ١٤/ ٤٩٦.\r(٣) يراجع: ص٤٧ – ٧٩، ٨٠ – ١٠٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555951,"book_id":1504,"shamela_page_id":438,"part":null,"page_num":437,"sequence_num":438,"body":".. وأما أعراض مرض الصرع، فهو كما جاء فى كتاب \"الموسوعة العربية الميسرة\" أن يرى المريض شبحاً، ويسمع صوتاً أو يشم رائحة ويعقب ذلك وقوع المريض صارخاً على الأرض، وفاقداً وعيه ثم تتملكه رعدة تشنجية تتصلب فيها العضلات، وقد يتوقف فيها التنفس مؤقتاً... ويعقب النوبة خور فى القوى، واستغراق فى النوم يصحو منه المريض خالى الذهن من تذكر ما حدث له... الخ (١) .\r... فإذا كان هذا هو الثابت علمياً، فهو بخلاف أمر رسول الله ﷺ، فلا يظهر عليه شئ مما ذكر من أعراض هذا المرض عند نزول الوحي عليه، بل يظل فى تمام وعيه، وكامل قوته العقلية، قبل وأثناء وبعد الوحي، كما قال ﷺ، لما سأل: كيف يأتيك الوحي؟ قال: \"أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على، فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال\" (٢) .\r... وقد كان جبريل ﵇ يأتى إلى النبى ﷺ فى صورة الرجل فيحادثه أمام جمع من الحضور وهم يشاهدون ذلك كما ثبت فى حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان... (٣) . وكما جاء فى حديث ابن عمر من إتيان جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ، فى صورة الصحابى الجليل دحية الكلبى (٤) .\r... لقد عاش النبى ﷺ طيلة حياته فى صحة نفسية وعصبية وعقلية دائمة، لم يطرأ عليه أى خلل فى عقله أو أعصابه فى يوم من الآيام، بل كان ﵊ بشهادة القرآن والسنة والتاريخ، وديعاً صبوراً حليماً، بل كان عظيم الصبر، واسع الحلم، فيسح الصدر حتى أنه ﷺ، وسع الناس جميعاً ببسطه وخلقه.","footnotes":"(١) الموسوعة العربية الميسرة ليوسف إلياس سركيس حرف الصاد، مادة صرع.\r(٢) سبق تخريجه ص٢٨.\r(٣) سبق تخريجه ص٢٥٥.\r(٤) سبق ذكرهوتخريجه ص٢٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555952,"book_id":1504,"shamela_page_id":439,"part":null,"page_num":438,"sequence_num":439,"body":".. وكان شجاعاً مقداماً، سليم الجسم، صحيح البدن، حتى إنه صارع ركانة (١) المشهور بشجاعته فصرعه (٢) .\r... وكان يثبت فى الميدان حتى يفر الشجعان، ويفزع الخلق، ويشتد الأمر ويقول كما حدث فى غزوة حنين، وقد انقشع عنه أصحابه: \"أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب\" (٣) ويقول \"إلى أيها الناس، هلم إلى، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله\" (٤) ولا يزال كذلك حتى ينصره الله فى المعركة.","footnotes":"(١) هو: ركانة بن يزيد بن هاشم القرشى المطلبى، كان من مسلمة الفتح، وكان من أشد الناس، وهو الذى سأل رسول الله ﷺ أن يصارعه قبل إسلامه، فصرعه مرتين أو ثلاثاً، مات فى أول خلافة معاوية سنة ٤٢هـ، له ترجمة فى: الاستيعاب ٢/٥٠٧ رقم ٨٠١، وأسد الغابة ٢/٢٩٣ رقم ١٧٠٨، وتجريد أسماء الصحابة ١/١٨٦.\r(٢) الحديث أخرجه أبو داود فى سننه كتاب اللباس، باب العمائم ٤/٥٥ رقم ٤٠٧٨، والترمذى فى سننه كتاب اللباس، باب العمائم على القلانس ٤/٢١٧ رقم ١٧٨٤ وقال حديث حسن غريب، والحاكم فى المستدرك ٣/٥١١ رقم ٥٩٠٣ وسكت عنه، وحذفه الذهبى من التلخيص، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ٢/٣٩٤ رقم ٢٩٩، والبيهقى فى دلائل النبوة ٦/٢٥٠.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم﴾ الآية ٧/٦٢٢ رقم ٤٣١٥ ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب غزوة حنين ٦/٣٥٦ رقم ١٧٧٦ من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه.\r(٤) أخرجه أحمد فى المسند ٣/٣٧٦، وابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام ٤/٧٨ نص رقم ١٧٤٥ والبيهقى فى دلائل النبوة ٥/١٢٧، والبزار وأبو يعلى – وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع فى رواية أبى يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/١٨٠ والحديث من رواية جابر رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555953,"book_id":1504,"shamela_page_id":440,"part":null,"page_num":439,"sequence_num":440,"body":".. وبالجملة: كان كمال عقله وخلقه ﷺ، مضرب الأمثال لعصمة الله له على ما سبق تفصيله (١) .\r... ولكل منصق أن يتساءل: هل يتفق هذا المرض وما هو معروف عن النبى ﷺ من أنه كان أمة وحده، فى أخلاقه، وثباته، وحلمه، وسلامة جسمه وقوة بنائه؟.\r... ثم كيف يتفق ذلك الداء العضال الذى أعيا الأطباء، وما انتدب له رسول الله ﷺ من تكوين شموس أبيه، وتربيتها على أسمى نواميس الهداية وقوانين الأخلاق، وقواعد النهضة والرقى، مع أنها أمة صحراوية النفوس، صخرية الطباع؟!.\r... أضف إلى ذلك أنه نجح فى هذه المحاولة المعجزة، إلى درجة جعلت تلك الأمة، بعد قرن واحد من الزمان، هى أمة الأمم، وصاحبة العلم، وربة السيف والقلم.\r... فهل المريض المتهوس الذى لا يصلح لقيادة نفسه يتسنى له أن يقوم بهذه القيادة العالمية الفائقة، ثم ينجح فيها هذا النجاح المعجز المدهش؟.\rقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم (٢) .","footnotes":"(١) يراجع ص٦٩ – ٧٩.\r(٢) مناهل العرفان فى علوم القرآن للزرقانى ١/٨١، ٨٢ بتصرف، وينظر: النبى محمد ﷺ لعبد الكريم الخطيب ص١٣٩، والسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور أبى شهبة ١/٢٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555954,"book_id":1504,"shamela_page_id":441,"part":null,"page_num":440,"sequence_num":441,"body":".. يقول المستشرق ماكس مايرهوف (١) : \"أراد بعضهم أن يرى فى محمد رجلاً مصاباً بمرض عصبى أو بداء الصرع، ولكن تاريخ حياته من أوله إلى آخره، ليس فيه شئ يدل على هذا، كما أن ما قام به فيما بعد من التشريع والإدارة يناقض هذا القول\" (٢) .\rرابعها: لو كان النبى ﷺ مصاباً بمرض الصرع، لذكر ذلك أصحابه الذين لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا نقلوها عنه، أو ذكره أعداؤه فى ذلك العصر، هؤلاء الذين كانوا يتربصون بالنبى ﷺ الدوائر، ويودون أن يظفروا منه ولو بشئ نذر يسير يعيرونه به.\r... أليس هم القائلون: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ (٣) فأقصى ما عابوه فيه – كما ترى – أنه فقير ومثله فى نظرهم لا يحق أن يكون نبياً.","footnotes":"(١) مستشرق ألمانى، من كبار أطباء العيون العالميين، وفى طليعة مؤرخى الطب العربى، تعد اكتشافاته فيه، وكتابته عنه، بالفرنسية والإنجليزية والألمانية، مرجعاً دقيقاً وافياً، سكن مصر، وانتخب نائباً لرئيس المعهد المصرى، والجمعية الطبية المصرية. توفى بالقاهرة سنة ١٩٤٥م. له ترجمة فى: المستشرقون الأمانى تراجمهم ص١٤١ – ١٤٤، والأعلام للزركلى ٥/٢٥٦، ٢٥٧.\r(٢) ينظر: الإسلام والرسول فى نظر منصفى الشرق والغرب لأحمد بوطامى ص١٦٢.\r(٣) الآية ٣١ الزخرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555955,"book_id":1504,"shamela_page_id":442,"part":null,"page_num":441,"sequence_num":442,"body":".. فلو كان ﷺ مريضاً بالصرع كما زعم هؤلاء الحاقدون، لوجد أعداؤه فى ذلك فرصة سانحة للطعن عليه، لكن ما حدث ممن خلصت ضمائرهم بعض الوقت، وكانوا مع أنفسهم صادقين قبل ما يطرأ عليهم من إرهاب فكرى من أمثال الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث الذى نفى فى إشارة بليغة عن رسول الله ﷺ وما جاء به، السحر، والكهانة، والشعر، والجنون، حيث أنهم يعلمون علم اليقين حقيقة هذه الألفاظ، واعترف النضر بن الحارث بإقرار صناديد قريش، أن رسول الله ﷺ وما جاء به، بعيدان كل البعد عن حقيقة الألفاظ السابقة (١) .\r... وهنا يحق لنا أن نتساءل: إذا لم يذكر لنا التاريخ أن النبى ﷺ أصيب بهذا النوع من الأمراض المنفرة؛ فليأتنا أعداء الإسلام بما يكذب ذلك؟ ولكن أنى لهم ذلك! اللهم إلا ما كان من هؤلاء المأفونين من المستشرقين الذين زعموا هذا الزعم بناءً على تصورهم للحالة التى كانت تعتريه عند نزول الوحي عليه، وهى حالة واحدة من حالات متعددة كان يأتيه عليها الوحي كما علمت، وبينها وبين ما تصوروه عنها بعد المشرقين.\r... وأتساءل أيضاً: هل الذين آمنوا برسول الله ﷺ منذ خمسة عشر قرناً، واتبعوا الدين الذى جاء به من قادة الفكر على امتداد العصور؛ كلهم أغبياء مغرورون، لم يميزوا بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والصحة والمرض، والكمال والنقص؟!.\rخامسها: ثم ما رأى هؤلاء الطاعنين وفيهم من ينتمى إلى بعض الأديان فى أنهم لا ينالون من نبوة وعصمة سيدنا محمد ﷺ وحده؛ وإنما ينالون من جميع أنبياء الله ورسله الذين كانت لهم كتب أو صحف، أوحى بها من عند الله سبحانه.","footnotes":"(١) يراجع: نص كلام النضر بن الحارث ص٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555956,"book_id":1504,"shamela_page_id":443,"part":null,"page_num":442,"sequence_num":443,"body":".. فهل تطيب نفوس المقرين بالأديان منهم أن يخربوا بيوتهم قبل أن يخربوا بيوت غيرهم؟ فما رأيهم فيما جاء فى كتب العهد القديم والجديد، من إيحاءات ونبوءات؟.\r... وهل يقولون فى وحى نبى الله موسى وعيسى ﵉ ما يقولون فى وحى نبينا محمد رسول الله ﷺ؟.\r... إن الرسول ﷺ، ليس بدعاً من الرسل فى باب الوحي، إنه أوحى إليه كما أوحى إليهم، وصدق الحق ﵎ حيث يقول: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ (١) .\r... اللهم إن هذا الطعن لا يقول به إلا أحد رجلين: إما رجل مخرف، وإما رجل مخرب مدمر يريد هدم الأديان (٢) .\r... قلت: فلا نبينا ﷺ، ولا أحد من إخوانه من الأنبياء أصيب بمثل هذه الأمراض المنفرة، لعصمة ربهم لهم (٣) وإنما المرضى – حقيقة – هم أعداؤهم من كل أمة. أهـ.\rوالله تعالى أعلى وأعلم","footnotes":"(١) الآية ١٦٣ النساء.\r(٢) السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٢٧٨، ٢٧٩.\r(٣) يراجع ما سبق فى المراد بعصمة الأنبياء فى بدنهم ص٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555957,"book_id":1504,"shamela_page_id":444,"part":null,"page_num":443,"sequence_num":444,"body":"المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية\rوالرد عليها\r... لقد زعم المستشرقون أن الوحي انبثق فى الدرجة الأولى عن اليهودية والنصرانية ولكن محمد كيفه تكيفاً بارعاً وفقاً لمتطلبات شعبه الدينية (١) ويرشح لنا جولد تسيهر كيف تم له ذلك، وكيف أصبحت تعاليم اليهودية والنصرانية، وحياً تبناه محمد ﷺ، فيقول: \"فتبشير النبى العباس ليس إلا مزيجاً منتخباً من معارف وآراء دينية، عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها، التى تأثر بها تأثراً عميقاً، لقد تأثر بهذه الأفكار تأثراً وصل إلى أعماق نفسه، وأدركها بإيحاء قوة التأثيرات الخارجية، فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه، كما صار يعتبر هذه التعاليم وحياً إلهياً، فأصبح بإخلاص على يقين بأنه أداة لهذا الوحي\" (٢) .\r... وقد وصل الأمر ببعضهم وهو ما حكاه فيليب حتى، أن زعموا أن الإسلام برمته بدعة نصرانية أكثر منه ديناً جديداً (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص٦٩، ومقالة فى الإسلام لجرجس سال ص١١، وحياء محمد لدر منغم ص١٢٥، ١٢٦، والاستشراق فى السيرة لعبد الله النعيم ص٣٨، والفكر الإسلامى نقد واجتهاد للدكتور محمد أركون ص١٣٧، والإسلام بدون حجاب، بحث مستل من شبكة الإنترنت لمؤلف مجهول ص١١.\r(٢) العقيدة والشريعة فى الإسلام ص٥، ٦.\r(٣) تاريخ العرب ١/١٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555958,"book_id":1504,"shamela_page_id":445,"part":null,"page_num":444,"sequence_num":445,"body":".. ولم يخف جولد تسيهر قوله فى أن النبى ﷺ قد تتلمذ على رهبان النصارى مثل ورقة بن نوفل، وبحيرا، ونسطورا، وصهيب الرومى، وسلمان الفارسى، المسيحى الأصل، وأحبار اليهود مثل عبد الله بن سلام، الذين كانوا أساتذة له (١) وكيف تم الاتصال بأولئك؟.\r... يرى بروكلمان أن ذلك تم من خلال رحلاته، والذين عاشوا معه بعد إسلامهم (٢) .\r... وقد حاول المستشرقون الرجوع فى كثير من شعائر الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية أو الاثنين معاً (٣) .\r... قال بروكلمان: \"وتأثرت اتجاهات النبى الدينية فى الأيام الأولى من مقامه فى المدينة، بالصلة التى كانت بينه وبين اليهود... فشرع صوم العاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم، على غرار الصوم اليهودى فى يوم الكفار الذى يقع عندهم فى العاشر من شهر تشرى، وبينما كان المؤمنون فى مكة لا يصلون إلا مرتين فى اليوم، أدخل فى المدينة على غرار اليهودية أيضاً، صلاة ثالثة عند الظهر... كذلك جعل يوم الجمعة يوم صلاة عامة على غرار \"السبت\" اليهودى... (٤) .\r... ويجاب عن هذه الافتراءات بما يلى:","footnotes":"(١) العقيدة والشريعة ص١٣، ١٤، وحياة محمد لدر منغم ص١٢٥، ١٢٦، ودائرة المعارف الإسلامية ترجمة أحمد الشنتناوى وغيره المجلد ٨/٢٣٢، والاستشراق فى السيرة النبوية لعبد الله محمد الأمين ص٦٥، ومناهج المستشرقين فى الدراسات العربية الإسلامية لجماعة من العلماء ١/٣٧، ٣٨، والوحي القرآنى فى المنظور الاستشراقى ونقده للدكتور محمود ماضى ص١١٧، ١٤٥.\r(٢) ينظر: تاريخ الشعوب الإسلامية ص٣٤.\r(٣) ينظر: العقيدة والشريعة ص١٧، ١٨، وتاريخ الشعوب الإسلامية ص٤٧، ٤٨،٧١، ٧٩، وتاريخ العرب ص١٨١ – ١٨٣، وملوك الطائف ص٤٠٥، والرسول فى كتابات المستشرقين ص١٣٧.\r(٤) تاريخ الشعوب الإسلامية ص٤٦، ٤٧، وينظر: الاستشراق فى السيرة النبوية ص٣٨، ٤٩، ٥٢، ٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555959,"book_id":1504,"shamela_page_id":446,"part":null,"page_num":445,"sequence_num":446,"body":"أولاً: الناظر فى شبهتهم تلك يلاحظ أنها تقوم على أنقاض الشبهتين السابقتين، إذ لما لم يكن لقولهم بهما قدم يثبت عليها، أو لك أن تقول: ساقان تحملانه عندما اصطدم مع الحق الذى لا يسمع منصفاً مخالفته، حسبما مر بك عند نقض هاتين الشبهتين، وهنا لم يجدوا بداً من أن يقولوا هذا القول الوارد فى هذه الشبهة (أعنى فى هذا المطلب) ويلاحظ أيضاً، أن زعمهم هذا لا يعدو كونه عين ما ردده جهال قريش من قبل حين قالوا كما أخبر القرآن: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر﴾ (١) . وبذلك يتضح لك أن الكفر ملة واحدة، مهما تباعدت أزمانه واختلفت أوطانه.\r... إن ما زعمه هؤلاء الملحدون هنا، هو باطل من القول سودوا به صفحات التاريخ إذ الحق الذى لا مناص عنه، ثبوت العصمة لسيدنا محمد ﷺ فى دعواه النبوة، وفى كل ما يخبر به من الوحي عن ربه ﷿، على ما مر سابقاً فى دلائل عصمته فى تبليغ الوحي من خلال القرآن والسنة (٢) كما أنه لم يكن لأحد عليه فضل فيما جاء به، غير الله تعالى؛ فأنى لأحد من البشر كائناً من كان أن يكون له قبل بما جاء به ﷺ فينصبونه معلماً له؟.\rثانياً: أين هذه الرحلات التى يتكلم عنها جولدستيهر، وبروكلمان، ومن شايعهما، والتى التقى فيها النبى ﷺ بأحبار اليهود، ورهبان النصارى، وأخذ عنهم؟ ومتى كانت؟ وأين تم هذا اللقاء؟ وكم مدة قضاها ليتلقى تلك الدروس حتى يهضمها ويستوعبها؟ ومن هم الذين أخذ عنهم؟ وماذا أخذ؟.\r... أسئلة يعجز المستشرقون عن إجابتها، لأنها لا إجابة لها البتة، إذ الإجابة عنها من صنع الخيال، وترهات الأفكار.","footnotes":"(١) الآية ١٠٣ النحل.\r(٢) يراجع: ص٢٦٤ – ٢٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555960,"book_id":1504,"shamela_page_id":447,"part":null,"page_num":446,"sequence_num":447,"body":".. إن ما زعموه بأنه من الممكن أن يكون رسول الله ﷺ تلقف هذا الذى جاء به من بحيرا (١) ونسطورا (٢) الراهبين، زعم باطل. وذلك لأن المعروف الثابت تاريخياً أن النبى ﷺ، لم يلق \"بحيراً\" هذا إلا مرة واحدة، وهى المرة الأولى التى سافر فيها إلى الشام، وكان معه عمه أبى طالب، وكان عمره ﷺ، إذ ذاك لا يتعدى اثنتى عشر عاماً (٣)","footnotes":"(١) بحيرا: راهب. قيل إنه كان يهودياً من يهود تيماء، وقيل كان نصرانياً من عبد القيس، يقال له جرجس، لقيه النبى ﷺ قبل البعثة، له ترجمة فى: أسد الغابة ١/٣٥٥ رقم ٣٧١، وتجريد أسماء الصحابة ١/٤٤، والبداية والنهاية ٢/٢١٣، ٢١٤.\r(٢) هو: بطريرك الإسكندرية سنة ٤٣١م، وهو الذى قال بأن مريم لم تلد إلا الإنسان فهى بذلك أم الإنسان، وليست أماً لإله، وأتباعه هم النساطرة، ومذهبهم وضع الأساس للقول بطبيعتين فى المسيح. ينظر: الموسوعة المسيرة فى الأديان والمذاهب المعاصرة ص٥٠٢، ٥٠٣، والملل والنحل للشهرستانى ٢/٢٥١ – ٢٥٣.\r(٣) القصة رواها ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٣٦ – ٢٣٨ نص رقم ١٧٧، ١٧٨، والترمذى فى سننه كتاب المناقب، باب ما جاء فى بدء نبوة النبى ﷺ ٥/٥٥٠ رقم ٣٦٢٠ ولم يرد اسم (بحيرا) فى القصة، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٦٧٢ رقم ٤٢٢٩ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وخالفه الذهبى قائلاً: أظنه موضوعاً فبعضه باطل أهـ ورواه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٦٨ رقمى ١٠٨، ١٠٩، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٢٤، وابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٢٠، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٢/٢١٣، ٢٦٦، من طريقى ابن إسحاق والترمذى وقال: \"فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة، فإن أبا موسى الأشعرى راوى الحديث إنما قدم فى سنة خيبر، سنة سبع من الهجرة، ولا يلتفت إلى قول ابن إسحاق فى جعله له من المهاجرة إلى أرض الحبشة من مكة. وعلى كل تقدير فهو مرسل. فإن هذه القصة كانت ولرسول الله ﷺ من العمر فيما ذكره بعضهم اثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبى ﷺ، فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة رضى الله عنهم، أو كان هذا مشهوراً مذكوراً أخذه من طريق الاستفاضة\"أهـ قلت: ذهب إلى صحة القصة فضيلة الشيخ عرجون فى كتابه محمد رسول الله ١/١٦٧، ووجه الغرائب الواردة فى ألفاظ الحديث بما يزيل غرابتها، فراجعه إن شئت، وصحح الحافظ ابن حجر رواية الترمذى بإسناد قوى فى فتح البارى= =٨/٥٨٧رقم٤٩٥٣،وكذا الألبانى فى هامش فقه السيرة للغزالى ص٦٨، والدكتور سعيد صوابى فى المعين الرائق ص٧٤،وأبطلها عبد العزيز راشد فى أصول السيرة المحمدية ص٢٢،وكذا أبطلها جعفر مرتضى العاملى فى كتابه الصحيح من سيرة النبى ٢/٩٣، وتوقف فيها هاشم معروف الحسينى فى سيرة المصطفى ﷺ ص٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555961,"book_id":1504,"shamela_page_id":448,"part":null,"page_num":447,"sequence_num":448,"body":"ولا يعقل أن يكون سيدنا محمد ﷺ قد أخذ عنه، وهو فى هذه السن شيئاً.\r... وأنى \"لبحيرا\" وما حواه الوحي الإلهى قرآناً وسنة، من علوم وأخبار ماضية ومستقبلة؟ هذا لو فرضنا أنه يمكن أن يكون قد أخذ عنه شيئاً.\r... إن الباحث المصنف لو استنطق التاريخ، ما زاد على أن يقول له: إن الراهب \"بحيراً\" لما رآه تظله سحابة من الشمس، ورأى فيه بعض أمارات النبوة ذكر لعمه، أنه سيكون له شأن، وحذره أن تناله اليهود بأذى.\r... وكذلك الحال عندما مر رسول الله ﷺ بالراهب نسطور، وهو فى طريقه إلى الشام، يعمل فى تجارة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، وكانت هذه هى المرة الثانية والأخيرة فى رحلاته خارج مكة، وكان ﷺ إذ ذاك شاب فى الخامسة والعشرين من عمره، وفى صحبته غلام خديجة ميسرة (١) والذى تحدث به الراهب نسطورا عن رسول الله ﷺ كان مع مسيرة، ولما تحقق الراهب من صفات النبوة فى رسول الله ﷺ، ما زاد على أن جاء إلى رسول الله ﷺ، وقبل رأسه وقدميه، وقال: آمنت بك، وأنا أشهد أنك الذى ذكره الله فى التوراة، ثم قال لميسرة بعد أن خلا به: يا ميسرة! هذا نبى هذه الأمة، والذى نفسى بيده إنه لهو تجده أحبارنا منعوتاً فى كتبهم (٢) .","footnotes":"(١) القصة أخرجها ابن سعد فى طبقاته ١/١٢٩، وابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٤٢ نص رقم ١٨٤، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٧٢ رقم ١١٠.\r(٢) ينظر: المصادر السابقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555962,"book_id":1504,"shamela_page_id":449,"part":null,"page_num":448,"sequence_num":449,"body":".. ولم تذكر الأخبار أنه كان حتى هناك مجرد حديث بين الغلام الصغير محمد وبين \"بحيرا\" و\"نسطورا\" وإنما الذى ذكرته الأخبار أن كل الحديث الذى تحدث به الراهب بحيرا عنه، كان مع عمه أبى طالب (١) والذى تحدث به الراهب نسطورا عنه كان مع غلام خديجة ميسرة! فماذا – يا ترى – سمع الشهود – عمه أبى طالب، وميسرة – من علوم هذا الأستاذ؟ هلا نبأنا التاريخ بنبأ ما جرى خلال هذا الحديث المزعوم الذى جمع فى تلك اللحظة القصيرة علوم القرآن والسنة كاملة؟!.\r... إن تلك الروايات التاريخية التى تتحدث عن اللقاء العابر بين رسول الله ﷺ وبين بحيرا ونسطورا تحيل أن يقف كل من بحيرا ونسطورا موقف المعلم المرشد لسيدنا محمد ﷺ، لأن كلا منهما بشر عمه وميسرة، بنبوته، وليس بمعقول أن يؤمن رجل بهذه البشارة التى يزفها، ثم ينصب نفسه أستاذاً لصاحبها الذى سيأخذ عن الله، ويتلقى عن جبريل، ويكون هو أستاذ الأستاذين، وهادى الهداة المرشدين! وإلا كان هذا الراهب متناقضاً مع نفسه!!.\r... إن هذه التهمة لو كان لها نصيب من الصحة، لفرح بها قومه وقاموا لها وقعدوا، لأنهم كانوا أعرف الناس برسول الله ﷺ، وكانوا أحرص الناس على تبهيته وتكذيبه وإحباط دعوته بأية وسيلة (٢) .","footnotes":"(١) يراجع: رواية لقائه ﷺ مع بحيرا الراهب فى تخريج قصته السابقة قريباً.\r(٢) مناهل العرفان فى علوم القرآن للزرقانى ٢/٤٥٢ – ٤٥٦ بتصرف واختصار، وينظر: الإسلام والمستشرقون لنخبة من العلماء المسلمين ص٢٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555963,"book_id":1504,"shamela_page_id":450,"part":null,"page_num":449,"sequence_num":450,"body":"ثالثاً: ما زعموه من أن محمداً ﷺ، أخذ ما زعمه أنه وحى من الله تعالى، من ورقة ابن نوفل. هو – أيضاً – باطل كسابقه، وفى الرواية نفسها التى التقى فيها رسول الله ﷺ بورقة (١) ما يبين بطلان مزاعم المستشرقين، وتهافت أقوالهم، وفسادها. وذلك فى النقاط التالية:\rأ- تبين الرواية أن ورقة قد تنصر فى الجاهلية، ولكن المحدثين والمؤرخين استقصوا كل ما عرف عنه مم صح سنده، ومما لم يصح، فلم يعثروا على رواية تبين أنه كان داعية إلى النصرانية.\rب- لم ينقل أن النبى ﷺ قد لقى ورقة قبل هذا اللقاء أو رآه.\rجـ- لقد تم هذا اللقاء بعد مجئ ملك الوحي فى الغار، ونزول صدر سورة \"اقرأ\" وقد حضرت هذا اللقاء خديجة رضى الله عنها، وشهدته، وقد آمنت بنبوة محمد ﷺ بعد ذلك، فلو كان هنالك تعلم وتلقى ما غاب ذلك عن بالها أبداً، ولكان صارفاً لها عن الإيمان به ﷺ.\rد- إن موقف ورقة على ما جاء فى هذا اللقاء، كان موقف المستطلع المستخبر لا موقف المعلم، فلما أخبره النبى ﷺ، خبر ما رأى، كان موقفه موقف المبشر المصدق المؤمن، المتطوع لمناصرة الحق، المؤيد للنبى ﷺ فيما نزل عليه من الوحي \"هذا الناموس الذى نزل على موسى، ليتنى فيها جذعاً، ليتنى أكون حياً إذ يخرجك قومك...، وإن يدركنى يومك حياً، أنصرك نصراً مؤزرا\".","footnotes":"(١) الحديث سبق ذكره، وتخريجه ص١٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555964,"book_id":1504,"shamela_page_id":451,"part":null,"page_num":450,"sequence_num":451,"body":"هـ- لم تذكر الروايات أنه ألقى إلى النبى ﷺ درساً أو عظة فى أى جزء من جزئيات الإسلام، كما لم يثبت أنه كان ﷺ، يتردد عليه لتلقى تلك الدروس، والذى يفهم من كلمته المختصرة السابقة، أنه كان يتمنى أن يبقى حتى يصبح ناصراً لدين الله، وجندياً مخلصاً، وتلميذاً ناجحاً للنبى ﷺ، لا أستاذاً مربياً، ولا عالماً معلماً.\rو ثم إن ورقة لم يلبث بعد هذا اللقاء، إلا أن توفى وفتر الوحي عن رسول الله ﷺ، فكيف تكون هذه المقابلة الخاطفة ينبوعاً لما جاء به ﵊ من الوحي؟ .\rز- لو ثبت أنه ﷺ، أخذ ذلك من ورقة لما سكت أعداؤه أبداً، ولروجوا ذلك، وساروا به فى الناس جميعاً، وهم الذين تشبثوا بما هو أوهى من ذلك (١) .","footnotes":"(١) ينظر: الإسلام والمستشرقون ص٢٢٨، والأدلة على صدق النبوة المحمدية ص٤٢٣، والوحي المحمدى ص٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555965,"book_id":1504,"shamela_page_id":452,"part":null,"page_num":451,"sequence_num":452,"body":"رابعاً: إنما زعموه من أنه ﷺ، أخذ ما جاء به من صهيب الرومى (١) لهو من أبطل الباطل. إذ أن صهيباً هذا كان حداداً يصنع السيوف، أعجمى اللسان، لا يعدو كلامه أن يكون رطانة (٢) ولا يكاد يبين (٣) ولذا قال القرآن الكريم: ﴿لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين﴾ (٤) .","footnotes":"(١) هو: صهيب بن سنان بن مالك الرومى، وإنما قيل له الرومى، لأن الروم سبوه صغيراً، وهرب من الروم لما كبر وعقل، فقدم مكة، وكان من السابقين إلى الإسلام، وكنيته أبو يحيى، كناه بها رسول الله ﷺ، مات سنة ٣٨هـ بالمدينة. له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٣٨ رقم ٢٥٣٨، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٧ رقم ٧٦، والاستيعاب ٢/٧٢٦ رقم ١٢٢٦.\r(٢) بفتح الراء وكسرها، أى كلامه لا يفهمه أحد. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٢/٢١٢، ومختار الصحاح ص٢٤٦،والقاموس المحيط ٤/٢٢٤.\r(٣) يراجع المصادر السابقة فى ترجمته.\r(٤) الآية ١٠٣ النحل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555966,"book_id":1504,"shamela_page_id":453,"part":null,"page_num":452,"sequence_num":453,"body":".. والمعنى: كيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، فى فصاحته وبلاغته، ومعانيه التامة الشاملة، التى هى أكمل من معانى كل كتاب نزل على نبى أرسل؛ كيف يتعلم من رجل أعجمى؟ ! لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل (١) وليت شعرى: لو كان لصهيب أن يكون مرجعاً علمياً كما أرادوا أن يصفوه، فما الذى منع كفار مكة أن يأخذوا عنه، كما أخذ صاحبهم؟ وبذلك كانوا يستريحون من عنائه، ويداوونه من جنس دائه، بل ما منع صهيب أن يبدى للعالم صفحته، فينال فى التاريخ شرف الأستاذية، أو يتولى بنفسه تلك القيادة العالمية؟ بل ما منعه أن يدعى النبوة، فينسب لنفسه هذا المجد والفخار؟ (٢) إن فى عدم ادعاء صهيب شئ مما سبق، وعدم ثبوته عنه، مع صحة إيمانه برسول الله ﷺ، دليل على صدق رسول الله ﷺ، فى دعواه النبوة، وفى عصمته ﷺ فى كل ما بلغ من وحى ربه.\rخامساً: ما زعموه من أنه ﷺ، تلقى الوحي من علماء أهل الكتاب فى عصره محض افتراء يرده القرآن الكريم الذى حفل بجدالهم ومحاوراتهم فى العقائد والتواريخ والأحكام.\r... فالناظر فى محاورات القرآن لهم يرى بأى لسان يتكلم عنهم القرآن الكريم. إنه يصور علومهم بأنها الجهالات، وعقائدهم بأنها الضلالات، ومعارفهم بأنها الخرافات، وأعمالهم بأنها المنكرات.","footnotes":"(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/٥٢٣.\r(٢) النبأ العظيم ص٨٢، ٨٣ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555967,"book_id":1504,"shamela_page_id":454,"part":null,"page_num":453,"sequence_num":454,"body":".. نعم. لا يعقل أن يصفهم القرآن بذلك ثم يقفون من صاحب هذه النبوة موقف المرشد والناصح! اقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يأفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ إلى أن قال ﷿: ﴿وبصدهم عن سبيل الله كثيراً. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ (٢) .\r... وغير ذلك كثير مما هو منثور فى ثنايا سور القرآن الكريم، وهو سهل المنال لمن طلبه. مما يفيدك بأن قوماً أمثال هؤلاء لا يعقل – وحالهم هكذا – أن يتلقى عنهم رسول الله ﷺ، بل إنك ترى فيه معلماً يصحح لهم أغلاطهم، وينعى عليهم سوء حالهم.\r... فلو كانوا معلمين له ﷺ، لمدحهم، وجاملهم، وتودد إليهم، وتقرب منهم، ولم يقف منهم هذا الموقف العدائى، حتى لا يفضحوا أمره، ويكشفوا حاله.","footnotes":"(١) الآيتان ٣٠، ٣١ التوبة.\r(٢) الآيات ١٥٥ – ١٦١ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555968,"book_id":1504,"shamela_page_id":455,"part":null,"page_num":454,"sequence_num":455,"body":".. ثم إن كثيراً من هؤلاء الذين يزعمون أنهم كانوا مصدر الوحي، قد أسلموا، وإسلامهم حجة قائمة على صدق نبوة رسول الله ﷺ، وعصمته فيما بلغ من الوحي الإلهى، ولو كان هؤلاء أعانوا النبى ﷺ على الوحي، وأنه ليس من عند الله، لكانوا أدرى الناس حينئذ بحقيقة الإسلام، وبالتالى كانوا سيكونون أبعد الناس عنه، لأنهم يعرفون أنه دين ليس صحيحاً، ولكن أما وقد أسلموا وأخلصوا لله تعالى، لاسيما وأنه كانت هناك منافسة كبيرة بين أصحاب الأديان المختلفة فى ذلك الوقت، فإن ذلك كان لاستئصال ألسنة الخراصين، حتى يصابوا بالخرس رحمة بالتاريخ الذى كم لوثوه بألسنتهم هذه. وصدق رب العزة: ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيد بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (١) وقال ﷿: ﴿قل أرءيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدى القوم الظالمين﴾ (٢) .\rسادساً: من أقوى ما يدل على أن الإسلام لم يكن مقتبساً من اليهودية أو النصرانية، وجود الخلاف فى كثير من العقائد والأحكام؛ بل جعل الشارع الحكيم جنس مخالفتهم أمراً مقصوداً له، ومن متطلبات الشرع، وهناك كثير من الأحكام جعلت العلة فيها هى مخالفة اليهود أو النصارى من ذلك:\rقوله ﷺ: \"إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم\" (٣) .","footnotes":"(١) الآية ٤٣ الرعد.\r(٢) الآية ١٠ الأحقاف.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بنى إسرائيل ٦/٥٧٢ رقم ٣٤٦٢، وكتاب اللباس، باب الخضاب ١٠/٣٦٦ رقم ٥٨٩٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب اللباس والزينة باب مخالفة اليهود فى الصبغ ٧/٣٣٠ رقم ٢١٠٣ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555969,"book_id":1504,"shamela_page_id":456,"part":null,"page_num":455,"sequence_num":456,"body":"وقوله ﷺ: \"خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا خفافهم\" (١) .\rعن أنس بن مالك رضى الله عنه، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعهن فى البيوت. فسأل أصحاب النبى ﷺ، النبى ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٢) فقال رسول الله ﷺ: \"اصنعوا كل شئ إلا النكاح\" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: \"ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه\" (٣) قال الإمام ابن تيميه (٤) : \"فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود، بل على أنه خالفهم فى عامة أمورهم، حتى قالوا: \"ما يريد أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه\" (٥) .","footnotes":"(١) أخرجه أبو داود فى سنته كتاب الصلاة، باب الصلاة فى النعال ١/١٧٦ رقم ٦٥٢، والبيهقى فى سننه، كتاب الصلاة، باب سنة الصلاة فى النعلين ٢/٤٣٢، والحاكم فى المستدرك ١/٣٩١ رقم ٩٥٦ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى.\r(٢) الآية ٢٢٢ البقرة.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ٢/٢١٤ رقم ٣٠٢.\r(٤) هو: أحمد بن عبد الحليم بن تيميه، الحرانى الدمشقى، تقى الدين، أبو العباس، الإمام المحقق، الحافظ، المفسر، الأصولى، الأديب، النحوى، بلغت تصانيفه ثلاثمائة مجلد: منها رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ومنهاج السنة النبوية فى نقض كلام الشيعة والقدرية، وغير ذلك مات سنة ٧٢٧هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٩٦ رقم ١١٧٥، والدر الكامنة لابن حجر ١/١٤٤ رقم ٤٠٩، وطبقات المفسرين للداودى ١/٤٦ رقم ٤٢.\r(٥) اقتضاء الصراط المستقيم ١/١٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555970,"book_id":1504,"shamela_page_id":457,"part":null,"page_num":456,"sequence_num":457,"body":"فهذا إقرار من اليهود عليهم لعائن الله، بمخالفة النبى ﷺ لما كانوا عليه من شعائر حتى اشتهر ذلك بينهم، ألا يكفى ذلك برهاناً ساطعاً على بطلان قول المستشرقين: أنه كيف شعائر الإسلام لتتفق مع شعائر اليهود؟ (١) .\rأولم يكفهم أنه ﷺ، أخرج اليهود أذلاء حقيرين من المدينة، وأجلاهم عنها لما نقضوا عهودهم معه، وأبى عليهم أن يساكنوه فى بلد واحد؟ (٢) وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ (٣) أما وقف المستشرقون على الآيات والأحاديث العديدة الذامة لليهود الهاتكة لستورهم؟ أفى ذلك أيضاً دلالة على أن النبى كان يتقرب منهم ويتزلف لهم لكسبهم وإرضائهم؟.","footnotes":"(١) ينظر: تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص٤٦، ٤٧.\r(٢) روى البخارى ومسلم فى صحيحهما بسندهما عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: \"حاربت النضير وقريظة، فأجلى بنى النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبى ﷺ، فأمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بنى قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بنى حارثة، وكل يهود المدينة\" أهـ. أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب حديث بنى النضير ٧/٣٨٣ رقم ٤٠٢٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب إجلاء اليهود من الحجاز ٦/٣٣٤ رقم ١٧٦٦.\r(٣) الآية ٢ الحشر، والمراد بالآية يهود بنى النضير. ينظر: تفسير القرآن العظيم ٨/٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555971,"book_id":1504,"shamela_page_id":458,"part":null,"page_num":457,"sequence_num":458,"body":"إن النبى ﷺ، منذ أن بعث وحمل رسالة الإسلام، نسخ الأديان السابقة، وأبطل شرعيتها، فلا نجاة لأحد من الخلق يهودياً كان أو نصرانياً إلا بالتزام شرعه، والسير على نهجه، وهو القائل ﷺ: \"والذى نفس محمد بيده، لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى، ثم يموت ولم يؤمن بالذى أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار\" (١) .\rوالحديث هنا بياناً وتأكيداً لقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً الذى له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) .\rفلا بقاء لدين مع دينه ﷺ، ولا شريعة مع شريعته، بل دينه هو الحاكم والمهيمن على كل الأديان. قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ (٣) .\rسابعاً: ما زعموه من إرجاع كثير من شعائر الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية، أو الاثنين معاً، زعم باطل لما يلى:","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته ١/٤٦٣ رقم ٢٤٠ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.\r(٢) الآية ١٥٨ الأعراف.\r(٣) الآية ٤٨ المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555972,"book_id":1504,"shamela_page_id":459,"part":null,"page_num":458,"sequence_num":459,"body":"أ- لأن استدلالهم بصوم عاشوراء على موافقة اليهود فيه، بناء على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: \"قدم النبى ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بنى إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه، وأمر بصيامه\" (١) . فعلة الموافقة الواردة فى الحديث هى التى بنى عليها المستشرقون شبهتهم السابقة، ويجاب بالآتى:\r١- لقد ثبت أن النبى ﷺ، كان يصوم عاشوراء فى الجاهلية قبل قدومه المدينة، ويدل على ذلك قول عائشة رضى الله عنها: \"كان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ، يصومه، فلما قدم المدينة، صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه\" (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها: كتاب الصوم، باب صوم يوم عاشوراء ٤/٢٨٧ رقم ٢٠٠٤، وكتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ ٦/٤٩٤ رقم٣٣٩٧،ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء ٤/٢٦٢ رقم ١١٣٠.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها: كتاب الصوم، باب صوم يوم عاشوراء ٤/٢٨٧ رقم ٢٠٠٢، وكتاب الحج، باب قول الله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس﴾ ٣/٥٣١ رقم ١٥٩٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء ٤/٢٥٨ رقم ١١٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555973,"book_id":1504,"shamela_page_id":460,"part":null,"page_num":459,"sequence_num":460,"body":"وفى رواية: \"وكان يوم تستر فيه الكعبة\" (١) فدل بهذا على أنه ﷺ، لم يصمه موافقة لليهود واقتداء بهم، وإنما صامه وأمر بصيامه تقريراً لتعظيمه وتأكيداً، وأخبر ﷺ أنه وأمته أحق بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شكراً لله، كنا أحق أن نقتدى به من اليهود، لاسيما إذا قلنا: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالفه شرعنا (٢) .\r٢- إن النبى ﷺ، بين نوع مخالفة لليهود فى صيام عاشوراء، عندما شرع صيام يوم قبله، أو بعده، فعن ابن عباس قال: حين صام رسول الله ﷺ، يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله. إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله ﷺ: \"فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع\" قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفى رسول الله ﷺ\" (٣) وعنه أيضاً مرفوعاً: \"صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً\" (٤) فدل ذلك على مخالفته لهم فى صيامه.","footnotes":"(١) هى لفظ البخارى فى كتاب الحج فى الأماكن السابقة نفسها.\r(٢) زاد المعاد ٢/٧٠، وينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ١/٤١٣، وفتح البارى ٤/٢٩٠ رقم ٢٠٠٤.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب أى يوم يصام فى عاشوراء ٤/٢٦٦ رقم ١١٣٤.\r(٤) أخرجه أحمد فى المسند ١/٢٤١، والبيهقى فى سنده موقوفاً على ابن عباس، كتاب الصيام، باب صوم يوم التاسع ٤/٢٨٧ وقال الشيخ الأرناؤوط: وسنده صحيح. ينظر: زاد المعاد ٢/٦٩ الهامش، وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف نحوه موقوفاً على ابن عباس أيضاً ٤/٢٨٧ رقم ٧٨٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555974,"book_id":1504,"shamela_page_id":461,"part":null,"page_num":460,"sequence_num":461,"body":"ب- وأما زعمهم أن المؤمنين كانوا لا يصلون فى مكة إلا مرتين فى اليوم، ثم أدخلت صلاة ثالثة عندما ذهبوا إلى المدينة على غرار اليهودية، فهو زعم فى وهن خيط العنكبوت، إذ الصلوات الخمس فرضت بمكة ليلة الإسراء، حين عرج بالنبى ﷺ، إلى السماء، ولا خلاف بين أهل العلم، وأهل السير فى ذلك (١) .\r... وهذا الذى دلت عليه الأحاديث الصحيحة، التى وردت فى صفة الإسراء والمعراج فى الصحيحين وغيرهما، من أحاديث جماعة من الصحابة رضى الله عنهم (٢) وفى أحدها قوله ﷺ: \"فلم أزل أرجع بين ربى ﵎، وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة\" (٣) .\rجـ- وأما زعمهم أنه جعل الجمعة، يوم صلاة عامة، على غرار السبت عند اليهود، فهو أيضاً قول مخالف للصواب، لأن الله سبحانه شرع لعباده المؤمنين الاجتماع لعبادته يوم الجمعة، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ (٤) .","footnotes":"(١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/٢١٠.\r(٢) ينظر: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة ١/٥٤٧ رقم٣٤٩، وكتاب الأنبياء، باب ذكر إدريس ﵇ ٦/٤٣١ رقم ٣٣٤٢، وصحيح مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات ١/٤٨٦ رقم ٢٥٩.\r(٣) هذه الرواية بهذا اللفظ أخرجها مسلم فى صحيحه (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها.\r(٤) الآية ٩ الجمعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555975,"book_id":1504,"shamela_page_id":462,"part":null,"page_num":461,"sequence_num":462,"body":".. وقد ثبت أن الله أمر الأمم السابقة بتعظيمه، فضلوا عنه، واختار اليهود السبت، والنصارى الأحد، وفضل الله هذه الأمة بيوم الجمعة لفضيلته (١) فعن أبى هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ: \"أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق (٢) ففى الحديث ذم لأهل الكتابين، على تفريطهم فى يوم الجمعة، ثم شرع ﷺ، صيام يوم السبت ويوم الأحد مخالفة لهما، كما جاء فى حديث أم سلمة رضى الله عنها، قالت: \"كان رسول ﷺ، يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام، ويقول: إنهما عيد المشركين، فأنا أحب أن أخالفهم\" (٣) .\r... قال الحافظ ابن حجر:: \"يوم السبت عيد عند اليهود، والأحد عيد عند النصارى، وأيام العيد لا تصام، فخالفهم بصيامها\" (٤) .","footnotes":"(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم ٨/١٤٥.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ٣/٤٠٧ رقم ٨٥٦ والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة ٢/٤١٢ رقم ٨٧٦.\r(٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٦/٣٢٤، وله شاهد من حديث عائشة أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الصوم، باب صوم يوم الاثنين والخميس ٣/١٢٢ رقم ٧٤٦ وقال: حديث حسن، هذا وقد جاء من الأحاديث ما يدل على النهى عن صيام يوم السبت، إلا أن الإمام أبا داود ﵀ يرى أن ذلك منسوخ. سنن أبى داود ٢/٣٢٠ رقم ٢٤٢١، وينظر: أقوال العلماء فى ذلك، فتح البارى= =١٠/٣٧٤ رقم ٥٩١٧، والناسخ والمنسوخ لابن شاهين ص٣٤١ رقمى ٤١١، ٤١٢، ونيل الأوطار ٤/٢٤٩.\r(٤) فتح البارى ١٠/٣٧٥ رقم ٥٩١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555976,"book_id":1504,"shamela_page_id":463,"part":null,"page_num":462,"sequence_num":463,"body":".. بعد هذا يتضح لك، أن وحى الله تعالى (كتاباً وسنة) والذى بلغه رسول الله ﷺ، بعصمة الله له، لم يكن مأخوذاً من اليهودية أو النصرانية، وإنما هو وحى مستقل، لم يتأثر بغيره، وبالتالى دين الإسلام، دين قائم بذاته، متميز عن غيره، وإذا وجد تشابه بين نسك إسلامى، وبين عمل سابق منسوب إلى شريعة اليهود أو النصارى. دل ذلك على أن أصل الدين الذى جاء به رسل الله واحد. لقوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (١) وبياناً لذلك وتأكيداً له، قال ﷺ: \"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد\" (٢) والمراد بـ (إخوة لعلات) الذين أمهاتهم مختلفة، وأبوهم واحد. أراد أن إيمانهم واحد، وشرائعهم مختلفة (٣) أهـ.\rوالله تعالى أعلى وأعلم\r\rالمطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها\r... تشبث بعض المستشرقين وأبواقهم المقلدون لهم بما ذكره بعض كتاب السيرة النبوية، وجماعة من المفسرين، وطوائف من المحدثين فى كتبهم، بأقصوصة \"الغرانيق\" وألصقوها بهجرة الحبشة، وجعلوها سبباً لعودة المهاجرين الأولين إلى مكة.\r... وهى أقصوصة مختلقة، باطلة فى أصلها وفصلها، وأكذوبة خبيثة فى جذورها وأغصانها، واتخذ أعداء الإسلام منها سلاحاً للطعن فى عصمة رسول الله ﷺ، من تسلط الشيطان عليه، وعصمته فى بلاغه لوحى الله تعالى.","footnotes":"(١) الآية ١٣ الشورى.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب واذكر فى الكتاب مريم ٦/٥٥٠ رقم ٣٤٤٣، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ابن مريم ٨/١٣٠ رقم ٢٣٦٥ من حديث أبى هريرة.\r(٣) النهاية ٣/٢٦٣، وينظر: الفائق فى غريب الحديث ٣/٤٤، والمنهاج شرح مسلم ٨/١٣٢ رقم ٢٣٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555977,"book_id":1504,"shamela_page_id":464,"part":null,"page_num":463,"sequence_num":464,"body":".. ورغم أن علماء المسلمين قديماً وحديثاً بينوا بأوضح ما يكون البيان زيفها وبطلانها؛ إلا أنك تجد من ينتصر لهذه الفرية، ويطبل لها ويزمر من المستشرقين والمبشرين (١) وكذا أبواقهم المقلدون لهم الذين زادوا على أعداء الإسلام الطعن فى رواة السنة الشريفة والكذب عليهم بأنهم يصححون هذه الأكذوبة.\r... يقول نيازى عز الدين (٢) : \"بعد نزول الآية: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ (٣) ألقى الشيطان نتيجة لتمنى الرسول ﷺ، ألا ينزل الله تعالى ما يغضب قومه من قريش، لأنه كان يطمع بإسلام بعض وجهائهم، فألقى الشيطان فى أمنية الرسول وفى ذهنه بعض الكلمات، فاعتقد أنها من الوحي، فطلب من كتبه الوحي تسجيله وكتابته فى نص القرآن الكريم (٤) وكانت كما يلى: \"أفرأيتم اللات والعزى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى\" فسر القرشيون من المشركين بذلك، وسجدوا مع الرسول فى الصلاة، ولكن بعد فترة نزل جبريل، وعاتب الرسول، وصحح الآية، ناسخاً ما ألقى الشيطان\" (٥) .","footnotes":"(١) ينظر: الإسلام لألفريد هيوم ص٣٥، ٣٦، وتاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص٣٤.\r(٢) كاتب سورى معاصر، هاجر إلى أمريكا، من مؤلفاته: إنذار من السماء، ودين السلطان – الذى زعم فيه أن السنة المطهرة، وضعها أئمة المسلمين، من الفقهاء والمحدثين، لتثبيت ملك السلطان، ويصرح بأنه – أى السلطان – معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه، ويصرح بأن فقهاء المسلمين ومحدثيهم قديماً، هم جنود السلطان وصار على دربهم علماء المسلمين إلى يومنا هذا.\r(٣) الآية ١٩ النجم.\r(٤) قوله: اعتقاد الرسول بأنها من الوحي، فطلب... الخ، هذه زيادة كاذبة منه على رسول الله فوق كذب القصة.\r(٥) إنذار من السماء ص٤٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555978,"book_id":1504,"shamela_page_id":465,"part":null,"page_num":464,"sequence_num":465,"body":".. ويكرر فى موضع آخر الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ، فى البلاغ، وفى عصمته من الشرك، ومن تسلط الشيطان عليه، بتفسير آيات النهى عن الشرك، والنهى عن اتخاذ إله آخر مع الله ﷿، بأنها خطاب من الله ﷿ لرسوله مرة ثانية عن قصة الغرانيق، وكأن حال لسانه يقول: قصة الغرانيق صحيحة، وبصحتها أشرك رسول الله، واتخذ إلهاً آخر، وتأمل كلامه بعد أن سبقه بذكر الآيات التالية قوله تعالى: ﴿ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون﴾ (٢) يقول: \"فمن معانى الآيات ... يتبين أن الله تعالى يكلم الرسول مرة أخرى عن قصة الغرانيق، وأن شفاعتهن لترجى، ويوضح له كيف ألقاها الشيطان إلى لسانه، فأدخلها الرسول خطأ فى القرآن، إلى أن أتى جبريل، ونبهه على الموضوع، فنسخ تلك الآيات وأتى بدلاً عنها بخير منها: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى. ألكم الذكر وله الآنثى﴾ (٣) وبين الله تعالى أسباب ذلك فى الآية: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ (٤) .","footnotes":"(١) الآية ٨٧ القصص.\r(٢) الآية ٨٨ القصص، ويراجع: ما سبق فى توجيه هذه الآية وما قبلها ص١٢٩ – ١٣٨.\r(٣) الآيات ١٩ – ٢١ النجم.\r(٤) الآية ٥٢ الحج. وينظر: إنذار من السماء ص٥٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555979,"book_id":1504,"shamela_page_id":466,"part":null,"page_num":465,"sequence_num":466,"body":".. ويحاول بعض الشيعة الطعن فى السنة النبوية وأهلها، وعلى رأسهم الإمام البخارى وصحيحه بإيهام القارئ أن فرية الغرانيق موجودة فى صحيح البخارى. إذ يقول جعفر مرتضى العاملى بعد أن ذكر فرية الغرانيق قال: \"وأضاف البخارى سجود الإنس والجن إلى مجموع المسلمين والمشركين...\" (١) ويكذب أحمد حجازى السقا (٢) قائلاً: \"فما تقول فى قصة الغرانيق المروية فى كتب الصحاح\" (٣) ولم يبين لنا ما هى كتب الصحاح التى روت تلك الفرية؟!.\r... ويجاب عن هذه الفرية، وما اشتملت عليه من افتراءات أخرى بما يلى:\r\rأولاً: إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به من عصمة رسول الله ﷺ، فى عقيدته من الشرك والشك والضلال والغفلة، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وكذا عصمته من الخطأ والسهو فى أمر التبليغ، وهو ما قام عليه إجماع الأمة، والأدلة القطعية من الكتاب والسنة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله (٤) .\r\rثانياً: قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها، وأقرب دليل يشير إلى فساد هذه القصة ما يلى:","footnotes":"(١) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٣/١٣٨، وينظر: أبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين ص١١٦، ودفاع عن السنة المحمدية أو الخطوط الطويلة لمحمد بن على الهاشمى ص١٢، ٤١.\r(٢) كاتب مصرى معاصر، حصل على العالمية فى الدعوة من جامعة الأزهر، ورفض الأزهر تعيينه بالجامعة، من مؤلفاته التى شكك فيها فى مكانة السنة النبوية، كتابيه دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى، وحقيقة السنة النبوية، وغيرهما.\r(٣) دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى ص٣٠.\r(٤) يراجع: دلائل عصمته ﷺ فى عقله ص٤٨، والجواب عن شبهاتهم من القرآن على عدم عصمته ﷺ ص١١٣، ودلائل عصمته ﷺ فى نقل الوحي وتبليغ الرسالة من خلال القرآن والسنة والسيرة ص٢٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555980,"book_id":1504,"shamela_page_id":467,"part":null,"page_num":466,"sequence_num":467,"body":"١- ما ذكره رب العزة فى أول سورة النجم، مؤكداً بالقسم على عصمة نبيه ﷺ، فى تبليغ وحيه، وأنه لا يخرج كلامه عن الحق، قال تعالى: ﴿والنجم إلى هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (١) فكيف ينتظم هذا مع ذكر فى نفس السورة من نطقيه ﷺ عن الهوى؟ بل وترديده ما يلقيه إليه الشيطان، على أنه آيات قرآنية إلهية؟! هذا مع قوله تعالى: ﴿ولو تقول عليه بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) . فها هو يتقول عليه، ولا يفعل به شيئاً؟ هل يعقل هذا؟!.\r... وإذا كانت هذه الآيات من سورة الحاقة، قد نزلت بعد سورة النجم، فإن ذلك لا يضر؛ مادامت الآية تعطى قاعدة كلية، ولا تشير إلى قضية خارجية خاصة، والقاعدة الكلية هنا: عصمته ﷺ فيما يبلغ عن ربه ﷿.\r٢- ما جاء فى نفس السورة بعد الموضع الذى زعموا أنه ذكرت فيه الفرية من ذم أصنام المشركين \"مناة، واللات، والعزى\" والإنكار على عابديها، وجعلها أسماء لا مسمى لها، وأن التمسك بعبادتها أوهام وظنون. قال تعالى: ﴿إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ (٣) .\r... فلو أن القصة صحيحة لما كان هناك تناسب بينها، وبين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظم مفككاً، والكلام متناقضاً. وكيف يطمئن إلى هذا التناقض السامعون، وهم أهل اللسان والفصاحة، وأصحاب عقول لا يخفى عليها مثل هذا، ولاسيما أعداؤه الذين يلتمسون له العثرات والزلات.","footnotes":"(١) الآيات ١-٤ النجم.\r(٢) الآيات ٤٤ – ٤٧ الحاقة.\r(٣) الآية ٢٣ النجم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555981,"book_id":1504,"shamela_page_id":468,"part":null,"page_num":467,"sequence_num":468,"body":".. فلو أن ما روى كان واقعاً لشغب عليه المعادون له، ولارتد الضعفاء من المؤمنين، ولثارت ثائرة مكة، ولاتخذ منه اليهود بعد الهجرة متكئاً يستندون إليه فى الطعن على النبى ﷺ، والتشكيك فى عصمته، ولكن شيئاً من ذلك لم يكن.\r٣- إن بعض الروايات الواردة فى القصة ذكرت أن فيها نزل قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً﴾ (١) .\r... وهاتان الآيتان، حتى لو لم تكونا سبب النزول، فهما تردان القصة؛ لأن الله ذكر أنهم كادوا يفتنونه، ولولا أن ثبته لكاد أن يركن إليهم، ومفاداه أن الفتنة لم تقع، وأن الله عصمه وثبته حتى لم يكن يركن إليهم، فقد انتفى قرب الركون فضلاً عن الركون. فالأسلوب القرآنى جاء على أبلغ ما يكون فى تنزيه ساحته ﷺ عن ذلك، وهم يرون فى أخبارهم الواهية، أنه زاد على الركون، بل افترى بمدح آلهتهم، وهذا ينافى ما تدل عليه الآية، وهو توهين للخبر لو صح، فكيف ولا صحة له؟ (٢) .\r٤- وقال تعالى: ﴿قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل الله أعبد مخلصاً له دينى. فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ (٣) . وتأمل الأسلوب الإنكارى التوبيخى فى قوله ﴿فاعبدوا ما شئتم﴾ وهى أشد من مجرد مدح الأصنام.","footnotes":"(١) الآيتان ٧٣، ٧٤ الإسراء، وينظر: جامع البيان لابن جرير ١٧/١٣١.\r(٢) الشفا ٢/١٢٧، ١٢٨ بتصرف، وينظر: السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٣٧١، ٣٧٢، وحياة محمد للدكتور محمد هيكل ص١٤٤.\r(٣) الآيات ١١ – ١٥ الزمر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555982,"book_id":1504,"shamela_page_id":469,"part":null,"page_num":468,"sequence_num":469,"body":".. فكل هذه الآيات وغيرها مما سبق ذكره فى مواضع عصمته ﷺ (١) مما يكذب هذه القصة، ويظهر زيفها ووضعها على رسول الله ﷺ.\r\rثالثاً: مخالفة القصة لحقائق تاريخ السيرة العطرة، إذ أن سورة النجم تحمل الحديث عن المعراج، وكان المعراج بعد السنة العاشرة من البعثة باتفاق، أما قصة الغرانيق هذه فإن رواياتها تبين أنها كانت فى السنة الخامسة للبعثة، إبان الهجرة الأولى للحبشة، فى رمضان منها؛ وهذا مما يؤكد بطلان تلك المرويات، ويحقق كذبها ووضعها على رسول الله ﷺ. يضاف إلى ذلك أن الرسول ﷺ قبل إسلام عمر رضى الله عنه، ما كان يصلى عند الكعبة جهاراً نهاراً آمناً أذى المشركين له، حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه، وإنما كان يصلى إذا خلا المسجد منهم، وعمر رضى الله عنه قد أسلم فى السنة السادسة، وهذه فى الخامسة، وبذلك يبطل هذا القول، وهو صلاته بحضورهم على هذه الهيئة. ومن المعلوم أن معاداتهم لرسول الله ﷺ، كانت أعظم من يقروا بهذا القدر من القراءة، دون أن يقفوا على حقيقة الأمر؛ فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجداً دون أن يتحققوا ذلك منه ﷺ (٢) .","footnotes":"(١) يراجع: ص١١٣ - ١٨١.\r(٢) الفصول الزكية فى سيرة خير البرية للدكتور عبد الموجود عبد اللطيف ص٢٨٤، ٢٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555983,"book_id":1504,"shamela_page_id":470,"part":null,"page_num":469,"sequence_num":470,"body":"رابعاً: ذهب جماهير علماء الأمة من المحدثين، ومن المحققين الذين جمعوا بين المعقول والمنقول إلى إنكار القصة، والجزم بوضعها واختلاقها (١) وإليك نماذج من أقوالهم:","footnotes":"(١) القصة أخرجها ابن جرير الطبرى فى تفسيره جامع البيان ١٧/١٨٦، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/٢٥٠٠ رقم ١٣٩٩٨، وابن المنذر، ثلاثتهم من طرق عن سعيد بن جبير مرسلاً، ووصلها البزار فى مسنده، وكذا الطبرانى، وابن مردويه، والضياء فى المختار ة من طريق آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال ابن جبير فيما أحسب، شك فى أن القصة بمكة، وأخرجه النحاس بسند فيه الواقدى عن ابن عباس، وابن مردويه من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، وابن جرير فى تفسيره ١٧/١٨٦ من طريق العوفى عنه، وعن محمد بن كعب القرظى، ومحمد بن قيس، وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبى العاليه، وكلها مرسلة، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/٢٥٠٢ رقم ١٤٠٠٣، عن السدى، وموسى بن عقبة فى المغازى عن الزهرى، ومن طريق موسى بن عقبة أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٢٨٥، ورواها الطبرانى مرسلة عن عروة بن الزبير، وفى سنده ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا منه، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٧٢. وينظر: ٦/٣٢ – ٣٤، والمعنى فى الروايات السابقة كلها للقصة واحد، كما قال الحافظ فى فتح البارى كتاب التفسير، باب سورة الحج ٨/٢٩٣، وينظر: مناهل الصفا فى تخريج أحاديث الشفا للسيوطى ص٢٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555984,"book_id":1504,"shamela_page_id":471,"part":null,"page_num":470,"sequence_num":471,"body":"قال القاضى عياض: \"إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم... ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين التابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها، ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث ابن عباس (١) وضعفه الأئمة أيضاً. ثم نقل القاضى عن الحافظ البزار قوله: \"هذا الحديث – أى فرية الغرانيق – لا نعلمه يروى عن النبى ﷺ، بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد وهو: \"يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ابن جبير: فيما أحسبه\". وضعفه الإمام البزار بما يلى:\rتفرد أمية بن خالد بنقل هذا الحديث مسنداً عن شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وغير أمية بن خالد يرويه مرسلاً عن سعيد بن جبير عن النبى ﷺ، ومن غير ذكر ابن عباس.\rوقوع الشك فى حديث شعبة، فسعيد بن جبير، وإن كان معتمداً لكن تردد أن النبى ﷺ، كان بمكة فى هذه القضية، أو بغيرها.\rرواية الكلبى لهذا الحديث عن أبى صالح عن ابن عباس، مضعفة أيضاً بأن الكلبى غير ثقة، وأن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس، ففيها انقطاع، والمنقطع من أقسام الضعيف (٢) فلا يحتج به (٣) .","footnotes":"(١) الشفا ٢/١٢٥، ١٢٦، وقال بقوله الإمام القسطلانى صاحب المواهب اللدنية، وشارحه الزرقانى ٢/١٥ فى فاتحة كلامهما، ثم ذهبا إلى ما ذهب إليه ابن حجر، وسيأتى بيان كلام ابن حجر والتعقيب عليه أهـ.\r(٢) وإذا كان من العلماء من يحتج بالضعيف إذا كثرت طرقه، وبناء عليه يعتمد حديث الغرانيق كابن حجر، فإنا سنعرف رأيه، ثم نناقشه فيه بعد قليل.\r(٣) نسيم الرياض فى شرح الشفا للخفاجى ٤/٨٧، وينظر: الشفا ٢/١٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555985,"book_id":1504,"shamela_page_id":472,"part":null,"page_num":471,"sequence_num":472,"body":"قال القاضى عياض: \"فقد بين لك أبو بكر البزار ﵀ أنه لا يعرف من طريق يجوزه ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه الذى لا يوثق به ولا حقيقة معه\" (١) .\rقلت: وفى ذلك رد على قول الإمام السيوطى فى رواية ابن عباس الموصولة، بأن إسنادها جيد (٢) زد على ذلك ما نقله القاضى عن القاضى بكر بن العلاء المالكى فى بيانه لضعف القصة من حديث ضعف سندها واضطراب متنها بقوله: \"لقد بلى الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته: فقائل يقول إنه فى الصلاة، وآخر يقول: قالها فى نادى قومه، حيث أنزلت عليه السورة؛ وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبى ﷺ لما عرضها على جبريل، قال: ما هكذا أقرأتك؛ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبى ﷺ قرأها؛ فلما بلغ النبى ﷺ ذلك قال: والله ما هكذا نزلت؛ إلى غير ذلك من اختلاف الرواة\" (٣) .\rوقال الإمام الرازى: \"أهل التحقيق قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، ونقل عن الحافظ ابن خزيمة، أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وصنف فيه كتاباً، كما حكى عن الإمام البيهقى قوله: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم فى أن رواة هذه القصة مطعون فيهم\" (٤) .","footnotes":"(١) الشفا ٢/١٢٦.\r(٢) مناهل الصفا ص٢٢١.\r(٣) الشفا ١/١٢٥.\r(٤) التفسير الكبير ١٢/٥١ وقال أبو حيان فى تفسيره البحر المحيط ٦/٣٨٢ معقباً على كلام البيهقى: ولذلك نزهت كتابى عن ذكره فيه أهـ المراد نقله. وقال الشوكانى فى فتح القدير ٣/٤٦١ \"ولم يصح شئ من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه\". وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/٤٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555986,"book_id":1504,"shamela_page_id":473,"part":null,"page_num":472,"sequence_num":473,"body":"وقال الإمام ابن حزم: \"وأما الحديث الذى فيه \"وإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى\" فكذب بحت موضوع، لأنه لم يصح قط من طريق النقل، فلا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد\" (١) .\rوقال فضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون بعد أن فند الروايات التى ذكرها الإمام السيوطى فى تفسيره، وأجاد فى الرد عليها بما يغنى عن ذكره قال: \"ليس فى روايات فرية الغرانيق، رواية قط متصلة الإسناد على وجه الصحة، ولم يذكر فى جميع الروايات صحابى قط على وجه موثق، وما ذكر فيه باسم ابن عباس، فكلها ضعيفة واهية خلا رواية سعيد بن جبير على الشك فى إسنادها إلى الحبر ابن عباس، والشك يوهيها\" (٢) .\r\rخامساً: القصة لم يخرجها أصحاب الكتب الصحاح:\r... فرية الغرانيق لم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح، ولا أحد من أصحاب الكتب المعتمدة كالسنن الأربعة، ومسند الإمام أحمد، كما زعم كذباً بعض أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة (٣) والذى رواه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس: \"أن النبى ﷺ قرأن النجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون، والجن، والإنس\" وفى رواية للبخارى أيضاً عن ابن مسعود قال: \"أول سورة أنزلت فيها سجدة \"والنجم\" قال: فسجد رسول الله ﷺ، وسجد من خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً، وهو أمية بن خلف\" (٤) .","footnotes":"(١) الفصل فى الملل والنحل ٢/٣٠٨، ٣٠٩، ٣١١.\r(٢) محمد رسول الله ﷺ ٢/٦٩.\r(٣) يراجع: قول أحمد حجازى السقا ص٣١٠.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب فاسجدوا لله واعبدوا ٨/٤٨٠ رقمى ٤٨٦٢، ٤٨٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555987,"book_id":1504,"shamela_page_id":474,"part":null,"page_num":473,"sequence_num":474,"body":".. فأنت ترى هنا أن البخارى اقتصر على هذا الجزء الصحيح من القصة، وليس فيه البتة فرية الغرانيق! فأين هذا مما يزعمه بعض الرافضة من إيهام القارئ أن فرية الغرانيق ذكرها الإمام البخارى فى صحيحه؟! (١) .\r\rسادساً: سؤال بعضهم:\r\"كيف سجد المشركون عند نهاية السورة لقوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ (٢) مع أنهم يرفضون السجود لله؟ قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً﴾ (٣) .\rفالجواب:\r... إن سجود أهل الشرك كان لما سمعوه من أسرار البلاغة الفائقة، والفصاحة البالغة، وعيون الكلم، الجوامع لأنواع من الوعيد والإنكار، والتهديد والإنذار، وقد كان العربى يسمع القرآن فيخر له ساجداً (٤) .\r... يقول الأستاذ سيد قطب: \"سجود المشركين كان لاعتبارين:\rالاعتبار الأول: كامن فى ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن. ولهذه الإيقاعات المزلزلة فى سياق هذه السورة... خصوصاً إذا كان القارئ هو سيدنا رسول الله ﷺ، الذى تلقى هذا القرآن مباشرة من مصدره، وعاشه وعاش به، وأحبه حتى لكان يثقل خطاه إذا سمع، من يرتله داخل داره، ويقف إلى جانب الباب يسمع له حتى ينتهى.\r... وفى هذه السورة بالذات كان يعيش لحظات عاشها فى الملأ الأعلى، وعاشها مع الروح الأمين، وهو يراه على صورته الأولى.\rوالاعتبار الثانى: أن أولئك المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة، وهم يستمعون إلى سيدنا محمد ﷺ. إنما كان العناد المصطنع هو الذى يحول بينهم وبين الإذعان.","footnotes":"(١) يراجع: قول: جعفر مرتضى العاملى ص٣١٠.\r(٢) الآية ٦٢ النجم.\r(٣) الآية ٦٠ الفرقان. وينظر: الصحيح من سيرة النبى لجعفر مرتضى العاملى ٣/١٤٥.\r(٤) السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٣٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555988,"book_id":1504,"shamela_page_id":475,"part":null,"page_num":474,"sequence_num":475,"body":".. ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة النجم من رسول الله ﷺ فأقرب ما يحتمل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التى لا يملكون أنفسهم إذاءها، وأن يأخذوا بسلطان هذا القرآن؛ فيسجدوا مع الساجدين بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين\" (١) .\r... قلت: فسجودهم كان معجزة لرسول الله ﷺ، بقهر المشركين، وإجبارهم على السجود، كما قال ﷿: ﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ (٢) وكما ألقى سحرة فرعون ساجدين لما رأوا معجزة سيدنا موسى ﵇، تلقف ما يأفكون، ألقى كفار قريش سجداً لمعجزة سيدنا رسول الله ﷺ، وهى معجزة سيخر لها أهل الكفر إلى يوم الدين أهـ.\r\rسابعاً: الرد على المثبتين للقصة:\r... سبق التنويه على أن بعض المفسرين، والمحدثين، ذكروا قصة الغرانيق فى كتبهم، وقرروا قبول سندها، مع ردهم لما جاء فيها من مدح الأصنام \"تلك الغرانيق العلا...الخ\" وتأويلهم لها.","footnotes":"(١) فى ظلال القرآن ٦/٣٤٢٠ - ٣٤٢٢.\r(٢) الآية ٤ الشعراء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555989,"book_id":1504,"shamela_page_id":476,"part":null,"page_num":475,"sequence_num":476,"body":".. والجدير بالذكر هنا ما قاله الإمام ابن حجر، لأنه عالم متبحر محقق تابعه فى كلامه أئمة أعلام أيضاً (١) وكذلك لأن كلام الإمام اعتمد على الصناعة الحديثية، فاستحق التنويه والتعقيب بخلاف غيره (٢) قال الإمام ابن حجر بعد تصريحه القاطع فى الحكم على روايات القصة بالضعف والانقطاع قال: \"لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما: ما أخرجه الطبرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثانى: عن أبى العالية (٣) .","footnotes":"(١) كالسيوطى فى الدر المنثور ٦/٦٥، ومناهل الصفا ص٢٢١، والقسطلانى فى المواهب اللدنية، والزرقانى فى شرحه على المواهب ٢/١٩ – ٢٦، وذلك فى نهاية كلامهما، بعد أن كانا فى فاتحته مع ما قاله القاضى عياض من رد القصة وإبطالها.\r(٢) مثل الإمام ابن تيمية فى كتابه الفتاوى ١٠/١٧٠ – ١٧٢ حيث عمم الكلام فى إثبات القصة دون تحقيق منه، على خلاف عادته وقد كفانا فى الرد عليه فضيلة الشيخ عرجون فى كتابه محمد رسول الله ﷺ ٢/٨٧ – ١٠٤، ومثل الشيخ إبراهيم حسن الكورانى، ورأيه فى ثبوت القصة ساقه الألوسى فى روح المعانى ١٠/٢٦٤، ورد عليه بما شفى وكفى، كما قام بالرد على الكورانى أيضاً الشيخ عرجون، ووصف كلامه فى إثبات القصة بأنه رأى متزايد أهوج، خرج فيه عن جادة الأدب مع رسول الله ﷺ، وتهوره فى حماقة لا يعرفها أهل العلم والإيمان. ينظر: محمد رسول الله ﷺ ٢/١٠٥ – ١٢٩.\r(٣) جامع البيان ١٧/١٨٦، ١٨٧، ويراجع: تخريج القصة ص٣١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555990,"book_id":1504,"shamela_page_id":477,"part":null,"page_num":476,"sequence_num":477,"body":".. قال الحافظ: وقد تجرأ أبو بكر بن العربى كعادته فقال: ذكر الطبرى فى ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها (١) وهو إطلاق مردود عليه، وكذا رد الحافظ كلام القاضى السابق ذكره، ثم قال: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: \"ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى\" فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه ﷺ، أن يزيد فى القرآن عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً، إذا كان مغايراً لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته\" (٢) .\r... والكلام مع الإمام الحافظ ابن حجر فيما قاله يجرى على وجوه:\rالوجه الأول: يتعلق بروايات القصة والتى ساقها الحافظ ثم عقب عليها بقوله: \"وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف، وإما منقطع\" (٣) أى فلا تقوم به حجة، وهذا نص قاطع من ابن حجر يضاف إلى نصوص الأئمة السابق ذكرها، فى أن روايات هذه القصة ضعيفة السند، واهية المخرج، لا تصلح للاحتجاج بها، بما فى ذلك طريق ابن جبير على ما سبق.","footnotes":"(١) ينظر: أحكام القرآن ٣/١٢٩٠.\r(٢) فتح البارى، كتاب التفسير، باب سورة الحج ٨/٢٩٣.\r(٣) فتح البارى فى الأماكن السابقة نفسها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555991,"book_id":1504,"shamela_page_id":478,"part":null,"page_num":477,"sequence_num":478,"body":"الوجه الثانى: يتعلق بعصمة رسول الله ﷺ، فى بلاغ وحى الله تعالى، وعدم الخطأ فيه، لا عمداً ولا سهواً، وكذا عصمته من تسلط الشيطان عليه، وهى عصمة ثابتة له ﷺ، بشهادة القرآن والسنة والتاريخ، وإجماع الأمة على ما سبق شرحه (١) وهو ما يتعارض مع ما جاء فى هذه القصة من تسلط الشيطان عليه، وإلقائه على لسان رسول الله ﷺ، فى ثنايا تلاوته آيات الله المنزلة بالوحي، أخبث كلمات الكفر التى تشيد بالأوثان مدحاً وتعظيماً، وهو ما ينقض بنيان العصمة من أساسه؟.\rالوجه الثالث: يتعلق بالثقة بوحى الله تعالى إلى رسله، فإذا فتح للشيطان أدنى منفذ للتسلط على رسل الله تعالى، وتلقينهم أخبث الكفر، دون أن ينتبهوا إلى ما يلقى إليهم من ذلك، ويبلغوه إلى أممهم فيما يبلغونه عن الله تعالى، لم يبق للأمة ثقة فيما تسمع من رسولها، وهذا بلا شك، هدم لدعوات الرسل، وإبطال لرسالاتهم.\rالوجه الرابع: يتعلق بالثقة بنبينا سيد الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ فى معرفته بأسلوب القرآن ومعانيه، معرفة لا تسمو عليها معرفة أحد، لأنه القيم على تمييز أسلوبه وروعة بيانه، والمثل الأعلى فى العلم بحقائقه الإيمانية، فإذا جاز أن يلقى إليه الشطان كلمات أخبث الكفر، فى أثناء تلاوته لآيات الله تعالى، الموطدة لدعائم التوحيد، وهدم الوثنية والشرك – كما تزعم أقصوصة الغرانيق – على سمع جموع المسلمين، والمشركين، ثم لا يتنبه لذلك، ولا يميز بين ما هو قرآن كريم من عند الله تعالى؛ وما هو كفر خبيث من إلقاء الشيطان، فماذا بقى لهذا الرسول الكريم من ثقة فى نفوس المؤمنين به؟.","footnotes":"(١) يراجع: ص٢٦٤ – ٢٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555992,"book_id":1504,"shamela_page_id":479,"part":null,"page_num":478,"sequence_num":479,"body":".. فقول الحافظ ابن حجر بعد سوقه كلام القاضيين أبى بكر بن العربى، وعياض: وجمع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلاً. من أغرب قضايا العلم فى منهج الإسلام؛ فالأمر يتعلق بأقصوصة إذا سلمت كانت معولاً هداماً لأصل أصول الإسلام، بل أصل أصول الدين كله فى جميع رسالات الله تعالى إلى جميع أنبياءه ورسله، لأنها تطعن فى عصمة الأنبياء، وتقرر أن الشيطان صاحب سلطان عليهم، وهذه مزلقة لا ينتهى من يقع فيها إلا إلى هاويه لا قرار لها.\rالوجه الخامس: أن قاعدة الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلت على أن موضوع الروايات له أصل ليست على عمومها، ففى باب العقائد لا يقبل إلا النص الصحيح المقطوع بصحته، وفى غير أبواب العقائد من الأحكام الفرعية، فإن هذه القاعدة مقيدة، كما قال المحدثون. بالضعف الذى يزيله ما يجبره، وذلك إذا كان الضعف ناشئاً عن ضعف حفظ الراوى، أما الضعف الذى لا يزول لقوته، وتقاعد الجابر عن جبره ومقاومته فلا وزن له، ولو جاء من سبعين طريقاً متباينة المخارج، وذلك كالضعف الذى ينشأ من كون الراوى متهماً بالكذب – كما فى بعض روايات أقصوصة الغرانيق التى جاءت من طريق الكلبى (١) وهو كذوب ولا تجوز الرواية عنه، ومثل ذلك كون الحديث شاذاً (٢) .","footnotes":"(١) هو محمد بن السائب بن بشير الكلبى، متهم بالكذب، ورمى بالرفض، ورضوه فى التفسير، كما قال الحافظ فى تقريب التهذيب ٢/٧٨ رقم ٥٩٢٠، ولسان الميزان ٩/١٠٤ رقم ١٤٢٢١ وينظر: الضعفاء لأبى نعيم ص١٣٨ رقم ٢١٠، والضعفاء والمتروكين للنسائى ص٢١١ رقم ٥٣٩، والضعفاء الصغير للبخارى ص١٠٥ رقم ٣٢٢.\r(٢) ينظر: فتح المغيث للسخاوى ١/٣١١ – ٣١٤، والتبصرة والتذكرة للعراقى ١/٢٩١، وتوضيح الأفكار للصنعانى ١/١٠٩ – ١١٣، والأجوبة الفاضلة لمحمد اللكنوى ص٣٦ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555993,"book_id":1504,"shamela_page_id":480,"part":null,"page_num":479,"sequence_num":480,"body":".. ثم قال الحافظ ابن حجر: وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها – أى من روايات قصة الغرانيق – على شرط الصحيح، وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض.\r... قلت: إن هذا التعميم فى الاحتجاج بالمرسل عند من يقول به، ومن لا يقول به غير مسلم، لأن الخلاف فى الاحتجاج بالمرسل إنما هو فى أحكام الفروع، ولا يمكن أن يكون جارياً فى أصول العقائد، لأنها لا تثبت إلا بدليل صحيح، والمرسل ضعيف عند جمهور المحدثين كما قال الإمام مسلم: \"إن المرسل من الروايات فى أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة\" (١) وقال ابن الصلاح: \"ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه من وجه آخر، وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو المذهب الذى استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر\" (٢) .\rالوجه السادس: أن الأمام ابن حجر يرى فى القصة ما هو محال أن يقع من رسول الله ﷺ، وهو الزيادة فى القرآن عمداً أو سهواً، بيد أنه لم يشأ أن يقف عند هذه النتيجة التى كانت أمراً طبيعياً يسوق إليها البحث العلمى، وينتهى بها إلى أن هذه الأقصوصة أكذوبة باطلة، ما كانت تستحق أن تجول ساحبة ذيولها فى ساحة سيرة سيد المرسلين محمد ﷺ، ولكنه خضع لقواعد الصنعة فى غير محلها – حيث يمس الأمر العقائد – وراح يتشبث بالتأويل فيما رآه محالاً، وحكى من ضروب هذا التأويل أقوالاً كلها بعيدة عن نص روايات القصة. وحتى التأويل الذى استحسنه ورجحه بعض الأئمة، بالتأمل فيه ترى أنه غير مقبول، وترده نص روايات القصة (٣) .","footnotes":"(١) مقدمة صحيح مسلم، باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ١/١٦٣.\r(٢) علوم الحديث ص٤٩.\r(٣) ينظر: محمد رسول الله ﷺ للشيخ عرجون ٢/٨١ – ٨٦ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555994,"book_id":1504,"shamela_page_id":481,"part":null,"page_num":480,"sequence_num":481,"body":".. انظر مثلاً: قول القاضى: \"والذى يظهر ويترجح عند ابن العربى (١) وعند غيره من المحققين على تسليمه، أن النبى ﷺ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلاً، ويفصل الآى تفصيلاً فى قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات، ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكياً نغمة النبى ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قول النبى ﷺ وأشاعوها\" (٢) .\r... قلت: وهذا التأويل الراجح عند ابن العربى، وارتضاه الحافظ (٣) وغيره ممن تابعه قديماً وحديثاً، ما أضعفه عند النظر والتأمل، فهو يوقع القائل به فيما فر منه، وهو تسلط الشيطان على رسول الله ﷺ، وعدم عصمته فيما يبلغ عن ربه ﷿، حيث أن التسلط بالمحاكاة كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه، كلاهما لا يجوز، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات الإلهية.\r... وإذا سلمنا أن الشيطان هو الذى نطق بهذا المنكر من القول فى أثناء سكوت النبى ﷺ؛ فكيف لم يسمع ما حكاه الشيطان؟! وإذا كان سمعه فلم لم يبادر إلى الإنكار، والبيان فى مثل هذا واجب على الفور؟!.\r... وإذا لم يسمع النبى! ألم يسمع أصحابه؟ وإذا سمعوا فلم لم يبادروا إلى تنبيه الرسول ﷺ؟!.\rوأهون من هذا فى الإبطال وأشد فى الاستغراب ما ذكره موسى بن عقبة فى مغازيه، من أن المسلمين ما سمعوها، وإنما ألقى الشيطان بهذه المقالة فى أسماع المشركين!!.","footnotes":"(١) أحكام القرآن ٣/١٢٩٠.\r(٢) الشفا ٢/١٣٠، وشرحه لعلى القارى ٢/٢٣٤.\r(٣) فتح البارى، كتاب التفسير، باب سورة الحج ٨/٢٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555995,"book_id":1504,"shamela_page_id":482,"part":null,"page_num":481,"sequence_num":482,"body":".. فهل كان الشيطان يسر بها فى آذان المشركين دون المسلمين؟ ثم كيف يتفق هذا الذى اختاروه، وما روى من أن النبى ﷺ حزن حزناً شديداً، وأن جبريل قال له: ما جئتك بهذا؟! (١) .\r... فإذا كان هذا المستحسن عن بعض الأئمة ترده نفس الروايات الضعيفة، فمن باب أولى باقى التأويلات التى ذكر معظمها الإمام ابن حجر وردها كما ردها من سبقه من الأئمة (٢) .\r\rمعنى آية التمنى:\r... وإذ قد انتهينا إلى هذه النتيجة الممحصة، فآية التمنى فى قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ (٣) لا صلة لها بفرية الغرانيق لما يلى:\rآية التمنى فى سورة الحج، وهى مدنية بالاتفاق، ولاسيما وأنه قد ورد فيها الأمر بالأذان فى الناس بالحج، والأمر بالقتال، والأمر بالجهاد، وذكر فيها الصد عن المسجدالحرام، وكل ذلك إنما كان بعد الهجرة، وبعضه أتى بعدها بعدة سنوات، وهذا يعنى أن هذه الآية قد نزلت بعد الغرانيق بسنوات عديدة، لأن قصة الغرانيق قد حصلت فى السنة الخامسة من البعثة، فكيف أخر الله تسلية وتهدئة خاطر الرسول ﷺ هذه السنين الطويلة؟!.","footnotes":"(١) ينظر: السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٣٦٩، والروض الأنف للسهيلى ٢/١٥٣، ١٥٤، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/٤٤٠.\r(٢) ينظر: الشفا ٢/١٢٩، ١٣٠، وفتح البارى ٨/٢٩٣، ٢٩٤، ومحمد رسول الله ﷺ ٢/١٣٨ - ١٤٦، والتفسير الكبير للرازى ١٢/ ٥٢ - ٥٥.\r(٣) الآية ٥٢ الحج.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555996,"book_id":1504,"shamela_page_id":483,"part":null,"page_num":482,"sequence_num":483,"body":"إن آية التمنى ليس فيها دلالة على شئ من فرية الغرانيق من قريب أو بعيد، لولا ما افتراه الزنادقة من مراسيل واهية فى أسباب نزولها! وقد فسر آية التمنى كثير من جهابذة علماء الإسلام فى تفاسيرهم المتداولة بين الأمة، ولم يظهر لهم قط حاجة إلى إلصاق القصة بتفسير الآية، ومن هؤلاء المفسرين الجهابذة، أبو حيان فى تفسيره (البحر المحيط) (١) والشوكانى فى تفسيره (فتح القدير) (٢) وأبو بكر بن العربى فى (أحكام القرآن) (٣) على أن معنى الآية لا ينسجم مع مفاد الرواية، فإن التمنى هو: تشهى حصول أمر محبوب ومرغوب فيه (٤) فالرسول ﷺ إنما يتشهى ويتمنى ما يتناسب مع وظيفته كرسول، وأعظم أمنية لإنسان كهذا، هى ظهور الحق والهدى، وطمس الباطل، وكلمة الهوى، فيلقى الشيطان بغوايته للناس ما يشوش هذه الأمنية، ويكون فتنة للذين فى قلوبهم مرض، كما ألقى فيما بين أمة موسى من الغواية ما ألقى، فينسخ الله بنور الهدى غواية الشيطان، ويظهر الحق للعقول السليمة.\rأما لو أردنا تطبيق الآية على ما يقولون: فإن المراد بالتمنى يكون هو القراءة والتلاوة، وهو معنى شاذ غريب، يخالف الوضع اللغوى، وظاهر اللفظ، أما الشعر المنقول عن حسان بن ثابت، كشاهد على ذلك، فمشكوك فى نسبته إليه (٥) .","footnotes":"(١) ٦/٣٨٠ – ٣٨٢.\r(٢) ٣/٤٦١.\r(٣) ٣/١٢٨٧ – ١٢٩٢.\r(٤) ينظر: لسان العرب ١/١٤٠ – ١٤٤ حيث ساق شواهد من الحديث والآثار وكلام أئمة اللغة، تدل على أن معنى التمنى والأمنية، هو: الإرادة والمحبة، والرغبة فى حصول الشئ واشتهاء وقوعه أهـ.\r(٥) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٣/١٤٤، ومحمد رسول الله ٢/٧٠، ٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555997,"book_id":1504,"shamela_page_id":484,"part":null,"page_num":483,"sequence_num":484,"body":"وحتى لو قبلنا أن المراد بالتمنى هو التلاوة، فإن من الممكن أن يكون المراد من الآية هو: إعلام المولى ﷿ لرسوله ﷺ، بأن من أرسل قبله من الرسل كان إذا تلا ما يؤديه إلى قومه، حرفوا عليه، وزادوا فيما يقوله ونقصوا، كما فعلت اليهود والنصارى فى الكذب على أنبيائهم قال تعالى: ﴿ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ (٤) فأضاف ذلك إلى الشيطان لأنه يقع بوسوسته وغروره، ثم بين الله ﷿ أنه يزيل ذلك ويدحضه بظهور حجته وينسخه بشريعة نبيه ومصطفاه ﷺ، تلك الشريعة التى تعهد رب العزة بحفظها فى قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٥) .","footnotes":"(١) جزء من الآية ٤١ المائدة.\r(٢) الآية ٤٦ النساء.\r(٣) الآية ٧٥ البقرة.\r(٤) الآية ١٠٢ البقرة.\r(٥) الآية ٩ الحجر، وينظر: تنزيه الأنبياء للموسوى ص١٠٧، ومحمد رسول الله ٢/٧٢ – ٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555998,"book_id":1504,"shamela_page_id":485,"part":null,"page_num":484,"sequence_num":485,"body":"وفى هذه المعانى قال أبو حيان: \"ذكر الله تعالى مسلاة لنبيه، باعتبار من مضى من الرسل والأنبياء، وهو أنهم كانوا حريصين على إيمان قومهم، متمنين لذلك، مثابرين عليه، وأنه ما منهم أحد إلا وكان الشيطان يراغمه بتزيين الكفر لقومه، وبث ذلك إليهم، وإلقائه فى نفوسهم، كما أنه ﷺ كان من أحرص الناس على هدى قومه، وكان فيهم شياطين كالنضر بن الحارث، يلقون لقومه، وللوافدين عليه شبهات يثبطون بها عن الإسلام، ولذلك جاء قبل هذه الآية: ﴿والذين سعوا فى آياتنا معاجزين﴾ (١) وسعيهم بإلقاء الشبه فى قلوب من استمالوه، ونسب ذلك إلى الشيطان؛ لأنه هو المغوى والمحرك شياطين الإنس للإغواء لما قال \"لأغوينهم\" ومعنى: ﴿فينسخ الله ما يلقى الشيطان﴾ يزيل تلك الشبه شيئاً فشيئاً حتى يسلم الناس كما قال: ﴿ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا﴾ (٢) ﴿ثم يحكم الله آياته﴾ معجزاته يظهرها محكمة لا لبس فيها ﴿ليجعل ما يلقى الشيطان﴾ من تلك الشبه وزخارف القول \"فتنة\" لمريض القلب ولقاسية، وليعلم من أوتى العلم أن ما تمنى الرسول والنبى من هداية قومه، وإيمانهم هو الحق. وهذه الآية ليس فيها إسناد شئ إلى رسول الله ﷺ، إنما تضمنت حالة من كان قبله من الرسل والأنبياء إذا تمنوا\" (٣) .\rوصفوة القول: أن الذين أثبتوا القصة أجمعوا على رد معناها حيث جمعت بين ضعف السند والمتن، وقوة المعارض من القرآن الكريم، وتاريخ سيرته ﷺ العطرة، وإجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ من كل ما يخل بالتبليغ، وهذا كله يدعونا إلى أن نصدع بأن قصة الغرانيق مكذوبة، اختلقها الزنادقة الذين يريدون إفساد الدين، والطعن فى عصمة سيد الأنبياء وإمام المخلصين ﷺ.\rوبعد:","footnotes":"(١) الآية ٥١ الحج.\r(٢) الآية ٢ النصر.