{"page_id":2875511,"book_id":3212,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":1,"body":"مدخل\r...\rالهجرة النبوية - دراسة وتحليل-\rلفضيلة الدكتور/ محمد السيد الوكيل: وكيل كلية الحديث الشريف\rليست الهجرة في عرف الدعاة والمصلحين وسيلة راحة، ولا حيلة للاستجمام من عناء طال صبرهم عليه، ولا هي فرصة للترويح عن النفس بالسير في الأرض، والإطلاع على عوالم جديدة لم تتح لهم فرصة الإطلاع عليها، ولكنها في الحقيقة عناء يضاف إلى عنائهم وجهد يتحملونه فوق طاقاتهم، ووحشة تضاف إلى ما هم فيه من غربة في بلادهم.\rأليست الهجرة انتقالا من الوطن إلى أرض جديدة؟ ومن يضمن للمهاجر السعادة والأمن في تلك الأرض الجديدة؟ أليس في الهجرة مفارقة الأحباب والخلان؟ ومن يكفل للمهاجر من يعوضه عن أحبابه وخلانه في مهاجرة؟\rأو ليس في الهجرة قلق للنفس بعد استقرارها، ووحشتها بعد أنسها؟ وأنى للمهاجر الاستقرار والأنس وهو غريب شريد؟.\rإن حب الوطن غريزة فطر عليها كل مخلوق، ومفارقة الوطن تترك في النفس اضطرابا مهما كانت الغاية من مفارقته، والإنسان عندما يفارق وطنه على أمل العودة يعلل نفسه بسرعة الأيام، ويمنيها بأنس اللقاء بعد الفراق، أما إذا لم يكن أمل في العودة، وانقطعت آمال المهاجر في لقاء من فارق، وأصبح اللقاء أمنية عزيزة بعد أن كان حقيقة واقعة، فإن المهاجر يرى كل شيء بعين اليائس، ويسمع كل لحن بأذن الأصم، فهو لا يستلذ بعيش، ولا يهنأ براحة، ولا يأنس بجليس.\rعلى أننا يجب أن نفرق بين التضحية والتغلب على نزعات النفس من أجل القيام بالواجب، وبين شعور الإنسان باللوعة وإحساسه بالألم عند القيام بعمل يخالف الفطرة، ويتعارض مع الجبلة.\rوليس هذا الشعور وذلك الإحساس مما يلام عليه الإنسان لأنه جبلة خلق الإنسان بها، وإنما يلام عليه إذا أقعده عن واجب، وحال بينه وبين معالي الأمور.\rولعل هذا الشعور هو الذي خالط نفس بلال بن رباح ﵁ بعد هجرته إلى المدينة حينما كان ينظر إلى السماء ويقول: \"لا شك أن سماء مكة أجمل من هذه السماء، وأن هواء مكة أنقى من هذا الهواء\"١.","footnotes":"١ بلال مؤذن الرسول ص ٤٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875512,"book_id":3212,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":2,"body":"ويزداد حنينه إلى الوطن، فيضطجع في فناء البيت، ويرفع عقيرته قائلا بعد أن تفارقه الحمى:\rألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي إذخر وجليل\rوهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل١\rإن حب الوطن قد أدى ببلال أن يعود بخياله إلى مكة، وأن يشعر بحنين زائد إلى أحيائها التي تربى بينها، وقضى شبابه بين ربوعها، فتمنى أن يقضي فيها ولو ليلة، ويمتع ناظريه برؤية جبالها ونباتاتها.\rويعلم الرسول- ﷺ بذلك فلم يلم بلالا على ما قال، ولكنه يرق لحال المهاجرين، ويقدر عواطفهم، ويدعو الله- ﷿ أن يثبتهم على هجرتهم وأن يحبب إليه المدينة كحبهم مكة أو أشد٢.\rأفبعد هذا يقول قائل إن الهجرة فرصة للراحة من عناء التعذيب، أو وسيلة ترويح عن المضطهدين؟","footnotes":"١ ابن هشام (٢/١٦٩) .\r٢ نفسه (٢/١٦٩) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875513,"book_id":3212,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":3,"body":"مكة البلد الأمين:\rولد الرسول في مكة، وقضى شبابه في ربوعها، وتزوج سيدة نسائها، وكان فيها محبوبا أثيرا، كل أهلها يقدره ويجله، ويرون فيه جميعا أنموذجا للشباب الطموح، حيث كان يترفع عن التافه من الأمور، ويربأ بنفسه عن سفسافها.\rوكانت مكة تتميز عن قرى الجزيرة كلها بقدسية لم تطمع فيها قرى تفوقها جمالا وخصوبة، وتمتاز بنسيمها العليل، وحدائقها الغناء.\rإن قرى الجزيرة مهما تفوقت في الخصائص المادية لن تبلغ مبلغ مكة في منزلتها الروحية، فقد اختارها الله ﵎ لتكون محل بيته العتيق، وجعلها حرما آمنا، ليس للإنسان فقط ولكن الإنسان والحيوان والطيور والنبات، ففي رحابها يأمن الخائف، وفي كنفها يأنس المستوحش، وبين جنبيها يجد الحائر السكينة.\rعرف العرب لأم القرى تلك المكانة فقدسوها، وأدركوا أنها لا يبغي فيها ظالم إلا قصمه الله فتجنبوا الظلم، عاش أهلها في ظل بيت الله آمنين في وقت كان الناس يتخطفون من حولهم وقد ذكرهم الله ﷿ بتلك النعمة فقال- جل من قائل-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ٣.