\r(٣) البحر المحيط ٦/٣٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1555999,"book_id":1504,"shamela_page_id":486,"part":null,"page_num":485,"sequence_num":486,"body":".. فإن الناظر فيما ساقه القوم من شبهه – يلاحظ مدى تحير القوم، وترددهم واضطرابهم، فى تحديد المصدر الذى صدر عنه الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ.\r... فانظر كم قلبوا من وجوه الرأى فى هذه المسالة؟ فمرة يقولون كذا، ومرة يقولون كذا، كما علمت فى المطالب السابقة. فإن شئت أن تطلع على هذه الصورة المضحكة من البلبلة الجدلية فاقرأ وصفها فى قوله تعالى: ﴿بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر﴾ (١) .\r... فهذه الجملة القصيرة تمثل لك بما فيها من توالى حروف الإضراب مقدار ما أصابهم من الاضطراب فى رأسهم، وتريك صورة شاهد الزور إذا أحس بحرج موقفه، كيف ينقلب ذات اليمين وذات الشمال.\r... وإذا كان أعداء الإسلام من المستشرقين يتحيرون ويضطربون فى تحديد مصدر الوحي، فأذيالهم وأبواقهم من أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة هم كذلك يتحيرون ويتناقضون؛ وهم يطعنون فى الوحي المنزل على رسول الله ﷺ.\rفإلى بيان ذلك فى المبحث التالى.","footnotes":"(١) الآية ٥ الأنبياء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556000,"book_id":1504,"shamela_page_id":487,"part":null,"page_num":486,"sequence_num":487,"body":"المبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى\rوالرد عليها\rتمهيد:\r... إذا كان أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة يتظاهرون بإسلامهم وإيمانهم بكتاب الله ﷿، فإنك تجدهم يعلنون فى صراحة الكفر بالشطر الثانى من الوحي الإلهى المنزل على رسول الله ﷺ، وهو سنته المطهرة، وسيرته العطرة الواردة فيها.\r... وهذا يبدوا واضحاً حين رسموا من خيالهم المريض صورة مزيفة لدور رسول الله ﷺ فى رسالته؛ وهى صورة إجمالية لا تخرج عن دور \"ساعى البريد\" إن صح التعبير فى جناب مقامه ﷺ الجليل.\r... إنهم يرون أن مهمة رسول الله ﷺ فى رسالته، قاصرة على بلاغ القرآن فقط، ومن هنا أنكروا سنته المطهرة، وسيرته العطرة الواردة فيها. وزعموا أن طاعته ﷺ، محصورة فى كتاب الله ﷿ فقط!.\r... ولأنهم يتمسحون بظاهر الآيات القرآنية وجدوا أنفسهم فى مأزق من خلال عشرات الآيات التى تحض على طاعته ﷺ، وتجعل طاعته من طاعة الله تعالى؛ فلم يعدموا لها تأويلاً، بزعمهم أن طاعة رسول الله ﷺ، فى القرآن تعنى الطاعة لكتاب الله ﷿، ولم يكتفوا بهذا إذ زعموا أن القول بطاعة رسول الله ﷺ شرك وتأليه له، ومن يقول بها فقد كفر وأشرك بربه.\r... وهم فى كل ما يأفكون يتسترون بعباءة القرآن الكريم حتى يقبل المسلمون كلامهم، ولكن أنى لهم هذا! وهم يفسرون آيات الله ﷿، تفسيراً يخرجها عن معناها تماماً، وهو نتيجة طبيعية لعدم التزامهم بقواعد التفسير، وأصول الفكر الإسلامى.\r... فإلى تفصيل شبهاتهم والرد عليها فى المطالب التالية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556001,"book_id":1504,"shamela_page_id":488,"part":null,"page_num":487,"sequence_num":488,"body":"المطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله ﷺ قاصرة على بلاغ القرآن فقط\rوالرد عليها\r... طعن أعداء السنة المطهرة، فى دور رسول الله ﷺ فى تبليغ الوحي، وحصروا بلاغه فى الرسالة، على تبليغ القرآن الكريم فقط، وقالوا هى مهمته الوحيدة، وعدوا القول بخلاف قولهم اتهام لرسول الله ﷺ، بأنه فرط فى تبليغ الوحي.\r... وجاءت أقوالهم فيما يفترون صريحة، وإليك نماذج منها:\rقال رشاد خليفة (١) : \"إن مهمة الرسول الوحيدة: هى تبليغ القرآن بدون أى تغيير، أو إضافة، أو اختزال، أو شرح\" (٢) . وقال فى موضع آخر: \"أمر محمد بتبليغ القرآن فقط بدون أى تغيير، وألا يختلق أى شئ آخر\" ويقول: \"محمد ممنوع من التفوه بأى تعاليم دينية سوى القرآن\" (٣) .\rويقول محمد نجيب (٤) : \"نسبة أى شئ للرسول غير القرآن طعن فى أمانة الرسول ﷺ\" (٥) .","footnotes":"(١) هو: رشاد عبد الحليم محمد خليفة، حصل على بكالوريوس الزراعة من جامعة عين شمس، بمصر، عمل خبيراً زراعياً بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان عميلاً للبهائية ويدعوا إليها، وينكر حجية السنة النبوية، ادعى النبوة، ومات مقتولاً داخل مسجد قريب من جامعة أريزونا، حيث كان يقوم بتدريس أفكاره البهائية التى تشكك فى الإسلام، وفى حجية السنة المطهرة، ينظر: قصته فى كتابى الدفاع عن السنة ص٤٢ وما بعدها، ومسيلمة فى مسجد توسان ص١٦، ٧٠ كلاهما لفضيلة الدكتور طه حبيشى، وينظر: رشاد خليفة صنيعة الصليبية العالمية للدكتور خالد نعيم ص١٦ – ٥٩.\r(٢) القرآن والحديث والإسلام ص١٣، وينظر: من نفس المصدر ص١٧، ١٨، ٣٣.\r(٣) المصدر السابق ص٢، ٣، وينظر له أيضاً: قرآن أم حديث ص٢، ١٦.\r(٤) كاتب مصرى معاصر، من مؤلفاته \"الصلاة\" أنكر فيه السنة المطهرة، وزعم أن تفاصيل الصلاة واردة فى القرآن الكريم، وكتابه صادر عن ندوة أنصار القرآن، نشر دائرة المعارف العلمية الإسلامية.\r(٥) الصلاة ص٢٧١، ٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556002,"book_id":1504,"shamela_page_id":489,"part":null,"page_num":488,"sequence_num":489,"body":"ويقول أحمد صبحى منصور: \"إن إسناد قول ما للنبى وجعله حقيقة دينية هو اتهام للنبى بأنه فرط فى تبليغ الرسالة... بإيجاز كانت مهمة النبى مقتصرة على التبليغ دون الإفتاء والتشريع\" (١) .\rويقول إسماعيل منصور (٢) : \"إنه ليس لجبريل ﵇ فى القرآن الكريم دور إلا النقل الأمين فحسب، كما أنه ليس لمحمد فيه دور كذلك إلا البلاغ الصادق وحده. قال تعالى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (٤) .","footnotes":"(١) مشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص٢٨٢ وينظر من نفس المصدر ص٢٨٧، ٢٩٣، وينظر له: الأنبياء فى القرآن ص٢٦، ولماذا القرآن ص٤٣ – ٥٢، ولا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن ص١٩، والمسلم العاصى ص١٣.\r(٢) هو: إسماعيل منصور جودة، تخرج من جامعة الأزهر، وحصل على العالمية فى الطب البيطرى من الجامعة، تبرأ من السنة، وزعم أنها أكذوبة كبيرة وخطيرة، وداهية كبرى، أريد بها التشويش على كلام الله تعالى. من آثاره: تبصير الأمة بحقيقة السنة، وشفاء الصدر بنفى عذاب القبر، وبلوغ اليقين بتصحيح مفهوم ملك اليمين. وغير ذلك.\r(٣) جزء من الآية ٤٨ الشورى.\r(٤) الآية ٥٤ النور، وينظر: تبصير الأمة بحقيقة السنة ص٢٦٧، ٢٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556003,"book_id":1504,"shamela_page_id":490,"part":null,"page_num":489,"sequence_num":490,"body":"ويقول جمال البنا (١) : \"ونصوص القرآن الكريم واضحة، وصريحة، ومتعددة، وهى تحصر دور الرسول فى البلاغ، وكثيراً ما تأتى الإشارة إلى البلاغ بصيغة الحصر، ولكنها فى حالات أخرى تضيف إلى البلاغ صفة \"المبين\" قال تعالى: ﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ (٣) .\rويجاب عن هذه الشبهة بما يلى:\rأولاً: لكل مسلم أن يعجب من جراءة هؤلاء الأدعياء الذين يتسترون بعباءة القرآن الكريم، فى جرأتهم وتطاولهم على الذات العليا من حيث يشعرون أو لا يشعرون.\r... إذ بعثة الرسول أو النبى، وتحديد دوره فى رسالته أمر لا يملك منه أحد شئ سوى الخالق ﷿؛ وتلك بديهة لا يخالفها عاقل.\r... فإذا جاء أعداء السنة المطهرة، وزعموا أن مهمة رسول الله ﷺ قاصرة على بلاغ القرآن فقط، وأن نسبة أى شئ إليه سوى القرآن يعنى الطعن فى أمانته، وأنه فرط فى تبليغ الرسالة، فقد تجرءوا وتطاولوا على ربهم. حاسبهم سبحانه بما يستحقون.","footnotes":"(١) هو: ابن العالم المحدث الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، صاحب الفتح الربانى فى ترتيب مسند أحمد، وشقيق الأستاذ حسن البنا، المرشد الأول لجامعة الإخوان المسلمين، من آثاره التى طعن فيها فى حجية السنة، الأصلان العظيمان، والسنة ودورها فى الفقه الجديد. وغير ذلك.\r(٢) جزء من الآية ٢٠ آل عمران.\r(٣) الآية ١٢ التغابن. وينظر: السنة ودورها فى الفقه الجديد ص١٩٠، وإعادة تقييم الحديث لقاسم أحمد ص١٥٢، والبيان بالقرآن لمصطفى المهدوى ١/١٢، ٢/٧٩٣، ومجلة المنار المجلد ٩/٥٢١، ٥٢٢ مقال: \"الإسلام هو القرآن وحده\" للدكتور توفيق صدقى، وينطر: المجلد ٩/٩٠٩، ٩١٣، وإنذار من السماء لنيازى عز الدين ص١٤١، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص١٢٩، والخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة ص٤٠ كلاهما لصالح الوردانى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556004,"book_id":1504,"shamela_page_id":491,"part":null,"page_num":490,"sequence_num":491,"body":"ثانياً: إذا كان أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة اتخذوا لأنفسهم شعار \"القرآنيون\" يستدلون به وحده على ما يزعمون؛ فهم يحرصون دائماً على الإيمان ببعض القرآن، والكفر ببعضه الآخر؛ حيث أنهم هنا فى افتراءاتهم يستدلون بظاهر وعموم بعض الآيات القرآنية التى تحث رسول الله ﷺ، على البلاغ، وتركوا باقى نصوص القرآن الكريم التى تفصل حقيقة هذا البلاغ، وتفصل أيضاً باقى أدوار رسول الله ﷺ، فى رسالته.\r... وإليك شواهد من الآيات القرآنية ترد على افتراءاتهم، وتبين فى وضوح وجلاء أن دور رسول الله ﷺ فى رسالته ليس قاصراً على بلاغ القرآن الكريم فقط، وإنما بيان هذا الكتاب الكريم، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتزكيتهم، والحكم بينهم فى كل شأن من شئون حياتهم، وما كل ذلك إلا بالسنة المطهرة، والسيرة العطرة التى ينكرونها.\rقال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (١) والبلاغ الذى أمر المولى ﷿ به رسوله، هو الوظيفة الأولى له ﷺ وهو بلاغ عام وشامل لكل ما تحتاج إليه البشرية فى عاجلها وآجلها، ودنياها وأخراها، وقد وصل إلينا هذا البلاغ فى وحيين:\rأحدهما: متلو وهو القرآن الكريم.\rوثانيهما: غير متلو وهو السنة المطهرة.\r... ويدل على عموم البلاغ، عموم الاسم الموصول \"ما\" فى الآية الكريمة، كما عمم من أراد تبليغهم، حيث حذف المفعول الأول لـ \"بلغ\" ليعم الخلق المرسل إليهم؛ والتقدير: بلغ جميع ما أنزل إليك من كتاب وسنة، من يحتاج إلى معرفته من أمر الدين الموحى به إليك (٢) .","footnotes":"(١) الآية ٦٧ المائدة.\r(٢) التحرير والتنوير ٦/٢٦٠ بتصرف، ويراجع: ص٢٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556005,"book_id":1504,"shamela_page_id":492,"part":null,"page_num":491,"sequence_num":492,"body":".. أما كون رسول الله ﷺ، كما نص القرآن، ما عليه إلا البلاغ، والاستدلال بظاهر ذلك على حصر مهمته فى بلاغ القرآن فقط، فإن ذلك فهم غير مراد؛ لأن قوله تعالى: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ (١) معناه نفى الإكراه على الاعتقاد والإيمان، نحو قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ﴾ (٣) والمعنى: نفى الإكراه على الاعتقاد والإيمان، ففى العقيدة والتصديق القلبى، لا إكراه، أى ليس هناك إلا البلاغ، أما فى شريعة الدولة والسياسة والاجتماع والمعاملات، فهناك السلطان والثواب والعقاب، وليس هناك أدنى تناقض بين وقوف سلطان الرسول ﷺ، فى العقيدة عند البلاغ؛ ﴿لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى﴾ (٤) وبين وجود ووجوب الطاعة المتميزة له، فى إطار بيان وتطبيق الوحي الإلهى... بل إن القرآن الكريم يجمع بين الأمرين فى الآية الواحدة. وتأمل قوله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (٥) فالرسول الله ﷺ، طاعة متميزة وسلطان وتشريع لإقامة الدين، والإقامة تطبيق وتجسيد، يزيد على مجرد البلاغ والتبليغ بدليل ما يلى:\rقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٦) و\"التبيين\" هنا غير \"التبليغ\" الذى هو الوظيفة الأولى للنبى ﷺ، ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٧) .","footnotes":"(١) الآية ٩٩ المائدة.\r(٢) الآية ١٠٨ يونس.\r(٣) الآية ٤٨ الشورى.\r(٤) الآية ٢٥٦ البقرة.\r(٥) الآية ٥٤ النور.\r(٦) الآية ٤٤ النحل.\r(٧) الآية ٦٧ المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556006,"book_id":1504,"shamela_page_id":493,"part":null,"page_num":492,"sequence_num":493,"body":"و\"التبيين\" و\"التبليغ\" وظيفتان موضوعهما واحد هو \"القرآن الكريم\" عبر عنه فى آية \"التبليغ\" بهذا اللفظ: ﴿ما أنزل إليك﴾ وعبر عنه فى آية التبيين بلفظ مختلف: ﴿ما نزل إليهم﴾ وبينهما فروق لها دلالتها. مردها إلى الفرق بين الوظيفتين.\r\"فالتبليغ\": تأدية النص، تأدية \"ما أنزل\" كما \"أنزل\" دون تغيير ما على الإطلاق، لا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير.\rو\"التبيين\": إيضاح، وتفسير، وكشف لمراد الله من خطابه لعباده، كى يتسنى لهم إدراكه، وتطبيقه، والعمل به على وجه صحيح.\r\"والتبليغ\": مسئولية \"المبلغ\" وهو المؤتمن عليها، وهذا سر التعبير: ﴿وأنزلنا إليك﴾ حيث عدى الفعل \"أنزل\" بـ \"إلى\" إلى ضمير النبى ﷺ المخاطب.\rو\"التبيين\": مهمة، فرضتها حاجة الناس لفهم ما خوطبوا به وبلغوه، وإدراك دلالته الصحيحة، ليطبقوه تطبيقاً صحيحاً. ومن هنا كانت المخالفة فى العبارة ... \"نزل إليهم\" حيث عدى الفعل \"نزل\" بـ \"إلى\" مضافاً إلى الضمير \"هم\" أى الناس، وعدى الفعل: \"لتبين\" إلى الناس بـ \"اللام\" أن كانت حاجتهم إلى \"التبيين\" هى السبب والحكمة من ورائه، وهى توحى بقوة أن رسول الله ﷺ، ليس بحاجة إلى ما احتاج إليه الناس من هذا التبيين، ولعمرى إنه لكذلك، فقد أوحى إليه بيانه وألهمه، فالتقى فى نفسه \"البيان\" و\"المبين\" معاً وأصبح مؤهلاً لأن يقوم بالوظيفتين: وظيفة البلاغ، ووظيفة التبيين على سواء!.\rوكما أن محالاً أن يكتم رسول الله ﷺ، شيئاً مما أمر بتبليغه، فمحال أن يترك شيئاً مما أمر بتبليغه دون أن يبينه، فكلا الأمرين: التبليغ والتبيين من صميم رسالته: ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ ... ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ ٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556007,"book_id":1504,"shamela_page_id":494,"part":null,"page_num":493,"sequence_num":494,"body":"واختلاف الناس فى فهم القرآن ما بين مصيب ومخطئ... واختلافهم فى درجات الإصابة، ودرجات الخطأ... برهان بين على حاجتهم إلى \"تبيين\" لكتاب ربهم، ينهض به إمام الموقعين عن رب العالمين ... رسول الله الذى أنزل عليه هذا الكتاب.\rهنا يقع قول الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) موقعاً يسد كل ثغرة، يحاول النفاذ منها من يرفض \"سنة رسول الله\" أو يهون من شأنها، أو يسعى للتشكيك فيها، وإسقاط حجيتها وإلزامها.\rويقع نفس الموقع قول النبى ﷺ: \"لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدرى؟ ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه\" (٢) .\rوهنا لى أن أقرر: أن إنكار مهمة رسول الله ﷺ، البيانية، أو رفضها أو التشكيك فيها ينطوى على رفض وتكذيب للقرآن نفسه؟ ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ (٣) .\rكما ينطوى على الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ، فى بلاغ وحى الله تعالى، إليه، لأن ترك تبيين كلمة واحدة فى القرآن الكريم، تحتاج إلى تبيين دون أن يبينها تقصير، ككتمان حرف واحد مما أمر بتبليغه، ورسول الله ﷺ مبرأ من أن يخون فى التبليغ، أو يقصر فى التبيين.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٧ الحشر.\r(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب السنة، باب لزوم السنة ٤/٢٠٠ رقم ٤٦٠٥، والترمذى فى سننه كتاب العلم، باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبى ﷺ ٥/٣٦ رقم ٢٦٦٣ وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجة فى سننه المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ، والتغليظ على من عارضه ١/٢٠ رقم ١٣، والشافعى فى الرسالة ص٨٩ رقم ٢٩٥ من حديث أبى رافع رضى الله عنه.\r(٣) الآية ٥ الكهف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556008,"book_id":1504,"shamela_page_id":495,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":495,"body":"فمن المتهم إذن: باتهام رسول الله ﷺ، بأنه فرط فى تبليغ رسالته؟ من يؤمن بأن من مهمته فى رسالته البيان أم من ينكر ذلك؟!.\rإن إنكار أعداء السنة المطهرة، لهذه المهمة، بحجة أن المولى ﷿ تكفل بهذا البيان والتفصيل فى قوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلاً﴾ (٢) وقوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ﴾ (٣) لا حجة لهم فى ذلك لما يلى:\rأ- أن مجئ لفظ البيان فى جانب الله تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ ، ومجئ لفظ \"التبيين\" فى جانب رسول الله، ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ لا يفسر بأنه تنويع فى اللفظ، أو تفنن فى العبارة، وإنما هو قصد مقصود، وراءه دلالات يبحث عنها وهى: أن \"بيان\" الله للقرآن إنما هو لنبيه ﷺ، ومصدره هو الله تعالى، ومستقبله رسول الله ﷺ، وطريقه: الوحي فى صورة ما من صورة. أما \"التبيين\" فهو من رسول الله للناس، ومصدره رسول الله، ومستقبله المخاطبون بهذا القرآن، وطريقه إنما هو \"اللغة\" وليس \"الوحي\".","footnotes":"(١) الآية ١٩ القيامة.\r(٢) جزء من الآية ١١٤ الأنعام.\r(٣) جزء من الآية ٨٩ النحل. وينظر: ممن استشهد بذلك، توفيق صدقى فى مقاله \"الإسلام هو القرآن وحده\"، مجلة المنار المجلد ٩/٥١٦، ٩٠٧، وجمال البنا فى السنة ودورها فى الفقه الجديد ص٣٣، ومحمود أبو ريه فى أضواء على السنة المحمدية ص٤٠٤، والصلاة لمحمد نجيب ص٢٣، وقاسم أحمد فى إعادة تقييم الحديث ص٨٦، ومصطفى المهدوى فى البيان بالقرآن ١/١٠، ٢٩، وأحمد صبحى فى الصلاة فى القرآن ٣٢، ٦٠، ٦١، وإسماعيل منصور فى تبصير الأمة ص١٠، ١١، ١٥ وغيرهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556009,"book_id":1504,"shamela_page_id":496,"part":null,"page_num":495,"sequence_num":496,"body":".. والخلاصة: رسول الله يتلقى بيان القرآن عن ربه \"وحياً\" والناس يتلقون تبيينه عن رسول الله \"لغة وكلاماً\"، إذن: هناك اختلاف بين \"البيان\" و\"التبيين\" من ثلاث جهات: من جهة المصدر، ومن جهة المستقبل، ومن جهة الطريق أو الأداة، أو الوسيلة، التى يعبر خلالها \"البيان\" أو \"التبيين\" إلى مستقبله هل يكفى هذا لبيان السبب فى اختصاص كل لفظ بموضعه؟.\rوهل يزعم زاعم بعد هذا أن بالإمكان التعبير عن كلا \"البيانين\" \"بيان الله\" و\"تبيين رسوله\" للقرآن بلفظ واحد.\r... إن الفرق من السعة والوضوح والعمق، بحيث يفرض اختلاف التعبير فى هذين المقامين المختلفين (١) .\rب- إن المراد بتفصيل وتبيان الكتاب لكل شئ يعنى: تفصيل وتبيان القرآن لكل شئ من أحكام هذا الدين كقواعد كلية مجمله. أما تفاصيل تلك القواعد، وما أشكل منها، فالبيان فيها راجع إلى تبيين رسول الله ﷺ.\r... ويدل على ذلك قول ابن مسعود فى قوله تعالى: ﴿تبياناً لكل شئ﴾ قال: قد بين لنا فى هذا القرآن، كل علم، وكل شئ. وقال مجاهد: كل حلال وحرام، وقول ابن مسعود أعم وأشمل؛ فإن القرآن اشتمل على كل نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتى، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون فى أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم. وقال الأوزاعى \"تبياناً لكل شئ\" أى بالسنة (٢) .","footnotes":"(١) السنة بياناً للقرآن للدكتور إبراهيم الخولى ص٤،٥،٢١،٤٧، ٤٨.\r(٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/٥١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556010,"book_id":1504,"shamela_page_id":497,"part":null,"page_num":496,"sequence_num":497,"body":".. ولا تعارض بين القولين – ابن مسعود والأوزاعى – فابن مسعود يقصد العلم الإجمالى الشامل، والأوزاعى يقصد تفصيل وبيان السنة لهذا العلم الإجمالى. ومن هنا؛ فالقول بأن القرآن الكريم تبيان لكل شئ قول صحيح فى ذاته بالمعنى الإجمالى السابق، ولكن الفساد فيما بنوه عليه من قصر مهمة رسول الله ﷺ، على بلاغ القرآن فقط، وإنكار مهمته البيانية (السنة المطهرة) والاكتفاء بالقرآن ليؤولوه حسب أهوائهم، وإلا فرب العزة هو القائل فى نفس سورة النحل، وقبل هذه الآية قال: ﴿ليبين لهم الذى اختلفوا فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه﴾ (٣) فتلك ثلاث آيات كريمات فى نفس سورة النحل، وسابقة لآية ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ﴾ والثلاث آيات تسند صراحة مهمة التبيين إلى نبيه ﷺ، فهل يعقل بعد ذلك أن يسلب الله ﷿ هذه المهمة – التبيين – التى هى من مهام الرسل جميعاً كما قال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ (٤) ويوقع التناقض بقوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ﴾ وقوله: ﴿وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلاً﴾ ؟!.\rإن كل الرافضين لمهمة رسول الله البيانية، لابد أن يلتزموا بهذه النتيجة التى تعود بالنقض على الإيمان بالكتاب، وبمن أنزل الكتاب ﷻ، سواء أقروا بلسانهم بهذا النقض أم لا، وتنبهوا إلى ذلك أم لا؟!!.","footnotes":"(١) الآية ٣٩ النحل.\r(٢) الآية ٤٤ النحل.\r(٣) الآية ٦٤ النحل.\r(٤) الآية ٤ إبراهيم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556011,"book_id":1504,"shamela_page_id":498,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":498,"body":".. ويجدر بى هنا أن أشير إلى ما قاله الحافظ ابن حجر مبيناً المراد من الأحاديث والآثار المؤذنة بالاقتصار على كتاب الله ﷿. نحو قوله ﷺ: \"وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله\" (١) وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما حضر رسول الله ﷺ، وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبى ﷺ: \"هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده\" فقال عمر: إن رسول الله ﷺ، قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله\" (٢) وأشباه هذا مما روى مرفوعاً وموقوفاً، بالاقتصار على القرآن فقط.\r... يقول الحافظ: \"الاقتصار على الوصية بكتاب الله؛ لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شئ، إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب، عملوا بكل ما أمرهم النبى ﷺ، به لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٣) وهذا الذى قاله الحافظ ﵀، يؤكد ما سبق ذكره.\r... ومما هو جدير بالذكر هنا. أن الكلام السابق للحافظ، نقله مبتوراً جمال البنا حيث قال: \"التمسك بالقرآن والعمل بمقتضاه، إشارة إلى قوله ﷺ: \"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله\" وترك جمال البنا، بيان أن العمل بالقرآن الكريم يقتضى العمل بالسنة كما صرح ابن حجر (٤) .","footnotes":"(١) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب حجة النبى ﷺ ٤/٤٣١، ٤٣٢ رقم ١٢١٨ من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه.\r(٢) سبق تخريجه ص٢٣٥.\r(٣) جزء من الآية ٧ الحشر. وينظر: فتح البارى ٥/٤٢٥ رقم ٢٧٤٠ حديث عبد الله بن أبى أوفى رضى الله عنه، وينظر: الموافقات للشاطبى ٣/٢٧٤ – ٢٧٦.\r(٤) السنة ودورها فى الفقه الجديد ص٢٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556012,"book_id":1504,"shamela_page_id":499,"part":null,"page_num":498,"sequence_num":499,"body":".. وهذا ما فعله أيضاً أحمد صبحى منصور. حيث نقل كلام الحافظ ابن حجر الذى نقلته، وبتر منه لفظه (النبى ﷺ فصارت العبارة: \"فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به\" (١) وإذا تقرر لك هناك أن لرسول الله ﷺ، فى رسالته مهمة غير التبليغ وهى تبيين القرآن الكريم، الملازم للمهمة الأولى وهى تبليغه. فاعلم أن لرسول الله ﷺ، حكم فى رسالته، جعله ربه من مهام رسالته.\r٣- قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٢) فبين ربنا سبحانه أنه أنزل الكتاب إلى رسوله ﷺ، ليحكم بين الناس بما ألهمه الله وأرشده، وإذا كان الحكم بالقانون، غير سن القانون فإن حكم رسول الله ﷺ، بما جاء فى القرآن من تشريعات، فضلاً عن تبيينه بالسنة، هو أمر زائد على مجرد البلاغ لهذه التشريعات.","footnotes":"(١) حد الردة ص٨٩.\r(٢) الآية ١٠٥ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556013,"book_id":1504,"shamela_page_id":500,"part":null,"page_num":499,"sequence_num":500,"body":".. وتحكيمه ﷺ فى كل شئون حياتنا، والرضى بحكمه، والتسليم به، جعله رب العزة علامة الإيمان كما قال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسيلما﴾ (١) وما ذلك إلا لأن حكمه ﷺ، وحى من الله واجب الاتباع لقوله ﴿بما أراك الله﴾ وعلى هذا الفهم صحابة رسول الله ﷺ، ومن بعدهم، يدل على ذلك قول عمر رضى الله عنه وهو على المنبر: \"يا أيها الناس إن الرأى إنما كان من رسول الله ﷺ، مصيباً لأن الله ﷿ كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف\" (٢) لقد قال عمر ذلك على المنبر، ولم يعترض عليه أحد من الحاضرين، لا من الصحابة، ولا من التابعين، مما يدل على أنهم جميعاً يعلمون أن لرسول الله حكم فى رسالته هو من ربه، وهو أمر زائد على مجرد البلاغ!.\rوقال تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين﴾ (٣) إن الله ﷿ فى هذه الآية الكريمة، يمتن على هذه الأمة، ببعثه رسول الله ﷺ، من أنفسهم، وأنه جاء ليس لمجرد بلاغ وتلاوة القرآن الكريم فقط – كما يزعم أعداء الإسلام؛ وإنما جاء مع بلاغ القرآن وتلاوته؛ جاء بتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة.","footnotes":"(١) الآية ٦٥ النساء.\r(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأقضية باب قضاء القاضى إذا أخطأـ ٣/٣٠٢ رقم ٣٥٥٦، والبيهقى فى السنن الكبرى ١٠/١١٧، والمدخل له ص١٨٩ رقم ٢١٠، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم ٢/١٦٤، والبزار ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/١٤٥، ١٤٦، وسكت عنه الحافظ فى فتح البارى ٥/٤٠٨ رقمى ٢٧٣١، ٢٧٣٢.\r(٣) الآية ١٦٤ آل عمران.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556014,"book_id":1504,"shamela_page_id":501,"part":null,"page_num":500,"sequence_num":501,"body":"وهذه التزكية والتعليم من مهامه ﷺ فى دعوته، مع بلاغه للقرآن وبيانه لما فيه، وحكمه به. وبهذه المهمة (التزكية والتعليم) تكون هداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.\r٥- قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ (١) أى من ظلمات الكفر والجهل والضلالة، إلى نور الإيمان والعلم والهداية (٢) وقال سبحانه: ﴿وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم﴾ (٣) فأسند الهداية إليه ﷺ، مما يدل على أنه ﵊ بكل ما جاء به من عند الله ﷿، يهدى إلى صراط مسقيم.\r... وتأمل قوله \"لتخرج\" وقوله \"تهدى\" إنه سبحانه اسند الفعلين إليه ﷺ وفى ذلك دلالة على أن ذلك من مهام رسالته التى كلفه بها، مع بلاغه للقرآن وتبيينه لما فيه، وحكمه بين الناس وتزكيته وتعليمه لأمته؛ وكل ذلك ينكره أعداء هذه الأمة.\rإن زعم أعداء السيرة العطرة، أن رسول الله ﷺ، مهمته الوحيدة، تبليغ القرآن فقط، وإنكارهم مهمته البيانية للقرآن الكريم، يعد هذا الزعم منهم طعناً فى عصمته ﷺ فيما بلغه من وحى السنة المطهرة، وطعناً منهم أيضاً فى عصمته فى رجاحة عقله وكماله، لأنهم فى كتاباتهم المفتراه، يقدمون رؤيتهم القرآنية بياناً، وتفسيراً، ومفهوماً لآيات القرآن الكريم.\r... فكيف ينكرون أن يكون لرسول الله ﷺ بيانه، وتفسيره وشرحه لآيات القرآن الكريم؟ وهو أعلم الناس به؛ حيث عليه أنزل.","footnotes":"(١) الآية الأولى إبراهيم.\r(٢) فتح القدير ٣/٩٣.\r(٣) الآية ٥٢ الشورى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556015,"book_id":1504,"shamela_page_id":502,"part":null,"page_num":501,"sequence_num":502,"body":".. ومن هنا لما قال رجل لمطرف بن عبد الله (١) : لا تحدثونا إلا بما فى القرآن قال مطرف: إن والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا\" (٢) .\r... ويقول جابر بن عبد الله يصف حج النبى ﷺ،: \"فصلى رسول الله ﷺ، فى المسجد ثم ركب القصواء (٣) حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصرى بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شئ عملنا به..\" الحديث (٤) .\r... فتأمل قول الصحابى: \"ورسول الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله\" إنه ﷺ، هو الذى علمه الله القرآن، وكل ما من شأنه أن ييسر العمل به، فعلمه تأويله، وأراه ما به يتم الدين.","footnotes":"(١) هو: مطرف بن عبد الله بن الشخير العمرى، أبو عبد الله، من كبار التابعين، ثقة، عابد، فاضل، مات سنة ٩٥هـ له ترجمة فى: تقريب التهذيب ٢/١٨٨ رقم ٦٧٢٨، ومشاهير علماء الأمصار ص١١٣ رقم ٦٤٥، والكاشف ٢/٢٦٩ رقم ٥٤٧٨، وخلاصة تهذيب الكمال ص٢٤٩، والثقات للعجلى ص٤٣١ رقم ١٥٨٦.\r(٢) أخرجه أبو خيثمة فى العلم ص٢٥ رقم ٩٧، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم ٢/١٩١، والحازمى فى الاعتبار فى الناسخ والمنسوخ ص١٠٠.\r(٣) القصواء: الناقة التى قطع طرف أذنها، ولم تكن ناقته ﷺ كذلك، وإنما كان هذا لقباً لها. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٤/٦٦.\r(٤) جزء من حديث طويل، أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب حجة النبى ﷺ، ٤/٤٣١ رقم ١٢١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556016,"book_id":1504,"shamela_page_id":503,"part":null,"page_num":502,"sequence_num":503,"body":".. إن مقتضى إيمانهم برسالته ﷺ، أن يسألوه ويحكموه عن كل ما بدا لهم؛ إنهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، يأتيه الوحي فى أى وقت بالقرآن وتأويله، وبكل ما يتصل ببيان الدين، ومن هنا سألوا واستفسروا وأجابهم ﷺ، بما به بين، ووضح، وأفاد وأجاد (١) حتى قال ﷺ: \"قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيع عنها بعدى إلا هالك\" (٢) .\r... إن تأويل وتفسير، رسول الله ﷺ، للقرآن الكريم، هو فريضة قرآنية، وتكليف إلهى للنبى ﷺ زائد على مجرد بلاغه – وليس فضولاً ولا تزايداً، ولا إضافة يمكن الاستغناء عنها لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٣) فكيف ينكرون هذا التبيان النبوى للبلاغ القرآنى، بينما يمارسون هم شرح وتفسير آيات القرآن؟ أهذا معقول؟ فضلاً عن أن يكون مقبولاً؟ !!.\r... إن رسول الله ﷺ، بنص الآيات الكريمات السابق ذكرها، مبلغ، ومبين، وحاكم، ومزكى، ومعلم، وهادى إلى صراط مستقيم، وليس مجرد ساعى بريد؟!.","footnotes":"(١) المدخل إلى السنة النبوية لفضيلة الدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٢٩.\r(٢) جزء من حديث طويل أخرجه ابن ماجه فى سننه المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ١/٢٩ رقم ٤٣، وأحمد فى مسنده ٤/١٢٦، والحاكم فى المستدرك ١/١٧٤ رقم ٣٢٩ وقال: صحيح ليس له علة ووافقه الذهبى، وأخرجه ابن أبى عاصم فى كتابه السنة ١/٢٦ رقم ٤٨، والألكائى فى شرح أصول الاعتقاد ٢/٧٤،وابن عبد البر فى جامع بيان العلم ٢/٢٢١ من حديث العرباض بن ساريه رضى الله عنه، وأورده الحافظ السيوطى فى الجامع الصغير ٢/٩٠ وصححه بعد أن عزاه لأحمد، وابن ماجه، والحاكم.\r(٣) الآية ٤٤ النحل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556017,"book_id":1504,"shamela_page_id":504,"part":null,"page_num":503,"sequence_num":504,"body":".. وبعد: إذا تقرر أن من مهام رسول الله ﷺ، فى رسالته بيان القرآن الكريم، والمسلمون جميعاً يعلمون ذلك، ويسلمون به، يبقى توضيح أن البيان النبوى هو الحكمة، وهى السنة المطهرة التى ينكرها أعداء الإسلام، ويزعمون أن سنته الحقيقية هى القرآن فقط.\rفإلى بيان شبهتهم فى المطلب التالى والرد عليها\r\rالمطلب الثانى: شبهة أن رسول الله ﷺ ليست له سنة نبوية\rوالرد عليها\r... زعم أعداء السنة النبوية، أن رسول الله ﷺ، ليست له سنة، وأن سنته الحقيقية هى القرآن الكريم فقط، وزعموا أن القول بأن له سنة نبوية، تشويه لسيرته، وتجعله مشرعاً.\r... يقول إسماعيل منصور: \"إن السنة الحقة، هى سنة واحدة، سنة الله ﷿، وليست هناك سنة أخرى غيرها، وإنما للرسول، بيان نبوى للقرآن، نرفعه على العين والرأس، متى ثبت تحقيقاً، لا يخالف بأى حال أحكام ومدلولات القرآن الكريم، فنقبله كبيان فحسب، وليس تشريعاً مستقلاً\" (١) .\r... ويقول أحمد صبحى منصور: \"إن تلك الأحاديث المذكورة فى كتب التراث ليست من الوحي، الذى نزل على النبى، وليس هناك فى الإسلام حديث إلا حديث الله تعالى فى القرآن، أما تلك الأحاديث التراثية، وأسفارها، فلا أول لها ولا آخر، وهى تتناقض حتى فى الكتاب الواحد، وربما فى الصفحة الواحدة وتخالف القرآن مثل الرجم وحد الردة\" (٢) .","footnotes":"(١) بلوغ اليقين بتصحيح مفهوم ملك اليمن ص٢١، ٢٤ وينظر: مجلة المنار المجلد ٩/٩٠٨، ٩٢٤ مقال الدكتور توفيق صدقى (الإسلام هو القرآن وحده) .\r(٢) مشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص٢٨٢، ٢٨٧، ٢٩٣ وينظر له أيضاً: لماذا القرآن ص٦٨، ٧٠ - ٧٨، ولا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن ص٣٩، وعذاب القبر والثعبان الأقرع ص٥، ١٦، وحد الردة ص٤٠، ٨٩، ومقدمة أحمد صبحى لكتاب إعادة قراءة القرآن لجاك بيرك ص٢٥، ٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556018,"book_id":1504,"shamela_page_id":505,"part":null,"page_num":504,"sequence_num":505,"body":".. ويقول صالح الوردانى: \"وإذا ما تبين لنا أن مهمة الرسول ﷺ، هى تبليغ ما يوحى إليه من ربه، فلا يجوز للرسول أن يضيف أحكاماً فوق أحكام القرآن، فمهمته تنحصر فى تبليغ القرآن وتبيينه للناس، وتنتهى هذه المهمة بوفاته\" (١) ويقول أيضاً: \"الروايات المنسوبة للرسول، والتى تضيف على لسانه أحكاماً جديدة، وتخترع أحكاماً لا وجود لها فى القرآن تضع الرسول فى دائرة المشرع\" (٢) .\r\r... ويجاب عن ما سبق بما يلى:\rأولاً: سبق فى المطلب السابق تفصيل أن لرسول الله ﷺ فى رسالته مهمة ووظيفة، زائدة على مجرد البلاغ، وهى مهمة تبيان القرآن الكريم، وهذه المهمة تضاربت فيها أقوال من يسمون أنفسهم \"القرآنيون\". فبينما تجد بعضهم فيما سبق يجحد هذه المهمة من أصلها، ترى هنا بعضهم يؤمن بها، وبمفهومه الخاص، القائم على إنكار أن يكون لرسول الله ﷺ فى رسالته، وحى غير متلو - السنة المطهرة.","footnotes":"(١) الخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة ص٤٠، ٤١، وينظر: له أيضاً أهل السنة شعب الله المختار ص٧٩، ٨٠.\r(٢) دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص١٢٩، وينظر: المواجهة مع رسول الله لأحمد حسين يعقوب ص٣٠٦،والسنة ودورها فى الفقه الجديد لجمال البنا ص٢٥٣، ٢٥٤، وينظر لها مقال فى جريدة الجيل العدد ٣٣ بتاريخ ١٣/٦/١٩٩٩، والإسلام فى الأسر للصادق النيهوم ص١٣٨ -= =١٤٠، والصلاة لمحمد نجيب ص٢٧٦، ٦٦٢، وحقيقة السنة لأحمد حجازى السقا ص٧، ٩، ١٣، ١٤، والكتاب والقرآن قراءة معاصرة ص٥٦٨، والدولة والمجتمع ص٢٣٢، كلاهما لمحمد شحرور، والإمام الشافعى لنصر أبو زيد ص٨٣، ٩٠، وجريدة الجيل العدد ٣٥ مقال لمحمد شبل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556019,"book_id":1504,"shamela_page_id":506,"part":null,"page_num":505,"sequence_num":506,"body":"ثانياً: إذا تقرر لك بالدليل القاطع أن لرسول الله ﷺ تبياناً للقرآن الكريم، فاعلم أن لهذا التبيان صفة المبين، من حيث وجوب قبوله، ووجوب العمل به، وصلاحيته لكل زمان ومكان؛ ويستلزم هذا ضرورة أن هذا التبيان النبوى، هو الحكمة وهى السنة النبوية التى عبر عنها رسول الله ﷺ بقوله: \"ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه\" (١) .\r... وبناء الفعل للمجهول \"أوتيت\" يدل على أن الله تعالى، أعطى لرسوله ﷺ، القرآن ومثله معه، فما هو المماثل الذى تلقاه رسول الله ﷺ عن ربه؟ يصرح القرآن الكريم بأن هذا المماثل هو \"الحكمة\" التى قرنها رب العزة فى كتابه مع القرآن الكريم فى آيات عدة منها:\rقوله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ (٢) فالآية والحديث يفيدان أن الله تعالى، أنزل عليه ﷺ، الكتاب والحكمة، مثل القرآن، وهى معه، آتاهما الله له ﷺ، بل إن إحدى روايات هذا الحديث تتواءم مع الآية أكثر من هذه الرواية، ونصها: \"أتانى الله ﷿ القرآن، ومن الحكمة مثليه\" (٣) .\rوقال تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (٤) فعطف الحكمة على آيات الله، لتندرج تحت ما أضيف إليها وهو \"التلاوة\" وهذا يضفى على الحكمة – وهى السنة – أنها فى حجيتها، ووجوب تبليغها، كالقرآن سواء بسواء (٥) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص١٣.\r(٢) الآية ١١٣ النساء.\r(٣) هذه رواية مكحول عن رسول الله ﷺ، وأخرجها أبو داود فى مراسيله ص١٦٦ رقم ٥٦٥.\r(٤) الآية ٣٤ الأحزاب.\r(٥) السنة بياناً للقرآن للدكتور إبراهيم الخولى ص٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556020,"book_id":1504,"shamela_page_id":507,"part":null,"page_num":506,"sequence_num":507,"body":"وقال تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (١) قال الإمام الشافعى (٢) : \"فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة (٣) سنة رسول الله ﷺ، قال: وهذا يشبه ما قال، والله أعلم؛ لأن القرآن ذكر واتبعته الحكمة، وذكر الله منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز – والله أعلم – أن يقال الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله\" (٤) .","footnotes":"(١) الآية ١٦٤ آل عمران.\r(٢) هو: أبو عبد الله، محمد بن أدريس بن العباس بن شافع القرشى المطلبى، الإمام الجليل صاحب المذهب المعروف، من أشهر مصنفاته: الأم، والرسالة، وأحكام القرآن، مات سنة ٢٠٤هـ له ترجمة فى: طبقات الشافعية لابن السبكى ٢/٧١ رقم ١٤، وشذرات الذهب ٢/٩، ووفيات الأعيان ٤/١٦٤ رقم ٥٥٨، وطبقات الفقهاء للشافعيين لابن كثير ١/٣ – ٩٣.\r(٣) الحكمة: تطلق فى اللغة على عدة معان سبق ذكر بعضها ص٢٥٨، ولقد اقتصرت على المعنى المراد فى الآيات التى استدل بها.\r(٤) الرسالة للشافعى ص٧٨، ٧٩ فقرات رقم ٢٥٢ – ٢٥٧، والفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢٥٨ رقم ٢٥٦، وينظر: مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص١٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556021,"book_id":1504,"shamela_page_id":508,"part":null,"page_num":507,"sequence_num":508,"body":"وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: \"الكتاب والحكمة\" الكتاب والسنة (١) وعن قتادة قال: والحكمة أى السنة (٢) ونفس القول قال به غيرهما (٣) وعلى هذا الفهم سلفنا الصالح من أئمة المسلمين (٤) .\rثالثاً: إذا تقرر أن تبيان رسول الله ﷺ للقرآن الكريم هو الحكمة، وأن هذه الحكمة هى السنة النبوية، وأنها متماثلة للقرآن كما قال رسول الله ﷺ، فهذا يعنى أنها مثل القرآن فى وجوب قبولها، والعمل بها، سواء بسواء؛ لأنها مثل القرآن وحى من عنده تعالى، وإليك تفصيل أدلة ذلك:\r\rأ- الأدلة من القرآن الكريم على أن السنة وحى من الله تعالى:\rقال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٥) فأعلمنا ربنا ﷾، أن رسوله ﷺ، لا ينطق عن هوى وغرض، وإنما ينطق حسبما جاءه الوحي من الله تعالى.\rفكلمة \"ينطق\" فى لسان العرب تشتمل كل ما يخرج من الشفتين من قول أو لفظ (٦) أى ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله ﷿ (٧) .","footnotes":"(١) أخرجه ابن المبارك فى زيادات الزهد ص٢٢ رقم ٨٩.\r(٢) تفسير الطبرى ١/٥٥٧، والفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢٦٠ رقم ٢٥٨، وابن المبارك فى زيادات الزهد ص٢٢ رقم ٩٠.\r(٣) ينظر: المدخل إلى السنن للبيهقى، حيث نقل بأسانيده عن الحسن البصرى، وقتادة، ويحيى بن أبى كثير، أنهم قالوا: الحكمة: هى السنة النبوية.\r(٤) ينظر: كلام الإمام الطبرى فى تفسيره ٤/١٦٣، ٢٢/ ٩، وابن قيم الجوزية فى مختصر الصواعق المرسلة ٢/٥١١، وللاستزادة ينظر: السنة بياناً للقرآن للدكتور إبراهيم الخولى ص٣٢ - ٤٦، والمدخل إلى السنة للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٥٠، ٥١.\r(٥) الآيتان ٣، ٤ النجم.\r(٦) ينظر: القاموس المحيط ٣/٢٧٧، ومختار الصحاح ص٦٦٦، ولسان العرب ١٠/٣٥٤.\r(٧) جامع أحكام القرآن ١٧/ ٨٤، ٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556022,"book_id":1504,"shamela_page_id":509,"part":null,"page_num":508,"sequence_num":509,"body":"ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ، محصور فى كونه وحياً لا يتكلم إلا به، وليس بغيره.\rوقال سبحانه: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (١) إنه وعد قاطع بأن بيان القرآن، سوف يتولاه الله تعالى، كما تولى ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (٢) على حد سواء، ولا معنى لهذا سوى أن يوحى إلى رسوله ﷺ، هذا البيان، بصورة ما من صور الوحي.\rوقال ﷿: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (٣) .\rوقال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ (٤) إن هاتين الآيتين تفيدان - أن الله ﵎ أنزل على رسوله شيئين: الكتاب: وهو القرآن، والحكمة: وهى سنته ﷺ.\rالسنة المطهرة إذن \"وحى من الله تعالى\" أنزلها على رسوله ﷺ، كما أنزل القرآن الكريم، سواء بسواء (٥) بشهادة القرآن البينة، وهى أيضاً وحى بشهادة السنة نفسها، وإليك شواهد ذلك:\r\rب- الأدلة من السنة النبوية على أنها وحى من الله تعالى:\rقوله ﷺ: \"ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه\" وقد سبق قريباً بيان دلالته على أن السنة وحى.","footnotes":"(١) الآية ١٩ القيامة.\r(٢) الآية ١٧ القيامة.\r(٣) الآية ١١٣ النساء.\r(٤) الآية ٢٣١ البقرة.\r(٥) وإن غايرت وحى القرآن الكريم بأمور إن شئت أنظرها فى: الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ٤/٣٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556023,"book_id":1504,"shamela_page_id":510,"part":null,"page_num":509,"sequence_num":510,"body":"قوله ﷺ: لما سئل فى عام جدب: سعر لنا يا رسول الله. قال: \"لا يسألنى الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرنى بها، ولكن اسألوا الله من فضله\" (١) إن فى الحديث دلالته الصريحة فى أنه ﷺ، لا يحدث أى سنة، وإنما يبلغ عن الله تعالى، ما أمره به ﷿. مما يدل على أن السنة المطهرة، إنما تأتيه بوحى الله سبحانه.\rوقوله ﷺ: \"رأيت ما تعمل أمتى بعدى فاخترت لهم الشفاعة يوم القيامة\" (٢) .\rوقوله ﷺ: \"قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد (٣) محبوسون، إلا أصحاب النار، فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء\" (٤) .","footnotes":"(١) أخرجه الطبرانى فى الكبير بإسناد رجاله ثقات، سوى بكر بن سهل الدمياطى فإنه ضعفه النسائى، ووثقه غيره، كذا فى مجمع الزوائد ٤/١٠٠ من حديث عبيد بن نضيلة، وللحديث شاهد عن أبى هريرة وأنس رضى الله عنهما أخرجهما أبو داود فى سننه كتاب البيوع، باب فى التسعير ٣/٢٧٢ رقمى ٣٤٥٠، ٣٤٥١، وأحمد فى المسند ٣/٨٥ عن أبى سعيد الخدرى، ورجال أحمد رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٤/٩٩.\r(٢) أخرجه أبو يعلى فى مسنده ضمن مسند أم سلمة ١٢/ ٣٨٢ رقم ٦٩٤٩، وسكت عنه الهيثمى فى مجمع الزوائد ١٠/٣٧١. قلت: لكن أصل حديث الشفاعة فى الصحيحين وغيرهما أهـ.\r(٣) أى أصحاب الغنى، والحظوظ الدنيوية، وإنما حبسوا للحساب. ينظر: النهاية ١/٢٣٧.\r(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء ٩/٦٢ رقم ٢٧٣٦، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب رقم ٨٧ جـ٩/٢٠٩ رقم ٥١٩٦، من حديث أسامة بن زيد رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556024,"book_id":1504,"shamela_page_id":511,"part":null,"page_num":510,"sequence_num":511,"body":"إن هذين الحديثين، وما فى معناهما، مما يفيد أن الله تعالى أرى نبيه ﷺ، كذا وكذا، يأتى تأكيداً لقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (١) .\rفتأمل قوله تعالى: ﴿بما أراك الله﴾ وكل الأحاديث الصحيحة التى جاء فيها أن الله أطلع نبيه ﷺ، وأراه ما أراه، تعلم أن السنة النبوية وحى من الله تعالى إلى رسول الله ﷺ ٠\rحديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ، عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، ففى نهايته قال ﷺ: يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" (٢) .\rعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: \"ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ، إن جبريل ﵇ أتانى فأخبرنى أن فيها قذراً\" وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى فى نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما\" (٣) وهكذا يراقبه الوحي، فإذا أصاب نعله شئ من النجاسة نبهه.","footnotes":"(١) الآية ١٠٥ النساء.\r(٢) سبق تخريجه ص٢٥٥.\r(٣) سبق تخريجه ص١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556025,"book_id":1504,"shamela_page_id":512,"part":null,"page_num":511,"sequence_num":512,"body":"وبالجملة: فالأحاديث التى قالها رسول الله ﷺ، فتحققت وفق ما أخبر، هذه يعترف العقل أنها لابد من وحى الله إليه ﷺ (١) والأحاديث التى تحدث فيها عن أخبار السابقين، وهو الصادق المصدوق ناطقة بأنها من وحى الله إليه، فما الذى أعلمه أخبار الأمم السابقة، وأنبيائها، إلا الوحي من الله تعالى إليه؟ (٢) .\rوالأحاديث التى تحدث فيها عن سنن الله الكونية، وأسرار الخليقة، كتحدثة عن تكوين الجنين فى بطن أمه، وأنه كيف يشبه أخواله أو أعمامه، وتحدثه عن الكثير من أسباب الصحة، فيحذر من امتلاء البطن، ويحث على النظافة، هذه مما يسلم العقل أنها من وحى الله تعالى إليه ﷺ (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: أمثلة على ذلك فى: دلائل النبوة لأبى نعيم ٢/٤٦٤ – ٥٣٦، ودلائل النبوة للبيهقى ٦/٣١٢،والخصائص الكبرى للسيوطى ٢/١٦٨، ومعجزات الرسول ﷺ التى ظهرت فى زماننا للدكتور عبد المهدى عبد القادر.\r(٢) ينظر: أمثلة على ذلك فى: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الخلق ٦/٣٣٠، وكتاب الأنبياء ٦/٤١٦، وغير ذلك من المصادر السابقة.\r(٣) ينظر: الطب فى السنة للدكتور محمد السنهورى فصل \"القواعد الطبية العامة المستنبطة، ص١٥٤ – ١٩٦، وفصل \"الطب الوقائى فى السنة\" ص١٩٧، وفصل::\"سبق السنة إلى مفاهيم طبية سبقت بها لعصر\" ص١٩٧ – ٢٥٠، وينظر: الإبداعات الطبية لرسول الإنسانية للأستاذ مختار سالم، والطب الوقائى فى الإسلام للعميد الصيدلى عمر محمود عبد الله، والطب النبوى فى العلم الحديث للدكتور محمود النسيمى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556026,"book_id":1504,"shamela_page_id":513,"part":null,"page_num":512,"sequence_num":513,"body":"ومن أقوى الأدلة على أن السنة من وحى الله الخالق سبحانه إلى رسول الله ﷺ؛ أن السنة على كثرة أحاديثها، وذيوعها وانتشارها، لا يجد فيها العقلاء إلا الحق الذى يسعد البشرية فى كل ناحية من نواحى الحياة، فى صحتها، فى اجتماعيتها، فى اقتصادها، فى نسلها، فى عقلها، فى كل شئون حياتها.\rإن أحاديث رسول الله ﷺ، منذ أن قالها إلى الآن تنهل البشرية من خيرها وصوابها، يعترف بذلك المسلون، والمنصفون من غير المسلمين وهذا دليل قوى على أنها وحى الله ﷾، إلى رسول الله ﷺ (١) .\r\rجـ- السلف يؤمنون بأن السنة وحى:\r... وإنى قد ذكرت الأدلة من كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ، على أن السنة وحى من الله إلى رسوله، فإنى أزيد ذلك توضيحاً ورسوخاً بإيراد أقوال بعض السلف، بما يفيد أن السنة النبوية وحى من الله ﷿، إلى رسول الله ﷺ.","footnotes":"(١) المدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556027,"book_id":1504,"shamela_page_id":514,"part":null,"page_num":513,"sequence_num":514,"body":"فعن حسان بن عطية (١) قال: كان جبريل ينزل على النبى ﷺ بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن (٢) ونحو هذا القول روى عن الأوزعى (٣) .\rوعن عبد الله بن المبارك (٤) قال: كان جبريل إذا نزل بالقرآن على النبى ﷺ يأخذه كالغشوة، فيلقيه على قلبه، فيسرى عنه وقد حفظه فيقرؤه، وأما السنن فكان يعلمه جبريل ويشافهه بها (٥) .","footnotes":"(١) هو: حسان بن عطية المعاربى، أبو بكر الدمشقى، ثقة، فقيه، عابد، ومن أفاضل أهل زمانه، مات بعد العشرين ومائة بعد الهجرة. له ترجمة فى: تقريب التهذيب ١/١٩٩ رقم ١٠٢٨، والكاشف ١/٣٢٠ رقم ١٠٠٤، والثقات للعجلى ص١١٢ رقم ٢٦٩، وحلية الأولياء ٦/٧٠ رقم ٣٣٠، وصفوة الصفوة ٤/٢٢٢ رقم ٧٥٥.\r(٢) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب السنة قاضية على كتاب الله ١/١٥٣ رقم ٥٨٨، والخطيب فى الفقيه والمتفقه ١/٢٦٦ رقمى ٢٦٨، ٢٦٩، وابن المبارك فى زيادات الزهد ص٢٣ رقم ٩١، والمروزى فى السنة ص٣٢ رقم ١٠٢، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم ٢/١٩١، وأبو داود فى المراسيل ص١٦٧ رقم ٥٦٧، ورجال الخطيب فى أحد أسانيده برقم ٢٦٨ كلهم ثقات – فالإسناد صحيح.\r(٣) أخرجه الخطيب فى الفقيه ١/٢٦٧ رقم ٢٧٠، وفيه إسحاق بن إبراهيم قال فيه الدارقطنى ليس بالقوى تاريخ بغداد ٦/٣٨١ فالإسناد ضعيف لكن يعضده ما سبق من الروايات.\r(٤) هو: عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلى التميمى مولاهم، أبو عبد الرحمن، أحد الأئمة الأعلام، وكان ثقة، عالماً، متثبتاً صحيح الحديث. مات سنة ١٨١هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٢٧٤ رقم ٢٦٠، والثقات لابن حبان ٧/٧، والديباج المذهب لابن فرحون ص٢١٢ رقم ٢٦١، وطبقات المفسرين للداودى ١/٢٥٠ رقم ٢٣٢.\r(٥) أخرجه المروزى فى السنة ص٣٤ رقم ١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556028,"book_id":1504,"shamela_page_id":515,"part":null,"page_num":514,"sequence_num":515,"body":"وعن عمر بن عبد العزيز (١) قال فى إحدى خطبه: \"يا أيها الناس، إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبياً، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذى أنزله عليه كتاباً، فما أحل الله على لسان نبيه ﷺ، فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه ﷺ، فهو حرام إلى يوم القيامة...\" (٢) .\rوقال أيضاً: \"سن رسول الله ﷺ، وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله ﷿، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر فى شئ خالفها، من اهتدى بها فهو المهتد، ومن انتصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولاه، وأصلاه جهنم، وساءت مصيراً\" (٣) .","footnotes":"(١) هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص الأموى، أمير المؤمنين، أمه: أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولى إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولى الخلافة بعده، فعد من الخلفاء الراشدين، مدة خلافته سنتان ونصف، مات سنة ١٠١هـ له ترجمة فى: طبقات الحفاظ للسيوطى ص٥٣ رقم ١٠١، وتقريب التهذيب ١/٧٢٢ رقم ٤٩٥٦، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٠٩ رقم ١٤١١.\r(٢) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب ما يتقى من تفسير حديث النبى ﷺ وقول غيره عند قوله ﷺ ١/١٢٦ رقم ٤٣٣.\r(٣) الشريعة للآجرى ص٤٨، ٦٥، وجامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/١٨٦، ١٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556029,"book_id":1504,"shamela_page_id":516,"part":null,"page_num":515,"sequence_num":516,"body":"فتأمل ما قاله خامس الخلفاء الراشدين على ملأ من الحاضرين لخطبته: \"فما أحل الله على لسان نبيه ﷺ، فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم... الخ، وقوله: \"الأخذ بما سن رسول الله ﷺ... اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله...الخ. تأمل ذلك تعلم عن يقين إيمان السلف جميعاً، بأن سنة رسول الله ﷺ، وحى من عند الله ﷿، واجبة الاتباع إلى يوم الدين.\rوهكذا توضح الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال السلف أن السنة النبوية وحى من الله تعالى، إلى رسوله ﷺ، وهى صالحة لكل زمان ومكان، وواجبه الاتباع كالقرآن سواء بسواء، وعلى ذلك إجماع الأمة (١) منذ عهد نبيها ﷺ، إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، دون اعتبار لقول من شذ، من المرجفين فى دين الله، العاملين على هدم كيان السنة المطهرة، والسيرة العطرة.\rرابعاً: إذا تقرر لك أن لرسول الله ﷺ، سنة، هى وحى من ربه ﷿، واجب قبولها واتباعها، فقد حان الوقت لبيان حقيقة وهدف تمسح أعداء السنة، بإيمانهم ببيان نبوى لرسول الله ﷺ فى رسالته.\r...","footnotes":"(١) ينظر: إرشاد الفحول للشوكانى ١/١٥٨، وتيسير التحرير لمحمد أمين ٣/٢٢، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/٢٢٥، والتلويح فى كشف حقائق التنقيح لسعد الدين التفتازانى ١/٣٨، وفواتح الرحموت لعبد العلى الأنصارى ١/١٦، ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556030,"book_id":1504,"shamela_page_id":517,"part":null,"page_num":516,"sequence_num":517,"body":"إن من يتسترون بعباءة القرآن، ويستدلون بظاهره، على أن مهمة الرسول الوحيدة هى تبليغ القرآن فقط، وجدوا أنفسهم فى مأزق من القرآن الكريم، حيث يصرح بتبيان لرسول الله ﷺ فى رسالته زائد على مجرد البلاغ، فاعترف بعضهم بهذا التبيان، إلا أنهم لا يعترفون بأن هذا التبيان، المراد به الحكمة، والتى فسرت بأنها سنة رسول الله ﷺ، وأنها بوحى من الله تعالى على ما سبق قريباً ومن هنا كان إيمانهم بهذا التبيان النبوى إيماناً كاذباً من وجهين:\rالوجه الأول: أنهم يشترطون لهذا البيان النبوى أن يوافق القرآن الكريم بمفهومهم هم، القائم على إنكار السنة المطهرة؛ بدليل أنهم ينكرون جميع أنواع بيان السنة للقرآن؛ من تأكيد السنة لما جاء فى القرآن الكريم، وتفصيل لمجمله، وتقييد لمطلقه، وتخصيص لعامه، وتوضيح لمشكله، سواء كان هذا البيان فى العبادات من طهارة، وصلاة، وزكاة، وحج، أو فى المعاملات من بيع وشراء، ورهن، وسلم... الخ أو فى الحدود من قطع، ورجم،... الخ، أو فى الأحوال الشخصية من نكاح، وطلاق، ورضاع، وميراث. وغير ذلك (١) .\r... وبالجملة: ينكرون جميع أنواع بيان رسول الله ﷺ، لما اشتمل عليه القرآن الكريم، من عقائد وأحكام فى الدين والدنيا (٢) .","footnotes":"(١) ينظر: تفصيل كل ما سبق بأمثلته فى: منزلة السنة من الكتاب للأستاذ محمد سعيد منصور ص١٢٥ – ٤٦٦، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٣٥ – ١٤٨، ومنزلة السنة فى التشريع الإسلامى للدكتور محمد الجامى ص٢٢ – ٣٠.\r(٢) يراجع: مصادرهم السابقة ص٣٢٧ – ٣٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556031,"book_id":1504,"shamela_page_id":518,"part":null,"page_num":517,"sequence_num":518,"body":"والوجه الثانى: أنهم حتى مع تظاهرهم بالإيمان بالبيان النبوى؛ فقيمة هذا الإيمان كعدمه. وتأمل كلام إسماعيل منصور بعد قوله السابق: \"أن لرسول الله، بيان نبوى للقرآن، نرفعه على العين والرأس، متى ثبت تحقيقاً، لا يخالف بأى حال، أحكام ومدلولات القرآن الكريم...الخ (١) قال فى وصف قيمة هذه السنة البيانية: \"إنها للاستئناس لا للاستدلال، وللبيان لا للإثبات، الأمر الذى يجعل الآخذين بها والرافضين لها، أمام الشرع على حد سواء. فلا إلزام لأى طرف منهما على قبول رأى الآخر، فالأخذ بها فعله مقبول، والرافض لها فعله مقبول كذلك\" (٢) .\r... قلت: فإذا كان هذا البيان لكتاب الله، الآخذ به والرافض له سواء! فأى قيمة لهذا البيان، حتى لو اعترفوا بأن هذا البيان هو السنة؟!.","footnotes":"(١) يراجع: ص٣٣٩.\r(٢) تبصير الأمة بحقيقة السنة ص٦٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556032,"book_id":1504,"shamela_page_id":519,"part":null,"page_num":518,"sequence_num":519,"body":"وتأمل أيضاً ما قاله عبد العزيز الخولى: \"وأما ما ورد فى السنة من أحكام، فإن كان مخالفاً لظاهر القرآن، فالقرآن مقدم عليه، ويعتبر ذلك طعناً فى الحديث من جهة متنه ولفظه، وإن صح سنده، فإن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم سنده ومتنه من الطعن، ولذلك أجاز بعض المسلمين (١) نكاح المرأة على عمتها أو خالتها... إلى أن قال: \"وإن كل ما فى السنة لا يخالف ظاهر القرآن، فهو اجتهاد من الرسول، يرجع إلى أصل قرآنى عرفه الرسول، وجهلناه نحن أو عرفناه\" (٢) فتأمل قوله فى البيان النبوى: \"وجهلناه نحن أو عرفناه\" إذ العبرة عنده فى أول الأمر وآخره، هى: ظاهر القرآن، سواء عرف السنة البيانية أم جهلها، فهى فى حالة معرفته بها، لم تضف جديداً، وفى هذه الحالة العبرة بالقرآن، وفى حالة استقلالها بتشريع أحكام جديدة، تكون السنة مخالفة لظاهر القرآن؛ فلا حجة فيها. هكذا حال لسانه! ولا أدرى من أين فهموا قيمة هذا البيان النبوى للقرآن الكريم؟ حيث أن آيات القرآن الكريم السابق ذكرها، والتى تسند مهمة البيان، تصرح بأن هذا البيان وحى من الله ﷿: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (٣) ﴿إن أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٤) وغير ذلك من الآيات (٥) .\r...\rفهل فى الإسلام، وحى واجب الاتباع؛ ووحى الآخذ به، فعله مقبول والرافض له، فعله مقبول أيضاً؟!!.","footnotes":"(١) صرح فى هامش كتابه مفتاح السنة ص٧، بأنهم الخوارج، والشيعة، والروافض فهل هؤلاء مسلمون؟!! ينظر: نيل الأوطار للشوكانى ٦/١٤٨ حيث نقل عن الإمام القرطبى إجماع المسلمين على التحريم، واستثنى الخوارج. قال: ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين أهـ.\r(٢) مفتاح السنة ص٦ – ١١.\r(٣) الآية ١٩ القيامة.\r(٤) الآية ١٠٥ النساء.\r(٥) يراجع: ص٣٤٢، ٣٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556033,"book_id":1504,"shamela_page_id":520,"part":null,"page_num":519,"sequence_num":520,"body":".. وإذا كان هذا البيان النبوى يحل مشاكل الاختلاف التى يمكن أن تحدث بين العباد، فى فهم وتطبيق، المراد من مجمل القرآن، وعامة، ومطلقة، ومشكلة... الخ كما صرح بذلك القرآن الكريم فى قوله تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ (١) .\r... فهل يعقل أو يقبل بعد ذلك أن يكون هذا البيان النبوى غير ملزم؛ ولا واجب الاتباع؟! وما فائدة تنويه القرآن إلى هذا البيان النبوى حينئذ؟! وما قيمة المبين (القرآن) مع عدم حجية البيان (السنة) ؟ إن البيان النبوى (السنة المطهرة) متى صح تكون منزلته، ومنزلته القرآن، سواء بسواء فى حجيته، ووجوب العمل به؛ وعلى هذا انعقد إجماع من يعتد به من علماء الأمة قديماً وحديثاً (٢) .\rخامساً: زعم بعضهم أن ما استقلت به السنة المطهرة من أحكام، مرفوض بحجة مخالفته للقرآن الكريم، وفيه تشويه لسيرة رسول الله ﷺ بجعله مشرعاً (٣) ويضربون أمثلة بحد المحصن \"الرجم\" وحد الردة \"القتل\".\r... وهذه المزاعم يجاب عنها بما يلى:","footnotes":"(١) الآية ٦٤٠ النحل مع آية ٣٩ من نفس السورة ﴿ليبين لهم الذى يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين﴾ ٠\r(٢) ينظر: منزلة السنة من الكتاب للأستاذ محمد سعيد منصور ص٤٦٩، ٤٧٠، وحجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٤٤٤، ٤٤٥.\r(٣) يراجع: كلام صالح الوردانى ص٣٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556034,"book_id":1504,"shamela_page_id":521,"part":null,"page_num":520,"sequence_num":521,"body":"يتفق العلماء أجمع على وجود أحكام، لم ترد فى القرآن، لا نصاً ولا صراحة، ولكنهم يختلفون خلافاً لفظياً، حول تسمية تلك الأحكام الواردة فى السنة. فالجمهور من العلماء يقولون: إن هذا هو الاستقلال فى التشريع بعينه؛ لأنه إثبات لأحكام لم ترد فى القرآن، وأن هذه الأحكام واجبة الاتباع، عملاً بعشرات الآيات التى تأمر بطاعة رسول الله ﷺ، واتباعه، وتحذر من مخالفته، وهذه الآيات جميعها (١) تستلزم أن يكون هناك أمور من الدين تأتى بها السنة، وهى حجة، وإلا فلا معنى للأمر بطاعته ﷺ.\rأما الإمام الشاطبى (٢) ومن نحا نحوه: فإنهم مع إقرارهم بوجود أحكام لم ترد فى القرآن إلا أنهم يقولون: إنها ليست زيادة على شئ ليس فى القرآن، وإنما هى زيادة الشرح، المستنبط من المشروح بإلهام إلهى، ووحى ربانى وتأييد سماوى، وبعبارة أخرى: هى داخلة تحت أى نوع من أنواع السنة البيانية، أو داخلة تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم. وهم بذلك يرون أن تلك الأحكام لا تخالف القرآن الكريم.","footnotes":"(١) سيأتى تفصيل تلك الآيات فى المطلب التالى ص٣٦٤.\r(٢) هو إبراهيم بن موسى الغرناطى، الشهير بالشاطبى، أبو إسحاق، مفسر، أصولى، لغوى، محدث، ورع زاهد، من مؤلفاته النفيسة: الموافقات فى أصول الفقه، والاعتصام فى الحوادث والبدع، مات سنة= =٧٩٠هـ له ترجمة فى: شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف ٢٣١ رقم ٨٢٨، والمجددون فى الإسلام لعبد المتعال الصعيدى ص٣٠٥، والفتح المبين لعبد الله المراغى ٢/٢٠٤، وأصول الفقه وتاريخه للدكتور شعبان إسماعيل ص٣٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556035,"book_id":1504,"shamela_page_id":522,"part":null,"page_num":521,"sequence_num":522,"body":"وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى رداً على دعوى مخالفة الرجم للقرآن الكريم يقول: \"قولهم (١) هذا مخالف لكتاب الله ﷿، لأنه قضى ﷺ بالرجم والتغريب (٢) وليس للرجم ولا للتغريب فى كتاب الله ذكر، فإن كان الحديث باطلاً فهو ما أردنا، وإن كان حقاً فقد ناقض كتاب الله بزيادة الرجم والتغريب. يقول الشاطبى: فهذا اتباع للمتشابه، لأن الكتاب فى كلام العرب، وفى الشرع يتصرف على وجوه منها: الحكم والفرض كقوله تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾ (٣) أى فرض الله عليكم وقوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ (٤) أى فرض عليكم، وكذا قوله ﴿وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال﴾ (٥) فكان المعنى: \"لأقضين بينكما بكتاب الله\" أى بحكم الله وفرضه الذى شرع لنا، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم فى القرآن، كما أن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم الكتاب بأحد المحامل من غير دليل اتباع لما تشابه من الأدلة\" (٦) .","footnotes":"(١) يحكى الإمام هذا الكلام عن أهل الابتداع قديماً، وحديثاً تابعهم من سبق ذكرهم ص٣٣٩، ٣٤٠.\r(٢) إشارة إلى قوله ﷺ، لوالد الزانى بامرأة الرجل الذى صالحه على الغنم والخادم: \"والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد. وعلى ابنك، جلد مائة، وتغريب عام\" أخرجه من حديث أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى، مسلم (بشرح النووى) كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا ٦/٢١٤ رقمى ١٦٩٧، ١٦٩٨، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنا ١٢/١٤٠ رقمى ٦٨٢٧، ٦٨٢٨.\r(٣) جزء من الآية ٢٤ النساء.\r(٤) جزء من الآية ١٨٣ البقرة.\r(٥) جزء من الآية ٧٧ النساء.\r(٦) الاعتصام ١/١٩٩، ٢٠٠، ٢/٥٥٨، ٥٥٩، وينظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص٨٨ – ٩٠، وضلالات منكرى السنة للدكتور طه حبيشى ص٢٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556036,"book_id":1504,"shamela_page_id":523,"part":null,"page_num":522,"sequence_num":523,"body":"ثم قال الإمام الشاطبى: \"وقول من زعم (١) أن قوله تعالى فى الإماء: ﴿فإن أتين بفاحشة\rفعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (٢) لا يعقل مع ما جاء فى الحديث: أن النبى ﷺ رجم، ورجمت الأئمة بعده (٣) ؛ لأنه يقتضى أن الرجم ينتصف، وهذا غير معقول، فكيف يكون نصفه على الإماء؟ هذا ذهاباً منهم إلى أن المحصنات هن ذوات الأزواج، وليس كذلك، بل المحصنات هنا المراد بهن الحرائر، بدليل قوله أول الآية: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ (٤) وليس المراد هنا إلا الحرائر؛ لأن ذوات الأزواج لا تنكح\" (٥) .","footnotes":"(١) حكاية منه عن أهل الابتداع قديماً، وتابعهم حديثا. توفيق صدقى فى مقاله: \"الإسلام هو القرآن وحده\" فى مجلة المنار المجلد ٩/٥٢٣، ٥٢٤، وأحمد حجازى السقا فى كتابيه إعجاز القرآن ص٧٩، ودفع الشبهات ص١٠٨، والسيد صالح أبو بكر فى الأضواء القرآنية ص٣١٣، ٣١٤، ومصطفى المهدوى فى البيان بالقرآن ١/٣٣٤، ٣٥٦، ونيازى عز الدين فى دين السلطان ص٩٤٨، وأحمد صبحى منصور فى لماذا القرآن ص١١٢ وغيرهم.\r(٢) جزء من الآية ٢٥ النساء.\r(٣) يشير إلى قول عمر بن الخطاب: \"رجم رسول الله ﷺ، ورجم أبو بكر، ورجمت ... الحديث أخرجه الترمذى فى سننه، كتاب الحدود، باب ما جاء فى تحقيق الرجم ٤/٢٩ رقم ١٤٣١ وقال حسن صحيح، ومالك فى الموطأ كتاب الحدود، باب ما جاء فى الرجم ٢/٦٢٨ رقم ١٠، والشافعى فى مسنده ص٢٩٤ رقم ٧٩٢، والبيهقى فى السنن الكبرى ٨/٢١٣.\r(٤) الآية ٢٥ النساء.\r(٥) الاعتصام ٢/٥٠٩، ٥٦٠، وينظر: تأويل مختلف الحديث ص١٧٧، ١٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556037,"book_id":1504,"shamela_page_id":524,"part":null,"page_num":523,"sequence_num":524,"body":"قلت: وكذلك حد الردة الذى يزعمون أنه يناقض القرآن الكريم تجد أصله فى كتاب الله ﷿، وتأمل قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا﴾ (١) والمحاربة والإفساد يكون باليد وباللسان، بل إن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعى فى الأرض لفساد الدين باللسان أوكد، ومن هنا كان المرتد عن دين الإسلام، المحارب لله ورسوله، أولى باسم المحارب المفسد من قاطع الطريق. ويؤيد أن المحارب لله ورسوله باللسان قد يفسر بالمحارب قاطع الطريق، ما رواه أبو داود فى سننه مفسراً لقوله ﷺ: \"التارك لدينه المفارق للجماعة\" (٢) عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصان، فإنه يرجم، ورجل خرج محارباً لله ورسوله، فإنه يقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفساً فيقتل بها\" (٣) .\rويؤيد أن المرتد عن دين الإسلام، المشكك والطاعن فى كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ، محارب لله ورسوله، وتشمله الآية الكريمة ما روى عن أنس، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم. أن آية المحاربة نزلت فى قوم عرينة: سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله.","footnotes":"(١) الآية ٣٣ المائدة.\r(٢) عن ابن مسعود مرفوعاً: \"لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة\" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم ٦/١٧٩ رقم ١٦٧٦، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الديات، باب قوله تعالى: \"أن النفس بالنفس\" ١٢/٢٠٩ رقم ٦٨٧٨.\r(٣) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد ٤/١٢٦ رقم ٤٣٥٣، ورجاله كلهم ثقات فالإسناد صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556038,"book_id":1504,"shamela_page_id":525,"part":null,"page_num":524,"sequence_num":525,"body":"فعن ابن عمر: أن ناساً أغروا على إبل النبى ﷺ، فاستقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعى رسول الله ﷺ، مؤمناً، فبعث فى آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَلَ أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة (١) .\rويدل أيضاً على قتل المرتد قوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً﴾ (٢) .\rقال الحسن البصرى (٣) : أراد المنافقون أن يظهروا ما فى قلوبهم من النفاق، فأوعدهم الله فى هذه الآية، فكتموه وأسروه (٤) وهذا يعنى: أن المنافق حين يظهر كفره، ويطعن فى دين الله ﷿؛ يأخذ ويقتل عقاباً له.","footnotes":"(١) أخرجه أبو داود فى سنته كتاب الحدود، باب ما جاء فى المحاربة ٤/١٣١ رقم ٤٣٦٩، وينظر: الروايات الأخرى أرقام: ٤٣٦٤ – ٤٣٧٢، ففيها أيضاً التصريح بنزول آية المحاربة فيمن ارتدوا وحاربوا. وأصل قصة العرنيين فى الصحيحين. ينظر: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحدود، باب المحاربين من أهل الكفر والردة ١٢/١١١ – ١١٤ أرقام ٦٨٠٢ – ٦٨٠٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب القسامة، باب حكم المحاربين المرتدين ٦/١٦٧ رقم ١٦٧١.\r(٢) الآية ٦٠ الأحزاب.\r(٣) هو: أبو سعيد الحسن بن أبى الحسن يسار البصرى، مولى زيد بن ثابت، كان عالماً رفيعاً، ثقة، حجة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. مات سنة ١١٠هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٧١ رقم ٦٦، ووفيات الأعيان ٢/٦٩ رقم ١٥٦، وتهذيب التهذيب ٢/٢٦٣ رقم ٤٨٨، وطبقات المفسرين للداودى ١/١٥٠ رقم ١٤٤.\r(٤) الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيميه ص٣٤٨، ٣٤٩، وينظر: الدر المنثور ٥/٢٢٢، وروح المعانى ٢٢/ ٩٠، ٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556039,"book_id":1504,"shamela_page_id":526,"part":null,"page_num":525,"sequence_num":526,"body":"والسؤال هنا: هل هناك شك فى أن المرتد عن دين الإسلام منافق؟ يسعى إلى تفريق جماعة المسلمين، وإفساد دينهم عليهم!.\rإن المرتد، إن كانت ردته بينه وبين نفسه، دون أن ينشر ذلك بين الناس، ويثير الشكوك فى قلوبهم، فلا يستطيع أحد أن يتعرض له بسوء، فالله وحده هو المطلع على ما تخفى الصدور. أما إذا أظهر المرتد عن دين الإسلام ردته، وأثار الشكوك فى نفوس المسلمين بالنطق بكلمة الكفر، وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كان حاله حينئذ، حال المنافق الذى يظهر ما فى قلبه من الكفر والنفاق، وجهاده واجب عملاً بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً فى الدنيا والآخرة وما لهم فى الأرض من ولى ولا نصير﴾ (١) .\rووجه الدليل فى الآيتين: أن الله ﷿، أمر رسول الله ﷺ، بجهاد المنافقين كما أمره بجهاد الكافرين، وأن جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم، من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة، فإنه ما لم يظهر منهم شئ ألبتة لم يكن لنا سبيل عليهم. فإذا ظهر منهم كلمة الكفر. كما قال ﷿: ﴿وكفروا بعد إسلامهم﴾ فجهادهم بالقتل؛ وهو العذاب الأليم الذى توعدهم به رب العزة فى الدنيا بقوله: ﴿وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً فى الدنيا والآخرة﴾ ٠","footnotes":"(١) الآيتان ٧٣، ٧٤ التوبة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556040,"book_id":1504,"shamela_page_id":527,"part":null,"page_num":526,"sequence_num":527,"body":"وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾ (١) قال أهل التفسير: \"أو بأيدينا\" بالقتل؛ إن أظهرتم ما فى قلوبكم قتلناكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يبطنونه من النفاق بأيدينا لا يكون إلا بالقتل لكفرهم (٢) .\rفهل بعد كل هذه الآيات الكريمات شك فى أن المرتد عن الإسلام إذا أظهر كلمة الكفر مثل المنافق جزاؤه القتل بصريح القرآن الكريم؟! وهل بعد ذلك شك فى أن حد الردة الوارد فى السنة المطهرة لا يناقض القرآن الكريم؟!.\rإن ما زعمه أدعياء العلم، من مخالفة حد الرجم، وحد الردة، لكتاب الله ﷿، زعم باطل، فتلك الأحكام الجديدة التى جاءت بها السنة المطهرة، هى تبيان لكتاب الله ﷿، ولا تخالفه على ما سبق، وهذا على رأى من لا يسمى الأحكام الزائدة أو الجديدة فى السنة استقلالاً. أما من يسميها استقلالاً، فيقر بها، ويرى أنها واجبة الاتباع، عملاً بنص القرآن على وجوب طاعة رسول الله ﷺ، ووجوب قبول كل ما أخبر به أو قضى به.\rوأنت ترى هنا أن الخلاف بين العلماء فى الأحكام الجديدة الواردة فى السنة المطهرة، الخلاف بينهم لفظى، فالكل يعترف بوجود أحكام فى السنة المطهرة، لم تثبت فى القرآن الكريم، ولكن بعضهم لا يسمى ذلك استقلالاً، والبعض الآخر يسميه. والنتيجة واحدة؛ وهى حجية تلك الأحكام الزائدة، ووجوب العمل بها.","footnotes":"(١) الآية ٥٢ التوبة؛ وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ الآية ١٠١ التوبة، والمراد بالمرة الأولى فى الدنيا بقتلهم، والثانية فى البرزخ فى قبورهم. ينظر: تفسير القرآن العظيم ٤/١٤٣، وفتح البارى ٣/٢٨٦ رقم ١٣٦٩.\r(٢) الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ ص٣٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556041,"book_id":1504,"shamela_page_id":528,"part":null,"page_num":527,"sequence_num":528,"body":"ب- ليس فى الأحكام الزائدة على كتاب الله ﷿، ما يشوه سيرة رسول الله ﷺ، بجعله مشرعاً؛ كما يزعم أعداء السنة المطهرة! لأن الله تعالى قد جعل من جملة صفات رسوله ﷺ، ومن مهامه الكبار، أنه يحلل ويحرم، وهكذا جاء وصفه ﷺ فى الكتب السماوية السابقة، وهو ﵊، لا يشرع من عند نفسه، إنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه، لأنه لا ينطق عن الهوى، وتأمل قوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ (١) .\r... فقوله تعالى: \"يحل، يحرم، يضع\" هذه من خصائص المشرع الحقيقى، ولكنه ﷺ، لا يفعل من عند نفسه كما قلت، إنما يوحى الله تعالى إليه. فأطايب اللحم، كان محرماً على بنى إسرائيل: ﴿إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ (٢) فقد أباحه النبى ﷺ، كلحم الإبل، وشحم البقر، والغنم، على التفصيل المذكور فى قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ (٣) .","footnotes":"(١) الآية ١٥٧ الأعراف.\r(٢) جز من الآية ٩٣ آل عمران.\r(٣) الآية ١٤٦ الأنعام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556042,"book_id":1504,"shamela_page_id":529,"part":null,"page_num":528,"sequence_num":529,"body":".. وقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ كالميتة، والخنزير، والخمر، والربا... الخ وقوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أى ثقلهم ﴿والأغلال﴾ أى القيود التى كانت عليهم، كوجوب قتل النفس فى التوبة، بينما فى ديننا هو الاستغفار والندم، وغسل النجاسة بالماء، بينما كانت تقرض بالمقراض، فهذا كله تخفيف من الله تعالى ورحمة، أوحى به إلى نبيه ﷺ، وعلينا السمع والطاعة والامتثال.\r... وبالجملة: إذا قيل إن رسول الله ﷺ، له حق التشريع، فمرد هذا التشريع عند من يقول بذلك إلى الله ﷿. لأن ما يصدر عن رسول الله ﷺ فى تبيانه لكتاب الله، لا يخلو عن أن يكون هذا البيان النبوى – حتى ولو كان بأحكام زائدة – أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسوله ﷺ، وعبر عنه رسول الله، بألفاظ من عنده، وهذا هو الأعم الأغلب فى السنة النبوية، فيجب قبوله، لما تقرر من عصمته ﷺ فى بلاغه لوحى الله تعالى – قرآناً وسنة – وإما أن يقول رسول الله تبياناً أو حكماً باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله أو حكمه مراد الله ﷿، فالأمر كما أخبر به ﵊. وإن كان الأمر يحتاج إلى صحيح أو توضيح؛ أوحى الله تعالى إلى نبيه بالتصحيح. وهذا هو الأقل النادر فى السنة النبوية.\r... وبهذا التصحيح تصبح السنة فى هذه الحالة؛ حكم الله فى النهاية، حجة على العباد إلى يوم الدين، وتجب طاعة رسول الله ﷺ. فى هذه السنة، بيانية كانت، أو زائدة على كتاب الله عزوجل. يدل على ذلك عشرات الآيات القرآنية التى تحض على طاعته ﷺ وتحذر من مخالفته.\r... وإذا كان أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، ينكرون ذلك. ويزعمون أن طاعته ﷺ تنحصر فى القرآن فقط.\rفإلى بيان شبهتهم فى المطلب التالى والرد عليها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556043,"book_id":1504,"shamela_page_id":530,"part":null,"page_num":529,"sequence_num":530,"body":"المطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ إلا فى القرآن فقط\rوالرد عليها\r... فى الوقت الذى يتمسح فيه من يسمون أنفسهم (القرآنيون) بظاهر القرآن ويستدلون به على أن مهمة الرسول الوحيدة فى رسالته هى تبليغ القرآن فقط؛ إذ بهم يجدون أنفسهم فى مأزق من كتاب الله ﷿ الذى يصرح بأن لرسول الله ﷺ، بياناً للقرآن الكريم، وهو بيان حجة، وواجب الاتباع، بنص عشرات الآيات القرآنية، التى تحض على طاعة رسول الله ﷺ، طاعة مطلقة؛ فى كل ما يأمر به، وينهى عنه، وتحذر من مخالفته.\r... ولأن هذه الآيات تفضح إفكهم وتبطل شبهاتهم من جذورها، فقد تعسفوا فى تأويل تلك الآيات، بما يتفق وإنكارهم لأن يكون لرسول الله ﷺ، سنة مطهرة، واجبة الاتباع. فزعموا: أن كلمة (الرسول) فى القرآن تعنى القرآن، وأن طاعة الرسول الواردة فى القرآن إنما تعنى: طاعة القرآن فقط، أو بعبارة أخرى طاعة رسول الله ﷺ فيما بلغه من القرآن فقط.\r... يقول أحمد صبحى منصور: \"كلمة الرسول فى بعض الآيات القرآنية تعنى القرآن بوضوح شديد كقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ (١) .","footnotes":"(١) الآية ١٠٠ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556044,"book_id":1504,"shamela_page_id":531,"part":null,"page_num":530,"sequence_num":531,"body":".. يقول أحمد صبحى: فالآية تقرر حكماً عاماً مستمراً إلى قيام الساعة بعد وفاة محمد. فالهجرة فى سبيل الله وفى سبيل رسوله أى القرآن، قائمة ومستمرة بعد وفاة النبى محمد وبقاء القرآن أو الرسالة، وأحياناً – ولازال الكلام له – تعنى كلمة \"الرسول\" القرآن فقط، وبالتحديد دون معنى آخر كقوله تعالى: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً﴾ (١) فكلمة \"ورسوله\" هنا: تدل على كلام الله فقط، ولا تدل مطلقاً على معنى الرسول محمد. والدليل أن الضمير فى كلمة \"ورسوله\" جاء مفرداً، فقال تعالى: ﴿وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً﴾ والضمير المفرد يعنى: أن الله ورسوله أو كلامه، ليسا اثنين، وإنما واحد، فلم يقل: \"وتعزروهما وتوقروهما وتسبحوهما بكرة وأصيلا\"، ويقول تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (٢) ولو كان الرسول فى الآية يعنى: شخص النبى محمد لقال تعالى: \"أحق أن يرضوهما\" ولكن الرسول هنا يعنى فقط كلام الله، لذا جاء التعبير بالمفرد، الذى يدل على الله تعالى وكلامه\" (٣) .\rويقول فى موضع آخر: \"أما أقوال الرسول، فهى القرآن دين الله، وقد أبلغه الرسول دون زيادة ولا نقصان، وفيه الكفاية، وفيه التفصيل، وفيه البيان، إن طاعة الرسول هى طاعة القرآن الذى أنزله الله على الرسول، ولا يزال الرسول أو القرآن بيننا\" (٤) .","footnotes":"(١) الآية ٩ الفتح.\r(٢) الآية ٦٢ التوبة.\r(٣) لماذا القرآن أو القرآن وكفى ص٣٣، ٣٤.\r(٤) المصدر السابق ص٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556045,"book_id":1504,"shamela_page_id":532,"part":null,"page_num":531,"sequence_num":532,"body":"وقال قاسم أحمد (١) : \"يبدو جلياً أن طاعة الرسول تعنى طاعة الله، لأن الرسول ليس سلطة مستقلة، فهو كرسول له حق التبليغ، تبليغ الرسالة، وطاعته من طاعة الله، وكما ذكر فى القرآن فى مرات عديدة ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ (٢) يعنى: ملاحظة أن القرآن استخدم كلمة الرسول، ولم يقل \"محمد\" إذن فالطاعة للرسول أى الرسالة التى أرسل بها من قبل الله ... فمثل هذه الآيات التى تتضمن أن طاعة الله مقترن بها طاعة الرسول، تفسرها آيات أخرى تتضمن أن الطاعة واجبة فقط لله\" (٣) .\rويجاب عن ما سبق بما يلى:\r\rأولاً: تعسف أعداء رسول الله، فى تأويل كلمة \"الرسول\" فى كتاب الله ﷿ بأنها القرآن الكريم، دون شخص النبى محمد ﷺ، أمر برفضه القرآن الكريم، وتأمل معى الآيات التالية:\r١- قال تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ (٤) فهل يصح من عاقل؛ أن يفسر كلمة الرسول فى الآية بأنها القرآن؟! ويكون المعنى: وما محمد إلا قرآن قد خلت من قبله القرآن أو الرسل؟!.","footnotes":"(١) كاتب ماليزى معاصر، ورئيس الحزب الاشتراكى الماليزى - سابقاً - من مؤلفاته: إعادة تقييم الحديث، أنكر فيه حجية السنة النبوية، وحجية السيرة العطرة الواردة فى السنة.\r(٢) الآية ٩٩ المائدة.\r(٣) إعادة تقييم الحديث ص٨٠، وينظر: الإمام الشافعى وتأسيس الأيدلوجية الوسطية لنصر حامد أبو زيد ص٨٣، ٨٤، والدولة والمجتمع لمحمد شحرور ص١٥٥، والحقيقة من الحقائق المسكوت عنها لنيازى عز الدين ص٣٤٨، وغيرهم ممن زعم أن مهمة الرسول فى رسالته قاصرة على بلاغ القرآن فقط. يراجع: ص٣٢٧، ٣٢٨.\r(٤) الآية ١٤٤ آل عمران.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556046,"book_id":1504,"shamela_page_id":533,"part":null,"page_num":532,"sequence_num":533,"body":"٢- وقال ﷿ ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً﴾ (١) فهل يصح من أعداء الإسلام تأويل \"ورسوله\" بمعنى \"وقرآنه\" وبالتالى ينكرون ما هو ثابت بالتواتر من هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة؟! تلك الهجرة التى كانت واجبة قبل فتح مكة، حتى أن الله ﷾ نهى عن اتخاذ من لم يهاجر ولياً حتى يهاجر، كما قال ﷿: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا﴾ (٢) فهل حديث القرآن عن الهجرة فى هذه الاية وغيرها، يعنى: الهجرة إلى القرآن؟!.\r... كيف وقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً﴾ صريح فى أنها هجرة حقيقية، من مكان إلى مكان، وهو الثابت تاريخياً؛ من هجرة رسول الله من مكة إلى المدينة، وهجرة الصحابة بعد ذلك إليه ﷺ وهو ما يؤكد أن قوله \"ورسوله\" تعنى شخص النبى محمد ﷺ.\r٣- وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل﴾ (٣) فهل يصح أو يعقل أن يكون المراد بالآية: آمنوا بالله وكتابه – والكتاب الذى نزل على قرآنه؟!.","footnotes":"(١) الآية ١٠٠ النساء.\r(٢) الآية ٧٢ الأنفال.\r(٣) الآية ١٣٦ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556047,"book_id":1504,"shamela_page_id":534,"part":null,"page_num":533,"sequence_num":534,"body":"٤- وقال تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون. قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً الذى له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (١) .