\rولما استحلت جرهم حرمة البيت، وأكلوا ما كان يهدى إليه، وظلموا فيه سلط الله عليهم خزاعة فقاتلوهم حتى أخرجوهم من مكة.","footnotes":"١ ابن هشام (٢/١٦٩) .\r٢ نفسه (٢/١٦٩) .\r٣ العنكبوت الآية ٦٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875514,"book_id":3212,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":4,"body":"\"وكانت مكة في الجاهلية لا يقر فيها ظلم ولا بغي، ولا يبغي فيها أحد إلا أخرجه الله منها، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه، فيقال: ما سميت بكة إلا لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها\"١.\rوبلغ من احترام العرب لمكة أنهم كانوا لا يبنون بها بيتا إلى جوار بيت الله، وأنهم كانوا لا يبيتون فيها ولا يستحلون الجنابة بها تعظيما لشأنها٢.\rوظل هذا البلد الأمين يتمتع بتلك القدسية، لا يستحله إلا فاجر، وكان العرب يستحلون أحيانا الشهر الحرام، ولكنهم لا يستحلون مكة، وقد وجد بعضهم مخرجا من حرمة الأشهر الحرم بالنسيء، فكانوا يقدمون ويؤخرون ليواطئوا عدة ما حرم الله.\rوقد رأينا في حرب الفجار أن هوازن قاتلت قريشا قتالا شديدا حتى إذا دخلت قريش الحرم أمسكت هوازن عنهم٣، وأنذرتهم الحرب بعكاظ من العام المقبل ٤.\rولم يرو لنا التاريخ أن أحدا انتهك حرمة البيت وأفلت من الهلاك في الدنيا قبل الآخرة، ولعل أبرهة كان أول المعتدين عليه بعد جرهم، وقد أثارت محاولة أبرهة حمية العرب فهبوا يدافعون عن البيت الحرام.\rفخرج ذو نفر في قومه من أشراف اليمن وهزمهم أبرهة، وأخذ ذو نفر أسيرا، ثم تصدى له نفيل الخثعمي في قومه فتغلب عليهم أبرهة وأخذ نفيلا أسيرا، ولما رأت ثقيف قوة جيش أبرهة هادنته وأرسلت معه أبارغال ليدله على طريق مكة.\rواعتقد أبرهة أنه خالص لا محالة إلى البيت، فأرسل رجلا من جيشه فاستولى على أموال أهل مكة، وساقها إلى أبرهة، وزادت ثقة أبرهة في قدرته على تحقيق أمله، وتهيأ لدخول مكة، وعبأ جيشه ولكن الله كان له بالمرصاد.\rلم يكن هناك من يحمي البيت فحماه الله، ولم تستطع قوة صد جيش أبرهة فسلط الله عليه من صده وأهلكه ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ٥.\rوزادت تلك الحادثة من مكانة مكة في نفوس العرب إذ ثبت لهم بما ليس فيه ريب حفظ الله لبيته وإهلاكه من أراده بسوء، كان ذلك في الجاهلية قبل بعثة الرسول ﷺ وأما بعد البعثة فقد حدث أن اعتدت بكر على خزاعة وألجأتهم إلى دخول الحرم ولم تحترم بكر حرمة البيت، وإن هابت اقتحامه بادئ الأمر، ونبهوا قائدهم نوفل ابن معاوية الديلي، وقالوا له: \"يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك\"، ولكن نوفل كان قد صمم على الأخذ بثأره، ولم يعبأ بتحذير قومه، وقال: \"لا إله اليوم، إنكم تسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه؟ \"٦.","footnotes":"١ مختصر سيرة الرسول ص ١٨. ابن هشام (١/١٠٥) .\r٢ العصامي (١/١٦١-١٦٢) .\r٣ ابن هشام (١/١٧٠) .\r٤ هيكل ص ١١٧.\r٥ الفيل الآيات: ٥،٤،٣.\r٦ ابن هشام (٤/٢٣) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875515,"book_id":3212,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":5,"body":"وعلم رسول الله بما ارتكبت بكر من انتهاك حرمة البيت ونقض العهد والاعتداء على حلفائه الخزاعين فهب لإنقاذهم، وفتح مكة وأذل الله قريشا وحلفاءهم بكرا، ولكن الرسول منّ عليهم وأطلق سراحهم، فعرفوا بالطلقاء.\rوفي سنة ثلاثمائة وسبع عشرة من الهجرة كانت فتنة القرامطة في مكة حيث سفكوا دماء الحجاج وعطلوا الشعائر واعتدوا على بيت الله الحرام، وانتزعوا الحجر الأسود وأخفوه اثنتين وعشرين سنة.\rوصال أبو طاهر القرمطي وجال بفرسه حول الكعبة، وكان مخمورا على رواية بعض المؤرخين، واخذ يصيح:\rأنالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا ١\rويقول الإسفرائيني عن أبي طاهر سليمان بن الحسن القرمطي: \"أنه قتل ثلاثة آلاف مسلم، وأخرج سبعمائة بكر من خدورهن، واقتلع الحجر\"٢.\rفماذا كان مصير هذا المعتدي الأثيم، المنتهك لحرمات بيت الله؟ يقول الإسفرائيني: \"في عام ثلاثمائة وثمانية عشر قصد سليمان بن الحسن بغداد، فلما بلغ هيت رمته امرأة من سطحها بلبنة فقتلته\"٣.\rهذا الجبار الذي تحدى أهل مكة واستباح حرمة البيت تقتله امرأة ليكون أحقر قتيل، وأهون فقيد، وهكذا يدافع رب البيت عن بيته.\rوعادت للبيت حرمته، وعاد الأمن إلى أهله، وعاش الناس في جواره آمنين لا يروعهم أحد، ولا يعتدي عليهم معتد قرابة ألف وثلاثة وثمانين عاما حتى روعتهم تلك الفتنة العمياء التي غامر بها شباب - أغلب ظني أنهم مخدوعون - لم يتبصروا الأمور، ولم يفكروا في العواقب، خدعتهم فكرة ظهور المهدي، فحسبوا أن هذا أوانه، فلووا أعناق الأحاديث ليا، ليخضعوها لهواهم، وينزلوها على رغبتهم.\rونسي هؤلاء أن المهدي سيكون بين يدي الساعة، وأنه هو المنقذ الذي سيلجأ إليه الناس، ويكرهونه على قبول البيعة، وليس هو الذي يطلب البيعة لنفسه، ونسوا كذلك أن المهدي لن يبايع بقهر السلاح، ونسوا فوق ذلكَ كله أن حرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة، وأن قطرة دم من مسلم تراق بغير حق أعظم جرما من أية جريمة مهما كانت.\rوإن الإنسان ليقف أمام تلك الفتنة مذعورا من هولها، حائرا من تدبيرها، على من ينحي باللائمة؟ أعلى هؤلاء الذين علموهم التزمت المقيت وأفهموهم أن الإسلام هو هذه الشكليات، ونفخوا في رؤوسهم أنهم العلماء وحدهم ومن سواهم يجب أن يتتلمذ على أيديهم ويتلقى عنهم، أم على هؤلاء الذين أهملوهم حتى استفحل","footnotes":"١ تاريخ مكة (١/١٥٢) .\r٢ الفرق بين الفرق ص ٢٩٠.\r٣ نفسه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875516,"book_id":3212,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":6,"body":"أمرهم، وعظم خطرهم. إن الإسلام يحتم علينا أن نعلم هؤلاء وأمثالهم، وأن نقرع حججهم بحجج أقوى منها وأوضح، وأن نبين الحق إذا التبس على الناس، حتى يفيق الغافلون، ويهتدي الحائرون، ولو أننا سلكنا هذا السبيل لماتت الفتنة في مهدها، ولكفينا ويلاتها.\rوإننا لنحمد الله ﷿ أن أعاد للبلد الأمين حرمته، ورد على أهله السكينة والاطمئنان، ووفق أولي الأمر لإعادة الأمور إلى نصابها فاللهم أصلحهم وأصلح بهم، وزدهم من فضلك توفيقا وتسديدا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875517,"book_id":3212,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":7,"body":"الهجرة سبيل الأنبياء:\rالهجرة كما قلت سابقا ليست وسيلة للراحة، وإنما هي أسلوب من أساليب نشر الدعوة، وطريقة للمحافظة عليها من بغي الباغين وعدوان الطغاة، ولهذا كانت الهجرة سبيل الأنبياء من قبل نبينا محمد ﷺ يرتادون فيها الأرض الخصبة التي تحتضن الدعوة، ويبحثون أثناءها عن البذور الطيبة الصالحة للإخصاب.\rفإبراهيم ﵇ أبو الأنبياء يدعو قومه إلى التوحيد الخالص والعقيدة الصحيحة فيتآمرون عليه، ويكيدون له، ويتعصبون ضد دعوته، فيترك بلده الذي ضاق به، ويودع أهله الذين تآمروا عليه، ويفر من كوثى في سواد الكوفة إلى حران ثم إلى الشام، والقرآن الكريم يقص علينا ذلك فيقول: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ ١.\rولوط ﵇ لما رأى أن النار لم تحرق عمه إبراهيم، وأنه خرج منها كأنه لم يدخلها آمن لإبراهيم، وصدقه فيما جاء به، وخرج معه مهاجرا ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.\rوموسى يتآمر عليه فرعون، ويضايقه في دينه، فيأمره الله أن يترك هذا البلد الذي لم يستطيع فيه تبليغ دعوته، وأن يهاجر بقومه إلى حيث يمكنه عبادة ربه وأداء رسالته، قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ﴾ ٣.\rلم يكن رسول الله ﷺ أول من هاجر من الرسل، بل سبقه بالهجرة رسل كرام على الله، خرجوا بدينهم امتثالا لأمر الله ﷿ فسنوا بذلك الهجرة لمن أتى بعدهم من النبيين والمصلحين حتى لا يعتذر معتذر ببغي الباغين واضطهاد الظالمين، أو يقول قائل: كنت في أرض يسيطر عليها الطغاة ولم يسمحوا لنا بنشر الدعوة ولا بقول كلمة الحق، وحينئذ يكون السؤال ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا؟﴾ ٤.\rفماذا تكون الإجابة؟؟","footnotes":"١ الصافات: الآية (٩٨ـ٩٩) .\r٢ العنكبوت: الآية: ٢٦.\r٣ الدخان الآية: ٢٣ـ٢٤.\r٤ النساء الآية: ٩٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875518,"book_id":3212,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":8,"body":"ولقد ثبت بالتجربة أن الهجرة من أنجح الوسائل لنشر الدعوة، وأن الدعاة إلى الله متى ما هاجروا بدينهم مخلصين لله هجرتهم، لا يبغون من ورائها إلا إرضاء الله ﵎ يجري الله على أيديهم، فتنفتح لهم القلوب، ويجتمع عليهم الناس. فيؤازرون دعوتهم وينشرون عقيدتهم، ويوسع الله لهم في أرزاقهم، ويسبغ عليهم نعمته. ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأََرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ١.","footnotes":"١ النساء الآية: ١٠٠.\r٢ رواه البخاري.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875519,"book_id":3212,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":9,"body":"ذكريات:\rعاش رسول الله ﷺ في مكة ذلك البلد الأمين، قضى فيه طفولته وصباه، وشبابه وكهولته وشطرا كبيرا من شيخوخته، وله فيه ذكريات عزيزة يوم كان شابا يافعا، إن حرب الفجار تركت في نفسه رغبة في مقاومة الظلم والوقوف في وجهه، وإن حلف الفضول وما يتضمنه من مكارم الشيم وعظيم الأخلاق قد ملك عليه قلبه حتى أنه قال: \"ولو دعيت به في الإسلام لأجبت\".\rثم هذه المروج التي كان يخرج إليها يرعى فيها الغنم، لقد أصبحت جزءا من حياته لا يستطيع مفارقتها بسهولة، وإن ذكرى زواجه بالسيدة خديجة ﵂ وما قضاه معها من أيام طويلة وجميلة لا تزال ماثلة أمام عينيه، يرى فيها سعادته بزوجه الرءوم، وأولاده الصغار الأبرياء.\rوإنه ﷺ ليذكر يوم اشتراكه في بناء الكعبة المشرفة، ويوم رضيه المتخاصمون حكما ينهي بقضائه ما نشب بينهم من نزاع.\rإنه يتذكر كل هذا فيجد نفسه مشدودا إلى مكة برباط وثيق، ويذكر حب قومه له وإعجابهم به، وتسميتهم له بالصادق الأمين فترتاح نفسه، ويطمئن قلبه، ولكن ما بالهم الآن يتآمرون عليه، أو ليس هو هو؟ ما الذي حدث حتى يحاولوا قتله؟؟ ماذا جرى حتى يتربصوا به الدوائر؟\rوتدور برأسه ﷺ كلمة ورقة بن نوفل: \"ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك\" ويتذكر سؤاله له \"أو مخرجي هم؟ \" وهو أقرب إلى الاستنكار منه إلى الاستفهام، ويجيب ورقة إجابة الواثق المتأكد: \"نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا\"٢.\rهذا هو السبب الحقيقي لتآمر قومه به، وثورتهم عليه، إنه جاءهم بالحق، ولكنهم يكرهون الحق الذي جاء به، وإنه ليدلهم على طريق الخلاص، ولكنهم يتمنون أن يمطروا بحجارة من السماء ولا تكون نجاتهم على يديه، لقد أعماهم الحقد، وغشي أبصارهم الحسد. ولم يعد يدور بخلدهم إلا التفكير في التخلص من محمد وما جاء به ﷺ","footnotes":"٢ رواه البخاري.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875520,"book_id":3212,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":10,"body":"المؤامرة:\rضاق القوم ذرعا بالرسول ﷺ ووجدوا أنفسهم قد فشلوا في كل محاولاتهم، فشلت وسائل التعذيب والإرهاب، كما فشلت أساليب الخداع والإغراء، كذلكَ باءت حرب الإشاعات بخيبة الأمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875521,"book_id":3212,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":11,"body":"ورأى المشركون بأعينهم انتشار الإسلام في كل مكان، وعلموا بما تم بين الرسول ﷺ وأهل المدينة من البيعة على النصرة والإيمان، فأزعجتهم تلك الأخبار، وأقلق نفوسهم ما يتوقعون من انتصار التوحيد على الوثنية التي استماتوا في الدفاع عنها، وحز في نفوسهم أن يتغلب محمد ﷺ عليهم بعد هذا العناد الطويل.\rتواعد القوم أن يلتقوا في دار الندوة، وأن يطرحوا هذا الموضوع الذي شغل بالهم على بساط البحث، وعزموا على أن يتخذوا فيه قرارا حاسما مهما كلفهم ذلك.\rلقد ماتت خديجة التي كانت تقف دونه بمنزلتها ومن يؤازرها من عشيرتها، ومات أبو طالب الذي كان يفديه ويدافع عنه، لم يعد هناك ما يحول بينهم وبين الإيقاع به فلماذا يترددون؟\rوبدأت الجلسة بحماس لم تعرفه دار الندوة من قبل، إن المسألة في نظرهم مسألة كرامة، لقد سفه محمد عقولهم، وعاب آلهتهم، وعرض بآبائهم فماذا بقي لهم؟، إنهم إن لم ينتصروا لآلهتهم المهانة وعقولهم المسفهة وآبائهم المجرحين فلا خير في العيش، ولا فائدة في الحياة.\rقال أحدهم في انفعال شديد: \"أرى أن تحبسوا محمدا في الحديد، وتغلقوا عليه بابا، ثم تتربصوا به ما أصاب الشعراء من أشباهه\".\rورفض الاقتراح من غير مناقشة طويلة حيث لا يستحق المناقشة لأنهم يعتقدون أن أصحاب محمد لا تعجزهم فرصة يختلسونها ثم يطلقون فيها سراحه.