\r... إن هاتين الآيتين تفيدان مع سابقتهما، أن كلمة \"الرسول\" مراداً بها شخص رسول الله ﷺ، ولا يصح بحال أن تفسر كلمة \"الرسول، بأنها القرآن، كما يزعم الأدعياء. فتكون الآية هكذا: \"الذين يتبعون القرآن النبى الأمى\" و\"قل يا أيها الناس إنى قرآن الله إليكم جميعاً\" و\"فآمنوا بالله وقرآنه النبى الأمى\" (٢) .\rإن الآيات السابقة كلها تصرح فى وضوح وجلاء لمن عنده عقل، أن كلمة \"الرسول\" إنما تعنى شخص النبى محمد ﷺ، وفى الآيات أيضاً الدلالة الواضحة على وجوب اتباعه وطاعته ﷺ طاعة مطلقة فى كل ما يأمر به، وينهى عنه، حتى ولو كان خارجاً عن القرآن الكريم بدلالة (ويحل، ويحرم، ويضع) فى قوله: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ وتصرح الآيات بأن فى هذا الاتباع والطاعة له ﷺ، الفلاح والهداية إلى طريق مستقيم: ﴿واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ ٠","footnotes":"(١) الآيتان ١٥٧، ١٥٨ الأعراف مع الآية ٨١ آل عمران ﴿ثم جاءكم رسول لما معكم﴾ ٠\r(٢) وللاستزادة ينظر: ما ذكره الفيروز آبادى فى بصائر ذوى التمييز ٢/٧٢ فقد قال: الرسول فى القرآن؛ ورد على اثنى عشر وجهاً وعدها، وليس منها القرآن أهـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556048,"book_id":1504,"shamela_page_id":535,"part":null,"page_num":534,"sequence_num":535,"body":"كما تصرح الآيات بأن الإيمان بشخص النبى محمد ﷺ وبرسالته، جزء لا يتجزأ من الإيمان بوجود الله تعالى، وبإفراده بالعبودية والألوهية ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى﴾ وبدلالة هذا الإيمان كانت طاعته ﷺ، طاعة لله ﷿ ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١) وتأمل إفراد الضمير فى قوله: \"واتبعوه\" بعد أن فرق وغاير بواو العطف بين الإيمان به تعالى، والإيمان به ﷺ، ليدل على أن اتباعه وطاعته ﷺ، اتباع وطاعة له ﷿. لأن المشكاة واحدة - فى القرآن والسنة - وهى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٢) .\rوبالتالى: فإفراد الضمير فى قوله: \"واتبعوه\" لا يعنى كما يزعم أعداء عصمة رسول الله ﷺ، بأنه اتباع وطاعة للقرآن فقط. لأن زعمهم هذا بنوه على تفسير كلمة \"الرسول\" فى الآيات بمعنى القرآن، وقد تبين لك فساد وبطلان هذا التفسير.\r\rثانياً: زعم أدعياء العلم والفتنة؛ بأنه لا طاعة لرسول الله ﷺ إلا فى القرآن فقط، أمر يرفضه ويبطله القرآن الكريم الذى بين فى مواضع عدة أن لرسول الله ﷺ، أوامر ونواهى، وأحكام، خارج القرآن الكريم، وهى واجبة الاتباع مثل القرآن الكريم سواء بسواء، من ذلك ما يلى:","footnotes":"(١) الآية ٨٠ النساء.\r(٢) الآيتان ٣، ٤ النجم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556049,"book_id":1504,"shamela_page_id":536,"part":null,"page_num":535,"sequence_num":536,"body":"١- قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ (١) فهذه الآية الكريمة تدلنا على أن التوجه إلى بيت المقدس، كان مشروعاً من قبل، وكان ذلك التوجه حقاً وصواباً واجباً عليهم قبل التحول إلى الكعبة. فأين ذلك كله فى القرآن الكريم؟ ألا يدلك ذلك على أن النبى ﷺ، وأصحابه كانوا عاملين بحكم وأمر، لم ينزل بوحى القرآن، وأن عملهم هذا كان حقاً وواجباً عليهم الطاعة فيه لرسول الله ﷺ؟! ولا يصح أن يقال: إن عملهم هذا كان بمحض عقولهم واجتهادهم. إذ العقل لا يهتدى إلى وجوب التوجه إلى قبلة \"ما\" فى الصلاة، فضلاً عن التوجه إلى قبلة معينة، وفضلاً عن أن النبى ﷺ، كان أثناء صلاته إلى بيت المقدس راغباً كل الرغبة فى التوجه إلى الكعبة المشرفة: ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (٢) إذن: كان التوجه إلى بيت المقدس بوحى غير القرآن وهو وحى السنة المطهرة، وكان رسول الله ﷺ مطاعاً فى ذلك الوحي. بل: ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ (٣) فتدبر.","footnotes":"(١) الآية ١٤٢ البقرة.\r(٢) الآية ١٤٤ البقرة.\r(٣) جزء من الآية ١٤٣ البقرة. وينظر: حجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٣٣٦ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556050,"book_id":1504,"shamela_page_id":537,"part":null,"page_num":536,"sequence_num":537,"body":"٢- وقال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (١) أفادت هذه الآية أن أمر النبى هو أمر الله، ولو كان خارج القرآن، لأن النبى ﷺ، رأى أن يزوج زينب لزيد، على ما رواه الطبرانى بسند صحيح عن ابن عباس أن النبى ﷺ، خطب زينب وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، واستنكفت، وقالت: أنا خير منه حسباً. فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فرضيت وسلمت\" (٢) .\r... فتأمل: كيف أن المولى ﷿، جعل أمر رسول الله ﷺ هو أمره تعالى وأتى بصيغة عامة تشمل جمع أوامره ﷺ. فالآية تصفع أولئك المبتدعة الذين يقصرون طاعة النبى ﷺ على ما كان فى القرآن، ومتعلقاً بالدين! وزواج زينب بزيد لم يأمر به القرآن، ولا علاقة له بالدين. فإن تمسكوا بقول النبى ﷺ فى مسألة تأبير النخل! \"أنتم أعلم بأمور دنياكم\" (٣) فلا حجة لهم فيه؛ لأن النبى ﷺ لم يأمر بترك التأبير، وإنما قال: \"لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً\" فأبدى رأياً مجرداً (٤) وليس كلامنا فيه، إنما كلامنا فيما أفادته الآية من وجوب اتباع أمره ﷺ دينياً كان أو دنيوياً، مع تذييلها بقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ (٥) .","footnotes":"(١) الآية ٣٦ الأحزاب.\r(٢) سبق تخريجه ص١٦٥.\r(٣) سبق تخريجه ص١٨.\r(٤) سيأتى مزيد من الجواب عن هذا الحديث فى الباب الثالث ص٤١٢.\r(٥) الآية ٣٦ الأحزاب. وينظر: دلالة القرآن المبين لعبد الله الغمارى ص١١٦، ١١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556051,"book_id":1504,"shamela_page_id":538,"part":null,"page_num":537,"sequence_num":538,"body":"وقال تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم﴾ (١) أفادت هذه الآية أن أمر النبى ﷺ، هو أمر الله ﷿، ولو كان خارج القرآن، لأن النبى ﷺ يوم أحد، أخبر أصحابه بنصر الله لهم فى المعركة، وأمر الرماة يومئذ بألا يتحركوا من مكانهم بأى حال من الأحوال سواء هزموا أو انتصروا، وذلك فى قوله ﷺ: \"لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا\" (٢) وفى رواية: \"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا\" (٣) ولكن الرماة ما إن رأوا هزيمة أهل الشرك وجمع المسلمين الغنائم إلا تركوا مكانهم وخالفوا أمر رسول الله ﷺ طلباً للغنيمة، فكانت نتيجة مخالفة الأمر الهزيمة بعد النصر.\rوتأمل قوله تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم﴾ يتبين لك أن عدم طاعة رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة، ومخالفته فى أوامره ونواهيه، عصيان، عاقبته الفشل فى الدنيا، والعذاب الأليم فى الآخرة.","footnotes":"(١) الآية ١٥٢ آل عمران.\r(٢) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب غزوة أحد ٧/٤٠٥ رقم ٤٠٤٣ من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه.\r(٣) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد فى مسنده ١/٢٨٧، ٢٨٨ من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556052,"book_id":1504,"shamela_page_id":539,"part":null,"page_num":538,"sequence_num":539,"body":"وقال تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ (١) فالآية الكريمة تصرح بأن أمر رسول الله ﷺ بقطع نخيل بنى النضير وتحريقها، إنما هو بإذن الله تعالى. فأين هذا الإذن والأمر فى كتاب الله ﷿؟!.\rأليس فى سنة رسول الله ﷺ؟! وأن تلك السنة يجب طاعته ﷺ فيها، حيث وصفت بأنها بإذن الله تعالى؟ على ما روى فى سبب نزول هذه الآية عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: \"حرق رسول الله ﷺ، نخل بنى النضير وقطع، وهى: البويرة (٢) فنزلت: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ (٣) فهل بقى للمتنطعين القاصرين طاعته ﷺ على القرآن فقط من حجة؟!.","footnotes":"(١) الآية ٥ الحشر.\r(٢) تصغير البئر الذى يستقى منها الماء، وهو موضع منازل بنى النضير اليهود. معجم البلدان١/٥١٢.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب حديث بنى النضير ٧/٣٨٣ رقم ٤٠٣٠ ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها ٦/٢٩٣ رقم ١٧٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556053,"book_id":1504,"shamela_page_id":540,"part":null,"page_num":539,"sequence_num":540,"body":"وقال ﷿: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (١) فتأمل كاف الخطاب المراد بها شخص رسول الله ﷺ، هل يفسرها الأدعياء هنا بالقرآن؟ وتأمل كيف أن بيعة الرضوان، وكل ما حدث فيها من أوامر ونواهى، من رسول الله ﷺ، خارج القرآن، وطاعة الصحابة رضى الله عنهم لتلك الأوامر والنواهى! (٢) وكيف وصفت تلك البيعة البيعة بأنها مبايعة لله تعالى، وأن يده فوق أيدى أصحاب البيعة! مما يفيد أن مبايعة رسول الله، مبايعة لله، وطاعته طاعته، وأن كل ما يصدر عن النبى ﷺ، خارج القرآن، هو بإذن الله؛ بوحى غير متلو فى السنة المطهرة، مما يجب الامتثال له، حيث يرضاه الله تعالى وتأمل: ﴿لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (٣) فإنها تؤيد ما سبق، حيث أن رضاه ﷿ عم الأشخاص الذين أطاعوا رسول الله ﷺ فى البيعة، كما عم رضاه سبحانه مكان مبايعتهم.\rوقال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله﴾ (٤) فالآية صريحة فى توجيه الخطاب إلى شخص النبى محمد ﷺ، \"إليك\" \"لتحكم\" \"أراك\" فهل يزعم أعداء رسول الله ﷺ، أن الخطاب فى الآية للقرآن وليس لشخصه الكريم؟!.","footnotes":"(١) الآية ١٠ الفتح.\r(٢) ينظر: قصة البيعة فى: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب الشروط فى الحرب، والمصالحة مع أهل الحرب ... الخ ٥/٣٩٠ رقمى ٢٧٣١، ٢٧٣٢، ومسلم (بشرح= =النووى) كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية ٦/٣٧٧ رقم ١٧٨٥ من حديث سهل بن حنيف رضى الله عنه.\r(٣) الآية ١٨ الفتح. وينظر: دلالة القرآن المبين لعبد الله الغمارى ص١٣٢، ١٣٣.\r(٤) الآية ١٠٥ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556054,"book_id":1504,"shamela_page_id":541,"part":null,"page_num":540,"sequence_num":541,"body":"ثم تأمل ما فى الآية من التصريح بأن لرسول الله ﷺ حكماً بين الناس، والحكم أمر زائد على مجرد القانون الذى يحكم به! وهذا الحكم النبوى وصف بأنه وحى إلهى ﴿بما أراك الله﴾ أليس فى الآية تصريح بأن لهذا النبى الكريم طاعة واجبة خارج القرآن، فيما يحكم به مما جاء فى سنته؟!.\rوقال سبحانه: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم﴾ (١) فهذه الآية الكريمة تصرح فى وضوح وجلاء، بوجوب الإيمان بكل ما نزل على محمد ﷺ وما أنزل عليه شيئان (الكتاب والحكمة) كما صرح رب العزة بقوله: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ (٢) وقال: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (٣) وقد سبق قريباً تفسير الكتاب والحكمة، وتفصيل الأدلة على أن الحكمة فى الآيتين وغيرهما بأنها السنة النبوية. إذن بصريح الآية الثانية من سورة محمد فإن له ﷺ طاعة خارج القرآن، وذلك فيما أنزل عليه من السنة المطهرة.\rوتأمل: ذكر اسمه (محمد) مجرداً وصريحاً ليكون أبلغ رد على المتنطعين المتأولين كلمة \"الرسول\" بمعنى القرآن!.\rوقال تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (٤) وقال: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٥) فهاتان الآيتان تصرحان بأن لرسول الله ﷺ، تبياناً لكتاب الله ﷿، وهو تبيان إلهى بنص آية القيامة، وهذا البيان إنما جاء على لسانه ﷺ فتجب طاعته فيه، لأنه أمر زائد على مجرد بلاغ المبين وهو القرآن الكريم على ما سبق تفصيله فى المطلب السابق.","footnotes":"(١) الآية ٢ محمد.\r(٢) الآية ٢٣١ البقرة.\r(٣) الآية ١١٣ النساء.\r(٤) الآية ١٩ القيامة.\r(٥) الآية ٤٤ النحل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556055,"book_id":1504,"shamela_page_id":542,"part":null,"page_num":541,"sequence_num":542,"body":"وبعد: فإذا ثبت لك بصريح القرآن الكريم، أن لرسول الله ﷺ، أوامر ونواهى وأحكام، خارج كتاب الله ﷿، وأن هذه الأوامر والنواهى والأحكام هى بيانه للقرآن، وهو بيان منزل من عند الله ﷿ دل ذلك على أن لرسول الله ﷺ، طاعة واجبة لهذا البيان مع طاعته لكتاب الله تعالى.\rكما دل ذلك على أن عشرات الآيات القرآنية التى تتحدث عن طاعته ﷺ إنما تعنى إطاعة شخصه الكريم فيما يبلغ من وحى الله تعالى قرآناً وسنة؛ وليس كما يزعم أعداء عصمته ﷺ، طاعته فى القرآن فقط. وإليك نماذج من تلك الآيات.\r\rثالثاً: الأدلة من القرآن الكريم على وجوب طاعته ﷺ:\r... اشتدت عناية القرآن الكريم بتلك المسألة، فوجه إليها آيات كثيرة، تنوعت بين آيات تأمر فى وضوح بوجوب الإيمان به ﷺ، وبين آيات أخرى تأمر بوجوب طاعته ﷺ، طاعة مطلقة، فيما يأمر به وينهى عنه، وبين آيات أخرى، تنهى عن مخالفته ﷺ، وتحذر من ذلك.\r... واستعراض تلك الآيات أمر يطول، ولذا سوف أكتفى ببعض هذه الآيات فقط، مع بيان دلالتها على وجوب طاعته ﷺ.\rقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل﴾ (١) .\rوقال سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) .","footnotes":"(١) الآية ١٣٦ النساء.\r(٢) الآية ١٥٨ الأعراف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556056,"book_id":1504,"shamela_page_id":543,"part":null,"page_num":542,"sequence_num":543,"body":"قال الإمام الشافعى: \"فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذى ما سواه تبع له، الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به تعالى ولم يؤمن برسوله ﷺ: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً، حتى يؤمن برسوله معه (١) ، وبمقتضى هذا الإيمان وجبت طاعته ﷺ، فى كل ما يبلغه عن ربه، سواء ورد ذكره فى القرآن أم لا.\rوتأمل كيف جاء الأمر باتباعه ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ عقب الأمر بالإيمان به ﷺ، تأكيداً على وجوب اتباعه. وإلا فإن الاتباع داخل فى الإيمان، ولكن أفرد بالذكر هنا: تنبيهاً على أهميته وعظم منزلته؛ وإذا كانت المتابعة بالإتيان بمثل فعل الغير، ثبت أن الانقياد لرسول الله ﷺ فى جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل، طاعة له وانقياد لحكم الله تعالى (٢) .\rومن أهم الآيات دلالة على وجوب طاعته ﷺ، قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (٣) يقول ابن قيم الجوزية: \"أقسم سبحانه بنفسه، وأكده بالنفى قبله على نفى الإيمان عن العباد، حتى يحكموا رسوله فى كل ما شجر بينهم، من الدقيق والجليل، ولم يكتف فى إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده، حتى ينتفى عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضاً بذلك حتى يسلموا تسليماً، وينقادوا انقياداً\" (٤) ويقول أيضاً: \"وفرض تحكيمه، لم يسقط بموته، بل ثابت بعد موته، كما كان ثابتاً فى حياته، وليس تحكيمه مختصاً بالعمليات دون العلميات كما يقوله أهل الزيغ والإلحاد\" (٥) .","footnotes":"(١) الرسالة ص٧٥ فقرة رقم ٢٣٩، ٢٤٠.\r(٢) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ٨/٥٠٦.\r(٣) الآية ٦٥ النساء.\r(٤) أعلام الموقعين ١/٥١.\r(٥) مختصر الصواعق المرسلة ٢/٥٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556057,"book_id":1504,"shamela_page_id":544,"part":null,"page_num":543,"sequence_num":544,"body":"وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (١) ودلالة الآية على وجوب طاعته ﷺ من عدة وجوه:\rالوجه الأول: النداء بوصف الإيمان فى مستهل الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ومعنى ذلك: أن المؤمنين لا يستحقون أن ينادوا بصفة الإيمان، إلا إذا نفذوا ما بعد النداء، وهو طاعة الله تعالى، وطاعة رسول الله ﷺ، وأولى الأمر.\rالوجه الثانى: تكرار الفعل \"أطيعوا\" مع الله تعالى، ومع رسوله ﷺ، وتكرار ذلك فى آيات كثيرة كقوله: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا﴾ (٢) وقوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ (٣) .\r... يقول الإمام الشاطبى: \"تكراره الفعل \"وأطيعوا\" يدل على عموم الطاعة بما أتى به مما فى الكتاب، ومما ليس فيه مما هو من سنته\" (٤) وقال العلامة الألوسى: \"وأعاد الفعل: و\"أطيعوا\" وإن كان طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله تعالى، واعتناء بشأنه ﷺ، وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس فى القرآن، وإيذاناً بأن له ﷺ، استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد فى قوله: ﴿وأولى الأمر منكم﴾ إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول ﷺ (٥) بل طاعتنا لهم مرتبطة بطاعتهم هم لله ورسوله، فإن هم أطاعوا الله ورسوله فلهم علينا حق السمع والطاعة، وإلا فلا. لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق\" (٦) .","footnotes":"(١) الآية ٥٩ النساء.\r(٢) الآية ٩٢ المائدة.\r(٣) الآية ٥٦ النور.\r(٤) الموافقات ٣/٣٨.\r(٥) روح المعانى ٥/٦\r(٦) أعلام الموقعين ١/٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556058,"book_id":1504,"shamela_page_id":545,"part":null,"page_num":544,"sequence_num":545,"body":".. ومما هو جدير بالذكر هنا: أن فرض الله تعالى، طاعة رسول الله ﷺ، ليست له وحده، بل هى حق الأنبياء جميعاً. قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (١) فرب العزة يقرر هنا قاعدة: أن كل رسول جاء من عنده تعالى يجب أن يطاع.\r... وقال سبحانه على لسان كثير من رسله أنهم طلبوا من أممهم أن يطيعوهم: فقال سبحانه على لسان نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وعيسى، أن كل واحد منهم قال لقومه: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ (٢) إنهم رسل الله إلى خلقه، كلفهم بالتبليغ وعصمهم فيه، فوجب على الخلق أن يطيعوهم؛ ولماذا لا يطاع هذا الرسول، الذى جاء بالمنهج الذى يصلح الخلل فى تلك البيئة التى أرسل إليها؟ إن عدم الطاعة حينئذ؛ هو نوع من العناد والجحود والتكبر.\r... كما أن فى عدم الطاعة اتهاماً للرسالة بالقصور، واتهاماً للرسول فى عصمته من الكذب فى كل ما يبلغه عن ربه من كتاب وسنة.","footnotes":"(١) الآية ٦٤ النساء.\r(٢) على لسان نوح فى سورة الشعراء الآيات: ١٠٨ – ١١٠، وعلى لسان هود فى نفس السورة الآيات: ١٢٦ – ١٣١، وعلى لسان صالح فى نفس السورة الآية: ١٤٤، وعلى لسان لوط فى نفس السورة الآية: ١٦٣، وعلى لسان شعيب فى نفس السورة الآية: ١٧٩، وعلى لسان عيسى فى سورة آل عمران الآية ٥٠، وفى سورة الزخرف الآية: ٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556059,"book_id":1504,"shamela_page_id":546,"part":null,"page_num":545,"sequence_num":546,"body":"الوجه الثالث: فى آية النساء، دلالة على وجوب طاعته ﷺ، قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ فالرد إلى الله تعالى، هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ، هو الرد إليه نفسه فى حياته، وإلى سنته بعد وفاته (١) وعلى هذا المعنى إجماع الناس كما قال ابن قيم الجوزية (٢) وتعليق الرد إلى الله ورسوله على الإيمان ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ يعنى: أن الذين يردون التنازع فى مسائل دينهم وحياتهم، دقها وجلها، جليها وخفيها؛ إلى كتاب الله ﷿، وإلى سنة رسوله ﷺ، هم فقط المؤمنون حقاً؛ كما وصفتهم بذلك الآية الكريمة، أما غيرهم فلا ينطبق هذا الوصف عليهم.\r... ثم يحدثنا الله تعالى بعد هذه الآية مباشرة، عن أناس يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسوله، ومقتضى هذا الإيمان أن يحكموا كتاب الله، وسنة رسوله فى كل شئون حياتهم، ولكنهم لا يفعلون ذلك، وإنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، مع أنهم قد أمورا أن يكفروا به.\r... قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾ (٣) ففى نهاية الأمر، حكم الله تعالى على من يعرض عن حكمه، وحكم رسوله، ويتحاكم إلى الطواغيت بأنهم منافقون (٤) .","footnotes":"(١) قاله: ميمون بن مهران فيما رواه عنه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم ٢/١٨٧، وينظر: الرسالة للشافعى ص٨٠، ٨١ فقرات رقم ٢٦٤ – ٢٦٦.\r(٢) أعلام الموقعين١/٤٩،وينظر: تفسير عبد الرزاق ١/١٦٢ رقم ٦١٣، وتفسير ابن جرير ٥/١٥١.\r(٣) الآية ٦١ النساء. وقارن بالآيات ٤٧ – ٥٢ من سورة النور.\r(٤) ينظر: تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير للدكتور مروان شاهين ص٤٥، ٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556060,"book_id":1504,"shamela_page_id":547,"part":null,"page_num":546,"sequence_num":547,"body":"قال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ (١) فقد عبر بالمضارع \"يطع\" وهو الذى يقتضى الحال والمستقبل، وعبر بالماضى \"أطاع\" الذى يدل على الوقوع والتحقق. فمن أطاع رسوله ﷺ حالاً، فقد وقعت طاعته قبل ذلك طاعة لله تعالى، لأن الله تعالى هو الذى أرسله، وأمر بطاعته، لذا فمن أطاعه ﷺ، كان فى الحقيقة مطيعاً لمرسله قبل أن يطيعه ﷺ، ومن عصاه ﷺ، كان فى الحقيقة عاصياً لمرسله قبل أن يعصيه ﷺ، لأنه ﷿ مرسله، وأوجب طاعته، وحرم معصيته (٢) .\rوهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله تعالى، لأنه لو أخطأ فى شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله ﷿ (٣) .","footnotes":"(١) الآية ٨٠ النساء.\r(٢) محبة النبى ﷺ وطاعته للدكتور خليل ملا خاطر ص٣٠٩.\r(٣) شرح الزرقانى على المواهب ٨/٥٠٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556061,"book_id":1504,"shamela_page_id":548,"part":null,"page_num":547,"sequence_num":548,"body":"وأختم المطاف من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول ﷺ طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، بقوله ﷿: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) وهناك آيات كثيرة لم أتعرض لذكرها خشية الإطالة. فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الآيات التى تحذر من معصية الرسول ﷺ، وتنهى عن مخالفته تجدها كثيرة، وأشير إلى بعضها فيما يلى:\rقال سبحانه: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ (٢) فهذا التحذير الشديد من رب العزة: \"واحذروا\" \"فإن توليتم\" يدل على خطورة الإعراض والمخالفة، وأن النبى ﷺ، لن يتضرر هو نفسه بإعراض من أعرض، لأنه ﷺ ما عليه إلا البلاغ المبين، وقد أبلغ، وقد بين، وأشهدعلى ذلك، وإنما الذى يتضرر هو المعرض المخالف العاصى وإذا عرف العاقل المدرك، أن الذى يتوعد ويحذر هو ربه ﷿، فكيف يكون تمسكه بطاعة رسوله ﷺ؟!.","footnotes":"(١) الآية ٧ الحشر. وقد استدل بهذه الآية على أن ما جاء به النبى ﷺ حجة تجب طاعته فيه، ابن مسعود. ينظر: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب وما آتاكم الرسول فخذوه ٨/٤٩٨ رقم ٤٨٨٦، كما استدل بها أيضاً عمران بن حصين، ينظر: دلائل النبوة للبيهقى ١/٢٥، ٢٦، ومفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص٢١، واستشهد بالآية أيضاً الإمام الشافعى على حجية قول الرسول وطاعته. ينظر: مناقب الإمام الشافعى لفخر الدين الرازى ص٣٠٤، والفقيه والمتفقه للخطيب ١/٤٤٥ رقم ٤٦٨.\r(٢) الآية ٩٢ المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556062,"book_id":1504,"shamela_page_id":549,"part":null,"page_num":548,"sequence_num":549,"body":"وقال سبحانه: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (١) وفى تفسير هذه الآية يسوق ابن العربى بإسناده عن سفيان بن عيينة قال: سمعت مالك بن أنس – وأتاه رجل – فقال: يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟ قال: من ذى الحليفة (٢) من حيث أحرم رسول الله ﷺ، فقال: إنى أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل. قال: إنى أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإنى أخشى عليك الفتنة. قال: وأى فتنة فى هذا؟ إنما هى أميال أزيدها. قال: وأى فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ! إنى سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (٣) .\rهذا وفى الآية دلالتها الصريحة على وجود طاعة استقلالية لرسول الله ﷺ فيما سنه، مما لم يرد فى القرآن الكريم؛ لأنه لو كان الأمر قاصراً على ما جاء به من القرآن فقط، كما يزعم أعداء عصمته ﷺ، لما كان للتحذير من مخالفته فى أمره أى جديد!.\rوقال تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين﴾ (٤) .\rوقال سبحانه: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾ (٥) .\rوقال ﷿: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم﴾ (٦) .","footnotes":"(١) الآية ٦٣ النور.\r(٢) المكان الذى يحرم منه أهل المدينة بالحج، وبه بئر يسمى بئر على، وأصبح الآن يعرف باسم \"آبار على\" وبه مسجد كبير.\r(٣) أحكام القرآن لابن العربى ٣/١٤٠٠، ١٤٠١.\r(٤) الآية ١٤ النساء.\r(٥) الآيتان ٤٠، ٤١ النساء.\r(٦) الآية ٣٢ محمد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556063,"book_id":1504,"shamela_page_id":550,"part":null,"page_num":549,"sequence_num":550,"body":"وقال تعالى: ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين﴾ (١) .\rوقال سبحانه: ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك فى الأذلين﴾ (٢) .\rإن الآيات السابقة تصرح بأن مخالفة كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ، وعدم طاعته، والطعن والتشكيك فى تلك الطاعة، يدخل النار، ويورث الذل، والخزى، والفتنة، والكبت، ويحبط العمل. فليختر المرء لنفسه ما يشاء.\rوبعد: فهذه نماذج من الآيات القرآنية التى تأمر فى وضوح وجلاء بوجوب طاعة رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة، وتحذر من مخالفته وهناك آيات أخرى كثيرة تنوعت فى أسلوبها فى الحض على اتباعه وطاعته ﷺ، لم أتعرض لها خشية الإطالة (٣) فما ذكر فيه الكفاية لكل عاقل أهـ.\r\rرابعاً: الأدلة من السنة المطهرة على وجوب طاعته ﷺ:\r... حث النبى ﷺ أمته على طاعته، وامتثال أمره، واتباع ما جاء به، والسير على سنته المطهرة، والاقتداء به فى كل ما جاء به عن ربه ﷿.\r... وأحاديثه ﷺ فى هذا المجال أعطت للأمة توجيهات عظيمة متى ساروا عليها وامتثلوا ما فيها، واستناروا بها، تحققت لهم سعادة الدارين وفازوا وأفلحوا بإذن الله تعالى.","footnotes":"(١) الآية ٥ المجادلة.\r(٢) الآية ٢٠ المجادلة.\r(٣) إن شئت فانظرها فى: الشفا ٢/٢ - ١٣، وشرح الزرقانى على المواهب ٨/٥٠٤ - ٥٣٦، ٩/٥٩ - ١٥٩، والمدخل إلى السنة ص٧٧، ٩٨، ودفع الشبهات عن السنة ص٨ - ١١ كلاهما للدكتور عبد المهدى عبد القادر، ومحبة النبى ﷺ وطاعته للدكتور خليل ملا خاطر ص١٠٧ - ٤١٣، وحقوق النبى على أمته للدكتور محمد التميمى ص١٦١ - ١٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556064,"book_id":1504,"shamela_page_id":551,"part":null,"page_num":550,"sequence_num":551,"body":".. وقد امتازت الأحاديث فى هذا الشأن بكثرتها وتنوع عبارتها، وتعدد أساليبها، واشتمال بعضها على الأمثلة التى ضربها رسول الله ﷺ لأمته فى هذا الشأن، ومما لا شك فيه أن هذه المميزات زادت الأمر توكيداً وتوضيحاً وبياناً، بحيث أنها لم تدع مجالاً لمتأول يأولها، أو محرف يغير معناها بهواه، ورأيه الفاسد.\r... وهذه الأحاديث على تنوع عبارتها وتعدد أساليبها، اتحدت جميعها فى مضمون واحد: هو التأكيد على وجوب طاعته ﷺ واتباع ما جاء به، والترغيب فى ذلك، إضافة إلى التحذير من مخالفته، وتحريم معصيته، وبيان الوعيد الشديد فى ذلك.\r... والخطاب فى تلك الأحاديث شامل لكل من كان فى عصره ﷺ، ومن سيأتى بعده إلى يوم القيامة.\r... وسأشير هنا إلى طرف من تلك الأحاديث مع بيان ما فيها من توجيهات وإرشادات تنير الطريق للسالكين الراغبين بالفوز برضى الله وجنات النعيم (١) .","footnotes":"(١) ينظر: حقوق النبى ﷺ على أمته للدكتور محمد التميمى ص١٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556065,"book_id":1504,"shamela_page_id":552,"part":null,"page_num":551,"sequence_num":552,"body":"قوله ﷺ: \"ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان، متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا كل ذى مخلب من الطير، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله ان يعقبهم بمثل قراه\" وفى رواية: \"ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنى وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله\" (١) . فقوله: \"يوشك رجل شبعان... الخ\" يحذر بهذا القول من عدم طاعته ﷺ، مما جاء به وليس له فى القرآن ذكر، وهو مما يؤكد ما سبق ذكره من الآيات، من أن له ﷺ، طاعة استقلالية. وفى الحديث: معجزة ظاهرة للنبى ﷺ، فقد ظهرت فئة فى القديم والحديث، تدعوا إلى هذه الدعوة الخبيثة، وهى الاكتفاء بما جاء فى القرآن الكريم، دون ما جاء به رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة، وعدم طاعته فيه. وهدفهم من ذلك هدم نصف الدين، وإن شئت فقل هدم الدين كله. حاسبهم الله بما يستحقون.","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556066,"book_id":1504,"shamela_page_id":553,"part":null,"page_num":552,"sequence_num":553,"body":"وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أنه كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ، مع نفر من أصحابه، فأقبل عليهم رسول الله ﷺ، فقال: \"يا هؤلاء ألستم تعلمون أنى رسول الله إليكم؟ \" قالوا: بلى، نشهد أنك رسول الله. قال: \"ألستم تعلمون أن الله أنزل فى كتابه: من أطاعنى فقد أطاع الله؟ \" قالوا: بلى، نشهد أن من أطاعك فقد أطاع الله، وأن من طاعة الله طاعتك، قال: \"فإن من طاعة الله أن تطيعونى، وإن من طاعتى أن تطيعوا أئمتكم، أطيعوا أئمتكم، فإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً\" (١) .\rوعن أبى هريرة رضى الله عنه، أن النبى ﷺ، قال: \"من أطاعنى فقد أطاع الله، ومن عصانى فقد عصى الله، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى، ومن عصى أميرى فقد عصانى\" (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه أحمد فى مسنده ٢/٩٣، والطبرانى فى الكبير ١٢/٣٢١ رقم ١٣٢٣٨ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢/٦٧، ٥/٢٢٢، وأخرجه أبو يعلى فى مسنده ٩/٣٤٠ رقم ٥٤٥٠، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ٣/٢٧٢ رقم ٢١٠٦.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ١٣/١١٩ رقم ٧١٣١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية وتحريمها فى المعصية ٦/٤٦٣ رقم ١٨٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556067,"book_id":1504,"shamela_page_id":554,"part":null,"page_num":553,"sequence_num":554,"body":"وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبى ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً، قال: فاضربوا له مثلاً. فقال: بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعى دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعى لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعى محمد ﷺ، فمن أطاع محمد ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمد ﷺ فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس\" (١) .\rوعن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: \"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أن النذير العريان، فالنجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا (٢) فانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعنى فاتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب بما جئت به من الحق\" (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ ١٣/٢٦٣ رقم ٧٢٨١.\r(٢) أى: ساروا بالليل. النهاية ٢/١٢٠.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ ١٣/٢٦٤ رقم ٧٢٨٣، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته ٨/٥٣ رقم ٢٢٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556068,"book_id":1504,"shamela_page_id":555,"part":null,"page_num":554,"sequence_num":555,"body":"وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: \"والذى نفسى بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كشراد (١) البعير\" قال: يا رسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصانى فقد أبى\" (٢) .\rإن هذه الأحاديث السابقة تؤكد وجوب طاعة رسول الله ﷺ، وامتثال كل ما جاء به فى سنته المطهرة.\rإنها تؤكد ما ورد فى كتاب الله ﷿، من أن طاعة رسول الله ﷺ من طاعة ربه ﷿، وصرح بذلك رسول الله ﷺ، على ما جاء فى حديث ابن عمر وغيره، وأشهد على ذلك أصحابه الكرام فأقروا!.","footnotes":"(١) يقال: شرد البعير، يشرد، شروداً، وشراداً، إذا نفر وذهب فى الأرض. النهاية ٢/٤١٠.\r(٢) أخرجه ابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ١/١١١ رقم ١٧، والطبرانى فى الأوسط ١/٢٤٦ رقم ٨٠٨ ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١٠/٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556069,"book_id":1504,"shamela_page_id":556,"part":null,"page_num":555,"sequence_num":556,"body":"كما تؤكد هذه الأحاديث أن هذه الطاعة هى مفتاح الجنة، وسبيل النجاة الوحيد التى متى سلكها الإنسان، فاز برضى الله، وجنته، ونجى من سخطه وعذابه. أما من أبى اتباعه وطاعته ﷺ فى سنته المطهرة فهو الذى شرد شرود الجمل على أهله، وهو الذى ضيع نفسه، وأوقعها فى جهنم؛ بل هو بعدم امتثاله لهدى النبى ﷺ فى سنته كأنه يقتحم بنفسه نار جهنم، كما قال ﵊: \"مثلى كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب التى تقع فى النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها\" قال: \"فذلكم مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبونى، تقحمون فيها\" (١) .\rفعلى المسلم أن يسلك طريق طاعة نبيه ﷺ فى سنته المطهرة، وألا يحيد عنها يميناً أو شمالاً، فهذه الطاعة هى صراط الله المستقيم الذى أمر الله باتباعه لقوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته ٨/٥٤ رقم ٢٢٨٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصى ١١/٣٢٣ رقم ٦٤٨٣ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.\r(٢) الآية ١٥٣ الأنعام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556070,"book_id":1504,"shamela_page_id":557,"part":null,"page_num":556,"sequence_num":557,"body":"وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل\" (١) فهذا الحديث يؤكد قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (٢) فطاعة رسل الله جميعاً واجبة على أقوامهم على مر الزمان والمكان.\rوهذا الحديث يبين صفة اتباع الأنبياء؛ فهم يطيعون أنبيائهم، ويأخذون بسنتهم، ويأتمرون بأمرهم، ولا يحيدون عن ذلك ولا يخالفونه إلى ما سواه.\rوأما المخالفون لهم: فهم الذين يتحدثون عن الطاعة والاتباع، ولكن بالقول دون العمل، فهم الذين يقولون مالا يفعلون، وهذا الوصف ينطبق تماماً على أهل البدع المحاربين لطاعة رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة، ومن هنا فهم أكثر الناس بعداً عن هدى المصطفى وما جاء به عن ربه، ومع ذلك كله فهم كثيراً ما يتمسحون بظاهر القرآن، وكلامهم عنه لا يضبطونه ببيان رسول الله ﷺ لذا فكلامهم لا يتجاوز ألسنتهم، فهم أبعد الناس عن القرآن الكريم، فصدق عليهم قوله ﷺ: \"يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يأمرون\".","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ١/٢٩٧ رقم ٨٠.\r(٢) الآية ٦٤ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556071,"book_id":1504,"shamela_page_id":558,"part":null,"page_num":557,"sequence_num":558,"body":"وعن العرباض بن سارية قال: \"صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول! كأن هذه موعظة مودع. فماذا تعهد إلينا؟ فقال: \"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (١) وواضح من هذا الحديث أنه ﷺ، يأمرنا بطاعته واتباع سنته، ويؤكد ويشدد على اتباعها، ويحذر من البعد عنها بالابتداع فى الدين، لما فى ذلك من الضلال والانحراف عن الطريق المستقيم الذى رسمه ﷺ.\r... وفى الحديث بيان واضح أن من واظب على سنته ﷺ وقال بها، ولم يعرج على غيرها من الآراء هو من الفرقة الناجية يوم القيامة؛ جعلنا الله منهم بمنه (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب السنة، باب لزوم السنة ٤/٢٠٠ رقم ٤٦٠٧، والترمذى فى سننه كتاب العلم، باب ما جاء فى الأخذ بالسنة واجتناب البدع ٥/٤٣ رقم ٢٦٧٦ وقال: حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجة فى سننه المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ١/١٥ رقمى ٤٢، ٤٣، وأحمد فى مسنده ٤/١٢٦، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان فى ترتيب صحيح ابن حبان) ١/١٧٨ رقم ٥، والمروزى فى السنة ص٢٦ رقم ٦٩ – ٧٢.\r(٢) أفاده ابن حبان فى (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ١/١٧٨ رقم ٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556072,"book_id":1504,"shamela_page_id":559,"part":null,"page_num":558,"sequence_num":559,"body":"وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: \"دعونى ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم\" (١) .\rوالشاهد من الحديث قوله ﷺ: \"فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم\" لقد أضاف الأمر والنهى إلى نفسه ﷺ: \"نهيتكم\" و\"أمرتكم\" وهو موافق لكتاب الله ﷿ فى قوله: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ (٢) وقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٣) وفى ذلك دليل على وجوب طاعته وامتثال أوامره ونواهيه فى سنته المطهرة؛ حتى ولو كانت أمراً زائداً على كتاب الله ﷿، لأن ما يحله ويحرمه، ويأمر به وينهى عنه، هو بوحى الله ﷿ على ما سبق تفصيله.","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ ١٣/٢٦٤ رقم ٧٢٨٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه ٨/١٢٠ رقم ١٣٣٧.\r(٢) جزء من الآية ١٥٧ الأعراف.\r(٣) جزء من الآية ٧ الحشر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556073,"book_id":1504,"shamela_page_id":560,"part":null,"page_num":559,"sequence_num":560,"body":"وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ستة لعنتهم، ولعنهم الله، وكل نبى مجاب: المكذب بقدر الله، والزائد فى كتاب الله، والمتسلط بالجبروت يذل من أعز الله، ويعز من أذل الله، والمستحيل لحرم الله، والمستحيل من عترتى ما حرم الله، والتارك لسنتى\" (١) أنه ﷺ، يبين فى هذا الحديث أن التارك لطاعته فى سنته المطهرة المنكر لتلك الطاعة ملعون. أى: مطرود من رحمة الله تعالى، وفى ذلك من الزجر ما فيه.\rإنه ﷺ، جعل تارك طاعته فى سنته، مع المكذب بالقدر، وهو كافر، ومع خصال هى فى الكفر موغلة، مما يرهب كل الترهيب؛ من ترك سنته ﷺ، والتحذير من عدم طاعته فيها.\rوبعد: فهذه نماذج من الأحاديث النبوية، التى تأمر فى وضوح وجلاء بوجوب طاعة رسول الله ﷺ، فى سنته المطهرة، وتحذر أشد التحذير من مخالفته، وهناك أحاديث أخرى كثيرة، تنوعت فى أسلوبها فى الحض على اتباعه وطاعته ﷺ، لم أتعرض لها خشية الإطالة (٢) فما ذكر فيه الكفاية عند من له سمع يسمع وعقل يدرك.","footnotes":"(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك ١/٩١ رقم ١٠٢، ٢/٥٧٢ رقم ٣٩٤١، ٤/١٠١ رقم ٧٠١١، وصححه ووافقه الذهبى فى الموضع الأول والثانى، وخالفه فى الأخير رقم ٧٠١١، وأخرجه الطبرانى فى الكبير وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٧٦ وفيه عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، قال يعقوب بن شيبة: فيه ضعف، وضعفه يحيى بن معين فى رواية، ووثقه فى أخرى، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه الطبرانى فى الأوسط ٢/١٨٦ رقم ١٦٦٧ ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/٢٠٥، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ٧/٥٠١ رقم ٥٧١٩.\r(٢) إن شئت فانظرها فى: المدخل إلى السنة للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٩٨ – ١٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556074,"book_id":1504,"shamela_page_id":561,"part":null,"page_num":560,"sequence_num":561,"body":"وإذا كانت طاعته ﷺ، الاستقلالية، ثابتة له بنص كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، وإجماع الأمة (١) فتلك الطاعة لرسول الله ﷺ هى عين الطاعة والتوحيد الخالص لله ﷿، إلا أن أعداء عصمته ﷺ يرون أن فى تلك الطاعة تأليه لرسول الله وشرك بربه.\rفإلى بيان شبهتهم فى ذلك والرد عليها\r\rالمطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك\rوالرد عليها\r... بلغت جراءة أعداء السنة النبوية على القرآن الكريم، وعلى نبى الإسلام سيدنا محمد ﷺ، بإفكهم أن الآيات والأحاديث التى تربط بين طاعة الله، وطاعة رسوله، هى صورة من صور تأليه الرسول، وهذا هو الكفر بعينه فى نظرهم.","footnotes":"(١) يراجع: ص٣٦٤، ٣٧١ وينظر: مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص١٥٦ - ٢١١، وجامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/١٨٧ - ١٩٩، وقواعد التحديث للقاسمى ص٢٧٣ -٢٨١، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى ص٢٣٣ - ٢٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556075,"book_id":1504,"shamela_page_id":562,"part":null,"page_num":561,"sequence_num":562,"body":".. يقول صالح الوردانى: \"ومن أقوى الأدلة التى يستند عليها الفقهاء فى ربط الكتاب بالسنة، وربط السنة بالكتاب، قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) وقوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٢) وقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيدا﴾ (٣) ثم يقول معقباً: \"إن مثل هذه النصوص وغيرها إن كانت تؤكد شراكة الرسول لله فى أمر الحكم والأمر والنهى، وهو ما يريد تأكيده الفقهاء، فهذا هو الكفر بعينه، إذ معنى هذا الكلام أن الرسول يشارك الله فى خاصية الألوهية. وهذا يعنى: أن الرسول قد منح صفة من صفات الله، وأخذ خاصية من خصائصه سبحانه، وهذا ما قالته اليهود فى عزير، والنصارى فى عيسى\" (٤) .\r... ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ يعنى البداية لتأليهه.","footnotes":"(١) الآية ٧ الحشر.\r(٢) الآية ٨٠ النساء.\r(٣) الآية ٣٧ الأحزاب.\r(٤) دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٥٣، ٥٤، وينظر من نفس المصدر ص٤٧، وينظر له أيضاً: أهل السنة شعب الله المختار ص٨١، وينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين الفصل الرابع والعشرون بعنوان: لماذا يسعى الطغاة إلى تأليه الرسل؟ ص٦٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556076,"book_id":1504,"shamela_page_id":563,"part":null,"page_num":562,"sequence_num":563,"body":".. يقول أحمد صبحى منصور: \"أولى حقائق الإسلام، أنه ليس فيه إيمان بشخص وإنما الإيمان بالوحي الذى نزل على شخص النبى، وليس بشخص النبى البشرى يقول تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد﴾ (١) لم يقل آمنوا بمحمد، وإنما آمنوا بما نزل على محمد، أى: الإيمان بالوحي أى: بالقرآن الذى يكون فيه محمد نفسه أول المؤمنين به، أما الإيمان بشخص محمد فذلك يعنى البداية لتأليهه\" (٢) .\r... ولأن أعداء النبوة ينكرون الإيمان بشخصه الكريم ﷺ، زعموا أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، يعد شركاً صارخاً على حد زعم رشاد خليفة فى قوله: \"لقد أغوى الشيطان المسلمين بترديد بدعة \"التشهد\" حيث يمطرون محمداً وإبراهيم بالحمد والتمجيد. أليس هذا شركاً صارخاً\" (٣) ويذهب محمد نجيب إلى أن فى تكرار الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فيه تفريق بين رسل الله (٤) ولو قلنا بهذا على ما حدثنى بذلك بعضهم: لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله، وعيسى رسول الله... وهكذا وهو أمر يطول أهـ.\r... ويجاب عن ما سبق بما يلى:","footnotes":"(١) الآية ٢ محمد.\r(٢) جريدة الدستور العدد الأول ٣١/ ١٢/ ١٩٩٧، وينظر: مقالاته فى مجلة روز اليوسف العدد ٣٥٥٩ ص٣٨، والعدد ٣٥٦٣ ص٣٥، والعدد ٣٥٦٤ ص٢١، وينظر له أيضاً الأنبياء فى القرآن ص٣١، ٤٠، ولماذا القرآن ص٣٣، ٣٤، ٥٠، وحد الردة ص٣٠، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص١٥٢.\r(٣) القرآن والحديث والإسلام ص٣٨، ٤١، ٤٣، وينظر له أيضاً قرآن أم حديث ص٢٠، ٣٢، وينظر: إعادة تقييم الحديث لقاسم أحمد ص١٥٣.\r(٤) الصلاة ص٧٨، ٧٩ وينظر: الصلاة فى القرآن لأحمد صبحى ص٥١ – ٥٦، والحقيقة من حقائق القرآن المسكوت عنها لنيازى عز الدين ص٣٥٩، والإمام الشافعى لنصر أبو زيد ص٥٥، ٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556077,"book_id":1504,"shamela_page_id":564,"part":null,"page_num":563,"sequence_num":564,"body":"إجمالاً أقول: زعمهم أن طاعة رسول الله ﷺ فى أوامره ونواهيه، وما يحله وما يحرمه فى سنته، تأليه له، بمنحه صفة من صفات الله ﷿، وهى التشريع. هذا الزعم رد على رب العزة كلامه.\r... فالله ﷿: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (١) فإذا أمرنا ربنا فى كتابه بطاعة واتباع نبيه ﷺ، وربط بين طاعته وطاعة نبيه تارة، وأفردها أخرى، وجعل طاعته ﷺ من طاعته ﷿، وإذا أقامه مقام نفسه المقدسة فى بيعة المسلمين وإذا أمرنا باتباعه فى كل ما آتانا به، ونهانا عنه، من حلال وحرام. فلا يصح من مخلوق أن يرد كلامه ﷿، أو أن يقول: هذا إشراك لرسول الله مع ربه فى التشريع!\r... وكذلك إذا أمرنا المولى ﷿ بالإيمان بشخص نبيه ﷺ وتعظيمه وتوقيره ونصرته، والإيمان بما أنزل عليه من وحى الله تعالى كتاباً وسنة. فلا يصح أن نرد على الله كلامه ونقول هذا شرك!\r... وهذا إجمال وإليك التفصيل:","footnotes":"(١) الآية ٢٣ الأنبياء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556078,"book_id":1504,"shamela_page_id":565,"part":null,"page_num":564,"sequence_num":565,"body":"أولاً: أمر رب العزة عباده بطاعة نبيه ﷺ طاعة مطلقة مستقلة، بمقتضى عصمته له، وربط تلك الطاعة بطاعته ﷿ تارة، وأفردها تارة أخرى، ليدل على أن طاعته ﷺ طاعة له سبحانه فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (١) وقال: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ (٢) وقال: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٣) وطاعته ﷺ فى الآيات السابقة طاعة مطلقة فى سنته المطهرة، حتى ولو كانت السنة زائدة على ما فى كتاب الله ﷿، لأنه ﵊ له حق التشريع بدلالة الآيات السابقة، وبقوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ (٤) فقوله: \"يحل، ويحرم، ويضع\" من خصائص المشرع الحقيقى الواجب طاعته؛ ولكن مرد هذا التشريع فى حقيقة الأمر إلى الله ﷿.\r... فرسول الله لا يشرع من عند نفسه، وإنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه على ما سبق تفصيله فى نهاية المطلب الثانى (٥) فهل نسلم بكلام الله تعالى؛ أم نرده ونقول هذا شرك؟.\r... وإذا كانت طاعته ﷺ مستقلة عن طاعة الله ﷿، كما فى الآيات السابقة وغيرها من الآيات التى تكرر فيها الفعل \"أطيعوا\" مع الرسول فمن الذى أعطاه هذه المنزلة والمكانة؛ أليس ربه ﷿؟ فهل نرد هذه المكانة والمنزلة ونقول هذا شرك؟.","footnotes":"(١) الآية ٥٩ النساء.\r(٢) جزء من الآية ٥٤ النور، مع آية الأعراف ١٥٨ ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ ٠\r(٣) الآية ٨٠ النساء.\r(٤) الآية ١٥٧ الأعراف.\r(٥) يراجع: ص٣٥٤، ٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556079,"book_id":1504,"shamela_page_id":566,"part":null,"page_num":565,"sequence_num":566,"body":".. وإذا قال ربنا ﷿ مراراً ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين طاعته ﷿، وطاعة رسوله ﷺ تأليه له ﵊، فيرد على رب العزة كلامه؟!! وإذا قال ربنا ﷿: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (١) وإذا قال سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ (٢) .\r... فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين مبايعته ﷿، ومبايعة رسوله ﷺ شرك؟ أو أن الربط بين محبته سبحانه ومحبة نبيه ومصطفاه شرك؟!.\r... إن قائل الآيات السابقة فى وجوب محبته ﷺ هو القائل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله﴾ (٣) فهل جعل محبة نبيه ﷺ ومتابعته نداً؟ أم جعلها شرطاً لمحبة الله، وعلامة على صدق من يزعم محبته ﷿؟.","footnotes":"(١) الآية ١٠ الفتح.\r(٢) الآية ٣١ آل عمران.\r(٣) الآية ١٦٥ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556080,"book_id":1504,"shamela_page_id":567,"part":null,"page_num":566,"sequence_num":567,"body":".. قال الحسن البصرى وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾ فتأمل كيف أوقع طاعته ومتابعته ﷺ بين قطرى محبة العباد، ومحبة الله للعباد، وجعل تلك المتابعة شرطاً لمحبة الله لهم، مما يستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم، بدون طاعتهم ومتابعتهم لرسول الله ﷺ. فهذه الآية الكريمة: حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس على الطريقة النبوية، فإنه كاذب فى دعواه فى نفس الأمر، حتى يتبع شرع الله ﷿، وسنة نبيه ﷺ فى جميع أقواله وأفعاله وأحواله، ويعلم أن هذا الاتباع عين التوحيد الخالص لله ﷿، كما دل على ذلك ما روى أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض الكفار: \"إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً (١) كما اتخذت النصارى عيسى\" فأنزل الله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٢)","footnotes":"(١) الحنان: الرحمة، والعطف، والرزق، والبركة. والمراد: رباً ذا رحمة، وقيل محبباً، وقيل: متمسحاً به تبركاً. شرح الشفا للقارى ١/٤٩، والنهاية ١/٤٥٢.\r(٢) الآية ٣٢ آل عمران. والأثر:أخرجه ابن المنذر بنحوه عن مجاهد، وقتادة، كما قال الحافظ السيوطى فى مناهل الصفا فى تخريج أحاديث الشفا ص ٣٣ رقم١٩. والأثر ذكره ابن إسحاق عن أبى رافع القرظى قال: (حين اجتمعت الأحبار من يهود ونصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ،= =ودعاهم إلى الإسلام قالوا: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثنى الله ولا أمرنى\" فأنزل الله ﷿: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة ثم يقول للناس كونوا عباداً لى من دون الله﴾ الآيتان ٧٩، ٨٠ آل عمران. وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/١٩٦ نص رقم ٦٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556081,"book_id":1504,"shamela_page_id":568,"part":null,"page_num":567,"sequence_num":568,"body":"فقرن طاعته ﷿ بطاعته ﷺ رغماً لهم (١) والمعنى إلصاقاً لأنوفهم بالتراب جزاءاً لأنفتهم من متابعته ﷺ، وجزاءاً لإفكهم بأن طاعته ﷺ شرك ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ (٢) وأقول لهم: الربط بين طاعة الله وطاعة رسوله هو عين التوحيد الخالص: ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٣) .\rثانياً: إنكار أعداء النبوة الإيمان بشخص النبى ﷺ واستدلالهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم﴾ (٤) هذه الآية الكريمة حجة عليهم، وتفضحهم فى كل ما يأفكون. لأن مما أنزل على محمد وهو الحق من ربنا قوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ (٦) وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٧) .\r... وهم بهذه الآيات يكفرون؛ إذ ينكرون على ما سبق أن يكون لرسول الله ﷺ تبياناً للقرآن، وهو الحكمة، وهى السنة كما قال علماء الأمة، وينكرون أن يكون له ﷺ طاعة فى هذه السنة.\r... وإذا كانوا هنا يزعمون بأنه لا يوجد فى الإسلام إيمان بشخص النبى محمد ﷺ فالآية التى استدلوا بها على زعمهم ترد عليهم حيث أطلقت ﴿وآمنوا بما نزل على محمد﴾ وما أنزل على محمد آيات كريمات تصرح بالإيمان بشخصه الكريم، منها ما يلى:","footnotes":"(١) الشفا ١/٢٢، وينظر: شرح الشفا للقارى ١/٥٠، وشرح الزرقانى على المواهب ٨/٥١٥، ٥١٦.\r(٢) الآية ٥ الكهف.\r(٣) الآية ٣٢ آل عمران: وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٢٥.\r(٤) الآية ٢ محمد.\r(٥) جزء من الآية ٤٤ النحل.\r(٦) جزء من الآية ١١٣ النساء.\r(٧) الآية ٥٩ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556082,"book_id":1504,"shamela_page_id":569,"part":null,"page_num":568,"sequence_num":569,"body":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله﴾ (١) .\rوقوله سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته﴾ (٢) .\rوقوله ﷿: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا﴾ (٣) .\rومعلوم أن الإيمان بالله ﷿ يعنى: الإيمان بذاته المقدسة، وبكتابه العزيز، وطاعته ﷿ فى كل ما أمرنا به فى كتابه. وكذلك الإيمان برسول الله ﷺ: يعنى: الإيمان بشخصه الكريم وبكل ما جاء به من عند ربه ﷿ من كتاب وسنة وطاعته فى ذلك.","footnotes":"(١) الآية ١٣٦ النساء.\r(٢) جزء من الآية ١٥٨ الأعراف.\r(٣) الآية ١٣ الفتح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556083,"book_id":1504,"shamela_page_id":570,"part":null,"page_num":569,"sequence_num":570,"body":"ويؤيد أن الإيمان فى الآيات السابقة مراداً به شخصه ﷺ ما جاء فى القرآن الكريم من الأمر بتعظيمه وتوقيره ﷺ نحو قوله تعالى: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾ (٢) فقوله: \"وتعزروه\" أى: تعظموه وتجلوه (٣) والتعظيم والإجلال والتوقير والنصرة، تشمل فى المقدمة شخصه الكريم. بدليل ما جاء فى القرآن الكريم أيضاً من تعظيم رب العزة لنبيه بنداءه وخطابه باللقب المشعر بالتعظيم بالنبوة والرسالة دون غيره من الأنبياء (٤) وكذلك أمره عباده بالأدب مع رسوله بعدم التقديم بين يديه أو رفع صوتهم على صوته (٥) وتحذيرهم من الانصراف من مجلسه قبل استئذانه، أو ندائه باسمه (محمد) كما ينادى بعضهم بعضاً (٦)","footnotes":"(١) جزء من الآية ١٥٧ الأعراف.\r(٢) الآية ٩ الفتح.\r(٣) قاله ابن عباس وغير واحد. ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٧/٣١٢.\r(٤) نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى اتق الله﴾ الآية الأولى الأحزاب، وقوله: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ الآية ٢١ الأحزاب.\r(٥) نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيم﴾ ١-٥ الحجرات.\r(٦) نحو قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم. لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً﴾ الآيتان ٦٢، ٦٣ النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556084,"book_id":1504,"shamela_page_id":571,"part":null,"page_num":570,"sequence_num":571,"body":"وتحريم إيذائه (١) .\rأليس فى كل هذه الآداب الربانية دليل على أن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ، وتعظيمه وتوقيره من حقائق الإسلام؟ أليس فى هذه الآداب الربانية ما يصفع المتنبئ الكذاب رشاد خليفة فى زعمه إن تعظيمه وتوقيره... ﷺ شركاً صارخاً؟ (٢) .\rإن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ وتعظيمه وإجلاله، والتأدب معه بالآداب الربانية السابقة، كان عليه سلفنا الصالح، وقد شهد بذلك عروة بن مسعود الثقفى (٣) وهو يومئذ لم يسلم بعد، وكان مندوب قريش للتفاوض فى شأن دخول النبى ﷺ مكة فى غزوة الحديبية، فرأى من تعظيم وتوقير للنبى ﷺ فى قلوب الصحابة وجوارحهم ما أذهله، حتى عاد إلى قريش وقال لهم: \"أى قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشى، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له...\" (٤) .","footnotes":"(١) نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذالكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحى من الحق﴾ الآية ٥٣ الأحزاب.\r(٢) يراجع: ص٣٧٨.\r(٣) له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/٣٠ رقم ٣٦٥٨، وتجريد أسماء الصحابة ١/٣٨٠، وتاريخ الصحابة ص١٩٥ رقم ١٠٣٩، والإصابة ٢/٤٧٧ رقم ٥٥٤٦.\r(٤) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب الشروط فى الجهاد ٥/٣٨٩ رقمى ٢٧٣١، ٢٧٣٢، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٣/٣١٥ رقم ١٥١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556085,"book_id":1504,"shamela_page_id":572,"part":null,"page_num":571,"sequence_num":572,"body":"فهكذا صور هذا الرجل تعظيم الصحابة الكرام رضى الله عنهم لنبيهم المصطفى ﷺ بهذه الألفاظ الجزلة النابعة من بالغ تأثره بذلك المظهر العظيم من مظاهر التعظيم والتبرك بآثاره ﷺ وقد برهن على مدلول هذا الخبر أيضاً، ما قاله عمرو بن العاص رضى الله عنه (١) قال: \"ما كان أحد أحب إلى من رسول الله ﷺ، ولا أجل فى عينى منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالاً له، ولو شئت أن أصفه ما أطقت؛ لأنى لم أكن أملأ عينى منه\" (٢) وهكذا كان الصحابة الكرام رضى الله عنهم يعبرون عن تعظيمهم وإجلالهم وتوقيرهم لرسول الله ﷺ، بأعمالهم وأقوالهم.\rثالثاً: وأخيراً زعمهم أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، فيه تفريق بين رسل الله ﷿، ولو قلنا بهذه الشهادة لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله... الخ وهو أمر يطول.\r... فهذا من جهلهم بكتاب الله ﷿ الذى يتسترون نفاقاً بعباءته. فالقرآن الكريم يصرح بأن الله ﷿ أخذ العهد والميثاق على الأنبياء السابقين بأن يؤمنوا بشخص رسول الله ﷺ ويؤمنوا بنبوته وينصروه إن خرج وهم أحياء، فلما أقروا بذلك أشهدهم عليه، والله خير الشاهدين. قال تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (٣) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٧١ رقم ٣٧٦، وأسد الغابة ٤/٢٣٢ رقم ٣٩٧١، والاستيعاب ٣/١١٨٤ رقم ١٩٣١، والإصابة ٣/٢ رقم ٥٨٩٧.\r(٢) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب كون الإيمان يهدم ما قبله ١/٤١٤ رقم ١٢١.\r(٣) الآية ٨١ آل عمران.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556086,"book_id":1504,"shamela_page_id":573,"part":null,"page_num":572,"sequence_num":573,"body":"قال على بن أبى طالب، وابن عمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: \"ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمداً وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه\" (١) .\rوهذا يعنى أنه ﷺ نبى الأنبياء، ولو قدر لواحد من هؤلاء الأنبياء جميعاً من لدن آدم إلى عيسى عليهم جميعاً الصلاة والسلام، الحياة، وبعث المصطفى ﷺ، لما وسعه إلا اتباعه، يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى رسول الله بنسخة من التوراة، فقال يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة، فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغير فقال: أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى بوجه رسول الله ﷺ: فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله، من غضب الله، ومن غضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، فقال رسول الله ﷺ: \"والذى نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتمونى لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتى لاتبعنى\" (٢)","footnotes":"(١) تفسير القرآن العظيم ٢/٥٦، وجامع البيان ٦/٥٥٥، والدر المنثور ٢/٢٥٢.\r(٢) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب ما يتقى من تفسير حديث النبى ﷺ ١/١٢٦ رقم ٤٣٥، وأحمد فى المسند ٣/٣٨٧، وابن أبى عاصم فى السنة ١/٢٧ رقم ٥٠، وفى سنده مجالد بن سعيد، الجمهور على تضعيفه لأنه اختلط فى آخر عمره؛ لكن روايته لهذا الحديث مقبولة؛ لأنه قد سمعه منه هشيم قبل الاختلاط، قال ابن عدى: رواية القدماء عنه كهشيم وشعبة وحماد بن زيد مقبولة، وقال ابن عدى: له عن الشعبى عن جابر أحاديث صالحة، يعنى: كما فى سند هذا الحديث. ينظر: مجمع الزوائد ١/١٧٣، ١٧٤، وتقريب التهذيب ٢/١٥٩ رقم ٦٤٩٨، والكاشف ٢/٢٣٩ رقم ٥٢٨٦، والضعفاء للنسائى ص٢٢٣ رقم ٥٧٩، والمجروحين لابن حبان ٣/١٠، والحديث صحح إسناده الحافظ ابن كثير من رواية أحمد، قال بعد إيرادها: تفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم أهـ ينظر: البداية والنهاية ٢/١٢٣، وينظر: من نفس المصدر ١/١٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556087,"book_id":1504,"shamela_page_id":574,"part":null,"page_num":573,"sequence_num":574,"body":"ومن هنا كان سلام الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج، بقولهم: مرحباً بالنبى الصالح، والأخ الصالح (١) وهو اعتراف منهم بنبوته ﷺ، ولذا كان إمامهم فى الصلاة ببيت المقدس كما قال ﷺ: \"ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لى الأنبياء ﵈ فقدمنى جبريل حتى أممتهم\" (٢) وكل هذا يوضح أن إعلان وتكرار شهادة أن محمداً رسول الله بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، هو إيمان بكل الأنبياء، وأنه لو وجد واحد من الأنبياء السابقين لوجب عليه أن يشهد بتلك الشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وذلك تنفيذا للعهد والميثاق الذى أخذه الله على سائر أنبياءه ورسله، وهذا يعنى أن ذكر اسمه ﷺ فى الشهادة هو ذكر لكل الأنبياء، وشهادة فى نفس الوقت بأنهم رسل الله تعالى، بما يغنى عن تكرار ذكرهم أهـ.\rوالله تعالى أعلى وأعلم","footnotes":"(١) حديث الإسراء والمعراج سبق تخريجه ص٣٠٧.\r(٢) أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة ١/٢٢١ رقم ٤٥٠ من حديث أنس رضى الله عنه، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح بن مريم ﵇ والمسيح الدجال ١/٥٠٩ رقم ٢٧٨ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556088,"book_id":1504,"shamela_page_id":575,"part":null,"page_num":574,"sequence_num":575,"body":"الباب الثالث: عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده ودفع الشبهات\r... ويشتمل على فصلين:\rالفصل الأول: عصمته ﷺ فى اجتهاده كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية. ويشتمل على مبحثين:\r... المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه ﷺ.\r... المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة.\rالفصل الثانى: شبهة أن اجتهاد رسول الله ﷺ يؤيد أن السنة ليست كلها وحى والرد عليها.\r\rالفصل الأول: عصمته ﷺ فى اجتهاده\rكما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية\r... ويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه ﷺ.\rالمبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.\r\rالمبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه ﷺ\rأولاً: التعريف بالاجتهاد:\rأ- من حيث اللغة:\r... مأخوذ من الجهد، وهو المشقة والطاقة، فيختص بما فيه مشقة ليخرج عنه مالا مشقة فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556089,"book_id":1504,"shamela_page_id":576,"part":null,"page_num":575,"sequence_num":576,"body":".. قال الرازى (١) هو فى اللغة عبارة عن استفراغ الوسع فى أى فعل كان، يقال: استفرغ وسعه فى حمل الثقيل، ولا يقال: استفرغ وسعه فى حمل النواة (٢) ومنه حديث معاذ رضى الله عنه حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وقال له ﷺ: \"كيف تقضى إذا عرض لك قضاء\" قال: أقضى بكتاب الله، قال: \"فإن لم تجد فى كتاب الله\" قال: فبسنة رسول الله ﷺ، قال: \"فإن لم تجد فى سنة رسول الله ﷺ، ولا فى كتاب الله؟ \" قال: اجتهد رأى ولا آلوا، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد الذى وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله\" (٣)","footnotes":"(١) هو: محمد بن عمر بن الحسين القرشى البكرى، يقال له ابن خطيب الرى، ويعرف بالفخر الرازى، إمام فقيه، مفسر، متكلم، أصولى، له مؤلفات عديدة منها: التفسير الكبير المسمى (مفاتيح الغيب) وعصمة الأنبياء، والمحصول فى علم الأصول وغير ذلك، مات سنة ٦٠٦هـ. له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى ٢/٢١٥ رقم ٥٥٠، وطبقات الشافعية للسبكى ٨/٨١، والبداية والنهاية ١٣/٦٠.\r(٢) ينظر: القاموس المحيط ١/٢٨٣، وتهذيب اللغة ٦/٣٧، والنهاية فى غريب الحديث ١/٣٠٨، والمحصول فى علم الأصول ٢/٤٨٩، والإحكام لابن حزم ٨/٦٢٩.\r(٣) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأى فى القضاء ٣/٣٠٣ رقم ٣٥٩٢، والترمذى فى سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء فى القاضى كيف يقضى ٣/٦١٦ رقمى ١٣٢٧، ١٣٢٨، وقال: حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندى بمتصل، وأخرجه أحمد فى مسنده ٥/٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢، والخطيب فى الفقيه والمتفقه ١/٤٧٠ أرقام ٥١١ – ٥١٥ والدارمى فى سننه المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة ١/٧٢ رقم ١٦٨ قال الشوكانى فى إرشاد الفحول ٢/٣٢٢ هو حديث مشهور له طرق متعددة، ينهض مجموعها للحجية، قلت: والحديث مما تلقاه الناس بالقبول، وأجمعوا على معناه، واشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم، وما كان كذلك يحكم به بالصحة، وكان غنياً عن الإسناد. ينظر: تدريب الراوى ١/٦٧، وأعلام الموقعين ١/٢٠٢، وتلخيص الحبير ٤/٤٤٥ رقم ٢٠٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556090,"book_id":1504,"shamela_page_id":577,"part":null,"page_num":576,"sequence_num":577,"body":"ب- معناه الاصطلاحى:\r... اختلفت عبارات الأصوليين فى تعريف الاجتهاد اصطلاحاً، اختلافاً يرجع إلى معنى واحد، وهو: بذل الفقيه الوسع، فى تحصيل الأحكام الشرعية الظنية من أدلتها التفصيلية (١) وبهذا تظهر العلاقة بين المعنى اللغوى والاصطلاحى وهى: استفراغ الوسع فى تحصيل شئ.\r... قال ابن الأثير: والمراد به رد القضية التى تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأى الذى يراه من قبل نفسه، من غير حمل على كتاب أو سنة (٢) .\r... وإذا نظرنا فى المعنى الاصطلاحى رأيناه ينصب على اجتهادات فقهاء الأمة بجميع مداركها من النظر فى النصوص كتاباً وسنة، وفى القياس والإجماع وغيرهما من مدارك الاجتهاد.\r... واجتهاده ﷺ لا يحتاج إلى النظر فى النصوص من الجهات التى احتاج إليها علماء أمته، لأن النصوص جميعها بينة له ﷺ من جميع هذه الجهات وغيرها.\r... وأما ما يظهر فى بعض اجتهاداته ﷺ أنه من قبيل القياس، فالحمل فيه لتقريب فهم الحادثة المسئول عنها أو المخبر بها، ولفتح باب الاجتهاد لعلماء أمته ﷺ المؤهلين له، لا لاستنباط الحكم بالنظر فى النصوص (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: المحصول للرازى ٢/٤٨٩، والأحكام للآمدى ٤/١٤١، ومسلم الثبوت وشارحه ٢/٣٦٢، وإرشاد الفحول ٢/٢٩٥، وتقرير الاستناد فى تفسير الاجتهاد للسيوطى ص٢٩.\r(٢) النهاية فى غريب الحديث ١/٣٠٨.\r(٣) ينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة والاجتهاد للدكتور عويد المطرفى ص٧٢ - ٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556091,"book_id":1504,"shamela_page_id":578,"part":null,"page_num":577,"sequence_num":578,"body":".. وبالجملة: فالقسم الثانى من الوحي الإلهى إلى رسول الله ﷺ (الوحي التوفيقى) أو (الوحي الباطنى) على حد تعبير الأحناف (١) وهو: ما قاله رسول الله ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر رسول الله ﷺ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح، أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك (٢) .\r... وهذا أهم ما يفرق به بين اجتهاد النبى ﷺ، واجتهاد علماء أمته أن اجتهاده ﷺ محروس بوحى الله تعالى، فلا يقر على خطأ ومن هنا فهو حجة فى الدين ويحرم مخالفته، وليس كذلك اجتهاد علماء أمته. اللهم إذا كان اجتهاد علماء الأمة فى عصر من العصور وأجمعوا عليه فيحرم مخالفته.\r... قال الإمام الغزالى (٣) : \"دل الدليل من الإجماع على تحريم مخالفة اجتهاده ﷺ، كما دل على تحريم مخالفة الأمة كافة، وكما دل على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم، لأن صلاح الخلق فى اتباع رأى الإمام والحاكم وكافة الأمة، فكذلك النبى ﷺ\" (٤) .\r\rثانياً: الحكمة فى اجتهاد رسول الله ﷺ:","footnotes":"(١) ينظر: أصول السرخسى ٢/٩٠.\r(٢) ينظر: تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير ص٥٤، ويراجع: ص٢٥٨، ٢٥٩.\r(٣) هو: محمد بن محمد الغزالى، أبو حامد، الملقب بحجة الإسلام، كان بارعاً فى الفقه، وأصول الدين، والمنطق والفلسفة، من أشهر مصنفاته: المستصفى من علم الأصول، وإحياء علوم الدين، مات سنة ٥٠٥هـ له ترجمة فى: وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/٢١٦ رقم ٥٨٨، وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص٦٩، وشذرات الذهب ٤/١٠.\r(٤) المستصفى ٢/٣٥٥، ٣٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556092,"book_id":1504,"shamela_page_id":579,"part":null,"page_num":578,"sequence_num":579,"body":".. أمر المولى ﷿ نبيه ﷺ، بالاجتهاد فى قوله تعالى: ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ (١) ووجه الاستدلال بالآية: أن المشاورة إنما تكون فيما حكم فيه بطريق الاجتهاد، إذ لا مشاورة فيما نزل به وحى (٢) .\r... ولا ريب أن الأمر بالمشاورة أمر له بالاجتهاد لاستظهار آراء من معه من المؤمنين ليختار منها باجتهاده ما يراه ﷺ موافقاً للمصلحة، وهذا هو الاجتهاد المطلوب.\r... وقول من قال أن الآية واردة فى الحروب؛ لا يمنع من ثبوت الاجتهاد له ﷺ بها (٣) إذ الحروب جهاد فى سبيل الله، وهى أحكام شرعية فالاجتهاد فيها يقتضى جواز الاجتهاد فى غيرها إذ لا فارق.\r... وهنا يرد سؤال:\r... إذا كان أى نبى عندما يجتهد عرضة لأن يصيب وأن يخطئ، فلماذا يكلهم الله ﷿ إلى الاجتهاد الذى قد يخطئون فيه؟ ولماذا لا يسعفهم بالوحي الذى يفصل فى الأمور والقضايا ولا يحوجهم إلى الاجتهاد؟.\rوالجواب:\r... أن الله ﷿ حكماً فى أن يترك الرسل يجتهدون، ثم ينبههم ويعاتبهم إذا أخطأوا؛ أبين بعضها بالنسبة لنبينا محمد ﷺ على النحو التالى:\rالحكمة الأولى:\r... إقامة الدليل على بشرية الرسول ﷺ وعبوديته، وأنه مع كونه رسولاً، لم يتجاوز أن يكون عبداً يصيب ويخطئ، كما يصيب البشر ويخطئون؛ ولكنه لا يقر على خطأ.","footnotes":"(١) جزء من الآية ١٥٩ آل عمران.\r(٢) ينظر: الأحكام للآمدى ٤/١٤٤، والمسودة فى أصول الفقه لآل تيمية ص٥٠٨.\r(٣) سيأتى بيان الصواب فى اجتهاده ﷺ فى أول المبحث الثانى بعد قليل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556093,"book_id":1504,"shamela_page_id":580,"part":null,"page_num":579,"sequence_num":580,"body":".. ويدل على هذه الحكمة ويشهد لها قوله ﷺ: \"إنما أنا بشر، وإنه يأتينى الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هى قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها\" (١) .\rالحكمة الثانية:\r... البرهنة على أمانة الرسول ﷺ فى إبلاغ الرسالة، وعدم كتمانه شيئاً مما أنزل عليه من ربه، إذ لو كتم شيئاً لكتم آيات العتاب ما خالف فيه الأولى؛ يدل على ذلك ما روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: \"لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً، لكتم هذه الآية: ﴿وإذا تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٢) .\rالحكمة الثالثة:\r... تشجيع الأمة على الاجتهاد وإعمال الفكر فيما يعرض لها من قضايا وأحداث لا يجدون فيها نصوصاً، فإن الأحداث تتجدد، ولا تنتهى عند حد، فكيف يواجهها المسلمون ولا نصوص فيها؛ إذا لم يجتهدو ليتعرفوا على أحكامها؟ .\rالحكمة الرابعة:","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها: كتاب المظالم، باب إثم من خاصم فى باطل وهو يعلمه ٥/١٢٨ رقم ١٢٥٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر ٦/٢٤٥ رقم ١٧١٣ من حديث أم سلمة رضى الله عنها.\r(٢) الآية ٣٧ اٍلأحزاب، والحديث سبق تخريجه ص٢٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556094,"book_id":1504,"shamela_page_id":581,"part":null,"page_num":580,"sequence_num":581,"body":".. رحمة للأمة بتأسيس أعظم قاعدة للحكم الإسلامى، وهى التزام الشورى، وترك الاستبداد. ويؤيد هذا ما جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: \"لما نزلت ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ قال رسول الله ﷺ: \"أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتى فمن استشار منهم لم يعدم راشداً، ومن تركها لم يعدم غياً\" (١) .\r... قال الإمام ابن جرير: \"إن الله ﷿ أمر نبيه ﷺ بمشورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه، ومكايد حربه، تألفاً منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام؛ البصيرة التى يؤمن عليها معها فتنة الشيطان، وتعريفاً منه أمته فى الأمور التى تقع بهم من بعده وحلها، ليقتدوا به فى ذلك عند النوازل التى تنزل بهم فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه فى حياته ﷺ يفعله، فأما النبى ﷺ فإن الله تعالى كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه وإلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله ﷺ فى ذلك على تصادق وتآخ للحق، وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم\" (٢) .\r... ويؤيد ما سبق ما روى عن الحسن البصرى قال: \"قد علم أنه ليس به إليهم حاجة، وربما قال: ليس له إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده\" (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان ٦/٧٦ رقم ٧٥٤٣، ونقله الشوكانى فى فتح القدير ١/٣٩٥ ونقل عن السيوطى تحسينه.\r(٢) جامع البيان ٤/١٥٣ بتصرف يسير.\r(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/٨٠١ رقم ٤٤١٦ وقال الحافظ فى: فتح البارى، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ ١٣/٣٥٢ سند ابن أبى حاتم حسن، وينظر: تلخيص الحبير ٤/٤٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556095,"book_id":1504,"shamela_page_id":582,"part":null,"page_num":581,"sequence_num":582,"body":".. وقد غرس رسول الله ﷺ هذا المبدأ \"الشورى\" فى نفوس أصحابه حتى كان يشاورهم فى أمور الدين والدنيا (١) قال أبو هريرة رضى الله عنه: \"ما رأيت أحداً قط أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ\" (٢) وقد اقتفى أثره ﷺ الخلفاء الراشدون رضى الله عنهم وغيرهم ممن ولى أمر المسلمين بعده من صحابته الكرام وولاة المسلمين الأخيار، فكانوا لا يعدلون بالاستشارة فى أمور المسلمين النازلة بهم، كما قال الإمام البخارى: \"وكانت الأئمة بعد النبى ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى ﷺ، ثم ضرب البخارى أمثلة لذلك (٣) وهى كثيرة معلومة، لا مجال لذكرها هنا (٤)","footnotes":"(١) نحو مشاورتهم يوم بدر فى الذهاب إلى عير قريش، وشاورهم أيضاً أين يكون المنزل يوم بدر، وشاورهم فى شأن أسرى بدر، وسيأتى تفصيل ذلك فى دلائل عصمته فى اجتهاده من خلال السنة، وشاورهم يوم أحد أن يقعد فى المدينة أو يخرج إلى العدو، وشاورهم يوم الخندق فى مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة، وشاورهم فى قصة الإفك، واستشار علياً وأسامة فى فراق عائشة. وغير ذلك. ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/١٢٨، ١٢٩، وفتح البارى ١٣/٣٥٣، ٣٥٤ رقم ٧٣٦٩.\r(٢) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الجهاد، باب ما جاء فى المشورة ٤/١٨٥ رقم ١٧١٤ معلقاً بصيغة التضعيف، وأخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ١٠/١٠٩، وذكره الحافظ فى فتح البارى ١٣/٣٥٢ رقم ٧٣٦٩ وقال رجاله ثقات إلا أنه منقطع. لكنه تعضده الآيات والأحاديث.\r(٣) البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ ١٣/٣٥١.\r(٤) للوقوف على أمثلة من مشاورات الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم. ينظر: فتح البارى ١٣/٣٥٤ – ٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556096,"book_id":1504,"shamela_page_id":583,"part":null,"page_num":582,"sequence_num":583,"body":".. وبعد أن فرغت من تعريف الاجتهاد، وحكمته فى حق رسول الله ﷺ، فقد حان الوقت لبيان دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده، فإلى بيان ذلك فى المبحث التالى.\r\rالمبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده\rمن خلال القرآن الكريم والسنة النبوية\r... اجتهاد رسول الله ﷺ فى الشريعة الإسلامية، جوازه وعدمه فى حقه، موضوع قديم أعطاه العلماء حقه فى البحث، وجمهور المحققين من العلماء؛ أن رسول الله ﷺ اجتهد فعلاً (١) . واجتهاده ﷺ فى الدين والدنيا، إن وافق مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك.\r... قال الإمام الشاطبى: \"فاعلم أن النبى ﷺ مؤيد بالعصمة، معضود بالمعجزة الدالة على صدق ما قال وصحة ما بين، وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصوماً بلا خلاف، إما بأنه لا يخطئ البتة، وإما بأنه لا يقر على خطأ إن فرض، فما ظنك بغير ذلك؟ \" (٢) والأدلة على عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده كثيرة يشهد بها كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، وإجماع الأمة.","footnotes":"(١) قال الآمدى فى الإحكام ٤/١٤٣ وهو المختار.\r... قلت: وهو الراجح والصحيح، وهو مذهب عامة الأصوليين والفقهاء الإمام مالك والشافعى وأحمد واتباعهم، ومذهب جمهور أهل الحديث. ينظر: الإحكام لابن حزم ٥/١٢٥ - ١٣٣، والمستصفى للغزالى ٢/٣٥٠ - ٣٥٤، والإبهاج فى شرح المنهاج ٢/٢٤٦، وأصول السرخسى ١/٥، والمسودة فى أصول الفقه لآل تيمية ص٥١٠.\r(٢) الموافقات ٢/٤٥٨ ويراجع من نفس المصدر ٢/٤٠٤، وإرشاد الفحول ٢/٣١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556097,"book_id":1504,"shamela_page_id":584,"part":null,"page_num":583,"sequence_num":584,"body":"أولاً: الأدلة من القرآن الكريم على عصمته ﷺ فى اجتهاده:\rقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (١) ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة فى موضعين:\rالأول: أن الله تعالى أمر فيها بطاعته سبحانه وطاعة رسوله، وطاعة الله تعالى إنما تكون بامتثال جميع ما نزل به وحيه تعالى على الرسول ﷺ، وطاعة الرسول ﵊، إنما تكون بامتثال كل حكم يخبر به سواء كان عن وحى أو عن اجتهاد، وإلا لم يكن لتخصيص طاعة الرسول ﷺ بعد طاعة الله فائدة فى الذكر. وبالتالى فالأمر بطاعته دليل على عصمته فى اجتهاده.\rالثانى: أن الله تعالى أمر فى هذه الآية الكريمة المتنازعين فى شئ بالرد إلى الله وإلى الرسول. والرد إلى الله رد إلى وحيه المنزل على الرسول ﷺ سواء أكان متلو وهو القرآن، أم غير متلو وهو السنة. والرد إلى الرسول يقتضى أن يكون الأمر المردود إليه غير داخل فى الوحي وإلا لزم التكرار، والذى لا يدخل فى الوحي وتجب طاعة الرسول ﷺ فيه هو ما أمر به باجتهاده بدليل قوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (٢) ووجه الاستدلال به أن الله تعالى قد سوى بين الرسول ﷺ وبين أولى الأمر - وهم العلماء - فى الاستنباط. فلو لم يكن الاجتهاد جائزاً للرسول ﷺ، وتجب طاعته فيه لعصمته؛ لما كان الأمر بالرد أى فائدة!!.\rوقوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ (٣) ووجه الاستدلال بالآية من ناحيتين:","footnotes":"(١) الآية ٥٩ النساء.\r(٢) جزء من الآية ٨٣ النساء.\r(٣) جزء من الآية ٤٢ المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556098,"book_id":1504,"shamela_page_id":585,"part":null,"page_num":584,"sequence_num":585,"body":"الأولى: أن الله تعالى جعل الرسول ﷺ بالخيار فى الحكم بينهم، فإن شاء حكم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، أى أن الأمر مفوض إليه ﷺ، فإن رأى – باجتهاده – مصلحة وحسن قبول منهم لحكمه حكم بينهم وإلا أعرض عنهم ولا ضرر عليه منهم.\rالثانية: أن تقييد أمره بالحكم بينهم (بالقسط) يشعر بزيادة تنبيهه ﷺ على تحرى الصواب فيما يحكم به، وهو دليل على أن الله تعالى أذن له أن يحكم بينهم باجتهاده، لأنه لو كان الحكم بالوحي لم يكن لهذا القيد فائدة بالنسبة للرسول ﷺ لأنه لا يحكم إلا بالقسط فدل ذلك على عصمته فى اجتهاده فيما يحكم فيه.\rوقوله سبحانه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ (١) .\rووجه الاستدلال بالآية: أمر رب العزة عباده بتحكيم رسول الله ﷺ فى كل شأن من شئون حياتهم، وينقادوا لحكمه انقياداً مطلقاً لا معارضة فيه، وإلا فلا يستحقوا وصف الإيمان.\rوإذا كان حكم رسول الله ﷺ على ما سبق – من الآيات السابقة – يكون بوحى وباجتهاده؛ دل ذلك على عصمته فى اجتهاده، وإلا لما وجب التسليم لحكمه ﷺ تسليماً مطلقاً.\rوالآية ترد قول الذين شذوا بتجويز الخطأ عليه ﷺ فى اجتهاده، وقد أشار التاج السبكى إلى رد هذا القول الشاذ بقوله: \"والصواب أن اجتهاده ﵊ لا يخطئ\" (٢) .