\rوقال آخر: \"خير لكم من ذلك أن تنفوه من بلادكم، فإذا خرج عنا فلن نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، وحينئذ نصلح أمرنا، وتعود إلينا ألفتنا كما كانت\".\rولم يكن هذا الاقتراح خيرا من سالفه، فقد رفض لأول وهلة، لقد غاب عن صاحب الاقتراح أن خوفهم من خروجه أكثر من خوفهم من بقائه، ولم يفطن إلى أنه لو خرج من بينهم يكون خطره عليهم أشد، وتهديده لعقيدتهم أقوى حيث يستطيع أن يجمع من الاتباع ما يمكنه بهم أن يجتاح عليهم ديارهم، ويغلب عليها دونهم عندئذ قام أبو جهل وقال: \"إن لي رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد\"، وقال الحاضرون في لفهة: \"هاته يا أبا الحكم\"، قال أبو جهل: \"أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابا جليدا نسبيا وسيطا فينا ثم نعطي كل واحد منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فيرضوا منا بالعقل، فنعقله\"١.\rوفرح القوم برأي أبي جهل، وأيدوه من غير نظر ولا مناقشة، وكيف لا وهم لم يجتمعوا إلا ليتخلصوا من محمد. إن اقتراح أبي جهل هذا قد كشف عن قبح الاقتراحين السابقين وسخفهما بقدر ما كشف عن حمق صاحبيهما، لا شك أن حبس محمد في الحديد سيثير عاطفة بني هاشم إن لم يحرك عاطفة كثير من الناس الذين","footnotes":"١ ابن هشام (٢/٩٠ـ٩١) والعقل الدية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875522,"book_id":3212,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":12,"body":"يرونه مكبلا بالحديد من غير جرم ولا جريرة، فيتعاطف معه كثير ممن لم تربطهم به عاطفة ولا قرابة. لأن تعاطف الناس مع المظلوم حقيقة لا يماري فيها أحد.\rكما أن نفيه من البلد سلاح رهيب يستطيع ﷺ أن يستغله ضدهم فيألب عليهم القبائل، وهم جميعا على أتم استعداد ليستمعوا إليه لولا أن قريشا تحول بينهم وببن ذلكَ، فإذا ما خلا له الجو للالتقاء بهم في حرية من غير ضغط ولا تشويش لا شك أنه سيقنعهم فيكونون معه عليهم.\rلهذا رأى الجميع في رأي أبى جهل الفرصة التي ينشدونها، فيجب ألا يضيعوها، وغادروا دار الندوة وقد أجمعوا أمرهم على تنفيذ اقتراح أبي جهل.\rومكروا ومكر الله:\rأوحى الله إلى نبيه ما بيت القوم له، وأمره بالهجرة، وكان الطريق قد تمهد من قبل ببيعة الأنصار، وهجرة المسلمين إلى المدينة المنورة، وقد وجدوا فيها وطنا بدلا من وطنهم، وألفوا فيها أهلا خيرا من أهلهم، وعاشوا فيها آمنين على أرواحهم وإيمانهم.\rوبدأ الرسول ﷺ يواجه الموقف الجديد في ثبات لا يزعزعه التردد، وبحزم لا يوهنه اللين، وكان عليه أن يواجه كيدهم بكيد هو أنكى منه وأشد، وكان عليه أن يقابل تخطيطهم بتخطيط هو أدق منه وأتقن.\rلقد خطط القوم وفكروا، وناقشوا الأمر وقلبوه على كل وجوهه ثم أجمعوا أمرهم على ما رأوه يحقق آمالهم، فهل يجوز أن يواجه الرسول ﷺ هذا الاهتمام بالكسل، والتخطيط بالتواكل؟\rكلا، لا بد أن يولي الأمر اهتماما أكثر من اهتمامهم، لأنه متعلق بعقيدته أولا، وبشخصه ثانيا، كما لا بد أن يواجه تخطيطهم بتخطيط يفسد عليهم حيلتهم، ويحبط كيدهم.\rوإننا لنعجب غاية العجب إذا وقفنا على خطة الرسول ﷺ التي واجه بها خطة القوم، وإن المحققين ليقفون مدهوشين من روعة تلك الخطة وإحكامها، ولن أتعرض لقصة الهجرة هنا إلا بالقدر الذي أستنبط منه العبرة، وأستخلص منه الدروس التي يحتاجها المسلم في طريقه الطويل الشاق إلى غايته السامية الغالية، فالقصة برمتها مسطورة في كتب السيرة والتاريخ.\rاجتمع شباب قريش وفتيانها في الليلة التي حددوها لتنفيذ المؤامرة، وأحدقوا ببيت رسول الله ﷺ والسيوف في أيديهم تخطف الأبصار ببريقها، ويترقبون خروج رسول الله لينهشوه بتلك السيوف.\rوكان على رسول الله أن يخرج من بين هذه الجموع المحتشدة المترقبة، وكان عليه كذلك أن يضللهم حتى لا يفطنوا لخروجه فيتبعوه، ويفسدوا عليه خطته، عندئذ أمر عليا ﵁ أن ينام في مكانه، وأن يتغطى ببردة الحضرمي الأخضر، فامتثل علي لأمره، ونام في مكانه مضحيا بنفسه يفدي بها رسول الله ﷺ وضرب علي بذلك أروع أمثلة التضحية والفداء.