\rوقوله ﷿: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾ (٣) .","footnotes":"(١) الآية ٦٥ النساء.\r(٢) جمع الجوامع ٢/٣٨٧ وينظر: الشفا ٢/١١٥، ١١٦، وشرح الزرقانى على المواهب ٧/٢٦١ والخصائص الكبرى للسيوطى ٢/٣٤٨، ودلالة القرآن المبين لعبد الله الغمارى ص٤٢، ٤٣.\r(٣) الآية ١٠٥ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556099,"book_id":1504,"shamela_page_id":586,"part":null,"page_num":585,"sequence_num":586,"body":"فهذه الآية الكريمة احتج بها العلماء على حكم رسول الله ﷺ باجتهاده؛ وأن هذا الحكم معصوم فيه، بدلالة قوله تعالى: ﴿بما أراك الله﴾ فإذا أقره رب العزة على اجتهاده فى حكمه فهو حكم الله فى النهاية.\rوفى الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة رضى الله عنها قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ فى مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله ﷺ: \"إنكم تختصمون إلى، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن (١) بحجته من بعض، وإنما أقضى بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتى بها إسطاماً (٢) فى عنقه يوم القيامة. فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقى لأخى فقال رسول الله ﷺ: \"أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما (٣) ثم ليحلل لك واحد منكما صاحبه\" (٤) وفى رواية: \"إنى إنما أقضى بينكم برأيى فيما لم ينزل على فيه\" (٥) .","footnotes":"(١) اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان فى كلامه، إذ مال عن صحيح المنطق. والمراد: إن بعضكم يكون أعرف وأفطن وأقدر على عرض حجته من غيره. النهاية ٤/٢٠٨.\r(٢) إسطاماً، ويروى: سطاماً – بكسر السين وفتح الطاء: هى الحديدة التى تحرك بها النار وتسعر. أى أقضى له ما يسعر به النار على نقسه ويشعلها، أو أقطع له ناراً مسعرة. النهاية ٢/٣٢٩.\r(٣) أى: اقترعا.\r(٤) أخرجه أحمد فى المسند ٦/٣٢٠، والحديث سبق تخريجه من رواية البخارى ومسلم ص٣٩١.\r(٥) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأقضية، باب قضاء القاضى إذا أخطأ ٣/٣٠٢ رقم ٣٥٨٥ من حديث أم سلمة، وعزاه الحافظ فى فتح البارى ١٣/١٨٥ رقم ٧١٨١ إلى أبى داود وسكت عنه وما سكت عنه فهو دائر بين الصحة والحسن كما قال فى هدى السارى ص٦ وكذا صرح التهانوى فى قواعد فى علم الحديث ص٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556100,"book_id":1504,"shamela_page_id":587,"part":null,"page_num":586,"sequence_num":587,"body":"فتأمل قوله ﷺ: \"أقضى بينكم برأيى... الخ\" مع وصف رب العزة هذا الرأى بأنه من عنده فى قوله تعالى: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ وتأمل مع ذلك قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو على المنبر: \"يا أيها الناس، إن الرأى إنما كان من رسول الله ﷺ مصيباً، لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف\" (١) وهذا الكلام صريح فيما قررته من أنه ﷺ يحكم باجتهاده، وهو فى هذا الاجتهاد معصوم لا يخطئ فيه.\rوقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ (٢) وأفرد الضمير فى قوله \"ليحكم\" لإفادة أن حكم الله ورسوله واحد. قال الأستاذ عبد الله الغمارى: \"وفى الآية دليل على أن رسول الله ﷺ معصوم فى أحكامه الاجتهادية لا يخطئ فيها، لأن الله تعالى جعل حكم نبيه حكمه، والخطأ فى حقه تعالى محال. فما زعمه بعض مبتدعة هذا العصر من نسبة الخطأ إليه ﷺ فى بعض أحكامه الاجتهادية ضلال مبنى على جهل، لأن الخطأ الاجتهادى لا يقر عليه ﷺ، إذ ينزل التنبيه وبعد التنبيه والتصحيح لا خطأ، وزاد بعضهم جهلاً وضلالة، فجوز مخالفة بعض قضاياه ﷺ الاجتهادية، إذا اقتضت المصلحة ذلك، ولا أدرى كيف خفيت عليه هذه الآية؟ وآية سورة النساء؟ (٣) وأى مصلحة تقتضى مخالفة حكمه؟ والقرآن ينفى الإيمان عمن لم يسلم له تسليماً\" (٤) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٣٣٥.\r(٢) الآية ٥١ النور.\r(٣) وهى قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ الآية ٦٥ النساء.\r(٤) دلالة القرآن المبين ص١٠٣ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556101,"book_id":1504,"shamela_page_id":588,"part":null,"page_num":587,"sequence_num":588,"body":"وقوله ﷿ ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ (١) .\rوالشاهد فى الآية فى قوله: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ حيث فوض رب العزة إلى رسوله ﷺ الأمر لمشيئته وإذنه ﷺ بعد وجوب استئذانهم قبل الانصراف عنه فى كل أمر يجتمعون عليه. وفى هذا التفويض من المولى عزوجل لرسوله ﷺ دليل على اجتهاده وعصمته فيه! ولو خالف الأولى فى اجتهاده ينزل التصحيح والتنبيه. وهو دليل عصمته فى اجتهاده. بدليل قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ (٢) .\rفظاهر الآية الكريمة يفيد: أنه ﷺ اجتهد بالأذن لبعض المنافقين فى التخلف عن الخروج إلى تبوك، وكان إذنه على خلاف الأولى فجاء التصحيح والتنبيه على ذلك؛ وهو دليل عصمته فى اجتهاده. وليس فى هذا الإذن ذنب ولا جريمة لسببين:\rأولهما: أن الله تعالى لم يتقدم إليه ﷺ فى ذلك بأمر ولا نهى.","footnotes":"(١) الآية ٦٢ النور.\r(٢) الآية ٤٣ التوبة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556102,"book_id":1504,"shamela_page_id":589,"part":null,"page_num":588,"sequence_num":589,"body":"ثانيهما: أنه ﷺ أذن لهم اجتهاداً منه بناء على عموم آية النور من تفويضه بالإذن لمن شاء، فكيف ينسب إليه ذنب أو جريمة؟! بل لو فرض أنه أخطأ لكان مثاباً على اجتهاده غير مؤاخذ بخطئه، ولكنه ﷺ لم يخطئ، لأنه سلك ما هو الأوفق بخلقه العظيم من التيسير على أصحابه، والميل إلى ستر حالهم، وتفويض أمرهم إلى الله تعالى، ولكن الله تعالى أراد منه ﷺ أن يكون شديداً على المنافقين فهو كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ (١) فالإذن للمنافقين كان جائزاً بحسب عموم آية النور، ثم نسخ بهذه الآية. كما كان الاستغفار لهم والصلاة عليهم جائزين، ثم نسخا بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره﴾ (٢) وفاعل الحكم المنسوخ قبل نسخه لا يكون عاصياً، بل هو مثاب مبرور.\r... ويؤيد ما سبق استفتاح الكلام بالعفو، ﴿عفا الله عنك﴾ والآية بحسب الأسلوب العربى، تفيد تكريم النبى وتعظيمه خلافاً لمن وهم ففهم منها عتابه أو تأنيبه، فيستوجب ما فهمه ذلك الواهم (٣) .\rوقوله سبحانه: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم﴾ (٤) إن هذه الآية تتحدث عن أمر رسول الله ﷺ للرماة يوم أحد الوارد فى قوله ﷺ: \"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتنمونا قد غنمنا فلا تشركونا\" (٥) .","footnotes":"(١) الآية ٧٣ التوبة، والآية ٩ التحريم.\r(٢) الآية ٨٤ التوبة.\r(٣) ينظر: خواطر دينية ص٤٣، ٤٤، ودلالة القرآن المبين ص٦٨ كلاهما لعبد الله الغمارى. ويراجع: ص١٤٨ – ١٥١.\r(٤) الآية ١٥٥ آل عمران.\r(٥) سبق تخريجه ص٣٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556103,"book_id":1504,"shamela_page_id":590,"part":null,"page_num":589,"sequence_num":590,"body":"إن هذا الأمر النبوى للرماة يوم أحد أمر اجتهادى منه ﷺ تقتضيه طبيعة المعركة يومها، وهو اجتهاد عصم فيه رسول الله ﷺ، ووافق مراد الله تعالى بدليل عتاب المولى ﷿ للرماة فى الآية السابقة، ووصفهم بالعصاة فى قوله ﷿: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ (١) .\rوتأمل: ﴿وتنازعتم فى الأمر وعصيتم﴾ إنه تقرير لعصمة رسول الله ﷺ فى أمره الاجتهادى للرماة يوم أحد، ووصف المخالفين له ﷺ يومئذ بالعصيان، ولكن عفا الله عنهم: ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾ ٠","footnotes":"(١) الآية ١٥٢ آل عمران.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556104,"book_id":1504,"shamela_page_id":591,"part":null,"page_num":590,"sequence_num":591,"body":"٨- وقوله ﷿: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ (١) . ووجه الاستدلال بالآية على عصمته ﷺ فى اجتهاده أنها تصرح على ما ورد فى الصحيح من أن أمر رسول الله ﷺ بحرق نخيل بنى النضير وقطعه كان باجتهاده، وهو اجتهاد أقره رب العزة حيث وصفه بإذنه فى وحى متلو، وأنزله جواباً لسؤال بعض الصحابة كما حاك فى صدورهم وأثر فيها؛ من حيث صواب وخطأ بعضهم فى قطع بعض النخيل وترك بعضه. فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: \"اللينة النخلة، وليخزى الفاسقين قال: استنزلوهم من حصونهم قال: أمروا بقطع النخل فحاك فى صدورهم. فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً، فلنسألن رسول الله ﷺ، هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله ﷿: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ (٢) فهل بعد ذلك شك فى اجتهاده ﷺ فى الشريعة الإسلامية وعصمته فيه؟!.","footnotes":"(١) الآية ٥ الحشر.\r(٢) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة الحشر ٥/٣٨٠ رقم ٣٣٠٣ وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وليخزى الفاسقين﴾ ٦/٤٨٣ رقم ١١٥٧٤، والحديث سبق تخريجه من حديث ابن عمر فى الصحيحين ص٣٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556105,"book_id":1504,"shamela_page_id":592,"part":null,"page_num":591,"sequence_num":592,"body":".. نعم أقول: إن رسول الله ﷺ أذن له بالاجتهاد فى الشريعة الإسلامية واجتهد فعلاً، وأن اجتهاده فى بعض الأحيان القليلة كان خلاف حكم الله، فجاء الوحي بتصحيح الحكم والإرشاد إلى ما ينبغى. كما فى قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم﴾ (١) .\r... أو جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده ﷺ مع التنبيه بما ينبغى كما فى قوله تعالى: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾ (٢) . أو جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده ﷺ وإقراره على ما سبق تفصيله قريباً فى الآيات السابقة.\r...\rأما زعم الشيعة أن اجتهاد رسول الله ﷺ لا يجوز، فهو زعم مردود عليهم بما سبق من الأدلة القرآنية على اجتهاده ﷺ فى الدين والدنيا وعصمته فيه.\r...","footnotes":"(١) الآيتان ١، ٢ التحريم. ويراجع: ما سبق فى توجيه هذه الآيات بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ ص١٧٠ – ١٨١.\r(٢) الآية ٦٧ الأنفال. ويراجع: ما سبق فى توجيه هذه الآية بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ ص١٥١ – ١٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556106,"book_id":1504,"shamela_page_id":593,"part":null,"page_num":592,"sequence_num":593,"body":"أما زعمهم بأن ما استدل به من الآيات التى تدل على اجتهاده تنسب إليه الخطأ والذنب وهو يخل بعصمته (١) فقد سبق الجواب عن هذه الآيات تفصيلياً بما لا يخل بعصمته ﷺ (٢) .","footnotes":"(١) ينظر: النص والاجتهاد لشرف الدين الموسوى ص٢٤١، والشيعة فى عقائدهم وأحكامهم لأمير محمد القزوينى ص٩٤، ٣٧٠، والشيعة هم أهل السنة لمحمد التيجانى السماوى ص٣٠٦، ومعالم المدرستين لمرتضى العسكرى ٢/٢٦، ٧٤، والصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ١/١٩، ٤/ ١٦٨، ٥/٢٩، ٦/٨٦، ٩/٨١، ومساحة للحوار ص١١٧، ١١٩، والمواجهة مع رسول الله ص٢٦٥، كلاهما لأحمد حسين يعقوب، ومنع تدوين الحديث أسباب ونتائج لعلى الشهرستانى ص١٩٣، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٥٥، ٢٥٧، ٢٦٥، وأهل السنة شعب الله المختار ص٦٩، ٧٠ كلاهما لصالح الوردانى، وتاريخ الإسلام الثقافى والسياسى لصائب عبد الحميد ص٢٩٧.\r(٢) يراجع: ص١١٣ – ١٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556107,"book_id":1504,"shamela_page_id":594,"part":null,"page_num":593,"sequence_num":594,"body":"وأزيد هنا جواباً إجمالياً ما قاله الأستاذ محمد عزة دروزة قال: \"ولسنا نرى مساساً بالعصمة النبوية من ناحية تلك الاجتهادات التى عوتب عليها رسول الله ﷺ فى القرآن، فالاجتهادات التى عوتب عليها فى القرآن ليست ذنوباً يمكن أن يكون صدورها من النبى ﷺ، مناقضاً للعصمة التى يجب الإيمان بها فيه، وإنما هى خلاف لما هو الأولى فى علم الله المغيب عنه فيما لا وحى فيه. والعصمة الواجب الإيمان بها ليست هى التى تجعل النبى ﷺ يمتنع عليه أن يصدر منه أى فعل أو قول أو اجتهاد فى مختلف شئون الحياة والناس، قد يكون فيه الخطأ والصواب، وخلاف الأولى الذى فى علم الله تعالى؛ والذى لا ينكشف له إلا بوحى، مما لا يمكن أن ينتفى عن الطبيعة البشرية النبوية المقررة فى القرآن ولكنها التى تجعله يمتنع عن أى إثم أو جريمة أو فاحشة، أو مخالفة للقرآن قولاً وفعلاً، وعن كتم أى شئ أوحى به إليه، أو تحريفه وتبديله نتيجة لما وصل إليه بنعمة الله وفضله من كمال الخلق والروح والعقل والإيمان والاستغراق فى الله الذى جعله أهلاً للاصطفاء الربانى\" (١) أهـ.","footnotes":"(١) سيرة الرسول ﷺ صورة مقتبسة من القرآن الكريم ١/١٠١ وينظر: الشفا ٢/١١٥، ١١٦، والرسل والرسالات للدكتور عمر سليمان الأشقر ص١٠٢، ١٠٣، ومحمد ﷺ مفخرة الإنسانية لمحمد فتح الله كولن ٢/٢٠٨، ٢٠٩، ومناهل العرفان فى علوم القرآن لمحمد الزرقانى ٢/٤٢١، ٤٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556108,"book_id":1504,"shamela_page_id":595,"part":null,"page_num":594,"sequence_num":595,"body":"ثانياً: الأدلة من السنة النبوية على عصمته ﷺ فى اجتهاده:\r... اعتبر العلماء ما قاله رسول الله ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى؛ من وحى السنة المطهرة، وسماه الأحناف بالوحي الباطنى (١) وعللوا ذلك بأنه ما كان الله ﷿ ليترك خطأ يصدر من رسوله المبلغ عنه، مما يترتب عليه وقوع الأمة فيه اتباعاً.\rوإذا كانت الحكمة من إرسال الرسل أن لا تكون للناس على الله حجة ﴿رسلاً مبشرين ومنذرين لئلاً يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (٢) فإن ذلك يتم بعصمة المرسل من الوقوع فى أى خطأ، فإن كان اجتهاده صواباً أقره الوحي، وإن كان غير صواب نبهه الوحي. يدل على ذلك ما يلى:\r١- عن أبى قتادة رضى الله عنه، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ، أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، تكفر عنى خطاياى؟ فقال له رسول الله ﷺ: نعم. إن قتلت فى سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، أتكفر عنى خطاياى؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم. وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل ﵇ قال له ذلك\" (٣) .\r... فتأمل كيف اجتهد رسول الله ﷺ فى الجواب عن سؤال فى الإسلام! وكيف أقره وحى الله؛ مع الاستدراك فى الجواب زيادة \"الدين\" على ما أجاب به رسول الله ﷺ! وفى ذلك دلالته على جواز الاجتهاد لرسول الله ﷺ فى الإسلام وعصمته فيه.","footnotes":"(١) ينظر: أصول السرخسى ٢/٩٠.\r(٢) الآية ١٦٥ النساء.\r(٣) سبق تخريجه ص٢٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556109,"book_id":1504,"shamela_page_id":596,"part":null,"page_num":595,"sequence_num":596,"body":"٢- وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: اختصم إلى النبى ﷺ رجلان. فوقعت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الذى لا إله إلا هو، ماله عنده شئ. فنزل جبريل على النبى ﷺ، فقال: إنه كاذب إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه، وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته\" (١) .\r... فتأمل دلالة الحديث على حكم رسول الله ﷺ باجتهاده فى أموال الناس، وتأمل كيف أن الحكم فى المسألة الواردة فى الحديث لا بينة فيه، ويتوقف حكمها على يمين أحدهما، فحلف وكان كاذباً فى حقيقة الأمر، فحكم له رسول الله ﷺ بالناقة – التى سرقها – إذ لا بينة مع المدعى ملكيتها.","footnotes":"(١) أخرجه أحمد فى المسند ١/٢٩٦، ٢٨٨، ٣٢٢، وفى كلها عطاء بن السائب اختلط، وشريك سئ الحفظ لكنه توبع – فالإسناد ضعيف. لكنه تعضده الآيات والأحاديث الواردة فى هذا المبحث والدالة على عصمته ﷺ فى اجتهاده.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556110,"book_id":1504,"shamela_page_id":597,"part":null,"page_num":596,"sequence_num":597,"body":".. وحكمه ﷺ للحالف – كاذباً فى حقيقة الأمر – لا حرج عليه ﷺ فى ذلك؛ بناء على الأصل فى الفصل فى الأحكام (البينة على المدعى، واليمين على من أنكر) كما قال ﷺ: \"لو يعطى الناس بدعواهم، لا دعى ناس دماء رجال وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه\" (١) ولكن تأمل كيف أن الله ﷿ لا يرضى لنبيه ﷺ إلا أن يكون حكمه الاجتهادى مطابقاً للواقع، ونفس الأمر، ظاهراً وباطناً؛ فنبهه جبريل ﵇ قبل صدور الحكم. فبان بذلك بطلان ما زعمه بعض الشذاذ أن اجتهاد رسول الله ﷺ يخل بعصمته.\r٣- ومن اجتهاداته ﷺ المعصوم فيها اجتهاده فى غزوة بدر الكبرى، وكان ذلك فى ثلاثة مواضع: أحدها: فى الإقدام على المعركة، وثانيها: فى موضع نزول جيشه فى بدر، وثالثها: فى شأن الأسرى.","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه ٦/٢٤٣ رقم ١٧١١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاف لهم ٨/٦١ رقم ٤٥٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556111,"book_id":1504,"shamela_page_id":598,"part":null,"page_num":597,"sequence_num":598,"body":"أما الموضع الأول: الاستشارة فى القتال، فكانت عندما \"خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد\" (١) عندئذ استشار أصحابه فى مواجهتهم فعن أنس بن مالك؛ أن رسول الله شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان. قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه. ثم تكلم عمر فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله! والذى نفسى بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد (٢) لفعلنا\" (٣) فسر النبى ﷺ بذلك ودعى له بخير، غير أنه ﵊ لم يقنعه قول المهاجرين، لأن قتالهم معه أمر لا يشك فيه، فقد باعوا أنفسهم لله وخرجوا من ديارهم وأموالهم فراراً بعقيدتهم ونصرة نبيهم.","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب قصة غزوة بدر ٧/٣٣٣ رقم ٣٩٥١ من قول كعب بن مالك رضى الله عنه.\r(٢) موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلى البحر، وقيل بلد باليمن. أهـ. مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاء لعبد المؤمن البغدادى ١/١٨٧.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب غزوة بدر ٦/٣٦٥ رقم ١٧٧٩، وأخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب قول الله تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ ٧/٣٣٥ رقم ٣٩٥٢ من حديث ابن مسعود رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556112,"book_id":1504,"shamela_page_id":599,"part":null,"page_num":598,"sequence_num":599,"body":".. لكن الأنصار لم يكونوا كذلك، إذ إنما عاهدوا رسول الله ﷺ على نصرته فى مدينتهم وديارهم، أما وهو فى بدر فذلك ما لم تقتضه نصوص المعاهدة، فأراد ﷺ استشارتهم فيما هو محدق به وبهم من الخطر، ليكتشف رأيهم فيما يعد خارجاً عن بنود المعاهدة، فكرر طلب الاستشارة قائلاً: \"أشيروا على أيها الناس\" ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: أجل. فقال: لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر فى الحرب، صدق فى اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.\r... فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: \"سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين. والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم\" (١) .\r... وهكذا تمخضت المشاورة هذه برأى صائب سديد، وافقت ما قدره الله تعالى، لنبيه وعباده المؤمنين، واراه إياه، حتى كأنه يرى نتيجة ما هو قادم عليه رأى العين.","footnotes":"(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٧٢ نص رقم ٧٢٨، وينظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/١٧٣، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/٢٤٧، ٢٤٨، وإمتاع الأسماع للمقريزى ص٨١ – ٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556113,"book_id":1504,"shamela_page_id":600,"part":null,"page_num":599,"sequence_num":600,"body":".. ويشهد بصحة هذه المشاورة، وأنها وافقت ما قدره الله تعالى قوله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون. يجادلونك فى الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾ (١) .\rالموضع الثانى: الاستشارة فى المنزل، فعندما نزل النبى ﷺ على أقرب ماء من بدر وعرض الأمر على الصحابة، فجاء الحباب بن المنذر (٢) وقال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل؛ أمنزلاً انزلكه الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: \"بل هو الرأى والحرب والمكيدة\" فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نتأتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل فنشرب ولا يشربون، فقال النبى ﷺ: \"لقد أشرت بالرأى\" (٣) .","footnotes":"(١) الآيات ٥ – ٧ الأنفال.\r(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ١/٦٦٥ رقم ١٠٢٣، والاستيعاب ١/٤٥٨ رقم ٤٨٣ ومشاهير علماء الأمصار ص٣٢ رقم ١١٢، والإصابة ١/٣٠٢ رقم ١٥٥٧.\r(٣) السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٧٨ نص رقم ٧٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556114,"book_id":1504,"shamela_page_id":601,"part":null,"page_num":600,"sequence_num":601,"body":".. وهذه المشاورة وافقت ما قدره الله تعالى، بدليل ما جاء فى مغازى الأموى، أن حباب بن المنذر لما أشار على النبى ﷺ بتغير مكان نزوله يوم بدر؛ ورجع النبى ﷺ إلى رأيه، نزل ملك من السماء، وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ، فقال ذلك الملك: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: إن الرأى ما أشار به الحباب بن المنذر\" (١) أليس فى ذلك أعظم دليل على أن اجتهاده ﷺ معصوم فيه، بدلاله مراقبة الوحي لهذا الاجتهاد، حيث وافق مراد الله تعالى فجاء الإقرار؟!.\rالموضع الثالث: الاستشارة فى شأن الأسرى، فقد انجلت المعركة عن قتل سبعين وأسر سبعين، فضلاً عن الغنائم الكثيرة، وكانت الأسرى أمراً ذى بال، استدعى أن يجمع له الرأى ويفكر فى أمره، لعددهم الكبير، وما يترتب على الإقدام فى شأنهم من نفع للإسلام والمسلمين.\r...","footnotes":"(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٥٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556115,"book_id":1504,"shamela_page_id":602,"part":null,"page_num":601,"sequence_num":602,"body":"وذلك ما جعل النبى ﷺ يستشير ذوى الرأى والحجا من أصحابه فى الأمر الذى يصنعه بهم من قتل أو من أو فداء، فقال ﷺ: لأبى بكر وعمر: \"ما ترون فى هؤلاء الأسارى؟ \" فقال أبو بكر: يا نبى الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"ما ترى يا ابن الخطاب؟ \" قال: فقلت: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذى رأى أبو بكر، ولكنى أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنى من فلان (نسيب لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، قال: فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، قال: فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله ﷺ، وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت يا رسول الله! أخبرنى من أى شئ تبكى أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ابكى للذى عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجر\" شجرة قريبة من نبى الله ﷺ وأنزل الله ﷿: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾ (١) فأحل الله الغنيمة لهم\" (٢) .","footnotes":"(١) الآيات ٦٧ – ٧٩ الأنفال.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة فى غزوة بدر ٦/٣٢٧ – ٣٢٩ رقم ١٧٦٣ من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556116,"book_id":1504,"shamela_page_id":603,"part":null,"page_num":602,"sequence_num":603,"body":".. وفى نزول هذه الآيات دليل على مراقبة الوحي لما يجتهد فيه رسول الله ﷺ وفى ذلك شاهد على عصمته ﷺ فى اجتهاده؛ حيث جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده ﷺ مع التنبيه على ما ينبغى (١) .\r٤- ومن اجتهاداته ﷺ التى عصم فيها وجاء الوحي بإقرارها ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن امرأة جاءت إلى النبى ﷺ فقالت: أن أمى نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم. قال: فاقضوا الذى له فإن الله أحق بالوفاء\" (٢) .\r... ووجه الاستدلال بالحديث أنه ﷺ اجتهد فى إجابة السائلة واعتبر دين الله بدين العباد، وذلك بيان بطريق القياس، ولم يأت ما يخالف ذلك مما يدل على أن اجتهاده ﷺ وافق مراد الله ﷿ فصار إقراراً.\r... وبهذا الإقرار صار اجتهاده ﷺ حجة على العباد لعصمة الله له فيه، وبحكمه ﷺ (قضاء الدين عن الميت) قالت الأمة، وأجمعت عليه (٣) .\r٥- ومن هذا النوع أيضاً أجابته ﷺ عمر بن الخطاب حين قبل عمر امرأته وهو صائم؛ فظن أنه فعل أمراً عظيماً.","footnotes":"(١) يراجع: ما سبق فى توجيه هذه الآيات بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ ص١٥١ – ١٥٨.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين ١٣/٣٠٩ رقم ٧٣١٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت ٤/٢٧٩ رقم ١١٤٨ وفيه أنها سألته عن قضاء الصوم عن أمها.\r(٣) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٤/٢٨٢ رقم ١١٤٨، وفتح البارى ٤/٢٢٨ رقم ١٩٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556117,"book_id":1504,"shamela_page_id":604,"part":null,"page_num":603,"sequence_num":604,"body":".. فعن عمر رضى الله عنه قال: \"هششت (١) فقبلت وأنا صائم، فجئت رسول الله ﷺ، فقلت: إنى صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم. قال: \"أرأيت لو مضمضت من الماء؟ قلت: إذاً لا يضر. قال: ففيم! \" (٢) أى: ففيم تسأل (٣) قال الخطابى: \"فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته (٤) ووجه الاستدلال بالحديث اجتهاده ﷺ فى قياس القبلة على المضمضة فى عدم الأثر على الصوم، ولم يأت ما يخالف ذلك، فصار إقراراً من الوحي بعصمته ﷺ فيما اجتهد فيه.\r٦- وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة فى المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم ﷺ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذى صنعتم، ولم يمنعنى من الخروج إليكم إلا إنى خشيت أن تفرض عليكم، وذلك فى رمضان\" (٥) .","footnotes":"(١) أى نشطت. ينظر: النهاية ٥/٢٢٨.\r(٢) أخرجه الدارمى فى سننه كتاب الصيام، باب الرخصة فى القبلة للصائم ٢/٢٢ رقم ١٧٢٤، وأبو داود فى سننه كتاب الصوم، باب القبلة للصائم ٢/٣١١ رقم ٢٣٨٥، وأحمد فى المسند ١/٢١٦، ٣١٣ والحاكم فى المستدرك ١/٥٩٦ رقم ١٥٧٢ وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبى.\r(٣) الفتح الربانى للساعاتى ١٠/٥٣.\r(٤) معالم السنن ٣/٢٦٤.\r(٥) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التهجد، باب تحريض النبى ﷺ على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب ٣/١٤ رقم ١١٢٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب فى قيام الليل ٣/٢٩٦ رقم ٧٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556118,"book_id":1504,"shamela_page_id":605,"part":null,"page_num":604,"sequence_num":605,"body":".. ووجه الاستدلال منه على عصمته فى اجتهاده ﷺ أنه توقع أن يترتب على المواظبة على صلاة الليل جماعة فرضها عليهم، كما هى واجبة عليه ﷺ، لأن الأصل فى الشرع المساواة بين النبى ﷺ وبين أمته فى العبادة مالم يدل دليل على الخصوصية، فأداه اجتهاده ﵊ بسبب رحمته بهم إلى عدم الخروج إليهم والصلاة بهم خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها (١) وبما أنه لم يرد دليل على الفرضية، فهو بمنزلة الإقرار من رب العزة لما اجتهد فيه ﷺ؛ حيث وافق مراد الله بعدم الفرضية، وهو دليلنا على عصمته ﷺ فى اجتهاده.\r٧- وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ فى بعث فقال: \"إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما بالنار\" ثم قال ﷺ: حين أردنا الخروج: إنى أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما\" (٢) .\r... إن قوله: \"إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما\" كان هذا الأمر منه أولاً اجتهاداً، ثم عدل عنه باجتهاد آخر؛ وعلله ﷺ بقوله: \"النار لا يعذب بها إلا الله\".\r... وقد استدل بالحديث الحافظ ابن حجر على: \"جواز الحكم بالشئ اجتهاداً ثم الرجوع عنه\" (٣) وفى الرجوع واستمرار الحكم على ذلك، وعدم ورود ما يخالفه عنه ﷺ هو بمنزلة الإقرار من الله تعالى على هذا الحكم النهائى الذى رجع فيه رسول الله ﷺ. وهو دليل عصمته فى اجتهاده.","footnotes":"(١) ينظر: فتح البارى ٣/١٧ رقم ١١٢٩.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله٦/١٧٣ رقم ٣٠١٦.\r(٣) فتح البارى ٦/١٧٥ رقم ٣٠١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556119,"book_id":1504,"shamela_page_id":606,"part":null,"page_num":605,"sequence_num":606,"body":".. وبعد: فهذه نماذج من الأحاديث التى تدل على اجتهاده ﷺ فى الشريعة الإسلامية، وعصمة الله تعالى له فيها؛ إما بالإقرار إذا وافق اجتهاده مراده ﷿، وإما بالتصويب والإرشاد إذا خالف اجتهاده مراده تعالى.\r... وفى كلا الأمرين (الإقرار والتصويب) هو بمنزلة الوحي الإلهى يصير حجة على العباد إلى يوم الدين؛ ويحرم مخالفته خلافاً لمن أجاز ذلك، وزعم أن خطأ رسول الله ﷺ فى اجتهاده دليل على أنه يجوز الاجتهاد فى نفس الأحكام التى اجتهد فيها ومخالفته! (١) .\r... ونعم أقول: إن بعض اجتهاداته ﷺ لم تصادف الصواب؛ ولكن أين حكم الله تعالى فى الأمر الذى اجتهد فيه ﷺ ولم يصب؟! إن ما يصدر عن النبى ﷺ من اجتهاد - على ما تقرر سابقاً فى أكثر من موضع، إما أن يوافق حكم الله أولاً.\r... فإن وافق حكم الله على لسان نبيه ﷺ، فهو كما أخبر به ﵊، وإن لم يوافق حكم الله عدله إلى حكمه جلا جلاله. وإذن تصبح الأحكام الدينية التى حكم بها رسول الله اجتهاداً أحكام الله فى النهاية، وقبل لقائه الرفيق الأعلى، وتصير تلك الأحكام حجة إجماعاً بلا شك (٢) ويشهد لصحة ما سبق إجماع الأمة على عصمته ﷺ فى اجتهاده، فإلى بيان ذلك.","footnotes":"(١) سيأتى ذكرهم والرد عليهم بالتفصيل فى الفصل الثانى ص٤١٢ - ٤٣١.\r(٢) حكى الإجماع الإمام الغزالى فى المستصفى ٢/٣٥٥، ٣٥٦. وينظر: مصادر الشرعية الإسلامية للمستشار الدكتور على جريشة ص٣٨، ٣٩، والفقه الإسلامى مرونته وتطوره للإمام الأكبر جاد الحق ص٢٦ - ٣١ والإحكام للآمدى ٤/١٨٧ - ١٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556120,"book_id":1504,"shamela_page_id":607,"part":null,"page_num":606,"sequence_num":607,"body":"ثالثاً: إجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده:\r... لقد كان معلوماً لدى صحابة رسول الله ﷺ أن الوحي قريب جداً من رسول الله ﷺ، ومنهم، وأنه لن يترك أمراً مخالفاً يمر، فما قاله ﵊ باجتهاده دون وحى، فإنما هو من الإسلام وإلا جاء الوحي. يشهد لذلك ما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: \"كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل\" قال سفيان – أحد رجال إسناد هذا الحديث – موضحاً كلام جابر: لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن\" (١) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتبا النكاح، باب حكم العزل ٥/٢٦٦ رقم ١٤٤٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب العزل ٩/٢١٥ أرقام ٥٣٠٧ – ٥٢٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556121,"book_id":1504,"shamela_page_id":608,"part":null,"page_num":607,"sequence_num":608,"body":"قال فضيلة الدكتور عبد المهدى عبد القادر: \"ويظهر لى من كلام جابر هذا أن جابراً استدل على شرعية العزل بتقرير الله ﷾ (١) وعليه فجابر يرى أن الوحي لا يقتصر على مراقبة رسول الله ﷺ، وإنما يراقب الأمة كلها، فأيما فعل فعلوه مخالفاً الإسلام نبه الوحي عليه، وأيما فعل فعلوه زمن الوحي وأقرهم عليه الوحي فهو من الإسلام\" (٢) وهذا هو الذى يفيده أيضاً ما رواه ابن سعد فى الطبقات عن الواقدى عن شيوخه قال: قد قتل مجذر بن ذياد، سويد بن الصامت، فى وقعة التقيا فيها فى الجاهلية. فظفر المجذر بسويد فقتله، وذلك قبل الإسلام. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد (٣) ومجذر بن زياد (٤) وشهدا بدراً. فجعل الحارث يطلب مجذراً ليقتله بأبيه، فلا يقدر عليه.\r... فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه، فضرب عنقه. فلما رجع رسول الله ﷺ من حمراء الأسد، أتاه جبريل، فأخبره أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد غيلة، وأمره أن يقتله... الحديث\" (٥) .\r... قال ابن الأثير: اتفق أهل النقل على أن الحارث بن سويد هو الذى قتل المجذر بن زياد. فقتله النبى ﷺ (٦) .","footnotes":"(١) وإن كان ابن دقيق العيد استغربه فقال: استدلال جابر بالتقرير من الله غريب. فتح البارى ٩/٢١٦ أرقام ٥٢٠٧ – ٥٢٠٩.\r(٢) المدخل إلى السنة النبوية ص٧٢.\r(٣) له ترجمة فى: أسد الغابة ١/٦١٣ رقم ٨٩٩، والإصابة ١/٢٨٠ رقم ١٤٢٣.\r(٤) له ترجمة فى: تجريد أسماء الصحابة ٢/٥١، وأسد الغابة ٥/٥٩ رقم ٤٦٧٧، والاستيعاب ٤/١٤٥٩ رقم ٢٥٢٠، وتاريخ الصحابة ص٢٣٨ رقم ١٣٠٥.\r(٥) الطبقات الكبرى ٣/٥٥٢.\r(٦) أسد الغابة ١/٦١٣ ترجمة الحارث بن سويد رقم ٨٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556122,"book_id":1504,"shamela_page_id":609,"part":null,"page_num":608,"sequence_num":609,"body":".. وهذا الاتفاق الذى نقله ابن الأثير، يقتضى الحكم بصحة الحديث وإن لم يكن إسناده على شرط الصحة، كما تقرر فى علم الحديث (١) وهو ما ذكره السيوطى فى حكمه على هذا الحديث فى كتابه الباهر فى حكم النبى ﷺ بالباطن والظاهر (٢) .\r... هذا ودلالة الحديث على مراقبة الوحي للأمة واضحة بإخبار جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ بأن الحارث قتل مجذر غيلة، وأمره أن يقتله وهذه المراقبة للأمة كانوا على يقين بها، وهذا هو الذى يفيده حديث ابن عمر رضى الله عنه قال: \"كنا نتقى الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبى ﷺ هيبة أن ينزل فينا شئ، فلما توفى النبى ﷺ تكلمنا وانبسطنا\" (٣) ومنه حديث عمر حينما سأل رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يجبه. فقال – أى عمر – ثكلتك أمك يا عمر، ثم قال: وخشيت أن ينزل فى قرآن\" (٤) .","footnotes":"(١) ينظر: تدريب الراوى ١/٦٧، وأعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ١/٢٠٢، والاستذكار لابن عبد البر ٢/٩٨ نص رقم ١٥٦٩.\r(٢) ص٥٨.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب الوصاية بالنساء ٩/١٦١ رقم ٥١٨٧.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب غزوة الحديبية ٧/٥١٨ رقم ٤١٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556123,"book_id":1504,"shamela_page_id":610,"part":null,"page_num":609,"sequence_num":610,"body":".. ومنه حديث سلمة بن صخر البياضى (١) إذ أتى زوجته فى رمضان فقال لقومه: امشوا معى إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: لا والله لا نمشى معك، ما نأمن أن ينزل فيك القرآن، أو أن يكون فيك من رسول الله ﷺ مقالة يلزمنا عارها ... الحديث (٢) .\r... ومن إنكار الوحي عليهم حديث زيد بن خالد الجهنى (٣) قال: صلى بنا رسول الله ﷺ: صلاة الصبح بالحديبية فى إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى، كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى، مؤمن بالكواكب\" (٤) .","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تجريد أسماء الصحابة ١/٢٣٢، وأسد الغابة ٢/٥٢٥ رقم ٢١٧٦، والاستيعاب ٢/٦٤١ رقم ١٠٢٣، وتاريخ الصحابة ص١١٩ رقم ٥٥٤.\r(٢) أخرجه الدارمى فى سننه كتاب الطلاق، باب الظهار ٢/٢١٧ رقم ٢٢٧٣، وأبو داود فى سننه كتاب الطلاق، باب الظهار ٢/٢٦٥ رقم ٢٢١٣، والترمذى فى سننه كتاب الطلاق، باب ما جاء فى كفارة الظهار ٣/٥٠٣ رقم ١٢٠٠ وقال حديث حسن، وأخرجه ابن ماجه فى سننه كتاب الطلاق، باب الظهار ١/٦٤٧ رقم ٢٠٦٢.\r(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب ٢/٥٤٩ رقم ٨٤٥، وأسد الغابة ٢/٣٥٥ رقم ١٨٣٢، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٣ رقم ٥٤، والإصابة ١/٥٦٥ رقم ٢٨٩٥.\r(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب كفر من قال مطرنا بالنوء ١/٣٣٦ رقم ١٢٥ والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم ٢/٣٣٨ رقم ٨٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556124,"book_id":1504,"shamela_page_id":611,"part":null,"page_num":610,"sequence_num":611,"body":".. وهكذا يتضح أن الوحي كان يراقب تصرفاته ﷺ، ويراقب الأمة أيضاً. وفى كل ذلك دلالته على عصمته ﷺ فى اجتهاده. وعلى ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه؛ وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد فى شئ منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا، وهل وقع عن وحى أو اجتهاد، وأيضاً فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله ﷺ معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرو فى شئ منها استدراكه ﷺ لغلط فى قول قاله، أو اعترافه بوهم فى شئ أخبر به، ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته ﷺ عما أشار به على الأنصار فى تلقيح النخل (١) وكان ذلك رأياً لا خبراً يعنى: فلا يدخله الصدق والكذب (٢) .\rقلت: وهذا الذى أدين الله تعالى به فى أخبار النبى ﷺ، فقد كانت أقواله ﷺ وأفعاله كلها تشريعاً تقتضى المتابعة والاقتداء سواء كانت بوحى أو اجتهاد لعصمة رب العزة له فى أحواله ﷺ كلها.","footnotes":"(١) سيأتى بعد قليل ذكره كاملاً وتخريجه وتوجيهه بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ فى اجتهاده.\r(٢) ينظر: الشفا ٢/١٣٥، ١٣٦ بتصرف، والمنهاج شرح مسلم ٣/٧٣ رقم ٥٧٤، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى ص٧٣، ٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556125,"book_id":1504,"shamela_page_id":612,"part":null,"page_num":611,"sequence_num":612,"body":".. أما زعم أعداء السنة المطهرة بأن اجتهاد رسول الله ﷺ يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، وذهاب بعض المسلمين إلى تقسيم السنة إلى قسمين سنة تشريعية ملزمة عامة ودائمة، وسنة غير تشريعية ولا ملزمة واستدلالهم على ذلك باجتهاد رسول الله ﷺ عموماً، وحديث تأبير النخل خصوصاً. فذلك منهم طعن فى عصمته ﷺ فى اجتهاده.\rفإلى تفصيل شبهتهم فى ذلك والرد عليها...","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556126,"book_id":1504,"shamela_page_id":613,"part":null,"page_num":612,"sequence_num":613,"body":"الفصل الثانى: شبهة أن اجتهاد رسول الله ﷺ يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى\rوالرد عليها\r... سبق أن تقرر لك أن اجتهاد رسول الله ﷺ فى الشريعة الإسلامية لا يخل بعصمته فى أقواله وأفعاله وتقريراته، لأن وحى الله تعالى يراقبه؛ فإن أصاب فى اجتهاده لم يأت تنبيه، فدل على إقرار رب العزة له، وإن خالف اجتهاد الأولى نزل وحى الله تعالى بالتنبيه والتصويب لما هو أولى، وفى الإقرار والتنبيه؛ يصبح اجتهاده ﷺ، وحى وحكم الله النهائى، حجة على العباد واجب الاتباع ويحرم مخالفته بالآيات والأحاديث السابقة الدالة على عصمته ﷺ فى اجتهاده وبإجماع الأمة. إلا أن بعض دعاة الفتنة وأدعياء العلم زعموا أن اجتهاد رسول الله ﷺ ليس من الوحي الإلهى.\rويستدلون على ذلك بحديث المعصوم ﷺ، الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته عن طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل. فقال: ما صنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر فى الأنثى فيلقح، فقال رسول الله ﷺ \"ما أظن يغنى ذلك شئ\" قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذونى بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً، فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله ﷿\".\r... وفى حديث رافع بن خديج رضى الله عنه (١) قال: قال رسول الله ﷺ: إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر\" قال عكرمة: أو نحو هذا.","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص١٨ رقم ٢٩، والاستيعاب ٢/٤٨٩ رقم ٧٢٦، وأسد الغابة ٢/٢٣٢ رقم ١٥٨٠، والإصابة ١/٤٩٥ رقم ٢٥٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556127,"book_id":1504,"shamela_page_id":614,"part":null,"page_num":613,"sequence_num":614,"body":".. وفى حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" (١) وهذا الحديث من زمن طويل كان المشجب الذى يعلق عليه من شاء، ما شاء من أمور الشرع التى يراد التحلل منها، فقد أراد بعضهم أن يحذف النظام السياسى كله من الإسلام بهذا الحديث وحده، لأن أمر السياسة أصولاً وفروعاً من أمر دنيانا، فنحن أعلم به، فليس من شأن الوحي أن يكون له فيها تشريع أو توجيه، فالإسلام عند هؤلاء دين بلا دولة، وعقيدة بلا شريعة؛ وأراد آخرون أن يحذفوا النظام الاقتصادى كله من الإسلام كذلك، بسبب هذا الحديث الواحد.\r... المهم: أن بعض الناس أراد أن يهدم بهذا الحديث الفرد كل ما حوت دواوين السنة الزاخرة، من أحاديث البيوع، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية.\r... وكأن الرسول ﷺ قال هذا الحديث لينسخ به جميع أقواله وأعماله وتقريراته التى تكون السنة النبوية.","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأى ٨/١٢٧، ١٢٨ أرقام ٢٣٦١ – ٢٣٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556128,"book_id":1504,"shamela_page_id":615,"part":null,"page_num":614,"sequence_num":615,"body":".. وهذا الغلو من بعض الناس، هو الذى جعل عالماً كبيراً مثل المحدث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر – ﵀ – يعلق على هذا الحديث فى مسند الإمام أحمد فيقول: \"هذا الحديث مما طنطن به ملحدوا مصر، وصنائع أوروبة فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلاً يطعنون به فى عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده، وأخذوا يحجون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السنة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام، فى المعاملات، وشئون الاجتماع وغيرها، يزعمون أن هذه من شئون الدنيا، ويتمسكون برواية أنس: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" (١) والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين، ولا بالألوهية، ولا بالرسالة، ولا يصدقون القرآن فى قرارة نفوسهم. ومن آمن منهم فإنما يؤمن لسانه ظاهراً، ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه، لا عن ثقة وطمأنينة، ولكن تقليداً وخشية، فإذا ما جد الجد، وتعارضت الشريعة، الكتاب والسنة، مع ما درسوا فى مصر أو فى أوروبا، لم يترددوا فى المفاضلة، ولم يحجموا عن","footnotes":"(١) بل وينكرون أركان الإسلام، انظر إلى ما يزعمه جمال البنا فى كتابه السنة ودورها فى الفقه الجديد ص١٩٣ قائلاً: بيان النبى فى العبادات من صلاة أو زكاة أو صيام أو حج أو شورى... الخ، ليس تشريعاً دائماً لازماً أهـ. ويرجع من نفس المصدر ص١٧٠، ١٩٥، ٢٠٣، ٢٢٥ وينظر له أيضاً: الأصلان العظيمان ص٢٣٨، وينظر: الإسلام هو القرآن وحده مقال لتوفيق صدقى فى مجلة المنار المجلد ٩/٩١٠، ٩١١، وأضواء على السنة ص٤٢، ٤٤، ٩٣، وقصة الحديث المحمدى ص١٤ – ١٧ كلاهما لمحمود أبو ريه، والإمام الشافعى ص٤٦، ٨٤، ونقد الخطاب الدينى ص١٢٦ كلاهما لنصر أبو زيد، ودراسة الكتب المقدسة لموريس بوكاى ص٢٩٣، ٢٩٩، والكتاب والقرآن قراءة معاصرة لمحمد شحرور ص٥٥٣، وينظر له أيضاً الدولة والمجتمع ص١٥٥، والسلطة فى الإسلام لعبد الجواد ياسين ص٢٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556129,"book_id":1504,"shamela_page_id":616,"part":null,"page_num":615,"sequence_num":616,"body":"الاختيار، وفضلوا ما أخذوه عن سادتهم، واختاروا ما أشربت قلوبهم، ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس إلى الإسلام.\r... والحديث واضح صريح، لا يعارض نصاً، ولا يعارض عصمته ﷺ فى اجتهاده، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة فى كل شأن، كما لا يدل على ما يزعمون أن السنة النبوية ليست كلها وحى.\r... وإنما الحديث فى قصة تلقيح النخل أن قال لهم: \"ما أظن ذلك يغنى شيئاً، فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن فى ذلك سنة حتى يتوسع فى هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع\" (١) أهـ.\r\r... ومن اجتهاد النبى ﷺ، وقوله: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى عدم عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده؛ حيث ذهبوا إلى تقسيم السنة النبوية إلى قسمين:\rأ- سنة تشريعية ملزمة ودائمة.\rب- وسنة غير تشريعية غير ملزمة ولا دائمة.\r\r... وقصدوا بغير التشريع ثلاثة أنواع:\rما سبيله سبيل الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشى والتزاور... الخ.\rما سبيله سبيل التجاوب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذى ورد فى شئون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره.\rما سبيله سبيل التدبير الإنسانى كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية ونحو ذلك.\rفهذه الأنواع الثلاثة ليس شرعاً يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشئون البشرية التى ليس مسلك الرسول ﷺ فيها تشريعاً ولا مصدر تشريع (٢) .","footnotes":"(١) مسند الإمام أحمد ٢/١٧٧ رقم ١٩٣٥ هامش بتصرف.\r(٢) ينظر: الإسلام عقيدة وشريعة للإمام الأكبر محمود شلتوت ص٤٩٩، ٥٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556130,"book_id":1504,"shamela_page_id":617,"part":null,"page_num":616,"sequence_num":617,"body":"وبهذا التقسيم قال غير واحد من علماء المسلمين (١) وبالغ بعضهم حتى كاد يخرج قضايا المعاملات، والأحوال المدينة كلها من دائرة السنة التشريعية. حيث كان يرى أن كثيراً من أوامر الرسول ونواهيه فى المعاملات كان أساسها الاجتهاد لا الوحي (٢) حتى انتهى به هذا الاتجاه إلى أن حرم برأيه ما أحلته السنة النبوية؛ وما أجمع المسلمون – من جميع المذاهب والمدارس الفقهية – على حله. وذلك هو (بيع السلم) الذى رخص فيه النبى - صلى الله عليه","footnotes":"(١) كالأستاذ محمد رشيد رضا فى مجلة المنار المجلد ٩/٨٥٨، والدكتور عبد المنعم النمر فى كتبه: السنة والتشريع، والاجتهاد، وعلم أصول الفقه، والشيخ عبد الجليل عيسى فى كتابه: اجتهاد الرسول، والشيخ على حسب الله فى كتابه التشريع، والشيخ محمد الغزالى فى كتابه كيف نفهم الإسلام نقله= =عن الشيخ محمد المدنى، والدكتور محمد سليم العوا فى العدد الافتتاحى من مجلة المسلم المعاصر، والدكتور يوسف القرضاوى فى كتابه السنة مصدراً للمعرفة والحضارة ص٤١، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور فى كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، وغيرهم ممن ذكرهم الأستاذ يوسف كمال فى كتابه العصريون معتزلة اليوم ص٥٣ – ٧٢.\r(٢) ينظر: السنة والتشريع ص٢٥، ٢٦، وعلم أصول الفقه ص٢٤ كلاهما للدكتور النمر. قال الدكتور القرضاوى: \"وما ذهب إليه أى الدكتور النمر، لا يفيده فى دعواه، لأن الاجتهاد إذا أقر كان بمنزلة الوحي لأنه لا يقر على خطأ، كما هو مقرر فى علم الأصول، ولهذا يسميه علماء الحنفية (الوحي الباطنى) أهـ السنة مصدراً للمعرفة والحضارة ص١٧ هامش. قلت: ولا أدرى لماذا بعد ذلك يؤيد الدكتور القرضاوى أنصار مدرسة تقسيم السنة إلى تشريع، وغير تشريع؟! أليس كل ما يقال فيه أنه سنة غير تشريعية؛ ينطبق عليه ما قاله هنا من إقرار رب العزة لاجتهاد نبيه ﷺ فيصير وحياً، حتى ولو كانت درجته الإباحة، كما سيأتى تفصيله بعد قليل؟!.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556131,"book_id":1504,"shamela_page_id":618,"part":null,"page_num":617,"sequence_num":618,"body":"وسلم - لحاجة الناس إليه، بعد أن وضع له الضوابط اللازمة لمنع الغرر والنزاع ويسميه بعضهم (السلف) أيضاً وبه جاء الحديث، ومضى عليه عمل الأمة أكثر من خمسة عشر قرناً.\rفعن الصحيحين عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قدم النبى ﷺ المدينة، وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين، فقال: \"من أسلف فى تمر، فليسلف فى كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم\" (١) بل قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجله قد أحله الله فى كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ (٢) وكلمة \"أشهد\" بمثابة القسم، فهذا رأى ترجمان القرآن.\rولكن الدكتور عبد المنعم النمر قال عن السلم: \"وهو بيع معدوم موصوف فى الذمة، ويسير عليه كثير من الناس فى الأرياف، مستغلين حاجات الزراع استغلالاً سيئاً، مما يجعلنا نميل إلى تحريمه. من أجل هذا الاستغلال الكريه المحرم فى الإسلام\" (٣) .\rيقول الدكتور القرضاوى: \"وكان أولى بالشيخ هنا أن يقتصر على تحريم الظلم والاستغلال، ولا يتعدى ذلك إلى تحريم التعامل الثابت بالسنة والإجماع\" (٤) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساقاة، باب السلم ٦/٤٦ رقم ١٦٠٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب السلم، باب السلم فى وزن معلوم ٤/٥٠١ رقم ٢٢٤٠. وينظر: نيل الأوطار ٥/٢٢٦.\r(٢) الآية ٢٨٢ البقرة والأثر أخرجه الشافعى فى مسنده ص٢٥٥ رقم ٦٥٩، والبيهقى فى سننه كتاب البيوع، باب جواز الرهن ٦/١٩، ورجال الشافعى كلهم ثقات إلا أبى حسان الأعرج صدوق كما قال الحافظ فى تقريب التهذيب ٢/٣٨٣ رقم ٨٠٧٩ فالإسناد حسن.\r(٣) السنة والتشريع ص٤٢، ٤٣ وينظر له أيضاً علم أصول الفقه ص٢٨.\r(٤) السنة مصدراً للمعرفة والحضارة ص١٨، وينظر: السنة والتشريع لفضيلة الدكتور موسى شاهين ص٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556132,"book_id":1504,"shamela_page_id":619,"part":null,"page_num":618,"sequence_num":619,"body":"والجواب:\r... أقول كما قال فضيلة الدكتور موسى شاهين: \"غفر الله للقائلين بأن السنة تشريع وغير تشريع، وللقائلين بالمصلحة. غفر الله لهم وسامحهم، لقد فتح هؤلاء وهؤلاء باباً لم يخطر لهم على بال.\r... القائلون بأن السنة تشريع وغير تشريع؛ قصدوا بغير التشريع ما ورد منها خاصاً بالصناعات، والخبرات كالزراعة والطب، ولم يخطر ببالهم أن من سيأتى بعدهم سيستدل بتقسيمهم ليدخل المعاملات، وأحاديث البيع، والشراء، والإجارة، ويدخل ما قاله النبى ﷺ من أحاديث فى العادات، وشئون الاقتصاد، والسياسة، والإدارة والحرب، وغير ذلك فى السنة غير التشريعية، وهم من هذا القول برءاء!.\r... أما ما جعلوه مما سبيله الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم... الخ من السنة غير التشريعية، فهذا الكلام على عمومه مرفوض، وفى حاجة إلى تحقيق فهل بيان المأكول والمشروب المحرم، والمكروه، والمباح، من السنة غير التشريعية؟.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556133,"book_id":1504,"shamela_page_id":620,"part":null,"page_num":619,"sequence_num":620,"body":".. هل حديث: \"أحلت لكم ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال\" (١) ، وحديث:\"أكل الضب على مائدة رسول الله ﷺ\" (٢) سنة غير تشريعية؟ اللهم لا.\r... إن رسول الله ﷺ بمقتضى عصمته، أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، فالمأكول والمشروب سنة تشريعية من حيث الحل والحرمة، أما أنه أكل نوعاً من الحلال، وترك غيره يأكل نوعاً آخر، فالتشريع فيها الإباحة، إباحة ما أكل وما لم يأكل مما له ينه عنه.","footnotes":"(١) أخرجه ابن ماجه فى سننه كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال ٢/٢٩٥ رقم ٣٣١٤ والدارقطنى فى سننه كتاب الأشربة، باب الصيد والذبائح ٤/٢٧١ رقم ٢٥ من حديث ابن عمر، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال فيه ابن الجوزى: أجمعوا على ضعفه، وقال البوصيرى: لكنه لم ينفرد به عبد الرحمن بن زيد عن أبيه، فقد تابعه عليه سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم عن ابن عمر. قال البيهقى: إسناد الموقوف صحيح وهو فى معنى المسند أهـ. ينظر: مصباح الزجاجة ٣/٨٥، قال الشوكانى فى نيل الأوطار ٨/١٤٧ وكذا صحح الموقوف أبو زرعة، وأبو حاتم، وهو فى حكم المرفوع فيحصل الاستدلال بهذه الرواية أهـ بتصرف. وينظر: فتح البارى ٩/٥٨٠ – ٥٨٥ رقمى ٥٥٣٦/ ٥٥٣٧، وتعليق المغنى على الدارقطنى ٤/٢٧١، ٢٧٢.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب ٧/١٠٩ رقم ١٩٤٤ من حديث ابن عمر رضى الله عنه وفى نفس المصدر أرقام ١٩٤٥ – ١٩٥١ من حديث ابن عباس وغيره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556134,"book_id":1504,"shamela_page_id":621,"part":null,"page_num":620,"sequence_num":621,"body":".. وأما الأوانى: فقد نهى ﷺ عن الأكل والشرب فى صحائف الذهب والفضة (١) وهذا تشريع قطعاً. أما أنه ﷺ أكل فى قصعة من الفخار، ونحن نأكل فى الأوانى الفاخرة غير الذهبية والفضية، فهذا من المباحات والإباحة تشريع (٢) .\r... وأما الهيئة: فهناك هيئات مأمور بها، وهيئات منهى عنها، وهيئات أخرى كثيرة مباحة، والكل تشريع.\r... فقوله ﷺ: \"يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك\" (٣) هيئة أكل مشروعة (٤) . و\"نهى رسول الله ﷺ أن يتنفس فى الإناء\" (٥) هيئة ممنوعة شرعاً فى نفس الإناء، ومستحبة خارج الإناء (٦) .","footnotes":"(١) فعن حذيفة مرفوعاً: \"لا تلبسوا الحرير ولا الديباج. ولا تشربوا فى آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا فى صحافها. فإنها لهم فى الدنيا\" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ٧/٢٨١، ٢٨٢ رقم ٢٠٦٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب آنية الفضة ١٠/٩٨ رقم ٥٦٣٣.\r(٢) سيأتى مزيد من بيان شرعية المباح ص٤٢٠.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين ١٩/٤٣١ رقم ٥٣٧٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب ٧/٢٠٩ رقم ٢٠٢٢ من حديث عمر بن أبى سلمة رضى الله عنه.\r(٤) ينظر: مجلة الأزهر عدد ربيع الآخر ١٤١٨هـ ص٦٣٠ مقال \"التيا من فطرة إلهية وأفضلية تاريخية\".\r(٥) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب النهى عن التنفس فى الإناء ١٠/٩٥ رقم ٥٦٣٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب كراهية التنفس فى نفس الإناء واستحباب التنفس ثلاثاً خارج الإناء ٧/٢١٧ رقم ٢٦٧ من حديث أبى قتادة رضى الله عنه.\r(٦) ينظر: فتح البارى، وشرح النووى فى الأماكن السابقة نفسها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556135,"book_id":1504,"shamela_page_id":622,"part":null,"page_num":621,"sequence_num":622,"body":".. أما أنه ﷺ أكل بأصابعه ويده؛ ونحن نأكل بالملاعق والشوك، والسكاكين، فهو من المباحات المشروعة. فماذا فى الأكل والشرب من السنة غير التشريعية؟!!.\r... إن قصدوا بالسنة غير التشريعية فى ذلك السنة غير الملزمة، وهى المباحات كان الخلاف بيننا لفظياً. وإن قصدوا ما هو مطلوب على وجه الوجوب أو الندب، وما هو منهى عنه على وجه الحرمة أو الكراهة فهو غير مسلم.\r... ومثال ذلك يقال فى الأفعال الجبلية التى وقعت منه ﷺ مما لا يخلو البشر عنه من حركة وسكون، على اختلاف أنواع الحركة المحتاج إليها بحكم العادة من قيام، وقعود، ونوم، وركوب، وسفر، وإقامة، وقيلولة تحت شجرة، أو فى بيت، وتناول مأكول ومشروب معلوم حله. ومن أمثلته: تتبعه ﷺ الأكل من جوانب الصحفة (١) . وأكله القثاء بالرطب (٢) وأنه ﷺ كان يحب الحلو البارد (٣)","footnotes":"(١) فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: رأيت النبى ﷺ يتتبع الدباء من حوالى القصعة، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب البيوع، باب الخياط ٤/٣٧٢ رقم ٢٠٩٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب جواز أكل المرق ٧/٢٤٢ رقم ٢٠٤١.\r(٢) فعن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب رضى الله عنهم قال: رأيت النبى ﷺ يأكل الرطب بالقثاء\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأطعمة، باب القثاء بالرطب ٩/٤٧٥ رقم ٥٤٤٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب أكل القثاء بالرطب ٧/٢٤٥ رقم ٢٠٤٣.\r(٣) فعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد\" أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الأشربة، باب ما جاء أى الشراب كان أحب إلى رسول الله ﷺ ٤/٢٧٢ رقم ١٨٩٥، وفى الشمائل، باب ما جاء فى صفة شراب رسول الله ﷺ ص١٢٤ رقم ١٩٥، وأحمد فى المسند ٦/٣٨، ٤٠، والحاكم فى المستدرك ٤/١٥٣ رقم ٧٢٠٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556136,"book_id":1504,"shamela_page_id":623,"part":null,"page_num":622,"sequence_num":623,"body":"وكان يحب الحلوى والعسل (١) وسائر ما روى عنه فى هيئة لباسه، وطعامه، وشرابه، ونومه، وكيفية مشيه، وجميع ما نقل عنه من شمائله ﷺ، مما لم يظهر فيه قصد القربة.\r... ومن ذلك ما كرهه عيافة لا شريعة، كتركه أكل الضب (٢) بخلاف تركه أكل الثوم والبصل والكراث، فيستحب التنزه عنه ما أمكن (٣) .\r... ويلتحق بالجبلى: كل فعل فعله رسول الله ﷺ مما علمت إباحته شرعاً، إباحة مطلقة له ولأمته.","footnotes":"(١) فعن عائشة رضى الله عنها قالت: \"كان رسول الله ﷺ يحب العسل والحلوى\" جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الطلاق، باب لم تحرم ما أحل الله لك ٩/٢٨٧ رقم ٥٢٦٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ٥/٣٣١ رقم ١٤٧٤.\r(٢) فعن ابن عباس رضى الله عنهما أن خالد بن الوليد رضى الله عنه قال: \"أتى النبى ﷺ بضب مشوى، فأهوى إليه ليأكل، فقيل له: إنه ضب، فأمسك يده. فقال خالد: أحرام.. هو؟ قال: لا، ولكنه لا يكون بأرض قومى، فأجدنى أعافه، فأكل خالد، ورسول الله ﷺ ينظر\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب الأطعمة، باب الشواء ٩/٤٥٣ رقم ٥٤٠٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيد، باب إباحة الضب ٧/١٠٩ – ١١٢ أرقام: ١٩٤٥، ١٩٤٦، ١٩٤٨.\r(٣) ونحو ذلك أيضاً المحرمات عليه ﷺ يستحب التنزه عنها أمكن نحو أكل الزكاة، وأكل ماله رائحة كريهة، والأكل متكئاً.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556137,"book_id":1504,"shamela_page_id":624,"part":null,"page_num":623,"sequence_num":624,"body":".. كما روى أنه ﷺ: أكل التمر (١) وشرب العسل (٢) واللبن (٣) ولبس جبة شامية ضيقة الكمين (٤) ودخل مكة وعليه عمامة سوداء (٥) .\r... فهذا ونحوه لا دليل يدل على أنه يستحب للناس كافة أن يفعلوا مثله، بل إن فعلوا فلا بأس، وإن تركوا فلا بأس، ما لم يكن تركهم رغبة عما فعله ﷺ واستنكافاً، فمن رغب عن سنته وطريقته فليس منه.","footnotes":"(١) فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: \"رأيت النبى ﷺ مقعياً يأكل تمراً\" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب استحباب تواضع الأكل ٧/٢٤٦ رقم ٢٠٤٤.\r(٢) تقدمت رواية عائشة رضى الله عنها أنه ﷺ كان يحب العسل والحلوى. وسبق تخريجها.\r(٣) فعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أتى بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابى، وعن يساره أبو بكر، فشرب. ثم أعطى الأعرابى، وقال: الأيمن فالأيمن\" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ٧/٢١٨ رقم ٢٠٢٩ والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب شرب اللبن بالماء ١٠/٧٧ رقم ٥٦١٢.\r(٤) فعن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال: كنت مع النبى ﷺ فى سفر فقال: يا مغيرة! خذ الإداوة فأخذتها ثم خرجت معه. فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عنى، فقضى حاجته، ثم جاء وعليه جبة شامية ضيقة الكمين... الحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ٢/١٦٨ رقم ٢٧٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلاة، باب الصلاة فى الجبة الشاميه ١/٥٦٤ رقم ٣٦٣.\r(٥) فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامه سوداء بغير إحرام\" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام ٥/١٤٢ رقم ١٣٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556138,"book_id":1504,"shamela_page_id":625,"part":null,"page_num":624,"sequence_num":625,"body":".. والتحقيق: أنه من الخطأ أن نطلق هذا الإطلاق \"السنة غير التشريعية\" على ما سموه الحاجة البشرية أو الأفعال الجبلية، أو ما يصدر عنه ﷺ، بوصفه إماماً ورئيساً للدولة المسلمة، أو بوصفه قاضياً فكل هذه الأمور التى أطلقوا عليها، سنة غير تشريعية، منها الواجب شرعاً، ومنها المحرم شرعاً، ومنها المكروه، ومنها المندوب، ومنها المباح، وحتى إذا أردنا كيفية هذه الأمور نجد منها الممنوع شرعاً، كما سبقت الإشارة إليه قريباً.\r... أما القائلون بالمصلحة كمصدر من مصادر التشريع فقد اشترطوا لها ألا تصادم نصاً من الكتاب أو السنة الصحيحة، فهم أخذوا بمراعاة المصالح فيما لم يرد فيه قرآن أو حديث صحيح، أما ما ورد فيه قرآن أو حديث صحيح فالمصلحة فيما جاء به النص (١) .\r... واعتقد كما قال الدكتور فتحى عبد الكريم. \"أن القائلين بالسنة التشريعية، والسنة غير التشريعية قد فاتهم المعنى الدقيق للتشريع الإسلامى، حيث قصر بعضهم وصف التشريع على الواجب، والحرام، ونفاه عن المندوب والمكروه، والمباح، وأدخل بعضهم المندوب والمكروه فى التشريع، ونفاه عن المباح وحده\" (٢) .\r... وفى ذلك يقول العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق – ﵀: \"هذا وإخراج الأمور الطبيعية من السنة أمر عجيب، وأعجب منه: أن يدعى بعضهم ظهوره، مع إجماع الأمة المعتبرين على السكوت عنها، وعدم إخراجها. ولست أدرى: لم أخرجها هؤلاء؟! أأخرجوها: لأنها لا يتعلق بها حكم شرعى؟.","footnotes":"(١) وفى هذا رد مختصر على الدكتور النمر، حيث حرم \"السلم\" بحجة أنه يتعارض مع مصلحة الناس. يراجع نص كلامه السابقة ص٤١٥.وينظر: السنة والتشريع للدكتور موسى شاهين ص٢٢ – ٢٤.\r(٢) السنة تشريع لازم ودائم ص٤٤، وينظر: دراسات فى السنة للدكتور محمد المنسى ص٢٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556139,"book_id":1504,"shamela_page_id":626,"part":null,"page_num":625,"sequence_num":626,"body":".. وكيف يصح هذا مع أنها من الأفعال الاختيارية المكتسبة، وكل فعل اختيارى من المكلف لابد أن يتعلق به حكم شرعى: من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو حرمة.\r... وفعل النبى ﷺ الطبيعى مثل الفعل الطبيعى من غيره، فالأبد أن يكون قد تعلق به واحد من هذه الأحكام؟ وليس هذا الحكم الكراهة، ولا الحرمة، لعصمته ﷺ فى أحواله كلها، وليس الحكم الوجوب ولا الندب: لعدم القربة فيه.\r... فلم يبق إلا الإباحة وهى حكم شرعى؛ فقد دل الفعل الطبيعى منه ﷺ على حكم شرعى، وهو الإباحة فى حقه، بل وفى حقنا أيضاً ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ (١) .\r... ولقد أجمع الأصوليون فى باب أفعاله ﷺ على أن أفعاله الطبيعية تدل على الإباحة فى حقه ﷺ، وفى حق أمته، وكل يحكى الاتفاق على ذلك عن الأئمة السابقين (٢) .\rأم أخرجوها: لأنهم ظنوا أن الإباحة ليست حكماً شرعياً؟ وهذا لا يصح أيضاً: فإن الأصوليين مجمعون على شرعيتها – أى الإباحة – اللهم إلا فريقاً من المعتزلة ذهب إلى عدم شرعيتها؛ فهما منهم: أن الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل والترك (٣) وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده، فلا يكون حكماً شرعياً.","footnotes":"(١) الآية ٢١ الأحزاب.\r(٢) ينظر: المحصول ١/٥٠١، والإحكام للآمدى ١/١٥٩،والموافقات للشاطبى ٤/٤٣٧،والإبهاج فى شرح المنهاج ٢/٢٦٤،والمعتمد فى أصول الفقه ١/٣٣٤، والبرهان للجوينى ١/١٨١،والبحر المحيط ٤/١٧٦، وفواتح الرحموت ٢/١٨٠، وإرشاد الفحول ١/١٦٥.\r(٣) ينظر: التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/١٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556140,"book_id":1504,"shamela_page_id":627,"part":null,"page_num":626,"sequence_num":627,"body":".. والجمهور ينكرون أن هذا المعنى ثابت قبل ورود الشرع، وأنه لا يسمى حكماً شرعياً. ولكنهم يقولون: ليس هذا هو معنى الإباحة الشرعية، إنما هى خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل. ولا شك أن هذا حكم شرعى؛ وأنه غير ثابت قبل ورود الشرع. ولو التفت هذا الفريق إلى هذا المعنى لم ينازع فيه؛ فليس هناك خلاف حقيقى بينهما.\r... فالإباحة حكم شرعى يحتاج إلى دليل؛ والفعل الطبيعى منه ﷺ يدل عليه. ونظرة واحدة فى باب أفعاله ﷺ فى أى كتاب من كتب أصول الفقه، ترشدك إلى الحق فى هذا الموضوع (١) .\r... ويقول الإمام الشاطبى فى رده على من قال: \"ترك المباح طاعة على كل حال\". قال: \"بل فعل المباح طاعة بإطلاق؛ لأن كل مباح ترك حرام. ألا ترى أنه ترك المحرمات كلها عند فعل المباح، فقد شغل النفس به عن جميعها. وهذا الثانى أولى؛ لأن الكلية هنا تصح، ولا يصح أن يقال كل مباح وسيلة إلى محرم أو منهى عنه بإطلاق، فظهر أن ما اعترض به لا ينهض دليلاً على أن ترك المباح طاعة\" (٢) .\rقلت: ويشهد لهذا قول الإمام السرخسى فى أصوله: \"ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حرام، كما أن العمل بخلافه حرام\" (٣) .","footnotes":"(١) حجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٧٨ – ٨١،وينظر: الإحكام للآمدى ١/١١٤،والمحصول للرازى ١/٢٠، والبرهان للجوينى ١/ ١٠٦ – ١٠٨، وأصول السرخسى ١/١٤، والإبهاج فى شرح المنهاج ١/٦٠، والبحر المحيط ١/٢٤١، ٢٧٥،والمستصفى ١/٧٥، وإرشاد الفحول ١/١٨٦، وأصول الفقه لمحمد الخضرى ص٦٠، والمحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ لأبى شامة ص٤٠ – ٢٠٨، وأفعال الرسول ﷺ للدكتور عمر سليمان الأشقر.\r(٢) الموافقات ١/١٠٠.\r(٣) أصول السرخسى ٢/٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556141,"book_id":1504,"shamela_page_id":628,"part":null,"page_num":627,"sequence_num":628,"body":".. ومن هنا فكل ما ورد عن رسول الله ﷺ من أفعال لم تحصل منه على وجه القرب، يستحب التأسى به فيها رجاء بركته مثل: أكله، وشربه، ولبسه، ومعاشرته نسائه، وجميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، يستحب التأسى به فى جميع ذلك. لأن هذه الأفعال وإن لم تصدر من الرسول ﷺ قربه – إن صح التعبير – فهى فى نفسها قربة؛ نرجوا بفعلها التقرب إلى الله تعالى لما انطوى عليه فعلنا لها عن محبته التى حملنا عليها بقوله ﷺ: \"لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين\" (١) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان باب وجوب محبة رسول الله ﷺ ١/٢٩٠ رقم ٤٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ١/٧٥ رقم ١٥ من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556142,"book_id":1504,"shamela_page_id":629,"part":null,"page_num":628,"sequence_num":629,"body":".. قال أبو شامة (١) : \"ولهذا اعتنى الرواة بنقل تفاصيل أحواله فى ذلك كله، واقتدى أهل الدين والعلم من السلف، بسلوك طريقته فى ذلك، وترك التكلف فيما ينوبهم من حاجاتهم، حتى أنه لو قيل لأحدهم لا تركب الحمار، ولا تحلب الشاة، ولا تسلخها، ولا ترقع الثوب، ولا تخصف النعل، ولا تهنأ (٢) البعير، لقال: كيف لا أفعل ذلك وقد رأيت رسول الله ﷺ فعله، أو جاء عنه أنه فعله!! (٣) وقال أيضاً: \"إن التأسى به ﷺ فى فعله المباح هو أدنى الدرجات فى استحباب المتابعة فيها، ولهذا أكثر المصنفين من الأصوليين لا يذكرون التأسى به فيها، وما ذكرناه أولى وأصح، وله سر. وهو: أن أصل الفعل وإن كان الإنسان مضطراً إليه، فمن حيث الحاجة لا يفعله تأسياً بالنبى ﷺ، بل من حيث إيقاعه على هيئة مخصوصة نقلت عن النبى ﷺ، أو استعمال شئ مخصوص، مع أنه يمكنه استعمال غيره.","footnotes":"(١) هو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسى، الدمشقى، الشافعى، إمام، حافظ، فقيه، مقرئ، نحوى، مؤرخ. من مصنفاته: شرح القصيدة الشاطبية، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، والمحقق من علم الأصول، مات سنة ٦٦٥هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للداودى ١/٢٦٨ رقم ٢٥٤، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص٥١٠ رقم ١١٢٣، وطبقات القراء للذهبى ٢/٥٣٧، وبغية الوعاة للسيوطى ٢/٧٧.\r(٢) هنأ فلاناً هنأ: أعطاه طعاماً أو نحوه، وكل أمر أتى بلا تعب فهو هنئ. ينظر: مختار الصحاح ص٧٠٠، والقاموس المحيط ١/٣٤.\r(٣) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ ص٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556143,"book_id":1504,"shamela_page_id":630,"part":null,"page_num":629,"sequence_num":630,"body":".. والفقهاء أرباب المذاهب يستحبون من هذا النوع أشياء، وهو ما إذا أراد الإنسان أن يفعل شيئاً، ذلك الشئ يقع على هيئات مختلفة وقد نقل عن الرسول ﷺ، أنه أوقعه على بعض تلك الهيئات، فأهل العلم يستحبون أن يوقع على تلك الهيئة، نحو استحبابهم سلوك طريق المأزمين (١) والمبيت بذى طوى (٢) ودخول مكة من الثنية العليا، والخروج من الثنية السفلى (٣) ونزوله بالمحصب (٤) وكهيئة الأصابع فى التشهد (٥) .","footnotes":"(١) بفتح الميم، وإسكان الهمزة، وكسر الزاى. تثنية مأزم: موضع معروف بين عرفة والمشعر. وهو فى الأصل: المضيق فى الجبال حين يلتقى بعضها ببعض، ويتسع ما وراءه. معجم البلدان ٥/٤٠.\r(٢) فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بات بذى طوى حتى أصبح ثم دخل مكة قال: وكان عبد الله يفعل ذلك\" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب المبيت بذى طوى ٥/٨ رقم ١٢٥٩، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب الإهلال مستقبل القبلة ٣/٤٨٢ رقم ١٥٥٣.\r(٣) فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ دخل مكة من الثنية العليا بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب من أين يخرج من مكة ٣/٥١٠ رقم ١٥٧٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا ٥/٦ رقم ١٢٥٧.\r(٤) فعن أنس بن مالك رضى الله عنه \"أن النبى ﷺ صلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب طواف الوداع ٣/٦٨٤ رقم ١٧٥٦.\r(٥) فعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: \"كان النبى ﷺ إذا جلس فى الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليسرى\" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب صفة الجلوس فى الصلاة ٣/٨٦ رقم ٥٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556144,"book_id":1504,"shamela_page_id":631,"part":null,"page_num":630,"sequence_num":631,"body":".. وقالوا: يستحب أن لا ينقص فى الغسل من صاع، ولا فى الوضوء من مد، اقتداء برسول الله ﷺ (١) إلى أحكام كثيرة لا تحصى لمن تتبعها.\r... فمتابعته ﷺ فى تلك الأفعال التى يكاد يقطع فيها بخلوها من القربة، كهيئة وضع أصابع اليد اليمنى فى التشهد، يستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن، تدريباً للنفس على الجموح، وتمريناً لها على أخلاق صاحب الشرع، لتعتاد ذلك؛ فلا تخل بعده بشئ مما فيه قربة وإن خفيت.\r... فإن النفس مهما سومحت فى اليسير تشوقت إلى المسامحة فيما فوقه. فهذا ونحوه هو الذى يظهر لى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يلاحظه ويراقبه، فأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثاره ﷺ قال نافع (٢) : \"لو رأيت ابن عمر يتبع آثار رسول الله ﷺ لقلت هذا مجنون\" (٣) .","footnotes":"(١) فعن أنس ابن مالك رضى الله عنه قال: كان النبى ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد ١/٣٦٤ رقم ٢٠١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء فى غسل الجنابة ٢/٢٤٠ رقم ٣٢٥.\r(٢) هو: أبو عبد الله المدنى، مولى ابن عمر، ثقة، ثبت، فقيه، مشهور. مات سنة ١١٩هـ له ترجمة فى: تقريب التهذيب ٢/٢٣٩ رقم ٧١١٢، ومشاهير علماء الأمصار ص١٠٤ رقم ٥٧٨، وتاريخ الثقات لابن شاهين ص٣٢٢ رقم ١٤٠٣، وتاريخ الثقات للعجلى ص٤٤٧ رقم ١٦٧٩.\r(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٦٤٧ رقم ٦٣٧٦ وسكت عنه، وحذفه الذهبى من التلخيص، وأخرجه أبو نعيم فى حلية الأولياء ١/٣١٠. وأخرج أبو نعيم أيضاً عن عاصم الأحوال عمن حدثه قال: \"كان ابن عمر إذا رآه أحد ظن أن به شيئاً من تتبعه آثار النبى ﷺ\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556145,"book_id":1504,"shamela_page_id":632,"part":null,"page_num":631,"sequence_num":632,"body":".. قلت: واستحباب التأسى بأفعال رسول الله ﷺ الجبلية هو المختار والراجح عندى.\r... ومستند هذا الاختيار علمنا بأن أصحاب رسول الله ﷺ لو اختلفوا فى حكم أمر حرام أو مباح، فنقل الناقل فى موضع اختلافهم فعلاً عن المصطفى ﷺ، فهموا منه أنه لا حرج على الأمة فى فعل مثله (١) وجاحد هذا جاهل بمسالك المنقل على المعنى واللفظ (٢) .","footnotes":"(١) يراجع: ص٢٠ ما سبق من اختلافهم فى جواز القبلة للصائم، وفى طلوع الصبح على الجنب وهو صائم؛ ورجوعهم إلى فعل رسول الله ﷺ فى ذلك.\r(٢) ينظر: المحقق من علم الأصول ص٧٠، ٨٧، والإحكام للآمدى ١/١٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556146,"book_id":1504,"shamela_page_id":633,"part":null,"page_num":632,"sequence_num":633,"body":".. وجميع المذاهب المنقولة فى هذه المسألة من الوجوب (١) والإباحة (٢) ضعيفة، وأشدها ضعفاً من ذهب إلى الحظر (٣) والوقف (٤) . ويؤيد هذا الضعف النص والإجماع.\rأما النص: فقد سبق ذكر الأدلة القرآنية التى حثت على التأسى برسول الله ﷺ، واتباعه فى فعله على الوجه الذى كان عليه ﷺ، من أجل الهداية والفلاح فى الدارين (٥) .","footnotes":"(١) ينظر: الإحكام للآمدى ١/١٦٠، والمستصفى للغزالى ٢/٢١٦، وسيأتى بطلان هذا القول بعد قليل.\r(٢) ينظر: المحصول للرازى ١/٥٠٣، والمحقق من علم الأصول ص٤٩، وسيأتى بطلان هذا القول بعد قليل.\r(٣) القول بالحظر أو التحريم: مبنى على أنه لا يشرع اتباعه ﷺ فى فعله لأنه كالواقع منه من غير قصد أو كالموجود منه اضطراراً، وهو قول ردئ سخيف كما قال أبو شامة لأنه مبنى على تجويز المعاصى على الأنبياء – عصمهم الله من ذلك – كما أنه مبنى على أن الأصل فى الأشياء التحريم، والعكس صحيح فى أن الأصل فى الأشياء الإباحة. وعلى أى الأصلين بنى هذا القول فهو أشد الأقوال ضعفاً وأسخفها. ينظر: المحقق من علم الأصول ص٤٩، ٧١، ٧٢.\r(٤) القول بالوقف: يقترب فى شدة ضعفه من القول بالحظر، وذلك إن أراد الواقفية أن الفعل لا دلالة له، فنقف إلى أن نظفر بدليل؛ فإنه إشارة منهم أيضاً إلى تجويز المعاصى على الأنبياء، وإلا فأدنى درجات هذا الفعل الواقع منهم أن يدل على كونه مباحاً لهم، لا حرج عليهم فيه لإقدامهم عليه، فيكون أيضاً مباحاً بالنسبة للأمة، وإن أراد الواقفية أو بعضهم بمصيره إلى التوقف فى ذلك أن الأدلة تفاوتت فى نظره، فلم تترجح أدلة الوجوب على الندب وكذا بالعكس فهو قريب. ينظر: المصدر السابق ص٧٠ – ٧٣.\r(٥) يراجع: ص١٥ – ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556147,"book_id":1504,"shamela_page_id":634,"part":null,"page_num":633,"sequence_num":634,"body":"أما الإجماع: فهو ما علمناه من سيرة الصحابة رضى الله عنهم فى رجوعهم إلى أفعاله ﷺ وتقربهم وتأسيهم بها، والمحافظة عليها، وإن لم تلح فيها قربة، ولم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها.\r... فعن سهل بن الربيع بن الحنظلية رضى الله عنه (١) قال: قال لنا رسول الله ﷺ نعم الرجل خريم الأسدى (٢) لولا طول جمته (٣) وإسبال إزاره (٤) فبلغ ذلك خريماً، فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه\" (٥) .\r... فتأمل كيف أسرع خريم فامتثل قول رسول الله ﷺ. ولم يقل: وماذا فى طول الشعر؟ ولم يقل: ماذا فى طول الإزار؟ لم يقل: سنة عادة أو سنة عبادة شأن الذين قى قلوبهم مرض، إنما عجل سريعاً فقصر شعره، ورفع إزاره (٦) .","footnotes":"(١) صاحبى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٦٦ رقم ٣٤٢، وأسد الغابة ٢/٥٧١ رقم ٢٢٨٧، والاستيعاب ٢/٦٦٢ رقم ١٠٨٣، والإصابة ٢/٨٦ رقم ٣٥٣٨.\r(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٩١ رقم ٣٨٧، والاستيعاب ٢/٤٤٦ رقم ٦٤٣، وأسد الغابة ٢/١٦٧ رقم ١٤٤٠.\r(٣) هى: ما سقط على المنكبين من شعر الرأس. القاموس المحيط ٤/٩٠، ومختار الصحاح ص١١٢.\r(٤) هو: الملابس التى تستر النصف الأسفل من البدن. القاموس المحيط ١/٣٦٠، ومختار الصحاح ص١٥، وإسبال الإزار: نزوله عن الكعبين، أى: العظمتين البارزتين فوق القدم.\r(٥) جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود فى سننه كتاب اللباس، باب ما جاء فى إسبال الإزار ٤/٥٧ رقم ٤٠٨٩.\r(٦) ينظر: المدخل إلى السنة النبوية ص٢٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556148,"book_id":1504,"shamela_page_id":635,"part":null,"page_num":634,"sequence_num":635,"body":".. فبطل بذلك قول الحظر والوقف، وثبت أنهم فهموا؛ أنهم شرع لهم مثل ذلك القول والفعل قربة، فبطل قول الإباحة، وترجح الندب. ويبطل قول الوجوب ما سبق فى حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه من خلع الصحابة رضى الله عنهم نعالهم لما رأوا رسول الله ﷺ خلع نعليه (١) فكان من كمال تأسيهم برسول الله أنهم فهموا من خلعه نعليه القربة فبادروا إلى متابعته، أو لم يفهموا قربه، واتبعوه على جارى عادتهم فى اتباعه والتأسى به، مع أنهم لم يعلموا أن ذلك صدر منه وجوباً أو ندباً أو إباحة، وهو عين مسألة النزاع مع من يشترط فى شرعية التأسى به ﷺ معرفة صفة فعله؛ فبطل قول الوقف.\r... وأيضاً: لو كان الاقتداء به ﷺ فى فعله واجباً ما سألهم \"ما حملكم إلقائكم نعالكم؟ \" لعلمه بأنه يجب عليهم متابعة فعله، فبطل قول الوجوب.\r... ثم إنه ﷺ لما سألهم لم فعلوا ذلك، ذكروا أن مستند فعلهم متابعته فى فعله، ولم ينكر عليهم الاستدلال به، فدل ذلك كله على ما سبق من ترجيح استحباب متابعته ﷺ فى فعله.","footnotes":"(١) سبق ذكر الحديث بنصه وتخريجه ص١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556149,"book_id":1504,"shamela_page_id":636,"part":null,"page_num":635,"sequence_num":636,"body":".. وإنه لدرس لأهل زماننا، ولمن بعدنا أن نتبع هديه ﷺ كما اتبعوا، وأن نسير على نهجه، كما أمرنا ربنا ﷾ فقال: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (١) وصور اتباع السلف هديه ﷺ، وحرصهم على الاقتداء به كثيرة وكثيرة (٢) ودلالاتها متعددة؛ فهم يؤمنون بعصمته فى أحواله كلها، وهم يحبون هديه، ويحرصون على الاقتداء به كل الحرص، لا يفرقون بين الواجب والمندوب، ولا بين الفعل الشرعى والفعل الجبلى، وإنما يفعلون ما فعل، ويتركون ما ترك، يمتثلون أمره، وإن دلت القرائن على أقل من الواجب، ويجتنبون ما نهى عنه، وإن دلت القرائن على أنه دون الحرام.\r... إنهم يرون المعصوم ﷺ رسم خطاً، جاء به من عند الله، فالتزموه حباً وطاعة، ولم يؤولوا، ولم يسوفوا، ولم يهونوا، وإنما امتثلوا على خير وجه، فإنه الدين الذى أمرنا الله به، ورتب السعادة عليه، وأمرنا بالاستقامة التى لا تتفق مع أدنى ميل عنه فقال سبحانه: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعمون بصير﴾ (٣) .\r... وبعد: هذا المعصوم نبيكم ﷺ، وخيار أمتكم رضى الله عنهم، فكيف أنتم؟ (٤) .","footnotes":"(١) الآية ١٥٨ الأعراف.\r(٢) سبق ذكر بعضها ص١٩ – ٢١.\r(٣) الآية ١١٢ هود. وينظر: المدخل إلى السنة النبوية ص٢٤٨، ٢٤٩ بتصرف يسير.\r(٤) مقولة قالها الصحابى الجليل أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه، وأخرجها المروزى فى أول كتابه السنة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556150,"book_id":1504,"shamela_page_id":637,"part":null,"page_num":636,"sequence_num":637,"body":"وإذا كان عمدة الأدلة عند من يذهبون إلى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، أو يذهبون إلى تقسيم السنة إلى سنة تشريعية، وسنة غير تشريعية، إذا كان عمدة أدلتهم جميعاً، اجتهاده ﷺ، وقوله ﷺ: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" فلنحرر القول فى المراد من قوله: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" بعد أن سبق تحرير القول فى اجتهاده ﷺ وعصمته فيه. فإلى نقض دليلهم فى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى.\r\rنقض دليل أن السنة المطهرة ليست كلها وحى:\r... الدليل الأساسى الذى يستند إليه القائلون بأن السنة النبوية ليست كلها وحى؛ وبالتالى يقسمونها إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية، هو حديث رسول الله ﷺ الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته ومنها قوله ﷺ: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" ففى رأى أنصار تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية أنه \"لو لم يكن غير هذا الحديث الشريف فى تبيين أن سنته ﷺ ليست كلها شرعاً لازماً، وقانوناً دائماً لكفى. ففى نص عبارة الحديث - بمختلف رواياته - تبين أن ما يلزم اتباعه من سنة رسول الله ﷺ إنما هو ما كان مستنداً إلى الوحي فحسب\" (١) .\r... وبالتأمل فى قول بعضهم السابق ترى التصريح بأنهم يعتبرون أن اجتهاده ﷺ ليس من الوحي!.\r... ولقد صرح بعضهم على ما سبق أن أفعاله الجبلية، وما سبيله الحاجة البشرية من الأكل والشرب والنوم والمشى... الخ وما صدر عنه فى المعاملات وشئون الاقتصاد والسياسة، والقضاء والإدارة والحرب... الخ من شئون الدنيا التى لا حى فيها (٢) .","footnotes":"(١) مجلة المسلم المعاصر العدد الافتتاحة ص٣٣ مقال الدكتور محمد العوا (السنة التشريعية وغير التشريعية) .\r(٢) يراجع: ص٤١٢ - ٤١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556151,"book_id":1504,"shamela_page_id":638,"part":null,"page_num":637,"sequence_num":638,"body":".. فهل يسندهم ذلك الحديث فى تلك الدعوى الخطيرة؟! أقول: الحديث لا يسندهم فى دعواهم ولا حجة لهم فيه؛ لأن قوله ﷺ: لما مر على قوم يلقحون النخل \"ما أظن يغنى ذلك شيئاً\" واضح منه أنه كان اجتهاداً منه ﷺ، ولم يرد بذلك صرفهم عما هم فيه؛ بدليل أنهم لما تركوا التأبير، ووصل الخبر إليه ﷺ بين لهم أنه ظن – أى اجتهد – وأنه ما يصح أن يصرفهم الظن – أى الاجتهاد – عن أمر يرونه صواباً. وتأمل قوله: \"إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذونى بالظن\" فهم غلطوا فى ظنهم أنه نهاهم بوحى، كما غلط من غلط فى ظنه أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود (١) .\r... ثم بين لهم رسول الله ﷺ، أنه إذا حدثهم بوحى عن الله تعالى فإنه لن يخطأ فى هذا الوحي.","footnotes":"(١) حينما نزل قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ جزء من الآية ١٨٧ البقرة، ظن ناس أن المراد أن يظل الصائم يأكل حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود، وهذا غلط صححته الآية إذ نزل قوله تعالى \"من الفجر\" فعلموا أنه إنما يعنى الليل والنهار، وبين لهم ذلك رسول الله ﷺ كما فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصوم، باب قوله (كلوا واشربوا... الآية) ٤/١٥٧ رقم ١٩١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556152,"book_id":1504,"shamela_page_id":639,"part":null,"page_num":638,"sequence_num":639,"body":".. وتأمل قوله: \"إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله تعالى\" فالكذب هنا بمعنى \"الخطأ\" (١) أى: فلن أخطأ فيما أبلغ من وحى الله تعالى؛ ولا يصح أن يكون المراد حقيقة الكذب، لأنه ﷺ معصوم منه، حتى ولو حدث عن غير الله تعالى! إذن فمراده ﷺ، أنه اجتهد، وفى اجتهاده أخطأ؛ بدليل ما جاء فى رواية رافع بن خديج من قوله ﵊: \"إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر\".\r... ولكن: هل هذا الاجتهاد فى قصة تأبير النخل معصوم فيه بوحى؟.","footnotes":"(١) بدليل ما صح عنه ﷺ من إطلاق هذه اللفظة \"الكذب\" فى حق بعض أصحابه، ولا يصح حملها على حقيقتها فى حقهم لعدالتهم، وإنما مراده بها \"الخطأ\" من ذلك قوله صلى الله عليه= =وسلم: \"كذب من قال ذلك\" فى الرد على ظن أن عامر بن الأكوع قتل نفسه فى غزوة خيبر حيث أصابه سيفه، وهو يبارز \"مرحباً\" ملك اليهود. الحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب غزوة خيبر ٦/٤٠٤ رقمى ١٨٠٢، ١٨٠٧ وقوله ﷺ: \"كذب أبو النسابل – حبة بن بعكك – ليس كما قال، قد قال قد حللت فانكحى\" وذلك فى الرد على أبى السنابل الذى قال لسبيعه بنت الحارث وقد وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام: إنك لا تحلين حتى تمكثى أربعة أشهر وعشراً، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: كذب أبو السنابل، ليس كما قال\" الحديث أخرجه سعيد بن منصور فى سننه كتاب الطلاق، باب عدة الحامل ١/٣٥٠ رقمى ١٥٠٦، ١٥٠٨، وعلى نحو هذا الاستعمال لكلمة الكذب جاء استعمال الصحابة لها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556153,"book_id":1504,"shamela_page_id":640,"part":null,"page_num":639,"sequence_num":640,"body":"أقول: نعم بدليل قوله بعد ذلك: \"إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه\" وقوله: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" حيث صار هذا القول منه اجتهاد بعد اجتهاد (١) وأقره الوحي على اجتهاده الثانى (٢) حيث لم يرد تنبيه أو تصويب ولا حتى عتاب، على هذا الاجتهاد فى القرآن الكريم ولا فى السنة المطهرة، وهو ما يعنى أن رب العزة أقره فى اجتهاده الثانى. أعنى: قوله ﷺ: \"إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه\" وقوله: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" وبهذا الإقرار صار اجتهاده هنا فى هذه المسألة وحى من الله تعالى، ولا يجوز مخالفته؛ وهو ما يقر به هنا الخصم حيث استدل بهذا الاجتهاد الثانى على ما يزعم، مع اختلافنا معه فى دلالة الحديث على ما يستدل به.\r... فالخصم يستدل بقوله ﷺ \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" على أن ما جاءت به السنة من شئون الدنيا يجوز مخالفته، حيث كل أمة فى زمانها أعلم بهذه الشئون من السنة؟.\r... كما استدلوا بقوله السابق، على أن ما يصدر عنه ﷺ بوصفه قاضياً، أو إماماً ورئيساً للدولة، سنة غير تشريعية ليست من الوحي؟ فهل هذه المعانى واردة ومرادة فيما استدلوا به؟.\r... بالقطع لا. فهذه المعانى ونحوها مستبعدة ولا تصح؛ لأن ما أطلقوا عليه سنة غير تشريعية منه الواجب والمحرم والمكروه والمندوب والمباح شرعاً على ما سبق تفصيله (٣) .","footnotes":"(١) وقد تكرر هذا الاجتهاد منه، واستدراكه باجتهاد آخر على ما سبق فى أمره ﷺ بالتحريق بالنار ثم رجوعه عن ذلك يراجع: نص الحديث وتخريجه ص٤٠٧.\r(٢) سيأتى بعد قليل محاولة لالتماس الحكمة فى عدم تدارك رب العزة لهذا الاجتهاد بالتصحيح فى أول مرة.\r(٣) يراجع: ص٤١٦ – ٤١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556154,"book_id":1504,"shamela_page_id":641,"part":null,"page_num":640,"sequence_num":641,"body":".. كما أن ما أطلقوا عليه سنة غير تشريعية وضع له الإسلام قرآنا وسنة، أرقى أنواع التشريع، لأن ما يصدر عن القاضى والحاكم ونحو ذلك مما يطلقون عليه سنة غير تشريعية، له علاقة بالأفراد والجماعات وهذه العلاقة تحكمها دائماً قواعد وضوابط لئلا يحيف بعض الأطراف على بعض؛ فهل يعقل أن الله ﷿ يترك المعاملات من بيع وشراء، وتفصيل الربا، والرهن، والشركة، وغيرها من المعاملات دون تشريع؟.\r... وهل يعقل أن يترك القاضى ورئيس الدولة ونحوهم دون تشريع ينظم علاقة كل منهما بمن تحت سلطانهم وحكمهم؟!.\rوبالجملة: هل يعقل أن يترك البشرية هملاً فى شئون دنياهم يأكل بعضهم مال بعض، ويظلم بعضهم بعضاً تحت عنوان: \"أنتم أعلم بشئون دنياكم\"؟.\r... هل يعقل أن يترك الله تعالى رسالة الإسلام (قرآناً وسنة) بما فيها من عقيدة وشريعة، ودين ودنيا، لرسول الله ﷺ دون رقابة أو تصحيح؟ فيخطئ، فتعمل الأمة مجتمعة بالخطأ أكثر من خمسة عشر قرناً حتى يبعث الله لها من يرعى مصالحها، أو يزعم أنه أعلم بمصالحها، ويخالف حكم رسول الله ﷺ فيما جاء به من تشريعات فى شئون الدنيا؟ أظن أن العقل المسلم السليم يستبعد ذلك كل الاستبعاد.\r... ومن هنا فلا يصح أن يكون المعنى فى قوله ﷺ: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" أن كل فرد أو أمة أعلم من غيرها بشئون ومصالح نفسها فى الأمور الدنيوية؛ لأن هذا المعنى وإن صح فى المباحات، فلا يصح فى الواجبات والمحرمات، فالشرع وحده هو الذى حددها على أنها مصلحة بناء على سبق علمه الذى خلق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556155,"book_id":1504,"shamela_page_id":642,"part":null,"page_num":641,"sequence_num":642,"body":".. ثم إن هذا المعنى لا يتناسب مع القصة؛ فكما قلت: رسول الله ﷺ اجتهد فى عدم تأبير النخل، وخالف اجتهاده الصواب، فجاء التصحيح لما اجتهد فيه بقوله: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم\" والمراد: أنتم أيها الذين تلقحون النخل ومن على شاكلتكم من أهل الصناعات والمهارات والخبرات أعلم بصنائعكم منى. وممن ليس من أهل الصناعات، والكلام على التوزيع، على معنى: أن كل أهل صنعة أعلم بها ممن ليسوا من أهلها، كما يقال: أهل مكة أدرى بشعابها.\r... ويصح أن يكون المعنى أيضاً: أنتم أيها الذين تلقحون النخل أعلم بما يصلح النخل منى وممن لا علم له بالزراعة، أى أنتم أعلم بشئون دنياكم هذه التى تباشرونها، والتى لم تنجح فيها مشاورتى الاجتهادية، أعلم منى ومن مثلى، فالحديث على هذا واقعة عين أو واقعة حال، لا يستدل بها على غيرها أصلاً.\r... وعلى كل حال لا يصح الاستدلال بالحديث على إباحة التغيير فى المعاملات (١) أو غيرها من شئون الدنيا التى أطلقوا عليها سنة غير تشريعية. لأن الحديث – كما رأيت – تطرق إليه أكثر من احتمال فى معناه، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\r... بقى سؤال يطرح نفسه، وربما يثور فى نفوس البعض وهو: لماذا ألهم الله رسوله ﷺ، أن يشير عليهم بهذه الإشارة مع أنها لم تكن فى مصلحتهم؟.\r... ولماذا جعلهم الله يستسلمون لمجرد الإشارة، وهم المعرفون بالمراجعة والنقاش وكثرة السؤال؟.","footnotes":"(١) يقول فضيلة الدكتور موسى شاهين: \"إدخال المعاملات الممنوعة شرعاً تحت هذا الحديث هو الذى لم نسمع به من قبل، ولم يسبق به الدكتور عبد المنعم النمر على مدى علمى، وأرجو ألا يتبعه فى ذلك أحد\" أهـ ينظر: السنة والتشريع ص٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556156,"book_id":1504,"shamela_page_id":643,"part":null,"page_num":642,"sequence_num":643,"body":".. ولماذا لم يتدارك الله هذا الاجتهاد بالتصحيح قبل أن تنتج شيصاً للمسلمين يسخر منه اليهود، وأعداء الإسلام حين يصح نخلهم، ويسوء نخل المسلمين بسبب مشورة نبيهم ﷺ؟.\r... الجواب: عن ذلك فى محاولة تلمس حكمة لهذه القصة، فإن حصلت بها قناعة واطمئنان فالحمد لله، وإلا فنحن مؤمنون أرسخ الإيمان بأن لله ﷿ فى ذلك حكمة، وهو الحكيم الخبير. ولعل الحكمة فى ذلك تدور حول ثلاث أمور:\rأولاً: صرف بلاء الأعداء عن المؤمنين الذين لم تقو شوكتهم بعد: ألم يكن هذا من الجائز أن يطمع الكافرون فى المدينة وتمرها، فيهاجموها من أجل نزول رسول الله ﷺ فيها؟ فخروج التمر شيصاً جعلها غير مطمع، وصرف الله بذلك هجوم الكافرين حتى يستعد المؤمنون؟ احتمال.\rثانياً: تعليمهم الأخذ بأسباب الحياة بهذا الدرس العملى الذى كان قاسياً عليهم فتنافسوا بعده فى أسباب الحياة.\rثالثاً: اختبارهم فى صدق إيمانهم، فهذه القصة حتى اليوم فى هذا البحث ابتلاء واختبار، وقد نجح الصحابة رضى الله عنهم فى هذا الاختبار القاسى، وهم فى أول الإيمان، نجاحاً باهراً، فقد استمروا فى طاعة أوامره ﷺ، ولم يرد إلينا ردة أحد بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم لرسول الله ﷺ عليها رغم خسارتها، مما يشهد لهم بالإيمان الصادق المتين (١) ولعل تلك الحكمة الأخيرة هى أوجه الحكم فى هذه القصة. والله أعلم بحكمته أهـ.\rوصلى الله وسلم وبارك على المعصوم\rالهادى الأمين، ورزقنى الله حبه، ونصرته","footnotes":"(١) استفدت جل ما ورد فى نقض دليل أن السنة ليست كلها وحى من \"السنة والتشريع\" لفضيلة الدكتور موسى شاهين ص٣٢ – ٤٧ بتصرف. وينظر: للاستزادة، السنة تشريع لازم ودائم للدكتور فتحى عبد الكريم ص٣٢، ٣٣، والأنوار الكاشفة لعبد الرحمن اليمانى ص٢٧ – ٤٠، والمدخل إلى السنة للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٣٧ – ٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556157,"book_id":1504,"shamela_page_id":644,"part":null,"page_num":643,"sequence_num":644,"body":"واتباعه، وشفاعته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556158,"book_id":1504,"shamela_page_id":645,"part":null,"page_num":644,"sequence_num":645,"body":"الباب الرابع: عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه ودفع الشبهات\r... ويشتمل على تمهيد وسبعة فصول:\rتمهيد:\rالفصل الأول: شبهة اختلاف سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة والتاريخ عنها فى القرآن الكريم والرد عليها.\rالفصل الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث \"خلوة النبى ﷺ بامرأة من الأنصار\" والرد عليها.\rالفصل الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى\"نوم النبى ﷺ عند أم سليم وأم حرام\" والرد عليها.\rالفصل الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"طوافه ﷺ على نسائه فى ساعة واحدة\" والرد عليها.\rالفصل الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث \"مباشرة رسول الله ﷺ نسائه فى المحيض\" والرد عليها.\rالفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث \"دعوته ﷺ لعائشة رضى الله عنه استماع الغناء والضرب بالدف\" والرد عليها.\rالفصل السابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة\" والرد عليها.\r\rتمهيد:\r... إن رسول الله ﷺ لا تقتصر مهمته على مجرد بلاغ الوحي قرآناً وسنة، وإنما فوق ذلك نموذج حى ومتحرك، يطبق عليه الشرع الذى جاء به بأوفى ما يكون من التطبيق، حتى يظهر هذا الشرع أمام أمته وقومه فى أجلى صورة عملية.\r... وكان رسول الله ﷺ فى هذا التطبيق معصوماً فى أحواله كلها، وشهد له بتلك العصمة القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله فى أكثر من موضع فى البحث (١) .","footnotes":"(١) يراجع: ص٤٧ - ١٠٧، ٢٦٤ - ٢٧٨، ٣٩٤ - ٤١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556159,"book_id":1504,"shamela_page_id":646,"part":null,"page_num":645,"sequence_num":646,"body":".. كما دل على عصمته ﷺ فى سلوكه وهديه؛ اتفاق السلف وإجماعهم، وذلك أن نعلم من دين الصحابة رضى الله عنهم وعادتهم، مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره ﷺ فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، ولم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهواً أو عمداً، أو رضا أو سخطاً، أو جداً أو مزحاً، أو صحة أو مرضاً أو ... الخ.\r... وقد سبق ذكر الأمثلة على مسارعة السلف الصالح رضى الله عنهم إلى التأسى به ﷺ، والتبرك بآثاره فى جميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة (١) .\r... إلا أن أعداء السنة المطهرة، يحرصون فى عصرنا على تناول الأحاديث الصحيحة التى تتناول سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة؛ وخاصة صحيحى البخارى ومسلم بالنقد والتجريح، المزور الباطل، وذلك كى يصلوا فى النهاية إلى التشكيك فى السنة والسيرة العطرة الواردة فيها، وصرف المسلمين عنها؛ بزعمهم أن كتب السنة ورواتها شوهوا سيرة المعصوم ﷺ.\r... إن هؤلاء النابتة من أعداء ديننا وأمتنا، اتخذوا من تحكيم عقولهم الزائغة القاصرة، المقياس الأول والأخير فى نقدهم للأحاديث والحكم عليها، ويتخذون من ذلك ذريعة إلى إنكار الأحاديث التى تتناول سيرة المصطفى ﷺ، وتخطئة علماء السنة، وتخطئة الجمهرة من المسلمين الذين اهتدوا بهديهم وعلمهم، وساروا على دربهم، يدفعهم إلى ذلك عمى البصيرة، وحقد دفين على سنة رسول الله ﷺ كما يهدفون إلى أن يبتعد الناس عن نور النبوة المباركة وهديها المستقيم، وهم يطوون حقدهم وأهدافهم وراء تناول بعض الأحاديث التى تحتاج إلى فهم خاص، يتلاءم مع مبادئ الإسلام، والفهم الصحيح لتعاليمه وقيمه.","footnotes":"(١) يراجع: ص١٤ – ٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556160,"book_id":1504,"shamela_page_id":647,"part":null,"page_num":646,"sequence_num":647,"body":".. وسوف أذكر نماذج من تلك الأحاديث الصحيحة التى تتناول سيرة رسول الله ﷺ؛ والتى طعنوا فيها بحجة أنها تطعن فى عصمته ﷺ فى سلوكه وهديه.\r... ولكن قبل ذكر تلك النماذج والجواب عنها؛ أرى الرد على زعمهم أن سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة والتاريخ تختلف عنها فى القرآن الكريم، لما فى ذلك من صلة بالأحاديث التى تعمدوا الطعن فيها، وطبيعة نقدهم لها.\rفإلى بيان ذلك فى الفصل التالى\r\rالفصل الأول: شبهة اختلاف سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة\rوالتاريخ عنها فى القرآن الكريم والرد عليها\r... حرص أعداء السنة المطهرة، وهم يطعنون فى صحيح الإمام البخارى، بل وفى سائر كتب السنة المطهرة، إيهام الناس أجمعين بأن سيرة النبى ﷺ، وشخصيته كما رسمها القرآن الكريم، تختلف عن شخصيته وسيرته كما رسمها الإمام البخارى، وغيره من أصحاب كتب السنة المطهرة.\r... والنتيجة كما يزعمون الإساءة المتعمدة، وتشويه سيرة النبى ﷺ وشخصيته العطرة من الإمام البخارى، وسائر أئمة السنة (وعصمهم الله من ذلك) وهم قد لبسوا لهذه النتيجة لباس العلماء، لإيهام من يقرأ لهم أنهم على صواب، فساروا إلى أحاديث السيرة الشريفة فى الصحيحين، وعمدوا إلى بترها تارة، وإلى إعادة صيغتها بأسلوبهم، وتحميل ألفاظها مالا تحتمل من المعانى تارة ثانية، وعمدوا إلى الأمرين معاً تارة ثالثة، ووضعوا صياغتهم الخبيثة عناوين لأحاديث السيرة الصحيحة التى طعنوا فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556161,"book_id":1504,"shamela_page_id":648,"part":null,"page_num":647,"sequence_num":648,"body":"فتجد أحمد صبحى منصور فى كتابه \"لماذا القرآن\" (١) يخصص الفصل الثالث منه للطعن فى السيرة النبوية الواردة فى السنة المطهرة، ويبدو ذلك واضحاً فى العناوين التى وضعها؛ والتى منها ما يلى: \"سيرة النبى ﵇ بين حقائق القرآن وروايات البخارى\"، \"البخارى ينسب للنبى الأكاذيب والمتناقضات\"، \"القرآن يحرص على حرمة بيت النبى التى هتكتها كتب الأحاديث\"، \"هل كان النبى يباشر نساءه فى المحيض\"، \"هل كان لدى النبى متسع ليكون كما وصفته تلك الأحاديث\" (٢) .\rوفى كتابه \"قراءة فى صحيح البخارى\" يعنون للفصل الثانى منه بعنوان: \"النبى والنساء من خلال أحاديث البخارى\" وذكر تحته عناوين منها: \"فى البخارى النبى يدور على نساء الآخرين ويخلو بهن\"، \"فى البخارى هوس النبى بالجماع\".\rويعنون للفصل الثالث: \"البخارى يهدم شخصية النبى رسولاً وحاكما\"، ويعنون للفصل الرابع: \"منهج البخارى فى تصويره شخصية النبى\" (٣) .\rويبين أحمد صبحى هدفه من كل ما سبق فى كتابيه: \"لماذا القرآن\" و\"قراءة فى صحيح البخارى\" قائلاً: \"ومن واقع نظرتنا للبخارى كأحد علماء التراث؛ فإننا لا نقصد مطلقاً أن نعقد مقارنة بينه وبين القرآن الكريم – نعوذ بالله من ذلك – وإنما نقصد من هذا المبحث رصد تلك الفجوة الهائلة بين سيرة النبى فى القرآن، وبين سيرته المتناثرة بين سطور البخارى\" (٤) .","footnotes":"(١) هذا الكتاب باسم مستعار (عبد الله الخليفة) وحدثنى أحمد صبحى أن الكتاب له، وأن الأصل فى عنوان الكتاب \"القرآن وكفى\" ومما يؤكد ما قاله أن نفس عناوين فصوله، وعباراته تتشابه، بل تصل إلى حد تكرارها بنصها فى كتابه \"قراءة فى صحيح البخارى\" وهو كتاب مخطوط بخط يده، وعليه توقيعه.\r(٢) لماذا القرآن أو القرآن وكفى ص٧٩ – ١٢٥.\r(٣) قراءة فى صحيح البخارى ص١٧ – ٤٧.\r(٤) لماذا القرآن ص٨٥، ٤٢ وينظر: قراءة فى صحيح البخارى ص٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556162,"book_id":1504,"shamela_page_id":649,"part":null,"page_num":648,"sequence_num":649,"body":"وتجد نيازى عز الدين يعقد فى كتابه \"دين السلطان\" فصولاً يطعن فيها هو الآخر فى السيرة النبوية الواردة فى السنة المطهرة، ويعنون لبعض فصوله هكذا.\rالفصل السادس: أسلوب الإساءة المتعمدة لشخص الرسول ﷺ.\rالفصل السابع: الأحاديث التى تناقض أخلاق الرسول ﷺ.\rالفصل الثامن: لماذا شوهوا صورة الرسول الكريم من خلال الأحاديث.. الخ.\r... ويبين هدفه مما سبق من عناوين فصوله، وما ذكره تحتها من أحاديث طعن فيها قائلاً: \"ما هى الصورة التى صورها جنود السلطان عن الرسول ﷺ وزوجاته؛ ليس فى كل الحديث، ولكن فقط فى صحيح البخارى ومسلم؟.\r... فما هى الصورة من خلال ما اختاره الشيخان للرسول الكريم ﷺ حتى تكون بالتالى صورة لدى كل المسلمين عن رسولهم وآله أجمعين؟ لقد استغل الرواة والمحدثين وأغلبهم من الحاقدين والموتورين، استخدام الأحاديث بشكل يكون ظاهرها تعليمياً، وباطنها الدس والإساءة للرسول ﷺ ونسائه أمهات المؤمنين أجمعين\" (١) .\rوتجد صالح الوردانى، يخصص أحد مؤلفاته ليدافع بها عن رسول الله ﷺ ضد من ظلموه فى نظره من الفقهاء والمحدثين؛ ويزعم أن الروايات التى تتحدث عن سيرته \"تمثل أكبر إهانة لشخص الرسول، وأن موقف أهل السنة منها لهو إهانة أكبر وهو إن دل على شئ، فإنما يدل على أن القوم ألغوا عقولهم، وطمسوا بصيرتهم حتى أنهم لم يعوا مدلول قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٢) وأن هذا الخلق العظيم الذى وصفه به سبحانه ليتنافى مع ما هو أقل مما يلصقونه به عن طريق هذه الروايات\" (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: دين السلطان ص٩٢، ٩٣.\r(٢) الآية ٤ القلم.\r(٣) ينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين، الكتاب بكامله، وينظر: له أيضاً أهل السنة شعب الله المختار ص٧٢، ٧٤، والخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة ص٧٦، ٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556163,"book_id":1504,"shamela_page_id":650,"part":null,"page_num":649,"sequence_num":650,"body":"وتجد هشام آل قطيط (١) يقول فى كتابه: \"حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين\" تحت عنوان \"النبوة فى الصحيحين البخارى ومسلم\" \"أقول إنه من المؤسف حقاً أن نجد نفس الخرافات، والافتراءات النابية التى عجت بها التوراة والإنجيل بحق الأنبياء فى الصحيحين والأنكى من ذلك والأدهى والأمر، أن الصحيحين لم يكتفيا بلطخات العار السوداء هذه بحق الأنبياء، حتى ارتكبا ما هو أفظع وأمر، بالافتراء على النبى ﷺ، تلك الافتراءات المشينة، والتى نربأ نحن بأنفسنا عن ذكرها، فكيف بفعله؟ وتشويه صورته المقدسة بما لا ينسجم مع أى حال، وما رسمه القرآن الكريم لها\" (٢) .\rولم يكتف أعداء الإسلام من خصوم السنة والسيرة بما سبق، بل زعموا: \"أن الربط بين كتاب الله ﷿، والسنة النبوية، فى تحديد شخصية وسيرة النبى ﷺ، صورة من صور تأليه الرسول، ومن يعتقد بها فقد وقع فى عبادة الرجال\" (٣) .\rيقول أحمد صبحى منصور: \"والمؤكد أن الذى سيصمم على الانتصار للبخارى والتعصب له بعد قراءة هذا الكتاب، إنما هو فى الحقيقة عابد له لا يشرك فى عبادته أحد\" (٤) .","footnotes":"(١) كاتب شيعى، سورى معاصر. من مؤلفاته: وقفه مع الدكتور البوطى فى مسائلة، وحوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين للدكتور البوطى.\r(٢) حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين ص٢٩، وينظر: تأملات فى الصحيحين لمحمد صادق نجمى ص٢٤٢، ومساحة للحوار لأحمد حسين يعقوب ص١١٧، ودين السلطان لنيازى عز الدين ص٩٢، ٩٣، ٤١٨ - ٦١٧، ومجلة أكتوبر العدد ١٢٤٢ بتاريخ ١٣/٨/٢٠٠٠ مقال لمحمد الطحلاوى - مساعد رئيس تحرير المجلة - بعنوان \"الإساءة إلى رسول الله وأهل بيته فى كتب البخارى ومسلم... فهل آن الأوان لتنقية كتب السنة من الدس والتزييف؟ \".\r(٣) دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٤٧، ٥٣.\r(٤) قراءة فى صحيح البخارى ص٤٨، وينظر: لماذا القرآن ص٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556164,"book_id":1504,"shamela_page_id":651,"part":null,"page_num":650,"sequence_num":651,"body":"ويجاب عن ما سبق بما يلى:\rأولاً: إذا كان أعداء الإسلام من خصوم السنة المطهرة، يتظاهرون هنا كذباً بأنهم يدافعون عن سيرة النبى ﷺ الواردة فى السنة النبوية فقد سبق أن وجدت بعضهم يطعن صراحة فى سيرته ﷺ مستشهداً بالقرآن الكريم، وزاعماً كذباً أنه ﷺ غير معصوم، ويجوز عليه الشرك الأكبر، وأنه كان فى ضلال وغفلة قبل الرسالة، إلى غير ذلك من افتراءاتهم التى سبق الجواب عنها فى موضعها.\rثانياً: من المقرر عند علماء المسلمين كافة أنه ليس لأحد أن يرسم من خياله صورة لنبى مرسل، ولا أن يحدد شخصيته ودوره، وسيرته فى أمته، سواء كان هذا النبى هو النبى الخاتم ﷺ، أو غيره من الأنبياء.\r... فالأنبياء جميعاً – عليهم الصلاة والسلام – قد اصطنعهم الله ﷿ لنفسه، وهو قد صنعهم على عينه، كما قال ﷿ فى حق سيدنا موسى ﵇ ﴿وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿واصطنعتك لنفسى﴾ (٢) .\r... وإثبات اصطناع الله ﷿ لواحد من الأنبياء، هو إثبات لاصطناع سائر الأنبياء، لأن حقوقهم واحدة من هذه الناحية لا تختلف أبداً، فما يجب فى حق واحد منهم يجب كذلك فى حق الجميع، وما يستحيل فى حق واحد منهم يستحيل كذلك فى حق الجميع.\r... وعليه فالله ﷿ وحده الذى يستطيع أن يرسم لنا صورة لمن اصطنعه لنفسه، وصنعه على عينه، ويحدد لنا شخصيته ودوره، وسيرته.. الخ هذا كله لله ﷿ وحده، وليس لأحد أن يتدخل فى شئ منه.","footnotes":"(١) الآية ٣٩ طه.\r(٢) الآية ٤١ طه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556165,"book_id":1504,"shamela_page_id":652,"part":null,"page_num":651,"sequence_num":652,"body":"ثالثاً: بناء على ما سبق فقد اعتبر العلماء أن سيرة النبى ﷺ وشخصيته العطرة حددها رب العزة فى كتابه العزيز. واستدلوا على ذلك بما أخرجه الإمام مسلم وغيره من طريق سعد بن هشام بن عامر (١) أنه سأل عائشة رضى الله عنها عن خلق رسول الله ﷺ بقوله: \"يا أم المؤمنين أنبئينى عن خلق رسول الله ﷺ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شئ حتى أموت\" (٢) .","footnotes":"(١) الأنصارى، المدنى، ابن عم أنس بن مالك رضى الله عنه، روى عن عائشة وابن عباس وغيرهم ثقة، مات بأرض الهند غازياً. له ترجمة فى: تقريب التهذيب ١/٣٤٦ رقم ٢٢٦٥، والجمع بين رجال الصحيحين ١/١٥٩ رقم ٦١٤، ومشاهير علماء الأمصار ص١١٥ رقم ٦٥٩.\r(٢) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض ٣/٢٧٩ رقم ٧٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556166,"book_id":1504,"shamela_page_id":653,"part":null,"page_num":652,"sequence_num":653,"body":".. وفى رواية عنها قالت: \"كان خلق رسول الله ﷺ القرآن. ثم قالت أتقرءون سورة \"المؤمنون\"؟ قال: قلنا نعم، فقالت: اقرأ، قال: فقرأت: ﴿قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون﴾ (١) فقالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ (٢) وفى رواية ثالثة قالت: \"كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه\" (٣) .\r... وهذا الجواب الوجيز الجامع من أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: \"فإن خلق نبى الله القرآن\" أجمع وصف يعرف به شخصيته ﷺ وسيرته العطرة.\r... فقد أفادت عائشة رضى الله عنها السائل أنه ﷺ كان يتمثل القرآن فى أقواله وأفعاله، وأوامره، ونواهيه \"وأن كلامه كان مطابقاً للقرآن تفصيلاً وتبياناً، وعلومه علوم القرآن، وإرادته وأعماله: ما أوجبه وندب إليه القرآن، وإعراضه وتركه: لما منع منه القرآن، ورغبته: فيما رغب فيه القرآن، وزهده: فيما زهد فيه، وكراهيته لما كرهه، ومحبته لما أحبه، وسعيه فى تنفيذ أوامره.\r... فترجمت أم المؤمنين رضى الله عنها لكمال معرفتها بالقرآن، وبالرسول ﷺ، عن هذا كله بقولها: كان خلقه القرآن، وقد حسن تعبيرها وجمع من المعانى مالا يجمعه كثير الكلام.","footnotes":"(١) الآيات ١ – ٥ المؤمنون.\r(٢) أخرجه أبو الشيخ فى أخلاق النبى ﷺ وآدابه ص٢٧، والنسائى فى سننه الكبرى كتاب التفسير، باب سورة المؤمنون ٦/٤١٢ رقم ١١٣٥٠، والحاكم فى المستدرك ٢/٤٢٦ رقم ٣٤٨٠ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد ١/٤٠٧ رقم ٣٠٨، والبيهقى فى دلائل النبوة ١/٣٠٩.\r(٣) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ١/٣٠٩ من رواية أبى الدرداء رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556167,"book_id":1504,"shamela_page_id":654,"part":null,"page_num":653,"sequence_num":654,"body":".. وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى به واشتفى\" (١) فهم أن يقوم ولا يسألها عن شئ كما جاء فى الحديث، وتأهب لأن يرجع إلى القرآن فيبحث عن مكنونات جواهره الأخلاقية، ويستدل بها على أخلاق النبى ﷺ، لأنه كان أوفى من يطبق آياته.\r... ولا ريب أنه إن فعل ذلك فإنه سيجد بغيته كاملة؛ لأن رسول الله ﷺ قد كان متمسكاً بآداب القرآن وأوامره، ونواهيه، وجميع ما قصه الله تعالى! فى كتابه من مكارم الأخلاق عن نبى أو ولى، أو حث عليه أو ندب إليه، كان ﷺ متخلقاً به.\r... وكل ما نهى عنه ونزه عباده عنه، كان ﷺ لا يحوم حوله، لأنه كان يبين القرآن بأقواله وأفعاله وأحواله، وتلك هى مهمته التى كلفه الله تعالى بها بمثل قوله ﷿: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٢) .\r... ولأن الإحاطة بكل أخلاقه ﷺ، والتعرض لحصر جزئياتها تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، وأمر يطول، أرادت السيدة عائشة رضى الله عنها أن تقرب للسائل إدراك ما لابد من إدراكه من تلك الجزئيات الأخلاقية فأوقفته على مثال واحد، وهو ما تضمنته مقدمة سورة المؤمنون\" ليذهب فيستضئ بذلك المثال، لاستنباط أخلاقه ﷺ من القرآن على ذلك الغرار.","footnotes":"(١) شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ٨/٤٤١ بتصرف يسير.\r(٢) الآية ٤٤ النحل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556168,"book_id":1504,"shamela_page_id":655,"part":null,"page_num":654,"sequence_num":655,"body":"أو دلته على منهج يتبعه فى الوقوف على جزئيات أخلاقه ﷺ من خلال القرآن، كما فى رواية: \"كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه\" (١) فدلته على المواطن التى فيها رضا لله تعالى من صنوف الطاعات والقربات، فيعلم أن النبى ﷺ قد كان متخلقاً بها، ويرضيه انتهاجها من نفسه، ومن أمته، وعلى المواطن التى فيها إغضاب لله تعالى من صنوف الإشراك والمعاصى، فيعلم أن النبى ﷺ كان فى غاية البعد عنها، وأنه يغضب لاقترافها، والعمل بها من أحد من البشر، وإذا غضب لله فلا يقوم لغضبه أحد كما لا يخفى.\r... إذن كلمة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: \"فإن خلق نبى الله كان القرآن\" تعنى: أنه ﷺ هو والقرآن كيان واحد، يتمثل فى شخصه الكريم، كل ما فى القرآن الكريم من أخلاق، وآداب، وفضائل، ومكارم، يترجمه ﷺ فى كل كلامه وأفعاله بما فيها حركاته وسكناته، حتى استحق من ربه ﷿ الثناء العظيم فى قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٢) .\r... وأستطيع أن أقول بدون تردد: إن القرآن الكريم هو شريعة الإسلام قولاً، ورسول الله ﷺ هو شريعة الإسلام عملاً فحياته ﷺ كلها، وما صدر عنه فيها من أقوال، وأفعال وتقديرات حتى الحركات والسكنات، هى تفصيل وبيان وترجمة حية لما اشتمل عليه القرآن الكريم من عقائد، أو عبادات، أو معاملات أو أخلاق، أو حدود، أو أحوال شخصية... الخ.","footnotes":"(١) سبق تخريجه قريباً.\r(٢) الآية ٤ القلم. وينظر: أخلاق النبى ﷺ فى القرآن والسنة للدكتور أحمد الحداد ١/٧٨، ٧٩، وشرح الزرقانى على المواهب اللدنية ٨/٤٤٠، ٤٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556169,"book_id":1504,"shamela_page_id":656,"part":null,"page_num":655,"sequence_num":656,"body":".. وإذن فلم تكن هذه المفتريات التى زعمها أعداء الإسلام من خصوم السنة على سيرة النبى ﷺ الواردة فى صحيح السنة النبوية، لم يكن مقصوداً بها الرسول لذاته، وإنما كانت غايتها تدمير الشريعة وصاحب الشريعة جميعاً، ثم يتأتى من وراء ذلك تدمير المجتمع الإسلامى كله!.\r... والنتيجة من كل ما سبق: أن القرآن الكريم خير مصدر لمعرفة شخصية رسول الله ﷺ، وسيرته الشريفة، معرفة واضحة دقيقة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.\r... فالقرآن الكريم هو الباعث لتشخيص شخصية رسول الله ﷺ وسيرته منذ البعثة وما بعدها، وهو أيضاً المسيطر على دفع أو كبح أو تعديل حركة السيرة، والإشراف المتحكم بمفاهيم وقائعها (١) .\r\rرابعاً: إذا كان القرآن الكريم هو الباعث لتشخيص شخصية السيرة النبوية، وكانت تلك السيرة العطرة هى الترجمة الحية لذلك الكتاب العزيز عرفت هنا فقط: أن كتاب السيرة النبوية وعلماءها، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة، إلا تثبيت ما هو ثابت منها، بمقياس علمى، يتمثل فى قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم.\r... فإن انتهت بهم هذه القواعد العلمية الدقيقة إلى أخبار ووقائع، وقفوا عندها ودونوها، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعتهم النفسية، أو مألوفاتهم البيئية إلى شئ من تلك الوقائع بأى تلاعب أو تحوير.\r... لقد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية التى يتم الوصول إلى معرفتها، بالقواعد العلمية التى تتسم بمنتهى الدقة، حقيقة مقدسة، يجب أن تجلى أمام الأبصار والبصائر كما هى.","footnotes":"(١) ينظر: المؤتمر العالمى الرابع للسيرة والسنة ٢/٥٥٢ مقال الدكتور عبد الجليل عبد الرحيم بعنوان: أهمية السيرة فى تفسير القرآن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556170,"book_id":1504,"shamela_page_id":657,"part":null,"page_num":656,"sequence_num":657,"body":".. كما كانوا يرون أن من الخيانة العلمية والدينية التى لا تغتفر أن ينصب من التحليلات الشخصية؛ والرغبات النفسية، التى هى فى الغالب من انعكاسات البيئة، ومن ثمار العصبية، حاكم مسلط يستبعد منها ما يشاء، ويحور فيها كما يريد.\r... ضمن هذه الوقاية من القواعد العلمية، وعلى ذلك الأساس من النظرة الموضوعية للتاريخ، وصلت إلينا سيرة المعصوم ﷺ بدءاً من نسبه، وولادته، إلى طفولته، فصبوته اليافعة، إلى الإرهاصات الخارقة التى صاحبت مراحل طفولته، وشبابه، إلى بعثته، وظاهرة الوحي التى تجلت فى حياته، إلى أخلاقه، وصدقه، وأمانته، إلى الخوارق والمعجزات التى أجراها الله تعالى على يده، إلى مراحل الدعوة التى سار فيها لتلبية أمر ربه، من سلم، فدفاع، فجهاد مطلق حيثما طاف بالدعوة إلى الله تعالى أى تهديد، إلى الأحكام والمبادئ الشرعية التى أوحى بها إليه، قرآناً معجزاً يتلى، وأحاديث نبوية تشرح وتبين.\r... لقد كان العمل التاريخى إذن بالنسبة إلى هذه السلسلة من سيرته ﷺ ينحصر فى نقلها إلينا محفوظة مكلوءة، ضمن تلك الوقاية العلمية التى من شأنها ضبط الرواية من حيث الإسناد واتصاله، ومن حيث الرجال وتراجمهم، ومن حيث المتن أو الحادثة، وما قد يطوف بها من شذوذ، وعلة.\r... أما عملية استنباط النتائج والأحكام، والمبادئ، والمعانى، من هذه الأخبار (بعد القبول التام لها) فعمل علمى آخر يميز بعلم الحديث رواية، وهو عمل علمى متميز، ومستقل بذاته، ينهض بدوره على منهج وقواعد أخرى، من شأنها أن تضبط عملية استنباط النتائج والأحكام من تلك الأحداث، ضمن قالب علمى يقصيها عن سلطان الوهم، وشهوة الإرادة النفسية، والتى عبر عنها أعداء الإسلام من خصوم السيرة العطرة الواردة فى السنة المطهرة بصياغاتهم الخبيثة التى سبق ذكر بعضها فى أول هذا الفصل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556171,"book_id":1504,"shamela_page_id":658,"part":null,"page_num":657,"sequence_num":658,"body":".. وهذا بخلاف أئمة الإسلام من الفقهاء والمحدثين فقد استنبطوا من أحداث السيرة النبوية طبقاً لقواعد علم الحديث رواية، أحكاماً كثيرة، منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين، ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك (١) .\r... إذن ليس للإمام البخارى، وغيره من أئمة السنة الشريفة، من أصحاب المصنفات الحديثية، والتاريخية، أن يرسموا شخصية النبى ﷺ، ولا سيرته العطرة، لأن دورهم كما سبق، هو تسجيل تلك التراجم الحية التى اشتمل عليها القرآن الكريم، من عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأخلاق، وحدود، وغزوات، وأحوال شخصية... الخ.\r\rخامساً: التأكد من صحة نقل السيرة النبوية الواردة فى السنة المطهرة، سهل ميسور من خلال دراسة السند والمتن، وهذا ما قام به أئمة أعلام من سلفنا الصالح، وأسفرت نتيجة جهودهم، إلى صحة أصول السيرة النبوية التى اشتملت عليها صحاح كتب السنة، وعلى رأسها الصحيحين للبخارى ومسلم، وهذان المصدران (القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة) أهم مصادر السيرة وأوثقها، وإليهما نرجع للاستيثاق مما يوجد فى المصادر الأخرى من كتب السيرة والتاريخ، والتى تتنوع بحسب موضوعاتها إلى كتب الشمائل، وكتب دلائل النبوة، وكتب المغازى، وكتب السيرة بوجه عام (٢) .\r\rسادساً: إذا كان القرآن الكريم أوثق كتاب على وجه الأرض، وكان من الثبوت المتواتر بما لا يفكر إنسان عاقل فى التشكيك بنصوصه وثبوتها التاريخى.\r... وإذا كانت السنة الشريفة نقلت لنا سيرة رسول الله ﷺ بالسند الصحيح المتصل مما يجب أن نقبله كحقيقة تاريخية لا يخالجنا الشك فيها.\r... فإنك تجد نفسك فى النهاية أمام أصح سيرة وأقواها ثبوتاً متواتراً هى سيرة المعصوم سيدنا محمد ﷺ.","footnotes":"(١) ينظر: فقه السيرة للدكتور محمد البوطى ص٢٠، ٢١ بتصرف.\r(٢) ينظر: دراسات فى السيرة وعلوم السنة لفضيلة الدكتور موسى لاشين ص٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556172,"book_id":1504,"shamela_page_id":659,"part":null,"page_num":658,"sequence_num":659,"body":".. واتباع تلك السيرة المطهرة، والاهتداء بها، واعتمادها فى معرفة شخصية النبى ﷺ. ليس فى ذلك عبادة للرجال الذين دونوها، كما يزعم أعداء الإسلام من خصوم السنة لأن الرجال الذين دونوها من الأئمة الأعلام، دورهم كما سبق هو تسجيل ذلك البيان النبوى للقرآن الكريم قولاً وعملاً، وتلك حقيقة علمية تاريخية لا ينكرها إلا جاحد!.\r... فأين عبادة الرجال التى يزعمها عبدة أهواءهم وشياطينهم؟! قال تعالى: ﴿افرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبى عدواً شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون﴾ (٢) .\rسابعاً: ليس فى الربط بين القرآن الكريم، والسنة النبوية فى تحديد شخصية وسيرة النبى ﷺ، شرك وتأليه لرسول الله ﷺ كما يزعم أعداء السنة المطهرة (٣) ، لأن الربط هنا ربط إلهى، وطاعة لله ﷿.","footnotes":"(١) الآية ٢٣ الجاثية.\r(٢) الآية ١١٢ الأنعام.\r(٣) يراجع كلام صالح الوردانى، وأحمد صبحى منصور السابق ص٤٣٦، ٤٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556173,"book_id":1504,"shamela_page_id":660,"part":null,"page_num":659,"sequence_num":660,"body":".. فرب العزة هو الآمر لعباده بوجوب الإيمان به ﷺ، وتصديقه فى كل ما يخبر به من الوحي الإلهى (متلو من القرآن، أو غير متلو من السنة) قال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا والله بما تعملون خبير﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) فالإيمان بسيدنا رسول الله ﷺ واجب متعين لا يتم إيمان إلا به، ولا يصح إسلام إلا معه لقوله تعالى: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً﴾ (٣) .\r... فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الإيمان برسول الله ﷺ، والربط بين الإيمان به، والإيمان بالله ﷿ شرك؟! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.\rوإذا وجب الإيمان به ﷺ، وجب تصديقه وطاعته فيما جاء به من الكتاب والسنة، لأن ذلك مما أمرنا به المولى ﷿ فى آيات عدة منها: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً﴾ (٥) .\r... فتأمل كيف جعل رب العزة طاعة رسوله ﷺ طاعته، وقرن طاعته ﷿ بطاعته ﷺ، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، وأوجب امتثال أمره، واجتناب نهيه.\r...","footnotes":"(١) الآية ٨ التغابن.\r(٢) الآية ١٥٨ الأعراف.\r(٣) الآية ١٣ الفتح، وينظر: الشفا ٢/٢.\r(٤) الآية ٥٩ النساء.\r(٥) الآية ٦٩ النساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556174,"book_id":1504,"shamela_page_id":661,"part":null,"page_num":660,"sequence_num":661,"body":"قال المفسرون والأئمة: طاعة الرسول فى التزام سنته، والتسليم لما جاء به، وقالوا: ما أرسل الله من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليه قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (١) فمن زعم بعد ذلك أن الربط بين طاعته ﷿، وطاعة رسوله ﷺ؛ شرك وتأليه لرسول الله ﷺ، فقد رد على ربه ﷿ كلامه! وقد سبق تفصيل ذلك فليراجع (٢) .\r...\rوجملة القول: أن منكرى السنة الذين يزعمون كذباً أن السيرة النبوية لرسول الله ﷺ، والتى نقلها أهل الحديث فى كتبهم مخالفة لسيرته فى القرآن الكريم، وأن المصادر الحديثية شوهت سيرته العطرة، كذبوا فى زعمهم وتظاهرهم هذا، فقد طعنوا أيضاً فى سيرته ﷺ الواردة فى القرآن الكريم بزعمهم عدم عصمته وأنه كان فى ضلال وغفلة قبل البعثة... الخ كما سبق الإشارة إلى ذلك فى أول الجواب.\r... وفى الحقيقة: فإن منكرى السنة، لا يريدون السنة، ولا يريدون أسانيد ولا يريدون نقله يصلون بهم إلى رسول الله ﷺ! وكيف يصلون إلى رسول الله ﷺ، وهم يكرهون من يوصل إليه، ويحملونهم إلى عصره، وييسرون لهم سماعه ومشاهدة أفعاله، وأحواله، وصفاته... الخ.\r... إنهم يكرهون الصحابة، ويكرهون التابعين، واتباع التابعين، وتبع الأتباع، واتباع التبع... إنهم يكرهون الدواوين التى جمعت كل هذه الطرق، وحفظت هذا الاتصال، ويكرهون من جمع هذه الدواوين.\r... يكرهون القواعد التى وضعها العلماء لاستخلاص السنة والسيرة، من وضع الوضاعين، وخطأ المخطئين، ووهم الواهمين.. يكرهون مدرسة الحديث بكل ما فيها، ومن فيها.","footnotes":"(١) الآية ٦٤ النساء. وينظر: الشفا ٢/٦.\r(٢) فى شبهة أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك ص٣٧٧ – ٣٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556175,"book_id":1504,"shamela_page_id":662,"part":null,"page_num":661,"sequence_num":662,"body":".. وهذه الكراهية فى الحقيقة كراهية لرسول الله ﷺ، وحقد على بقاء رسالته، متمثلة فى سنته، وسيرته العطرة، ومحاولة للقضاء على ما ورثته الأمة عنه ﷺ، من العلم الذى هو الميراث عن النبيين، وهو فى نفس الوقت حقد على هذه الأمة التى اختصها الله ﷿ بحفظ سنة وسيرة نبيها ﷺ على أكمل ما يكون الحفظ والتوثيق.\r... وإذا تقرر سابقاً أن سول الله ﷺ، هو والقرآن الكريم كيان واحد، وأن سيرته الشريفة هى الترجمة الحية، لما اشتمل عليه القرآن الكريم، من تعاليم وأحكام؛ فسوف يتأكد ذلك بالأمثلة عند الجواب على الأحاديث التى طعنوا فيها، وزعموا أنها تشويه لسيرته العطرة، وأنها مخالفة للقرآن الكريم، وتطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه.\rفإلى بيان ذلك فى الفصول التالية\r\rالفصل الثاني: شبهة الطاعنين فى حديث \"خلوة النبى ﷺ بامرأة من الأنصار\" والرد عليها\r... روى الإمام البخارى فى صحيحه بسنده عن أنس رضى الله عنه قال: \"جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ، ومعها صبى لها، فكلمها رسول الله ﷺ، فقال: \"والذى نفسى بيده، إنكم أحب الناس إلى مرتين\" (١) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبى ﷺ للأنصار أنتم أحب الناس إلى ٧/١٤٢ رقم ٣٧٨٦، وكتاب النكاح، باب ما يجوز أن يخلو الرجل بامرأة عند الناس ٩/٢٤٤ رقم ٥٢٣٤، وكتاب الإيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبى ﷺ ١١/٥٣٤ رقم ٦٦٤٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار رضى الله عنهم ٨/٣٠٦ رقم ٢٥٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556176,"book_id":1504,"shamela_page_id":663,"part":null,"page_num":662,"sequence_num":663,"body":".. بهذه الرواية طعن أعداء السيرة العطرة فى صحيح الإمام البخارى، وأوهموا القارئ بأن الحديث يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، وفى خلقه العظيم، حيث جاء فى الرواية أنه ﷺ، خلا بامرأة، ثم قال: \"إنكم أحب الناس إلى\".\r... يقول أحمد صبحى منصور: \"والرواية تريد للقارئ أن يتخيل ما حدث فى تلك الخلوة التى انتهت بكلمات الحب تلك، وذلك ما يريده البخارى بالطبع\" (١) .\rوالجواب:\rأولاً: أقول لهؤلاء النابتة الضالة التى تريد الطعن والتشكيك فى صحيح الإمام البخارى، لتسقط مكانته كأصح كتاب بعد كتاب الله ﷿، ولتسقط بسقوطه كل كتب السنة التى تليه، إذ هو بمثابة الرأس، لكتب السنة، وبسقوط الرأس يسقط كل الجسد.\r... أقول لهم: إن كنتم صادقين فى دعواكم تنزيه الرسول ﷺ، مما يشكك فى سيرته العطرة، وأخلاقه العظيمة، وعصمته فى سلوكه، وتزعمون أن البخارى بإخراجه لهذه الرواية فى صحيحه قد افترى كذباً على الرسول ﷺ، وشكك فى أخلاقه وعصمته ﷺ وعصم الله عزوجل - البخارى وغيره من أئمة السنة من ذلك.\r... وإن كنتم حقاً أهل علم، وبحث عن الحقيقة فلماذا تعمدتم عدم ذكر اسم عنوان الباب الذى ذكر تحته الإمام البخارى هذا الحديث؟ وهو باب \"ما يجوز أن يخلوا الرجل بالمرأة عند الناس\".\r... ولماذا تجاهلتم ما قاله شراح الحديث فى بيانهم للمراد من الخلوة، وكيف كانت تلك الخلوة، ولماذا اختلى بها النبى ﷺ؟.","footnotes":"(١) لماذا القرآن ص٩١، ٩٢، وقراءة فى صحيح البخارى ص٢٢، كلاهما لأحمد صبحى منصور، وينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين ص٣٩، ٦٤، ٣٠٩، ودفع الشبهات عن الشيخ الغزالى لأحمد حجازى السقا ص٢١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556177,"book_id":1504,"shamela_page_id":664,"part":null,"page_num":663,"sequence_num":664,"body":"نعم تعمدتم عدم ذكر ذلك تلبيساً منكم وتضليلاً للقارئ، ولأنكم تعلمون كما تعلم الدنيا بأسرها، أن فقه الإمام البخارى فى تراجم أبوابه، التى أعيا فحول العلماء حل ما أبداه فى هذه العناوين من أسرار! إنكم تعلمون أنكم بذكركم عنوان الباب، ينكشف سريعاً كذبكم وتضليلكم! كما أنكم تجاهلتم ما قاله شراح الحديث من أئمة المسلمين، والذين تحرصون على وصفهم بأنهم يقدسون البخارى، ويعبدونه من دون الله \"وعصمهم الله من ذلك\" تجاهلتم ما فسروه وبينوه من معنى \"خلوة الرجل بالمرأة عند الناس\" وكيف كانت تلك الخلوة؟.\r... والنتيجة من تجاهلكم كل ذلك أنكم سفهتم عقول أئمة المسلمين، واستخففتم بعقل القارئ لكم.\rثانياً: تعالوا بنا لنظهر للقارئ ما حرصتم على كتمانه؛ ولنترك له الحكم بعد ذلك؛ فيمن الصادق البخارى أم أنتم؟ ومن الطاعن والمشكك فى عصمة النبى ﷺ البخارى أم أنتم؟ ومن المحترم لعقل القارئ البخارى أم أنتم؟.\r... يقول الحافظ ابن حجر – ﵀ – شارحاً المراد من عنوان الباب الذى ذكر الإمام البخارى تحته حديث أنس. قال: قوله: \"باب ما يجوز أن يخلوا الرجل بالمرأة عند الناس\" أى: لا يخلوا بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان مما يخافت به؛ كالشئ الذى تستحى المرأة من ذكره بين الناس، وأخذ المصنف قوله فى الترجمة: \"عند الناس\" من قوله فى بعض طرق الحديث \"فخلا بها فى بعض الطرق أو فى بعض السكك\" وهى: الطرق المسلوكة التى لا تنفك عن مرور الناس غالباً.\r... وقوله: \"فخلا بها رسول الله ﷺ\" أى: فى بعض الطرق، ولم يرد أنس أنه خلا بها بحيث غاب عن أنصار من كان معه، وإنما خلا بها، بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما، من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله، ولم ينقل ما دار بينهما، لأنه لم يسمعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556178,"book_id":1504,"shamela_page_id":665,"part":null,"page_num":664,"sequence_num":665,"body":".. وفى رواية مسلم عن أنس: \"أن امرأة كان فى عقلها شئ، فقالت: يا رسول الله! إن لى إليك حاجة، فقال: يا أم فلان! أى السكك شئت، حتى أقضى لك حاجتك، فخلا معها فى بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها\" (١) .\r... قال الإمام النووى – ﵀ – قوله: \"خلا معها فى بعض الطرق\" أى: وقف معها فى طريق مسلوك، ليقضى حاجتها، ويفتيها فى الخلوة، ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان فى ممر الناس، ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها، لأن مسألتها مما لا يظهره\" (٢) .\rومن هنا استفاد الأئمة من هذه الرواية: \"أن مفاوضة الأجنبية سراً لا يقدح فى الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة رضى الله عنها، \"وأيكم يملك أربه كما كان ﷺ يملك أربه\" (٣) قلت: وإيانا أيضاً معصوم كعصمته ﷺ!.\rثالثاً: ليس فى قوله: \"إنكم أحب الناس إلى – مرتين – وفى رواية: ثلاث مرات\" ما يطعن فى عصمته ﷺ فى سلوكه وهديه، لأن هذه الكلمة قالها النبى ﷺ جهاراً على ملأ من الناس لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس.","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب قرب النبى ﷺ من الناس وتبركهم به ٨/٩٠ رقم ٢٣٢٦، وأبو داود فى سننه كتاب الأدب، باب الجلوس فى الطرقات ٤/٢٥٧ رقمى ٤٨١٨، ٤٨١٩.\r(٢) المنهاج شرح مسلم للنووى ٨/٩١ رقم ٢٣٢٦.\r(٣) سيأتى تخريجه ص٤٧٣ وينظر: فتح البارى ٩/٢٤٥ رقم ٥٢٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556179,"book_id":1504,"shamela_page_id":666,"part":null,"page_num":665,"sequence_num":666,"body":".. يدل على ذلك ما أخرجه البخارى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أبصر النبى ﷺ، نساءاً وصبياناً مقبلين من عرس فقام ممتناً فقال: \"أنتم من أحب الناس إلى\" (١) وهو على طريق الإجمال، أى: مجموعكم أحب إلى من مجموع غيركم.\r... فالكلمة إذن لم يقلها رسول الله ﷺ مغازلاً للمرأة الأنصارية التى اختلى بها ليقضى حاجتها؛ كما يحاول أن يزعم، ويستنتج أعداء الإسلام! وإنما قالها ﷺ، خطاباً لمجموع الأنصار. وتأمل قوله: \"إنكم\" ولم يقل \"إنك\".\r... وليس أدل على ما سبق أن الراوى للحديث أنس بن مالك، سمع هذه الجملة \"إنكم أحب الناس إلى\" وسمع كم مرة كررها رسول الله ﷺ فإذا كانت الكلمة مقصوداً بها المغازلة؛ فلم جهر بها ﷺ حتى سمعها أنس؟!.\r... ولم لم يسر بها حتى لا يسمعها أنس إن كان مقصوداً بها ما يزعمه أعداء عصمته ﷺ؟.","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبى ﷺ للأنصار: أنتم أحب الناس إلى ٧/١٤٢ رقم ٣٧٨٥، وكتاب النكاح، باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس ٩/١٥٦ رقم ٥١٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556180,"book_id":1504,"shamela_page_id":667,"part":null,"page_num":666,"sequence_num":667,"body":".. إن هذه الجملة: \"إنكم أحب الناس إلى\" قالها المعصوم ﷺ: منقبة للأنصار، حيث جعل حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق، فقال ﷺ: \"الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله\" (١) وفى رواية: \"آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار\" (٢) .\r... قال الحافظ ابن حجر: وخصموا بهذه المنقبة العظمى، لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبى ﷺ، ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم فى كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم، جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجباً للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم، والترغيب فى حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم فى معنى ذلك مشاركاً لهم فى الفضل المذكور، كل بقسطه\" (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان ٧/١٤١ رقم ٣٧٨٣، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلى رضى الله عنهم من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق ١/٣٤٠ رقم ٧٥ من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٧٨٤، وفى كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار ١/٨٠ رقم ١٧، ومسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ١٢٨ من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه.\r(٣) فتح البارى ١/٨١ رقم ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556181,"book_id":1504,"shamela_page_id":668,"part":null,"page_num":667,"sequence_num":668,"body":".. وبعد: فقد ظهر واضحاً جلياً لكل ذى عقل، وقلب سليم، أن الحديث صحيح رواية ودراية، وأن ما زعمه أهل الزيغ من أن لفظ الخلوة فى الحديث محمول على الخلوة المحرمة؛ مردود عليهم بما جاء فى بعض طرق الحديث \"فخلا بها فى بعض الطرق أو بعض السكك\" وهى الطرق التى لا يخلو منها المارة من الناس.\r... كما اتضح جلياً أن تلك المرأة التى خلى بها النبى ﷺ، كانت لها مسألة أرادت أن تستفتى فيها النبى ﷺ، وتلك المسألة مما تستحى من ذكره النساء بحضرة الناس، وكانت إجابة النبى ﷺ لها أن تلتمس بعض الطرق أى تلتمس أى جانب من الأماكن العامة التى لا تخلو من مرور الناس غالباً حتى يسمع حاجتها، ويقضيها لها، وكل هذا صرحت به رواية الإمام مسلم من حديث أنس، راوى الحديث الذى طعنوا فيها من رواية البخارى! ليقطع لسان كل فاجر، ويدفع افتراء كل آثم يطعن فى عصمته ﷺ.\r... وما ختم به النبى ﷺ، حديثه مع المرأة من قوله: \"والذى نفسى بيده إنكم أحب الناس إلى\" هذا منه ﷺ، تأكيداً لما قاله مراراً من جعله علامات الإيمان حب الأنصار، ومن علامات النفاق بغضهم، ثم إن هذه الكلمة قالها رسول الله ﷺ جهاراً على ملأ من الناس، لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس، كما سبق من حديث أنس عند البخارى.\r... فهل بقى بعد كل هذا حجة فى الحديث لمن أرادوا أن يشوشوا به على عصمة سيدنا رسول الله ﷺ فى سلوكه، وفى خلقه العظيم؟! وهم يوهمون البسطاء أنهم من المحبين للنبى ﷺ، المدافعين عنه، فى الوقت الذى يجحدون فيه سنته العطرة، ويطعنون فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، ويسفهون عقول المسلمين القائلين بقول سلفهم الصالح رضى الله عنهم، ويستخفون بعقل من يقرئ لهم!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556182,"book_id":1504,"shamela_page_id":669,"part":null,"page_num":668,"sequence_num":669,"body":".. وبالجملة: أيخشى عاقل، فضلاً عن مؤمن من رسول الله ﷺ، على زوجه، أو ابنته، أو أمه، وهو الذى لم يستطيع كافر أو جاحد، أن يلمس هذا الجانب فى حقه؟.\r... وقد قال الله تعالى فى حقه: ﴿النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (١) إن رسول الله ﷺ، مؤتمن على الوحي، وحامل الرسالة، والأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، ولا يثير مؤمن فضلاً عن عاقل مثل ما أثاره أعداء السنة المطهرة فى حديثنا هذا، للإيمان بعصمته ﷺ من الشيطان. وإن ما طنطن به أعداء عصمته ﷺ، يشبه ما طنطنوا به فى قصة أخرى، وكذبوا البخارى فيها، لأنه رواها، وهى قصة أم سليم وأم حرام رضى الله عنهما.\rفإلى بيان شبهتهم فى ذلك والرد عليها فى الفصل التالى","footnotes":"(١) الآية ٦ الأحزاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556183,"book_id":1504,"shamela_page_id":670,"part":null,"page_num":669,"sequence_num":670,"body":"الفصل الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى \"نوم النبى ﷺ عند أم سليم وأم حرام\" والرد عليها\rأولاً: حديث أم سليم - رضى الله عنها:\r... روى البخارى ومسلم - رحمهما الله - عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: \"إن أم سليم (١) كان تبسط للنبى ﷺ، نطعاً فيقيل عندها على ذلك النطع، قال: فإذا نام النبى ﷺ، أخذت من عرقه وشعره فجمعته فى قارورة، ثم جمعته فى سك (٢) وهو نائم. قال: فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إلى أن يجعل فى حنوطه من ذلك السك، قال فجعل فى حنوطه\" (٣) .\rثانياً: حديث أم حرام - رضى الله عنها:","footnotes":"(١) هى: أم سليم بنت ملحان، واسم ملحان: مالك بن خالد بن حرام بن جندب بن النجار، الأنصارية الخزرجية النجارية، أم أنس بن مالك، تلقب بالرميصاء من غير شك، سهلة، وقيل: رميلة، وقيل غير ذلك، كانت تحت مالك بن النضر، والد أنس بن مالك، فى الجاهلية، فغضب عليها، وخرج إلى الشام، ومات هناك. فخطبها أبو طلحة الأنصارى وهو مشرك، فقالت: أما إنى فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فلك مهرى، ولا أسألك غيره، فأسلم وتزوجها، وحسن إسلامه، وكانت تغزو مع رسول الله ﷺ، وروت عنه أحاديث، وروى عنها ابنها أنس رضى الله عنه، وكانت من عقلاء النساء، ماتت فى خلافة سيدنا عثمان رضى الله عنه. لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٣٣٣ رقم ٧٤٧٩، والاستيعاب ٤/١٩٤٠ رقم ٤١٦٣، والرياض المستطابة ص٣٢٦، ٣٢٧، والإصابة ٤/٤٤١ رقم ١٢٠٧٧.\r(٢) هو: طيب معروف يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل. النهاية ٢/٣٤٦.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاستئذان، باب من زار قوماً فقال عندهم ١١/٧٣ رقم ٦٢٨١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب طيب عرق النبى ﷺ والتبرك به ٨/٩٦ رقم ٢٣٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556184,"book_id":1504,"shamela_page_id":671,"part":null,"page_num":670,"sequence_num":671,"body":".. روى البخارى ومسلم – رحمهما الله – عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: \"كان رسول الله ﷺ، إذا ذهب إلى قباء، يدخل على أم حرام بنت ملحان (١) ، فتطعمه، وكانت أم حرام – تحت عبادة بن الصامت – فدخل عليها رسول الله ﷺ، فأطعمته، وجعلت تفلى رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: وما يضحك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتى عرضوا على غزاة فى سبيل الله، يركبون ثبج (٢) هذا البحر، ملوكاً على الأسرة، أو قال: مثل الملوك على الأسرة، يشك – إسحاق – قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك. فقلت: ما يضحك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتى عرضوا على غزاة فى سبيل الله – كما قال فى الأول – قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم، قال: أنت من الأولين. فركبت البحر فى زمن معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت\" (٣)","footnotes":"(١) هى: أم حرام بنت ملحان بن خالد بن حرام بن جندب بن النجار، الأنصارية الخزرجية، النجارية، زوج عبادة بن الصامت، وأخت أم سليم، وخالة أنس بن مالك، ولا يصح لها اسم، وتلقب بالغميصاء، والغمص والرمص، نقص يكون بالعين، وكان للنبى ﷺ عليها وعلى أختها، من البسط والإدلال مالا يعرف لغيرهما، حتى قيل: إن ثمة محرمية من رضاع وغيره، دعا لها النبى ﷺ بالشهادة،= =ماتت فى خلافة سيدنا عثمان رضى الله عنه. لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٣٠٤ رقم ٧٤١١، والرياض المستطابة ص٣٢٧، ٣٢٨، والاستيعاب ٤/١٩٣١ رقم ٤١٣٧، والإصابة ٤/٤٤١ رقم ١١٩٧١.\r(٢) أى وسطه ومعظمه. النهاية ١/٢٠١.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاستئذان، باب من زار قوماً فقال عندهم ١١/٧٣ رقمى ٦٢٨٢، ٦٢٨٣، وكتاب الجهاد، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء ٦/١٣ رقمى ٢٧٨٨، ٢٧٨٩، وباب فضل من يصرع فى سبيل الله فمات فهو منهم ٦/٢٢ رقمى ٢٧٩٩، ٢٨٠٠، وباب ما قيل فى قتال الروم ٦/١٢٠ رقم ٢٩٢٤، وكتاب التعبير، باب رؤيا النهار ١٢/ ٤٠٨ رقمى ٧٠٠١، ٧٠٠٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإمارة، باب فضل الغزو فى البحر ٧/٦٥ رقم ١٨١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556185,"book_id":1504,"shamela_page_id":672,"part":null,"page_num":671,"sequence_num":672,"body":".. بالحديثان السابقان طعن أعداء السنة، فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، وزعموا أن الروايات السابقة يلزم منها؛ الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، وفى خلقه العظيم.\r... يقول أحمد صبحى منصور: \"يريدنا البخارى أن نصدق أن بيوت النبى التى كانت مقصداً للضيوف، كانت لا تكفيه، وأنه كان يترك نسائه بعد الطواف عليهن، ليذهب للقيلولة عند امرأة أخرى، وأثناء نومه كانت تقوم تلك المرأة بجمع عرقه وشعره، وكيف كان يحدث ذلك... يريدنا البخارى أن نتخيل الإجابة.. ونعوذ بالله من هذا الإفك... ثم يؤكد البخارى على هذا الزعم الباطل بحديث أم حرام ... الذى تضمن كثيراً من الإيحاءات والإشارات المقصودة، لتجعل القارئ يتشكك فى أخلاق النبى؛ فيفترى الراوى: كيف كانت تلك المرأة تطعمه، وتفلى رأسه، وينام عندها، ثم يستيقظ ضاحكاً ويتحادثان نعوذ بالله من الافتراء على رسول الله... ويتركنا البخارى بعد هذه الإيحاءات المكشوفة، نتخيل من معنى أن يخلو رجل بامرأة متزوجة فى بيتها، وفى غيبة زوجها، وأنها تطعمه، وتفلى له رأسه، أى أن الكلفة قد زالت بينهما تماماً، وأنها تعامله، كما تعامل زوجها.. ثم يقول: \"وجعلت تفلى له رأسه، فنام رسول الله ثم استيقظ\" ولابد أن القارئ سيسأل ببراءة ... وأين نام النبى وكيف نام، وتلك المرأة تفلى له رأسه، وآلاف الأسئلة تدور حول هدف واحد هو ما قصده البخارى بالضبط\" (١) .\r... ويجاب عن ما سبق بما يلى:","footnotes":"(١) لماذا القرآن ص٩٢ - ٩٤، وقراءة فى صحيح البخارى ص٤١ - ٤٦ كلاهما لأحمد صبحى منصور وينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين ص٥٣٠، والخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة ص٧٣، ٧٥، وأهل السنة شعب الله المختار ص٢٧٢، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٦١ - ١٢٤، ثلاثتهم لصالح الوردانى، والسلطة فى الإسلام لعبد الجواد ياسين ص٢٦٨، ٢٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556186,"book_id":1504,"shamela_page_id":673,"part":null,"page_num":672,"sequence_num":673,"body":"أولاً: لنا أن نتساءل: لماذا كل هذا الحقد على الإمام البخارى؟ ولماذا الحمل على البخارى – ﵀ – فى هذه الرواية، والتشنيع عليه، مع أن غيره من علماء الحديث شاركه فى رواية هذا الحديث؟ إنه لم يخترع، ولم يؤلف، ولم يشطح به الخيال!.\r... لقد نقل ما سمعه من شيوخه الثقات، مما سمعوه من شيوخهم، إلى أن وصل النقل إلى الرسول ﷺ، أو إلى الصحابى الذى روى عن الرسول ﷺ.\r... والناقل لا يطلب منه إلا التأكد من صحة ما نقل، واستيفاء شروط النقل ولا يكون مسئولاً عن ذات الشئ المنقول، لأن ناقل الكفر ليس بكافر بمجرد نقله لذلك.\r... لقد أعماهم الحقد على كل ما يتصل بالسنة، ورواتها، فصبوه صباً عليهم، واختص البخارى بأشد أنواع الحقد؛ لأنه جمع أصح الروايات، وبذل أقصى الجهود.\r... وذنب البخارى عندهم، أنه أخلص. وبذل حياته وماله فى جمع السنة، ونقد الحديث، واستخلص صحيحه من صفوة الصفوة من الحديث، ورسم المناهج، وقعد القواعد، وأصل الأصول.\r... من أجل ذلك عابوه وشتموه، وحاولوا تشويه صورته، ونطحوه بقرون حقدهم، يريدون القضاء على جهوده، وإبادة عمله، ولو استطاعوا لأخرجوا رفاته، فصبوا عليه ويلاتهم. ولكن هيهات فهم كما قال القائل:\rكناطح صخرة يوماً ليوهنها ... *** ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\rثانياً: وماذا فى قصة أم حرام:\r... إن البخارى – ﵀ – ذكرها فى صحيحه فى كتاب الاستئذان، باب \"من زار قوماً فقال عندهم\".\r... والقوم يطلق فى الغالب على الجماعة، وكأن البخارى يرى أن ما يرويه من الحديث، فى زيارة واحد وهو الرسول ﷺ، لجماعة وهم أهل البيت الذى فيه أم حرام.\r... وهذا من فقهه فى تراجمه الذى رفع مكانته بين العلماء، وأثار إعجاب كل متابع له فى فهم معانى الحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556187,"book_id":1504,"shamela_page_id":674,"part":null,"page_num":673,"sequence_num":674,"body":".. ثم روى البخارى الحديث عن أنس بن مالك، وأم سليم هى أم أنس، وأم حرام هى أخت أم سليم، وهنا يظهر جلياً أن البيت الذى كان يقيل فيه رسول الله ﷺ، هو بيت فيه أم سليم، وأختها أم حرام، وأنس بن أم سليم.\r... وقد ورد فى المسند عن أنس \"أن رسول الله ﷺ صلى فى بيت أم سليم، وأم سليم، وأم حرام خلفنا، ولا أعلمه إلا قال: أقامنى عن يمينه\" (١) فأى ضير فى أن يكرم الرسول ﷺ، أنساً خادمه، فيدخل بيته يقيل فيه، ويأكل، وفى هذا البيت أمه، وخالته، وقد يكون فيه غيرهما زوج أم سليم، أو زوج أم حرام، أو زوجهما.\r... وسبب آخر لإكرام الرسول ﷺ، أهل هذا البيت بالزيارة، مع أن غيرهم كثير ممن يود أن يتشرف بالرسول ﷺ فى مثل هذه الزيارة. لقد استشهد أخوهما فى سبيل الله، فكان رسول الله ﷺ يواسيهما معاً بهذه الزيارة، حيث أنهما كانتا فى دار واحدة، كل واحدة منهما فى غرفة من تلك الدار (٢) .\r... فعن أنس بن مالك رضى الله عنه \"أن النبى ﷺ، لم يكن يدخل بيتاً بالمدينة، غير بيت أم سليم، إلا على أزواجه، فقيل له، فقال: إنى أرحمها؛ قتل أخوها معى\" (٣) يعنى حرام بن ملحان (٤) وكان قد قتل يوم بئر معونة.","footnotes":"(١) أخرجه أحمد فى المسند ٣/٢٣٩، وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٨٢.\r(٢) فلا تعارض حينئذ، حيث نسب الراوى الزيادة تارة إلى أم سليم، وتارة إلى أم حرام ينظر: فتح البارى ٦/٦٠ رقم ٢٨٤٤، ١١/٨١ رقمى ٦٢٨٢، ٦٢٨٣.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد، باب فضل من جهز غازياً أو خلفه بخير ٦/٥٩ رقم ٢٨٤٤.\r(٤) له ترجمة فى: أسد الغابة ١/٧١٢ رقم ١١٢٤، والاستيعاب ١/٣٣٦ رقم ٤٩٧، وتاريخ الصحابة ص٧٨ رقم ٣٠٢، والإصابة ١/٣١٩ رقم ١٦٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556188,"book_id":1504,"shamela_page_id":675,"part":null,"page_num":674,"sequence_num":675,"body":".. وفى تعليله ﷺ \"إنى أرحمهما\" فيه أنه خلف حرام بن ملحان فى أهله بخير بعد وفاته، ولذا ذكر البخارى الحديث السابق فى كتاب الجهاد، باب فضل من جهز غازياً أو خلفه بخير، وهذا من فقهه ودقته – ﵀.\r... فكانت زيارته ﷺ لأم سليم وأختها أم حرام، عملاً بما قاله ﷺ: \"من جهز غازياً فى سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً فى سبيل الله بخير فقد غزا\" (١) .\r... وفضلاً عن ما سبق، فقد غنم المسلمون من هذه الزيارة علماً من أعلام النبوة، فى أخبار الرسول ﷺ، عما سيكون قبل وقوعه، حيث أراه الله له، وإخباره أم حرام بأنها من الأولين ركاب السفن الغازية. وتحقق ما أخبر به من ركوبها وغزوها ثم استشهادها الذى حال بينها وبين أن تكون من أهل السنن الغازية التى تلت ذلك، ورآها الرسول ﷺ.\rثالثاً: من أين جزم أحمد صبحى، ومن قال بقوله؛ بانفراد رسول الله ﷺ مع أم حرام أو أم سليم؟ وكيف قطع بأن أحداً لم يكن معهما؟، وما الذى يمنع أنساً وهو خادمه من الدخول إلى بيت أمه، وهو نفسه بيت خالته؟ وأين أخوه اليتيم، ومن كان من الأزواج حاضراً؟ بل وأين من كان من الأقارب، وكل من حول قباء من الأنصار الذين لا يتركون الرسول ﷺ، وهو يزور قباء، وهم من أخواله الذين نزل بينهم أول قدومه المدينة؟!.\r... لقد كان الصحابة يحرصون على مرافقة الرسول ﷺ، وكانوا يسعدون بصحبته كلما خرج من بيته، وكانوا يلتمسون رؤيته وسماعه، ورؤية ما يصدر منه.","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد، باب فضل من جهز غازياً أو خلفه بخير ٦/٥٨ رقم ٢٨٤٣ من حديث زيد بن خالد رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556189,"book_id":1504,"shamela_page_id":676,"part":null,"page_num":675,"sequence_num":676,"body":".. فكيف يزور أم حرام إذا ذهب إلى قباء فلا يجد أحداً يقابله، أو يصلى معه، أو يقابله فى الطريق فيسير معه حتى يسمح له بالانصراف؟! وكيف يدخل بيتاً، فلا يدخل إليه فيه من أراد، ممن له حاجة، أو مسألة، أو به رغبة للاستفادة من تجدد رؤيته له، وسعادته بمجالسته ﷺ؟!.\r... أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التى لا تخطئ، والدلالات التى تورث اليقين، بأن النبى ﷺ، حين زار قباء ودخل على أم حرام فى بيتها، كان معهم غيرهما، ولاسيما وجود أنس بن مالك على ما ورد فى روايات الحديث (١) .\r... وهذه الشواهد هى التى جعلت الإمام البخارى يعنون لباب القصة بقوله: \"باب من زار قوماً فقال عندهم\" وتأمل جيداً \"قوماً\".\rرابعاً: المتأمل فى الحديث يجد قول الراوى: فأطعمته: أى قدمت له طعاماً، و\"جعلت تفلى رأسى\".\r... فهل يناسب هذا القول: \"وجعلت تفلى رأسه\" حال الرسول ﷺ وهو يأكل؟ أو حال أنس، وهو جالس إلى خالته حال قيام رسول الله ﷺ بتناول الطعام؟ وألا يمكن أن يقال: إن الرسول ﷺ، بادر إلى النوم قبل تناول الطعام، فأطعمت أم حرام أنساً، وجعلت تفلى رأسه، حتى استيقظ النبى ﷺ يضحك، ويحكى ما رآه من الصحابة فى السفن كالملوك على الأسرة غزاة فى سبيل الله؟ يجوز.\r... إلا أن الذين فى قلوبهم مرض، لا يفطنون لذلك، ولا يسمعون كلام الحافظ الدمياطى وهو يقول: ليس فى الحديث ما يدل على الخلوة مع أم حرام، ولعل ذلك كان مع ولد، أو خادم، أو زوج، أو تابع.","footnotes":"(١) يراجع: تخريج حديثنا السابق، مع رواية أحمد فى مسنده والسابقة قريباً.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556190,"book_id":1504,"shamela_page_id":677,"part":null,"page_num":676,"sequence_num":677,"body":".. ولا يهمهم قول ابن الجوزى: سمعت بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب، أم رسول الله ﷺ من الرضاعة، ولا يعبئون بقول ابن وهب: أم حرام إحدى خالات الرسول ﷺ من الرضاعة (١) .\r... لا يهمهم كل ذلك، ولا يرد على خاطرهم قول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها \"لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام\" (٢) .\r... أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التى لا تخطئ، والدلالات التى تورث اليقين بأن النبى ﷺ، كان قريباً قرابة محرمة لأم سليم، وأختها أم حرام؛ وخصوصاً وأن بعض الروايات تقول: \"كان النبى ﷺ، يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها، وليست فيه\" (٣) .\r... ورواية تقول: \"نام النبى ﷺ، فاستيقظ، وكانت تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت: يا رسول الله أتضحك من رأسى، قال لا\" (٤) .\r... ومن هنا: فلا إشكال فى تفلية أم حرام لرأس رسول الله ﷺ على فرض الأخذ بظاهر الحديث، لجواز ملامسة المحرم فى الرأس وغيره مما ليس بعورة، وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها. وهذا كله مجمع عليه (٥) .","footnotes":"(١) ينظر: فتح البارى١١/٨٠، ٨١ رقمى ٦٢٨٢، ٦٢٨٣، والمنهاج شرح مسلم ٧/٦٧ رقم ١٨١٢.\r(٢) أخرجه مسلم (شرح النووى) كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء ٧/١٤ رقم ١٨٦٦ والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الطلاق، باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية... الخ ٩/٣٣٠ رقم ٥٢٨٨، وكتاب الأحكام، باب بيعة النساء ١٣/٢١٦ رقم ٧٢١٤.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب طيب عرق النبى ﷺ ٨/٩٥ رقم ٢٣٣١.\r(٤) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الجهاد، باب فضل الغزو فى البحر ٣/٧ رقم ٢٤٩٢، ورجاله كلهم ثقات فالإسناد صحيح أهـ.\r(٥) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٧/٦٧ رقم ١٨١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556191,"book_id":1504,"shamela_page_id":678,"part":null,"page_num":677,"sequence_num":678,"body":".. وقد يقول قائل: قريبات النبى ﷺ معروفات، وليس منهن أم سليم ولا أم حرام (١) والجواب: أننا نتحدث عن مجتمع لم يكن يمسك سجلات للقرابات، وخاصة إذا كانت القرابة فى النساء، فهناك قريبات كثيرات أغفلهن التاريخ فى هذا المجتمع، وأهملهن الرواة (٢) .\rوإلا هل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق – زمن النبوة – مثل هذا الموقف دون استغلاله فى الطعن فى النبى ﷺ، وفى نبوته؟!.\rخامساً: ليس فى روايات القصة، ما يدل على ما زعمه أحمد صبحى، ومن قال بقوله: من دخول رسول الله ﷺ على أم حرام فى غيبة زوجها لأن أم حرام؛ كانت قد تزوجت مرتين، تزوجت مرة قبل عبادة بن الصامت، وأنجبت، ثم قتل ابنها شهيداً فى إحدى معارك الإسلام، وبقيت بغير زوج لكبر سنها، ثم شاء الله أن تتزوج بعبادة بن الصامت ويبقى معها بعد انتقال النبى ﷺ، وقد وقع ذلك فى كلام أنس بن مالك نفسه، وهو يحدث عن خالته بالحديث الذى هو موضوع كلامنا الآن. ففى بعض روايات الحديث قال: ثم تزوجت بعد ذلك بعبادة بن الصامت رضى الله عنه.\r... أما هذه الجملة التى وقع عليها – الذين فى قلوبهم مرض – والواردة فى بعض روايات هذا الحديث وهى: \"كانت عبادة بن الصامت\" فقد أجمع العلماء أن هذه الجملة معترضة، وهى من كلام الراوى يشرح بها حال أم حرام حين ذهبت إلى بلاد الشام، أو إلى جزيرة قبرص، وماتت بها.","footnotes":"(١) بالغ الحافظ الدمياطى فى الرد على من ادعى المحرمية... وقال: أمهاته من النسب، واللاتى أرضعنه، معلومات ليس فيهن أحد من الأنصار البتة. سوى أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو... ينظر: فتح البارى ١١/٨١ رقمى ٦٢٨٢، ٦٢٨٣.\r(٢) ينظر: السنة فى مواجهة أعدائها لفضيلة الدكتور طه حبيشى ص٢٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556192,"book_id":1504,"shamela_page_id":679,"part":null,"page_num":678,"sequence_num":679,"body":"فالمراد بقوله هنا: \"وكانت تحت عبادة\" الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك، وهو الذى اعتمده النووى، وغيره تبعاً للقاضى عياض، ورجحه ابن حجر (١) .\r... قلت: وحتى لو كان عبادة حينئذ تحتها، فلا شك أنه كان يسره، أكل النبى ﷺ، مما قدمته له امرأته، ولو كان بغير إذن خاص منه.\r... كما أن دخوله ﷺ، على زوجته حينئذ فى غير وجوده، لا إشكال فيه، لقرابة أم حرام لرسول الله ﷺ ولأنه لم يكن وحده ﷺ، على ما تقرر سابقاً، على فرض عدم القرابة.\r... ولعصمته ﷺ، مع كل ما سبق أولاً وأخيراً (٢) .\rسادساً: ما زعمه أعداء عصمته ﷺ، وحاولوا إيهام القارئ لهم، بأن روايات الحديث فيها أن النبى ﷺ، كان يبادل أم حرام كلمات غير مقبولة، عصمه الله من ذلك.","footnotes":"(١) ينظر: فتح البارى ١١/٧٥ رقمى ٦٢٨٢، ٦٢٨٣، والمنهاج شرح مسلم ٧/٦٩ رقم ١٨١٢.\r(٢) ذهب بان حجر والسيوطى وغيرهما إلى اختصاصه ﷺ بالخلوة بالأجنبية، وإباحة النظر إليها لعصمته من الشيطان، ينظر: فتح البارى ١١/٨١ رقمى ٦٢٨٢، ٦٢٨٣، ٦/٥٩ رقم ٢٨٤٤، والخصائص الكبرى للسيوطى ٢/٤٣١، ٤٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556193,"book_id":1504,"shamela_page_id":680,"part":null,"page_num":679,"sequence_num":680,"body":".. فهذا منهم من أفرى الفرى على رسول الله ﷺ، وروايات القصة ترد عليهم، فكل ما فيها أنه ﷺ، زار أم حرام، ونام عندها، واستيقظ يضحك، وسألته أم حرام عن الأمر الذى يضحك منه، فأخبرها أن ناساً من أمته سيركبون البحر، ظهره، ووسطه، ويكونون فيه، وهو أمر فيه أمثال الملوك على الأسرة، وهذا أمر يسعد النبى ﷺ، ويرضيه، لما فيه من المخاطر ما فيه، إن فيه خطر ركوب البحر، وفيه الجهاد، وما فى الجهاد من أهوال، وفيه احتمال الموت والشهادة، وأم حرام تعرف ذلك وتدركه، ثم تطمع فيه وتبتغيه، وتسأل النبى ﷺ الذى لا ترد دعوته، وتقول له: سل الله أن يجعلنى منهم، والنبى سأل ربه، واستجاب له ربه ﷿، فسألته أم حرام بعد أن نام المرة الثانية فى الوقت نفسه، وقام يضحك، مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: كما قال فى الأولى: \"إن ناساً من أمتى سيركبون البحر مثل الملوك على الأسرة، قالت: يا رسول الله! أأنا منهم، قال، لا، أنت من الأولين\".\r... ومرت الأيام، وركبت أم حرام مع زوجها، وعلى ساحل البحر، ركبت دابة، فسقطت من على دابتها فماتت، وقبرها على رأى البعض ما يزال ظاهراً، يعرفه الناس فى قبرص باسم قبر المرأة الصالحة.\r... أى حديث هذا الذى جرى بين النبى ﷺ، وبين أم حرام رضى الله عنها؟ إنه حديث عن المخاطر والأهوال، وهو حديث عن الموت والشهادة، وهو حديث عن استكمال الذات إلى ساعة الممات، وهو حديث فرح النبى ﷺ بأمته حين ينتشرون بالدين ويحملون لواء الجهاد.\r... إن مثل هذا الحديث: لهو حديث الرجولة والكمال، وهو حديث الطمع فى رحمة الله ورضوانه.\r... فما علاقة مثل هذا الحديث الشاق بأحاديث الرضا، ومتابعة هوى النفس؟!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556194,"book_id":1504,"shamela_page_id":681,"part":null,"page_num":680,"sequence_num":681,"body":"وأين ما يزعمه أعداء الإسلام، إن فى القصة إيحاءات وإشارات مقصودة تجعل القارئ يتشكك فى أخلاق النبى ﷺ وعصمته فى سلوكه؟!.\rوأين كانت أختها أم سليم، وابنها وابن أختها أنس راوى الحديث، من هذه الإيحاءات؟.\r... ولم لم ينقلها الرواة، وهم الذين يحرصون على نقل كل صغيرة وكبيرة حتى الحركات والسكنات عن المعصوم ﷺ؟!.\r... إن المرء ليس ليسمع الحديث الصحيح، فيدركه على وجهه، إن كان سليم النفس، حسن الطوية، وهو ينحرف به إذا كان إنساناً مريض النفس معوجاً.\r... وهل ينضح البئر إلا بما فيه؟\rوهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟.\rأو نغترف من النار ماء؟\rوقديماً قالوا: إن كل إناء بما فيه ينضح.\r... أشهد أن الله ﷿، عصم نبيه ﷺ، من الشيطان الرجيم، وعصمه فى سلوكه وهديه، وصدق فيه قول ربه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (١) أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":"(١) الآية ٤ القلم، وينظر: السنة فى مواجهة أعدائها ص٢٠٢ - ٢٠٦ بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556195,"book_id":1504,"shamela_page_id":682,"part":null,"page_num":681,"sequence_num":682,"body":"الفصل الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"طوافه ﷺ على نسائه فى ساعة واحدة\" والرد عليها\r... روى البخارى وغيره عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان النبى ﷺ يدور على نسائه، فى الساعة الوحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة (١) قال قتادة: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين\" (٢) .","footnotes":"(١) تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه، ورواه البخارى أيضاً عن سعيد بن أبى عروبة وغيره عن قتادة، فقالوا: \"تسع نسوة\" وهى الرواية الراجحة، ورواية هشام محمولة على أنه ضم مارية، وريحانه إليهن\" وأطلق عليهن لفظ \"نسائه\" تغليباً أهـ ينظر: فتح البارى ١/٤٤٩ رقم ٢٦٨، والمواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٦/٣٧٧ - ٣٧٩.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد، ومن دار على نسائه فى غسل واحد ١/٤٤٩ رقم ٢٦٨، وباب الجنب يخرج ويمشى فى السوق وغيره برقم ٢٨٤، وكتاب النكاح، باب كثرة النساء ٩/١٥ رقم ٥٠٦٨، وباب من طاف على نسائه فى غسل واحد برقم ٥٢١٥، وأخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب عشرة النساء، باب طواف الرجل على نسائه فى الليلة الواحدة ٥/٣٢٨ رقمى ٩٠٣٣، ٩٠٣٤، وأحمد فى المسند ٣/١٦٠، ١٦٦، ٢٣٩، ٢٥٢، ٢٩١، وللحديث شاهد عن سلمى مولاة رسول الله ﷺ أخرجه ابن سعد فى الطبقات الكبرى ٨/١٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556196,"book_id":1504,"shamela_page_id":683,"part":null,"page_num":682,"sequence_num":683,"body":".. وفى رواية عن ابن عمر مرفوعاً: \"أعطيت قوة أربعين فى البطش والجماع\" (١) وله شاهد صحيح عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ \"فضلت على الناس بأربع: بالسخاء، والشجاعة، وكثرة الجماع، وشدة البطش\" (٢) .\r... هذا الحديث الذى يبين ما اختص به رسول الله ﷺ، دون غيره من الناس، ويبين عدله ﷺ بين أهل بيته، يطعن فيه أعداء السنة النبوية، بزعم أنه يسهم فى تشويه صورة الرسول ﷺ، ويطعن فى عصمته فى سلوكه، حيث يجعل الحديث بزعمهم من رسول الله ﷺ مهووساً بالجماع؛ كما زعموا أن الحديث يتعارض مع القرآن الذى يبين أن النبى كان يقضى ليله فى قيام الليل، وقراءة القرآن والعبادة، ويقضى نهاره فى الجهاد ونشر الدعوة.\r... يقول أحمد صبحى منصور: \"البخارى يجعل من النبى مهووساً بالجماع إلى درجة لا يعرفها أشد الرجال فحوله، ولا أعرف من أين لهم ذلك القياس الذى جعلوا به مقدرة النبى – المزعومة – تبلغ قوة ثلاثين رجلاً؟.\r... ولكن هل كان النبى فعلاً يقضى الليل والنهار فى جماع مستمر؟ وهل كان أصحابه خلفه يهتفون بقدرته الفذة فى النكاح؟ أو هل كانت سنة النبى هى فى الجماع؟.","footnotes":"(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط ١/١٧٨ رقم ٥٦٧، وفيه المغيرة بن قيس، وهو ضعيف، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٤/٢٩٣، وأخرجه الحارث بن أبى أسامة فى مسنده ينظر: المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر ٤/٢٧ رقم ٣٨٦٩، وأخرجه ابن سعد فى الطبقات الكبرى ٨/١٩٢ مرسلاً عن مجاهد، وطاووس، وصفوان بن سليم، وقال السيوطى فى الخصائص الكبرى ١/١١٩ رواية صفوان جيدة على إرسالها.\r(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٧/٤٩ رقم ٦٨١٦، وإسناد رجاله موثقون كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556197,"book_id":1504,"shamela_page_id":684,"part":null,"page_num":683,"sequence_num":684,"body":".. إن النبى كان يقضى ليله فى قيام الليل، وقراءة القرآن والعبادة، ويقضى نهاره فى الجهاد، والسعى فى توطيد أركان دولته الجديدة، ولم يكن لديه متسع من الوقت ليقطعه فى جماع متصل لجميع النساء، وفى وقت واحد... ولم يكن أصحابه لديهم الفراغ ليشجعوه ويهتفوا لفحولته الخارقة.\r... أمامنا نوعان من السنة، أى: طريقة الحياة اليومية للنبى... السنة التى ذكرها الرحمن فى القرآن: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين آمنوا معك﴾ (١) والسنة التى ذكرها البخارى فى صحيحه، ولا يمكن أن نؤمن بالاثنين معاً\" (٢) .\r... وبنحو قوله قال صالح الوردانى، وزاد: \"إن الذين اختلقوا هذه الروايات إنما كانوا يهدفون من ورائها إلى تشويه شخصية الرسول ﷺ\" (٣) .\rويجاب عن ما سبق بما يلى:\rأولاً: ليس فى رواية رواة السنة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى أئمة المحدثين كالبخارى ومسلم وغيرهما؛ ليس فى روايتهم الحياة الخاصة لرسول الله ﷺ، ما يشوه سيرته العطرة.","footnotes":"(١) الآية ٢٠ المزمل.\r(٢) قراءة فى صحيح البخارى ص١٨ – ٢٠، ٢٩، ولماذا القرآن أو القرآن وكفى ص٨٨، ٨٩، ٧٢، ٧٣.