\rنام علي على فراش الرسول، ونظر المشركون من خصاصة الباب فاطمأنوا على سلامة خطتهم، وظلوا يتحينون فرصة خروجه ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875523,"book_id":3212,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":13,"body":"وهم الرسول ﷺ بالخروج من بيته، وكانت لحظة جد خطره فالمشركون على باب الرسول وسيوفهم مشرعة في أيديهم كأنها الحيات تتلمظ لتنهش فريستها، وحانت لحظة الوداع، فودع الرسول عليا وطمأنه قائلا: \"لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم\" ١ وأوصاه أن يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس٢.\rوخرج رسول الله على القوم وهو يعلم مكانهم وما جاءوا من أجله ولكنه خرج وكله ثقة في الله ﷿ وفتح باب بيته ليجد فتيان قريش يغطون في نوم عميق، وكأنهم لم يناموا منذ زمن بعيد.\rماذا دهى القوم؟ لقد كانوا منذ لحظات يسمرون، وقد حضر معهم سادة قريش: أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وربيعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وأبو لهب، وأبي بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج٣.\rلقد حضر هؤلاء السادة ليشجعوا فتيان قريش على أداء مهمتهم وليتشفوا في رسول الله، ويمتعوا أبصارهم برؤية دمه الشريف وهو يهراق أمامهم، فما بالهم يغطون في هذا النوم العميق؟\rولقد كان أبو جهل - لعنه الله - منذ لحظات يحدث القوم ساخرا من رسول الله- ﷺ ويقول: \"إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن؛ وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها\"٤.\rيا سبحان الله!! لقد سمع رسول الله ذلكَ من أبي جهل وهو في طريقه إلى الباب ليخرج، فأي مصيبة حلت بهم فصرفتهم عن غايتهم؟؟\rإنها إحدى المعجزات، لقد أخذ الله أبصارهم، وضرب على قلوبهم حتى خرج عليهم رسول الله ﷺ فلم يروه، وسخر من أبي جهل كما كان يسخر منه قبل لحظات، وقال: \"نعم، قلت ذلك، وأنت أحدهم\"، وأخذ حفنة من تراب فجعلها على رؤوسهم، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ... فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٥.\rفلم يبق أحد منهم إلا قد وضع على رأسه ترابا٦.\rأي سخرية هذه؟ وأي احتقار للقوم؟ شباب أقوياء وسيوفهم في أيديهم، يخرج عليهم رسول الله وحيدا، ولكنه في رعاية الله، ويضع التراب على رؤوسهم متحديا تلكَ السيوف التي ذبلت في أيديهم كأنها أغصان فصلت عن شجرتها، فلم تغن عنهم شيئا.","footnotes":"١ ابن هشام (٢/٩١) .\r٢ نفسه ٩٣.\r٣ مختصر ص ١٦٥.\r٤ ابن هشام (٢/٩١) .\r٥ سورة يس الآيات: ١- ٩.\r٦ ابن هشام (٢/٩١) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875524,"book_id":3212,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":14,"body":"ويمر بالقوم رجل فينبههم، فإذا التراب على رؤوسهم، والخزي يجلل وجوههم، وينظرون من خلال الباب فيرون النائم متسجيا بالبرد الحضرمي الأخضر فيقولون: \"هذا محمد نائم على فراشه\"، وظلوا في حصارهم ينتظرونه، حتى أصبحوا، فقام علي ﵁ عن الفراش فقالوا: \"قد صدقنا والله من حدثنا\"١.\rوخاب أمل القوم، وضل سعيهم، ألم يكن في هذا الحدث وحده واعظ لهم ينبههم إلى أن الرسول ممنوع منهم؟ وأنهم مهما دبروا فالله من ورائهم ولكن ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢.","footnotes":"١ نفسه ص ٩٢.\r٢ المطففين الآية: ١٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875525,"book_id":3212,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":15,"body":"إلا تنصروه فقد نصره الله:\rخرج الرسول ﷺ من بيته على النحو الذي ذكرت متوجها إلى بيت أبي بكر، وكان قد أخبره بالهجرة وبالموعد الذي سيغادران فيه مكة، وأمره أن يكتم عليه، ومن أوفى من أبي بكر بعهد قطعه مع رسول الله؟\rوكان أبو بكر ﵁ ينتظر تلك الساعة بفارغ الصبر، وكان قلقا على الرسول خائفا أن يصيبه مكروه من القوم، ولكن الرسول كان محفوفا بالعناية الربانية، ولهذا خرج على القوم دون أن يتردد وإني أشهد شهادة حق أنه ﷺ لو لم يكن رسولا حقا ما خرج في تلك الساعة مهما كانت قوته وشجاعته.\rوفي بيت أبي بكر وضع الرسول خطة كاملة للهجرة، وأعد لكل شيء عدته، لأنه ﷺ يعلم أن اتخاذ الأسباب أمر يقتضيه كمال الإيمان وحسن التوكل، وعلى هذا الأساس وضع برنامج الهجرة.\rكان لابد من سلوك طريق غير مألوفة حتى لا يعترضه أحد من أعدائه، فاستأجر لذلك الدليل - عبد الله بن أريقط- وكان ماهرا يعرف الطريق معرفة جيدة، وكان عبد الله مشركا، ومع ذلكَ ائتمناه على هذا السر الخطير، ووفى الرجل بعهده فلم يخن ولم يغدر، ولو فعل لم يلم لأنه على دين قومه، ولا يهمه أمر المسلمين في شيء، ورصدت قريش مائة ناقة لمن يأتي بمحمد حيا أو ميتا٣ وأبت نفس ابن أريقط أن يربح هذه الجائزة على حساب رجل ائتمنه ورضي بأجره المتفق عليه.