\r(٣) الخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة ص٧٥، ٧٦، وأهل السنة شعب الله المختار ص٧٠ – ٧٥ كلاهما لصالح الوردانى، وينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين ص٤٥١، ٥٤٤، ٦٠٦، ٧٢٨، ٩٥٨، والإسلام بدون حجاب – بحيث مستل من شبكة الإنترنت ص٢٦، وحقائق ثابتة فى الإسلام لابن الخطيب ص١٥، ١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556198,"book_id":1504,"shamela_page_id":685,"part":null,"page_num":684,"sequence_num":685,"body":"لأن رسول الله ﷺ معصوم فى سلوكه وهديه، وما ينقل عنه من حياته الخاصة دين، وللأمة فيه القدوة والأسوة الحسنة، وليس أدل على ذلك، ما سبق ذكره من اختلافهم فى جواز القبلة للصائم، وفى طلوع الصبح على الجنب وهو صائم، فسألوا أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، فأخبرتهم أن ذلك وقع من النبى ﷺ، فرجعوا إلى ذلك، وعلموا أنه لا حرج على فاعله (١) .\rوهذا النقل لما يخصه ﷺ فى حياته الخاصة، حث عليه، وكان بإذنه بدليل ما روى أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ، عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال ﷺ: \"إنى لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل\" (٢) .\rكما دل على أن هذا النقل من الدين قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾ (٣) فهذا نص قرآنى صريح يأمر بحسن صحبة الزوجة بكل ما تعنيه كلمة \"المعروف\" (٤) .\rومعلوم أن مراد الله فى كتابه، من مهامه ﷺ، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٥) .\rومن هنا: كان نقل هذا البيان فى الحياة الخاصة لرسول الله ﷺ قولاً وعملاً، دين واجب ذكره، لتتعلم الأمة المراد بخطاب ربها: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ولذا ذكر العلماء من حكم كثرة أزواجه ﷺ:\rنقل الأحكام الشرعية التى لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفى مثله.","footnotes":"(١) سبق ذكر الأحاديث الدالة على ذلك ص٢٠.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب نسخ \"الماء من الماء\" ٢/٢٧٦ رقم ٣٥٠ من حديث عائشة رضى الله عنها.\r(٣) الآية ١٩ النساء.\r(٤) سيأتى بعد قليل تفسير المراد بالمعاشرة بالمعروف.\r(٥) الآية ٤٤ النحل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556199,"book_id":1504,"shamela_page_id":686,"part":null,"page_num":685,"sequence_num":686,"body":"الاطلاع على محاسن أخلاق رسول الله ﷺ، الباطنة، فقد تزوج ﷺ أم حبيبة بنت أبى سفيان (١) وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفية بنت حى بن أخطب، بعد قتل أبيها وعمها وزوجها.\rفلو لم يكن ﷺ، اكمل الخلق فى خلقه لنفرن منه! بل الذى وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن (٢) .\rقلت: وفيما سبق من حكم كثرة أزواجه وغيرها، تأكيد لعصمته ﷺ فى سلوكه وهديه مع أزواجه الأطهار. لأنه إذا كان ما يقع مع الزوجة، مما شأنه أن يختفى مثله عن الناس، لما فيه من نقص فى قول أو عمل، فهذا بخلاف سيدنا رسول الله ﷺ لعصمة الله ﷿ له، فقوله وعمله مع أهل بيته كله كمال، ومما تقتضى به الأمة. وإليك بيان ذلك فى حديثنا.\rثانياً: لا وجه على ما سبق لإنكار أعداء السنة، لما ينقل من أحوال رسول الله ﷺ، مع أهل بيته، وزعمهم أن فى ذلك تشويه لشخصيته وسيرته العطرة، لأن فى ذلك المنقول، بيان لعصمته، وعظمة شخصيته، ومحاسن أخلاقه الباطنة مع أهل بيته، وهذا ما دل عليه حديثنا، حيث فيه البيان العملى منه ﷺ، لما حث عليه قولاً.","footnotes":"(١) اسمها: رملة، كانت من السابقين إلى الإسلام، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله، فولدت هناك \"حبيبة\" فتنصر عبيد الله، ومات بالحبشة نصرانياً، وبقيت أم حبيبة مسلمة بأرض الحبشة، فأرسل رسول الله ﷺ إلى النجاشى بتزويجه إياها. ماتت سنة ٤٤هـ لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/١١٦ رقمى ٦٩٣٢، ٧٤٠٩، والاستيعاب ٤/١٨٤٣ رقم ٣٣٤٤، وتاريخ الصحابة ص١٠٣ رقم ٤٥٥.\r(٢) ينظر: فتح البارى ١/٤٥١ رقم ٢٦٨، ٩/١٧ رقم ٥٠٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556200,"book_id":1504,"shamela_page_id":687,"part":null,"page_num":686,"sequence_num":687,"body":".. فعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ:\"إن من أكمل المؤمنين إيماناً، أحسنهم خلقاً؛ وألطفهم بأهله\" (١) وعنها أيضاً عن رسول الله ﷺ قال:\"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى\" (٢) وهذه الأقوال منه ﷺ تأكيداً وبياناً لقول رب العزة: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ وهى كلمة جامعة تعنى: التحلى بمكارم الأخلاق فى معاملة الزوجات، من صبر على ما قد يبدر منهن، أو تقصير فى أداء واجباتهن، ومن حلم عن إيذائهن فى القول أو الفعل، وعفو وصفح عن ذلك، ومن كرم فى القول والبذل، ولين فى الجانب، ورحمة فى المعاملة، إلى غير ذلك مما تعنيه المكارم الأخلاقية التعاملية الأسرية.","footnotes":"(١) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الإيمان، باب ما جاء فى استكمال الإيمان ٥/١٠ رقم ٢٦١٢ والنسائى فى سننه الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب لطف الرجل بأهله ٥/٣٦٥ رقم ٩١٥٤، وأحمد فى المسند ٦/٤٧، ٩٩، وهو مرسل من حديث أبى قلابة عن عائشة، وهو لم يسمع من عائشة، ولكن للحديث شواهد بمعناه، منها الحديث الذى بعده، وهو حديث صحيح، فدل على أن= =للحديث أصلا، ولذلك صححه الترمذى مع تصريحه بعدم سماع أبى قلابة من عائشة، وقال: وفى الباب عن أبى هريرة، وأنس بن مالك، رضى الله عنهما.\r(٢) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبى ﷺ ٥/٦٦٦ رقم ٣٨٩٥ وقال: حسن غريب صحيح، وأخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب النكاح، باب حسن عشرة النساء ١/٢٦٠ رقم ١٩٧٧، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ٦/١٨٨، ١٨٩ رقم ٤١٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556201,"book_id":1504,"shamela_page_id":688,"part":null,"page_num":687,"sequence_num":688,"body":".. وذلك هو ما دل عليه حديثنا \"عدله ﷺ بين نسائه فى القسم\" كما قالت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: \"كان رسول الله ﷺ، لا يفضل بعضنا على بعض فى القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم يأتى إلا وهو يطوف علينا جميعاً فيدنوا من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التى هو يومها فيبيت عندها\" (١) .\r... وهذا الحديث نص صريح يبين لنا حقيقة طوافه ﷺ على نسائه جميعاً فى الساعة الوحدة من الليل والنهار.\r... إنه طواف حب، ومداعبة، بدون جماع، حتى يبلغ إلى التى هو يومها فيبيت عندها، كما هو ظاهر كلام عائشة رضى الله عنها.\r... ولا يتعارض مع ظاهر حديث أنس رضى الله عنه، فى أن حقيقة طوافه ﷺ على نسائه جميعاً بجماع.\r... إذ الجمع بينهما حينئذ يكون، بحمل المطلق فى كلام أنس على المقيد فى كلام عائشة ووجه آخر: بحمل كلام عائشة على الغالب، وكلام أنس على القليل النادر، فلا مانع من أنه ﷺ إذا طاف على نسائه جميعاً فى بعض الأحيان يكون بجماعهن جميعاً، وتكون له ﷺ القدرة على ذلك، لم اختصه الله به من القوة وكثرة الجماع، وهو صريح قوله ﷺ: \"فضلت على الناس بأربع: كثرة الجماع، وشدة البطش... الحديث (٢) .","footnotes":"(١) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء ٢/٢٤٢ رقم ٢١٣٥ وفيه عبد الرحمن بن أبى الزناد (صدوق) كما قال فيه الحافظ فى تقريب التهذيب ١/٥٦٩ رقم ٣٨٧٥ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن أهـ.\r(٢) سبق تخريجه ص٤٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556202,"book_id":1504,"shamela_page_id":689,"part":null,"page_num":688,"sequence_num":689,"body":".. وقوله ﷺ: \"أعطيت قوة أربعين (١) فى البطش والجماع\" (٢) وفى ذلك تصريح بأن الصحابة رضى الله عنهم، كانوا يتحدثون عن قوة رسول الله ﷺ، فى الجماع من خلال نحو هذه الأحاديث المرفوعة، ولا يتحدثون بالقياس والظن و... كما يزعم أعداء خصائصه وعصمته ﷺ.\rثالثاً: ليس للناقل لخصائص رسول الله ﷺ، من رواة السنة والسيرة، أى دخل فيها سوى النقل، وأداء الأمانة، أمانة الدين، كما قال ﷺ: \"نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه\" (٣) وقوله ﷺ: \"بلغوا عنى ولو آية... الحديث (٤) فإذا أدوا هذه الأمانة، كان لهم خير الجزاء من ربهم، والشكر الجميل منا، لم أدوا إلينا من الدين!.\r... أما الافتراء عليهم والزعم بأنهم يتدخلون فيما ينقلون، ويجعلون من النبى ﷺ قوة فى الجماع لا يعرفها أشد الرجال فحولة ... الخ (٥) فهذا محض كذب عليهم، لا دليل عليه، ونكران لجميلهم وفضلهم، واستخفاف بعقل القارئ!.\rرابعاً: إنكار أعداء العصمة، لم اختص به سيدنا رسول الله ﷺ فى حديثنا هذا من قوة البدن، وكثرة الجماع، إنكار لكتاب الله ﷿، ورد على رب العزة كلامه، القائل: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ (٦) .","footnotes":"(١) وهذا ليس بمتعارض برواية الصحيح السابقة \"قوة ثلاثين\" لأنه ليس فى ذكر القليل نفى الكثير، ولجواز أنهم تحدثوا بذلك قبل بلوغهم الزيادة أهـ ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٦/٣٧٩.\r(٢) سبق تخريجه ص٤٦٢.\r(٣) سبق تخريجه ص١٦.\r(٤) سبق تخريجه ص٢٦٣.\r(٥) يراجع: كلام أحمد صبحى السابق ص٤٦٣.\r(٦) الآية ٢٥٣ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556203,"book_id":1504,"shamela_page_id":690,"part":null,"page_num":689,"sequence_num":690,"body":".. ومع أن كثرة أزواجه ﷺ، يشترك فيها مع من سبقه من الأنبياء كما قال ﷿: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾ (١) .\r... وكذلك طوافه ﷺ على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل والنهار يشترك فيها مع من سبقه من الأنبياء، كما دل على ذلك قوله ﷺ: \"كان لسليمان ستون امرأة (٢) فقال: لأطوفن عليهن الليلة. فتحمل كل واحدة منهن غلاماً فارساً يقاتل فى سبيل الله، فلم تحمل منهن إلا واحدة فولدت نصف إنسان. فقال رسول الله: \"لو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلاماً، فارساً، يقاتل فى سبيل الله\" (٣) .","footnotes":"(١) الآية ٣٨ الرعد.\r(٢) محصل الروايات فى العدد: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة، وهذا كله ليس بمتعارض، لأنه ليس فى ذكر القليل نفى الكثير، والجمع بين ذلك أن الستين كن حرائر، وما زاد عليهن كن سرارى أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون، والمائة، فكن دون المائة، وفوق التسعين، فمن قال تسعون ألغى الكسر، ومن قال مائة جبره، ومن ثم وقع التردد فى بعض الروايات أهـ: ينظر: فتح البارى ٦/٥٣١ رقم ٣٤٢٤، والمنهاج شرح مسلم ٦/١٣٤ رقم ١٦٥٤.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان والنذور، باب الاستثناء ٦/١٣١ رقم ١٦٥٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب﴾ ٦/٥٢٨ رقم ٣٤٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556204,"book_id":1504,"shamela_page_id":691,"part":null,"page_num":690,"sequence_num":691,"body":".. إلا أنه ﷺ، اختص فى طوافه بخرق العادة له فى كثرة الجماع، مع التقلل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرة تكسر شهوته (١) فانخرقت هذه العادة فى حقه ﷺ (٢) .\rخامساً: ليس فى الحديث كما يزعم أعداء السنة، ما يتعارض مع كتاب الله ﷿، ويشغله ﷺ عن قيام الليل متهجداً لربه ﷿: قال تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين آمنوا معك﴾ (٤) .\r... لأن الحديث واضح وصريح فى طوافه ﷺ على نسائه فى ساعة واحدة من النهار أو الليل، والساعة هى قدر يسير من الزمان، لا ما اصطلح عليه أصحاب الهيئة (٥) .","footnotes":"(١) فعن ابن مسعود قال: كنا مع النبى ﷺ شباباً لا نجد شيئاً، فقال لنا رسول الله ﷺ: يا معشر الشباب، من استطاع الباءة، فليتزوج، فإنه أغض البصر، وأحصن للفرح، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها، كتاب النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم ٩/١٤ رقم ٥٠٦٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ٥/١٨٥ رقم ١٤٠٠.\r(٢) ينظر: فتح البارى ٩/ ١٧ رقم ٥٠٦٩.\r(٣) الآية ٧٩ الإسراء.\r(٤) الآية ٢٠ المزمل.\r(٥) ينظر: فتح البارى ١/٤٤٩ رقم ٢٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556205,"book_id":1504,"shamela_page_id":692,"part":null,"page_num":691,"sequence_num":692,"body":".. والساعة هنا: هى حق له، ولأهل بيته (١) ولا تشغله عن حق ربه ﷿، ولا عن حق رسالته، ونشر دعوته فهو القائل ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما، لم أخبر عنه، أنه يصوم النهار أبداً، ويقوم الليل، ويقرأ القرآن كله ليلة، خاطبه رسول الله ﷺ بقوله: \"فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً\" (٢) .\r... وهكذا كان رسول الله ﷺ، فى سيرته يعطى كل ذى حق حقه، يدل على ذلك ما روى عن عائشة رضى الله عنها سألت، ما كان النبى ﷺ، يصنع فى أهله؟ قالت: كان فى مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة، قام إلى الصلاة\" (٣) وفى رواية قالت: \"كان بشراً من البشر، يفلى ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه\" (٤) .","footnotes":"(١) وهذا على خلاف بين العلماء فى حكم القسم فى حقه، فهو وإن لم يكن واجباً عليه، على القول المرجوح عند الشافعية وكثيرين، وهو الراجح عند المالكية وطائفة، لكنه ﷺ، التزمه تطيباً لنفوسهن أهـ ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٦/٣٨٠، وفتح البارى ١/٤٥١ رقم ٢٦٨، ٩/١٥، ١٦ رقم ٥٠٦٧.\r(٢) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها. كتاب الصوم، باب حق الجسم فى الصوم ٤/٢٥٦ رقم ١٩٧٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب النهى عن صوم الدهر لمن تضرر به ٤/٢٩٥ رقم ١١٥٩.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها. كتاب الأدب، باب كيف يكون الرجل فى أهله ١٠/٤٧٦ رقم ٦٠٣٩، وكتاب الأذان، باب من كان فى حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج ٢/١٩١ رقم ٦٧٦.\r(٤) أخرجه الترمذى فى الشمائل المحمدية ص١٩٤ رقم ٣٢٥، وفى سننه كتاب صفة القيامة، باب منه، ٤/٥٦٤ رقم ٢٤٨٩ وقال: حسن صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556206,"book_id":1504,"shamela_page_id":693,"part":null,"page_num":692,"sequence_num":693,"body":".. وتلك هى سنته ﷺ، العدل، وإعطاء كل ذى حق حقه، فمن كان عليها فقد اهتدى، ومن كان عمله على خلافها فقد ضل، وذلك ما صرح به المعصوم ﷺ، فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: \"كانت مولاة للنبى ﷺ تصوم النهار، وتقوم الليل، فقيل له، إنها تصوم النهار، وتقوم الليل، فقال رسول الله ﷺ: \"إن لكل عمل شرة (١) والشرة إلى فترة (٢) فمن كان فترته إلى سنتى فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل\" (٣) وما حث عليه ﷺ فى أن يكون نشاط المسلم واستقراره على سنته المطهرة، وسيرته العطرة، لا يكون إلا بالعدل، وإعطاء كل ذى حق حقه، لربه، ولجسده، ولأهله... الخ ولأنه ﷺ، لا يخالف قوله عمله، كان طوافه على نسائه جميعاً، سواء بمسيس أو بدونه، من العدل بإعطاء كل ذى حق حقه، بدون أن يشغله ذلك عن حق ربه ﷿ وإليك نماذج من قيامه الليل بما لا يتعارض مع طوافه على نسائه!.","footnotes":"(١) أى: حدة ونشاط زائد. ينظر: مختار الصحاح ص٣٣٤، وتاج العروس ٣/٣٨٩.\r(٢) أى: هدوء ونشاط معتدل. ينظر: النهاية ٣/٣٦٦، ومختار الصحاح ص٤٨٩.\r(٣) أخرجه البزار فى مسنده، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢/٢٥٨، وأحمد فى المسند ٥/٤٠٩ ورجاله رجال الصحيح كما فى المصدر السابق ٣/١٩٣، وأخرجه القضاعى فى مسنده ٢/١٢٦ رقم ١٠٢٧، وهذا الحديث قاله النبى ﷺ لعبد الله بن عمرو وهو يعظه فى الاعتدال فى الصيام والقيام، الذى شغله عن إتيان زوجته، والحديث سبق تخريجه فى الصحيحين بدون هذه الزيادة التى أخرجها أحمد فى المسند ٢/١٨٨، ١٥٨، ١٦٥، وأخرجه مختصراً ٢/٢١٠، وكذا أخرجه مختصراً ابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ١/١٠٧ رقم ١١، والقضاعى فى مسنده ٢/١٢٦ رقم ١٠٢٦، وابن أبى عاصم فى السنة ١/٢٧ رقم ٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556207,"book_id":1504,"shamela_page_id":694,"part":null,"page_num":693,"sequence_num":694,"body":"فعن عائشة رضى الله عنها، قالت: \"ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط فدخل على، إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات (١) ثم يأوى إلى فراشه فهذا تأكيد من زوجته عائشة، بأنه ﷺ، ما ترك قيام الليل، منذ دخل عليها.\rوتحكى عائشة رضى الله عنها، أنها: \"افتقدت رسول الله ﷺ، ذات ليلة تقول: فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست، ثم رجعت، فإذا هو راكع، أو ساجد، يقول: سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت، تقول: فقلت: بأبى وأمى، إنك لفى شأن، وإنى لفى آخر\" (٢) تعنى: أنها غارت حيث افتقدته، وظنت أنه ذهب إلى بعض نسائه، ولكن إذ بها تجده قائماً بين يدى ربه ﷿ يناجيه.\rوتوضح عائشة رضى الله عنها، كيف كان رسول الله ﷺ، يجمع بين حق الله تعالى فى قيام الليل، وبين حق أهل بيته وحقه، فتقول: \"كان رسول الله ﷺ، ينام أول الليل، ويحى آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب (٣) ولا والله: ما قالت قام، فأفاض عليه الماء، ولا والله: ما قالت: اغتسل. وأنا أعلم ما تريد، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة. ثم صلى الركعتين\" (٤) .","footnotes":"(١) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الصلاة، باب الصلاة بعد العشاء ٢/٣١ رقم ١٣٠٣ وفيه زيد بن الحباب العكلى \"صدوق\" كما قال الحافظ فى تقريب التهذيب ١/٣٢٧ رقم ٢١٣٠ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.\r(٢) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى. كتاب عشرة النساء، باب الغيرة ٥/٢٨٧ رقم ٨٩١٠ ورجاله كلهم ثقات – فالإسناد صحيح.\r(٣) أى: قام بسرعة اهتماماً بالعبادة، والإقبال عليها بنشاط.\r(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبى ﷺ فى الليل ٣/٢٧٢ رقم ٧٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556208,"book_id":1504,"shamela_page_id":695,"part":null,"page_num":694,"sequence_num":695,"body":"فتأمل: كيف جعل رسول الله ﷺ، الجماع تابعاً لقيام ليله، وبعد فراغه منه، ثم ينام، حتى إذا دخل وقت الفجر قام بسرعة، وبكل نشاط استعداداً لصلاة الفجر، بإفضاء الماء على جسده تطهيراً من الجنابة – إن كان جنباً – وتأمل دقة التعبير قالت: \"وثب\" يقول الأسود بن يزيد راوى الحديث \"لا والله: ما قالت قام... إلخ وإن لم يكن جنباً، توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين أى سنة الصبح.\rوبنفس شهادة عائشة رضى الله عنها، شهد ابن عباس رضى الله عنهما، عندما بات عند خالته أم المؤمنين ميمونة رضى الله عنها.\rففى الصحيحين عنه: أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين رضى الله عنها – وهى خالته – قال: فاضطجعت على عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله فى طولها، فنام رسول الله ﷺ، حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول الله ﷺ، فجلس، فمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات خواتيم سورة آل عمران، ثم قام إلى شن (١) معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلى. قال ابن عباس رضى الله عنهما: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ، يده اليمنى على رأسى، وأخذ بأذنى اليمنى يفتلها بيده، فصلى ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح\" (٢) .","footnotes":"(١) أى: قرابة، يبرد فيها الماء. ينظر: النهاية ٢/٤٥٢، ٤٥٣.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها. كتاب العمل فى الصلاة، باب استعانة اليد فى الصلاة، إذا كان من أمر الصلاة ٣/٨٦ رقم ١١٩٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبى ﷺ ودعائه بالليل ٣/٣٠٠ رقم ٧٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556209,"book_id":1504,"shamela_page_id":696,"part":null,"page_num":695,"sequence_num":696,"body":"وحتى عندما زار أم سليم، وأم حرام، وبات عندهما، لم يمنعه ذلك من قيام الليل على ما جاء فى رواية أنس بن مالك رضى الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ فى بيت أم سليم، وأم سليم، وأم حرام خلفنا، ولا أعلمه إلا قال: أقامنى عن يمينه\" (١) .\rوبعد: فهل قصر رسول الله ﷺ، مع طوافه على نسائه جميعاً فى ساعة واحدة من الليل أو النهار فى قيام الليل؟.\rأو هل تعارض حديث طوافه مع كتاب الله ﷿، كما يزعم أعداء السيرة العطرة؟.\rإن حديث طوافه ﷺ، على نسائه جميعاً، يبين بياناً عملياً على ما سبق؛ القرآن الكريم ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ويبين البيان العملى لخيرية وكمال أخلاقه وعصمته مع أهل بيته، كما قال: \"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى\" إنه يبين كمال رأفته، وحبه، وعدله مع أهل بيته، كما صرحت بذلك عائشة رضى الله عنها \"لا يفضل بعضنا على بعض فى القسم، من مكثه عندنا، وكان قل يوم يأتى إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنوا من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التى هو يومها، فيبيت عندها\".\rكما أن الحديث يبين ما اختص به رسول الله ﷺ، وفضل به على سائر الناس من \"قوة أربعين رجلاً فى البطش والجماع\" والأمر هنا: ليس من عند نفسه، ولا من عند رواة السنة – ﵏ – وإنما من عند ربه ﷿، وهو ما يفيده مجئ لفظ \"أعطيت\" بالبناء للمجهول. فتأمل.\rكما أنه ليس فى كثرة جماعه دليل على (هوسه بالجماع) على حد زعم أعداءه وأعداء عصمته ﷺ؟.","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٤٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556210,"book_id":1504,"shamela_page_id":697,"part":null,"page_num":696,"sequence_num":697,"body":"لأن الأمر فى ذلك راجع إلى قيامه بواجب العدل بين أهل بيته، كما أنه يرجع إلى طبيعته البشرية، وما اختصه به ربه ﷿، ولم يكن فى ذلك كله ما يشغله عن حق ربه ﷿، فهو مع ما طبعت عليه بشريته من كثرة الجماع، فهو بالإجماع أعبد الناس، ولم يخل بعبادته شيئاً، لأنه ﷺ، لم يكن يأتيها إلا على مشروعيتها، وهذا هو غاية العصمة والكمال فى البشرية.\rوتأمل مع ما سبق من أحاديث قيامه الليل، حديث عائشة رضى الله عنها: \"كان رسول الله ﷺ إذا صلى، قام حتى تتفطر رجلاه، فقالت: يا رسول الله: أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: \"يا عائشة! أفلا أكون عبداً شكوراً\" (١) .\rصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد\rوعلى آله وسلم ورزقنى قدوة به فى تعدده\rوفى عدله مع أهل بيته","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص١٢٧. وللمزيد من بيان هديه ﷺ فى قيام الليل: ينظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ١/٣٢٢ – ٣٤١. وغيره من كتب شروح السنة السابقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556211,"book_id":1504,"shamela_page_id":698,"part":null,"page_num":697,"sequence_num":698,"body":"الفصل الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث \"مباشرة رسول الله ﷺ نسائه فى المحيض\" والرد عليها\r... روى البخارى ومسلم - رحمهما الله - عن عائشة رضى الله عنها، قالت: \"كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله ﷺ، أن يباشرها، أمرها أن تتزر (١) فى فور حيضتها (٢) ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه (٣) كما كان رسول الله ﷺ، يملك إربه\" (٤) .\r... هذا الحديث وما فى معناه، الذى يبين حدود علاقة الرجل بزوجته وهى حائض، والأحكام المتعلقة بحيضتها، طعن فيه أعداء السنة بحجة أنه يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، ويخالف بزعمهم القرآن الكريم.","footnotes":"(١) أى: تشد إزاراً تستر سرتها، وما تحتها إلى الركبة فما تحتها: ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/٤٧، والمنهاج شرح مسلم ٢/٢٠٨ رقم ٢٩٣.\r(٢) الفور: بفتح الفاء، وإسكان الواو، معناه: أوله، والمراد: وقعت معظم الحيض وكثرته أهـ ينظر: المصدر السابق ٣/٤٣٠.\r(٣) إربه: بكسر الهمزة مع إسكان الراء، ومعناه: عضوه الذى يستمتع به أى: الفرج، ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه: حاجته، وهى شهوة الجماع، والمقصود: أملككم لنفسه، فيأمن مع هذه المباشرة الوقوع فى المحرم، وهى مباشرة فرج الحائض، واختار الخطابى هذه الرواية، وأنكر الأولى وعابها على المحدثين. وأقول بصحتهما معاً فى حقه ﷺ أهـ ينظر: المنهاج شرح مسلم ٢/٢٠٨ رقم ٢٩٣، والنهاية ١/٣٩.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض ١/٤٨١ رقم ٣٠٢، وكتاب الصوم، باب المباشرة للصائم ٤/١٧٦ رقم ١٩٢٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار ٢/٢٠٧ رقم ٢٩٣، وكتاب الصوم، باب المباشرة للصائم ٤/١٧٦ رقم ١٩٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556212,"book_id":1504,"shamela_page_id":699,"part":null,"page_num":698,"sequence_num":699,"body":".. يقول أحمد صبحى منصور: \"فالبخارى هنا يسند تلك الروايات لأمهات المؤمنين ليجعلهن شهود على أن النبى كان يباشرهن وهن حائضات، ويجعل عائشة فى إحدى الروايات تشير إلى خصوصية النبى الجنسية – فى زعمه – بقولها: \"وأيكم يملك إربه كما كان النبى يملك إربه\".\r... وفى روايات أخرى يجعل البخارى من النبى ملازماً لنسائه لا يفترق عنهن حتى فى المحيض. فيروى أن أم سلمة قالت: \"بينما أنا مع رسول الله ﷺ مضطجعة فى خميصة (١) إذ حضت، فانسللت (٢) فأخذت ثياب حيضتى، قال: أنفست؟ (٣) قلت: نعم. فدعانى فاضطجعت معه فى الخميلة\" (٤) .","footnotes":"(١) بفتح الخاء المعجمة، وبالصاد المهملة، كساء أسود له أعلام يكون من صوف وغيره، وأصحاب يحيى ثم أصحاب هشام، كلهم قالوا: خميلة باللام بدل الصاد، وهو موافق لما فى آخر الحديث، قيل: الخميلة. القطيفة، وقيل الطنفسة. وقال الخليل: الخميلة ثوب له خمل أى هدب، وعلى هذا لا منافاة بين الخميصة والخميلة، فكأنها كانت كساء أسود لها أهداب أهـ. ينظر: فتح البارى ١/٤٨٠ رقم ٢٩٨، والنهاية فى غريب الحديث ٢/٧٦.\r(٢) بلامين: الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة، أى: ذهبت فى خفية بتأن وتدريج أهـ النهاية ٢/٣٥٢.\r(٣) بفتح النون، وكسر الفاء، أى: أحضت يقال: نفست المرأة إذا حاضت، ونفست بضم النون من النفاس، قال الحافظ ابن حجر، وهذا قول كثير من أهل اللغة، لكن حكى أبو حاتم عن الأصمعى قال يقال نفست المرأة فى الحيض والولادة، بضم النون فيهما، قال: وقد ثبت فى روايتنا بالوجهين. فتح النون وضمها أهـ فتح البارى ١/٤٨١ رقم ٢٩٨.\r(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحيض، باب من سمى النفاس حيضاً ١/٤٨٠ رقم ٢٩٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد ٢/٢١٠ رقم ٢٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556213,"book_id":1504,"shamela_page_id":700,"part":null,"page_num":699,"sequence_num":700,"body":".. يقول أحمد صبحى: وهكذا لا عمل أمام النبى ولا مسؤوليات ملقاة على عاتقه إلا أن يجلس فى الخميلة مع إحدى زوجاته، ولا يمنعه من ذلك حيض أو غيره، بل هناك أكثر من ذلك. يفترى البخارى أن عائشة قالت: \"كان النبى ﷺ، يتكئ فى حجرى وأنا حائض ثم يقرأ القرآن\" (١) هكذا ضاقت كل الأماكن واشتد الزحام بحيث يلجأ النبى إلى ذلك تلك هى سنة الرسول التى كتبها البخارى، فما هى سنته فى القرآن؟ يقول تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٢) لم يقل رب العزة \"فاعتزلهن\" فقط، وإنما أيضاً: \"ولا تقربوهن\".\r... ونحن نؤمن بأن النبى طبق هذه السنة التى فرضها الله عليه، أما البخارى فيؤكد من خلال أحاديثه أن النبى لم يطبق شرع الله. ولكل إنسان أن يختار. هل ينتصر لله ورسوله، أم ينصر البخارى فى كذبه على الله ورسوله\" (٣) وبنفس كلامه قال غيره من أعداء السيرة العطرة (٤) .\rويجاب عن ما سبق بما يلى:","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحيض، باب قراءة الرجل فى حجر امرأته وهى حائض ١/٤٧٩ رقم ٢٩٧ ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ٢/٢١٤ رقم ٣٠١.\r(٢) الآية ٢٢٢ البقرة.\r(٣) قراءة فى صحيح البخارى ص٢٠، ٢١، ولماذا القرآن ص٨٩ – ٩١ كلاهما لأحمد صبحى منصور، وينظر: مشروع التعليم والتسامح ص٢٧٧ – ٢٧٩ لأحمد صبحى وغيره.\r(٤) ينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين ص٥٣١، ٨٧٠، والخطوط الطويلة أو دفاع عن السنة المحمدية لمحمد بن على الهاشمى ص١٢، ٣٧، والخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة لصالح الوردانى ص٧٤، والإسلام بدون حجاب (بحث مستل من شبكة الإنترنت) ص٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556214,"book_id":1504,"shamela_page_id":701,"part":null,"page_num":700,"sequence_num":701,"body":"أولاً: الإمام البخارى – ﵀ – لم يخترع، ولم يؤلف، الأحاديث السابقة وغيرها الواردة فى بيان حدود علاقة الرجل بزوجته أثناء حيضتها، والمبينة الأحكام الشرعية المتعلقة بفترة حيض المرأة.\r... لقد نقل البخارى – كما نقل غيره من رواة السنة – ما سمعه من شيوخه الثقات مما سمعوه من شيوخهم إلى أن وصل النقل إلى رسول الله ﷺ أو إلى الصحابى الذى روى عن رسول الله ﷺ.\r... ولنا أن نتساءل. لماذا كل هذا الحقد، والتشنيع على الإمام البخارى، مع أن غيره من علماء الحديث شاركه فى رواية هذه الأحاديث المتعلقة بأحكام الحيض؛ والتى أوردتها جميع كتب الجوامع والسنن تحت اسم كتاب \"الحيض\"؟.\r... إن كل هذا الحقد الذى يظهروه فى حق الإمام البخارى، هو جزء يسير مما تخفيه صدورهم نحو عدائهم لسنة المصطفى ﷺ، ولرواتها من الأئمة الأعلام قديماً وحديثاً.\rثانياً: ما نقله رواة السنة المطهرة، وعلى رأسهم الإمام البخارى، من الأحاديث المبينة الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة أثناء حيضتها، دين واجب ذكره لتتعلم الأمة المراد بخطاب ربها: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإن تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (١) .\r... وفى البيان المنقول إلينا ما يبين عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه ومحاسن أخلاقه الباطنة مع أهل بيته على ما سيأتى بعد قليل.\rثالثاً: ليس فى حديث مباشرة رسول الله ﷺ، نسائه فى المحيض ما يتعارض مع قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ بل فى هذا الحديث وغيره البيان العملى للآية الكريمة.","footnotes":"(١) الآية ٢٢٢ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556215,"book_id":1504,"shamela_page_id":702,"part":null,"page_num":701,"sequence_num":702,"body":".. وهذا البيان كما هو معلوم؛ من مهامه ﷺ فى رسالته، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (١) فهل فى بيانه ﷺ، للآية الكريمة، ونقل هذا البيان بالسند الصحيح، ما يشوه سيرته العطرة؟ أو يطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه كما يزعم أعداء السنة؟.\r... إن الآية الكريمة تتحدث عن وجوب اعتزال الرجل زوجته الحائض، وعدم الاقتراب منها، حتى تطهر من حيضتها. فهل الاعتزال وعدم الاقتراب هنا، كما هو مفهوم عند اليهود؟ من إهمال الزوجة الحائض، واعتبارها نجسة، فلا يأكل ولا يشرب معها، ولا يسكن معها فى بيت واحد؟.\r... إن هذا السؤال ورد على لسان أصحاب رسول الله ﷺ، وهو وارد على لسان كل مسلم إلى يوم الدين، كيف يتعامل مع زوجته الحائض؟ فجاءت الإجابة، وجاء البيان القولى والعملى مع رسول الله ﷺ بإباحة كل شئ من الزوجة الحائض إلا الجماع.","footnotes":"(١) الآية ٤٤ النحل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556216,"book_id":1504,"shamela_page_id":703,"part":null,"page_num":702,"sequence_num":703,"body":".. فعن أنس بن مالك رضى الله عنه، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لو يؤاكلوها، ولم يجامعوهن فى البيوت. فسأل أصحاب النبى ﷺ، النبى ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ ...الآية (١) فقال رسول الله ﷺ: \"اصنعوا كل شئ إلا النكاح\" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا. فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما (٢) فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبى ﷺ، فأرسل فى آثارهما. فسقاهما. فعرفا أن لم يجد عليهما\" (٣) .\rفتأمل أمر رسول الله ﷺ: \"اصنعوا كل شئ إلا النكاح\" إنها كلمة جامعة جاءت جواباً عن موقف اليهود من المرأة الحائض، وجاءت تفسيراً وبياناً لقول رب العزة: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ فقوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ تفسير لقوله: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ والمراد: اعتزالهن، وعدم قربانهن بالجماع مادام الحيض موجوداً (٤) .\r... وهذا يعنى أن المراد بالاعتزال وعدم القران، إنما المراد به الفرج فقط، وما عدا ذلك من مؤاكلة، ومشاربة، واجتماع معهن فى البيوت، ومباشرتهن، ونحو ذلك، فهو حلال كما قال المعصوم ﷺ، \"اصنعوا كل شئ إلا النكاح\".","footnotes":"(١) الآية ٢٢٢ البقرة.\r(٢) يقال: وجد عليه. يجد وجداً ومواجدة أى غضب. والنهاية ٥/١٣٦.\r(٣) سبق تخريجه ص٢٠٤.\r(٤) ينظر: تفسير القرآن العظيم ١/٣٧٨، ٣٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556217,"book_id":1504,"shamela_page_id":704,"part":null,"page_num":703,"sequence_num":704,"body":".. وتأمل: كيف تغير وجه رسول الله ﷺ من كلمة عباد بن بشر، وأسيد بن حضير، لما طلبا الرخصة فى الوطء أيضاً تتميماً لمخالفة الأعداء \"إن اليهود تقول كذا وكذا. فلا نجامعهن؟ \" فتغير وجه رسول الله ﷺ، لأن تلك الرخصة مخالفة لكتاب الله ﷿ باعتزال النساء فى المحيض، وعدم قربانهن بالجماع!.\r... وعندما ظنا رضى الله عنهما، أن رسول الله ﷺ، قد غضب عليهما بعث فى آثارهما رسولاً ليحضرا عنده، فسقاهما من لبن جاء إليه هدية، فعرفا حينئذ أنه ﷺ، لم يغضب عليهما.\r... وفى هذا الحديث النبوى القولى: \"اصنعوا كل شئ إلا النكاح\" والذى جاء تفسيراً وبياناً للآية الكريمة، طبقه رسول الله ﷺ، عملياً، فجاء بيانه للآية الكريمة ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ بياناً قولياً وعملياً.\r... وإليك نماذج من هذا البيان العملى:\rبيانه ﷺ عملياً طهارة جسد المرأة الحائض، وجواز النوم معها فى ثيابها، والاضطجاع معها فى لحاف واحد، وذلك ما دل عليه حديث أم سلمة السابق، عندما حاضت، وذهبت فى خفية لتأخذ ثياب حيضتها، وظننت عدم جواز نومها وهى حائض مع رسول الله ﷺ فإذ به ﵊، يقول لها: أنفست؟ فتقول: نعم. فيدعوها رسول الله ﷺ، للنوم معه فى لحاف واحد كما قالت: \"فدعانى فاضطجعت معه فى الخميلة\" (١) .","footnotes":"(١) الحديث سبق ذكر كاملاً وتخريجه ص٤٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556218,"book_id":1504,"shamela_page_id":705,"part":null,"page_num":704,"sequence_num":705,"body":"فهذا الفعل وقع منه ﷺ، للبيان التشريعى للآية الكريمة، ورداً على ما فهمته أم سلمة، من عدم طهارتها جسدياً عندما حاضت، وظنت عدم جواز نومها مع زوجها رسول الله ﷺ، فى لحاف واحد. وليس الأمر كما يزعم أعداء عصمته، بأن الأماكن ضاقت به ﷺ، ولا مسئولية ملقاة على عاتقه، إلا أن يجلس فى الخميلة مع إحدى زوجاته، ولا يمنعه من ذلك حيض أو غيره!.\rوقد دل على ذلك البيان التشريعى أيضاً قول ميمونة زوج النبى ﷺ قالت: \"كان رسول الله ﷺ، يضطجع معى وأنا حائض، وبينى وبينه ثوب\" (١) ودل عليه أيضاً قول عائشة رضى الله عنها \"كنت أنا ورسول الله ﷺ، نبيت فى الشعار (٢) الواحد، وأنا طامث (٣) أو حائض فإن أصابه منى شئ غسل مكانه ولم يعده (٤) وصلى فيه، ثم يعود، فإن أصابه منى شئ فعل ذلك، ولم يعده، وصلى فيه\" (٥) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد ٢/٢١٠ رقم ٢٩٥.\r(٢) بكسر المعجمة، وبالعين المهملة: الثوب الذى يلى الجسد، لأنه يلى الشعر. النهاية ٢/٤٢٩.\r(٣) بطاء مهملة، وثاء مثلثة أى حائض، وقول الراوى حائض بعد طامث ذكر تأكيداً. ينظر: النهاية ٣/١٢٥، وحاشية السندى على النسائى ١/١٥١ رقم ٢٨٤.\r(٤) بإسكان العين وضم الدال أى: لم يجاوزه إلى غيره بل اقتصر عليه. حاشية السندى الأماكن السابقة نفسها.\r(٥) أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الطهارة، باب مضاجعة الحائض ١/١٥٠ رقم ٢٨٤، وأبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب الرجل يصيب منها ما دون الجماع ١/٧٠ رقم ٢٦٩ وفيه جابر بن صبح – صدوق – كما قال الحافظ فى تقريب التهذيب ١/١٥٣ رقم ٨٧١ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556219,"book_id":1504,"shamela_page_id":706,"part":null,"page_num":705,"sequence_num":706,"body":"وفى هذا الحديث الأخير: زيادة على حديث أم سلمة وميمونة رضى الله عنهما، وتلك الزيادة هى بيان الحكم للرجل إذا أصاب ثوبه شئ من حيض زوجته وهى نائمة معه فى لحاف واحد، فما عليه إلا بغسل مكان ما أصابه من دم الحيض فقط ولا يتجاوزه، وإذا صلى مع ذلك صحت صلاته.\rويبين رسول الله ﷺ، عملياً صحة الصلاة فى المكان الذى توجد فيه المرأة الحائض، بل وصحة الصلاة فى ثوبها.\rفعن عائشة رضى الله عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ، يصلى بالليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعلى مرط (١) لى، وعليه بعضه\" (٢) . وعن ميمونة زوج النبى ﷺ، قالت: صلى رسول الله ﷺ، وعليه مرط بعضه عليه، وعليها بعضه، وهى حائض\" (٣) .","footnotes":"(١) أى: كساء لها من صوف أو غيره. ينظر: النهاية ٤/٢٧٣.\r(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب الرخصة فى الصلاة فى شعر النساء ١/١٠١ رقم ٣٧٠، وابن ماجه فى سننه كتاب الطهارة، باب الصلاة فى ثوب الحائض ١/٢١٠ رقم ٦٥٢ وفيه طلحة بن يحيى النعمان – صدوق يهم – كما قال الحافظ فى التقريب ١/٤٥٢ رقم ٣٠٤٨، وبقية رجاله ثقات فالإسناد حسن لغيره برواية ميمونة رضى الله عنها.\r(٣) أخرجه ابن ماجة فى سننه الأماكن السابقة نفسها برقم ٦٥٣، وكذا أبو داود فى سننه الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٦٩، وفى سند أبى داود شيخه محمد بن الصباح بن سفيان – صدوق – كما قال الحافظ فى التقريب ٢/٨٨ رقم ٥٩٨٤، وكذا شيخ ابن ماجه سهل بن أبى سهل صدوق كما فى التقريب ١/٣٩٨ رقم ٢٢٦٥ وبقية رجالهما ثقات فالإسناد حسن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556220,"book_id":1504,"shamela_page_id":707,"part":null,"page_num":706,"sequence_num":707,"body":"ويبين رسول الله ﷺ، عملياً جواز مؤاكلة الحائض، والشرب من فضلها فتقول عائشة رضى الله عنها: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبى ﷺ، فيضع فاه على موضع فى. فيشرب وأتعرق العرق (١) وأنا حائض، ثم أناوله النبى ﷺ، فيضع فاه على موضع فىَّ\" (٢) .\rويبين رسول الله ﷺ، عملياً جواز تسريح وغسل الحائض رأس زوجها. فتقول عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله ﷺ يدنى إلىَّ رأسه، وأنا فى حجرتى. فأرجله (٣) وأغسله وأنا حائض\" (٤) .\rويبين رسول الله ﷺ، عملياً طهارة ذات المرأة الحائض، وطهارة ثيابها ما لم يلحق شيئاً منها نجاسة، وذلك كله دل عليه عندما كان ﷺ، معتكفاً فى المسجد، وطلب من زوجته عائشة رضى الله عنها أن تناوله ثوب من حجرته.\rفعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: بينما رسول الله ﷺ فى المسجد. فقال: يا عائشة! ناولينى الثوب\" فقالت: إنى حائض. فقال: \"إن حيضتك ليست فى يدك\" فناولته\" (٥) .\rففى قوله: \"إن حيضتك ليست فى يدك\" معناه: أن النجاسة التى يصان المسجد عنها – وهى دم الحيض – ليست فى يدها، فدل ذلك على أن ذات الحائض طاهرة.","footnotes":"(١) بفتح العين، وإسكان الراء، هو العظم الذى عليه بقية من لحم. النهاية ٣/١٩٩.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ٢/٢١٤ رقم ٣٠٠.\r(٣) الترجل، والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه. النهاية ٢/١٨٦.\r(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأسها زوجها ٢/٢١٢ رقم ٢٩٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحيض، باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله ١/٤٧٨ رقم ٢٩٥.\r(٥) أخرج مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556221,"book_id":1504,"shamela_page_id":708,"part":null,"page_num":707,"sequence_num":708,"body":"وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يتكئ فى حجرى وأنا حائض. فيقرأ القرآن\" (١) .\rففى هذا الحديث دلالة واضحة على جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها على الطهارة، ما لم يلحق شيئاً منها نجاسة، كما فى الحديث دلالة واضحة على جواز قراءة القرآن بقرب محل النجاسة (٢) وكل هذا منه ﷺ، للبيان التشريعى الذى هو من مهامه فى رسالته، وليس الأمر كما يزعم أعداء عصمته، بأن الأماكن ضاقت به حتى لجأ إلى حجر عائشة يقرأ فيه القرآن!.\rويبين رسول الله ﷺ، عملياً ما للرجل من امرأة إذا كانت حائضاً فتأتى رواية عائشة السابقة، لتبين بأنه ﷺ كان يباشر نسائه فوق الإزار (٣) وتأتى رواية أنس السابقة \"اصنعوا كل شئ إلا الجماع\" (٤) لتبين جواز المباشرة تحت الإزار دون الفرج، ويؤيده ما رواه أبو داود بإسناد قوى (٥) . عن عكرمة عن بعض أزواج النبى ﷺ، أن النبى ﷺ، كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً\" (٦) ولا تعارض فى ذلك فرواية عائشة محمولة على الاستحباب، لمن لا يضبط نفسه عند المباشرة من الفرج، أما من وثق من نفسه، جاز له المباشرة تحت الإزار دون الفرج (٧) .\rولا شك أنه ﷺ، كان أملك الناس لإربه، فهذا من خصائصه، كما صرحت عائشة رضى الله عنها، رغم أنف المنكرين لذلك (٨) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٤٧٤.\r(٢) ينظر: فتح البارى ١/٤٧٩ رقم ٢٩٧.\r(٣) سبق تخريجه ص٤٧٣.\r(٤) سبق تخريجه ص٢٠٤.\r(٥) كما قال الحافظ فى فتح البارى ١/٤٨٢ رقم ٣٠٢.\r(٦) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب الرجل يصيب ما دون الجماع ١/٧١ رقم ٢٧٢.\r(٧) وقيل غير ذلك فى الجمع بين الروايات، وقد اقتصرت على ما هو الراجح عندى. ينظر: فتح البارى ١/٤٨٢ رقم ٣٠٢.\r(٨) يراجع: كلام أحمد صبحى منصور السابق ص٤٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556222,"book_id":1504,"shamela_page_id":709,"part":null,"page_num":708,"sequence_num":709,"body":"وبعد:\r... فهذا بيان رسول الله ﷺ، قولاً وعملاً لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ (١) وهو بيان يهم كل مسلم ومسلمة، وعنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ قديماً ورجعوا إليه (٢) وعنه يسأل كل مسلم ومسلمة إلى يوم الدين.\r... فليختر كل إنسان لنفسه؛ إذا حاضت أخته، أو زوجته، أو أمه، أو خالته، أو... الخ هل يعتزلهن فلا يؤاكلهن ولا يشاربهن ولا يساكنهن فى بيت واحد – كما هو حال اليهود؟ أم يكون له قدوة وأسوة بسنة وسيرة المعصوم ﷺ؟!.\r... إن سنة وسيرة رسول الله ﷺ، فى معاملة المرأة الحائض تمثل قمة التكريم للمرأة، كما تمثل عظمة أخلاقه، وعصمته ﷺ فى سلوكه مع أهل بيته، إذا أصابهن ما كتبه رب العزة على بنات آدم.\r... فالمرأة فى فترة حيضتها، تكون شبه مريضة أو مريضة يصبها توعك وآلام تجعلها تشعر فى تلك الفترة بالهبوط والضيق.","footnotes":"(١) جزء من الآية ٢٢٢ البقرة.\r(٢) ينظر: سؤال بعضهم لعائشة رضى الله عنها فى سنن النسائى الصغرى، كتاب الحيض، باب ذكر ما كان النبى ﷺ يصنعه إذا حاضت إحدى نسائه ١/١٨٩ رقم ٣٧٥، والموطأ كتاب الطهارة، باب ما يحل للرجل من امرأته وهى حائض ١/٧٤ رقمى ٩٣، ٩٤. وينظر: سؤال معاوية بن أبى سفيان لأخته أم حبيبة زوج النبى ﷺ. فى سنن ابن ماجة كتاب الطهارة، باب ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً ١/٢٠٦ رقم ٦٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556223,"book_id":1504,"shamela_page_id":710,"part":null,"page_num":709,"sequence_num":710,"body":".. كما أن أغلبية الرجال يشعرون بالاشمئزاز والنفور من الرائحة الشهرية المرافقة للطمث. وقليل منهم الذين يشعرون ببهجة وانجذاب. وشم هذه الرائحة الشهرية لا يقتصر على منطقة الأعضاء الجنسية، بل تمتد فى معظم النساء إلى إفرازات الجلد والنفس (١) وكل هذا ولا شك مما قد يفسد العلاقة بين الرجل وأهله فى تلك الفترة التى تعترى المرأة شهرياً.\r... فهل تعتزل أخى المسلم: زوجتك الحائض فى تلك الفترة، فلا تؤاكلها، ولا تشاربها، ولا تساكنها، فى بيت واحد، مما قد يزيد الجفاء بينك وبين زوجتك؟.\r... أم تمتثل لسنة وسيرة المعصوم ﷺ، مع أهل بيته فى تلك الفترة التى تحيض فيها المرأة؛ فيكون لذلك أطيب الأثر فى العلاقة بينك وبين أهل بيتك، ويكون لك الأجر والهداية، والفلاح، جزاء امتثالك وطاعتك لله ﷿ ولرسوله ﷺ؟ اختر لنفسك ما شئت.\rاللهم ارزقنى القدوة بنبيك مع أهل بيتى","footnotes":"(١) ينظر: الطب النبوى والعلم الحديث للدكتور محمود ناظم النسيمى ٢/١١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556224,"book_id":1504,"shamela_page_id":711,"part":null,"page_num":710,"sequence_num":711,"body":"الفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث \"دعوته ﷺ لعائشة استماع الغناء والضرب بالدف\"\rوالرد عليها\r... روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: \"دخل على رسول الله ﷺ وعندى جاريتان تغنيان (١) بغناء بعاث (٢) فاضطجع على الفراش (٣) وحول وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرنى وقال: مزمارة الشيطان (٤) عند النبى ﷺ! فأقبل عليه (٥) فقال: دعهما. فلما غفل غمرتهما فخرجتا. وكان يوم عيد يلعب فيه السودان (٦) بالدرق (٧) والحراب، فإما سألت (٨)","footnotes":"(١) زاد فى رواية مسلم: \"تغنيان وتضربان\" أى بالدف الذى لا جلاجل فيه.\r(٢) أى: بما قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء، وبعاث: بضم الموحدة وبعدها مهملة اسم حصن للأوس، ويوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وكانت تلك الوقعة قبل الهجرة بثلاث سنين وهو المعتمد. ينظر: فتح البارى ٢/٥١١ رقم ٩٤٩، والنهاية ١/١٣٨.\r(٣) وفى رواية مسلم: \"مسجى بثوبه\" أى ملتف به.\r(٤) بكسر الميم يعنى: الغناء أو الدف، لأن المزمارة أو المزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذى له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وسميت به الآلة المعروفة التى يزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهى، فقد تشغل القلب عن الذكر أهـ فتح البارى ٢/٥١٢ رقم ٩٤٩، والنهاية ٢/٢٨٢.\r(٥) وفى رواية مسلم: \"فكشف النبى ﷺ\" أى عن وجهه الشريف، حيث تقدم أنه ﷺ، كان ملتفاً بثوبه أهـ.\r(٦) هم أناس من الحبشة، كما جاء فى رواية مسلم: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتى. والحبشة يلعبون بحرابهم فى مسجد رسول الله ﷺ ٠\r(٧) جمع درقة، ويروى بالكاف عوض القاف، والمراد: يرقصون وفى أيديهم الحراب جمع حربة، وهى من آلات الحرب. ينظر: المنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٤ رقم ٨٩٢، والنهاية ٢/١٠٧.\r(٨) هذا تردد منها، هل كان أذن لها فى ذلك ابتداء منه، أو عن سؤال عنها، وهذا بناء على أن \"سألت\" بسكون اللام على أنه كلامها، ويحتمل أن يكون بفتح اللام، فيكون كلام الراوى، وسيأتى تحقيق ذلك قريباً.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556225,"book_id":1504,"shamela_page_id":712,"part":null,"page_num":711,"sequence_num":712,"body":"النبى ﷺ، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامنى وراءه، خدى على خده، وهو يقول: دونكم يا بنى أرفدة (١) حتى إذا مللت قال: حسبك؟ (٢) قلت: نعم. قال: فاذهبى\" (٣) .\r... هذا الحديث الذى يبين محاسن ومكارم أخلاقه ﷺ مع أهل بيته. طعن فيه بعض أدعياء العلم بحجة أنه يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، حيث أن الحديث فى نظرهم ينسب إليه ﷺ، استماعه وفى عقر داره إلى الغوانى يتغنين، كما ينسب إليه فى نظرهم دعوته زوجته الشابة إلى مشاهدة حفلة راقصة فى المسجد... الخ.\r... يقول عبد الحسين شرف الدين الموسوى: \"إن رسول الله أبعد عن اللعب، وأرفع عن العبث، وأعرف بحرمات الله ورسوله من أن يوسع للجهال مجالاً إلى اللهو فى المسجد بمحضر منه، وإن أوقاته الشريفة المفعمة بالمهمات الأخروية والدنيوية، لا يتسع للهو منها شئ، وحاشا لله أن يشغل مسجده الشريف بعبث أو لهو أو لغو ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ (٤) .","footnotes":"(١) بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الفاء، وقد تفتح، لقب للحبشة، وقيل اسم جنس لهم، والمعنى: عليكم بهذا اللعب الذى أنتم فيه أهـ المنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٤ رقم ٨٩٢.\r(٢) استفهام بدليل قولها: \"قلت نعم\" تقديره حسبك أى: هل يكفيك هذا القدر؟ ينظر: المصدر السابق الأماكن السابقة نفسها.\r(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها: كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد ٢/٥١٠ رقم ٩٤٩، ٩٥٠، وباب سنة العيدين لأهل الإسلام برقم ٩٥٢،ومسلم (بشرح= =النووى) كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة فى اللعب الذى لا معصية فيه، فى أيام العيد ٣/٤٥٠ رقم ٨٩٢.\r(٤) الآية ٥ الكهف. وينظر: أبو هريرة ص١٥٨، والمراجعات له أيضاً ص٣١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556226,"book_id":1504,"shamela_page_id":713,"part":null,"page_num":712,"sequence_num":713,"body":".. ويقول هشام آل قطيط: \"كيف يتسنى لأم المؤمنين، بعد وقوفها وراء النبى أن تضع خدها على خده؟ هل كانت أطول قامة من النبى؟ أم أنها تشبثت بعنقه كما يتشبث الأطفال بعنق الكبار فى لعبة الـ (......) ؟.\r... ولأن أم المؤمنين لم تتطرق لذلك، ولم نحضر المشهد، فالأفضل أن نقول: لا ندرى! وكيف للخليفة أبى بكر أن يمنع المغنيات فى بيت النبى وبحضوره والنبى ساكت لا يتكلم.\r... هل أن أبا بكر أفضل من النبى؟ وأى نبى هذا الذى يسكت وأحد أصحابه يمنع المغنيات؟ وأى نبى هذا الذى يدعوا زوجته الشابة إلى مشاهدة هذه الحفلة الراقصة فى المسجد والنظر إلى الأجانب، وتضع خدها على خده، ثم يقوم حتى تملى هى من المشاهدة؟ بالله عليكم ألا ينطبق على هذه الأحاديث قول الشاعر:\rإذا كان رب البيت بالدف ضارباً ... *** ... فشيمة أهل البيت كلهم الرقص؟ (١) .\r... ويجاب عن ما سبق بما يلى:\rأولاً: الحديث صحيح سنداً ومتناً ولا يتعارض مع عصمة رسول الله ﷺ، فى سلوكه وهديه، بل فيه البيان العملى مع أهل بيته، لما هو مباح للأمة فى أيام العيد.\r... وهذا البيان فهمه أئمة السنة قديماً وحديثاً بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ، وتأمل مواضع إخراج هذا الحديث فى كتب السنة تجد صدق ما أقول؛ فالإمام البخارى أخرج الحديث فى عدة مواضع من صحيحه أولها كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد، ثم كرره فى باب سنة العيدين لأهل الإسلام.","footnotes":"(١) حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين ص٣٢ – ٣٤، وينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ١/١٨، والخطوط الطويلة أو دفاع عن السنة المحمدية لمحمد بن على الهاشمى ص١٢، وقراءة فى صحيح البخارى لأحمد صبحى منصور ص٢٦، ودين السلطان لنيازى عز الدين ص٥٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556227,"book_id":1504,"shamela_page_id":714,"part":null,"page_num":713,"sequence_num":714,"body":".. وهو كما ترى صريح فى بيان أن حديث عائشة، يستفاد منه السنة والشرع لأهل الإسلام فى العيدين، من جواز اللعب واللهو والرقص والغناء، بما لا معصية فيه؛ وهذا ما تضمنه عنوان الباب الذى ذكر تحته الحديث من صحيح الإمام مسلم، فى كتاب العيدين.\r... ومن هنا صرح العلماء؛ بأن إظهار السرور فى الأعياد من شعار الدين (١) وقولهم هذا مستفاد صراحة من هذا الحديث، على ما جاء فى رواية مسلم من قوله ﷺ: \"دعهما يا أبا بكر فإنهما أيام عيد\" (٢) ففى ذلك تعليل الأمر بتركهما، بأنه يوم عيد، أى: هو وقت سرور. وهناك من العلماء من قاس على يوم العيد فى إظهار السرور، ما فى معناه كيوم العرس (٣) والوليمة والعقيقة والختان، ويوم القدوم من السفر (٤)","footnotes":"(١) ينظر: فتح البارى ٢/٥١٤ رقمى ٩٤٩، ٩٥٠.\r(٢) يراجع: تخريج حديثنا ص٤٨٣.\r(٣) فعن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبى مسعود الأنصارى فى عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله ﷺ، ومن أهل بدر، يفعل هذا عندكم. فقالا: اجلس. إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، قد رخص لنا فى اللهو عند العرس\" أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب النكاح، باب اللهو والغناء عند العرس ٦/١٣٥ رقم ٣٣٨٣، والحاكم فى المستدرك ٢/٢٠١ رقم ٢٧٥١ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى وينظر: حديث الربيع بنت معوذ فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب ضرب الدف فى النكاح والوليمة ٩/١٠٩ رقم ٥١٤٧، وحديث عائشة فى المصدر السابق، نفس الكتاب، باب النسوة اللاتى يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة رقم ٥١٦٢.\r(٤) ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس قال: لما قدم النبى ﷺ المدينة لعبت الحبشة لقدومه فرحاً بذلك، لعبوا بحرابهم\" ولا شك أن يوم قدموه ﷺ كان عندهم أعظم من يوم العيد. الحديث أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأدب، باب النهى عن الغناء ٤/٢٨١ رقم ٤٩٢٣، وفيه الحسن بن على بن راشد الواسطى شيخ أبى داود – صدوق – كما قال الحافظ فى التقريب ١/٢٠٦ رقم ١٢٦٢ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556228,"book_id":1504,"shamela_page_id":715,"part":null,"page_num":714,"sequence_num":715,"body":"وسائر أسباب الفرح، وهو كل ما يجوز به الفرح شرعاً (١) .\r... فمن أين نعرف مثل هذه الأحكام إلا من هذا الحديث وما فى معناه!.\rثانياً: ليس فى إنكار الصديق رضى الله عنه على عائشة رضى الله عنها، وما معها من الجوارى وبحضوره ﷺ، إفتئات على رسول الله، بل هو أدب من أبى بكر ورعاية منه لحرمة رسول الله ﷺ، وإجلال لمنصبه، لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو فى بيته ﷺ، فبادر إلى إنكار ذلك قياماً عن النبى ﷺ، مستنداً بذلك إلى ما ظهر له، كما يحتمل أن يكون أبو بكر ظن ان رسول الله ﷺ نام فخشى أن يستيقظ فيغضب على ابنته، فبادر إلى سد هذه الذريعة، فأوضح له النبى ﷺ الحال، وعرفه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أى يوم سرور شرعى، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر فى الأعراس ونحوها مما يجوز به الفرح شرعاً على ما سبق.","footnotes":"(١) ينظر: إحياء علوم الدين للغزالى ٢/٣٠٣، ٣٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556229,"book_id":1504,"shamela_page_id":716,"part":null,"page_num":715,"sequence_num":716,"body":".. وبهذا يرتفع الإشكال أيضاً عن إنكار عمر بحضرته ﷺ فى نفس القصة، على ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: \"رأيت النبى ﷺ يسترنى وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون فى المسجد، فزجرهم عمر (١) فقال النبى ﷺ، دعهم. أمنا بنى أرفدة\" يعنى من الأمن (٢) يشير إلى أن المعنى: اتركهم من جهة إنا آمناهم أمناً.\r... فإنكار عمر هنا مبنى على أن الأصل تنزيه المساجد عن اللعب فيها بالحراب، فبين له رسول الله ﷺ وجه الجواز.\r... كما يحتمل أن يكون عمر لم يرى رسول الله ﷺ، ولم يعلم أنه رآهم، كما يحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدته فى الدين ينكر خلاف الأولى، والجد فى الجملة أولى من اللعب المباح. وأما النبى ﷺ، فكان بصدد بيان الجواز (٣) .\rثالثاً: ليس فى الحديث ما يزعمه دعاة الفتنة من استماع رسول الله ﷺ، للباطل من الغناء على لسان المغنيات بدلالة ما يلى:","footnotes":"(١) وفى رواية أبى هريرة: \"فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، أى أهوى عمر إلى الحصى الصغار يرميهم بها.\r(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها. كتاب العيدين، باب إذا فاته العيد يصلى ركعتين ٢/٥٥٠ رقمى ٩٨٧، ٩٨٨، وكتاب الصلاة، باب أصحاب الحراب فى المسجد ١/٦٥٣ رقم ٤٥٤. ومن حديث أبى هريرة فى كتاب الجهاد، باب اللهو بالحراب ونحوها ٦/١٠٩ رقم ٢٩٠١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة فى اللعب الذى لا معصية فيه فى أيام العيد ٣/٤٥٢ رقم ٨٩٣.\r(٣) ينظر: فتح البارى ٢/٥١٥ رقم ٩٥٠، ٦/١٠٩ رقم ٢٩٠١، والمنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٥ رقم ٨٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556230,"book_id":1504,"shamela_page_id":717,"part":null,"page_num":716,"sequence_num":717,"body":"ما ورد فى الحديث من أنه ﷺ، تسجى بثوبه، أى: التف به حتى غطى وجهه وأذنه، ففى ذلك إعراض عن ذلك؛ لكون مقامه يقتضى أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذى أقره إذ لا يقر على باطل!.\rكما أن فى إعراضه بتغطية وجهه وأذنه؛ بيان لكمال رأفته ﷺ، وحلمه، وحسن خلقه، مع زوجته عائشة وصواحباتها، لئلا يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن (١) .\rوحتى على فرض استماعه ﷺ، لغناء الجوارى، فالغناء هنا من نوع المباح وجاء على لسان ممن لم يتخذا الغناء عادة لهما. يدل على ذلك.\rما ورد فى الحديث من قول عائشة رضى الله عنها: \"وعندى جاريتان من جوارى الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين\" (٢) ففى قولها: \"وليستا بمغنيتين\" معناه: ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به، وإنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة، والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجوارى على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت: \"وليستا بمغنيتين\" أى ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال، وما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذى فيه تمطيط وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسباً، والعرب تسمى الإنشاد غناء وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذى هو مجرد الإنشاد والترنم، وفعلوه بحضرة النبى ﷺ، وفى هذا كله إباحة (٣) .","footnotes":"(١) ينظر: المصادر السابقة فى الأماكن نفسها.\r(٢) يراجع: تخريج حديثنا ص٤٨٣.\r(٣) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٢ رمق ٨٩٢، وفتح البارى ٢/٥١٣ رقم ٩٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556231,"book_id":1504,"shamela_page_id":718,"part":null,"page_num":717,"sequence_num":718,"body":"فتأمل ما ورد فى الحديث: من أنه ﷺ، تسجى بثوبه، واضطجع على الفراش وحول وجهه الشريف، وقول عائشة: \"ليستا بمغنيتين\" حيث نفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، تحرزاً عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به.\rتأمل ذلك جيداً يظهر لك بطلان ما زعمه أدعياء العلم، ودعاة الفتنة، فى حق أئمة السنة، وفى حق صاحبها ﷺ، كما يظهر لك سوء فهمهم لحديثنا؟ وإلا فليأتوا لنا بما يخالف ما ورد فى الحديث؛ من أنه ﷺ، لم يتسجى بثوبه، ولم يحول وجهه، واستمع إلى مغنيات معروفات بالغناء، وتغنين بعادة المغنيات، مما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، لا مجرد جوارى لا يعرفن بالغناء، ولا هو عادة لهما، وكل ما فعلنه أن رفعن أصواتهن بإنشاد ما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة يوم بعاث؟!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556232,"book_id":1504,"shamela_page_id":719,"part":null,"page_num":718,"sequence_num":719,"body":"رابعاً: إن حديثنا يبين عصمة سيدنا رسول الله ﷺ، فى سلوكه وهديه، ويبين ما كان عليه من الرأفة، والرحمة، وحسن الخلق، والمعاشرة بالمعروف مع أهل بيته امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (١) وخصوصاً إذا كان أهل بيته صغار السن كعائشة القائلة على ما جاء فى رواية مسلم فى ختام حديثنا \"فاقدروا قدر الجارية، الحديثة السن، حريصة على اللهو\" (٢) .\r... ولذا لما رأت بعض الحبشة يرقصن فى المسجد، والصبيان حولهم يشاهدون، التمست من رسول الله ﷺ، النظر إليهم، فأذن لهى، على ما جاء فى رواية مسلم فى حديثنا: \"قالت: للعابين، وددت أنى أراهم قالت: فقام رسول الله ﷺ، وقمت على الباب أنظر بين أذنيه وعاتقه. وهم يلعبون فى المسجد\".","footnotes":"(١) جزء من الآية ١٩ النساء.\r(٢) وفى الحديث عنها قالت: كنت ألعب بالبنات، فربما دخل على رسول الله ﷺ، وصواحباتى عندى، فإذا رأين رسول الله ﷺ فررن، فيقول ﷺ: كما أنت، وكما أنتن\" أخرجه النسائى فى سننه الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب إباحة الرجل اللعب لزوجته بالبنات ٥/٣٠٦ رقم ٨٩٤٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس ١٠/٥٤٣ رقم ٦١٣٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة ٨/٢١٨ رقم ٢٤٤٠، وينظر: حديث مسابقته ﷺ لعائشة فى السنن الكبرى للنسائى كتاب عشرة النساء، باب مسابقة الرجل زوجته ٥/٣٠٣ رقم ٨٩٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556233,"book_id":1504,"shamela_page_id":720,"part":null,"page_num":719,"sequence_num":720,"body":".. وتبين رواية النسائى فى سننه الكبرى، كيف تسنى لها بعد وقوفها وراء النبى ﷺ، أن تضع خدها على خده، مع قصر قامتها إذ تقول: \"لعبت الحبشة، فجئت من ورائه ﷺ، فجعل يطأطئ ظهره، حتى أنظر\" (١) .\r... وفى تلك الرواية رد على تساؤل هشام آل قطيط: هل كانت أطول قامة من النبى؟ أم أنها تشبثت بعنقه... الخ (٢) كما جاء فى رواية للنسائى فى سننه الكبرى أيضاً أنها قالت: \"دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لى: \"يا حميراء! أتحبين أن تنظرى إليهم؟ \" فقلت: نعم، فقام بالباب، وجئته، فوضعت ذقنى على عاتقه، فأسندت وجهى إلى خده، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيباً، فقال ﷺ: \"حسبك\" فقلت: يا رسول الله، لا تعجل، فقام لى، ثم قال: \"حسبك\" فقلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: ومالى حب النظر إليهم، ولكى أحببت أن يبلغ النساء مقامه لى، ومكانى منه\" (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب عشرة النساء، باب إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب ٥/٣٠٨ رقم ٨٩٥٥ وفى إسناده محمد بن عمرو بن علقمة صدوق له أوهام كما قال الحافظ فى التقريب ٢/١١٩ رقم ٦٢٠٨ وبقية رجاله ثقات فالإسناد حسن لغيره – لأنه مقو برواية هذا الحديث فى الصحيحين.\r(٢) يراجع: نص كلامه السابق ص٤٨٤.\r(٣) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب عشرة النساء، باب إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب ٥/٣٠٧ رقم ٨٩٥١ وقال الحافظ فى فتح البارى ٢/٥١٥ رقم ٩٥١ إسناده صحيح، ولم أرى فى حديث صحيح ذكر الحميراء إلا فى هذا أهـ قلت: صحت أحاديث أخرى ذكرها الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة تعليقاً على قول الإمام ابن قيم الجوزية \"كل حديث فيه يا حميراء فهو كذب\" أهـ ينظر: المنار المنيف ص٦٠ رقم ٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556234,"book_id":1504,"shamela_page_id":721,"part":null,"page_num":720,"sequence_num":721,"body":".. ففى تلك الرواية تصريح بأنه ﷺ، ابتدأها بالنظر إلى لعب الحبشة فى المسجد، ولا تعارض بينها، وبين رواية مسلم السابقة، فالجمع بينهما على ما سبق أنها التمست من رسول الله ﷺ النظر إليهم، فأذن لها.\rخامساً: إقرار سيدنا رسول الله ﷺ، للحبشة اللعب فى المسجد بالحراب، ليس لمجرد اللعب، بل لم فيه من تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو.\r... واللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب؛ وإن كان لا يناسب بيوت الله فى زماننا – إلا أنه يستفاد من إقراره ﷺ للحبشة اللعب فى المسجد بالحراب، أن لعب الصبيان فى المسجد يوم العيد ليس فيه انتهاك لحرمة بيوت الله، ولا يعارضه حديث: \"جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وشراركم، وبيعكم، وخصوماتكم؛ ورفع اصواتكم وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها فى الجمع\" (١) لضعفه (٢) .\r... كما أن العلماء استفادوا من إقراره ﷺ، جواز أى عمل فى المسجد يجمع بين منفعة الدين وأهله، لأن المسجد إنما وضع لأمر جماعة المسلمين (٣) .","footnotes":"(١) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب المساجد، باب ما يكره فى المساجد ١/٢٤٣ رقم ٧٥٠ وفى إسناده أبو سعيد وهو محمد بن سعيد المصلوب، كذاب، وكذا فى سنده الحارب بن نبهان، ضعيف، كذا قال البوصيرى فى مصباح الزجاج ١/٢٦٤ رقم ٧٥٠، وأخرجه الطبرانى فى الكبير ٨/١٥٦ رقم٧٦٠١، وفيه العلاء بن كثير الليثى الشامى، وهو ضعيف، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢/٢٥، ٢٦.\r(٢) كما قال البوصيرى، والهيثمى، على ما سبق، وكذا ضعفه الحافظ فى فتح البارى ١/٦٥٤ رقم ٤٥٤ وينظر: تلخيص الحبير ٤/٤٥٦ رقم ٢٠٨٨، والمقاصد الحسنة للسخاوى ص١٧٥ رقم ٣٧٢.\r(٣) ينظر: فتح البارى ١/٤٥٦ رقم ٤٥٤، والمنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٣ رقم ٨٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556235,"book_id":1504,"shamela_page_id":722,"part":null,"page_num":721,"sequence_num":722,"body":"سادساً: إقرار رسول الله ﷺ، لزوجته أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، النظر إلى لعب الحبشة، فيه بيان لحسن خلقه مع أهله وكرم معاشرته، وفضل عائشة، وعظيم محلها عنده ﷺ، وليس فى نظرها إلى لعب الحبشة، ما يتعارض مع احتجابها من النظر إلى الأجانب، لأنه ليس فى الحديث أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع النظر بلا قصد صرفته فى الحال.\r... ومن هنا استفاد العلماء من ذلك، إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب واللهو المباح، إذ المكروه فى حق النساء النظر إلى محاسن الرجال، والاستلذاذ بذلك (١) .\rوبعد:\r... فإن رسول الله ﷺ، عصمه ربه فى سلوكه وهديه، وجعله قدوة لأمته، ومبيناً لما أنزل عليه من آيات الله البينات وقد قام رسول الله ﷺ، بهذا البيان قولاً وعملاً على أكمل وجه.\r... فكان حديثنا بياناً عملياً لقول رب العزة: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (٢) وبياناً عملياً لقوله ﷺ: \"إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وألطفهم بأهله\" (٣) وقوله ﷺ: \"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى\" (٤) .","footnotes":"(١) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٣/٤٥٣ رقم ٨٩٢، وفتح البارى ٢/٥١٦ رقم ٩٥٠.\r(٢) جزء من الآية ١٩ النساء.\r(٣) سبق تخريجه ص٤٦٥.\r(٤) سبق تخريجه ص٤٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556236,"book_id":1504,"shamela_page_id":723,"part":null,"page_num":722,"sequence_num":723,"body":".. حيث بين حديثنا للأمة أن حسن الخلق فى تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب، أحسن من خشونة الزهد، والتقشف فى الامتناع والمنع منه؛ وخاصة فى أيام العيد، ويقاس على أيام العيد سائر أسباب الفرح، مما يجوز به الفرح شرعاً، شريطة أن يكون هذا اللعب واللهو مما لا معصية فيه، ففى الحديث: \"كل شئ ليس فيه ذكر الله، فهو لهو ولعب، إلا أربع، ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشيه بين الغرضين (١) وتعليم الرجل السباحة\" (٢) .\r... كما أن حديثنا بياناً عملياً لقوله تعالى: ﴿فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ (٣) حيث أفاد إقراره ﷺ، للحبشة اللعب فى المسجد، أن كل ما فيه منفعة للدين وأهله، إذا وقع فى بيت الله عز جل، فلا يعارض الآية الكريمة، كما لا يعد انتهاك لحرمة المسجد.\r... فهنيئاً لمن اقتدى به ﷺ، وامتثل لهديه مع أهل بيته، فكان من أكمل المؤمنين إيماناً بحسن خلقه، ولطفه بأهل بيته أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":"(١) أى: بين الهدفين فى تعلم الرماية، أو عند التحام القتال. ينظر: النهاية ٣/٣٢٣.\r(٢) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى. كتاب عشرة النساء، باب ملاعبة الرجل زوجته ٥/٣٠٢ رقم ٨٩٣٩، والطبرانى فى الأوسط ٨/١١٨ رقم ٨١٤٧، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٥/٢٦٩ رجاله رجال الصحيح، خلا عبد الوهاب بن بخت وهو ثقة، وذكر شواهد أخرى للحديث منها عن أبى هريرة رضى الله عنه، أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٥/٢٧٨ رقم ٥٣٠٩ وقال فيه سويد بن عبد العزيز، قال أحمد متروك، وضعفه الجمهور، ووثقه دحيم، وبقية رجاله ثقات، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أخرجه الطبرانى فى الأوسط ٧/١٧٠ رقم ٧١٨٣، وقال فيه المنذر بن زياد الطائى وهو ضعيف أهـ، ينظر: مجمع الزوائد ٥/٢٦٩.\r(٣) الآية ٣٦ النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556237,"book_id":1504,"shamela_page_id":724,"part":null,"page_num":723,"sequence_num":724,"body":"الفصل السابع: شبهة الطاعنين فى حديث \"اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة\"\rوالرد عليها\r... روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ، \"اللهم! إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة\" (١) .\r... هذا الحديث الذى يبين كمال شفقة رسول الله ﷺ، على أمته، طعن فيه أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، وزعموا أنه موضوع، وفيه تشويه لصورة الرسول، وطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه، إذ لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، ولا لعاناً ولا سباباً.","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبى ﷺ، أو سبه، أو دعا عليه، وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً ٨/٣٩٦ رقم ٢٦٠١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الدعوات، باب قول النبى ﷺ من أذيته فاجعله له زكاة ورحمة ١١/١٧٥ رقم ٦٣٦١، والدارمى فى سننه كتاب الرقائق، باب قول النبى ﷺ أيما رجل لعنته أو سببته ٢/٤٠٦ رقم ٢٧٦٥، وأحمد فى المسند ٢/٢٤٣، ٣١٦، ٣٩٠، ٤٤٩، ٤٨٨، ٤٩٣، ٤٩٦ - ٣/٤٠٠، وللحديث شواهد عن عائشة، وجابر بن عبد الله، وأبى سعيد الخدرى، وأنس بن مالك، وأبى السوار عن خاله. سيأتى تخريجها قريباً.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556238,"book_id":1504,"shamela_page_id":725,"part":null,"page_num":724,"sequence_num":725,"body":".. يقول نيازى عز الدين بعد أن ذكر روايات الحديث السابق قال: \"إن وراء هذه الأحاديث منافقين غايتهم تشويه صورة الرسول خدمة لسلطانهم (١) حتى إذا سب وشتم ولعن وجلد أحداً حتى لو كان بريئاً، استشهد جنوده عليه بأحاديث الرسول هذه، على أن السلطان قد تفضل عليه بذلك الجلد، وتلك الإهانة خيراً كثيراً\" (٢) .\r... ويقول جعفر مرتضى العاملى: \"نعم، ربما يلعن رسول الله ﷺ، بعض المنافقين، وفراعنة الأمة... لكن أتباعهم وضعوا الحديث الذى صيروا فيه اللعنة زكاة، ليعموا على الناس أمرهم، ويجعلوا لعن النبى ﷺ لغواً، ودعاءه على معاوية بأن لا يشبع الله بطنه باطلاً، فجزاهم الله تعالى عن نبيهم ما يحق بشأنهم\" (٣) .","footnotes":"(١) المراد بالسلطان هنا: معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه، وجنوده هم: الفقهاء فى زمانه كما صرح بذلك فى كتابه دين السلطان ص٣٦، ٣٧، ويراجع من نفس المصدر ص١١، ١٠٣، ١١٠، ١١٤، ١١٧، ١١٩، ١٢٤، ٧٩٥، وكذا صرح عبد الحسين شرف الدين فى كتابه أبو هريرة ص١٠٤ حيث قال: \"إنما وضع هذا الحديث على عهد معاوية تزلفاً إليه\" أهـ المراد نقله.\r(٢) دين السلطان ص٤٢١.\r(٣) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٦/١٧٣، ٧/٣١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556239,"book_id":1504,"shamela_page_id":726,"part":null,"page_num":725,"sequence_num":726,"body":".. ويقول عبد الحسين شرف الدين: \"قد علم البر والفاجر، والمؤمن والكافر، أن إيذاء من لا يستحق من المؤمنين أو جلدهم أو سبهم أو لعنهم على الغضب ظلم قبيح، وفسق صريح، يربأ عنه عدول المؤمنين، فكيف يجوز على سيد النبيين، وخاتم المرسلين؟ وقد قال: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\" (١) وعن أبى هريرة قال: قيل يا رسول الله! ادع على المشركين، قال: إنى لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة\" (٢) هذه حاله مع المشركين، فكيف به مع من لا يستحق من المؤمنين؟ \" (٣) .\r... ويجاب عن ما سبق بما يلى:\rأولاً: الحديث صحيح سنداً ومتناً وثابت بأصح الأسانيد فى أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿ فقد رواه الشيخان فى صحيحيهما، ولا يصح لنا أن نكذب البخارى ومسلم وروايتهما، اعتماداً على رأى ليس له من حظ فى توثيق الأخبار، وإقرار الحقائق من قريب أو بعيد.","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر ١/١٣٥ رقم ٤٨، وكتاب الأدب، باب ما ينهى عنه من السباب واللعن ١٠/٤٧٩ رقم ٦٠٤٤، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان قول النبى ﷺ سباب المسلم فسوق ١/٣٣٠ رقم ٦٤ من حديث ابن مسعود رضى الله عنه.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب النهى عن لعن الدواب وغيرها ٨/٣٩٤ رقم ٢٥٩٩.\r(٣) أبو هريرة ص١٠٠ – ١٠٤، وينظر: مساحة الحوار ص١١٧، ١١٨، والمواجهة مع رسول الله وآله ص٢٥٧ – ٢٥٩ كلاهما لأحمد حسين يعقوب، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٤٠، ٢٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556240,"book_id":1504,"shamela_page_id":727,"part":null,"page_num":726,"sequence_num":727,"body":"ثانياً: لم ينفرد أبى هريرة رضى الله عنه برواية الحديث، وإنما شاركه فى روايته جماعة من الصحابة: عائشة (١) وجابر بن عبد الله (٢) وأبى سعيد الخدرى (٣) وأنس بن مالك (٤) وأبى السوار عن خاله (٥) .\rثالثاً: ليس فى حديثنا ما يشوه سيرة رسول الله ﷺ، وعصمته فى أخلاقه، لأنه لا خلاف فى أن رسول الله ﷺ مأمور بالغلظة على الكفار والمنافقين عملاً بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ (٦) .","footnotes":"(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبى ﷺ أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً ورحمة ٨/٣٩٦ رقم ٢٦٠٠، وأحمد فى المسند ٦/٤٥، ١٨٠.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٩٠٢، والدارمى فى سننه كتاب الرقائق، باب قول النبى ﷺ أيما رجل لعنته أو سببته ٢/٤٠٦ رقم ٢٧٦٦، وأحمد فى المسند ٣/٣٣٣، ٣٨٤.\r(٣) أخرجه أحمد فى المسند٣/٣٣ وأبو يعلى وإسناده حسن كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٦٦.\r(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٩٠٣ فى قصة عن أم سليم رضى الله عنها، وأخرجه أحمد فى المسند ٣/١٤١ عن أنس فى قصة عن حفصة رضى الله عنها.\r(٥) أخرجه أحمد فى المسند ٥/٢٩٤، ورجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٤٠٧.\r(٦) الآية ٧٣ التوبة، والآية ٩ التحريم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556241,"book_id":1504,"shamela_page_id":728,"part":null,"page_num":727,"sequence_num":728,"body":".. ولقد تكررت هذه الآية فى القرآن مرتين، فيهما \"واغلظ عليهم\" ولا مانع من أن يكون، من هذا الإغلاظ سبهم ولعنهم، بدليل ما ورد فى السنة المطهرة، من أنه ﷺ، كان يدعو على رجال من المشركين، يسميهم بأسمائهم حتى أنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شئ أو يتوب الله عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ (١) وليس فى الآية الكريمة نهى عن اللعن، وإنما النهى حسب سبب النزول، عن تعيين أسماء من يلعنهم، لعل الله أن يتوب عليهم (٢) أو يعذبهم فى الدنيا بقتلهم، وفى الآخرة بالعذاب الأليم، فإنهم ظالمون.\r... وتأمل ختام الآية: ﴿فإنهم ظالمون﴾ والظالمون لعنهم رب العزة بصفتهم دون أسمائهم فى أكثر من آية منها:\rقوله تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ (٣) .\rوقوله ﷿: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ (٤) .","footnotes":"(١) الآية ١٢٨ آل عمران. وينظر: حديث ابن عمر فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى باب ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً﴾ ٧/٤٢٢ رقم ٤٠٦٩، وحديث أبى هريرة رضى الله عنه فى كتاب التفسير، باب \"ليس لك من الأمر شئ\" ٨/٧٤ رقم ٤٥٦٠.\r(٢) وهو ما حدث فعلاً. فعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام. اللهم العن صفوان بن أمية، قال: فنزلت: ﴿ليس لك من الأمر شئئ... الآية فتاب الله عليهم، فأسلموا فحسن إسلامهم﴾ أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة آل عمران ٥/٢١٢ رقم ٣٠٠٤ وقال: حسن غريب.\r(٣) الآية ٤٤ الأعراف.\r(٤) الآية ١٨ هود.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556242,"book_id":1504,"shamela_page_id":729,"part":null,"page_num":728,"sequence_num":729,"body":"هذا فضلاً عن الآيات التى تلعن اليهود، وتلعن الكاذبين والكافرين، وتلعن بعض عصاة المؤمنين كالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات وغيرهم. كقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ (٢) وقوله ﷿: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ (٣) .\rوقوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا فى الدنيا والآخرة﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ (٥) .","footnotes":"(١) الآية ٦٤ المائدة.\r(٢) الآية ٧٨ المائدة.\r(٣) الآية ١٦١ البقرة.\r(٤) الآية ٢٣ النور.\r(٥) الآية ٧ النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556243,"book_id":1504,"shamela_page_id":730,"part":null,"page_num":729,"sequence_num":730,"body":"وجاءت السنة المطهرة، وعلى لسان صاحبها المعصوم ﷺ، تلعن من لعنهم الله فى كتابه، ومنهم عصاة المؤمنين بصفتهم دون تعيين أشخاصهم، حيث جاء لعن الله ولعن رسول الله للسارق (١) والواصلة والواشمة (٢) ولعن من لعن والديه، ومن ذبح لغير الله، ومن آوى محدثاً، ومن غير منار الأرض (٣) والشارب الخمر (٤)","footnotes":"(١) فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ، \"لعن الله السارق. يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده\" أخرج البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ ١٢/١٠٠ رقم ٦٧٩٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها ٦/١٩٨ رقم ١٦٨٧.\r(٢) فعن ابن عمر رضى الله عنه قال: لعن النبى ﷺ، الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة\" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب اللباس، باب المستوشمة ١٠/٣٩٣ رقم ٥٩٤٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة ٧/٣٥٦ رقم ٢١٢٤.\r(٣) فعن عامر بن واثلة قال: كنت عند على بن أبى طالب، فأتاه رجل فقال: ما كان النبى ﷺ يسر إليك؟ قال: فغضب، وقال: ما كان النبى ﷺ يسر إلى شيئاً يكتمه الناس غير أنه قد حدثنى بكلمات أربع قال: فقال ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: قال لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض\" أى حدودها. أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأضاحى باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ٧/١٥٥ رقم ١٩٧٨، والحاكم فى المستدرك ٤/١٦٩ رقم ٧٢٥٤ عن هانئ مولى على بن أبى طالب، وسكت عنه الحاكم والذهبى.\r(٤) فعن ابن عمر رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: \"لعن الله الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه\" أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأشربة، باب العنب يعصر للخمر ٣/٣٢٦ رقم ٣٦٧٤، وابن ماجة فى سننه كتاب الأشربة، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه ٢/٣١٣ رقم ٣٣٨٠، وأحمد فى المسند ٢/٢٥، ٧١، ٩٧، وأبو يعلى فى مسنده ٩/٤٣١ رقمى ٥٥٨٣، ٥٥٩١، والحاكم فى المستدرك ٢/٣٧ رقم ٢٢٣٥ وصحح إسناده ووافقه الذهبى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556244,"book_id":1504,"shamela_page_id":731,"part":null,"page_num":730,"sequence_num":731,"body":"والراشى والمرتشى (١) ومن حلق أو سلق أو خرق (٢) ومن مثل بالحيوان (٣) وغيرهم ممن هو مشهور فى الأحاديث الصحيحة (٤) .\rفهذه الآيات والأحاديث تبين فى صراحة ووضوح جواز لعن من لعنهم الله فى كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ فى سنته المطهرة بصفتهم دون تحديد أشخاصهم، وهذا الجواز فى حق الأنبياء وأممهم على السواء، فهو من اللعن المباح (٥) .","footnotes":"(١) فعن ابن عمرو رضى الله عنه قال: لعن رسول الله ﷺ الراشى والمرتشى\" أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأقضية، باب كراهية الرشوة ٣/٣٠٠ رقم ٣٥٨٠، والترمذى فى سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء فى الراشى والمرتشى فى الحكم ٣/٦٢٣ رقم ١٣٣٧، وابن ماجة فى سننه كتاب الأحكام، باب التغليظ فى الحيف والرشوة ١/٧٢٧ رقم ٢٣١٣، والحاكم فى المستدرك ٤/١١٥ رقم ٧٠٦٦ وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبى.\r(٢) فعن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال: إن رسول الله ﷺ لعن من حلق أى رأسه أو لحيته لمصيبة أو سلق – أى رفع صوته بالبكاء عند المصيبة، أو خرق أى ثوبه\" أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الجنائز، باب شق الجيوب ٤/٢١ رقم ١٨٦٧، وأحمد فى المسند ٤/٤٠٥،والحديث متفق عليه بلفظ: \"إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة\"أهـ.\r(٣) فعن سعيد بن جبير قال: مررت مع ابن عمر فى طريق من طرق المدينة، فإذا فتية قد نصبوا دجاجة يرمونها قال: فغضب وقال: من فعل هذا؟ فتفرقوا، فقال ابن عمر: لعن رسول الله ﷺ من يمثل بالحيوان\" أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤/٢٦١ رقم ٧٥٧٥ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبى، وأخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الضحايا، باب النهى عن المجثمة ٧/٢٣٨ رقم ٤٤٤٢.\r(٤) ينظر: الكبائر للذهبى ص١٨٠ – ١٨٧ أرقام: ٤٧٥ – ٥٢٢.\r(٥) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٨/٣٩٥ رقم ٢٥٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556245,"book_id":1504,"shamela_page_id":732,"part":null,"page_num":731,"sequence_num":732,"body":"وتأمل الآية السابقة: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ (١) فداود وعيسى ﵉، لعنوا الذين كفروا من بنى إسرائيل، فإذا لعن رسول الله ﷺ الذين كفروا من قومه لم يكن بدعاً من الرسل: وإذا لعن العصاة من هذه الأمة كما ورد فى القرآن الكريم، وكما أوحى إليه ربه بوحى غير متلو. كنحو الذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم بينة إلا أنفسهم، وكالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، وكنحو الواصلة والواشمة، والسارق، ومن لعن والديه...الخ.\rإذا لعن رسول الله ﷺ كل هؤلاء بصفتهم دون أشخاصهم كما أوحى إليه ربه – بوحى متلو أو غير متلو – لم يكن فى ذلك ما يشوه سيرته العطرة، ولا ما يطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه وخلقه. لأن المنهى عنه من اللعن تحديد أسماء من يلعن، دون صفة فعلهم، وقد جاء التوجيه الربانى لنبيه ﷺ بذلك، لعل الله أن يتوب عليهم، وهو ما حدث مع بعضهم على ما سبق فى حديث ابن عمر من رواية الترمذى.\rرابعاً: ليس فى حديثنا ما يعارض ما ورد فى أحاديث أخرى نحو حديث أبى هريرة قال: قيل يا رسول الله! ادع على المشركين قال: \"إنى لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة\" وحديث: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\" لأن هذه الأحاديث مطلقة، وجاء ما يقيدها، وحمل المطلق على المقيد حينئذ واجب، جمعاً بين ما ظاهره التعارض.","footnotes":"(١) الآية ٧٨ المائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556246,"book_id":1504,"shamela_page_id":733,"part":null,"page_num":732,"sequence_num":733,"body":".. أما حديث أبى هريرة: فقيده ما أخرجه الطبرانى فى الكبير من حديث كريز بن أسامة (١) قال: قيل للنبى ﷺ، العن بنى عامر، قال: إنى لم أبعث لعاناً\" (٢) نعم! لم يبعث لعاناً لأناس بأشخاصهم، وإنما بعث رحمة، ولذا لما قالوا له ﷺ: ادع على دوس، فقال: \"اللهم اهد دوساً\".\r... فعن أبى هريرة قال: قدم الطفيل وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله! إن دوساً قد كفرت وأبت. فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس فقال: \"اللهم اهد دوساً، وائت بهم\" (٣) .\r... أما حديث: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\" فمقيد بما روى عن أبى ذر رضى الله عنه أنه سمع النبى ﷺ يقول: لا يرمى رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه (٤) إن لم يكن صاحبه كذلك\" (٥) .\r... ففى قوله: \"إن لم يكن صاحبه كذلك\" تقييد لابد منه، وهو يقرر ما سبق من جواز لعن العصاة بصفة فعلهم دون أشخاصهم، مع التحذير من هذا اللعن، خشية أن يكون صاحبه لا يستحقه بصفة فعله، فيعود اللعن إلى من نطق به.","footnotes":"(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/٤٤٢ رقم ٤٤٤٧، والإصابة ٣/٢٩٣ رقم ٧٤٠٢.\r(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير ١٩/١٨٩ رقم ٤٢٤ قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٧٢ وفيه من لم أعرفهم، وقال الحافظ فى الإصابة ترجمة كريز ٣/٢٩٣ رقم ٧٤٠٢، فيه \"الرحال\" بمهملتين، لا يعرف حاله، ولا حال أبيه، ولا جده أهـ.\r(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل غفار وأسلم ٨/٣١٦ رقم ٢٥٢٤.\r(٤) يعنى: رجعت عليه، وفى رواية مسلم: \"إلا حار عليه\" أى: رجع.\r(٥) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن ١٠/٤٧٩ رقم ٦٠٤٥، وفى كتاب المناقب، باب منه ٦/٦٢٣ رقم ٣٥٠٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر ١/٣٢٥ رقم ٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556247,"book_id":1504,"shamela_page_id":734,"part":null,"page_num":733,"sequence_num":734,"body":".. والمعنى: من قال لآخر أنت فاسق، أو قال له أنت كافر، فإن كان ليس كما قال. كان هو المستحق للوصف المذكور، وأنه إذا كان كما قال، لم يرجع عليه شئ لكونه صدق فيما قال. ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقاً ولا كافراً، أن يكون آثماً فى صورة قوله له: أنت فاسق أو أنت كافر. بل فى هذه الصورة تفصيل:\rإن قصد نصحه أو نصح غيره، ببيان حاله جاز.\rوإن قصد تعييره وشهرته بذلك، ومحض أذاه لم يجز، لأنه مأمور بالستر عليه، وتعليمه وعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف، لأنه قد يكون سبباً لإغرائه وإصراره فى ذلك الفعل، كما فى طبع كثير من الناس من الأنفة، لاسيما إن كان الآمر دون المأمور فى المنزلة (١) . وكذلك من لعن آخر، فإن كان أهلاً لها، وإلا رجعت إلى قائلها يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها؛ ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مساغاً، رجعت إلى الذى لعن، فإذا كان لذلك أهلاً، وإلا رجعت إلى قائلها\" (٢) .","footnotes":"(١) ينظر: فتح البارى ١٠/٤٨٠، ٤٨١ رقم ٦٠٤٥.\r(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الأدب، باب اللعن ٤/٢٧٧ رقم ٤٩٠٥ وسنده جيد كما قال الحافظ فى فتح البارى ١٠/٤٨١ رقم ٦٠٤٥، وللحديث شاهد عند أحمد فى المسند ١/٤٠٨، ٤٢٥ من حديث ابن مسعود بسند حسن، كما قال الحافظ فى الأماكن السابقة نفسها، وشاهد آخر من حديث ابن عباس أخرجه أبو داود فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٤٩٠٨، والترمذى فى سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء فى اللعنة ٤/٣٠٩ رقم ١٩٧٨ وقال: حسن غريب، وقال الحافظ فى الأماكن السابقة نفسها رواته ثقات، ولكنه أعل بالإرسال أهـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556248,"book_id":1504,"shamela_page_id":735,"part":null,"page_num":734,"sequence_num":735,"body":"خامساً: ليس فى حديثنا ما يعارض ما ورد عنه ﷺ، أنه لم يكن فاحشاً، ولا لعاناً ولا سباباً\" (١) لأن هذا الحديث مقيد أيضاً بما سبق من الآيات والأحاديث التى تبين مشروعية وجواز أن يعلن رسول الله ﷺ، من أوحى إليه، لعنهم بصفتهم دون ذكر أسماءهم، سواء بوحى متلو أو غير متلو، على ما سبق، وقد جاء حديثنا مؤكداً لما سبق من الآيات والأحاديث، حيث جاء أيضاً مقيداً، بما رواه مسلم فى صحيحه من حديث أنس مرفوعاً: \"فأيما أحد دعوت عليه من أمتى، بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهوراً، وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة\" (٢) .\r... فقوله ﷺ: \"بدعوة ليس لها بأهل\" تقييد يبين المراد بباقى الروايات المطلقة لحديثنا، وأنه إنما يكون دعاؤه رحمة، وكفارة، وزكاة ونحو ذلك، إذا لم يكن المدعو عليه، أهلاً للدعاء عليه، وكان مسلماً، وإلا فقد دعا على الكافرين والمنافقين، ولم يكن ذلك لهم رحمة (٣) .\r... وبالجملة: فكل ما سبق من الآيات والأحاديث – ومن بينها حديثنا – والتى تدل على مشروعية وجواز لعن عصاة الأمة. فيها رد على المخصيصين لعنه وسبه ﷺ على الكافرين والمنافقين فقط (٤) .","footnotes":"(١) الحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن ١٠/٤٧٩ رقم ٦٠٤٦، وأحمد فى المسند ٣/١٢٦ من حديث أنس، وله شاهد من حديث ابن عمرو أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء ١٠/٤٧٠ رقم ٦٠٣٥ وشاهد عن عائشة أخرجه الترمذى فى سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء فى خلق النبى ﷺ ٤/٣٢٤ رقم ٢٠١٦، وفى الشمائل المحمدية ص١٩٧ رقم ٣٣٠.\r(٢) سبق تخريجه ص٤٩٣.\r(٣) ينظر: المنهاج شرح مسلم للنووى ٨/٤٠٠ رقم ٢٦٠٣.\r(٤) يراجع: نص كلام جعفر مرتضى، وعبد الحسين شرف الدين ص٤٩٢، ٤٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556249,"book_id":1504,"shamela_page_id":736,"part":null,"page_num":735,"sequence_num":736,"body":"سادساً: فإن قيل: كيف يدعو رسول الله ﷺ على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه أو يجلده؟ فالجواب ما أجاب به العلماء من ثلاثة وجوه:\rالوجه الأول: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى، وفى باطن الأمر، ولكنه فى الظاهر مستوجب له، فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون فى باطن الأمر ليس أهلاً لذلك، وهو ﷺ، مأمور بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، والأحاديث فى الدلالة على ذلك كثيرة، اكتفى منها بما روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: بعث على بن أبى طالب رضى الله عنه، إلى رسول الله ﷺ، من اليمن بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل يا رسول الله، اتق الله. فقال: ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقى الله. ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد، يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا لعله أن يكون يصلى، فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس فى قلبه، فقال ﷺ: \"إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم\" (١) .\r... ففى قوله: \"إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم\" دلالة على ما أجمع عليه العلماء فى حقه ﷺ، من الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر (٢) .","footnotes":"(١) مختصر من حديث طويل، أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٤/١٧٢ رقم ١٠٦٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾ ٦/٤٣٣ رقم ٣٣٤٤.\r(٢) ينظر: تلخيص الحبير ٤/٤٦٥ رقم ٢١٠٠، ونيل الأوطار ١/٢٨٩، والشفا ٢/١٩٦، وشرح الزرقانى على المواهب ٧/١٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556250,"book_id":1504,"shamela_page_id":737,"part":null,"page_num":736,"sequence_num":737,"body":"والوجه الثانى: أنه أراد أن دعوته عليه، أو سبه، أو جلده، كان مما خير بين فعله له عقوبة للجانى، أو تركه والزجر له بما سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى، بعثه على لعنه وسبه، ولا يكون ذلك خارجاً عن شرعه. ويشهد لصحة هذا الوجه، ما رواه مسلم فى صحيحه بسنده عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ، رجلان فكلماه بشئ، لا أدرى ما هو، فأغضباه، فلعناهما وسبهما، فلما خرجا. قلت: يا رسول الله، ما أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان قال: وما ذاك؟ قالت: قلت لعنتهما وسببتهما. قال: أو ما علمت ما شرطت عليه ربى؟ قلت: اللهم! إنما أنا بشر. فأى المسلمين لعنته أو سببته، فاجعله له زكاة وأجراً\" (١) .\r... وفى المسند عن أنس أن رسول الله ﷺ، دفع إلى حفصة ابنة عمر رجلاً، فقال لها احتفظى به، قال: ففعلت حفصة، ومضى الرجل، فدخل رسول الله ﷺ، وقال: يا حفصة ما فعل الرجل؟ قالت: غفلت عنه يا رسول الله فخرج، فقال رسول الله ﷺ: قطع الله يدك، فرفعت يديها هكذا، فدخل رسول الله ﷺ، فقال: ما شأنك يا حفصة؟ فقالت: يا رسول الله! قلت قبل لى كذا وكذا، فقال لها: ضعى يديك. فإنى سألت الله ﷿، أيما إنسان من أمتى دعوت الله ﷿ عليه أن يجعلها له مغفرة\" (٢) .\r... فتأمل: كيف أن غضبه ﷺ فى الحديثين السابقين، كان غضبة لله ﷿، فكان دعاؤه فى تلك الغضبة، مما خير بين فعله عقوبة للجانى، أو تركه والزجر له بما سوى ذلك.\r... وليس فى ذلك الغضب خروج عن شرعه، وعصمته فى سلوكه وخلقه، بل فى ذلك كمال خلقه، ودلالة على بشريته، كما صرح بذلك فى رواية مسلم عن أنس قال: \"إنما أنا بشر. أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر\".","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٩٣.\r(٢) سبق تخريجه ص٤٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556251,"book_id":1504,"shamela_page_id":738,"part":null,"page_num":737,"sequence_num":738,"body":".. ولا يفهم من قوله: \"وأغضب كما يغضب البشر\" أن الغضب حمله على مالا يجب، بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله على معاقبته بلعنه أو سبه، وأنه مما كان يحتمل، ويجوز عفوه عنه، أو كان مما خير بين المعاقبة فيه والعفو عنه (١) .\r... ومع ذلك، فمن كمال شفقته، وخلقه على أمته، سأل ربه ﷿، أن يجعل دعاءه مغفرة ورحمة لمن دعا عليه من أمته.\rوالوجه الثالث: أن يكون اللعن والسب والجلد، وقع منه ﷺ، من غير قصد إليه، فلا يكون فى ذلك، كاللعنة، والسبة، والجلدة، الواقعة بقصد ونية، ورغبة إلى الله، وطلباً للاستجابة، بل كل ذلك يجرى على عادة العرب فى وصل كلامها عند الحرج، والتأكيد للعتب، لا على نية وقوع ذلك نحو قولهم: عقرى حلقى، وتربت يمينك، فأشفق من موافقة أمثالها القدر، فعاهد ربه، ورغب إليه، أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة (٢) وأشار القاضى عياض إلى ترجيح هذا الوجه (٣) وحسنه الحافظ ابن حجر؛ إلا أنه أخذ عليه أن قوله \"جلدته\" لا يتمشى فيه، إذ لا يقع الجلد عن غيره قصد... إلا أن يحمل على الجلدة الواحدة فيتجه (٤) .\r... قلت: هى محمولة على الجلدة الواحدة، وسيأتى من حديث أبى السوار عن خاله، وعن ابن عباس، أن الجلدة تقع منه ﷺ، عن غير قصد، وهو ما يرجح عندى هذا الوجه الثالث مع الوجه الثانى ويشهد لرجحان الوجه الثالث ما يلى:\rما روى عن أنس قال: \"لم يكن رسول الله ﷺ، فاحشاً، ولا لعاناً، ولا سباباً، كان يقول عن المعتبة: ماله ترب جبينه\" (٥) .","footnotes":"(١) ينظر: الشفا ٢/١٩٦.\r(٢) ينظر: فتح البارى ١١/١٧٦ رقم ٦٣٦١، والمنهاج شرح مسلم ٨/٤٠٠ رقم ٢٦٠٠.\r(٣) الشفا ٢/١٩٦، ١٩٧.\r(٤) فتح البارى ١١/١٧٦ رقم ٦٣٦١.\r(٥) سبق تخريجه ص٤٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556252,"book_id":1504,"shamela_page_id":739,"part":null,"page_num":738,"sequence_num":739,"body":"وعن المغيرة بن شعبة قال: \"ضفت (١) مع رسول الله ﷺ، ذات ليلة، فأتى بجنب (٢) مشوى، ثم أخذ السفرة (٣) فجعل يحز، فحز لى بها منه. قال: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشفرة فقال: ماله؟ تربت يداه؟ قال: وكان شاربه قد وفى (٤) فقال له: أقصه لك على سواك أو قصة على سواك\" (٥) \"فترب جبينه\" و\"تربت يداه\" فى الحديثين، أصلها من ترب الرجل، إذا افتقر، أى: لصق بالتراب، وهى كلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر به، كما يقولون قاتله الله (٦) .\rوعن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله. آنؤاخذ بما نقول: قال: \"ثكلتك أمك يا بن جبل، وهل يكب الناس فى النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم\"؟! (٧) فقوله: \"ثكلتك أمك\" أى فقدتك. والثكل فقد الولد، هذا أصل الكلمة فهو دعاء عليه بالموت على ظاهره، ولا يراد وقوعه، بل تأديب وتنبيه من الغفلة، لسوء قوله (٨) .","footnotes":"(١) أى: كنت ضيفاً عليه.\r(٢) أى: قطعة من اللحم المشوى.\r(٣) أى: السكين.\r(٤) أى: طال وأشرف على فمه.\r(٥) أخرجه الترمذى فى الشمائل المحمدية ص١٠٦ رقم ١٥٧، وأبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب فى ترك الوضوء مما مست النار ١/٤٨ رقم ٨٨ ورجاله كلهم ثقات – فالإسناد صحيح.\r(٦) ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/١٨١.\r(٧) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت ص٣٧ رقم ٦، والترمذى فى سننه مطولاً كتاب الإيمان، باب ما جاء فى حرمة الصلاة ٥/١٣ رقم ٢٦١٦ وقال: حسن صحيح، والنسائى فى سننه الكبرى كتاب التفسير، باب قوله تعالى: \"تتجافى جنوبهم عن المضاجع\" ٦/٤٢٨ رقم ١١٣٩٤، وابن ماجة، فى سننه كتاب الفتن، باب كف اللسان فى الفتنة ٢/٤٨٦ رقم ٣٩٧٣، وأحمد فى المسند ٥/٢٣١، ٢٣٧، والحاكم فى المستدرك ٤/٣١٩ رقم ٧٧٧٤ وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.\r(٨) ينظر: النهاية ١/٢١٢، ومختار الصحاح ص٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556253,"book_id":1504,"shamela_page_id":740,"part":null,"page_num":739,"sequence_num":740,"body":"ومن ذلك حديث عائشة رضى الله عنها، لما قيل له ﷺ، إن صفية زوجه – حائض – قال: عقرى حلقى\" (١) فقوله: \"عقرى\" أى عقرها الله، وأصابها بجرح فى جسدها، وقيل جعلها عاقراً لا تلد، وقيل عقر قومها.\rومعنى \"حلقى\" أى حلق شعرها، وهو زينة المرأة، أو أصابها وقوع فى حلقها، أو حلق قومها بشؤمها، أى أهلكهم (٢) .\rفهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العرب فى قولهما، بغير إرادة حقيقتهما، ففى ذلك كله دلالة، على استعمال رسول الله ﷺ لما جرت به العادة فى الخطاب، ولا يراد به حقيقته، فكثيراً ما ترد للعرب ألفاظ، ظاهرها الذم، وإنما يريدون بها المدح، كقولهم: لا أب لك، ولا أم لك، ونحو ذلك. فاشفق ﷺ، على من دعا عليه، بمثل ما سبق، أن يوافق القدر، فسأل ربه ﷿، أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة، وهذا من جميل خلقه العظيم.","footnotes":"(١) الحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع ٥/٩١ رقم ١٢١١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت ٣/٦٨٦ رقم ١٧٦٢.\r(٢) ينظر: النهاية ٣/٢٤٦، وفتح البارى ٣/٦٨٩ رقم ١٧٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556254,"book_id":1504,"shamela_page_id":741,"part":null,"page_num":740,"sequence_num":741,"body":"وفى المسند عن خال أبى السوار قال: رأيت رسول الله ﷺ، وأناس يتبعونه، فأتبعته معه، قال: ففجئنى القوم يسعون، قال: وأبقى القوم، قال: فأتى على رسول الله ﷺ، فضربنى ضربة إما بعسيب أو قضيب أو سواك أو شئ كان معه، قال: فوالله ما أوجعنى قال: فبت بليلة، قال: وقلت ما ضربنى رسول الله ﷺ، إلا لشئ علمه الله فى، قال: وحدثتنى نفسى أن آتى رسول الله ﷺ، إذا أصبحت، قال: فنزل جبريل ﵇ على النبى ﷺ، فقال: إنك راع، لا تكسرن قرون رعيتك، قال: فلما صلينا الغداة، أو قال أصبحنا، قال: قال رسول الله ﷺ: \"اللهم إن إناساً يتبعونى، وإنى لا يعجبنى أن يتبعونى، اللهم فمن ضربت أو سببت، فاجعلها له كفارة وأجراً، أو قال مغفرة ورحمة، أو كما قال\" (١) .\rفتأمل: كيف أن ضربه هنا كالجلدة، وقعت منه ﷺ، من غير قصد ولا نية للإيذاء، حيث أقر المضروب؛ أنها لم توجعه، وقد دل الحديث على أن الجلدة، وقعت منه ﷺ، عتاباً. على من تبعه، من قومه فى مقام، لم يعجبه ﷺ، أن يتبعوه فيه.\rومن هذا القبيل ما جاء فى ضربه ﷺ، لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما، ملاطفة وتأنيساً وحثاً له على سرعة إنجاز ما طلبه منه.\rفعن ابن عباس قال: \"كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأنى – أى ضربنى باليد مبسوطة بين الكتفين – وقال: اذهب وادع لى معاوية... الحديث (٢) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه ص٤٩٣.\r(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبى ﷺ... الخ ٨/٣٩٩ رقم ٢٦٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556255,"book_id":1504,"shamela_page_id":742,"part":null,"page_num":741,"sequence_num":742,"body":"٧- ومن ذلك أيضاً، ما جاء فى حديث معاذ، وهل نؤاخذ بما تكلمت به ألسنتنا يا رسول الله؟ قال: فضرب رسول الله ﷺ، فخذ معاذ، ثم قال: \"يا معاذ ثكلتك أمك وما شاء الله أن يقول له من ذلك... الحديث\" (١) .\r... وفى الأحاديث السابقة رد على ما استدركه الحافظ على الوجه الثالث، بأن الجلد لا يقع عن غير قصد... الخ، فإن ذلك محمول كما هو ظاهر الأحاديث السابقة على الجلدة الواحدة، من غير قصد ولا نية للإيذاء إلا مجرد العادة الجارية أو التأكيد للعتب. وإذا حملت الجلدة فى الحديث على الواقعة بقصد ونية، وأكثر من جلدة، فيحمل الجلد حينئذ على الوجه الأول السابق، فيزول أيضاً اعتراض الحافظ على حسن الوجه الثالث. والله أعلم.\r٨- وعن أنس قال: كانت عند أم سليم يتيمة، فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة فقال: أنت هيه! لقد كبرت، لا كبر سنك. فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكى، فقالت أم سليم مالك يا بنية! قالت الجارية: دعى على نبى الله ﷺ، أن لا يكبر سنى، فالآن لا يكبر سنى أبداً، أو قالت قرنى، فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها (٢) حتى لقيت رسول الله ﷺ، فقال لها: مالك يا أم سليم؟ فقالت: يا نبى الله! أدعوت على يتيمتى؟ قال: وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله ﷺ، ثم قال: يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطى على ربى، أنى اشترطت على ربى فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر. وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه، من أمتى، بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهوراً وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة\" (٣) .","footnotes":"(١) سبق تخريجه قريباً، وهذا نص الحاكم.\r(٢) أى: تديره على رأسها. المنهاج شرح مسلم ٨/٤٠١ رقم ٢٦٠٣.\r(٣) سبق تخريجه ص٤٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556256,"book_id":1504,"shamela_page_id":743,"part":null,"page_num":742,"sequence_num":743,"body":"٩- وعن ابن عباس رضى الله عنهما، أن رسول الله ﷺ بعث إلى معاوية ليكتب له فقال: إنه يأكل، فقال رسول الله ﷺ: \"لا أشبع الله بطنه\"، زاد البيهقى فى الدلائل: فما شبع بطنه أبداً\" (١) .\r... فما ورد هنا فى حديث أنس من قوله: \"لقد كبرت لا كبر سنك\" وفى حديث ابن عباس \"لا أشبع الله بطنه\" الظاهر من هذا الدعاء، أنه وقع منه ﷺ، بغير قصد ولا نية، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية؛ ومع ذلك أشفق نبى الرحمة من موافقة أمثالها إجابة، فعاهد ربه، كما فى روايات الحديث، أن يجعل ذلك للمقول له زكاة، ورحمة، وقربة، وهذا إنما يقع منه ﷺ، فى النادر الشاذ من الزمان.\r... وفيما سبق، فيه الكفاية للدلالة على ترجيح الوجه الثالث، فى معنى حديثنا كما أن فى كل ما سبق رد على استغلال بعض الفرق وأشياعهم حديث ابن عباس السابق للطعن فى معاوية رضى الله عنه (٢) .\r... وليس فى الحديث ما يساعدهم على ذلك؛ كيف وفى الحديث أنه كان كاتب الوحي لرسول الله ﷺ.","footnotes":"(١) أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده ص٣٥٩ رقم ٢٧٤٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبى ﷺ أو سبه ... الخ ٨/٣٩٩ رقم ٣٦٠٤، والبيهقى فى دلائل النبوة ٦/٢٤٣.\r(٢) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٦/١٧٠، وأبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين الموسوى ص١٠٠ – ١٠٤، ومساحة للحوار ص١١٧، ١١٨، والمواجهة مع رسول الله وآله ص٢٥٧ – ٢٥٩ كلاهما لحمد حسين يعقوب، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٢٦٤، ودين السلطان لنيازى عز الدين ص٤٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556257,"book_id":1504,"shamela_page_id":744,"part":null,"page_num":743,"sequence_num":744,"body":".. قال الإمام النووى: \"وقد فهم مسلم – ﵀ – من هذا الحديث، أن معاوية لم يكن مستحقاً للدعاء عليه، فلهذا أدخله فى هذا الباب يعنى باب (من لعنه النبى ﷺ، أو سبه، أو دعاء عليه، وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً ورحمة) وجعله غيره من مناقب معاوية، لأنه فى الحقيقة يصير دعاء له\" (١) .\r... وقال الحافظ ابن كثير: \"وقد انتفع معاوية رضى الله عنه، بهذه الدعوة فى دنياه وأخراه، أما فى دنياه، فإنه لما صار إلى الشام أميراً، كان يأكل فى اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير، وبصل فيأكل منها، ويأكل فى اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً، ويقول: والله ما أشبع، وإنما أعيا – أى أتعب – وهذه نعمة، ومعدة يرغب فيها كل الملوك، وأما فى الآخرة فقد اتبع المسلمون هذا الحديث، بالحديث الذى رواه البخارى وغيرهما من غير وجه، عن جماعة من الصحابة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته، أو جلدته، أو دعوت عليه، وليس لذلك أهلاً فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة\" (٢) فركب مسلم من الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك\" (٣) .\r... وبالجملة: فحديثنا ليس فيه ما يعارض عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه، وخلقه العظيم؛ بل فيه كمال شفقته ﷺ على أمته، وجميل خلقه، وكرم ذاته، حيث قصد مقابلة ما وقع منه، بالجبر والتكرم.\r... وهذا كله فى حق معين فى زمنه واضح، وأما ما وقع منه ﷺ بطريق التعميم لغير معين، حتى يتناول من لم يدرك زمنه ﷺ فلا يشمله\" (٤) .\rوبعد:","footnotes":"(١) المنهاج شرح مسلم ٨/٤٠٢ رقم ٢٦٠٤.\r(٢) سبق تخريجه ص٤٩٢.\r(٣) البداية والنهاية ٨/١٢٢، ١٢٣.\r(٤) وفى ذلك رد على التعميم الذى فهمه وزعمه نيازى عز الدين من حديثنا. ويراجع نص كلامه ص٤٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556258,"book_id":1504,"shamela_page_id":745,"part":null,"page_num":744,"sequence_num":745,"body":".. فهذه نماذج من الأحاديث الصحيحة التى تتناول سيرة سيدنا رسول الله ﷺ، والتى طعن فيها دعاة الفتنة وأدعياء العلم بحجة أنها تطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه، وتشوه سيرته العطرة؛ هذا فى الوقت الذى يطعن فيه بعضهم، بعدم عصمته ﷺ؛ مستدلاً ببعض الآيات المتشابهات.\r... والحق أن هؤلاء الأدعياء ومحاولة طعنهم فى السيرة العطرة الواردة فى السنة بحجة أنها تتعارض مع عقولهم الزائغة، أو مع كتاب الله ﷿، أو مع العلم أو غير ذلك... يكشف عن أنهم لا يعرفون شيئاً أو يتجاهلون ليثبتوا كيدهم للسنة النبوية بل للإسلام! أهـ.\rوالله ﵎ أعلى وأعلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556259,"book_id":1504,"shamela_page_id":746,"part":null,"page_num":745,"sequence_num":746,"body":"الخاتمة فى\rنتائج هذه الدراسة\rومقترحات وتوصيات\rالخاتمة\r... الحمد لله تعالى على فضله العظيم أن وفقنى لإتمام هذه الرسالة، التى ظهر لى من نتائج دراستى فيها التأكيد على ما يلى:\rعصمة سيدنا رسول الله ﷺ، من كل ما يمس قلبه، وعقيدته بسوء من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب، ونحو ذلك من مظاهر الكفر والشرك، والضلال والغفلة، والشك، قبل النبوة وبعدها، وفى كل حالاته من رضى وغضب، وجد ومزح.\rعصمته ﷺ من تسلط الشيطان عليه، وكفايته منه، وما ورد فى القرآن الكريم، والسنة النبوية من تعرض الشيطان له ﷺ بالأذى فى جسمه، أو على خاطره بالوسوسة، لا يتعارض مع عصمته ﷺ من الشيطان، حيث عصمه ربه ﷿ بعدم تمكن الشيطان من غوايته ﷺ، أو إلحاق ضرر به يضر بالدين.\rعصمته ﷺ من كل ما يمس عقله بسوء حتى كان قبل النبوة وبعدها أكمل الناس عقلاً وفطنة، كما كان ﷺ أكمل الناس إيماناً وخلقاً.\rعصمته ﷺ من كل ما يمس أخلاقه بسوء حتى استحقت أن توصف بالعظمة. قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (١) وبلغ من عظمة أخلاقه تكافؤها بنسب متفقة، فحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مروءته... الخ وهو فى كل ذلك فى أول شبابه كآخر حياته ﷺ.","footnotes":"(١) الآية ٤ القلم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556260,"book_id":1504,"shamela_page_id":747,"part":null,"page_num":746,"sequence_num":747,"body":"اختصاصه ﷺ بعصمة بدنه الشريف من القتل دون سائر الأنبياء. بدلالة قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ (١) فالآية تحدى واضح لقتلة الأنبياء والمرسلين من بنى إسرائيل، بأنهم مهما حاولوا قتله ﷺ، فلم ولن يفلحوا، كما سبق منهم مع أنبيائهم؛ لأن رب العزة خص رسوله ﷺ بتلك العصمة فى بدنه الشريف من القتل بدلالة \"من قبل\" فتأمل.\rعصمته ﷺ فى بدنه من القتل لا يتعارض مع ابتلائه بضروب من المحن والشدائد، لأن رسول الله ﷺ، وسائر الأنبياء والرسل من البشر. هم بحسب ظواهرهم يطرأ عليهم ما يطرأ على سائر البشر من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام، وكل ذلك إظهاراً لبشريتهم، وإظهاراً لشرفهم، ورفعة لدرجاتهم، وتسلية لأممهم ليتأسوا بهم فى صبرهم وشكرهم على البلاء.\rعصمته ﷺ فى نقل وحى الله تعالى وتبليغه للناس، وعلى ذلك دلائل الكتاب والسنة والسيرة العطرة، وإجماع الأمة فلا يجوز عليه ﷺ خلف فيما أخبر به من الوحي، لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا فى حال الجد والهزل، ولا فى حال الصحة والمرض أو أى حال كان؛ والكلام هنا ليس خاصاً بالنبى ﷺ، بل وغيره من الأنبياء كذلك، إذ لا فرق بينهم فى واجب التبليغ.","footnotes":"(١) الآية ٩١ البقرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556261,"book_id":1504,"shamela_page_id":748,"part":null,"page_num":747,"sequence_num":748,"body":"عصمته ﷺ فى اجتهاده فى الإسلام، لأنه اجتهاد محروس بوحى الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر رسول الله ﷺ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك ويصير اجتهاده فى النهاية، وحى من الله تعالى، وحجة شرعية إلى يوم الدين.\rعصمته ﷺ فى سلوكه وهديه، فقد كانت أقواله وأفعاله، وأحواله كلها؛ تشريعاً تقتضى المتابعة والاقتداء إلا ما قام به الدليل على أنه من خصائصه ﷺ، وعلى ذلك دلائل القرآن الكريم، والسنة المطهرة، واتفاق السلف وإجماعهم عليه. وذلك أننا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت؛ وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك، هل وقع فيها عن وحى أو اجتهاد، وهل وقع فيها سهواً أو عمداً، أو رضاً أو سخطاً، أو جداً أو مزحاً، أو صحة أو مرضاً، أو أى حال كان.\rإن شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول عصمة سيدنا رسول الله ﷺ قائمة على إنكار نبوته ﷺ، إذ لم تكن لدى معظمهم القناعة العلمية، ولا الإيمان الراسخ بهذه النبوة، وبخاصة أولئك الذين جمعوا بين الاستشراق والتبشير، وألبسوا أفكارهم أردية كنسية متطرفة. فقد نشأوا على أديان أخرى، ونفذوا بشئ من العداء لهذه الشخصية النبوية الكريمة، ودفعوا دفعاً مقصوداً للطعن فى نبوته، وحملوا حملاً مغرضاً لتجريده من صفاتها، وعلى رأسها صفة العصمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556262,"book_id":1504,"shamela_page_id":749,"part":null,"page_num":748,"sequence_num":749,"body":"إن شبهات أعداء السنة المطهرة – ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا – حول عصمة سيدنا رسول الله ﷺ قائمة على إعلان الكفر صراحة بالشطر الثانى من الوحي الإلهى وهو سنة سيدنا رسول الله ﷺ وسيرته العطرة الواردة فيها، وزعمهم أن فى تلك الأحاديث المتعلقة بسيرة رسول الله ﷺ تشويه لسيرته، وطعن فى عصمته. وهم فيما يزعمون يتسترون بعباءة القرآن الكريم، وفاق تسترهم كل حد، إذ تجرأوا على كتاب ربهم ﷿، ففسروه وأولوه، بما يأتى فى النهاية صراحة بردهم على الله تعالى كلامه، وتطاولهم عليه ﷿ من حيث يشعرون أو لا يشعرون.\rإن القرآن الكريم هو شريعة الإسلام قولاً، ورسول الله ﷺ هو شريعة الإسلام عملاً؛ فحياته ﷺ كلها، وما صدر عنه فيها من أقوال وأفعال وتقريرات حتى الحركات والسكنات، هى تفصيل وبيان وترجمة حية لما اشتمل عليه القرآن الكريم من عقائد، أو عبادات، أو معاملات، أو أخلاق، أو حدود، أو أحوال شخصية... الخ. وإذن فلم تكن هذه المفتريات التى زعمها أعداء السنة على سيرة رسول الله ﷺ، الواردة فى صحيح السنة النبوية، لم يكن مقصوداً بها الرسول لذاته، وإنما كانت غايتها تدمير الشريعة وصاحب الشريعة، ثم يأتى من وراء ذلك تدمير المجتمع الإسلامى كله!.\rإن رواة السيرة العطرة وأئمتها، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة إلا تثبيت ما هو ثابت منها بمقياس علمى، يتمثل فى قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم.\rفإذا انتهت بهم هذه القواعد العلمية الدقيقة إلى أخبار ووقائع، وقفوا عندها ودونوها، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعاتهم النفسية، أو مألوفاتهم البيئية إلى شئ من تلك الوقائع بأى تلاعب أو تحوير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556263,"book_id":1504,"shamela_page_id":750,"part":null,"page_num":749,"sequence_num":750,"body":"ليس فى الربط بين القرآن الكريم، والسنة المطهرة فى تحديد شخصية وسيرة المعصوم ﷺ شرك وتأليه لرسول الله ﷺ كما يزعم أعداء السنة، لأن الربط هنا ربط إلهى، وطاعة لله ﷿ وطاعة لرسوله ﷺ. وقد دل على هذا الربط عشرات الآيات القرآنية فى طاعة الله ﷿، وطاعة رسوله ﷺ طاعة مستقلة وأنها من طاعته ﷿.\rإن منكرى السنة النبوية فى دعواهم التعارض بين سيرته ﷺ فى القرآن الكريم، وسيرته ﷺ فى السنة المطهرة، مغرضون مفترون فى تكلف التعارض، ولو أرادوا الحق لسألوا، أو قرأوا، والأجوبة عن كل استشكالاتهم فى كتب الأئمة؛ وهم أدرى بالنص، وعلى غيرهم أن يحترم رأيهم. فهم رجال قيدهم رب العزة لحفظ دينه، وأمر عباده بالرجوع إليهم. قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) .\rإن المتتبع للآيات المتشابهات التى استدل بها أعداء الإسلام، وأعداء السنة، على عدم عصمة رسول الله ﷺ، يرى أنها واردة فى مقام المنة على رسول الله ﷺ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه ﷿ فى الدنيا والآخرة، بأعظم ما يكون البيان ويرى بوضوح وجلاء أن كل آية من تلك الآيات تأتى بنوع من الترفق برسول الله ﷺ، فى الخطاب طمأنة لقلبه الطاهر، وتنادى بأن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته غير مراد، وتنادى بأن ما صدر منه ﷺ من خطأ فى الاجتهاد، ووجه إلى الأخذ بالأصوب منه فيما يستقبل من حوادث لم يؤثر على شئ من عصمته، ولا مما ناله من شرف القرب، والرضا عليه من الله ﷿، مما يمكن أن يقال فيه، إنه مسح بيد الرحمة على القلب الطاهر الرحيم، الذى جعله رب العزة هدى ورحمة للعالمين.","footnotes":"(١) الآية ٤٣ النحل، والآية ٧ الأنبياء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556264,"book_id":1504,"shamela_page_id":751,"part":null,"page_num":750,"sequence_num":751,"body":"إن ما استدل به أعداء الإسلام من أحاديث على عدم عصمته ﷺ لا حجة لهم فيها، لأن ما استدلوا به أحاديث مكذوبة، وضعيفة، وأخرى صحيحة مع ضعف دلالتها على ما احتجوا به.\rإن عصمة رسول الله ﷺ، وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام مبنية على إرادة إلهية، وهى اصطفاء الله ﷿ لهم، وعصمتهم من كل ما يخل بهذا الاصطفاء، قبل نبوتهم وبعدها، وهم فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد.\rوعليه: فلا معنى لإثارة الخلاف حول عصمة الأنبياء قبل نبوتهم من المعاصى كبائرها وصغائرها من حيث الوقوع وعدمه، أو من حيث امتناعه سمعاً أو عقلاً.\rهذه هى أهم نتائج الدراسة فى موضوع: \"رد شبهات حول عصمة النبى ﷺ فى ضوء السنة النبوية الشريفة\" وإذا كان لى أن أقترح أو أوصى بشئ فى هذا المقام، فإنى أقترح وأوصى بما يلى:\rدراسة شبهات أعداء السنة قديماً وحديثاً، وبيان بطلانها من خلال تدريس تاريخ السنة وعلومها.\rإخضاع الكتابات المتعلقة بما يمس عصمة رسول الله ﷺ للتدقيق والتمحيص، وسد منافذ الاجتراء على السيرة النبوية بديار المسلمين، وتجريم ذلك فى جميع الوسائل.\rالحكم بالارتداد على منكرى عصمة رسول الله ﷺ، وتنفيذ أحكام الله فيهم بمعرفة القضاء؛ لأن منكر العصمة منكر لوحى الله تعالى.\rالعمل على أن يكون للمحدثين رابطة على مستوى العالم الإسلامى؛ تجمع شملهم، وتقنن أعمالهم، وتلم شعث جهودهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556265,"book_id":1504,"shamela_page_id":752,"part":null,"page_num":751,"sequence_num":752,"body":"مواصلة العمل الجاد، وتضافر الجهود، وتشابك الأيدي، وإخلاص النية، كي نبين ما ينطوي عليه الغرض الخبيث الذي يلتقي عليه أعداء الله للنيل من سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وسيرته العطرة الواردة فيها، ومن أئمة السنة الأعلام، ومن ثم وقف هذه الحملة الشرسة المسعورة التي تستهدف الإسلام وهدم كل ما يتصل به من قرآن وسنة وسيرة، وتاريخ، وأمة تتداعي عليها الأمم كما تتداعي الأكلة علي قصعتها.\rوبعد:\r... فهذا آخر ما فتح الله عليَّ به، ووفقني لكتابته في هذا البحث الجليل، الذي اعترف فيه بالعجز والتقصير.\r... ولعلي أكون قد أصبت في بعض مسائله، وشفيت الغليل في شئ من مباحثه؛ فإن يكن ذلك حقاً: فبفضل الله، وهدايته، وحسن توفيقه، وعنايته. وإن كانت الأخري، فذلك من نقصي وتقصيري، وأتوب إلي الله وأستغفره، وأسأله ﷿ الصفح والغفران، فيما زلت فيه قدمي، وانحرف فيه عن جادة الحق قلمي.\rاللهم تقبل هذا الجهد الضئيل خالصاً لوجهك الكريم وانفع به المستفيدين\rوارزقني دعوة صالحة منهم، ينالني بها عفوك ورضاك وآخر دعوانا\rأن الحمد لله رب العالمين وصلي الله علي نبينا محمد خاتم النبيين\rوإمام المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين وعلي آله، وصحبه\rوالمتمسكين بسنته أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556266,"book_id":1504,"shamela_page_id":753,"part":null,"page_num":752,"sequence_num":753,"body":"الفهارس\rأولاً: فهرس الآيات القرآنية الكريمة.\rثانياً: فهرس الأحاديث والآثار.\rثالثاً: فهرس الأعلام المترجم لهم.\rرابعاً: فهرس الأشعار.\rخامساً: فهرس البلدان والقبائل والفرق.\rسادساً: فهرس المصادر والمراجع.\rسابعاً: فهرس الموضوعات.\rأولاً: فهرس الآيات القرآنية (١)\rالآية ... رقمها ... رقم الصفحة ... الآية ... رقمها ... رقم الصفحة\rسورة البقرة ... ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى﴾ ... (٣١) ... ١٥\r﴿فأزلهما الشيطان عنها﴾ ... (٣٦) ... ٥٠ ... ﴿وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك﴾ ... (٣٦) ... ١٨٥\r﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ ... (٧٥) ... ٣٢٤ ... ﴿قال رب اجعلى آية﴾ ... (٤١) ... ٢٤٨\r﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله﴾ ... (٩١) ... ٨٣ ... ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ ... (٦٦) ... ١٣٩\r﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على﴾ ... (١٠٢) ... ٣٢٤ ... ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ ... (٨١) ... ٤٧\r﴿والله يختص برحمته من يشاء﴾ ... (١٠٥) ... ٢٨٧ ... ﴿كل الطعام كان حلاً لبنى إسرائيل﴾ ... (٩٣) ... ١٧٦\r﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾ ... (١١٣) ... ٣٤٣ ... ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدى﴾ ... (١٠١) ... ٤\r﴿كذلك قال الذين من قبلهم﴾ ... (١١٨) ... ٢٨١ ... ﴿ليس لك من الأمر شئ﴾ ... (١٢٨) ... ٤٩٤\r﴿قل أتحاجوننا فى الله﴾ ... (١٣٩) ... ١٣١ ... ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من﴾ ... (١٤٤) ... ٣٥٨\r﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ ... (١٤٢) ... ٣٦٠ ... ﴿لقد صدقكم الله وعده﴾ ... (١٥٢) ... ٣٦١\r﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ ... (١٤٣) ... ٣٦٠ ... ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ ... (١٥٥) ... ٣٩٩\r﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء﴾ ... (١٤٤) ... ٣٦٠ ... ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ ... (١٥٩) ... ٣٩٠","footnotes":"(١) هذا الفهرس مرتب على ترتيب السور الكريمة فى المصحف الشريف، والآيات الكريمة مرتبة على حسب ورودها فى السور الكريمة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556267,"book_id":1504,"shamela_page_id":754,"part":null,"page_num":753,"sequence_num":754,"body":"﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ ... (١٥٨) ... ٢٣ ... ﴿لقد من الله على المؤمنين﴾ ... (١٦٤) ... ٢٥٧\r﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ ... (١٦١) ... ٤٩٥ ... ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا﴾ ... (١٨٣) ... ١٨٠\r﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله﴾ ... (١٦٥) ... ٣٨٠ ... سورة النساء\r﴿كتب عليكم الصيام﴾ ... (١٨٣) ... ٣٥٠ ... ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار﴾ ... (١٤) ... ٣٦٩\r﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم﴾ ... (١٨٧) ... ١٢٥ ... ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ... (١٩) ... ٤٦٤\r﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ ... (٢١٧) ... ١٥٧ ... ﴿كتاب الله عليكم﴾ ... (٢٤) ... ٣٥٠\r﴿ويسألونك عن المحيض﴾ ... (٢٢٢) ... ٢٠٤ ... ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً﴾ ... (٢٥) ... ٣٥١\r﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾ ... (٢٣١) ... ٣٤٢ ... ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ ... (٢٨) ... ٢١١\r﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ ... (٢٥٣) ... ٤٦٧ ... ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ ... (٤٠-٤١) ... ٣٧٠\r﴿لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد﴾ ... (٢٥٦) ... ٣٣٠ ... ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم﴾ ... (٤٦) ... ٣٢٤\r﴿أولم تؤمن قال بلى﴾ ... (٢٦٠) ... ٢١٦ ... ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة﴾ ... (٥٤) ... ٢٥٧\r﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ ... (٢٨٢) ... ١١٤ ... ﴿يا آيها الذين آمنوا أطيعوا الله﴾ ... (٥٩) ... ٣٦٦\r﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ ... (٢٨٥) ... ١١٠ ... ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله﴾ ... (٦١) ... ٣٦٨\rسورة آل عمران ... ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ ... (٦٤) ... ٣٦٧\r﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ ... (٢٠ ( ... ٣٢٨ ... ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك﴾ ... (٦٥) ... ٣٣٥\rالآية ... رقمها ... رقم الصفحة ... الآية ... رقمها ... رقم الصفحة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556268,"book_id":1504,"shamela_page_id":755,"part":null,"page_num":754,"sequence_num":755,"body":"﴿ومن يطع الله والرسول﴾ ... (٦٩) ... ٤٤٥ ... ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ ... (٩٩) ... ٣٢٩\r﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون﴾ ... (٧٨) ... ٤١ ... ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم﴾ ... (١١٠) ... ٢٥٧\r﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ ... (٨٠) ... ١٧٧ ... ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا﴾ ... (١١١) ... ٢٤٩\r﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى﴾ ... (٨٣) ... ١٩٥ ... ﴿يا أيها الذين آمنوا أمنوا بالله ورسوله﴾ ... (١٣٦) ... ٣٥٨\r﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ ... (١٠٠) ... ٣٥٦ ... سورة الأنعام\r﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ ... (١٠٥) ... ٣٣٥ ... ﴿قل إنى أخاف إن عصيت ربى﴾ ... (١٥) ... ١٣٠\r﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة﴾ ... (١١٣) ... ١١٧ ... ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين﴾ ... (٣٣) ... ١٠\r﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله﴾ ... (١٣٦) ... ٣٦٥ ... ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شئ﴾ ... (٣٨) ... ٢٤١\r﴿والذين آمنوا بالله ورسله﴾ ... (١٥٢) ... ١١٠ ... ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ ... (٥٢) ... ١٣٥\r﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى﴾ ... (١٥٧-١٥٨) ... ١٩٢ ... ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا﴾ ... (٦٧-٦٨) ... ١٤١\r﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾ ... (١٦٣) ... ٢٩٥ ... ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد﴾ ... (٦٨) ... ١٣٩\r﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ ... (١٦٤) ... ٢٥٣ ... ﴿وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات﴾ ... (٧٥) ... ٢٢٠\rسورة المائدة ... ﴿أولئك الذين هدى الله﴾ ... (٩٠) ... ١٥\r﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ ... (٣) ... ٢٦٩ ... ﴿وكذلك جعلنا لكل نبى عدو﴾ ... (١١٢) ... ٤٤٤\r﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى﴾ ... (٦) ... ٣٠ ... ﴿وهو الذى أنزل إليك الكتاب﴾ ... (١١٤) ... ٣٣٢\r﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله﴾ ... (١١) ... ١٠١ ... ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ ... (١٢١) ... ٦٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556269,"book_id":1504,"shamela_page_id":756,"part":null,"page_num":755,"sequence_num":756,"body":"﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله﴾ ... (٣٣) ... ٣٥١ ... ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ ... (١٢٤) ... ٤٦\r﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ ... (٣٨) ... ٣٣ ... ﴿ومن يرد الله أن يضله يجعل صدره﴾ ... (١٢٥) ... ٦٤\r﴿ومن الذين هادوا سماعون للكذب﴾ ... (٤١) ... ٣٢٤ ... ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى﴾ ... (١٤٦) ... ٣٥٤\r﴿فإن جاؤك فاحكم بينهم﴾ ... (٤٢) ... ٣٩٥ ... ﴿وإن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه﴾ ... (١٥٣) ... ٣٧٤\r﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ ... (٤٨) ... ٣٠٥ ... ﴿قل إن صلاتى ونسكى ومحياى﴾ ... (١٦٢-١٦٣) ... ١٣٢\r﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ ... (٦٤) ... ٤٩٤ ... سورة الأعراف\r﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ ... (٦٧) ... ٨٣ ... ﴿قل من حرم زينة الله﴾ ... (٣٢) ... ١٣٣\r﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله﴾ ... (٧٢) ... ٧٥ ... ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله﴾ ... (٤٤) ... ٤٩٤\r﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل﴾ ... (٧٨) ... ٤٩٥ ... ﴿قالوا ألقوا فلما ألقوا سحروا﴾ ... (١١٦) ... ٢٢٨\r﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا﴾ ... (٨٧) ... ١٧١ ... ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى﴾ ... (١٥٧) ... ٢٥٤\r﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ ... (٩٠) ... ٢٥ ... ﴿فآمنوا بالله ورسوله﴾ ... (١٥٨) ... ١٥\r﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ ... (٩٢) ... ٣٦٦ ... ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾ ... (١٨٤) ... ٩\r﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ... (٩٣) ... ٢٥ ... ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ ... (٢٠٠) ... ٥٠\rالآية ... رقمها ... رقم الصفحة ... الآية ... رقمها ... رقم الصفحة\rسورة الأنفال ... ﴿ولما جاءت رسلنا لوط﴾ ... (٧٧-٧٨) ... ٢٥٤\r﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ ... (٥) ... ٤٠٤ ... ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ... (١١٢) ... ٤٢٦\r﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ ... (٣٠) ... ٩٠ ... سورة يوسف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556270,"book_id":1504,"shamela_page_id":757,"part":null,"page_num":756,"sequence_num":757,"body":"﴿إذ يريكهم الله فى منامك قليلاً﴾ ... (٤٣) ... ٢٥١ ... ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ ... (٣) ... ١١٨\r﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى﴾ ... (٦٧-٦٩) ... ١٤٦ ... ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت﴾ ... (٤) ... ٢٥١\r﴿وهو الذى أيدك بنصره﴾ ... (٧١) ... ٨٨ ... ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب﴾ ... (٨) ... ١١٤\r﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا﴾ ... (٧٢) ... ٣٥٨ ... ﴿وقال نسوة فى المدينة﴾ ... (٣٠) ... ١١٤\r﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ ... (٧٥) ... ٧٢ ... ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ ... (٣٢) ... ٣\rسورة التوبة ... ﴿قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم ... (٩٥) ... ١١٤\r﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله﴾ ... (٢٦) ... ١٤٣ ... ﴿ورفع أبويه على العرش﴾ ... (١٠٠) ... ٢٥١\r﴿وقالت اليهود عزيز ابن الله﴾ ... (٣٠-٣١) ... ٣٠٢ ... سورة الرعد\r﴿يريدون أن يطفئوا نور الله﴾ ... (٣٢) ... ٢٨٨ ... ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك﴾ ... (٣٨) ... ٤٦٧\r﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ ... (٤٠) ... ٩٧ ... ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً﴾ ... (٤٣) ... ٣٠٣\r﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ ... (٤٣) ... ١٤٦ ... سورة إبراهيم\r﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى﴾ ... (٥٢) ... ٣٥٣ ... ﴿كتاب أنزلناه إليك﴾ ... (١) ... ٣٣٦\r﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم﴾ ... (٦٢) ... ١٧٧ ... ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ ... (٤) ... ٣٣٤\r﴿يا أيها النبى جاهد الكفار﴾ ... (٧٣-٧٤) ... ٣٥٣ ... سورة الحجر\r﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً﴾ ... (٨٤) ... ٣٩٨ ... ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ ... (٩) ... ٣٢٤\rسورة يونس ... ﴿قال رب بما أغويتنى لأزينن لهم﴾ ... (٣٩-٤٠) ... ١٩٤\r﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا﴾ ... (١٥-١٦) ... ب ... ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ ... (٤٢) ... ٥٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556271,"book_id":1504,"shamela_page_id":758,"part":null,"page_num":757,"sequence_num":758,"body":"﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك﴾ ... ٩٤-٩٥) ... ١٣٧ ... ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا﴾ ... (٨٨-٨٩) ... ١٣٣\r﴿قل يا أيها الناس إن كنتم فى شك من دينى﴾ ... (١٠٤) ... ١٣١ ... ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ ... (٩٤-٩٥) ... ٩٠\r﴿ولا تدع من دون الله مالا ينفعك﴾ ... (١٠٦) ... ١٣٧ ... سورة النحل\r﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق﴾ ... (١٠٨) ... ٣٠٣ ... ﴿ليبين لهم الذى يختلفون فيه﴾ ... (٣٩) ... ٣٣٣\r﴿واتبع ما يوحى إليك واصبر﴾ ... (١٠٩) ... ١٣٣ ... ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ ... (٤٣) ... ٥١٠\rسورة هود ... ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين﴾ ... (٤٤) ... ٢٦٢\r﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ ... (١٨) ... ٤٩٤ ... ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا﴾ ... (٦٤) ... ٣٣٣\r﴿وما أنا بطارد الذين آمنوا﴾ ... (٢٩-٣٠) ... ١٣٦ ... ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ ... (٦٨) ... ٢٤٩\r﴿يا بنى اركب معنا﴾ ... (٤٢-٤٣) ... ٣ ... ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً﴾ ... (٨٩) ... ٣٣٢\r﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها﴾ ... (٤٩) ... ٢٨٤ ... ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما﴾ ... (١٠٣) ... ٢٩٧\rالآية ... رقمها ... رقم الصفحة ... الآية ... رقمها ... رقم الصفحة\r﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة﴾ ... (١٢٥) ... ٧٠ ... ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده﴾ ... (٥١) ... ٢٢٠\rسورة الإسراء ... ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب﴾ ... (٩٨-١٠٠ ... ٧٧\r﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ ... (٦٥) ... ٤٩ ... ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ ... (١٠١-١٠٣) ... ٧٧\r﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا﴾ ... (٧٣-٧٤) ... ٣١٢ ... سورة الحج\r﴿إذاً لأذقناك ضعف الحياة﴾ ... (٧٥) ... ١٢٤ ... ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا﴾ ... (٥٢) ... ٣٢٢\r﴿ومن الليل فتهجد به نافلة﴾ ... (٧٩) ... ٤٦٨ ... سورة المؤمنون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556272,"book_id":1504,"shamela_page_id":759,"part":null,"page_num":758,"sequence_num":759,"body":"﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس﴾ ... (١٠٦) ... ٢٦١ ... ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ ... (١-٥) ... ٤٣٩\rسورة الكهف ... ﴿أم لم يعرفوا رسولهم﴾ ... (٦٩) ... ١١٩\r﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ ... (٥) ... ٣٣٢ ... سورة النور\r﴿فأردت أن أعيبها﴾ ... (٧٩) ... ١١٧ ... ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه﴾ ... (٧) ... ٤٩٥\r﴿وما فعلته عن أمرى﴾ ... (٨٢) ... ١١٧ ... ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾ ... (٢٣) ... ٤٩٥\rسورة مريم ... ﴿فى بيوت أذن الله أن ترفع﴾ ... (٣٦) ... ٤٩١\r﴿فخرج على قومه من المحراب﴾ ... (١١) ... ٢٤٨ ... ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ ... (٥٤) ... ٣٢٨\r﴿فاتخذت من دونهم حجاباً﴾ ... (١٧) ... ٢٥٤ ... ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ ... (٥٦) ... ٣٦٦\r﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ ... (٦٤) ... ٢٨٧ ... ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله﴾ ... (٦٢) ... ٣٨٣\rسورة طه ... ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ ... (٦٣) ... ٣٦٩\r﴿إنى أنا ربك فاخلع نعليك﴾ ... (١٢) ... ٢٠٦ ... سورة الفرقان\r﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ ... (١٧-١٢) ... ٢٠٧ ... ﴿وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً﴾ ... (٨) ... ٢٢٣\r﴿وألقيت عليك محبة منى﴾ ... (٣٩) ... ٤٣٨ ... ﴿أهذا الذى بعث الله رسولاً﴾ ... (٤١-٤٢) ... ٢٦٩\r﴿واصطنعتك لنفسى﴾ ... (٤١) ... ٤٣٨ ... ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن﴾ ... (٦٠) ... ٣١٦\r﴿لا يضل ربى ولا ينسى﴾ ... (٥٢) ... ١١٥ ... سورة الشعراء\r﴿قالوا يا موسى إما أن تلقى﴾ ... (٦٥) ... ٢٣١ ... ﴿إن نشأن ننزل عليهم من السماء آية﴾ ... (٤) ... ٣١٧\r﴿يخيل إليه من سحرهم أنها﴾ ... (٦٦) ... ٢٢٧ ... ﴿ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون﴾ ... (١٤) ... ٢٠٧\r﴿وعجلت إليك ربى لترضى﴾ ... (٨٤) ... ١٧٨ ... ﴿قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين﴾ ... (٢٠) ... ١١٤\r﴿فاصبر على ما يقولون﴾ ... (١٣٠) ... ١٧٧ ... ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ ... (٨٠) ... ١١٦","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556273,"book_id":1504,"shamela_page_id":760,"part":null,"page_num":759,"sequence_num":760,"body":"سورة الأنبياء ... ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين﴾ ... (١٩٢-١٩٥) ... ٢٨٥\r﴿بل قالوا أضغاث أحلام﴾ ... (٥) ... ٣٢٥ ... ﴿إنهم عن السمع لمعزولون﴾ ... (٢١٢) ... ٢٢٥\r﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ ... (٧) ... ٥١٠ ... ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ ... (٢١٤) ... ١٠\r﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ ... (٢٣) ... ٣٧٨\rالآية ... رقمها ... رقم الصفحة ... الآية ... رقمها ... رقم الصفحة\rسورة النمل ... سورة سبأ\r﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ ... (١٤) ... ٢٧١ ... ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله﴾ ... (٤٦) ... ٩\r﴿وألق عصاك فلما رءاها تهتز﴾ ... (١٠-١١) ... ٢٠٧ ... ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى﴾ ... (٥٠) ... ١١٣\r﴿قل الحمد لله وسلام على عباده﴾ ... (٥٩) ... أ ... سورة يس\r﴿ما كان كما أن تنبتوا شجرها﴾ ... (٦٠) ... ١٥٢ ... ﴿ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً﴾ ... (٦٢) ... ١١٤\rسورة القصص ... سورة الصافات\r﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ ... (٧) ... ١٨٨ ... ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾ ... (٨٣) ... ٢٢٠\r﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ ... (١٢) ... ١٧٥ ... ﴿ماذا تعبدون﴾ ... (٨٥-٨٧) ... ٢٢١\r﴿قال هذا من عمل الشيطان﴾ ... (١٥) ... ٥٠ ... ﴿قال يا بنى إنى أرى فى المنام﴾ ... (١٠٢) ... ٢٥١\r﴿قل ربى إنى قتلت منهم﴾ ... (٣٣-٣٤) ... ٢٠٧ ... سورة ص\r﴿وما كنت ترجوا أن يلقى إليك﴾ ... (٨٦) ... ٢٨٥ ... ﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين﴾ ... (١٧) ... أ\r﴿ولا يصدنك عن آيات الله﴾ ... (٨٧) ... ٣١٠ ... ﴿رب هب لى ملكاً﴾ ... (٣٥) ... ٥٢\r﴿ولا تدع مع الله إلهاً آخر﴾ ... (٨٨) ... ٣١٠ ... ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ ... (٤١) ... ٥٠\rسورة العنكبوت ... ﴿قال فبعزتك لأغوينهم﴾ ... (٨٢-٨٣) ... ٤٩\r﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب﴾ ... (٤٨) ... ٢٨٤ ... سورة الزمر\rسورة لقمان ... ﴿قل إنى أمرت أن أعبد الله﴾ ... (١١-١٥) ... ٣١٢","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556274,"book_id":1504,"shamela_page_id":761,"part":null,"page_num":760,"sequence_num":761,"body":"﴿أن اشكر لى ولوالديك﴾ ... (١٤) ... المقدمة ... ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ ... (٢٢) ... ٦٤\r﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا﴾ ... (٣٣) ... ١٩٣ ... ﴿والذى جاء بالصدق وصدق﴾ ... (٣٣) ... ٢٦٤\rسورة الأحزاب ... ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ ... (٣٦) ... ٩٠\r﴿يا أيها النبى اتق الله﴾ ... (١) ... ١٢٩ ... ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين﴾ ... (٦٥) ... ١٢٩\r﴿النبى أولى بالمؤمنين﴾ ... (٦) ... ٤٥١ ... (سورة غافر)\r﴿وإذا أخذنا من النبيين﴾ ... (٧) ... ٤٧ ... ﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾ ... (٥٥) ... ١٢١\r﴿كل من ذا الذى يعصمك﴾ ... (١٧) ... ٣ ... ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم﴾ ... (٦٠) ... ٢٣٣\r﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة﴾ ... (٢١) ... ١٥ ... سورة فصلت\r﴿وصدق الله ورسوله﴾ ... (٢٢) ... ٢٦٤ ... ﴿ثم استوى إلى السماء وهى دخان﴾ ... (١١-١٢) ... ٢٤٩\r﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن﴾ ... (٣٤) ... ٢٥٨ ... سورة الشورى\r﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا﴾ ... (٣٦-٣٩) ... ١٣٠ ... ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به﴾ ... (١٣) ... ٣٠٨\r﴿يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً﴾ ... (٤٥-٤٦) ... ٤٨ ... ﴿أم يقولون افترى على الله﴾ ... (٢٤) ... ١٣٧\r﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ ... (٥٣) ... ١٥٢ ... ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ ... (٤٨) ... ٣٢٨\rالآية ... رقمها ... رقم الصفحة ... الآية ... رقمها ... رقم الصفحة\r﴿أو من وراء حجاب أو يرسل﴾ ... (٥١) ... ٢٥٢ ... ﴿والنجم إذا هوى...﴾ ... (١-٤) ... ٣١١\r﴿وإنك لتهدى إلى صراط﴾ ... (٥٢) ... ١١٦ ... ﴿فأوحى إلى عبده﴾ ... (١٠-١١) ... ١١٩\rسورة الزخرف ... ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ ... (١٣-١٤ ... ٢٥٥\r﴿وقولوا لولا نزل هذا القرآن﴾ ... (٣١) ... ٨٧ ... ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ ... (١٧) ... ٤٤\r﴿أهم يقسمون رحمة ربك﴾ ... (٣٢) ... ٢٨٧ ... ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ ... (١٩) ... ٣٠٩","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556275,"book_id":1504,"shamela_page_id":762,"part":null,"page_num":761,"sequence_num":762,"body":"﴿قل إن كان للرحمن ولداً﴾ ... (٨١) ... ١٣٧ ... ﴿إن هى إلا أسماء سميتموها﴾ ... (٢٣) ... ٣١١\rسورة الجاثية ... ﴿ألا تزروا وازرة وزر أخرى﴾ ... (٣٨) ... ١٩٣\r﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ ... (٢٣) ... ٤٤٤ ... ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ ... (٦٢) ... ٣١٦\rسورة الأحقاف ... سورة المجادلة\r﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل﴾ ... (٩) ... ١١٠ ... ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله﴾ ... (٥) ... ٣٧٠\r﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله﴾ ... (١٠) ... ٣٠٣ ... ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ ... (١٣) ... ١٢٥\rسورة محمد ... ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله﴾ ... (٢٠) ... ٣٧٠\r﴿والذين آمنوا وعلموا الصالحات﴾ ... (٢) ... ٣٦٣ ... سورة الحشر\r﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ ... (٤) ... ١٢٢ ... ﴿هو الذى أخرج الذين كفروا﴾ ... (٢) ... ٣٠٤\r﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين﴾ ... (٣١) ... ٨٠ ... ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها﴾ ... (٥) ... ٣٩٩\r﴿إن الذين كفروا وصدوا﴾ ... (٣٢) ... ٣٧٠ ... ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ ... (٧) ... ٣٣١\rسورة الفتح ... ﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ ... (٨) ... ٧٢\r﴿ليغفر لك الله ما تقدم﴾ ... (٢-٣) ... ١٢٥ ... ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾ ... (٢١) ... ٢٦\r﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ ... (٩) ... ٣٥٦ ... سورة الجمعة\r﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون﴾ ... (١٠) ... ٣٦٢ ... ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة﴾ ... (٩) ... ٣٠٧\r﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله﴾ ... (١٣) ... ٣٨٢ ... سورة التغابن\r﴿لقد رضى الله عن المؤمنين﴾ ... (١٨) ... ٣٦٣ ... ﴿فآمنوا بالله ورسوله﴾ ... (٨) ... ٤٤٤\r﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا﴾ ... (٢٧) ... ٢٥٢ ... ﴿فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ﴾ ... (١٢) ... ٣٢٨\rسورة الذاريات ... سورة التحريم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556276,"book_id":1504,"shamela_page_id":763,"part":null,"page_num":762,"sequence_num":763,"body":"﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم﴾ ... (٢٤-٢٨) ... ٢٥٤ ... ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ... (١-٥) ... ١٤٦\r﴿أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ ... (٤٨) ... ٢٩٠ ... سورة الملك\rسورة الطور ... ﴿ليبلونكم أيكم أحسن عملاً﴾ ... (٢) ... ٨٠\r﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن﴾ ... (٢٩) ... ٢٩٠ ... سورة القلم\r﴿واصبر لحكم ربك﴾ ... (٤٨) ... ٩٠ ... ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ ... (٤) ... ٦٨\rسورة النجم ... ﴿فلا تطع المكذبين﴾ ... (٨-١٠) ... ١٢٩\rالآية ... رقمها ... رقم الصفحة ... الآية ... رقمها ... رقم الصفحة\r﴿لولا أن تداركه نعمة من ربه﴾ ... (٤٩) ... ١١٧ ... سورة الضحى\rسورة الحاقة ... ﴿والضحى والليل إذا سجى﴾ ... (١-٣) ... ٢٨٦\r﴿فلا أقسم بما تبصرون﴾ ... (٣٨-٤٠) ... ١٣٤ ... ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ ... (٣-١١) ... ١١٨\r﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ ... (٤٤-٤٦) ... ١٢٤ ... ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ ... (٥) ... ١٧٨\rسورة الجن ... ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ ... (٧) ... ١١٣\r﴿فمن يستمع الآن يجد له﴾ ... (٩) ... ٢٢٥ ... ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾ ... (٩-١٠) ... ١٣٣\rسورة المزمل ... سورة الشرح\r﴿إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلاً﴾ ... (٥) ... ٢٦ ... ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ ... (١) ... ١٦٤\r﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ ... (٢٠) ... ١٢٥ ... ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ ... (٣) ... ١٢١\rسورة المدثر ... ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ ... (٤) ... ١٢١\r﴿يا أيها المدثر﴾ ... (١) ... ٢٠١ ... ﴿فإن مع العسر يسرا﴾ ... (٥-٦) ... ١٢٣\r﴿ولا تمنن تستكثر﴾ ... (٦) ... ١٣٤ ... سورة العلق\rسورة القيامة ... ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق﴾ ... (١-٣) ... ١٩٧\r﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ ... (١٧) ... ٣٤٢ ... ﴿أرأيت الذى ينهى عبداً إلى صلى﴾ ... (٩-١٩) ... ٩٢\r﴿ثم إن علينا بيانه﴾ ... (١٩) ... ٣٣٢ ... سورة النصر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556277,"book_id":1504,"shamela_page_id":764,"part":null,"page_num":763,"sequence_num":764,"body":"سورة عبس ... ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ ... (١-٣) ... ١٢٦\r﴿عبس وتولى....﴾ ... (١-١٠) ... ١٤٦ ... سورة المسد\rسورة التكوير ... ﴿تبت يدا أبى لهب وتب﴾ ... (١) ... ٩٤\r﴿إنه لقول رسول كريم﴾ ... (١٩-٢٥) ... ٢٨٥ ... سورة الفلق\r﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ ... (٢٢) ... ٩ ... ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ ... (١-٥) ... ٢٢٨\r﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ ... (٢٣) ... ٢٥٥ ... سورة الناس\r﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ ... (٢٤) ... ٢٦٨ ... ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ... (١-٦) ... ٢٣٣\r**********************\r****************\r***********\r*******\r\rثانياً: فهرس الأحاديث والآثار (١)\rالحديث/ الأثر ... رقم الصفحة ... الحديث/ الأثر ... رقم الصفحة\r(أ) ... أضل الله عن الجمعة من كان ... ٤٠٤\rأتانى الله ﷿ القرآن ومن الحكمة ... ٣٤٠ ... أعطيت خمساً لم يعطهن أحد ... ١٥٥\rأتى بسارق إلى رسول الله (أثر ... ٣٣ ... أعطيت قوة أربعين فى ... ٤٦٢\rأتى جبريل رسول الله فأخبره أن الحارث (أثر) ... ٤٠٩ ... أعقلها وتوكل ... ٨٧\rأتى رسول الله بضب مشوى (أثر) ... ٤١٨ ... أعوذ بالله منك ... ٥١\rأتى رسول الله بلبن قد شيب (أثر) ... ٤١٩ ... أعوذ بكلمات الله التامات ... ٥٢\rاجعل أرأيت باليمن (أثر) ... ٢١ ... أفتخوفت عليه الشيطان (أثر) ... ١٨٨\rأحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس... ... ٢٨ ... افتقدت رسول الله ذات ليلة (أثر) ... ٤٧٠\rأحلت لكم ميتتان ودمان ... ٤١٦ ... أفضالة؟ ... ١٠٥\rاحملوا ظهورنا فإن رأيتمونا ... ٣٦١ ... اكتب فوالذى نفسى بيده ما يخرج ... ٢٧٧\rاخف عنا ... ٩٨ ... أكل رسول الله آخر أمره لحماً (أثر) ... ٣٦\rأدبنى ربى فأحسن تأديبى ... ٤٥ ... اكل رسول الله كتف شاة (أثر) ... ٣٥\rإدنه، فدنا منه قريباً ... ٧٥ ... أكل الضب على مائدة رسول الله ... ٤١٦","footnotes":"(١) الفهرس مرتب على حروف المعجم (ألف باء...) والآثار فيه مميزة بكلمة (أثر) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556278,"book_id":1504,"shamela_page_id":765,"part":null,"page_num":764,"sequence_num":765,"body":"اذهب وادع لى معاوية ... ٥٠٣ ... إكلأ لنا الليل ... ١٤٤\rإذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ... ١٢ ... ألست تقرأ القرآن (أثر) ... ٤٣٩\rإذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب ... ٢٤٢ ... اللهم احفظ أبا أيوب ... ٨٧\rأرأيت لو مضمضت من الماء ... ٤٠٧ ... اللهم اصرعه ... ٩٨\rأرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً ... ١٠ ... اللهم اكفناه بما شئت ... ٩٨\rأرسله يا عمر ... ١٠١ ... اللهم العن أبا سفيان ... ٤٩٤\rارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى ... ١٠٤ ... اللهم إنا ناساً يتبعونى ... ٥٠٣\rإزارى. إزارى. ... ٥٥ ... اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل ... ٤٩٢\rاسمع صلاصل ثم اسكت ... ٢٨ ... اللهم اهد دوساً ... ٤٩٧\rأشهد أن السلف المضمون (أثر) ... ٤١٥ ... إلى أيها الناس ... ٢٩٣\rأشيروا على أيها الناس ... ٤٠٤ ... إلى الحشر ... ١٠٢\rاصنعوا كل شئ إلا النكاح ... ٢٠٤ ... إلى عباد الله ... ٢٩٣\rالحديث/ الأثر ... رقم الصفحة ... الحديث/ الأثر ... رقم الصفحة\rأما إن الله ورسوله لغنيان عنها (أثر) ... ٢٩٢ ... أنا نبى ... ١٠٤\rأما إنك لم تكن تستطيع الذى أردت ... ١٠٤ ... أنا النبى لا كذب ... ٢٩٣\rأما لكم فىَّ أسوة ... ١٤٥ ... الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ... ٨١\rأما والله إنى لأتقاكم لله ... ١٣١ ... إنا والله لا نريد بالقرآن بدلاً (أثر) ... ٣٣٦\rأمر الله ليلة الغار شجرة فنبتت (أثر) ... ٩٦ ... أنت هيه لقد كبرت ... ٥٠٤\rأمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ... ٣ ... أنتم أعلم بأمر دنياكم ... ١٨\rأمروا بقطع النخيل فحاك (أثر) ... ٤٠٠ ... أنتم عالة ... ١٥٦\rامشوا معى إلى رسول الله (أثر) ... ٤١٠ ... أنتم من أحب الناس إلىَّ ... ٤٤٩\rإن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه ... ٧٣ ... أنتما صاحبا رسول الله ومن أهل بدر (أثر) ... ٤٨٥\rإن حيضتك ليست فى يدك ... ٤٨٠ ... انتهى رسول الله إلى المضيق دون (أثر) ... ٢١\rإن رسول الله كانت له أمه (أثر) ... ١٧٣ ... الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ... ٤٥٦","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556279,"book_id":1504,"shamela_page_id":766,"part":null,"page_num":765,"sequence_num":766,"body":"إن رؤيا الأنبياء وحى (أثر) ... ٢٥١ ... أنفست؟ ... ٤٧٤\rإن الشيطان أتى بلالاً وهو قائم ... ١٤٤ ... إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (أثر) ... ١٣٤\rإن الشيطان يبلغ من ابن آدم ... ١٦٩ ... إنكم تختصمون إلى ... ٣٩٦\rإن العبد إذا لعن شيئاً ... ٤٩٨ ... إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ ... ٤١٢\rإن عدو الله إبليس جاء بشهاب ... ٥١ ... إنما أنا بشر مثلكم أنسى ... ١٤١\rإن عفريتاً من الجن جعل يفتك ... ٥١ ... إنما أنا بشر، وإنه يأتينى الخصم ... ٣٩١\rإن عينى تنامان ولا ينام قلبى ... ١٤٤ ... إنما بعثت لأبتليك وأبتلى بك ... ٨١\rإن كل من أحب أن يعبد ... ٧٨ ... إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به ... ٣٧٣\rإن الله أمرنى أن أحرق قريشاً ... ٩٢ ... إنه سيحال بينى وبينها ... ٩٤\rإن الله بعثنى إليكم فقلتم ... ٢٧٤ ... إنه كاذب إنه له عنده حقا ... ٤٠٢\rإن لكل عامل شره، ولكل شره ... ٤٦٩ ... إنه ليغان على قلبى ... ١٤٢\rإن من أكمل المؤمنين إيماناً ... ٤٦٥ ... إنه لا ينبغى لنبى أن تكون له ... ١٣٣\rإن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم (أثر) ... ٣٨ ... إنه يبعث يوم القيامة أمة ... ٥٨\rإن هذا الرجل أقبل فقال ... ١٠٤ ... إنها كانت وكانت ... ٢١٤\rإن هذا واد به شيطان ... ١٤٣ ... إنها من الشيطان وما كان ... ٥٣\rإن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما ... ٤٠٧ ... إنهما عيد المشركين فأنا أحب أن أخالفهم ... ٣٠٧\rإن اليهود والنصارى لا يصبغون ... ٣٠٣ ... إنى اتخذت خاتماً من ... ١٩\rأنا أولى الناس بعيسى بن مريم ... ٣٠٨ ... إنى أرحمها ... ٤٥٦\rإن كذلك يشدد علينا ... ٨٢ ... إنى أوعك كما يوعك رجلان ... ٨٢\rالحديث/ الأثر ... رقم الصفحة ... الحديث/ الأثر ... رقم الصفحة\rإنى رزقت حبها ... ٢١٤ ... بلى أفأخبرتك أن نأتيه العام ... ٢٥٢\rإنى سمعت محمد (أثر) ... ٢٧٢ ... بلغوا عنى ولو آية ... ٢٦٣\rإنى عبد الله وخاتم النبيين ... ٤٨ ... بينما أنا أمشى سمعت صوتاً ... ٢٠١","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556280,"book_id":1504,"shamela_page_id":767,"part":null,"page_num":766,"sequence_num":767,"body":"إنى قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم ... ٢٢٦ ... (ت)\rإنى قد عفوت عنكم عن صدقة ... ١٤٩ ... تشاورت قريش ليلة بمكة (أثر) ... ٩٥\rإنى لأعرف حجراً بمكة كان ... ٢٠٨ ... توضأوا مما مست النار ... ٣٤\rإنى لأفعل ذلك أنا وهذه ... ٤٦٤ ... (ث)\rإنى لأنسى أو أنسى لأسن ... ١٤٢ ... ثكلتك أمك يا عمر ... ٤١٠\rإنى لست آكل مما تذبحون على ... ٥٨ ... ثكلتك أمك يا معاذ ... ٥٠٢\rإنى لست كهيتكم ... ١٩ ... ثم دخلت بيت المقدس فجمع ... ٣٨٥\rإنى لم أبعث لعاناً ... ٤٩٣ ... (ج)\rإنى لم أؤمر أن أنقب عن ... ٤٩٩ ... جاء جبريل يوم بدر (أثر) ... ١٥٦\rإنى لا أقول إلا حقاً ... ٢٧٧ ... جاءت ملائكة إلى النبى وهو نائم (أثر) ... ٣٧٢\rأوصيكم بتقوى الله والسمع ... ٣٧٥ ... جعل رسول الله ثلاثة أيام وليالهن (أثر) ... ٣٢\rأول سورة أنزلت فيها سجدة (أثر) ... ٣١٦ ... جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ... ٤٨٩\rأو ما علمت ما شرطت عليه ربى ... ٥٠٠ ... (ح)\rألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه ... ١٣ ... حاربت النضير وقريظة (أثر) ... ٢٠٤\rألا ليبلغ الشاهد الغائب ... ١٦ ... حرق رسول الله نخل بنى النضير (أثر) ... ٣٦٢\rألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنى ... ١٣ ... (خ)\rأى خديجة والله لا أعبد اللات ... ٦١ ... خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى ... ٣٠٣\rأى قوم والله لقد وفدت على الملوك (أثر) ... ٣٨٣ ... خبرنى ربى أنى سارى علامة ... ١٣٠\rآية الإيمان حب الأنصار ... ٤٥٠ ... خرج رسول الله يريد عير قريش ... ٤٠٣\rأيها الناس أفشوا السلام ... ٢٧٤ ... خطب رسول الله زينب بنت عمته ... ١٦٥\r(ب) ... خيركم خيركم لأهله ... ٤٦٦\rبات رسول الله بذى طوى (أثر) ... ٤٢٣ ... (د)\rبت عند خالتى ميمونة (أثر) ... ٤٧١ ... دخل رسول الله يوم فتح مكة (أثر) ... ٤١٩\rبئسما قلت يا ابن أختى (أثر) ... ٢٤ ... دخل رسول الله مكة من الثنية العليا (أثر) ... ٤٢٣","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556281,"book_id":1504,"shamela_page_id":768,"part":null,"page_num":767,"sequence_num":768,"body":"بل شربت عسلاً ... ١٧٢ ... دخل رسول الله مكة يوم الفتح (أثر) ... ١٢٦\rبل قيدها وتوكل ... ٨٧ ... دعهم. أمناً بنى أرفدة ... ٤٨٦\rبل هو الرأى والحرب والمكيدة ... ٤٠٥ ... دعهما ... ٤٨٣\rالحديث/ الأثر ... رقم الصفحة ... الحديث/ الأثر ... رقم الصفحة\rدعونى ما تركتكم ... ٣٧٥ ... صلى رسول الله يوماً الفجر وصعد (أثر) ... ٢٦٣\rدونكم يا بنى أرفدة ... ٤٨٣ ... صلى رسول الله فى بيت أم سليم (أثر) ... ٤٥٥\r(ر) ... صلى رسول الله وعليه مرط بعضه (أثر) ... ٤٧٩\rرأى رسول الله جبريل له (أثر) ... ٢٥٦ ... صلوا كما رأيتمونى أصلى ... ١٣\rرأيت جبريل عند السدرة له ... ٢٥٦ ... صوموا يوم عاشوراء وخالفوا ... ٣٠٦\rرأيت رسول الله بال ثم توضأ (أثر) ... ٣١ ... (ع)\rرأيت رسول الله فعل هذا (أثر) ... ٢١ ... عقرى حلقى ... ٥٠٢\rرأيت رسول الله مقعياً يأكل (أثر) ... ٤١٩ ... (ف)\rرأيت رسول الله يأكل الرطب (أثر) ... ٤١٨ ... فإن كان العام المقبل إن شاء الله صمنا ... ٣٠٦\rرأيت رسول الله يتتبع الدباء (أثر) ... ٤١٨ ... فإن لجسدك عليك حقاً ... ٤٦٩\rرأيت رسول الله يشرب قائماً (أثر) ... ٣٨ ... فإن هذا منزل حضرنا فيه ... ١٤٣\rرأيت ما تعمل أمتى بعدى ... ٣٤٣ ... فرج عن سقف بيتى وأنا بمكة ... ٦٨\rرجل من أصحابى قتل رجلين ... ١٠٢ ... فضلت على الأنبياء بخصلتين ... ٥١\rرجم رسول الله ورجم أبو بكر (اثر) ... ٣٥١ ... فضلت على الأنبياء بست ... ١٢٨\rرؤيا الأنبياء وحى (أثر) ... ٢٥١ ... فضلت على الناس بأربع ... ٤٦٢\r(س) ... فلم أزل أرجع بين ربى ﵎ وبين (أثر) ... ٣٠٧\rسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرا (أثر) ... ١٧٣ ... فنودى يا محمد خمر عورتك (أثر) ... ٥٧\rسباب المسلم فسوق وقتاله كفر ... ٤٩٣ ... فنودى يا محمد غط عورتك (أثر) ... ٥٦\rسبحان الله! فأين الليل ... ٧٤ ... فهل كنتم تتهمونه بالكذب (أثر) ... ٨","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556282,"book_id":1504,"shamela_page_id":769,"part":null,"page_num":768,"sequence_num":769,"body":"ستة لعنتهم ولعنهم الله ... ٣٧٦ ... فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه ... ٢٣٨\rسقيت رسول الله من زمزم (أثر) ... ٣٧ ... فى أمتى اثنا عشر منافقاً ... ١٠٦\rسمعت السلام عليك فظننتها فجأة ... ٦٧ ... (ق)\rسن رسول الله وولاة الأمر من بعده (أثر) ... ٣٤٦ ... قد تركتكم على البيضاء ... ٣٣٧\r(ش) ... قد تعلم يا محمد أنك تصل (أثر) ... ٢٧٢\rشاور رسول الله حين بلغه إقبال (أثر) ... ٤٠٣ ... قد رأيت الذى صنعتم ... ٤٠٧\rشرب رسول الله من فم القربة وهو (أثر) ... ٣٨ ... قطع الله يدك ... ٥٠٠\r(ص) ... قمت على باب الجنة فإذا ... ٣٤٣\rصارع رسول الله ركانة (أثر) ... ٢٩٢ ... قئ ... ٣٧\rصلى رسول الله الظهر والعصر (أثر) ... ٤٢٣\rالحديث/ الأثر ... رقم الصفحة ... الحديث/ الأثر ... رقم الصفحة\r(ك) ... كان العباس عم الرسول فيمن يحرسه (أثر) ... ٨٥\rكان ابن عمر إذا رآه أحد ظن (أثر) ... ٤٢٣ ... كان لسليمان ستون امرأة فقال ... ٤٦٨\rكان أحب الشراب إلى رسول الله الحلو (أثر) ... ٤١٨ ... كان يوم عاشوراء تصومه قريش (أثر) ... ٣٠٦\rكان آخر الأمرين ترك الوضوء مما (أثر) ... ٣٥ ... كانت إحدانا إذا كانت حائضاً (أثر) ... ٤٧٣\rكان بشراً من البشر يفلى (أثر) ... ٤٦٩ ... كانت أم سليم تبسط للنبى (أثر) ... ٤٥٢\rكان جبريل إذا نزل بالقرآن (أثر) ... ٣٤٥ ... كذب أبو السنابل ... ٤٢٨\rكان خلق رسول الله القرآن (أثر) ... ٤٣٩ ... كذب من قال ذلك ... ٤٢٨\rكان خلقه القرآن يرضى لرضاه (أثر) ... ٤٣٩ ... كلا إن ملائكة تسترنا ... ٩٧\rكان رسول الله إذا أراد من الحائض (أثر) ... ٤٨٠ ... كل شئ ليس فيه ذكر الله فهو ... ٤٩١\rكان رسول الله إذا أنزل عليه كرب (أثر) ... ٢٦ ... كما أنت. وكما أنتن ... ٤٨٨\rكان رسول الله إذا أنزل عليه الوحي (أثر) ... ٢٨ ... كما أنتم على مصافكم ... ٢٥٣\rكان رسول الله إذا جلس فى الصلاة (أثر) ... ٤٢٣ ... كنا نتقى الكلام والانبساط (أثر) ... ٤١٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556283,"book_id":1504,"shamela_page_id":770,"part":null,"page_num":769,"sequence_num":770,"body":"كان رسول الله رجلاً مسقاماً (أثر) ... ٢٢٩ ... كنا نعزل على عهد رسول الله (اثر) ... ٤٠٩\rكان رسول الله فى مهنة أهله (أثر) ... ٤٦٩ ... كنت أشرب وأنا حائض (أثر) ... ٤٧٩\rكان رسول الله لا يفضل بعضاً (أثر) ... ٤٦٦ ... كنت أغار على اللاتى وهبن (أثر) ... ١٧٨\rكان رسول الله يتكئ فى حجرى (أثر) ... ٤٧٤ ... كنت أكتب الوحي لرسول الله (أثر) ... ٢٧\rكان رسول الله يحب العسل (أثر) ... ٤١٨ ... كنت أنا ورسول الله نبيت فى (أثر) ... ٤٧٨\rكان رسول الله يدخل بيت أم سليم (أثر) ... ٤٥٨ ... كنت مع النبى بمكة فخرجنا فى (أثر) ... ٢٠٨\rكان رسول الله يدركه الفجر وهو (اثر) ... ٢٠ ... كيف بك إذا أخرجت من خيبر ... ١٨\rكان رسول الله يدنى إلى رأسه (أثر) ... ٤٧٩ ... كيف تقضى إذا عرض لك قضاء ... ٣٨٨\rكان رسول الله يدور على نسائه (أثر) ... ٤٦٢ ... (ل)\rكان رسول الله يرجع فى تلاوته (أثر) ... ١٢٦ ... لتأخذوا عنى مناسككم ... ١٣\rكان رسول الله يشهد مع المشركين (أثر) ... ٦٢ ... لست تاركاً شيئاً كان (أثر) ... ٢٠\rكان رسول الله يصلى بالليل وأنا (أثر) ... ٤٧٩ ... لعبت الحبشة فجئت من ورائه (أثر) ... ٤٨٨\rكان رسول الله يضطجع معى (أثر) ... ٤٧٨ ... لعن الله الخمر وشاربها ... ٤٩٥\rكان رسول الله يعالج من التنزيل (أثر) ... ٢٦ ... لعن الله الراشى ... ٤٩٦\rكان رسول الله يغتسل بالصاع (أثر) ... ٤٢٣ ... لعن الله السارق ... ٤٩٥\rكان رسول الله يقبل وهو صائم (أثر) ... ٢٠ ... لعن الله من حلق ... ٤٩٦\rكان رسول الله ينام أول الليل ... ٤٧١ ... لعن الله من لعن والديه ... ٤٩٥\rالحديث/ الأثر ... رقم الصفحة ... الحديث/ الأثر ... رقم الصفحة\rلعن الله من يمثل بالحيوان ... ٤٩٦ ... ما سئل سائل بمثلها ولا استعاذ ... ٢٣٣\rلقد رأيتنى فى غلمان من ... ٥٥ ... ما صلى رسول الله العشاء قط فدخل (أثر) ... ٤٧٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556284,"book_id":1504,"shamela_page_id":771,"part":null,"page_num":770,"sequence_num":771,"body":"لقد سألت ... إنى لفى الصحراء ... ٦٦ ... ما صنعت شيئاً فقال كفيتكه ... ٩٠\rلم أره على صورته التى خلق ... ٢٥٦ ... ما ظنك باثنين الله ثالثهما ... ٩٧\rلم تراع. لم تراع ... ١٠٤ ... ما كان أحداً أحب إلىَّ من (أثر) ... ٣٨٤\rلم يكن رسول الله فاحشاً (أثر) ... ٤٩٨ ... ما كان الله ليسلطك علىَّ ... ١٠٣\rلما تزوج رسول الله زينب قالوا (أثر) ... ١٦٨ ... ما كنت لآكل مما لم يذكر (أثر) ... ٥٩\rلما قدم رسول الله المدينة لعبت (أثر) ... ٤٨٥ ... ما له تربت يداه ... ٥٠٢\rلو دنا لاختطفته الملائكة ... ٩٣ ... ما من بنى آدم مولود إلا يمسه ... ١٨٥\rلو رأيت ابن عمر يتبع آثار (أثر) ... ٤٢٣ ... ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ... ١٣\rلو فعل لأخذته الملائكة ... ٩٣ ... ما هذا؟ قالوا هذا يوم ... ٣٠٥\rلو كان الدين بالرأى لكان (اثر) ... ٣٢ ... ما هذا يا أنس أعراقية (أثر) ... ٣٦\rلو كان رسول الله كاتماً شيئاً (أثر) ... ٢٦٨ ... ما هذه ... ٥٩\rلو كان المطعم بن عدى حياً ... ١٥٦ ... ما هممت بقبيح ... ٥٤\rلو لم تفعلوا لصلح ... ١٨ ... ما من نبى بعثه الله فى ... ٣٧٤\rلو يعطى الناس بدعواهم ... ٤٠٣ ... ما منكم من أحد إلا وقد وكل به ... ٥٠\rلولا أنى رأيت رسول الله قبلك (اثر) ... ٢٠ ... ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة ... ٨١\rليت رجلاً من اصحابى ... يحرسنى ... ٨٦ ... ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ... ٨١\rليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا ... ٢٥٣ ... مثلى كمثل رجل استوقد ناراً ... ٣٧٤\r(م) ... مات رجال من أصحاب النبى قبل أن تحرم (أثر) ... ٢٥\rما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم (أثر) ... ٢٤ ... مر رسول الله بمكان فحاد عنه (أثر) ... ٢١\rما أسلمت إلا بعد نزول المائدة (أثر) ... ٣١ ... مر رسول الله على أناس بمكة (اثر) ... ٩١\rما أنا بقارئ ... ١٩٧ ... معاذ الله أن أعبد غير الله ... ٣٨١\rما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه ... ١٣١ ... مكانكم ثم رجع فاغتسل ... ١٦","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556285,"book_id":1504,"shamela_page_id":772,"part":null,"page_num":771,"sequence_num":772,"body":"ما ترون فى هؤلاء الأسارى ... ٤٠٥ ... من أسلف فى تمر فليسلف ... ٤١٥\rما حملكم على إلقائكم نعالكم ... ١٩ ... من أطاعنى فقد أطاع الله ... ٣٧٩\rما رأيت أحداً أشد عليه الوجع (أثر) ... ٨١ ... من جهز غازياً فى سبيل الله ... ٤٥٦\rما رأيت أحداً قط أكثر مشاورة (أثر) ... ٣٩٢ ... من حدث أن محمداً كتم شهادة (أثر) ... ٢٦٨\rما سئل رسول الله عن شيئاً قط (أثر) ... ٤٧٠ ... من هذا فقلت حذيفة ... ١٠٦\rالحديث/ الأثر ... رقم الصفحة ... الحديث/ الأثر ... رقم الصفحة\r(ن) ... والخير كله فى يديك ... ١١٧\rناس من أمتى عرضوا علىَّ ... ٤٥٣ ... وددت أنى قد رأيت رسول الله (أثر) ... ٢٧\rنام رسول الله حتى انتصف الليل (أثر) ... ٤٧١ ... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا ... ٣٣٤\rنام رسول الله فاستيقظ وهو (أثر) ... ٤٥٨ ... وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط (اثر) ... ٦٥\rنحن أحق بالشك من إبراهيم ... ٢١٨ ... وكان جبريل يأتى بالنبى فى صورة (أثر) ... ٢٥٥\rنزلت هذه الآية فى خمسة من (اثر) ... ١٣٥ ... ولقد رأيته ينزل عليه الوحي فى (أثر) ... ٢٧\rنضر الله امرءاً سمع منا ... ١٦ ... والذى نفس محمد بيده لا يسمع فى أحد من ... ٣٠٥\rنعم، إن قتلت فى سبيل الله ... ٢٥٨ ... والذى نفسى بيده إنكم أحب الناس ... ٤٤٧\rنعم، حجى عنها ... ٤٠٠ ... والذى نفسى بيده لأقضين بينكما ... ٣٥٠\rنعم الرجل خريم الأسدى ... ٤٢٥ ... والذى نفسى بيده لتدخلن الجنة ... ٣٧٣\rنعم فأخذه واستله ... ١٠١ ... والذى نفسى بيده لو بدا لكم موسى ... ٣٨٥\rنفسى نفسى ... ١٢٨ ... ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن ... ٤٩٩\rنهى رسول الله أن نستقبل القبلة لبول (أثر) ... ٣٩ ... (لا)\rنهى رسول الله أن يتنفس فى الإناء ... ٤١٧ ... لا ... ٤٥٨\rنهى رسول الله أن يشرب الرجل ... ٣٧ ... لا أشبع الله بطنه ... ٥٠٤\rنهى رسول الله عن الأكل فى صحائف ... ٤١٧ ... لا ألفين أحدكم متكئاً ... ٣٣١","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556286,"book_id":1504,"shamela_page_id":773,"part":null,"page_num":772,"sequence_num":773,"body":"نهى رسول الله عن الوصال (أثر) ... ١٩ ... لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا ... ٣٦١\r(هـ) ... لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع ... ٨٨\rهذا نبيكم وخيار أمتكم (أثر) ... ٤٢٦ ... لا تحزن إن الله معنا ... ٩٧\rهل تدرون ماذا قال ربكم ... ٤١٠ ... لا تذكرى هذا لعائشة ... ١٧٣\rهل عرفتم القوم ... ١٠٥ ... لا تسألنى بالات والعزى ... ٦١\rهل لك من إبل ... ٧٩ ... لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ... ٤١٧\rهلم أكتب لكم كتاباً ... ٢٣٥ ... لا تمسه ... ٥٩\rهلم إلى ثوباً ... ٧٢ ... لا تنزع الرحمة إلا من ... ٢٧٣\rهو من عمل الشيطان ... ٢٣٤ ... لا ولكنه لا يكون بأرض قومى ... ٤١٨\r(و) ... لا والله ما أبدلنى الله خيراً منها ... ٢١٤\rوآدم بين الروح والجسد ... ٤٧ ... لا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة (أثر) ... ٤٥٨\rوأنتم تسألون عنى ... ٢٧٠ ... لا يحل دم امرئ مسلم ... ٣٥١\rوجعلت قرة عينى فى الصلاة ... ١٧٧ ... لا يرد القضاء إلا الدعاء ... ٢٣٣\rوجهت وجهى للذى فطر ... ١٣٢ ... لا يرمى رجل رجلاً بالفسوق ... ٤٩٧\rالحديث/ الأثر ... رقم الصفحة ... الحديث/ الأثر ... رقم الصفحة\rلا يسألنى الله عن سنة أحدثتها ... ٣٤٣ ... يا عم. إن الله قد عصمنى لا حاجة ... ٨٤\rلا يصلين أحد العصر إلا فى ... ٢٤١ ... يا عمر أتدرى من السائل ... ٢٥٥\rلا يشكر الله من لا يشكر الناس ... المقدمة ... يا غلام سم الله ... ٤١٧\rلا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه ... ٤٢٢ ... يا قدامة إنى جالدك (أثر) ... ٢٥\r(ى) ... يا هؤلاء ألستم تعلمون أنى رسول ... ٣٧٢\rيا أبا الحكم أخبرنى عن محمد ... ٢٧٢ ... يا محمد استدننى (أثر) ... ١٦٠\rيا ابن أخى إنى لا آكل مما ذبح على (أثر) ... ٥٨ ... يا معشر الخزرع إن محمداً منا (أثر) ... ٨٦\rيا أم فلان. أى السكك شئت ... ٤٤٩ ... يا معشر الشباب من استطاع الباءة ... ٤٦٨","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556287,"book_id":1504,"shamela_page_id":774,"part":null,"page_num":773,"sequence_num":774,"body":"يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنى ربى ... ٨٣ ... يا معشر قريش إنه والله قد نزل (أثر) ... ٢٧٢\rيا أيها الناس إن الرأى إنما كان (أثر) ... ٣٣٥ ... يا مغيرة خذ الإداوة ... ٤١٩\rيا أيها الناس إن الله لم يبعث بعد (أثر) ... ٣٤٦\rيا أيها الناس إنما أنا بشر ... ٢٧٠\rيا بنيه ائتنى بوضوئى ... ٩٥\rيا جبريل ما يمنعك أن تزورنا ... ٢٨٧\rيا حصين إن أبى وأباك فى النار ... ٧٤\rيا حميراء أتحبين أن تنظرى إليهم ... ٤٨٩\rيا خديجة إنى أسمع صوتاً ... ٢٠٨\rيا صباحاه ... ١٠\rيا عائشة. أشعرت أن الله أفتانى ... ٢٢٢\rيا عائشة. أفلا أكون عبداً شكوراً ... ١٢٧\rيا عائشة. أما إنه بلغنى كذا وكذا ... ٢٧٦\rيا عم. إن الله قد عصمنى من الجن ... ٨٤\r*****************************\r**********************\r**************\r*********\r\rثالثاً: فهرس الأعلام المترجم لهم (١)\rالعلم ... رقم الصفحة ... العلم ... رقم الصفحة\r(أ) ... البيضاوى = عبد الله بن عمر\rإبراهيم ابن موسى الشاطبى ... ٣٤٩ ... (ج)\rإبراهيم بن سويد النخعى ... ٣١ ... جابر بن عبد الله ... ٣٥\rأبى بن كعب ... ٦٦ ... الجبائى = محمد بن عبد الوهاب\rأبى مصعب المكى ... ٩٦ ... جرير بن عبد الله البجلى ... ٣٠\rابن الأثير = المبارك بن محمد ... جعده بن خالد بن الصمة ... ١٠٤\rأحمد حسين يعقوب ... ٢٣٦ ... جعفر مرتضى العاملى ... ١٩٩\rأحمد حجازى السقا ... ٣١٠ ... جمال البنا ... ٣٢٨\rأحمد بن عبد الحليم بن تيميه ... ٣٠٤ ... أم جميل ... ٩٤\rأحمد بن محمد القسطلانى ... ٢٦٧ ... ابن الجوزى =عبد الرحمن بن على بن محمد\rأحمد بن على بن حجر ... ٢٨ ... جوستاف فايل ... ٢٨٩\rأحمد صبحى منصور ... ١٧١ ... جولد تسيهر ... ٢٨٩\rإسماعيل منصور ... ٣٢٨ ... (ح)\rإسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير ... ١٦٦ ... الحارث بن سويد ... ٤٠٩","footnotes":"(١) مرتبة أسماؤهم على حروف المعجم باعتبار الاسم الأول، واعتبار الشهرة باللقب محالة إلى الاسم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556288,"book_id":1504,"shamela_page_id":775,"part":null,"page_num":774,"sequence_num":775,"body":"إسماعيل بن عمر ابن كثير ... ٣٢ ... الحارث بن هشام ... ٢٨\rأسماء بنت أبى بكر ... ٩٧ ... الحارث بن ربعى أبو قتادة ... ١٤٥\rالأقرع بن حابس ... ٧٨ ... الحباب بن المنذر ... ٤٠٤\rالألوسى = محمود شكرى بن عبد الله ... أم حبيبة ... ٤٦٥\rأبو أمامه ... ٧٥ ... ابن حجر = أحمد بن على\rأمية بن أبى الصلت ... ٢٨٢ ... حذيفة بن اليمان ... ١٠٥\rأنس بن مالك ... ٦٥ ... أم حرام ... ٤٥٢\rأبو أيوب ... ٨٦ ... حرام بن ملحان ... ٤٥٦\r(ب) ... ابن حزم = على بن أحمد\rبحيرى الراهب ... ٢٩٨ ... حسان بن عطية ... ٣٤٥\rالبراء بن عازب ... ٢٥ ... الحسن البصرى ... ٣٥٢\rأبو بكر الصديق ... ٢٠ ... حصين بن عبيد ... ٧٤\rالعلم ... رقم الصفحة ... العلم ... رقم الصفحة\rحفصة بنت عمر ... ١٧٢ ... (س)\rالحكم بن كيسان ... ١٥٧ ... السدى الكبير = إسماعيل بن عبد الرحمن\rأبو حيان = محمد بن يوسف ... سراقة بن مالك ... ٩٧\r(خ) ... سعد بن أبى وقاص ... ٨١\rخديجة بنت خويلد ... ١٩٧ ... سعد بن مالك أبو سعيد الخدرى ... ١٩\rخريم الأسدى ... ٤٢٥ ... سعد بن هشام بن عامر ... ٤٣٩\r(د) ... سعيد بن أبى راشد ... ٧٣\rأبو الدرداء ... ٥١ ... سعيد بن المسيب ... ٢٣٣\rدحية الكلبى ... ٢٥٥ ... أبو سفيان = صخر بن حرب\rابن دحية = عمر بن الحسن ... سلمة بن الأكوع ... ١٠٤\r(ذ) ... سلمان الفارسى ... ٣٩\rأبو ذر الغفارى ... ٦٧ ... سلمة بن صخر البياضى ... ٤١٠\r(ر) ... أم سليم ... ٤٥٢\rالفخر الرازى = محمد بن عمر ... سمرة بن جندب ... ٢٧٠\rرافع بن خديج ... ٤١٢ ... سهل بن الربيع ... ٤٢٥\rرشاد خليفة ... ٣٢٧ ... السهيلى = عبد الرحمن بن عبد الله\rركانة بن يزيد ... ٢٩٢ ... السيوطى = عبد الرحمن بن أبى بكر\rأبو ريه = محمود ... (ش)\r(ز) ... الشاطبى = إبراهيم بن موسى\rالزرقانى = محمد بن الشيخ ... الشافعى = محمد بن إدريس\rالزمخشرى = محمود بن عمر ... أبو شامة = عبد الرحمن بن إسماعيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556289,"book_id":1504,"shamela_page_id":776,"part":null,"page_num":775,"sequence_num":776,"body":"زينب بنت سيد ولد آدم ﷺ ... ٨٨ ... شبر نجر ... ٢٨٩\rزينب بنت جحش ... ١٦٣ ... الشوكانى = محمد بن على\rزينب بنت الحارث ... ١٠٣ ... (ص)\rزيد بن ثابت ... ٢٧ ... صالح الوردانى ... ٢٢٣\rزيد بن حارثة ... ٥٨ ... صخر بن حرب أبو سفيان ... ٨\rزيد بن خالد الجهنى ... ٤١٠ ... صفوان بن أمية ... ١٠٠\rزيد بن عمرو بن نفيل ... ٥٨ ... صفية بنت حى بن أخطب ... ٨٦\rصهيب الرومى ... ٣٠١\rالعلم ... رقم الصفحة ... العلم ... رقم الصفحة\r(ط) ... على بن أحمد ابن حزم ... ١٦٨\rأبو طالب = عبد مناف ... على بن محمد القارى ... ٢١٩\rالطبرى = محمد بن جرير ... عمار بن ياسر ... ١٠٥\rطلحة بن عبيد الله ... ١٢ ... عمران بن حصين ... ٧٤\r(ع) ... عمر بن أخطب الأنصارى ... ٢٦٢\rعائشة بنت أبى بكر الصديق ... ١٩ ... عمر بن الحسن بن دحيه ... ٢٢٦\rعامر بن فهيرة ... ٩٨ ... عمر بن الخطاب ... ١٧\rعبادة بن الصامت ... ٢٦ ... عمر بن عبد العزيز ... ٣٤٦\rعبد الحسين شرف الدين ... ١٩٩ ... عمرو بن أمية الضمرى ... ١٠١\rعبد الرحمن بن إسماعيل ٍأبو شامة ... ٤٢٢ ... عمرو بن العاص ... ٣٨٤\rعبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى ... ١٢٥ ... عمير بن عبيد ... ١٠١\rعبد الرحمن بن خنبش ... ١٥١ ... عمير بن قيس ... ١٥٨\rعبد الرحمن بن عبد الله السهيلى ... ١٦٠ ... عمير بن وهب ... ١٠٠\rعبد الرحمن بن على بن الجوزى ... ١٧٤ ... عياض بن موسى أبو الفضل ... ١٧\rعبد الله بن جحش ... ١٥٧ ... (غ)\rعبد الله بن الزبعرى ... ٧٧ ... الغزالى = محمد بن محمد\rعبد الله بن سلام ... ٢٧٤ ... (ف)\rعبد الله بن عباس ... ١٠ ... فاطمة بنت سيد ولد آدم ﷺ ... ٩٤\rعبد الله بن عمر ... ١٩ ... فضالة بن عمير الليثى ... ١٠٥\rعبد الله بن عمر البيضاوى ... ١٥١ ... أبو الفضل = عياض بن موسى اليحصبى\rعبد الله بن عمرو بن العاص ... ٢٨ ... (ق)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556290,"book_id":1504,"shamela_page_id":777,"part":null,"page_num":776,"sequence_num":777,"body":"عبد الله بن المبارك ... ٣٤٥ ... قاسم أحمد ... ٣٥٧\rعبد الله بن مسعود ... ٥٠ ... أبو قتادة = الحارث بن ربعى\rعبد مناف أبو طالب ... ٤ ... قدامة بن مظعون ... ٢٤\rعثمان بن عبد الله ... ١٥٧ ... القرطبى = محمد بن أحمد بن أبى بكر\rالعرباض بن سارية ... ٤٨ ... القسطلانى = أحمد بن محمد بن على\rعروة بن الزبير بن العوام ... ٢٣ ... (ك)\rعروة بن مسعود الثقفى ... ٣٨٣ ... كارل بروكلمان ... ٢٨٢\rعلى بن أبى طالب ... ٣٠ ... ابن كثير = إسماعيل بن عمر\rالعلم ... رقم الصفحة ... العلم ... رقم الصفحة\rكريز بن أسامة ... ٤٩٧ ... محمد بن يوسف أبو حيان ... ١٥١\rالكلبى = محمد بن السائب ... محمود أبو ريه ... ١٨٥\r(ل) ... محمود شكرى الألوسى ... ١٥١\rلبيد بن الأعصم ... ٢٢٢ ... محمود بن عمر الزمخشرى ... ١٥٠\r(م) ... أبو مصعب المكى ... ٩٦\rالمازرى = محمد بن على بن عمر ... مطرف بن عبد الله بن الشخير ... ٣٣٧\rماكس مايرهوف ... ٢٩٤ ... المطعم بن عدى ... ١٥٦\rمارية رضى الله عنها ... ١٧١ ... معاذ بن جبل ... ٢٥٣\rالمبارك بن محمد ابن الأثير ... ٤ ... ميمونة بنت الحارث الهلالية ... ٣٥\rمجذر بن زياد ... ٤٠٩ ... ميسرة الفجر ... ٤٧\rمحمد بن أحمد بن أبى بكر القرطبى ... ٢٤١ ... (ن)\rمحمد بن إدريس الشافعى ... ٣٤١ ... نافع مولى ابن عمر ... ٤٢٣\rمحمد بن جرير الطبرى ... ٤ ... نسطورا الراهب ... ٢٩٨\rمحمد حسين هيكل ... ١٨٦ ... النووى = يحيى بن شرف الحورانى\rمحمد رشيد رضا ... ٢٢٧ ... نيازى عز الدين ... ٣٠٩\rمحمد بن السائب الكلبى ... ٣٢٠ ... (هـ)\rمحمد بن الشيخ الزرقانى ... ٣١٥ ... هرقل \"ملك الروم\" ... ٨\rمحمد بن عبد الوهاب الجبائى ... ١٥٠ ... هشام آل قطيط ... ٤٣٧\rمحمد عبده ... ٢٢٤ ... (و)\rمحمد بن على الشوكانى ... ١٥٤ ... الواقدى = محمد بن عمر بن واقد\rمحمد بن على بن عمر المازرى ... ٢٤٠ ... ورقة بن نوفل ... ١٩٧","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556291,"book_id":1504,"shamela_page_id":778,"part":null,"page_num":777,"sequence_num":778,"body":"محمد بن عمر الواقدى ... ٢٠٤ ... (ى)\rمحمد بن عمر الفخر الرازى ... ٢٨٨ ... يحيى بن سعيد القطان ... ٢٠٠\rمحمد بن محمد الغزالى ... ٣٩٠ ... يحيى بن شرف الحورانى النووى ... ٣١\rمحمد بن مسلمة ... ٣٦ ... يعلى بن أمية ... ٢٧\rمحمد نجيب ... ٣٢٧\r*****************************\r**********************\r**************\r*********","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556292,"book_id":1504,"shamela_page_id":779,"part":null,"page_num":778,"sequence_num":779,"body":"رابعاً: فهرس الأشعار (١)\rالبيت ... رقم الصفحة\r(ر)\rهو النعمة العظمى هو الرحمة التى ... *** ... تجلى بها الرحمن فى السر والجهر ... المقدمة\rلو لم تكن فيه آيات مبينة ... *** ... لكان منظره ينبيك بالخبر ... ٢٧٤\r(ز)\rإذا رمت تشرب فاقعد تفز ... *** ... بسنة صفوة أهل الحجاز ... ٣٩\rوقد صححوا شربه قائماً ... *** ... ولكنه لبيان الجواز ... ٣٩\r(ف)\rعجباً لعزة فى اختيار قطيعتى ... *** ... بعد الضلال فحبلها قد أخلفا ... ١١٥\r(ق)\rهذا الضلال أشاب منى المفرقا ... *** ... والعارضين ولم أكن متحققا ... ١١٥\rأيروم مخلوق ثناءك بعدما ... *** ... أثنى على أخلاقك الخلاق؟ ... مقدمة\r(ل)\rكناطح صخرة يوماً ليوهنها ... *** ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل ... هـ\rلقد علموا أن ابننا لا مكذب ... *** ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل ... ٢٧١\rوأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... *** ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل ... ٥\r(ن)\rصم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... *** ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذن ... ٦\rوإذا العناية لاحظتك عيونها ... *** ... نم فالمخاوف كلهن أمان ... ٦\r(هـ)\rأبا حكم والله لو كنت شاهداً ... *** ... لأمر جوادى إذ تسيخ قوائمه ... ٩٩\rعجبت ولم تشكك بأن محمداً ... *** ... نبى وبرهان فمن ذا يقاومه؟ ... ٩٩\rعليك بكف الناس عنه فإننى ... *** ... أرى أمره يوماً ستبدو معالمه ... ٩٩\r(و)\rإن يسمعوا زلة طاروا بها فرحاً ... *** ... منى وما علموا من صالح دفنوا ... ٦\r\rخامساً: فهرس البلدان والقبائل والفرق (٢)\rرقم الصفحة ... رقم الصفحة\r(أ) ... (ش)\rأحد ... ٨٦ ... الشام ... ٤٨\rالأزارقة ... د ... الشيعة ... ١٤١\rالأسكندرية ... ٢٩٨ ... (ع)\rأمريكا ... ٣٠٩ ... العراق ... ٣٦\rالأوس ... ٤٨٣ ... عسقلان ... ٢٨\r(ب) ... (ف)","footnotes":"(١) هذا الفهرس مرتب حسب حروف المعجم باعتبار القافية\r(٢) مرتبة على حروف المعجم (ألف باء...) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556293,"book_id":1504,"shamela_page_id":780,"part":null,"page_num":779,"sequence_num":780,"body":"بدر ... ٨٦ ... الفضيلية ... د\rبلدح ... ٥٨ ... فلسطين ... ٢٨\r(ت) ... (ق)\rتيماء ... ٢٩٨ ... قريش ... ٨\r(ح) ... قريظة ... ٢٠٤\rالحبشة ... ٩٤ ... (ك)\rحمص ... ٧٣ ... الكرامية ... د\r(خ) ... الكعبة ... ٥٤\rخزاعة ... ٢٣ ... (م)\rالخزرج ... ٨٦ ... المدينة ... ٢٣\rالخندق ... ٨٦ ... مصر ... ٢٨٩\rالخوارج ... ٨٦ ... معونة ... ١٠١\rخيبر ... ١٧ ... مكة ... ٦٧\r(ر) ... (هـ)\rالروافض ... ٣٠ ... بنو هاشم ... ٨٥\rالروم ... ٨ ... هزيل ... ٢٣\r(س) ... (ى)\rالسودان ... ٤٨٣ ... اليهود ... ٢٩٨\rسوريا ... ٢٨٩\r\rسادساً: فهرس المصادر والمراجع\rأهمل فى الترتيب الألف واللام، وأب، وابن، فى أول اسم الكتاب، وكذلك كلمة (كتاب) .\r١- القرآن الكريم.\r(أ)\r٢- آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، للدكتور عمر إبراهيم رضوان، دار طيبة بالسعودية، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م.\r٣- آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة والاجتهاد، للدكتور عويد بن عياد المطرفى، دار الفكر العربى بمصر، بدون تاريخ.\r٤- الابتهاج فى أحاديث المعراج، لعمر بن الحسن بن دحية، مكتبة الخانجى بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.\r٥- الإبداعات الطبية لرسول الإنسانية، لمختار سالم، مؤسسة المعارف، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.\r٦- الإبهاج فى شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول، \"للقاضى البيضاوى\" لعلى السبكى وولده عبد الوهاب، حققه جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية بيروت، ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م.\r٧- إتحاف ذوى الفضائل المشتهرة، لعبد العزيز الغمارى، ضمن مجموعة الحديث الصديقية، مكتبة القاهرة بمصر، بدون تاريخ.\r٨- إتحاف المريد شرح جوهرة التوحيد، بهامش حاشية محمد الأمير على جوهرة التوحيد، مطبعة البابى الحلبى بمصر، ١٣٦٨هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556294,"book_id":1504,"shamela_page_id":781,"part":null,"page_num":780,"sequence_num":781,"body":"٩- الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، لبدر الدين الزركشى، تحقيق محمد سعيد الأفغانى، دار القلم بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٠هـ - ١٩٧٠م.\r١٠- الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، لمحمد عبد الحى اللكنوى، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، دار السلام بمصر، الطبعة الثالثة ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م.\r١١- الأحاديث المتواترة فى الأزهار المتناثرة فى الأخبار المتواترة، لعبد الرحمن السيوطى، تحقيق أحمد حسن رجب، هديه مجلة الأزهر الشريف، ١٤٠٩هـ.\r١٢- الأحكام فى أصول الأحكام، لابن حزم الظاهرى، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.\r١٣- الأحكام فى أصول الأحكام، لعلى بن محمد الآمدى، مطبعة البابى الحلبى بمصر، ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م.\r١٤- أحكام القرآن، لمحمد بن العربى، تحقيق على محمد البجاوى، مطبعة عيسى الحلبى بمصر، الطبعة الأولى ١٣٧٦هـ.\r١٥- أخلاق النبى ﷺ فى القرآن والسنة، للدكتور أحمد عبد العزيز الحداد، دار الغرب الإسلامى بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٩هـ - ١٩٩٩م.\r١٦- أخلاق النبى ﷺ وآدابه، لعبد الله الأصبهانى، تحقيق عصام الدين الصبابطى الدار المصرية اللبنانية بمصر، الطبعة الأولى ١٤١١هـ.\r١٧- آداب الإملاء والاستملاء، للسمعانى، دار الكتب العلمية بيروت.\r١٨- الأدب المفرد، لمحمد إسماعيل البخارى، تحقيق فضل الله الجيلانى، ومحب الدين الخطيب، المكتبة السلفية بمصر، الطبعة الثالثة ١٤٠٧هـ.\r١٩- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن على الشوكانى، تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل، دار الكتبى بمصر، بدون تاريخ.\r٢٠- الإرشاد إلى قواطع الأدلة فى أصول الاعتقاد، لعبد الملك الجوينى، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556295,"book_id":1504,"shamela_page_id":782,"part":null,"page_num":781,"sequence_num":782,"body":"٢١- الاستذكار لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معانى الرأى والآثار، لابن عبد البر، تحقيق على النجدى، طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ١٣٩٠هـ - ١٩٧١م.\r٢٢- الاستشراق فى السيرة النبوية، لعبد الله محمد الأمين، طبعة المعهد العالمى للفكر الإسلامى، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.\r٢٣- الاستشراق والمستشرقون وجهة نظر: لعدنان محمد وزان، طبعة رابطة العالم الإسلامى، العدد ٢٤، السنة الثالثة.\r٢٤- الاستيعاب فى معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، تحقيق على محمد البجاوى، دار الجيل بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.\r٢٥- أسد الغابة فى معرفة الصحابة، لابن الأثير، تحقيق على معوض، وعادل أحمد، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.\r٢٦- الإسلام بدون حجاب، بحث مستل من شبكة الإنترنت.\r٢٧- الإسلام السياسى، لمحمد سعيد العشماوى، طبعة القاهرة ١٩٨٩م.\r٢٨-الإسلام على مفترق الطرق، لمحمد أسد (ليبولد فايس) ترجمة الدكتور عمر فروخ، دار العلم بيروت، ١٩٨٧م.\r٢٩- الإسلام عقيدة وشريعة، لمحمود شلتوت، دار الشروق بمصر، الطبعة السابعة عشر ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.\r٣٠- الإسلام والرسول فى نظر منصفى الشرق والغرب، لأحمد آل بوطامى، مطابع قطر الوطنية بالدوحة، الطبعة الثالثة ١٣٩٨هـ.\r٣١- الإسلام واستمرار المؤامرة، دفاع عن السنة، للدكتور طه حبيشى، مكتبة رشوان بمصر ١٩٨٨م.\r٣٢- الإسلام والمستشرقون، لنخبة من علماء المسلمين، عالم المعرفة بجدة ١٩٨٥م.\r٣٣- الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، لمحمد عبده، مطبعة محمد صبيح، ١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م.\r٣٤- إشارة التعيين فى تراجم النحاة، لعبد الباقى اليمانى، تحقيق عبد المجيد دياب، شركة الطباعة بالرياض ١٤٠٦هـ.\r٣٥- الأشباه والنظائر فى القرآن الكريم، لمقاتل بن سليمان البلخى، تحقيق الدكتور عبد الله شحاته، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556296,"book_id":1504,"shamela_page_id":783,"part":null,"page_num":782,"sequence_num":783,"body":"٣٦- الإصابة فى تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلانى، دار السعادة بمصر ١٣٢٨هـ.\r٣٧- أصل الشيعة وأصولها، لمحمد آل كاشف، مؤسسة الأعلمى بيروت، الطبعة الرابعة ١٤١٣هـ.\r٣٨- أصول السرخسى، لمحمد بن أحمد السرخسى، تحقيق أبو الوفا الأفغانى، حيدر أباد الدكن بالهند، تصوير الكتب العلمية بيروت ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م.\r٣٩- اصول السيرة المحمدية، لعبد العزيز بن راشد النجدى، الطبعة الثانية، خال من مكان الطبع وتاريخه.\r٤٠- أصول الشريعة، لمحمد سعيد العشماوى، طبعة القاهرة ١٩٧٩م.\r٤١- أصول الفقه، لمحمد الخضرى، دار الحديث بمصر، بدون تاريخ.\r٤٢- الأصلان العظيمان - الكتاب والسنة - رؤية جديدة، لجمال البنا، مطبعة حسان بمصر.\r٤٣- أضواء على السنة المحمدية، لمحمود أبو ريه، دار المعارف بمصر، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ.\r٤٤- الأضواء القرآنية فى اكتساح الأحاديث الإسرائيلية، وتطهير البخارى منها، للسيد صالح أبو بكر، مطبعة محرم الصناعية ١٩٧٤م.\r٤٥- إعادة تقييم الحديث، لقاسم أحمد، مكتبة مدبولى الصغير بمصر، الطبعة الأولى ١٩٩٧م.\r٤٦- إعادة قراءة القرآن، لجاك بيرك، ترجمة وائل غالى شكرى، تقديم أحمد صبحى منصور، دار النديم للصحافة بمصر، الطبعة الأولى ١٩٩٦م.\r٤٧- الاعتبار فى الناسخ والمنسوخ من الآثار، للحازمى، تحقيق الدكتور عبد المعطى قلعجى، دار الوفاء بالمنصورة، الطبعة الثانية ١٤١٠هـ - ١٩٨٩م.\r٤٨- الاعتصام، للشاطبى، تحقيق محمود طعمة، دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r٤٩- الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب، والمستعربين، والمستشرقين، للزركلى، دار العلم بيروت، الطبعة السادسة ١٩٨٤م.\r٥٠- أعلام المسلمين بعصمة النبيين، لإسحاق بن عقيل المكى، دار ابن حزم بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ.\r٥١- أعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الأولى ١٣٧٤هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556297,"book_id":1504,"shamela_page_id":784,"part":null,"page_num":783,"sequence_num":784,"body":"٥٢- أعلام النبوة، للماوردي، تحقيق خالد العك، دار النفائس بيروت ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م.\r٥٣- أفعال الرسول ودلالتها علي الأحكام الشرعية، للدكتور عمر سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة بيروت ١٤٠٨هـ - ١٩٩٨م.\r٥٤- الإفصاح في إمامة علي بن أبي طالب، لمحمد بن النعمان العكبري، دار المنتصر بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.\r٥٥- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، تحقيق صلاح عويضة، مكتبة الإيمان بالمنصورة، الطبعة الأولي ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.\r٥٦- اكمال اكمال المعلم، شرح صحيح مسلم، لمحمد بن عمر الأبي، مطبعة السعادة بمصر ١٣٢٧هـ.\r٥٧- اكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، تحقيق الدكتور يحيي حبلوش، دار الوفاء بالمنصورة، الطبعة الأولي ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م.\r٥٨- الإمام الشافعي وتأسيس الأيدلوجية الوسطية، لنصر أبو زيد، مكتبة مدبولي الصغير بمصر، الطبعة الثانية ١٩٩٦م.\r٥٩- إمتاع الأسماع بما للنبي صلي الله عليه وسلم من الأبناء والأموال والخدمة للمقريزي، تحقيق محمد القيسي، دار الثقافة ١٤٠١هـ.\r٦٠- إنباه الرواة علي أنباه النحاة، للقفطي الوزير، تحقيق محمد إبراهيم، دار الكتب المصرية، الطبعة الأولي ١٩٥٥م.\r٦١- الأنبياء في القرآن دراسة تحليلية، لأحمد صبحي منصور، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.\r٦٢- إنذار من السماء، لنيازي عز الدين، الأهالي للطباعة بيروت، الطبعة الأولي ١٩٩٦م.\r٦٣- الأنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، لابن المنير، مطبعة مصطفي الحلبي بمصر ١٣٨٥هـ.\r٦٤- أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لعبد الله بن عمر البيضاوي، دار الفكر ١٤٠٢هـ.\r٦٥- الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء علي السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، لعبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني، المكتبة السلفية بمصر ١٣٧٨هـ.\r٦٦- أهل السنة شعب الله المختار، لصالح الورداني، كنوته للطباعة، الطبعة الأولي ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.\r(ب)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556298,"book_id":1504,"shamela_page_id":785,"part":null,"page_num":784,"sequence_num":785,"body":"٦٧- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، لابن كثير، تأليف أحمد محمد شاكر، دار التراث بمصر، الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ - ١٩٨٩م.\r٦٨- الباهر فى حكم النبى ﷺ بالباطن والظاهر، للسيوطى، تحقيق الدكتور محمد خيرى، دار السلام بمصر، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.\r٦٩- البحر المحيط فى أصول الفقه، للزركشى، تحقيق الدكتور عمر سليمان الأشقر وغيره، دار الصفوة بالغردقة، الطبعة الثانية ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م.\r٧٠- البحر المحيط فى تفسير القرآن الكريم، لأبى حيان الأندلسى، دار الفكر بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ.\r٧١- البداية والنهاية فى التاريخ، لابن كثير، تحقيق الدكتور أحمد أبو ملحم وغيره، دار الريان للتراث، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.\r٧٢- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للشوكانى، دار المعرفة بيروت، بدون تاريخ.\r٧٣- البرهان فى أصول الفقه، للجوينى، تحقيق صلاح محمد عويضة، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r٧٤- البرهان فى علوم القرآن، للزركشى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابى الحلبى بمصر، الطبعة الأولى ١٣٧٦هـ.\r٧٥- بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز، للفيروز آبادى، طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر.\r٧٦- بغية الوعاة، للسيوطى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى الحلبى بمصر، الطبعة الأولى ١٣٨٤هـ - ١٩٦٤م.\r٧٧- بلوغ اليقين بتصحيح مفهوم ملك اليمن، لإسماعيل منصور جودة، خال من مكان الطبع، بتاريخ ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r٧٨- البيان بالقرآن، لمصطفى كمال المهدوى، دار الآفاق الجديدة بليبيا، الطبعة الأولى ١٩٩٠م.\r(ت)\r٧٩- تاج العروس فى جواهر القاموس، للزبيدى، المطبعة الخيرية بمصر، الطبعة الأولى ١٣٠٦هـ.\r٨٠- تاريخ الأدب العربى، لكارل بروكلمان، ترجمة عبد الحليم النجار، دار المعارف بمصر، الطبعة الثالثة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556299,"book_id":1504,"shamela_page_id":786,"part":null,"page_num":785,"sequence_num":786,"body":"٨١- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبى، تحقيق الدكتور عمر التدمرى، دار الكتاب العربى بيروت ١٩٩٠م.\r٨٢- تاريخ الإسلام الثقافى والسياسى، لصائب عبد الحميد، مركز الغدير للدراسات بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٧م.\r٨٣- تاريخ أسماء الثقات ممن نقل عنهم العلم، لابن شاهين، تحقيق الدكتور عبد المعطى أمين قلعجى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.\r٨٤- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادى، مطبعة السعادة، الطبعة الأولى ١٣٤٩هـ - ١٩٣٠م.\r٨٥- تاريخ الثقات، للعجلى، بترتيب الحافظ الهيثمى، وتضمينات، الحافظ ابن حجر، تحقيق الدكتور عبد المعطى قلعجى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤م.\r٨٦- تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده، لمحمد رشيد رضا، مطبعة المنار بمصر، الطبعة الأولى ١٣٥٠هـ - ١٩٣١م.\r٨٧- تاريخ الشعوب الإسلامية، لكارل بروكلمان، دار العلم بيروت، الطبعة السادسة.\r٨٨- تاريخ الصحابة الذين روى عنهم الأخبار، لابن حبان، تحقيق بوران الضناوى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.\r٨٩- تاريخ الطبرى، لمحمد بن جرير الطبرى، تحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر ١٩٧٩م.\r٩٠- تاريخ العرب، لفيليب حتى، دار الكشاف، الطبعة الثالثة ١٩٦١م.\r٩١- تأملات فى الحديث عند السنة والشيعة، لزكريا عباس داود، دار النخيل بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.\r٩٢- تأملات فى الصحيحين، لمحمد صادق النجمى، دار العلوم، الطبعة الأولى ١٩٨٨م.\r٩٣- تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، تحقيق محمد عبد الرحيم، دار الفكر بيروت١٤١٥هـ - ١٩٩٥م.\r٩٤- تبصير الأمة بحقيقة السنة، لإسماعيل منصور جودة، خال من مكان الطبع ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.\r٩٥- تجريد أسماء الصحابة، للذهبى، دار المعرفة بيروت، بدون تاريخ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556300,"book_id":1504,"shamela_page_id":787,"part":null,"page_num":786,"sequence_num":787,"body":"٩٦- تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها، لسليمان الندوى، ترجمها الشيخ عبد الوهاب الدهلوى، المطبعة السلفية بمصر، الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ.\r٩٧- التحرير فى أصول الفقه، لمحمد بن الهمام، مطبعة مصطفى الحلبى بمصر ١٣٥٠هـ.\r٩٨- تدريب الراوى شرح تقريب النواوى، للسيوطى، تحقيق الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م.\r٩٩- تذكرة الحفاظ، للذهبى، تصحيح عبد الرحمن المعلمى اليمانى، حيدر آباد الدكن بالهند، الطبعة الأولى ١٣٩٥هـ - ١٩٧٥م.\r١٠٠- تراث الإسلام، لجوزيف شاخت، ترجمة حسين مؤنس، مطبعة إحسان صدقى.\r١٠١- التعريفات، للجرجانى، تحقيق إبراهيم الإبيارى، دار الريان للتراث، بدون تاريخ.\r١٠٢- التعليق المغنى على الدارقطنى، للعظيم آبادى، تحقيق السيد عبد الله هاشم يمانى، دار المحاسن للطباعة بمصر ١٣٨٦هـ.\r١٠٣- تفسير ابن أبى حاتم، تحقيق أسعد محمد الطيب، مطبعة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.\r١٠٤- تفسير التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية ١٩٨٤م.\r١٠٥- تفسير جزء عم، لمحمد عبده، المطبعة الأميرية، الطبعة الأولى ١٣٢٢هـ.\r١٠٦- تفسير الجلالين، لجلال الدين المحلى، وجلال الدين السيوطى، مطبعة مصطفى البابى الحلبى.\r١٠٧- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق عبد العزيز غنيم وغيره، مطبعة دار الشعب بمصر بدون تاريخ.\r١٠٨- تفسير القيم، لابن قيم الجوزية، جمع محمد أويس الندوى، تحقيق محمد حامد الفقى، دار الكتب العلمية بيروت ١٣٩٨هـ.\r١٠٧- التفسير الكبير، (المسمى مفاتيح الغيب) للفخر الرازى، دار إحياء التراث العربى بيروت.\r١٠٨- تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، دار المنار بمصر، الطبعة الثالثة ١٩٦٧م.\r١٠٩- التفسير والمفسرون، للدكتور محمد حسين الذهبى، دار الكتب الحديثة بمصر الطبعة الأولى ١٣٦١هـ.\r١١٠- تفسير الوسيط، للدكتور محمد سيد طنطاوى، دار المعارف بمصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556301,"book_id":1504,"shamela_page_id":788,"part":null,"page_num":787,"sequence_num":788,"body":"١١١- تقرير الاستناد فى تفسير الاجتهاد، للسيوطى، تحقيق الدكتور فؤاد عبد المنعم، دار الدعوة بالإسكندرية، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.\r١١٢- التقرير والتحبير، لابن أمير الحاج، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.\r١١٣- تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلانى، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.\r١١٤- تلخيص الحبير فى تخريج أحاديث الرافعى الكبير، لابن حجر العسقلانى، تحقيق عادل عبد الموجود، وعلى معوض، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م.\r١١٥- تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء، لعلى بن أحمد السبتى، تحقيق الدكتور محمد رضوان الداية، دار الفكر بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١هـ - ١٩٩٠م.\r١١٦- تنزيه الأنبياء، لعلى بن الحسين الموسوى، قم، إيران، بدون تاريخ.\r١١٧- تهذيب الأسماء واللغات، للنووى، المطبعة المنيرية بمصر ١٩٢٧م.\r١١٨- تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلانى، حيدر أباد الدكن بالهند ١٩٠٧م.\r١١٩- تهذيب الكمال فى أسماء الرجال، للمزى، تحقيق شعيب الأرنؤوط، والدكتور بشار عواد، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.\r١٢٠- توضيح الأفكار لمعانى تنقيح الأنظار، للأمير الصنعانى، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، مكتبة الخانجى، الطبعة الأولى ١٣٦٦هـ.\r١٢١- تيسير التحرير شرح كتاب التحرير، لابن الهمام، للأمير بادشاه الحنفى، مطبعة عيسى الحلبى بمصر، ١٣٥٠هـ.\r١٢٢- تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير، للدكتور مروان محمد شاهين، مكتب فوزى الشيمى للطباعة بطنطا، بيروت تاريخ.\r(ث)\r١٢٣- الثقات، لابن حبان البستى، حيدر أباد الدكن بالهند، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م.\r(ج)\r١٢٤- جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، المطبعة المنيرية ١٩٧٨، تصوير دار الكتب العلمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556302,"book_id":1504,"shamela_page_id":789,"part":null,"page_num":788,"sequence_num":789,"body":"١٢٥- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، مطبعة مصطفي البابي الحلبي بمصر، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ.\r١٢٦- الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، للسيوطي، مطبعة مصطفي البابي الحلبي بمصر، الطبعة الخامسة.\r١٢٧- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، تصحيح أحمد عبد العليم، الطبعة الثانية ١٩٥٢م.\r١٢٨- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي، تحقيق محمد رأفت سعيد، مطبعة الفلاح بدون تاريخ.\r١٢٩- الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي، حيدر آباد الدكن بالهند، الطبعة الأولي ١٣٧١هـ - ١٩٥١م، تصوير دار الكتب العلمية بيروت.\r١٣٠- جمع الجوامع بحاشية البناني، للسبكي، مطبعة عيسي البابي الحلبي بمصر.\r١٣١- الجمع بين رجال الصحيحين، لابن طاهر المقدسي، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولي ١٣٢٣هـ - ١٩٠٥م.\r(ح)\r١٣٢- حاشية البدر الساري إلي فيض الباري، لمحمد بدر، دار المعرفة بيروت.\r١٣٣- حجية السنة، للدكتور عبد الغني عبد الخالق، دار الوفاء بالمنصورة، الطبعة الثانية ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.\r١٣٤- حد الردة دراسة أصولية تاريخية، لأحمد صبحي منصور، دار طيبة بمصر.\r١٣٥- الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام، للألباني، مطعبة الدار السلفية، الطبعة الثالثة ١٤٠٠هـ.\r١٣٦- الحسبة دراسة أصولية تاريخية، لأحمد صبحي منصور، مركز المحروسة للنشر بمصر، الطبعة الأولي ١٩٩٥م.\r١٣٧- حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، للسيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسي البابي الحلبي بمصر، الطبعة الأولي ١٣٨٧هـ - ١٩٦٨م.\r١٣٨- حصاد العقل، لمحمد سعيد العشماوي، مكتبة مدبولي الصغير ١٩٩٢م.\r١٣٩- حضارة العرب، لجوستاف لبون، ترجمة محمد عادل زعيتر، مطبعة عيسي البابي الحلبي ١٣٦٤هـ - ١٩٤٥م.\r١٤٠- حقائق ثابتة في الإسلام، لابن الخطيب، مطبعة الأفق بطهران ١٣٩٤هـ - ١٩٧٤م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556303,"book_id":1504,"shamela_page_id":790,"part":null,"page_num":789,"sequence_num":790,"body":"١٤١- حقوق النبى ﷺ على أمته، للدكتور محمد خليفة التميمى، دار الفتح بالشارقة، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r١٤٢- حقيقة الحجاب وحجية الحديث، لمحمد سعيد العشماوى، مكتبة مدبولى الصغير بمصر، الطبعة الثانية ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م.\r١٤٣- حقيقة السنة النبوية، لأحمد حجازى السقا، مكتبة الكليات الأزهرية بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.\r١٤٤- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبى نعيم الأصفهانى، مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الأولى ١٣٥٧هـ - ١٩٣٨، تصوير دار الكتب العلمية.\r١٤٥- حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين، لهشام آل قطيط، دار المحجة البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٨م.\r١٤٦- حياة محمد، لدر منغم، ترجمة عادل زعيتر، مطعبة عيسى البابى الحلبى، الطبعة الثانية ١٣٦٨هـ - ١٩٤٩م.\r١٤٧- حياة محمد، للدكتور محمد حسين هيكل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثالثة ١٩٩٦م.\r(خ)\r١٤٨- الخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة، لصالح الوردانى، دار الخليج، الطبعة الثانية ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م.\r١٤٩- الخصائص الكبرى، للسيوطى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.\r١٥٠- الخطوط الطويلة أو دفاع عن السنة المحمدية، لمحمد على الهاشمى، مراجعة وتعليق مرتضى الرضوى، دار الأمير بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٧م.\r١٥١- خواطر دينية، لعبد الله محمد الصديق، مكتبة القاهرة بمصر، الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م.\r١٥٢- خلاصة تهذيب الكمال، للخزرجى، مطبعة بولاق بمصر ١٣٠١هـ.\r(د)\r١٥٣- دائرة المعارف الإسلامية، نقلها للعربية أحمد الشنتناوى وغيره، دار المعرفة بيروت ١٩٥٧م.\r١٥٤- الدر المنثور فى التفسير بالمأثور، للسيوطى، طبعة القاهرة، تصوير دار المعرفة بيروت.\r١٥٥- دراسات أصولية فى السنة النبوية، للدكتور محمد الحفناوى، دار الوفاء بالمنصورة، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ - ١٩٩١م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556304,"book_id":1504,"shamela_page_id":791,"part":null,"page_num":790,"sequence_num":791,"body":"١٥٦- دراسات فى السنة، للدكتور محمد المنسى، مكتبة الشباب بالمنيرة مصر ١٩٩٦م.\r١٥٧- دراسات فى السيرة وعلوم السنة، للدكتور موسى لاشين، مطبعة الفجر الجديد.\r١٥٨- دراسة الكتب المقدسة فى ضوء المعارف الحديثة، لموريس بوكاى، مكتبة مدبولى الكبير بمصر، الطبعة الأولى ١٩٩٦م.\r١٥٩- الدرر فى اختصار المغازى والسير، لابن عبد البر، تحقيق الدكتور شوقى ضيف، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.\r١٦٠- الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلانى، حيدر أباد الدكن بالهند، الطبعة الأولى ١٣٤٩هـ - ١٩٣٠م.\r١٦١- دستور الأخلاق فى القرآن، للدكتور محمد دراز، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٢هـ.\r١٦٢- دفاع عن الحديث والمحدثين وتفنيد شبهات خصومه، لجماعة من العلماء، تصحيح زكريا على يوسف، توزيع مكتبة المتنبى بمصر ١٩٧٢م.\r١٦٣- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين، لصالح الوردانى، الناشر تريدنكو بيروت ١٩٩٧م.\r١٦٤- دفاع عن السنة، للدكتور محمد أبو شهبة، مكتبة السنة بمصر، الطبعة الأولى ١٩٨٩م.\r١٦٥- دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى، لأحمد حجازى السقا، مكتبة الكليات الأزهرية بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.\r١٦٦- دليل المسلم الحزين إلى مقتضى السلوك فى القرن العشرين، لحسين أحمد أمين، دار الشروق بمصر، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.\r١٦٧- الدولة والمجتمع، لمحمد شحرور، مطبعة الأهالى بيروت، الطبعة الرابعة ١٩٩٧م.\r١٦٨- دلائل النبوة، لأبى نعيم الأصبهانى، تحقيق الدكتور محمد رواس قلعجى وغيره، دار النفائس بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١٢هـ - ١٩٩١م.\r١٦٩- دلائل النبوة ومعرفة صاحب الشريعة، للبيهقى، تحقيق الدكتور عبد المعطى قلعجى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٩٧م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556305,"book_id":1504,"shamela_page_id":792,"part":null,"page_num":791,"sequence_num":792,"body":"١٧٠- دلائل القرآن المبين على أن النبى ﷺ أفضل العالمين، لعبد الله الصديق الغمارى، المكتبة المكية بالسعودية، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r١٧١- الديباج المذهب فى معرفة أعيان علماء المذهب المالكى، لابن فرحون المالكى، تحقيق مأمون محيى الدين، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.\r١٧٢- دين السلطان، لينازى عز الدين، دار الأهالى بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٧م.\r١٧٣- ديوان عبد الله بن رواحة، للدكتور وليد قصاب، دار العلوم، الطبعة الثانية ١٤٠٨هـ.\r(ر)\r١٧٤- الربا والفائدة فى الإسلام، للعشماوى، مكتبة مدبولى الصغير بمصر، الطبعة الأولى ١٩٩٦م.\r١٧٥- رجال صحيح البخارى، للكلاباذى، تحقيق عبد الله الليثى، دار المعرفة بيروت ١٩٨٧م.\r١٧٦- رجال صحيح مسلم، لابن منجويه، تحقيق عبد الله الليثى، دار المعرفة بيروت ١٩٨٧م.\r١٧٧- الرسل والرسالات، للدكتور عمر سليمان الأشقر، دار الفلاح، بالكويت.\r١٧٨- الرسالة، للإمام الشافعى، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الفكر بيروت، ١٣٠٩هـ.\r١٧٩- الرسالة المحمدية، لسليمان الندوى، الدار السعودية، بجدة، الطبعة الثانية ١٩٨٤م.\r١٨٠- الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة، للكتانى، تحقيق محمد المنتصر، دار البشائر بيروت ١٩٨٦م.\r١٨١- الرسول فى كتابات المستشرقين، لنذير حمدان، مطبوعات رابطة العالم الإسلامى بجدة.\r١٨٢- رشاد خليفة صنيعة الصليبية العالمية، وأخطر من سلمان رشدى، للدكتور خالد نعيم، مطبعة المختار الإسلامية، بدون تاريخ.\r١٨٣- روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى، للألوسى، دار إحياء التراث العربى بيروت.\r١٨٤- الروض الأنف فى تفسير السيرة النبوية لابن هشام، للسهيلى، دارالمعرفة بيروت ١٣٩٨هـ.\r١٨٥- الروضة الندية شرح الدرر البهية، للقنوجى، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار التراث بمصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556306,"book_id":1504,"shamela_page_id":793,"part":null,"page_num":792,"sequence_num":793,"body":"١٨٦- الرياض المستطابة فى جملة من روى فى الصحيحين من الصحابة، ليحيى العامرى اليمنى، تصحيح عمر أبو حجلة، مكتبة المعارف بيروت ١٩٨٣م.\r(ز)\r١٨٧- زاد المعاد فى هدى خير العباد، لابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرنؤوط وغيره، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م.\r(س)\r١٨٨- سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، للأمير الصنعانى، تحقيق إبراهيم عصر، دار الحديث بمصر، بدون تاريخ.\r١٨٩- سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد، لمحمد بن يوسف الصالحى الشامى، مطابع الأهرام التجارية ١٤٠٤هـ.\r١٩٠- السحر والسحرة والوقاية من الفجرة، لتاج الدين نوفل، مكتبة التراث الإسلامى بمصر.\r١٩١- السلطة فى الإسلام، لعبد الجواد ياسين، الدار البيضاء، بالمغرب، الطبعة الأولى ١٩٩٨م.\r١٩٢- سنن أبى داود، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية بيروت.\r١٩٣- سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى، عيسى البابى الحلبى بمصر ١٩٥٤م.\r١٩٤- سنن الترمذى، تحقيق أحمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقى وغيرهما، عيسى البابى الحلبى بمصر ١٣٨٥هـ نشر وتصوير دار الحديث.\r١٩٥- سنن الدارقطنى، تحقيق السيد عبد الله هاشم يمانى، دار المحاسن بمصر، الطبعة الأولى ١٣٨٦هـ - ١٩٦٦م.\r١٩٦- سنن الدارمى، تحقيق فواز أحمد زمرلى، وخالد العلمى، دار الريان بمصر، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.\r١٩٧- السنن الكبرى، للبيهقى، دار المعارف العثمانية، الطبعة الأولى ١٣٤٤هـ - ١٩٢٥م.\r١٩٨- السنن الكبرى، للنسائى، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البندارى وغيره، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١هـ - ١٩٩١م.\r١٩٩- سنن النسائى، (المجتبى) تحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.\r٢٠٠- السنة، لابن أبى عاصم، تحقيق ناصر الدين الألبانى، المكتب الإسلامى، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556307,"book_id":1504,"shamela_page_id":794,"part":null,"page_num":793,"sequence_num":794,"body":"٢٠١- السنة بياناً للقرآن، للدكتور إبراهيم الخولى، الشركة العربية للطباعة ١٩٩٣م.\r٢٠٢- السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث، للشيخ محمد الغزالى، دار الشروق بمصر ١٩٨٩م.\r٢٠٣- السنة بين دعاة الفتنة وأدعياء العلم، للدكتور عبد الموجود عبد اللطيف، دار الطباعة المحمدية بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.\r٢٠٤- السنة تشريع لازم ودائم، للدكتور فتحى عبد الكريم، مكتبة وهبة بمصر ١٩٨٥م.\r٢٠٥- السنة فى مواجهة أعدائها، للدكتور طه حبيشى، مكتبة رشوان بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.\r٢٠٦- السنة مصدر للمعرفة والحضارة، للدكتور يوسف القرضاوى، دار الشروق بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.\r٢٠٧- السنة المفترى عليها، للمستشار سالم البهنساوى، دار الوفاء بالمنصورة ١٩٩٢م.\r٢٠٨- السنة النبوية - مكانتها - عوامل بقائها - تدوينها، للدكتور عبد المهدى عبد القادر، دار الاعتصام بمصر.\r٢٠٩- السنة والتشريع، للدكتور موسى شاهين لاشين، هدية مجلة الأزهر الشريف ١٤١١هـ.\r٢١٠- السنة ودورها فى الفقه الجديد، لجمال البنا، دار الفكر بمصر، ١٩٩٧.\r٢١١- سير أعلام النبلاء، للذهبى، تحقيق شعيب الأرنؤوط وغيره، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الثامنة، ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.\r٢١٢- سيرة المصطفى، نظرة جديدة، لهاشم معروف، دار التعارف بيروت ١٩٩٦م.\r٢١٣- السيرة النبوية، لابن هشام، تحقيق الدكتور فتحى أنور، ومجدى فتحى، دار الصحابة بطنطا، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.\r٢١٤- سيرة الرسول صورة مقتبسة من القرآن الكريم، للأستاذ محمد عزة دروزة، مطابع الدوحة الحديثة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٠هـ.\r٢١٥- سيرة الرسول فى تصورات الغربيين، للدكتور محمد حمدى زقزوق، مكتبة وهبة بمصر، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.\r٢١٦- السيرة النبوية فى ضوء الكتاب والسنة، للدكتور محمد أبو شهبة، دار القلم بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م. س","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556308,"book_id":1504,"shamela_page_id":795,"part":null,"page_num":794,"sequence_num":795,"body":"٢١٧- السيرة النبوية فى ضوء الكتاب والسنة، للدكتور عبد المهدى عبد القادر، دار المجد للطباعة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.\r(ش)\r٢١٨- شجرة النور الزكية فى طبقات المالكية، للشيخ محمد محمد مخلوف، دار الفكر.\r٢١٩- شذرات الذهب فى أخبار من ذهب، لابن العماد، مكتبة القدسى بمصر، الطبعة الأولى ١٣٧١هـ - ١٩٥١م.\r٢٢٠- شرح الأصول الخمسة، للقاضى عبد الجبار، تحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة بمصر، الطبعة الثالثة ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م.\r٢٢١- شرح ألفية العراقى المسماة التبصرة والتذكرة، للعراقى، دار الكتب العلمية بيروت.\r٢٢٢- شرح الخريدة البهية، للدردير مع حاشية الصاوى على شرح الخريدة، مطبعة الاستقامة بمصر.\r٢٢٣- شرح الزرقانى على الموطأ، لمحمد الزرقانى، دار الفكر بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٦م.\r٢٢٤- شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، للقسطلانى، لمحمد الزرقانى، دار الكتب العلمية ١٩٩٦م.\r٢٢٥- شرح السنة، للبغوى، تحقيق زهير الشاويش وغيره، المكتب الإسلامى بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.\r٢٢٦- شرح الشفا، لعلى القارى، مكتبة المشهد الحسينى، بمصر بدون تاريخ.\r٢٢٧- شرح المقاصد، لسعد الدين التفتازانى، طبعة تركيا ١٢٧٧هـ.\r٢٢٨- شرح المواقف، للجرجانى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ.\r٢٢٩- شعب الإيمان، للبيهقى، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٠هـ.\r٢٣٠- الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ، للقاضى عياض، دار الكتب العلمية بيروت.\r٢٣١- شفاء الصدر بنفى عذاب القبر، لإسماعيل منصور جودة، خال من مكان الطبع ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.\r٢٣٢- الشمائل المحمدية، للترمذى، تعليق محمد عفيفى الزعبى، دار المطبوعات الحديثة بالسعودية، الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ - ١٩٨٨م.\r٢٣٣- شيخ المضيرة (أبو هريرة) ، لمحمود أبو ريه، مؤسسة الأعلمى بيروت ١٤١٣هـ.\r٢٣٤- الشيعة فى عقائدهم وأحكامهم، لأمير القزوينى، دار الزهراء بيروت ١٣٩٧هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556309,"book_id":1504,"shamela_page_id":796,"part":null,"page_num":795,"sequence_num":796,"body":"٢٣٥- الشيعة هم أهل السنة، للدكتور محمد السماوى، مؤسسة الفجر بلندن ١٤١٣هـ.\r(ص)\r٢٣٦- الصارم المسلول على شاتم الرسول، لابن تيمية، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، عالم الكتب بيروت، ١٩٨٢م.\r٢٣٧- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، للجوهرى، تحقيق أحمد العطار، مصر، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م.\r٢٣٨- صحيح ابن حبان، بترتيب الأمير ابن بلبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م.\r٢٣٩- صحيح ابن خزيمة، تحقيق محمد مصطفى الأعظمى، المكتب الإسلامى بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.\r٢٤٠- صحيح البخارى، مع (فتح البارى) تحقيق محب الدين الخطيب ومحمد فؤاد عبد الباقى، دار الريان بمصر، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م.\r٢٤١- صحيح مسلم، مع (المنهاج شرح مسلم) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى، دار الحديث بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.\r٢٤٢- الصمت وحفظ اللسان، لابن أبى الدنيا، تحقيق الدكتور محمد عاشور، دار الاعتصام، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.\r٢٤٣- صواعق الحق المرسلة على الجنيين والكهان والسحرة، لفريق من العلماء، إعداد عبد المجيد صالح، مطبعة العمرانية بمصر.\r٢٤٤- الصلاة، لمحمد نجيب، دائرة المعارف العلمية بمصر، بدون تاريخ.\r٢٤٥- الصلاة فى القرآن، لأحمد صبحى منصور، مخطوط.\r(ض)\r٢٤٦- الضعفاء، لأبى نعيم، تحقيق الدكتور فاروق حمادة، دار الثقافة بالمغرب، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤م.\r٢٤٧- الضعفاء الصغير، للبخارى، تحقيق إبراهيم زايد، دار الوعى بحلب ١٩٧٦م.\r٢٤٨- الضعفاء والمتروكين، للنسائى، تحقيق كمال يوسف الحوت وغيره، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.\r٢٤٩- الضعفاء والمتروكين، لابن الجوزى، تحقيق عبد الله القاضى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ - ١٩٨٤م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556310,"book_id":1504,"shamela_page_id":797,"part":null,"page_num":796,"sequence_num":797,"body":"٢٥٠- الضعفاء الكبير، للعقيلى، تحقيق الدكتور عبد المعطى قلعجى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م.\r٢٥١- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوى، مكتبة القدسى بمصر.\r٢٥٢- ضلالات منكرى السنة، للدكتور طه حبيشى، مكتبة رشوان بمصر ١٩٩٦م.\r(ط)\r٢٥٣- الطب النبوى والعلم الحديث، للدكتور محمود النسيمى، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الرابعة ١٤١٧هـ.\r٢٥٤- طبقات الحفاظ، للسيوطى، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى ١٩٨٣م.\r٢٥٥- طبقات الشافعية، لابن هداية، تحقيق عادل نويهض، دار الآفاق بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩١هـ - ١٩٧١م.\r٢٥٦- طبقات الشافعية الكبرى، للسبكى، تحقيق محمود الطناحى وغيره، مطبعة عيسى الحلبى بمصر، الطبعة الأولى ١٣٨٣هـ - ١٩٦٤م.\r٢٥٧- طبقات علماء الحديث، لمحمد بن عبد الهادى، تحقيق أكرم البوشى، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.\r٢٥٨- طبقات الفقهاء، للشيرازى، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار الرائد العربى بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠١هـ - ١٩٨١م.\r٢٥٩- طبقات الفقهاء الشافعيين، لابن كثير، تحقيق الدكتور أحمد عمر هاشم، والدكتور زينهم عزب، المكتبة الثقافية بمصر ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.\r٢٦٠- طبقات القراء، لمحمد بن الجزرى، مطبعة السعادة بمصر ١٩٣٢م.\r٢٦١- طبقات القراء، للحافظ الذهبى، تحقيق الدكتور بشار عواد وغيره، مؤسسة الرسالة بيروت ١٩٨٢م.\r٢٦٢- الطبقات الكبرى، لابن سعد، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.\r٢٦٣- طبقات المعتزلة، لابن المرتضى، تحقيق سوسنة ديفلد، دار المنتظر بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٩هـ - ١٩٨٨م.\r٢٦٤- طبقات المفسرين، للداودى، دار الكتب العلمية بيروت، بدون تاريخ.\r٢٦٥- طبقات المفسرين، للسيوطى، دار الكتب العلمية بيروت، بدون تاريخ.\r٢٦٦- طبقات النحاة واللغويين، لابن قاضى شهبة، طبعة النجف ١٩٧٤م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556311,"book_id":1504,"shamela_page_id":798,"part":null,"page_num":797,"sequence_num":798,"body":"٢٦٧- طرح التثريب فى شرح التقريب، للعراقى وولده أبى زرعة، دار إحياء التراث العربى بيروت.\r(ظ)\r٢٦٨- الظاهرة القرآنية، لمالك بن نبى، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار المعرفة بمصر ١٩٥٨م.\r٢٦٩- ظلمات أبى ريه أمام أضواء السنة، لمحمد عبد الرازق حمزة، المطبعة السلفية بمصر ١٣٧٩هـ.\r(ع)\r٢٧٠- العبر فى خبر من غبر، للذهبى، تحقيق محمد السعيد بسيونى، زغلول دار الكتب العلمية بيروت.\r٢٧١- عذاب القبر والثعبان الأقرع، لأحمد صبحى منصور، دار طيبة للدراسات بمصر.\r٢٧٢- العصريون معتزلة اليوم، ليوسف كمال، دار الوفاء بالمنصورة ١٩٨٦م.\r٢٧٣- العصمة، بحث تحليلى فى ضوء المنهج القرآنى، لمحمد القاضى، مؤسسة الثقليين بيروت ١٩٩٧م.\r٢٧٤- عصمة الأنبياء، لفخر الدين الرازى، مطبعة الشهيد، قم بإيران، ١٤٠٦هـ.\r٢٧٥- عصمة الأنبياء فى الكتاب والسنة والرد على الشبهات الواردة عليها، لمحمد الخضر الناجى، خال من مكان الطبع وتاريخه.\r٢٧٦- عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، للدكتور محمد أبو النور الحديدى، مطبعة الأمانة بمصر، بدون تاريخ.\r٢٧٧- العقيدة والشريعة فى الإسلام، لجولدتسيهر، ترجمة على حسن عبد القادر وغيره، دار الكتب الحديثة بمصر.\r٢٧٨- علم الفقه، للدكتور عبد المنعم النمر، مطبعة الخلود بغداد ١٩٩٠م.\r٢٧٩- عمدة القارى شرح صحيح البخارى، للعينى، مطبعة مصطفى الحلبى بمصر ١٣٩٢هـ.\r٢٨٠- عون المعبود شرح سنن أبى داود، للعظيم آبادى، تحقيق عبد الرحمن عثمان، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ١٣٨٩هـ.\r٢٨١- عيون الأثر فى فنون المغازى والشمائل والسير، لابن سيد الناس، دار المعرفة بيروت.\r(غ)\r٢٨٢- غريب الحديث، لأبى عبيد القاسم الهروى، دائرة المعارف العثمانية بالهند ١٣٨٤هـ.\r(ف)\r٢٨٣- الفائق فى غريب الحديث، للزمخشرى، تحقيق على محمد البجاوى، مطبعة عيسى البابى الحلبى بمصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556312,"book_id":1504,"shamela_page_id":799,"part":null,"page_num":798,"sequence_num":799,"body":"٢٨٤- فتح القدير الجامع بين فنى الرواية والدراية من علم التفسير، للشوكانى، مطبعة عيسى البابى الحلبى ١٩٦٣م.\r٢٨٥- فتح البارى بشرح صحيح البخارى، لابن حجر العسقلانى، تحقيق محب الدين الخطيب، ومحمد فؤاد عبد الباقى، دار الريان بمصر ١٩٨٦م.\r٢٨٦- فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للعراقى، تحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة السنة بمصر ١٩٨٨م.\r٢٨٧- فتح المغيث شرح ألفية الحديث، للعراقى، شرح السخاوى، تحقيق صلاح محمد عويضة، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م.\r٢٨٨- الفرق بين الفرق، لعبد القادر البغدادى، تحقيق إبراهيم رمضان، دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.\r٢٨٩- الفرقان، لابن الخطيب، الدار المصرية بمصر، الطبعة الأولى ١٣٦٧هـ - ١٩٤٨م.\r٢٩٠- الفصل فى الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الظاهرى، مكتبة الخانجى، بمصر.\r٢٩١- الفقه الإسلامى، مرونته وتطوره، لجاد الحق على جاد الحق، طبعة الأمانة العامة للدعوة بالأزهر الشريف.\r٢٩٢- فقه السنة، للشيخ السيد سابق، دار القبلة بجدة.\r٢٩٣- فقه السيرة النبوية، للدكتور محمد رمضان البوطى، دار السلام بمصر الطبعة الأولى ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م.\r٢٩٤- فقه السيرة النبوية، لمحمد الغزالى، دار الريان بمصر، الطبعة الأولى ١٩٨٧م.\r٢٩٥- الفصول الزكية فى سيرة خير البرية، للدكتور عبد الموجود عبد اللطيف، دار ابن لقمان بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٨م.\r٢٩٦- الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادى، تحقيق عادل يوسف العزازى، دار ابن الجوزى بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.\r٢٩٧- الفكر الإسلامى نقد واجتهاد، لمحمد أركون، ترجمة هاشم صالح، دار الساقى بيروت، ١٩٩٨م.\r٢٩٨- فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، لعبد العلى محمد بن نظام، بهامش المستصفى، المطبعة الأميرية ببولاق ١٣٢٢هـ.\r٢٩٩- فيض البارى على صحيح البخارى، للكشميرى، دار المعرفة بيروت، بدون تاريخ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556313,"book_id":1504,"shamela_page_id":800,"part":null,"page_num":799,"sequence_num":800,"body":"٣٠٠- فيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المناوى، دار المعرفة بيروت ١٩٧٢م.\r٣٠١- فى ظلال القرآن، للسيد قطب، دار الشروق بيروت، الطبعة العاشرة ١٤٠٢هـ.\r(ق)\r٣٠٢- القاموس المحيط، للفيروز آبادى، المطبعة الأميرية، الطبعة الثالثة ١٣٠١هـ.\r٣٠٣- قراءة فى صحيح البخارى، لأحمد صبحى منصور، مخطوط.\r٣٠٤- القرآن والحديث والإسلام، لرشاد خليفة، مخطوط.\r٣٠٥- قرآن أم حديث، لرشاد خليفة، خال من مكان الطبع وتاريخه.\r٣٠٦- القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، للدكتور خادم حسين إلهى بخش، مكتبة الصديق بجدة، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.\r٣٠٧- قصة الحديث المحمدية، لمحمود أبو ريه، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٦م.\r٣٠٨- قواعد فى علوم الحديث، للتهانوى، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، دار السلام بمصر.\r(ك)\r٣٠٩- الكاشف فى معرفة من له رواية فى الكتب الستة، للحافظ الذهبى، تحقيق محمد عوامة وغيره، دار القبلة بجدة، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م.\r٣١٠- الكامل فى ضعفاء الرجال، للحافظ ابن عدى، تحقيق الدكتور سهيل زكار، دار الفكر بيروت ١٩٨٨م.\r٣١١- الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، لمحمد شحرور، شركة المطبوعات بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.\r٣١٢- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل، للزمخشرى، المكتبة التجارية بمصر، الطبعة الأولى ١٣٥٤هـ.\r٣١٣- كشف الأستار عن زوائد البزار، للهيثمى، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمى، مؤسسة الرسالة ١٩٧٩م.\r٣١٤- كشف الخفاء ومزيل الألباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، لمحمد العجلونى، تحقيق محمد الخالدى، دار الكتب العلمية بيروت ١٩٩٧م.\r٣١٥- الكفاية فى علم الرواية، للخطيب البغدادى، تحقيق محمد الحافظ التيجانى وغيره، دار ابن تيميه بمصر ١٩٩٠م.\r٣١٦- كيف نتعامل مع السنة، للدكتور يوسف القرضاوى، دار الوفاء بالمنصورة، ١٩٩٤م.\r(ل)\r٣١٧- لسان العرب، لابن منظور، دار صادر بيروت، بدون تاريخ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556314,"book_id":1504,"shamela_page_id":801,"part":null,"page_num":800,"sequence_num":801,"body":"٣١٨- لسان الميزان، لابن حجر العسقلانى، تحقيق محمد المرعشلى، دار إحياء التراث العربى بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.\r٣١٩- لماذا القرآن، لعبد الله الخليفة = أحمد صبحى منصور، خال من مكان الطبع وتاريخه.\r(م)\r٣٢٠- المجددون فى الإسلام، من القرن الأول إلى الرابع عشر، لعبد المتعال الصعيدى، مكتبة الآداب بمصر.\r٣٢٠- المجروحين من المحدثين والضعفاء المتروكين، لابن حبان، تحقيق محمود زايد، دار الوعى بحلب، الطبعة الأولى ١٣٩٦هـ - ١٩٧٦م.\r٣٢١- مجلة أكتوبر، العدد ١٢٤٢ بتاريخ ١٣/٨/٢٠٠٠.\r٣٢٢- مجلة روز اليوسف، الأعداد ٣٥٥٩ - ٣٥٦٣ - ٣٥٦٤، مطابع الأهرام بمصر.\r٣٢٣- مجلة المسلم المعاصر، العدد الافتتاحى.\r٣٢٤- مجلة المنار، لمحمد رشيد رضا، مطبعة المنار.\r٣٢٥- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمى، دار الكتاب العربى بيروت ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م.\r٣٢٦- مجموع الفتاوى، لابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن النجدى، السعودية ١٤٠٤هـ.\r٣٢٧- مجموعة الحديث الصديقية، لآل الصديق الغمارى، مكتبة القاهرة بمصر.\r٣٢٨- محاسن التأويل، لجمال الدين القاسمى، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى، دار إحياء الكتب العربية ١٩٥٧م.\r٣٢٩- محبة النبى ﷺ وطاعته بين الإنسان والجماد، للدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر، دار القلم بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.\r٣٣٠- محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، من العلماء والحكماء والمتكلمين، لفخر الدين الرازى، تحقيق طه عبد الرؤوف، مكتبة الكليات الأزهرية بمصر.\r٣٣١- المحصول فى أصول الفقه، لفخر الدين الرازى، دار الكتب العلمية بيروت ١٩٨٨م.\r٣٣٢- المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ، لمحمد المقدسى، تحقيق أحمد الكويتى، مؤسسة قرطبة بمصر، الطبعة الثالثة ١٩٩٠م.\r٣٣٣- محمد رسول الله ﷺ، للشيخ محمد الصادق عرجون، دار القلم بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556315,"book_id":1504,"shamela_page_id":802,"part":null,"page_num":801,"sequence_num":802,"body":"٣٣٤- محمد رسول الله، لاتيين دينيه، ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود، دار المعارف، الطبعة الثالثة.\r٣٣٥- محمد عبده ومنهجه فى التفسير، للدكتور عبد الغفار عبد الحليم، دار الأنصار بمصر.\r٣٣٦- مختار الصحاح، لمحمد بن أبى بكر الرازى، بترتيب محمود خاطر، دار النهضة بمصر.\r٣٣٧- مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور، تحقيق روحية النحاس ومحمد مطيع، دار الفكر، الطبعة الأولى ١٩٨٤م.\r٣٣٨- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، تحقيق سيد إبراهيم، دار الحديث بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م.\r٣٣٩- المدخل إلى السنة النبوية، بحوث فى القضايا الإسلامية عن السنة، للدكتور عبد المهدى عبد القادر، دار الاعتصام بمصر ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م.\r٣٤٠- المدخل إلى السنن الكبرى، للبيهقى، تحقيق الدكتور محمد الأعظمى، دار الخلفاء.\r٣٤١- مذاهب التفسير الإسلامى، لجولدتسيهر، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار، مكتبة الخانجى بمصر ١٩٥٥م.\r٣٤٢- المراجعات، لعبد الحسين شرف الدين الموسوى، دار الأندلس بيروت، بدون تاريخ.\r٣٤٢- المراسيل، لأبى داود السجستانى، تحقيق كمال يوسف الحوت، دار الجنان بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.\r٣٤٤- مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، لعبد المؤمن البغدادى، تحقيق على البجاوى، دار المعرفة بيروت، ١٣٧٣هـ.\r٣٤٥- مروج الذهب ومعادن الجوهر، للمسعودى، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، دار المعرفة بيروت ١٣٦٨هـ - ١٩٤٨م.\r٣٤٦- مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة، لأحمد حسين يعقوب، الغدير بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r٣٤٧- المستدرك على الصحيحين، للحاكم، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١هـ - ١٩٩٠م.\r٣٤٨- المستشرقون الألمان - تراجمهم وما أسهموا به فى الدراسات العربية، جمع صلاح الدين منجد، دار الكتب الجديدة بيروت، الطبعة الثانية ١٩٨٢م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556316,"book_id":1504,"shamela_page_id":803,"part":null,"page_num":802,"sequence_num":803,"body":"٣٤٩- المستصفى من علم الأصول، للغزالى، المطبعة الأميرية بمصر ١٣٢٢هـ.\r٣٥٠- المسلم العاصى، هل يخرج من النار ليدخل الجنة، لأحمد صبحى منصور، القاهرة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.\r٣٥١- مسند أبى داود الطيالسى، لأبى داود، حيدر أباد الدكن بالهند ١٣٢١هـ - ١٩٠٣م.\r٣٥٢- مسند أبى يعلى الموصلى، لأبى يعلى، تحقيق حسين أسد، ودار المأمون ١٤١٥هـ - ١٩٩٠م.\r٣٥٣- مسند الإمام أحمد، لأحمد بن حنبل، المطبعة الميمنية بمصر ١٣١٣هـ - ١٨٩٥م.\r٣٥٤- مسند الحميدى، للحميدى، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمى، عالم الكتب بيروت.\r٣٥٥- مسند الإمام الشافعى، للشافعى، تحقيق سعيد محمد اللحام وغيره، دار الفكر بيروت ١٩٩٦م.\r٣٥٦- مسند الشاميين، للطبرانى، تحقيق حمدى عبد المجيد السلفى، مؤسسة الرسالة بيروت ١٤٠٥هـ.\r٣٥٧- مسند الشهاب، للقضاعى، تحقيق حمدى عبد المجيد السلفى، مؤسسة الرسالة بيروت ١٤٠٥هـ.\r٣٥٨-المسودة فى أصول الفقه، لآل تيميه، جمع شهاب الدين الحرانى، تحقيق محمد محيى الدين، دار الكتاب العربى بيروت.\r٣٥٩- مسيلمة فى مسجد توسان، للدكتور طه حبيشى، مكتبة رشوان بمصر.\r٣٦٠- مشاهير علماء الأمصار، لابن حبان، تحقيق مجدى الشورى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.\r٣٦١- مشروع التعليم والتسامح، لأحمد صبحى منصور وغيره، نشر دار ابن خلدون للدراسات بالمقطم مصر.\r٣٦٢- مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها، لعبد الله النجدى القصيمى، دار القلم بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\r٣٦٣- مصادر الشريعة الإسلامية مقارنة بالمصادر الدستورية، للمستشار على جريشة، مكتبة وهبة بمصر ١٩٧٩م.\r٣٦٤- مصباح المنير فى غريب الشرح الكبير، للرافعى، لأحمد الفيومى، صححه مصطفى السقا، مطبعة مصطفى البابى الحلبى بمصر ١٣٦٩هـ.\r٣٦٥- المصنف، لابن أبى شيبة، تصحيح عامر الأعظمى، حيدر أباد الدكن بالهند ١٩٦٦م.\r٣٦٦- المصنف، لعبد الرزاق، تحقيق حبيب الأعظمى، المجلس العلمى بالهند ١٩٧٠م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556317,"book_id":1504,"shamela_page_id":804,"part":null,"page_num":803,"sequence_num":804,"body":"٣٦٧- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر، تحقيق حبيب الأعظمى، دار عباس أحمد الباز.\r٣٦٨- مع الدكتور موسى الموسوى، فى كتابه الشيعة والتصحيح، للدكتور علاء الدين القزوينى، مركز الغدير قم بإيران، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م.\r٣٦٩- مع المفسرين والمستشرقين فى زواج النبى ﷺ بزينب بنت جحش، للدكتور زاهر الألمعى، مطبعة عيسى البابى الحلبى بمصر، الطبعة الثانية ١٣٩٦هـ.\r٣٧٠- معالم الإسلام، لمحمد سعيد العشماوى، طبعة القاهرة ١٩٨٩م.\r٣٧١- معالم السنن، للخطابى، تحقيق محمد حامد الفقى، مطبعة السنة المحمدية ١٣٦٨هـ.\r٣٧٢- معالم المدرستين، لمرتضى العسكرى، الدار العالمية بيروت، الطبعة الخامسة ١٩٩٣م.\r٣٧٣- المعتمد فى أصول الفقه، لأبى الحسين البصرى، دار الكتب العلمية بيروت.\r٣٧٤- المعجم الأوسط، للطبرانى، تحقيق طارق عوض وغيره، دار الحرمين بمصر ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م.\r٣٧٥- معجم البلدان، لياقوت الحموى، دار إحياء التراث العربى بيروت.\r٣٧٦- المعجم الصغير، للطبرانى، تحقيق محمد سمارة، دار إحياء التراث العربى ١٩٩٢م.\r٣٧٧- المعجم الكبير، للطبرانى، صدر منه ٢٥ جزء، وناقص أجزاء ١٥، ١٦، ٢١، تحقيق حمدى عبد المجيد السلفى، الدار العربية للطباعة ١٣٩٨هـ.\r٣٧٨- معجم ما ألف عن رسول الله ﷺ، لصلاح الدين المنجد، دار القاضى عياض بمصر، بدون تاريخ.\r٣٧٩- معجم مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهانى، تصحيح إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r٣٨٠- معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مطبعة مصطفى البابى الحلبى بمصر ١٣٨٩هـ.\r٣٨١- معجم المؤلفين، لعمر كحالة، دار إحياء التراث العربى بيروت.\r٣٨٢- المعين الرائق من سيرة سيد الخلائق، للدكتور سعيد صوابى مصر ١٩٩٠م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556318,"book_id":1504,"shamela_page_id":805,"part":null,"page_num":804,"sequence_num":805,"body":"٣٨٣- مفتاح السنة أو تاريخ فنون الحديث، لمحمد عبد العزيز الخولى، دار الكتب العلمية بيروت.\r٣٨٤- المقاصد الحسنة فى بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، للسخاوى، تحقيق عبد الله الصديق وغيره، مكتبة الخانجى بمصر ١٩٩١م.\r٣٨٥- الملل والنحل، لمحمد الشهرستانى، تحقيق أحمد فهمى، دار الكتب العلمية بيروت.\r٣٨٦- ملوك الطائف ونظرات فى تاريخ الإسلام، لدوزى، مطبعة عيسى البابى الحلبى بمصر ١٩٣٣م.\r٣٨٧- المنار المنيف فى الصحيح والضعيف، لابن قيم الجوزية، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، المطبوعات الإسلامية بيروت ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.\r٣٨٨- مناهج المستشرقين فى الدراسات العربية والإسلامية، لجماعة من العلماء مكتب التربية العربى بالرياض ١٩٨٥م.\r٣٨٩- مناهل الصفا فى تخريج أحاديث الشفا، للسيوطى، تحقيق سمير القاضى، دار الجنان بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.\r٣٩٠- مناهل العرفان فى علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقانى، دار الكتب العلمية بيروت ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م.\r٣٩١- منزلة السنة من الكتاب وأثرها فى الفروع الفقهية، لمحمد سعيد منصور، مكتبة وهبة بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.\r٣٩٢- منع تدوين الحديث أسباب ونتائج، لعلى الشهرستانى، مؤسسة الأعلمى بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r٣٩٣- منهاج السنة النبوية فى نقض كلام الشيعة والقدرية، لابن تيمية، المطبعة الأميرية ببولاق ١٣٢١هـ.\r٣٩٤- المنهاج شرح مسلم، للنووى، تحقيق عصام الصبابطى وغيره، دار الحديث بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.\r٣٩٥- منهج المدرسة العقلية الحديثة فى التفسير، للدكتور فهد الرومى، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ.\r٣٩٦- المواجهة مع رسول الله وآله، لأحمد حسين يعقوب، مركز الغدير بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م.\r٣٩٧- الموافقات فى أصول الشريعة، للشاطبى، تحقيق عبد الله دراز وغيره، دار المعرفة بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556319,"book_id":1504,"shamela_page_id":806,"part":null,"page_num":805,"sequence_num":806,"body":"٣٩٨- المواقف فى علم الكلام، للإيجى، مكتبة المتنبى، بدون تاريخ.\r٣٩٩- موقف المدرسة العقلية من السنة، للأمين الصادق الأمين، دار الرشد بالرياض ١٩٩٨م.\r٤٠٠- المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، لأحمد القسطلانى، دار الكتب العلمية بيروت، ١٩٩٦م.\r٤٠١- المؤتمر العالمى الرابع للسيرة والسنة، والمؤتمر العاشر لمجمع البحوث الإسلامية مصر ١٩٨٥م.\r٤٠٢- الموسوعة الميسرة فى الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوى العالمية للشباب الإسلامى بالرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.\r٤٠٣- موطأ الإمام مالك، برواية يحيى الليثى، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقى، دار الحديث بمصر ١٩٩٣م.\r٤٠٤- ميزان الاعتدال فى نقد الرجال، للذهبى، تحقيق محمد البجاوى، مطبعة عيسى البابى الحلبى بمصر ١٩٦٣م.\r(ن)\r٤٠٥- الناسخ والمنسوخ من الحديث، لابن شاهين، تحقيق الدكتور محمد الحفناوى، دار الوفاء بالمنصورة، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.\r٤٠٦- النبأ العظيم: للدكتور محمد عبد الله دراز، تخريج وتعليق عبد الحميد الدخاخنى، دار المرابطين الأسكندرية، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.\r٤٠٧- النبوات، لابن تيمية، دار الكتب العلمية بيروت، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.\r٤٠٨- نبوة محمد فى القرآن الكريم، للدكتور حسن ضياء الدين عتر، دار البشائر بيروت ١٤١٠هـ.\r٤٠٩- نبى الإسلام بين الحقيقة والادعاء، للدكتور عبد الراضى محمد عبد المحسن، الدار العالمية للكتاب بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م.\r٤١٠- النبى محمد، لعبد الكريم الخطيب، دار المعرفة بيروت، الطبعة الثانية ١٩٧٥م.\r٤١١- النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، لابن تغرى، دار الكتب المصرية ١٩٣٠م.\r٤١٢- نحو تطوير التشريع الإسلامى، لعبد الله أحمد النعيم، دار سينا بمصر ١٩٩٤م.\r٤١٣- نحو فقه جديد، لجمال البنا، دار الفكر بمصر، بدون تاريخ.\r٤١٤- نسيم الرياض فى شرح شفاء، القاضى عياض، لشهاب الدين الخفاجى، دار الكتاب العربى بيروت٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556320,"book_id":1504,"shamela_page_id":807,"part":null,"page_num":806,"sequence_num":807,"body":"٤١٥- النص والاجتهاد، لعبد الحسين شرف الدين الموسوى، مؤسسة الأعلمى بيروت ١٩٦٦م.\r٤١٦- نظرية عدالة الصحابة، والمرجعية السياسية فى الإسلام، لأحمد حسين يعقوب، مطبعة الخيام بالأردن، الطبعة الأولى بدون تاريخ.\r٤١٧- نظم المتناثر من الحديث المتواتر، لمحمد بن جعفر الكتانى، دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠م.\r٤١٨- النفحات الشذية فيما يتعلق بالعصمة والسنة النبوية، لمحمد الطاهر الحامدى مكتبة الآداب بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م.\r٤١٩- نقد الخطاب الدينى، لنصر أبو زيد، دار سينا بمصر، الطبعة الثانية ١٩٩٤م.\r٤٢٠- نهاية الاغتباط بمن رمى من الرواة بالاختلاط، لعلاء الدين على رضا، دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.\r٤٢١- النهاية فى غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، خرج أحاديثه وعلق عليه صلاح عويضة، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r٤٢٢- نوال المنى فى إثبات عصمة أمهات وأزواج الأنبياء من الزنى، لمحمد نسيب الرفاعى، خال من مكان الطبع بتاريخ ١٤١٨هـ - ١٩٩٨م.\r٤٢٣- النور الخالد محمد مفخرة الإنسانية، لمحمد فتح الله كولن، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩م.\r٤٢٤- نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار، لمحمد بن على الشوكانى، دار الجيل بيروت ١٩٧٣م.\r(هـ)\r٤٢٥- هدى السارى مقدمة فتح البارى، بشرح صحيح البخارى، لابن حجر العسقلانى، تصحيح محب الدين الخطيب، دار الريان بمصر، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م.\r٤٢٦- أبو هريرة، لعبد الحسين شرف الدين الموسوى، دار الزهراء بيروت ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م.\r(و)\r٤٢٧- الوافى بالوفيات، للصفدى صلاح الدين، نشر المعهد الألمانى للأبحاث الشرقية بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ - ١٩٨٥م.\r٤٢٨- الوحى القرآنى فى المنظور الاستشراقى ونقده، للدكتور محمود ماضى، دار الدعوة بالإسكندرية، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1556321,"book_id":1504,"shamela_page_id":808,"part":null,"page_num":807,"sequence_num":808,"body":"٤٢٩- الوحى المحمدى، لمحمد رشيد رضا، المكتب الإسلامى.\r٤٣٠- الوشيعة فى نقد عقائد الشيعة، لموسى جار الله العراقى، دار الكتب السلفية بمصر، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ.\r٤٣١- وركبت السفينة، لمرون خليفات، مركز الغدير للدراسات بيروت ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.\r٤٣٢- وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، لعلى المسهودى، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية بيروت.\r٤٣٣- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأحمد بن خلكان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار الثقافة بيروت.\r(لا)\r٤٣٤- لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن، لأحمد صبحى منصور، مركز المحروسة للبحوث بمصر الطبعة الأولى ١٩٩٧م.\rهذا وقد تركت ذكر بعض المصادر والمراجع، لقلة رجوعى إليها، وهى مبينة عند مواطن النقل منها، أو العزو إليها للاستفادة منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}