\rوكان لابد أن يختفي رسول الله فترة عن أعين الناس حتى يهدأ الطلب وتفتر الهمم في اقتفاء أثره فيتمكن من السير وهو آمن.\rفأدلج إلى غار ثور، أقام فيه ثلاثة أيام، ولم ينس رسول الله أن يدبر أمر الطعام والشراب والأخبار في تلك الفترة التي سيقضيها في الغار، فجعل أسماء بنت أبى بكر ﵂ لإعداد الطعام والشراب تأتيهما به ليلا حتى لا يراها أحد٤.\rوجعل على أخبار القوم عبد الله بن أبي بكر، كان يسمع ما يدور في مجالس القوم نهارا ويعيه فإذا جن الليل أتاهما بأخبار الناس وأعلمهما بما يتكلمون به، وعلى أساس هذه الأخبار يخطط للبقاء في الغار أو لمغادرته","footnotes":"٣ مختصر السيرة ص ١٦٩.\r٤ ابن هشام (٢/٩٣) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875526,"book_id":3212,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":16,"body":"وكان ﷺ يخشى أن يرى أحد من المشركين أثار أقدام عبد الله بن أبي بكر وأخته أسماء فيسدل بها على مكانهما فأمر عامر بن فهيرة مولى أبي بكر أن يسرح بالغنم مبكرا على آثارهما فيعفى عليها، ويزيل ما قد يكون سببا في معرفة مكانهما، كما كان يريح الغنم عليهما ليلا فيذبحان منها، ويحلبان فيشربان.\rومع كل هذه الاحتياطات، ورغم كل التخطيطات وصل القوم إلى الغار، ولكن هل على الرسول وصاحبه لوم إذا عرف القوم مكانهما بعد ذلك، كلا، فقد اتخذا كل الاحتياطات اللازمة وبذلا كل ما في وسعهما والله – سبحانه - بعد ذلك يتولى ما لم يقدرا عليه.\rوصل المشركون إلى الغار، ورأى سيدنا أبو بكر ﵁ أقدامهم فقال: \"يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا\"، والرسول يهدئ من روع أبي بكر ويقول: \"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا\" ١.\rلقد كان رسول الله في ثقة تامة بالله ﷿ وكيف لا وهو لم يهمل سببا من الأسباب، ولم يقصر في أمر يستطيعه، وأكثر من هذا فقد كان خروجه بأمر الله، والله ﵎ لا يضيع نبيه أبدا.\rلهذا كان الرسول يخاطب أبا بكر وهو موقن أن الله لن يضيعهما ولابد أن يرد عنهما عدوهما، وقد كان.\rوتولى الله صرف المشركين عن الغار، أما كيف؟ وبماذا؟؟ فهذا ما لم يخطر لأحد على بال. لم يرسل الله ملائكة تحرس النبي وصاحبه، ولم يسلط على القوم جيشا يردهم عن وجهتهم. ولكن أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين فباضتا عليه٢.\rوتنازع المشركون أمرهم بينهم، هذا القائف يقول: قد دخلا هنا، وهذا العنكبوت والحمام يوحي إليهم بكذب القائف، حتى قالوا: كيف يدخل الغار ولم يتكسر بيض الحمام، ولم يتمزق نسج العناكب، ولو صح أنهما دخلا قبل بيض الحمام ونسج العنكبوت. فهل يتمكن العنكبوت من نسج ذلكَ في تلك المدة الوجيزة، إن الرسول ﷺ لم يغب عنهم إلا منذ يوم فقط، فكيف يستطيع العنكبوت نسج ذلك كله حتى يغطي فم الغار في يوم؟ ولو صح ببض الحمام في هذا اليوم فإن ذلك يستحيل على العنكبوت.\rلقد حسب المشركون الأمر بحسابهم المادي المعتاد، ولم يدروا أن لله جنود السماوات والأرض، وأن الخوارق طوع إرادته -سبحانه - ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.\rوبهذا الأمر الكريم نسجت العناكب فوق ما يتصوره عقل الإنسان، وباضت الحمائم على وجه الغار، وهكذا صرف الله عن نبيه أعداءه بأوهى الأسباب، وأضعف المخلوقات، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ٤.","footnotes":"١ مختصر السيرة ص ١٦٨.\r٢ مسند البزار.\r٣ سورة يس الآية: ٨٢.\r٤ سورة ق الآية: ٣٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875527,"book_id":3212,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":17,"body":"إلى المدينة:\rمضت على الرسول الأيام الثلاثة وهو في الغار، وهدأ الطلب ويئس المشركون، واطمأن الدليل فوافاهما براحلتيهما، وغادر رسول الله الغار مع صاحبه في رعاية الله وحفظه.\rوسلك الدليل بهما طريقا لا يعرفها كثير من أهل مكة إمعانا في تضليل المشركين، وضمانا لسلامة المهاجرين، وكان السائرون في هذا الدرب أربعة: رسول الله، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر صحبهما ليقوم بخدمتهما، ثم عبد الله بن أريقط دليلهما.\rأخذ الدليل بهما طريق الساحل، وسار أمامهما، وجد الناس في طلبهما رغبة في الحصول على الجائزة الثمينة التي رصدتها قريش لمن يأتي بهما أو بأحدهما حيا أو ميتا.\rورغم إمعان الدليل في التضليل، ورغم الجهد المبذول في التخفي إلا أن سراقة ابن مالك أدرك المهاجرين، وخاف أبو بكر ﵁ مرة أخرى وقال: \"هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله\"، وأجاب الرسول بكل ثقة واطمئنان: \"لا تحزن إن الله معنا\".\rلقد حاول سراقة أن يفوز بالجائزة، إنها ليست شيئا هينا بل هي مائة ناقة عن كل واحد منهما، يقول سراقة: \"كنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المائة الناقة\"١.\rوفرح سراقة عندما رأى الرسول وصاحبه، وحدثته نفسه بالثروة العظيمة التي تنتظره، لا شك أنه سيكون من سادة قريش وأثريائهم، ومن سيكون أكثر ثراء منه فيهم إنه سيكون بعد قليل صاحب مائة ناقة إن لم يكن صاحب مائتين.\rوهمز سراقة فرسه ليدرك الركب، وجد في السير، وأجهد فرسه ولكن حيل بينه وبين ما يشتهي، فكيف حصل هذا؟ ولنترك سراقة يحدثنا بما حصل له، قال سراقة:\r\"فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني، وأنه ظاهر\"٢.\rإن سراقة رجل قد أراد الله به الخير فهداه إلى الحق، وأدرك أنه ما دام لم يستطع الوصول إليه وهو أمامه فلا بد أن يكون له شأن، وإلا فما الذي يحول بينه وبينه؟\rوأدرك سراقة سر هذه الحيلولة فأمن بالله ورسوله، وأخذ على نفسه أن يرد عن الركب كل ما يطلبه.\rلم يكن الرسول ﷺ دخل في رد سراقة، ولكن الله هو الذي رده، إن الرسول قد اتخذ الأسباب التي يستطيعها، فسلك طريقا غير معروفة، وأخذ الدليل ليهديه، واستخفى عند خروجه وذلك ما يستطيعه، فإذا حدث ما لم يكن في الحسبان فالله ﷿ يتولى دفعه، وقد كانت المعجزة التي شاهدها سراقة فعلم أن الرسول ممنوع لا محالة فآمن به.","footnotes":"١ ابن هشام (٢/٩٦) .\r٢ نفسه ص ٩٦-٩٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":2875528,"book_id":3212,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":18,"body":"وقف سراقة بين يدي رسول الله ﷺ وعرض عليه الزاد والمتاع وأخبره بما يريد به الأعداء، فلم يقبل الرسول منه زادا ولا متاعا وأمره أن يخفي أمره ولا يخبر أحدا به١.\rوالتفت الرسول إلى سراقة وقال: \" كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ \" ٢ إنها كلمة لا يقولها في مثل هذا الموقف إلا رجل عظيم تام الثقة بالله ﷿ إن الرسول يطارده قومه، وقد خرج من بينهم مهاجرا إلى بلد آخر مستخفيا، ثم يخبر سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى، إنه أمل عظيم في الله - سبحانه - وثقة تامة في نصره المبين.\rويعود سراقة بهذه البشارة الطيبة وبكتاب أمان كتبه له أبو بكر بأمر الرسول، ويعود فوق ذلك بإيمان ملأ قلبه فكان ذلك عنده خيرا من ألف ناقة.\rومر الرسول وصاحبه بخيمتي أم معبد وهي امرأة من خزاعة كانت تجلس في خيمتها تطعم وتسقي من يمر بها فسألاها عن شيء يشترونه، فأجابت لو كان عندي ما أعوزكم القرى.\rورأى رسول الله ﷺ في جانب الخيمة شاة فقال: \"ما هذه الشاة يا أم معبد؟ \" فقالت: \"هي شاة خلفها الجهد عن الغنم\". فاستأذن منها، وحلبها فتفاجت فدرت، وملأ الرسول منها إناء يكفي الرهط فسقاها ثم سقى أصحابه ثم شرب أخرهم، ثم حلب في الإناء مرة أخرى حتى ملأه وتركه عندها وغادرها.\rوهكذا يضرب الرسول المثل في حب الخير للناس لقد كان يستطيع أن يرحل عن أم معبد دون أن يحلب لها، ويكفي أنه سقاها وسقى أصحابه ولكنه ﷺ كان حريصا على أن يصل الخير إلى الناس جميعا. ولعلها لا تجد ما تطعم منه زوجها إذا حضر فترك عندها ما تستعين به على ذلك.\rوفي الطريق لقي الركب الزبير بن العوام ﵁ قادما من الشام في تجارة له، ومعه بعض المسلمين، فكسا الرسول وأبا بكر ثيابا بيضاء مما جلبه من الشام.\rوسار الركب المبارك ميمما شطر المدينة، وعلم الأنصار بمقدمه فخرجوا لاستقباله وقد لبسوا سلاحهم وتلقوه بظهر الحرة المعروفة بحرة الوبرة - الحرة الغربية - فمال بهم ﷺ ذات اليمين متجها إلى قباء حتى نزل في بني عمرو بن عوف وكان ذلك في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول.","footnotes":"١ صحيح البخاري.\r٢ الإصابة (٢/١٩) .","hints":null,"services_raw":null}